رفقته"مع ما الرفقة فيه" بضم الراء (١) وكسرها من تشاغلهم بأشغالهم وتفاوضهم في أقوالهم ويختلف ذلك باستواء الأرض واختلافها صعودا وهبوطا ويسمى ذلك حد الغوث، قال في المجموع: وليس المراد أن يدور الحد المذكور لأن ذلك أكثر ضررا عليه من إتيان الماء في الموضع البعيد بل المراد أن يصعد جبلا أو نحوه بقربه ثم ينظر حواليه انتهى، فإن كان هذا مراد من عبر بالتردد إليه فذاك وإلا فبينهما اختلاف (٢).
"بخلاف واجد الماء لو خاف الفوات" أي فوات الوقت"إن توضأ فإنه لا يتيمم" لأنه ليس بفاقد للماء (٣) "ثم" إذا تيمم"لا يجدد طلبا" أي لا يلزمه تجديده"لتيمم آخر إلا إن توهم" وجود الماء ولم يجر أمر يحتمل بسببه وجوده فيلزمه التجديد"و" لكن"يكون طلبه" المجدد"أخف" من طلبه الأول"وإن" جرى أمر يحتمل بسببه وجود الماء كأن"انتقل" من مكانه"أو طلع ركب أو سحابة أعاد الطلب" أيضا لكن لا يكون الثاني أخف من الأول وسواء في هذا كله تخلل بين التيممين زمن أم لا"وينادي في الرفقة" (٤) أي رفقة منزله المنسوب إليه بحيث يعمهم إلا أن يضيق وقت تلك الصلاة"من معه ماء" (٥) أو من يجود بالماء أو نحوه فلا يجب أن يطلب من كل منهم بعينه
стр. 247
"ويكفي أن تأذن الرفقة لواحد ثقة يطلب" لهم ولو عبر كأصله بدل قوله: لواحد بثقة كان أولى وأخصر.
"فإن تيقنه" أي وجود الماء"بحد القرب وهو ما يقصده الرفقة للاحتطاب ونحوه" كالاحتشاش وهو فوق حد الغوث الذي يقصده عند التوهم، قال محمد بن يحيى لعله يقرب من نصف فرسخ"وجب الطالب" منه"إن أمن" مع ما مر"الفوات" أي فوات الوقت (١) "وإلا" أي وإن تيقن وجوده فوق حد القرب أو بحده لكن لم يأمن ما ذكر"فلا" يجب الطلب لما فيه من المشقة والضرر، قال في المجموع: إلا أن يكون المال قدرا يجب بذله في تحصيل الماء ثمنا أو أجرة أي فيجب الطلب مع خوف ضرره (٢) وما شمله قوله المصنف وإلا فلا من أنه لو انتهى إلى المنزل في آخر الوقت ولو طلب الماء خرج الوقت لم يجب طلبه قاله النووي وقال الرافعي يجب طلبه كما لو كان في رحله وكل منهما نقل ما قاله عن مقتضى كلام الأصحاب بحسب ما فهمه، وزاد النووي نقله عن ظاهر نص الأم وغيره وقال السبكي (٣): إنه الحق.
"ومن تيقن الماء" أي وجوده"آخر الوقت (٤) فانتظاره. . . . . . . . . . .
стр. 248
. . . . . . . . أفضل" (١) من تعجيل التيمم لأن الوضوء هو الأصل والأكمل ولأن فضيلة الصلاة ولو آخر الوقت أبلغ منها بالتيمم أوله لأن تأخيرها إلى آخر الوقت جائز مع القدرة على أدائها أوله، ولا يجوز التيمم مع القدرة على الوضوء قال الماوردي: ومحله إذا تيقنه في غير منزله الذي هو فيه أول الوقت وإلا وجب التأخير لأن المنزل كله محل الطلب فلا وجه لمن أطلق استحباب التأخير من أصحابنا (٢) "وإلا" بأن تيقن عدمه آخر الوقت أو ظنه أو شك فيه أو توهمه"فالتعجيل" أفضل لتحقق فضيلته دون فضيلة الوضوء وفارق ندب التأخير فيمن رجا زوال عذره المسقط للجمعة قبل فواتها بأن الجمعة تفعل أول الوقت غالبا وتأخير الظهر إلى فواتها ليس بفاحش بخلاف التيمم مع أن راجي الماء لا حد لتأخيره فيلزم منه التأخير إلى آخر الوقت ويخاف معه فوات الصلاة"كمريض" عجز عن القيام مثلا"وعار" عجز عن السترة فإنهما إن تيقنا القدرة عليهما آخر الوقت فالأفضل أنهما"ينتظران القدرة والسترة آخره" وإلا فالأفضل التعجيل ففي كلامه لف ونشر مع أنه لو اقتصر على القدرة كفى وإدخال الكاف على المريض من زيادته فيشمل كلامه من به سلس بول أو نحوه فينظر فيه هل يرجو الانقطاع أو لا، وما مر في التيمم محله في المسافر.
"أما المقيم فلا يتيمم وعليه أن يسعى" إلى الماء"وإن فات به الوقت" قال في الأصل لأنه لا بد من القضاء (٣) أي لتيممه مع القدرة على استعمال الماء فلا يرد جواز التيمم للبرد مع وجوب القضاء ويؤخذ من التعليل أن التعبير بالمسافر والمقيم فيما إذا خاف فوات الوقت لو سعى إلى الماء جرى على الغالب وإن
стр. 249
الحكم منوط بمن هو بمحل يغلب فيه وجود الماء كما سيأتي إيضاحه.
"والأفضل للمنفرد الراجي" يقينا"للجماعة" آخر الوقت"التأخير إن لم يفحش" عرفا فإن لم يرجها أو رجاها مع فحش التأخير فالتقديم أفضل، وقوله: " إن لم يفحش" بحث للنووي فإنه قال: قطع معظم العراقيين بأن التأخير أفضل ومعظم الخراسانيين بأن التقديم أفضل، وقال جماعة: هو كالتيمم (١) فإن تيقن الجماعة آخر الوقت، فالتأخير أفضل إلى آخره ثم قال: وينبغي أن يتوسط، فيقال: إن فحش التأخير فالتقديم أفضل وإن خف فالتأخير أفضل، وهذا جعله في المجموع احتمالا فإنه نقل أولا الكلام السابق ثم اختار أنه إن تيقن حصول الجماعة فالتأخير أفضل لتحصيل شعارها الظاهر ولأنها فرض كفاية على الصحيح وفرض عين على وجه ثم قال: ويحتمل أن يقال: إن فحش التأخير فالتقديم أفضل وإن خف فالانتظار أفضل، ثم محل الخلاف في هذه وفي نظيرتها السابقة إذا اقتصر على أحدهما.
"فإن صلاها المتيمم أو المنفرد أول الوقت ثم أعادها" آخره"بالوضوء والجماعة فهو النهاية" في إحراز الفضيلة، واعترض ابن الرفعة في صورة التيمم بأن الصلاة به لا يستحب إعادتها بالوضوء وأجيب بأن هذا فيمن لا يرجو الماء بعد بقرينة سياق الكلام.
"وللمسافر القصر وإن تيقن الإقامة آخره" أي آخر الوقت لوجود السبب حين الفعل"وإدراك الجماعة أولى من تثليث الوضوء" وسائر آدابه فلو خاف فوت الجماعة لو أكمل الوضوء بآدابه فإدراكها أولى من إكماله كذا جزم به في التحقيق ونقله في الروضة والمجموع عن صاحب الفروع ثم قال: وفيه نظر ورد النظر بأن الجماعة فرض كفاية (٢) بل قيل فرض عين وهما أفضل من النفل"وإدراك الركعة الأخيرة لا غيرها" (٣) من الركعات"أولى" من إدراك
стр. 250
"الصف الأول" ليدرك فضل الجماعة اتفاقا بخلاف غير الأخيرة فإن إدراك الصف الأول أولى من إدراكه للأخبار الصحيحة في الأمر بإتمامه وفضله والازدحام عليه والاستهام ذكر ذلك في المجموع تفقها، وللمسألة نظائر ذكر البغوي في فتاويه بعضها (١) وفي بعض ما ذكره نظر نبه عليه الإسنوي.
"ولا يلزم البدوي النقلة للماء" أي للتطهر به"عن التيمم" وقوله: وإدراك الركعة إلى آخره من زيادته"ولا ينتظر مزاحم على بئر" لا يمكن أن يستقي منها إلا واحد واحد وقد تناوبها جمع"أو ثوب" لا يمكن أن يلبسه إلا واحد واحد وقد تناوبه عراة"أو مقام" لا يسع إلا قائما واحدا وقد تناوبه جمع للصلاة فيه"نوبة" له إن علم انتهاءها إليه"بعد الوقت (٢) بل يصلي" فيه بتيمم"أو عاريا أو قاعدا ولا إعادة". عليه لأنه عاجز في الحال، وجنس عذرهم غير نادر والقدرة بعد الوقت لا تؤثر كما في العاجز عن القيام، وعن استعمال الماء في الوقت مع غلبة ظن قدرته عليهما بعده بخلاف ما لو تنجس ثوبه، وكان معه ماء لو اشتغل بغسله به خرج الوقت فإنه يجب انتظاره لأن البئر والثوب والمقام هنا ليست في قبضته والثوب ثم في قبضته فينتظر كما لو كان معه ماء يتوضأ به أو
стр. 251
يغترفه من بئر ولا مزاحم له، وضاق الوقت فإنه ينتظر ولا يصلي بالتيمم.
"وينتظرها" أي نوبته إذا توقع انتهاءها إليه"في الوقت" (١) ليصلي متوضئا ومستورا وقائما"وعليه شراء ماء لا يكفيه" لطهارته"ليستعمل" هـ"ولو" كان استعماله"لميت وإن لم يجد ترابا" لخبر الصحيحين "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" (٢) ولأن الميسور لا يسقط بالمعسور (٣) وكان الأنسب بالغاية (٤) أن يقول وإن وجد ترابا وقوله: ولو لميت من زيادته"ويقدم الماء" على التراب وجوبا في الاستعمال لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ (٥) [النساء: ٤٣] وهذا واجد للماء ولأن التيمم للضرورة فيختص بمحلها كمسح الجبيرة وفارق ذلك عدم وجوب إعتاق بعض الرقبة في الكفارة بالنص حيث قال ثم ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ ﴿لَمْ يَجِدْ﴾ أي لرقبة ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ﴾ [النساء: ٩٢] وهذا لم يجدها، وقال هنا ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣] وهذا واجده وبأن
стр. 252
في وجوب بعض الرقبة مع الشهرين جمعا بين البدل والمبدل، وهو غير لازم والتيمم يقع عن غير المغسول خاصة وبأن عتق بعض الرقبة لا يفيد غير ما أفاده الصوم وغسل بعض الأعضاء يفيد ما لا يفيده التيمم وهو رفع حدث العضو المغسول.
"والمحدث" الواجد لماء لا يكفيه"يرتب" كما لو وجد ما يكفيه"لا الجنب" الواجد لذلك فلا ترتيب عليه"وإن كان محدثا" كما لو وجد ماء يكفيه لاندراج الحدث في الجنابة"و" لكن"أعضاء الوضوء أولى" بالغسل لشرفها، قال في المجموع: قال أصحابنا: يستحب أن يبدأ بمواضع الوضوء ورأسه وأعالي بدنه وأيهما أولى فيه خلاف نقل صاحبا البحر والبيان أنه يستحب أن يبدأ برأسه وأعاليه، وقطع البغوي وغيره باستحباب تقديم أعضاء الوضوء والرأس والمختار تقديم أعضاء الوضوء ثم الرأس ثم الشق الأيمن كما يفعل من يغسل كل بدنه"ثم يتيمم للباقي" وكالجنب فيما ذكر الحائض والنفساء.
"ويجب استعمال" وشراء"تراب ناقص" في التيمم"و" استعمال وشراء"ماء" ناقص"في بعض النجاسة" لما مر في ماء طهارة الحدث"لا ثلج" أو برد"لا يذوب" فلا يجب استعماله لعدم صلوحه للغسل الواجب ولا يلزم المحدث استعماله في رأسه لوجوب الترتيب فلا يصح مسح الرأس مع بقاء فرض الوجه واليدين ولا يمكن التيمم مع وجود ما يجب استعماله (١) وقيل: يلزمه المسح به في الرأس فيتيمم (٢) عن الوجه واليدين ثم يمسح به الرأس ثم يتيمم عن الرجلين ولا يؤثر هذا الماء في صحة التيمم للوجه واليدين لأنه لا يجب استعماله فيهما قال في المجموع: وهذا أقوى في الدليل لأنه واجد والمحذور يزول بما ذكر (٣).
стр. 253
"ويبطل التيمم برؤية الماء الناقص" عن تكميل الطهر وبتوهمه كما في الكامل وهذا معلوم من كلامه الآتي في الباب الثالث"وتعين للنجاسة ماء قليل" لا يكفي إلا لها أو للحدث فيما إذا"وجده محدث" حدثا أصغر أو أكبر"متنجس" لأن إزالتها لا بدل لها بخلاف الوضوء والغسل والظاهر أن القليل يتعين لها وإن لم يكفها سواء أكفى الحدث أم لا كما شمله كلامه ومحل تعينه لها في المسافر أما الحاضر فلا لأنه لا بد من الإعادة (١) نعم النجاسة أولى ذكر ذلك القاضي أبو الطيب وجرى عليه النووي في تحقيقه ومجموعه لكن أفتى البغوي (٢) بوجوب استعماله في النجاسة أيضا كما هو ظاهر كلام المصنف كأصله.
"ويجب غسلها" أي النجاسة"قبل التيمم" فلو تيمم قبل إزالتها لم يجز كما صححه في الروضة والتحقيق في باب الاستنجاء لأن التيمم للإباحة ولا إباحة مع المانع فأشبه التيمم قبل الوقت لكنه صحح منه في الروضة والمجموع هنا الجواز (٣)، والأول هو الراجح (٤) فإنه المنصوص في الأم كما في الشامل والبيان والذخائر وإلا قيس كما في البحر ونقله في المجموع. هناك عن تصحيح الشيخ أبي حامد والقاضي أبي الطيب وابن الصباغ والشيخ نصر والشاشي وغيرهم، ونقل فيه تصحيح الجواز عن الإمام والبغوي كمن تيمم عريانا وعنده سترة قال: ويمكن الفرق بأن ستر العورة أخف من إزالة النجاسة ولهذا تصح الصلاة مع
стр. 254
العري بلا إعادة بخلاف النجاسة وبما تقرر علم أن عدم الجواز محله على قول القاضي أبي الطيب في السفر.
"وإن أتلف الماء في الوقت لغرض كتبرد وتنظف وتحير مجتهد لم يعص" للعذر (١) "أو" أتلفه"عبثا لا قبل الوقت" بل فيه أو بعده"عصى" لتفريطه بإتلاف ما تعين للطهارة"ولا إعادة" عليه إذا تيمم في الحالين لأنه تيمم وهو فاقد للماء فأشبه ما لو لزمه كفارة وله عبد فقتله أو أعتقه وكفر بالصوم فإنه يكفيه أما إذا أتلفه قبل الوقت فلا إعادة أيضا ولا عصيان أي من حيث إتلاف ماء الطهارة وإلا فالعصيان ثابت من حيث إنه إضاعة مال مع أن عدم العصيان لم يذكره في الروضة نعم هو قضية كلام الرافعي وهو محمول على ما قررته قال في المهمات ولو أحدث عمدا بلا حاجة فيتجه إلحاقه بالإتلاف بلا سبب (٢) "ولو باعه أو وهبه في الوقت بلا حاجة له ولا للمشتري" أو المتهب"كعطش لم يصح بيعه ولا هبته" لأنه عاجز عن تسليمه شرعا لتعينه للطهر وبهذا فارق (٣) صحة هبة من لزمته كفارة أو ديون فوهب ما يملكه"ولا تيممه ما قدر عليه" (٤) لبقائه على ملكه وعليه أن يسترده"فإن عجز عن استرداده تيمم" وصلى"وقضى تلك الصلاة" التي فوت الماء في وقتها التقصير دون ما سواها لأنه فوت الماء قبل دخول وقتها"ولا يقضيها" أي تلك الصلاة"بتيمم في الوقت" بل يؤخر القضاء إلى وجود الماء أو حالة يسقط الفرض فيها بالتيمم.
стр. 255
"وإن تلف" الماء"في يد المتهب" أو المشتري"فكالإراقة" في أنه إذا تيمم وصلى لا إعادة عليه لا إذا أتلف صار فاقدا له عند التيمم"ولا يضمنه المتهب" بتلفه في يده بخلاف المشتري لأن الهبة الصحيحة لا ضمان فيها عليه بخلاف البيع الصحيح، وفاسد كل عقد كصحيحه في الضمان وعدمه كما سيأتي نعم لو وهب المريض في مرض موته (١) عينا لا تخرج من الثلث ولم تجز الورثة فما لم يخرج منه مضمون على المتهب (٢) لأن الحجر فيه لحق الآدمي"ولو مر بماء في الوقت وأبعد" الأولى ما في الأصل وبعد عنه بحيث لا يلزمه طلبه"ثم تيمم فلا إعادة" عليه لأنه صار فاقدا للماء عند التيمم قال في المهمات: وكلام الرافعي يوهم عدم وجوب الوضوء، والقياس وجوبه (٣) ويدل له وجوب قبول الهبة وعلى ما قاله يتقيد الوجوب بما سيأتي في وجوب قبول الهبة المبيح.
"الثاني الخوف فإن خاف" من بقربه ماء"على" محترم من"نفس أو عضو أو مال" ولو قليلا على ما مر"يصحبه" معه"أو يفارقه" أي يخلفه في رحله"أو" خاف"من انقطاع رفقة" أي انقطاعه عنها وإن لم يتضرر به"إن طلبه" شرط للخوف أي فإن خاف على شيء مما ذكر إن طلب الماء"تيمم" لفقده شرعا، ولقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] وجعلوا الوحشة بانقطاع الرفقة هنا مرخصة بخلافها في الجمعة، ويفرق بأن الطهر وسيلة بخلاف الجمعة والوسائل يغتفر فيها ما لا يغتفر في الأصول، وبأن السفر يوم الجمعة منهي عنه في الجملة (٤). وتعبيره بنفس وعضو ومال شامل للطالب ولغيره فهو أحسن من تعبير الأصل بنفسه وعضوه وماله.
"وكذا" يتيمم"من في سفينة وخاف من البحر لو استقى" عبارة الأصل
стр. 256
وخاف لو استقى من البحر وبينهما تساو إن قدر في كلام المصنف بعد استقى من البحر وجعل من البحر في كلام أصله متنازعا فيه وإن لم يقدر ذلك فبينهما عموم مطلق إن لوحظ التنازع وإلا فعموم من وجه.
"ويجب اتهاب الماء" على عادمه بقيد زاده تبعا للماوردي بقوله"في الوقت" إن لم يحتج إليه الواهب وضاق الوقت عن طلب الماء لأنه حينئذ يعد واجدا للماء (١) ولا تعظم فيه المنة وبهذا فارق عدم وجوب اتهاب الرقبة في الكفارة فإن احتاج إليه لعطش ولو مآلا أو لغيره حالا أو اتسع الوقت لم يجب اتهابه كما اقتضاه كلامهم ونقله الزركشي عن بعضهم وأقره"و" يجب"اقتراضه واستعارة الآلة" أي. آلة السقي من دلو وحبل وغيرهما في الوقت بالشرطين السابقين لخفة المنة فيهما (٢) سواء أجاوزت قيمة الآلة ثمن الماء أم لا إذ الظاهر السلامة"لا اتهابها" أي الآلة فلا يجب لثقل المنة والمراد بالاتهاب والاقتراض والاستعارة ما يعم القبول والسؤال فتعبيره بذلك أولى من تعبير الأصل بالقبول.
"وإن كان معه ثوب إن شقه" وشد بعضه ببعض"كفاه ولو بعصر ماؤه لزمه" ذلك"إن لم ينقص بشقه أكثر من الأكثر من أجرة الآلة وثمن الماء" وذكر الأصل أنه لو كان معه ثوب يصل إلى الماء بلا شق لزمه إدلاؤه ليبتل ويعصر ماءه ليتوضأ به إن لم ينقص أكثر مما ذكر، وحذفه المصنف (٣) لفهمه بالأولى مما ذكره أو لأن النظر فيه إلى ثمن مثل الماء فقط كما نقله في المجموع
стр. 257
عن الأصحاب مع موافقته على ما تقرر في مسألة الشق من النظر إلى الأكثر والحق أنه لا فرق فقد قال الأذرعي وما في الروضة وأصلها من النظر (١) إلى الأكثر هو احتمال للشاشي وادعى أنه الصواب والمنقول النظر إلى ثمن المثل قال في المجموع: قال الماوردي ولو عدم الماء وعلم أنه لو حفر محله وصل إليه فإن كان يحصل بحفر قريب لا مشقة فيه وجب الحفر وإلا فلا.
"ولا يجب قبول هبة الثمن" أي ثمن الماء أو الآلة (٢) "و" لا قبول"قرضه ولو" كان قبولهما"من أب" أو ابن"ولو كان" قابل القرض"موسرا بمال غائب" لما في الأول من ثقل المنة، وفي الثاني من الحرج إن يكن له مال وعدم أمن مطالبته قبل وصوله إلى ماله إن كان له مال إذ لا يدخله أجل بخلاف الشراء والاستئجار كما سيأتيان وإنما وجب قبول قرض الماء كما مر لأن القدرة عليه عند توجه المطالبة أغلب منها على الثمن.
"ويجب شراء الماء وآلة السقي واستئجارها" لأن ذلك وسيلة لتحصيل الماء"بعوض المثل" (٣) من ثمن وأجرة"هناك" أي في ذلك المكان"في تلك الحال" اعتبارا بحالة التقويم بقيد زاده بقوله: "إن لم يكن حال عطش" يعني إن لم ينته الأمر إلى سد الرمق لعدم انضباطه حينئذ وربما يرغب في الشربة حينئذ بدنانير ويبعد في الرخص إيجاب ذلك وهذا ما قيد به الإمام ونقله عنه في المجموع وأقره (٤) "لا" إن بيع أو أوجر"بزيادة" على عوض المثل فلا يجب
стр. 258
شراء ولا استئجار"وإن تغوبن بمثلها" لأنها محترمة (١)، قال في الأصل: كذا قالوه ولو قيل يجب التحصيل ما لم تجاوز الزيادة ثمن مثل الماء لكان حسنا، قال الرافعي: لأن الآلة المشتراة تبقى له وقدر ثمن الماء يحتمل التلف في هذه الجهة ورد البلقيني البحث بأنه يصير اللازم للمكلف أمرين ثمن الآلة وثمن الماء وربما تقع الآلة في البئر فتفوت عليه والصواب أن المعتبر ثمن الماء قال: ولو قيل في صورة الإجارة لا يلزمه إلا إذا لم تزد الأجرة على ثمن الماء لكان هو المعتمد لأن الله تعالى إنما كلف بالماء فلا يزاد على ثمنه.
"فإن بيع" ما ذكر من الماء والآلة"نسيئة" بزيادتها بأن زيد بسببها ما يليق بها"وجب" قبوله لأن ذلك ثمن مثله وإن زاد على ثمن مثله نقدا ومثله الاستئجار نسيئة هذا"إن كان موسرا والأجل يوصله" أي ممتدا إلى أن يصل"موضع ماله إن فضل" (٢) الأحسن وفضل أي الثمن"عن دينه" ولو مؤجلا"و" عن"مؤنته" من مطعوم وملبوس ومركوب بل ومسكن وخادم كما صرح بهما ابن كج في التجريد وقال في المهمات إنه المتجه"ذهابا وإيابا" إن كان مسافرا"و" عن"نفقة" حيوان"محترم" معه"وكسوة عبده" لأن هذه الأشياء لا بدل لها بخلاف الماء فإن فقد شرط من ذلك لم يجب القبول وخرج بمعه ما ليس معه كأن يكون مع رفقته ولم يعدموا نفقته وظاهر أن ما يكون له وليس معه حكمه حكم ما معه، وقوله وكسوة عبده من زيادته ولو قال: وكسوة من تلزمه نفقته كان أولى ويفارق ما تقرر من أن القادر على شراء الماء بمؤجل لا ينتقل إلى البدل جواز الانتقال إليه للقادر على حرة بمؤجل بأن ما حصله هنا بالمؤجل مال يصلح لجميع التصرفات بخلافه ثم فإنه إنما هو
стр. 259
ضرب من الانتفاع.
"والمحترم" من الحيوان"ما يحرم قتله" وغيره بخلافه كحربي ومرتد وخنزير وكلب لا ينفع (١) ووقع للنووي فيه إذا لم يكن عقورا تناقض قال في المهمات. ومذهب الشافعي (٢) جواز قتله فقد نص عليه في الأم وجزم به المصنف في الأطعمة ونبه عليه الأصل في باب محرمات الإحرام المبيح"الثالث العطش فلا يتوضأ به" أي بالماء أي لا يجوز له كما صرح به في المجموع وغيره"وهو يخاف عطش" (٣) حيوان"محترم" (٤) من نفسه وغيره"في الحال أو المآل وإن رجا" أي ظن"وجوده" بل يتيمم دفعا لما يلحقه من الضرر وضبط العطش المبيح كضبط المرض وسيأتي.
"ولا" يتوضأ به"إن احتاج بيعه لشراء طعام" لأكل حيوان محترم أو لدين أو نحوه مما مر لما قلناه"ولا يدخره" أي الماء"لطبخ بل كعك وفتيت" بل يتوضأ ويأكل ذلك يابسا وهذه والتي قبلها من زيادته وجزم بالأولى صاحب المجموع وبهما معا القمولي ولم يعبر في الثانية بالادخار بل بما يشمل الحال (٥) والمآل والأوجه فيها أنه يتيمم ويستعمل الماء في ذلك لحاجته إليه في المأكل، وقد قال الشيخ ولي الدين العراقي في فتاويه: قول الفقهاء إن حاجة العطش
стр. 260
مقدمة على الوضوء ينبغي أن يكون مثالا ويلحق به حاجة البدن بغير الشرب كالاحتياج للماء لعجن دقيق ولت سويق (١) وطبخ طعام بلحم وغيره وظاهره أنه لم يقف على غيره وإلا لنبه عليه.
"ويقدم" وجوبا"شراء الماء لعطش بهيمته وكلب صيده" ونحوه على شرائه لطهره ولا يتقيد ذلك ببهيمته وكلب صيده بل يجري في كل ما معه من حيوان محترم كما صرح به في المجموع فإن وجد من يبيعه الماء لحاجة العطش بقيمته لزمه شراؤه"فلو امتنع البائع" من بيعه"إلا بزيادة على القيمة فاشتراه العطشان كارها لزمه الزائد" لأنه عقد صدر من أهله فهو كما لو باعه غير الماء بأضعاف ثمنه وهذا من زيادته هنا وقيل: لا يلزمه لأنه كالمكره عليه لوجوب الشراء عليه، وهذان الوجهان حكاهما في المجموع ولم يرجح منهما شيئا.
"وله" أي للعطشان"أخذه" أي الماء من مالكه"قهرا" إذا امتنع من بذله بيعا وغيره لحرمة الروح حتى لو أدى إلى هلاكه كان هدرا لأنه ظالم بمنعه أو إلى هلاك الظامئ مضمونا لأنه مظلوم وكالعطشان في هذه والتي قبلها من معه محترم عطشان كما صرح به في المجموع"لا" أخذه"من" مالك"عطشان" لأن المالك أحق ببقاء مهجته قال في المجموع: ولو كان مالكه يحتاج إليه في المنزل الثاني وثم من يحتاج إليه في الأول فهل يقدم الأول لأنه المالك أو الثاني لتحقق حاجته في الحال وجهان والراجح الثاني كما يعلم مما يأتي في الأطعمة قال: وإذا عطش العاصي بسفره ومعه ماء لم يجز له التيمم حتى يتوب ا هـ فلو خالف وشربه قبل التوبة وتيمم بعدها لا قضاء عليه لكنه يعصي كما لو أتلفه عبثا.
"وهل يذبح" قهرا"شاة الغير" الذي لم يحتج إليها"لكلبه" المحترم المحتاج إلى طعام؟ وجهان في المجموع عن القاضي هنا:
أحدهما: وعلى نقله عن القاضي اقتصر في الأطعمة نعم (٢) كالماء فيلزم
стр. 261
مالكها بذلها له.
والثاني: لا لأن للشاة حرمة أيضا لأنها ذات روح وقوله: " لا من عطشان. إلخ" من زيادته"ولا يكلف أن يستعمله" أي الماء في وضوء أو غسل"ثم يشربه" لأن النفس تعافه (١) وتعبيره بالاستعمال أعم من تعبير أصله بالتوضؤ.
"ولا أن يشرب النجس من الماءين" (٢) ويتطهر بالطاهر"بخلاف الدابة" فإنه يكلف لها ذلك لأنها لا تعافه، والتصريح بهذا من زيادته وأفهم تعبيره بأنه لا يكلف شرب ما ذكر جواز شربه وهو كذلك خلافا للنووي في النجس فصرح في المجموع بأنه لا يجوز شربه (٣) بناء على ما صوبه فيه وصححه في الروضة تبعا لاختيار الشاشي من أنه يشرب الطاهر ويتيمم (٤) والذي نص عليه الشافعي ونقله هو تبعا للرافعي عن الزجاجي بضم الزاي والماوردي وآخرين أنه يلزمه التطهر بالطاهر لأنه صار مستحقا للتطهر ويشرب النجس، وقال في المهمات إنه المفتى به لنص الشافعي عليه في حرملة كما نقله الشيخ أبو حامد والمحاملي وغيرهما، ولقول النووي في تحقيقه: المختار شرب الطاهر فإنه يقتضي أن المشهور مقابله لاصطلاحه على أن المختار ما رجح دليلا وكان المشهور خلافه ا هـ ولا فرق بين العطش الحالي والمآلي كما صرح به الماوردي بل نص عليه الشافعي في الأم وعبارته في المآلي: وإذا كان مع الرجل في السفر ماء طاهر
стр. 262
ونجس واشتبها عليه وكان يخاف العطش فيما بعد إن توضأ بالماء فإنه يتحرى ويتوضأ بالطاهر في ظنه ويمسك الآخر حتى إن احتاج إليه لعطشه شربه.
"ولو عطشوا ولميت ماء شربوه" وضمنوه للوارث"بقيمته هناك" أي بمكان الشرب بل وببرية كما في الأصل كسائر المتلفات"لا مثله" أي بقيمة الماء لا بمثله وإن كان مثليا لأن المسألة مفروضة فيما إذا كانوا ببرية للماء فيها قيمة ثم رجعوا إلى وطنهم ولا قيمة له فيه وأراد الوارث تغريمهم فلو ردوا الماء لكان إسقاطا للضمان فإن فرض الغرم بمكان الشرب أو مكان آخر للماء فيه قيمة ولو دون قيمته بمكان الشرب وزمانه غرم مثله كسائر المثليات (١).
"ولو اجتمعا" أي الشارب والوارث"في ذلك المكان بعد التسليم" أي تسليم القيمة في الوطن فإنه لا يتغير الحال فليس للوارث رد القيمة والمطالبة بالمثل كما لو أتلف مثليا وتعذر المثل فغرم القيمة ثم وجد المثل ليس للمالك رد القيمة وطلب المثل والتصريح بقوله: ولو اجتمعا … إلخ من زيادته"ويمموه" أي شربوا ماء الميت ويمموه حفظا لمهجهم ولأن الشرب لا بدل له بخلاف الغسل، وخرج بعطشهم ما لو احتاجوا له للطهارة فإنهم يغسلون الميت منه بقدر حاجته وما بقي حفظوه للوارث ويحرم عليهم الطهارة به بل يتيممون فإن تطهروا به أثموا وضمنوه.
"فإن أوصى" مثلا"بماء" أي بصرفه"للأولى" به وقد حضر محتاجون إليه"قدم" (٢) به وجوبا عند ضيقه وندبا عند اتساعه"العطشان" المحترم حفظا
стр. 263
لمهجته والتصريح بهذا من زيادته"ثم" إن لم يكن عطشان أو فضل منه شيء قدم"الميت" ولو غير متنجس لأن ذلك خاتمة أمره، ولأن القصد من غسله تنظيفه وهو لا يحصل بالتراب ومن طهر الحي استباحة الصلاة وهي تحصل بالتيمم (١).
فإن مات اثنان ووجد الماء قبل موتهما قدم"الأول" لسبقه"فإن ماتا معا أو جهل السابق" بأن لم يعلم ترتيب ولا معية أو علم الترتيب ولم يعلم السابق أو علم ونسي"أو وجد الماء بعدهما قدم الأفضل" لأفضليته، وقوله: أو جهل السابق الشامل لنسيانه كما تقرر كما سيأتي نظيره من زيادته وذكره في المهمات قال (٢): والأقرب اعتبار الأفضلية بغلبة الظن بكونه أقرب إلى الرحمة (٣) فلا يقدم بالحرية والنسب كما ذكروه في تقديم الأفضل من الجنائز للإمام قال ويتجه تقديم الصبي على البالغ (٤) وفي التقديم بالأبوة على البنوة وبالذكورة على الأنوثة نظر والظاهر عدمه إلا أنهم قالوا في الوضع في اللحد: يقدم الأب على الابن والأم على البنت هو الظاهر ما قاله ويفارق ما قالوه في اللحد بأن التقديم فيه دائم ولا بدل بخلافه هنا والمتجه أيضا في الصبي والبالغ اعتبار الأفضلية"فإن استويا فالقرعة" يقدم بها لعدم الترجيح وظاهر له إذا تعدد العطشان أو من سيأتي فحكمه حكم الميتين فيما ذكر.
"ولا يشترط" لاستحقاق الميت ذلك"قبول الوارث له كالكفن" المتطوع
стр. 264
به عليه"ثم" إن لم يكن ميت أو فضل منه شيء قدم (١) "المتنجس" لأن طهره لا بدل له فإن قلت قياس ما مر عن التحقيق والمجموع في محدث متنجس حاضر من أنه يتخير بين صرف الماء للنجاسة والحدث للزوم الإعادة مجيئه هنا في حاضرين لذلك ويقرع بينهما قلت: العبرة هنا بالأولى لتنصيص المالك عليه وقد تقدم ثم أن المتنجس وإن تخير فالنجس أولى لكن لا على سبيل الاستحقاق (٢) "ثم الحائض" أو النفساء لعدم خلوها عن النجس غالبا ولغلظ حدثها فإن اجتمعتا قدم أفضلهما فإن استويا أقرع بينهما"ثم الجنب" لأن حدثه أغلظ من حدث المحدث وهذا على تفصيل ذكره بقوله.
"ولو اجتمع جنب ومحدث فالجنب أولى" لغلظ حدثه (٣) "إلا" إن كفى الماء"المحدث دونه" أي الجنب فالمحدث أولى سواء فضل عن وضوئه شيء أم لا لأنه يرتفع به حدثه بكماله دون الجنب فقوله في نسخة ولم يفضل عنه قيد مضر قال الرافعي وقياس هذا التفصيل (٤) يأتي في الميت مع المتنجس وفي الجنب مع الحائض قلت: بل وفي كل منهما (٥) وممن ذكر معهما مع مثله قال وهذا كله إذا عين المكان فقال: اصرفوه للأولى في هذه المفازة فإن أطلق فينبغي أن يبحث عن محتاجي غيرها كما لو أوصى لأعلم الناس إلا أن حفظ الماء ونقله إلى مفازة أخرى كالمستبعد وهذا حذفه من الروضة (٦)، وخرج بالوصية ونحوها ما لو صرف المالك بنفسه فلا يجب كما في المجموع الترتيب بل يصرفه
стр. 265
لمن شاء إلا لعطشان فيجب تقديمه وظاهر أن الترتيب في غيره مندوب.
"ولو اغتسل" الجنب"إلا عضوا وتيمم له ثم أحدث وتيمم" للحدث"ثم وجد ما علم أنه لا يزيد على ذلك العضو تعين له ولم يبطل تيممه" الثاني لأنه وقع عن الحدث ولم يقدر بعده على ما يرفعه وهذا من زيادته وهو الأظهر في المجموع.
"ولو انتهوا" أي المحتاجون"إلى ما يباح" ولم يحرزوه"استحب" لغير الأحوج"إيثار الأحوج بإحرازه فإن أحرزوه لم يجز الإيثار" لأنهم ملكوه مع حاجتهم إليه وهذا ما جمع به الرافعي (١) بين ما أطلقه الأكثرون من طلب الإيثار من غير تعرض لملكهم له وما قاله الإمام من تحريمه بناء على أنهم ملكوه لفرضه أنهم استووا في إحرازه وكلام الروضة لا يفي بذلك ثم قال الرافعي وتبعه في الروضة لكن يمكن أن ينازعهم الإمام في الاستحباب، ويقول: لا يجوز العدول عما يتمكن منه للطهارة قال في المهمات وهذا الإشكال ظاهر فإن إطلاقهم يقتضي أن المالك لو وهب لغيره الأحوج لزمه القبول فكذا ما نحن فيه أي فيلزمه تحصيل الطهر ومن ثم ضعف الزركشي الجمع بما ذكر ثم قال: وإنما يندفع الإشكال أي المحوج إلى الجمع بحمل كلام الأكثرين على أن المحتاجين لا يملكون الماء بالاستيلاء وإنما يملكه الأحوج فالأحوج كما في الوصية لأولى الناس فحمل كلامهم على استحباب ترك الاستيلاء للإيثار للأحوج لا يصح بل لو استولى عليه غير الأحوج وأحرزه لزمه دفعه للأحوج عند الأكثرين كما في مسألة الوصية وقول الأصحاب أن الواردين على ماء مباح يملكونه محمول على ما إذا لم يعارضه حق الله تعالى وهو تعلق الأحوج به وفيما قاله نظر والوجه دفع الإشكال المذكور ربما جمع به الرافعي ويدفع إشكاله بأن يقال يجوز لغير الأحوج العدول عما يتمكن منه للطهارة في الماء المباح مع وجود أحوج منه ويلتزم
стр. 266
هذا في مسألة الهبة أيضا (١) المبيح.
"الرابع الجهل" بالماء وأراد بالجهل ما يشمل النسيان بقرينة قوله"فإذا نسي بئرا هناك" أي بمحل نزوله"أو ماء في رحله أو ثمنه أو أضلهما فيه وتيمم" وصلى ثم تذكره ووجده"أعاد" الصلاة"وإن أمعن في الطلب" لوجود الماء معه ونسبته في إهماله حتى نسيه أو أضله إلى تقصير والتصريح بإضلال الثمن من زيادته.
"فإن أضل رحله" في رحال وأمعن في الطلب كما ذكره الأصل"أو أدرج فيه" أي في رحله"ماء ولم يشعر" به"أو لم يعلم بئر خفية هناك" (٢) فتيمم وصلى"فلا إعادة" وإن وجد ذلك لعدم تقصيره بخلافه في النسيان والإضلال في رحله وتحرير الفرق بين مسألتي الإضلال بأن مخيم الرفقة أوسع من مخيمه (٣) فكان أبعد عن التقصير وخرج بقوله من زيادته خفية ما لو كانت ظاهرة فيلزمه الإعادة كما في المجموع المبيح.
"الخامس المرض" ولو في الحضر لآية ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ [النساء: ٤٤] أي وخفتم من استعمال الماء محذورا فتيمموا بقرينة تفسير ابن عباس (٤) المرض بالجرح والجدري ونحوهما ولما في استعمال الماء مع ذلك من الضرر"فيتيمم مريض خاف تلف نفس أو عضو أو منفعته" أي العضو ولو أبدل لفظة تلف
стр. 267
بعلى كما فعل فيما مر في المبيح الثاني لكان أولى (١) وأغناه عن قوله أو منفعته"وكذا" يبيح التيمم لمريده"خوف مرض مخوف أو" خوف"زيادة فيه" بأن خاف زيادة الألم وإن لم تزد مدته"أو" خوف زيادة"في مدته" وإن لم يزد الألم أو لم يحصل بها شدة الضنا وهو المرض المدنف (٢) أي اللازم"أو" خوف"حصول شين قبيح" أي فاحش"في عضو ظاهر" لأنه يشوه الخلقة ويدوم ضرره قال الرافعي هنا والظاهر ما يبدو في حال المهنة غالبا كالوجه واليد وفيه في الجنايات ما يؤخذ منه أنه ما لا يعد كشفه هتكا للمروءة وقيل ما عدا العورة والأول منهما يوافق ما هنا والشين الأثر المستكره من تغير لون وتحول واستحشاف وثغرة تبقى ولحمة تزيد قال الرافعي في أثناء الديات وإنما يتيمم بما ذكر"إن أخبره" بكونه مخوفا"طبيب مقبول الرواية" ولو عبدا أو امرأة"أو عرف" هو"ذلك وإلا" بأن لم يخبره من ذكر ولا كان عارفا بذلك"فلا" يتيمم هذا ما جزم به في التحقيق ونقله في الروضة عن أبي علي السنجي وأقره قال في المجموع ولم أر من وافقه (٣) ولا من خالفه قال في المهمات لكن جزم البغوي في فتاويه بأنه يتيمم فتعارض الجوابان وإيجاب الطهر بالماء مع الجهل بحال العلة التي هي مظنة للهلاك بعيد عن محاسن الشريعة فنستخير الله تعالى ونفتي بما قاله البغوي ويدل له ما في شرح المهذب في الأطعمة عن نص الشافعي إن المضطر إذا خاف من الطعام المحضر إليه (٤) أنه مسموم جاز له تركه والانتقال إلى الميتة ا هـ. قال البغوي وإذا صلى بالتيمم أعاد إذا وجد المخبر كمن اشتبهت عليه القبلة ولم يجد من يدله وقوله: إذا وجد المخبر أي وأخبره
стр. 268
بجواز التيمم أو بعدمه قيد للإعادة لا لوجوبها لأنها وجبت قبل ذلك (١) وإنما قيدها بذلك لأنه لا فائدة لها قبله فإن لم يجد المخبر واستمر يتيمم لزمه الإعادة إذا برئ واكتفى بطبيب واحد لأن طريق ذلك الرواية وهذا بخلاف الإخبار بكون المرض مخوفا في الوصية يشترط فيه اثنان للاحتياط لحق الآدمي; ولأن للطهر بالماء بدلا لا بخلاف الوصية.
"ولا يبيحه" أي التيمم"شين يسير كأثر جدري" بضم الجيم وفتح الدال المهملة وبفتحهما وكقليل سواد لانتفاء العلة"ولا" شين"قبيح في" عضو"مستور" لستره عن أعين الناس غالبا، قال في المهمات: والحكم المذكور في هاتين المسألتين مشكل لأن المتطهر قد يكون رقيقا فتنقص قيمته نقصا فاحشا فكيف لا يباح له التيمم مع إباحته فيما لو امتنع المالك من بيع الماء إلا بزيادة يسيرة ذكره الشيخ عز الدين وهو ظاهر لا جواب عنه اللهم إلا أن يلتزموه فيلزمهم استثناؤه ولم يستثنه أحد بل المنع من التيمم مشكل مطلقا ولو كان حرا فإن الفلس مثلا أهون على النفوس من آثار الجدري على الوجه ومن الشين الفاحش في الباطن لا سيما الشابة المقصودة للاستمتاع. ا هـ.
وأجيب بأن الخسران في الزيادة محقق (٢) بخلافه في نقص الرقيق وبأنه إنما لزم الرقيق استعمال الماء (٣) مع نقص المالية لأنه قد تعلق به حق الله تعالى وهو
стр. 269
مقدم على حق السيد بدليل أنه لو ترك الصلاة قتل (١) وإن فاتت المالية على السيد والأولى أن يجاب بأن تفويت المال إنما يؤثر إذا كان سببه تحصيل الماء لا استعماله وإلا لأثر نقص الثوب ببله بالاستعمال ولا قائل به، وأما الشين فإنما يؤثر إذا كان سببه الاستعمال والضرر المعتبر في الاستعمال فوق الضرر المعتبر في التحصيل كما يشهد له ما مر من أنه لو خاف خروج الوقت بطلب الماء تيمم ولو خاف خروجه بالاستعمال لا يتيمم فاعتبر في الشين ما يشوه الخلقة وهو الفاحش في العضو الظاهر دون اليسير والفاحش في الباطن لما مر.
"ولا" يبيحه"التألم" باستعمال الماء"بقرح" أي جرح"أو برد" أو حر أو غيره كصداع ووجع ضرس وحمى"لا يخاف" من استعمال الماء"معه" محذورا في العاقبة"أو يخاف" مع البرد محذورا"ووجد نارا يسخن بها" الماء أو ما يدثر به أعضاءه لأنه واجد للماء قادر على استعماله بلا ضرر شديد ولا بد أن يجد مع النار قيمة ما يحتاج إليه في التسخين كقدر وحطب، وقوله: أو يخاف إلخ من زيادته على الروضة المبيح.
"السادس والسابع الجبيرة" وهي أخشاب ونحوها تربط على الكسر والانخلاع"واللصوق" بفتح اللام وهو ما كان على جرح من قطنة أو خرقة أو نحوهما"فإن" (٢) "احتاج إلى وضعها" أي الجبيرة"لكسر" أو انخلاع"أو إلى" وضع"لصوق لجراحة" بأن خاف شيئا مما مر في المرض كما صرح به الأصل"فليضعهما على طهر" كالخف"ويستر" من الصحيح تحتهما"قدر الحاجة" للاستمساك فإن لم يفعل ذلك فسيأتي حكمه"فإن خاف من نزعهما ما ذكرناه"
стр. 270
من الخوف على شيء مما مر"غسل وجوبا ما يمكن" غسله ولو بأجرة فاضلة عما مر في نظيره في صفة الوضوء لأن. علة بعض العضو لا تزيد على فقده ولو فقد وجب غسل الباقي فكذا غسل ما ذكر هنا"و" لو"ما تحت أطراف الجبيرة من صحيح ببل خرقة وعصرها ونحو ذلك" مما فيه رفق لتغسل تلك المحال بالمتقاطر فإن تعذر أمسه ماء بلا إفاضة نص عليه وجزموا به ذكره في التحقيق وغيره وما قيل أنه قال مسحه بماء سهو، وقوله: ونحو ذلك من زيادته.
"ويجب استيعابهما" (١) أي الجبيرة واللصوق إذا كانا بأعضاء الطهر"مسحا بالماء حين يغسل المحدث العضو" العليل للترتيب بخلاف الجنب يمسح متى شاء أما المسح فلقوله ﷺ في مشجوج احتلم واغتسل فدخل الماء شجته ومات: "إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصب رأسه بخرقة ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده" رواه أبو داود وغيره (٢)، وأما استيعابه فلأنه مسح أبيح للضرورة كالتيمم وخرج بالماء التراب فلا يجب المسح به كما سيأتي.
"ولا يتقدر المسح" بمدة لأنه لم يرد فيه توقيف ولأن الساتر لا ينزع للجنابة بخلاف الخف فيهما"ثم" بعدما تقرر نقول: "يجب التيمم" لخبر المشجوج السابق وهذا التيمم بدل عن غسل العضو العليل ومسح الساتر له بدل عن غسل ما تحت أطرافه من الصحيح كما في التحقيق وغيره وعليه يحمل قول الرافعي (٣) أنه بدل عما تحت الجبيرة وقضية ذلك أنه لو كان الساتر بقدر العلة (٤) فقط أو
стр. 271
بأزيد وغسل الزائد كله لا يجب المسح وهو الظاهر فإطلاقهم وجوب المسح جرى على الغالب من أن الساتر يأخذ زيادة على محل العلة ولا يغسل.
"فلو كانت" أي الجبيرة مثلا"بمحل التيمم" وهو الوجه واليدان كما سيأتي"لم يمسح عليها بالتراب" لأنه ضعيف فلا يؤثر فوق حائل بخلاف الماء فإن تأثيره فوق معهود في الخف لكنه يسن خروجا من خلاف من أوجبه وخرج بقوله: فإن خاف. إلخ ما إذا لم يخف فيجب النزع وغسل موضع العلة إن أمكن وإلا فمسحه بالتراب إن كان بمحل التيمم.
"وإن وضع الجبيرة" (١) مثلا على عليل وهو"على غير طهر" وإن لم يكن بمحل التيمم"أو على صحيح" لا يحتاج إليه للاستمساك وإن كان على طهر"نزعها" ليفعل ما مر هذا إذا لم يخف من نزعها"فإن خاف" منه"ترك" ها (٢) للضرورة وصلى لحرمة الوقت"وقضى" لفوات شرط الوضع على الطهر (٣) وبقدر الحاجة وسيأتي هذا مع زيادة، وقوله: أو على صحيح من زيادته.
"ويستحب للجنب" ونحوه"تقديم التيمم" على الغسل ليزيل الماء أثر التراب وذكر الاستحباب من زيادته، ونقله في المجموع عن الأصحاب عن الشافعي قال الإسنوي: ولقائل أن يقول الأولى تقديم ما ندب (٤) تقديمه
стр. 272
في الغسل فإن كانت جراحته في رأسه غسل ما صح منه ثم يتيمم عن جريحه ثم غسل باقي جسده وفي البيان فيما إذا كان حدثه أصغر مثل ذلك ونقله عنه في الروضة ثم قال إنه حسن. ا هـ.
"والمحدث لا ينتقل عن عضو" به علة"حتى يكمله غسلا" ومسحا على الساتر"وتيمما عنه" أي عن العضو لأن المسح والتيمم بدلان عن غسله على ما مر"مقدما ما شاء" منها على الباقي لعدم اشتراط الترتيب في ذلك لكن يستحب تقديم التيمم هنا أيضا كما في المجموع وجاز تقديم التيمم لأنه للعلة وهي باقية بخلافه فيما مر في استعمال الناقض فإنه لفقد الماء فلا بد من فقده بل الأولى هنا تقديمه كما مر آنفا.
"واليدان كعضو" فيتيمم لهما تيمما واحدا"ويستحب جعلهما كعضوين" فيغسل وجهه ثم صحيح اليمنى ثم يتيمم عن عليلها أو يقدم التيمم على غسل صحيحها ثم يغسل صحيح اليسرى ثم يتيمم عن عليلها أو بعكس قال في الروضة، وكذا الرجلان.
"فإن كان في أعضائه الأربعة جراحة ولم تعمها وجب ثلاث تيممات" تيمم للوجه وتيمم لليدين وتيمم للرجلين والرأس يكفي فيه مسح ما قل منه كما مر"فإن عمت الرأس فأربعة" من التيممات"وإن عمت الجميع فتيمم واحد" (١) عن الجميع لسقوط الترتيب بسقوط الغسل قال في المجموع فإن قيل إذا كانت الجراحة في وجهه ويده وغسل صحيح الوجه أولا جاز توالي تيمميها فلم لا يكفيه تيمم واحد كمن عمت الجراحة أعضاءه؟ فالجواب إن التيمم هنا في طهر تحتم فيه الترتيب (٢) فلو كفاه تيمم حصل تطهير الوجه واليد في حالة واحدة وهو ممتنع بخلاف التيمم عن الأعضاء كلها. لسقوط الترتيب بسقوط
стр. 273
الغسل وفيه كلام ذكرته مع الجواب عنه في شرح البهجة (١).
"فإن لم يحتج إلى الجبيرة و" إلى"الستر" باللصوق"في الكسر" والانخلاع"و" في"الجرح وخاف من الغسل" شيئا مما مر"غسل" وجوبا"الصحيح بقدر الإمكان ولو بأجرة" فاضلة عما مر فيما لو احتاج إليهما "كالأقطع" الذي يحتاج إلى من يطهره"ثم تيمم" وجوبا"كما سبق" في أنه يستحب للجنب تقديم التيمم وإن المحدث لا ينتقل عن عضو حتى يكمله غسلا وتيمما عنه مقدما ما شاء"ويمر" وجوبا"تراب تيممه على موضع العلة" بمحل التيمم"إن أمكن" ولو على أفواه الجرح إذ لا ضرر فيه.
"ولا يجب مسح العليل بالماء" وإن لم يضره إذ لا فائدة فيه بلا حائل (٢) بخلاف مسح الساتر فإنه مسح على حائل كالخف وقد ورد الخبر به "ولا" يجب "إلقاء" أي وضع "الجبيرة" أو اللصوق "عليه" أي على العليل "لمسح" أي ليسمح عليها بالماء "ولا لبس الخف لحدث أرهقه ليكفي الماء" الذي معه لوضوئه لأن المسح فيهما رخصة فلا يليق بها وجوب ذلك ولو أحدث وهو لابسه ومعه ما يكفيه لغير رجليه قال ابن الرفعة وجب المسح فيما يظهر كما يلزمه حفظ الماء وشراؤه قال الإسنوي وبه صرح صاحب البحر وحكى فيه الاتفاق ا هـ وهو ظاهر خصوصا إن لزم من تركه إخراج الصلاة أو بعضها عن وقتها أو قضاؤها لكونه فقد التراب أو وجده بمحل لا يسقط فيه فرضه بالتيمم ولو لبسه وهو يدافع الحدث ففي المجموع لم يكره لأنه لم يثبت فيه نهي وفارق الصلاة بأن مدافعته فيها تذهب الخشوع الذي هو مقصودها بخلاف لبس الخف.
"والفصد كالجرح" الذي يخاف من غسله ما مر فيتيمم له"إن خاف الماء" أي استعماله"وعصابته كالجبيرة" في حكمها السابق والأنسب أن يقول كاللصوق"ولما بين حبات الجدري حكم" العضو"الجريح إن خاف من غسله"
стр. 274
ما مر والتصريح بقوله والفصد إلى هنا من زيادته ونقله القمولي في بحره وجزم به في جواهره.
"فرع" لو"غسل الصحيح وتيمم عن غيره" مع مسح الساتر إن كان"ثم صلى فريضة ولم يحدث أعاد التيمم وحده للفريضة الأخرى" لا للنفل وإن كثر"إن كان جنبا" إذ لا ترتيب في غسله"وكذا المحدث" يعيد التيمم وحده وإن تعدد هنا حتى لو تيمم (١) في الأول أربع تيممات أعادها خلافا للرافعي في أنه لا يعيده وحده وذلك لأن الوضوء الكامل لا يعاد فكذا بعضه ولأن ما غسله ارتفع حدثه وناب التيمم عن غيره فتم طهره وإنما أعيد التيمم لضعفه عن أداء الفرض لا لبطلانه وإلا لم يتنفل به واللازم باطل أما إذا أحدث فيعيد مع التيمم الوضوء قال في المجموع ولا يلزمه النزع لو كان حدثه أكبر بخلاف الخف لما في ذلك من المشقة هنا.
"وإن اغتسل الجنب وتيمم عن جراحه في غير أعضاء الوضوء ثم أحدث بعد" (٢) أداء"فريضة" من صلاة أو طواف"لم يبطل حكم تيممه" لأنه وقع عن غير أعضاء الوضوء فلا يؤثر فيه الحدث"فيتوضأ ويصلي بوضوئه ما شاء من النوافل" وقوله: من زيادته حكم لا حاجة إليه.
"وإن برئ" بتثليث الراء"وهو على طهارة بطل تيممه" لزول علته"ووجب غسل موضع الجبيرة" لو قال كأصله موضع العذر كان أعم"جنبا كان أو محدثا و" وجب غسل"ما بعده" أي بعد موضع العذر"إن كان محدثا" رعاية للترتيب فإنه لما وجب إعادة تطهير عضو لبطلانه خرج عن كونه تام
стр. 275
الطهر فإذا أتمه وجب إعادة ما بعده كما لو أغفل لمعة بخلاف الجنب"ولا يستأنفان" أي"الجنب والمحدث""الطهارة" وبطلان بعضها لا يقتضي بطلان كلها.
"ولو توهم البرء" بفتح الباء وضمها فرفع الساتر"فبان خلافه لم يبطل تيممه" بخلاف توهم الماء فإنه يبطله وإن بان أن لا ماء لأن توهمه يوجب الطلب وتوهم البرء لا يوجب البحث عنه وتوقف فيه الإمام ويرد توقفه بأن طلب الماء سبب لتحصيله بخلاف طلب البرء ليس سببا لتحصيله ولا يشكل عدم بطلان التيمم بقول النووي في مجموعه وتحقيقه لو سقطت جبيرته عن عضوه في الصلاة بطلت صلاته وإن لم يبرأ كانخلاع الخف لأن بطلانها ليس لبطلان تيممه بل للتردد في بطلانه وعلى هذا ينبغي تقييد بطلانها بما إذا طال التردد أو مضى معه ركن لأنها لا تبطل بمجرد التردد ثم رأيت الزركشي أجاب بحمل ما هنا (١) على ما إذا لم يطهر من الصحيح ما يجب غسله وما هناك على ما إذا ظهر منه ذلك وهو أولى ولو اندمل ما تحت الجبيرة وهو لا يعلم وصلى بعده صلوات وجب قضاؤها ولو كان على عضوه جبيرتان فرفع إحداهما لم يلزمه رفع الأخرى بخلاف الخفين لأن لبسهما جميعا. شرط بخلاف الجبيرتين ذكر ذلك في المجموع.
стр. 276
"الباب الثاني في كيفية التيمم وله سبعة أركان" (٢) على ما في أصل الروضة وستة على ما في المجموع بإسقاط التراب فإنه شرط لا ركن وخمسة على ما في المنهاج كأصله بإسقاط القصد أيضا لذلك، وكذا صنع الرافعي فقال: وحذفهما جماعة وهو أولى إذ لو حسن عد التراب ركنا لحسن عد الماء ركنا في
стр. 277
الطهر به فأما القصد فداخل في النقل الواجب قرن النية به.
"الركن الأول" (١)
من السبعة "التراب الطاهر الخالص" لقوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً﴾ [النساء: ٤٣] أي ترابا طاهرا (٢) وهو متضمن لخلوصه"غير المستعمل" كما في الماء فيصح التيمم بالتراب المذكور"بأي لون كان" كما في الماء"فيصح ببطحاء" وهو تراب بمسيل الماء فيه دقاق حصى"وسبخ" بكسر الموحدة وهو ما لا ينبت هذا إذا"لم يعله الملح" فإن علاه لم يصح التيمم به لأن الملح ليس بتراب"وتراب أرضه" بفتح الراء"خرجت" به"من مدر" لأنه تراب"لا" من "خشب" لأنه لا يسمى ترابا وإن أشبهه والتصريح به من زيادته على الروضة"ولا أثر للعابها" المختلط بالتراب كتراب معجون بخل كما سيأتي"وتغير" أي ولا أثر لتغير"حمأة" بفتح أوله وتسكين ثانيه أي طين أسود"و" لا تغير"طين" هذا من عطف العام على الخاص والتصريح بهما من زيادته ولو اقتصر على العام كفى وكان أوضح وأخصر.
"ولو شوي" (٣) الطين"وتسود" فإنه يصح التيمم به إذا سحق لأنه تراب"لا ما صار رمادا أو خرفا أو آجرا" لأنه لا يسمى ترابا (٤) وفي نسخة وآجر بالواو.
"ولا" يصح التيمم"برمل" ولو ناعما"بلا غبار" أو بغبار لكن الرمل يلصق بالعضو بخلافه إذا لم يلصق به فإطلاقه الرمل أولى من تقييد الأصل له بالخشن"ولا بمعدن كنورة وزرنيخ" وجص لأنه لا يسمى ترابا ولو جاز التيمم
стр. 278
بجميع الأرض لما عدل عنها إلى التراب في خبر مسلم (١) جعلت لنا الأرض كلها مسجدا وتربتها طهورا وطهارة التيمم تعبدية فاختصت بما ورد كالوضوء بخلاف الدباغ فإنه نزع الفضول وهو يحصل بأنواع.
"وإن انتفض من كلب تراب" (٢) أو بقي عليه فتيمم به"ولم يعلم ترطبه" عند التصاقه به بماء أو عرق أو غيره"أجزأه" لأنه طاهر حقيقة أو أصالة بخلاف ما إذا علم ذلك.
"ولا بمتنجس كمقبرة تيقن نبشها" لاختلاطها بصديد الموتى سواء أوقع المطر عليها أم لا لأن الصديد لا يذهبه المطر كما لا يذهب التراب، وكذا كل ما اختلط من الأنجاس بالتراب مما يصير كالتراب أما إذا لم يتيقن نبشها فيصح التيمم بترابها بلا كراهة لأن الأصل طهارته.
"ولا بمختلط بدقيق وزعفران ونحوه" أي نحو كل منهما كرمل ناعم يلصق بالعضو"ولو قل" الخليط بأن لم يظهر في التراب لمنعه وصوله إلى العضو لكثافته بخلافه في الماء.
"فلو عجن التراب بخل فتغير" به"ثم جف لم يضر" فيصح التيمم به"ولا بمستعمل ولو متناثرا" من العضو بعد مسه كالماء لأنه قد تأدى به فرض قال الرافعي: وإنما يثبت للمتناثر حكم الاستعمال إذا انفصل بالكلية وأعرض المتيمم عنه (٣).
стр. 279
الركن الثاني والثالث:
"النقل" أي نقل التراب إلى العضو، "والقصد" إليه للآية فإنها آمرة بالتيمم وهو القصد والنقل طريقه"فإن مسح بما" أي تراب"سفته عليه الريح أو يممه رجل بلا إذن" منه"لم يجزه ولو صمد" بفتح الميم"لذلك وقصده" لانتفاء القصد من جهته بانتفاء النقل المحقق له ومجردا لقصد المذكور لا يكفي وهذا بخلاف ما لو برز للمطر في الطهر بالماء فانغسلت أعضاؤه (١) لأن المأمور به فيه الغسل، واسمه يطلق ولو بغير قصد بخلاف التيمم أما إذا يممه غيره بإذنه (٢)، فيجوز ولو بغير عذر وقوله: من زيادته صمد حشو لأنه بمعنى قصد.
"فلو تلقاه" أي التراب"من الريح بكمه أو يده ومسح به وجهه أو تمعك في التراب" ولو لغير عذر"أجزأه" لأن قصده التراب قد تحقق بذلك واستشكل ذلك بأن الحدث بعد الضرب وقبل مسح الوجه يضر، وكذا الضرب قبل الوقت أو مع الشك في دخوله مع أن المسح بالضرب المذكور لا يتقاعد عن التمعك والضرب بما على الكم أو اليد فينبغي جوازه في ذلك ويجاب بأنا نقول بجوازه عند تجديد النية (٣) كما لو كان التراب على يديه ابتداء والمنع إنما هو عند عدم تجديدها لبطلانها وبطلان النقل الذي قارنته.
"وإن نقله" (٤) من عضو"ولو من عضو تيمم ثم رده إليه جاز" لتحقق
стр. 280
النقل بذلك، وقوله: رده معطوف على نقله المقدر بعد لو.
стр. 281
"الركن الرابع"
"النية" (١) لخبر: "إنما الأعمال بالنيات" "ويجب قرنها بالنقل" (٢) لأنه أول الأركان"و" يجب "استصحابها" ذكرا"إلى مسح شيء من الوجه" فلو غربت قبل المسح لم يكف لأن النقل وإن كان ركنا غير مقصود في نفسه قال في المهمات: والمتجه الاكتفاء باستحضارها عندهما وإن غربت بينهما واستشهد له بكلام لأبي خلف الطبري.
"ولا تجزيه إلا نية الاستباحة" لمفتقر إلى طهر كصلاة لأنه نوى مقتضاه "لا" نية "التيمم و" لا نية"فرضه" أو نية فرض الطهر أو التيمم المفروض بخلاف نظيره في الوضوء لأن التيمم إنما يؤتى به عن ضرورة فلا يصلح مقصدا ولهذا لا يندب تجديده بخلاف الوضوء نعم إن تيمم ندبا كأن تيمم للجمعة عند تعذر غسله فظاهر أنه تجزيه نية التيمم بدل الغسل"ولا" نية "رفع الحدث (٣) أو الجنابة أو الطهارة عنه" أي عن أحدهما لأن التيمم لا يرفعه (٤) لبطلانه بزوال مقتضيه، ولقوله ﷺ لعمرو بن العاص وقد تيمم عن الجنابة من شدة البرد: "يا عمرو وصليت بأصحابك وأنت جنب" فقال: إني سمعت الله
стр. 282
يقول ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ [النساء: ٢٩] "فضحك ﷺ ولم ينكر عليه" رواه أبو داود وغيره وصححه الحاكم على شرط الشيخين (١) وقوله: "أو الطهارة عنه من زيادته وذكره في المجموع.
"وإن نوى" بتيممه "فرضا ونفلا أو فرضا صح" وكان مستبيحا "لفرض ونفل" عملا بما نواه في الأولى واستتباعا للنفل في الباقي وصح التيمم في الأخيرة مع أنه نوى ما لا يباح بتيمم واحد لأنه نوى فرضا وزاد فلغت الزيادة "ولا يشترط التعيين" (٢) للفرض الذي ينوي استباحته كما لا يشترط في الوضوء تعيين الحدث الذي ينوي رفعه.
"فإن عين فرضا" (٣) ولو نذرا "وصلى به غيره" فرضا أو نفلا في الوقت أو غيره "أو" صلى به الفرض المنوي "في غير وقته جاز"، وإذا لم يشترط التعيين "فإن عين" فرضا "وأخطأ" في التعيين "كمن نوى فائتة ولا شيء عليه أو ظهرا أو" إنما "عليه عصر لم يصح" تيممه لأن نية الاستباحة واجبة في التيمم وإن لم يجب التعيين فإذا عين وأخطأ لم يصح كما في تعيين الإمام والميت في الصلاة بخلاف مثله في الوضوء لعدم وجوب نية الاستباحة فيه فلا يضر الخطأ فيها كما لو عين المصلي اليوم وأخطأ ولأنه يرفع الحدث فيستبيح ما شاء والتيمم يبيح ولا يرفع فنيته صادفت استباحة ما لا يستباح.
стр. 283
"وكذا" لا يصح تيمم "من شك" أو ظن "هل عليه فائتة فتيمم" لها "ثم ذكرها" لأن وقت الفائتة بالتذكر كما سيأتي قال المتولي ولأن المقصود من التيمم استباحة الصلاة وما لم يتحققها لا يباح له فعلها قال في المجموع وهذا التعليل فاسد فإن فعلها مباح بل مستحب قلت ليس بفاسد لأن المراد من استباحة الصلاة هنا استباحتها بالتيمم المذكور لا استباحتها مطلقا.
"ويتنفل من نوى" بتيممه "فرضا" ما شاء من النوافل "قبله وبعده" استتباعا ولو ذكر قبله وبعده عقب قوله: ونفل كان أخصر من ذلك"أو" نوى"نفلا استباحه" مع ما في معناه من نحو مس مصحف وسجود تلاوة أو شكر وقراءة جنب أو نحوه ومكثه بمسجد وحل وطء وصلاة جنازة وإن تعينت"فقط" أي لا الفرض العيني لأن التيمم طهارة ضرورة. والنفل تابع فلا يجعل متبوعا (١) "وإن تيمم لصلاة" أي لمطلقها"أو مس مصحف" (٢) أو سجدة تلاوة أو شكر كما صرح بها الأصل"أو" تيممت"حائض" انقطع حيضها"لوطء" أي لحله وإن لم يكن لها زوج"أو" تيمم"جنب لاعتكاف" أو قراءة قرآن (٣) "فكنفل" تيمم له في أنه يستبيح ما نواه وما في معناه لا الفرض في الأولى ولا الفرض والنفل فيما عداها ووجه في النفل بأنه آكد وإنما لم يستبح الفرض في الأولى لأن مطلق الصلاة محمول على النفل كما في التحرم"وكذا" لو تيمم"لجنازة" أي للصلاة عليها وإن تعينت فإنه كتيممه للنفل في أنه يستبيح ما نواه وما في معناه لا الفرض العيني.
"وإن غلط" (٤) في تيممه"من" الحدث "الأصغر إلى الأكبر أو عكس
стр. 284
ناويا" (١) به"الاستباحة" للصلاة"صح" لأن مقتضاهما واحد ولأن الجنب والمحدث ينويان بتيممهما استباحة الصلاة فلا فرق (٢) بخلاف الصلاة فإنه يجب تعيينها في نيتها فإذا نوى الظهر فقد نوى غير ما عليه نقله في المجموع عن الجويني وأقره أما إذا تعمد ذلك فلا يصح تيممه لتلاعبه.
"فلو نسي" من أجنب في سفره"الجنابة وكان يتيمم فيه يوما ويتوضأ يوما" عبارة الروضة وقتا بدل يوما والمراد منها ما في المجموع يتوضأ عند وجود الماء ويتيمم عند عدمه"أعاد صلوات الوضوء" دون صلوات التيمم لاستباحة ما صلاه في الثانية دون الأولى.
стр. 285
الركن الخامس:
"مسح الوجه (٣) وظاهر اللحية" ولو بغير يده لقوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [النساء: ٤٣] "لا" مسح"منبت شعر وإن خف" أو ندر فلا يجب ولا يندب لما فيه من المشقة بخلاف الماء.