فيجوز أن يقال: يرجع عليه هنا بما بين زراعة البر وزراعة الذرة، وقد يقال بل يرجع عليه بجميع أجرة المثل (١). والفرق أن المستأجر استوفى ما كان يملكه مما لا يقبل الرد بزيادة، والمستعير لا يملك شيئا فهو بعدوله عن الجنس كالراد لما أبيح له فلا يسقط بإزائه عنه شيء قال الأذرعي، وهذا الثاني أرجح كما اقتضاه كلامه في الكفاية واقتضاه قول المتولي وغيره فإن فعل فكالغاصب. انتهى. وبه جزم في الأنوار مع أن في مسألة الإجارة شيئا تركه في المطلب هنا مع أنه الأصح وسيأتي بيانه في بابه. "أو" استعارها "لمطلق الزراعة" بأن لم يبين المزروع "زرع ما شاء" (٢)؛ لإطلاق اللفظ، ومثله كما فهم بالأولى لو أعارها ليزرع ما شاء؛ لأنه عام لا مطلق والمراد كما قال الأذرعي (٣) أن يزرع ما شاء مما اعتيد زرعه هناك ولو نادرا حملا للإطلاق على الرضا بذلك "ولم يغرس ولم يبن" من استعار للزرع؛ لأن الغراس والبناء ليسا من نوعه وضررهما أكثر "أو" استعار "للغراس أو للبناء زرع" (٤)، وإن لم يكن الزرع من نوعهما؛ لأن ضرره أخف فإن نهاه عنه امتنع. "أو" استعار "لأحدهما لم يأت بالآخر" لاختلاف جنس الضرر إذ ضرر البناء بظاهر الأرض أكثر (٥)، وضرر الغراس بباطنها أكثر؛
стр. 2627
لانتشار عروقه "ولا يجب التصريح بجهة الانتفاع في نحو بساط لا يصلح إلا للفرش" من كل ما لا ينتفع به إلا بجهة واحدة عادة لكونه معلوما بالتعين "وإن تعددت" جهة الانتفاع "كالأرض" تصلح للزرع والبناء والغراس، وكالدابة للركوب والحمل "وجب" كالإجارة "التصريح بالجهة أو بالتعميم كقوله انتفع" به "كيف شئت" أو افعل به ما بدا لك فالإعارة في التعميم صحيحة، وقيل باطلة والترجيح من زيادته، وجرى عليه "صاحب الحاوي الصغير" (١) وغيره. وعلم من كلامه أن الإعارة المطلقة لما له منافع باطلة، وهو ما صححه في المنهاج كأصله، (٢) واقتضاه كلام الروضة واختار السبكي صحتها قال ولا يضر الجهل؛ لأنه يحتمل فيها ما لا يحتمل في الإجارة "وينتفع" في صورة التعميم "بما هو العادة فيه" أي في المعار، وقيل ينتفع به كيف شاء، وهذا من زيادته أخذه من كلام الأصل فيما فرعه على قول الصحة في الإعارة المطلقة.
стр. 2628
"الحكم الثالث: الجواز" (١) للعارية؛ لأنها إرفاق فلا يليق بها الإلزام (٢)، "فلكل" من العاقدين "الرجوع" فيها، وإن كانت مؤقتة والمدة باقية "لا في مقبرة قبل الاندراس (٣) " للميت المحترم بحيث لا يبقى منه شيء (٤) بعد مواراته بالتراب
стр. 2629
محافظة على حرمته أما بعد اندراسه أو قبله، وقبل مواراته ولو بعد وضعه في القبر فيجوز الرجوع لكن قضية كلام الشرح الصغير ترجيح المنع (١) بعد وضعه في القبر، وصورة ذلك بعد الاندراس إذا أذن المعير في تكرار الدفن، وإلا فقد انتهت العارية وذكر منع رجوع المستعير من زيادته واستفدنا من منع رجوع المعير قبل الاندراس أنه لا أجرة له أيضا، وقد صرح به الماوردي والبغوي وغيرهما؛ لأن العرف غير قاض به والميت لا مال له "وله" أي للمعير "سقي شجرها" أي المقبرة "إن أمن ظهور" شيء من "الميت" بخلاف ما إذا لم يأمنه ولو أظهره السيل من قبره قال الماوردي والروياني تجب إعادته فيه؛ لأنه قد صار حقا له مؤبدا قال ابن الرفعة، وقد يوجه بأن دفنه على الفور، وفي تأخيره إلى حفر غيره ونقله إليه تأخير للواجب نعم إن كان السيل حمله إلى موضع مباح يمكن دفنه فيه من غير تأخير فالذي يظهر المنع من ذلك (٢).
"وعليه" أي على المعير لولي الميت "مؤنة حفر ما رجع فيه قبل الدفن" (٣)؛ لأنه المورط له فيه (٤). وفي فتاوى البغوي أن المعير لو بادر إلى زراعة الأرض بعد تكريب المستعير لها لم تلزمه أجرة التكريب قال الإسنوي: والقياس التسوية بينهما (٥)، قلت: وهو احتمال للبغوي أيضا قاله بعدما تقدم، ويجاب
стр. 2630
بأن الدفن (١) لا يمكن إلا بالحفر بخلاف الزراعة فإنها ممكنة بدون التكريب "ولا يلزم الولي الطم" لما حفره؛ لأنه حفر بالإذن ولو أعاره أرضا ليحفر فيها بئرا صحت الإعارة فإذا نبع الماء جاز للمستعير أخذه؛ لأن الماء يستباح بالإباحة نقله في الروضة عن البيان وغيره، وقال المتولي إن قصد أن يستقي منها فلا خلاف أنه إذا رجع المعير فله منعه من الاستقاء، وإن أراد طمها، ويغرم ما التزمه من المؤنة جاز أو أراد تملكها بالبدل فإن كان له فيها عين كآجر وخشب جاز كما في البناء والغراس، وإلا فإن قلنا القصارة ونحوها كالأعيان (٢) فكذلك، وإلا فلا أو أراد التقرير بأجرة فإن كان الاستقاء يحتاج إلى استطراق أي أو نحوه في ملكه، وأخذ الأجرة في مقابلة الاستطراق أي أو نحوه جاز أو أراد أخذ العوض في مقابلة ما يستفيد من الماء فلا بد من شروط البيع أو في مقابلة ترك الطم لم يجز؛ لأنه بذل المال في مقابلة ترك الضرر والإجارة موضوعة لجلب النفع. وإن كان البئر بئر حش أو يجتمع فيها ماء المزاريب فإن أراد الطم أو التملك فالأمر كما ذكرنا أو التقرير بعوض فكما لو صالحه عن إجراء الماء على سطحه بمال.
"والرجوع" من المعير "في حائط" أعاره "لوضع الجذوع" عليه "تقدم" جوازه مع بيان فائدته "في الصلح ولا" يرجع كل من العاقدين "في ثوب كفن فيه" المعير "أجنبيا" قبل الدفن أو بعده (٣)، "أو أحرم فيه عار (٤) بمكتوبة" لما في ذلك من هتك الحرمة فتلزم الإعارة من جهتهما في هاتين، وفيما لو أعاره
стр. 2631
سفينة فطرح فيها مالا، وهي في اللجية (١)، وفيما لو أعار أرضا لدفن ميت كما مر أو أعار آلة لسقي حيوان محترم (٢) يخشى هلاكه، ومن جهة المعير فيما لو قال أعيروا داري بعد موتي لزيد شهرا أو نذر أن يعيره مدة معلومة (٣)، أو أن لا يرجع "وتلزم من جهة المستعير في إسكان معتدة"، وفيما لو استعار آلة الاستقاء لوضوء أو إزالة نجس، وقد ضاق الوقت، وقوله ولا في ثوب إلى آخره من زيادته وذكره مع ما زدته الأذرعي وغيره لكنهم ذكروا بعض ذلك فيما يلزم من جهة المعير فقط وتبعتهم في شرح البهجة، وما ذكرته هنا أنسب.
"وتنفسخ" العارية "بموت واحد" من العاقدين "وجنون، وإغماء وحجر سفه" من واحد منهما كسائر العقود الجائزة وبحجر فليس على المعير فيما يظهر (٤) "و" إذا انفسخت أو انتهت، وجب "على المستعير" إن كان حيا "أو الورثة" إن كان ميتا "ردها فورا"، وإن لم يطالب المعير كما لو طيرت الريح ثوبا إلى داره لكن الرد في تلك بالتخلية فإن أخره الورثة فإن كان لعدم تمكنهم منه فهي مضمونة في تركة المستعير ولا أجرة، وإلا فهي مضمونة عليهم مع الأجرة. ومؤنة الرد في هذه الحالة عليهم، وفي الأولى على التركة وذكر مسألة الورثة هنا والفور من زيادته، وفي معنى موته جنونه والحجر عليه بسفهه.
"فصل: إذا أعار" غيره أرضا "للبناء أو الغراس (٥) ولم يذكر مدة فله
стр. 2632
فعلهما ما لم يرجع" أي المعير "لكن" لا يفعلهما إلا "مرة واحدة" وغير البناء والغراس في معناهما "فإن فعل عالما أو جاهلا برجوعه قلع مجانا وكلف تسوية الأرض" كالغاصب في حالة العلم، وكمالك ما نبت بحمل السيل إلى أرض غيره في حالة الجهل "وما بنى وغرس قبل الرجوع" من المعير "إن لم ينقصه القلع قلع (١)، وإن نقصه فلا يقلع مجانا"؛ لأنه محترم أي لا يلزم المستعير القلع مجانا "ولا يلزمه القلع مجانا و" لا "التسوية" للأرض "إلا باشتراط" (٢) لهما أو لأحدهما فيلزمه ما شرط عليه عملا بالشرط (٣)، فإن امتنع من القلع قلعه المعير مجانا "أو باختيار القلع" من المستعير فتلزمه التسوية قال الإسنوي تبعا للسبكي، وينبغي تقييده بالحفر الحاصلة بالقلع (٤) دون الحاصلة بسبب البناء
стр. 2633
والغراس في مدة العارية؛ لأنها حصلت بالاستعمال فأشبه انسحاق الثوب. انتهى. وفرق الزركشي (١) بإمكان عود الأرض لما كانت بخلاف الثوب، وفي تأثير فرقه نظر.
"فإن لم يكن ذلك" أي شيء من الاشتراط واختيار القلع "خير المعير بين القلع بضمان" أي مع ضمان "الأرش"، وهو قدر التفاوت بين قيمته قائما، ومقلوعا "والتملك بالقيمة" (٢) حين التملك؛ لأن العارية مكرمة فلا يليق بها منع المعير ولا تضييع مال المستعير فأثبتنا الرجوع على الوجه المذكور، وإنما خيرنا المعير؛ لأنه المحسن؛ ولأن الأرض أصل لما فيها ولا بد في اعتبار قيمته من ملاحظة كونه مستحق الأخذ فإن قيمته قائما بهذا التقدير أقل من قيمته قائما بدونه ذكره العمراني.
"وإن طلب" المعير "الأجرة لم يلزم المستعير" إجابته بخلاف ما إذا اختار أحد الأمرين السابقين تلزمه إجابته فإن أبى كلف تفريغ الأرض كما صرح به الرافعي فعلم بذلك أنه ليس للمعير التبقية بالأجرة وبه صرح الأصل والذي في الحاوي الصغير والأنوار وغيرهما أن له ذلك أيضا، وهو اختيار الإمام والغزالي، وخيره في المنهاج كأصله بين التبقية بالأجرة والقلع بالأرش، وقال الزركشي تبعا للبلقيني ليس في المسألة خلاف كما زعمه الشيخان بل الكل متفقون على التخيير بين الثلاث (٣)، وهو ما اقتضاه كلامهما في الصلح وغيره،
стр. 2634
وهو قياس نظائره أي كالشفعة والهبة (١) والإجارة، وقولهما في الإجارة إنها كالعارية لا يستلزم أنها كهي في اختيار الخصلتين فقط على ما صححاه فيها، وإن كان ظاهره ذلك لكنهما قد يفرقان بين العارية وغيرها بأن غيرها ملك فيه الباني والغارس منفعة الأرض فساغ إلزامهما بها بخلافهما في العارية ثم محل التخيير إذا لم يوقف البناء والغراس، وإلا قال ابن الرفعة وغيره فيتعين تبقيتهما بالأجرة (٢)، والزركشي يتخير بين ذلك (٣) وبين قلعهما بالأرش، والموافق لما في الكتاب كأصله أنه يتعين القلع بالأرش، ومحله أيضا إذا لم توقف الأرض، وإلا فيتخير بين الثلاث لكن لا يقلع بالأرش إلا إذا كان أصلح للوقف من التبقية بالأجرة ولا يتملك بالقيمة إلا إذا كان في شرط الوقف جواز تحصيل مثل ذلك البناء والغراس من ريعه، وبذلك أفتى ابن الصلاح في نظيره من الإجارة قال ابن الرفعة، ومحله أيضا في الغراس كما قال القاضي وغيره إذا لم يكن عليه ثمر لم يبد صلاحه، وإلا فلا يتجه التخيير إلا بعد الجذاذ (٤) كما في الزرع؛ لأن له أمدا ينتظر قال الإسنوي، ويؤخذ من كلام الرافعي أنه لا بد في التملك من عقد (٥)، ولا يلحق بالشفيع "وبالتمانع" بأن امتنع المعير من التخيير والمستعير من بذل الأجرة، وقد طلبها المعير "يعرض عنهما" إلى أن يختار المعير (٦) ما له اختياره "وللمعير" حينئذ "الدخول" للأرض والانتفاع بها؛ لأنها ملكه "والاستظلال بالبناء"
стр. 2635
والغراس؛ لأنه جالس في ملكه (١) "لا للمستعير" أي ليس له دخولها لتفرج أو لا لغرض بغير إذن المعير إذ لا ضرورة إليه. "فلو دخل لسقي" للغراس "أو إصلاح" له أو للبناء "جاز" صيانة لملكه عن الضياع، وفهم منه بالأولى جواز دخوله لأخذ الثمار، وفهم مما قاله في المعير عدم جواز الاستناد إلى البناء والغراس وبه قطع القاضي أبو الطيب وابن الصباغ والعمراني وغيرهم وحكاه القاضي حسين ثم استشكله بما مر في الصلح من جواز هذا في جدار الأجنبي قال الزركشي ولعل الفرق (٢) أنه - هنا في حكم الوديعة والمودع عنده ليس له الانتفاع الوديعة، وإن لم يتضرر به المالك بخلافه في تلك، وفيما فرق به نظر والأولى حمل ما هنا (٣) على ما فيه ضرر كما أشار إليه السبكي "وعليه أجرة الدخول إن تعطلت المنفعة بدخوله" على المعير فلا يمكن من الدخول إلا بها "ولكل" منهما "بيع ما له من الآخر بل" له بيعه "لثالث أيضا" كسائر الأملاك ولا يؤثر في بيع المستعير تمكن المعير من تملكه ما له كتمكن الشفيع من تملك الشقص "وللمشتري الخيار إن جهل" الحال "وله حكم من باع منه" من معير، ومستعير فيما مر لهما "ومتى باعاهما بثمن" واحد "جاز للضرورة ووزع" الثمن "على قيمة الأرض مشغولة بالغرس" بمعنى الغراس أو البناء "و" على "قيمة ما فيها وحده" فحصة الأرض للمعير وحصة ما فيها للمستعير قاله البغوي، وقال المتولي يوزع كما في الرهن كذا ذكرهما الأصل مقدما كلام المتولي فالترجيح من زيادة المصنف (٤)، "وما بناه أحد الشريكين بلا إذن قلع مجانا" (٥)، وسيأتي بيانه في بناء المشتري في المشفوع.
"فرع: ليس لشريك (٦) رجع بعد الإذن في البناء" أو الغراس في الأرض
стр. 2636
المشتركة "إلا الأجرة" أي إلا التبقية بها فليس له القلع بأرش النقص؛ لأنه يتضمن قلع بناء المالك وغراسه من ملكه ولا أن يتملك بالقيمة؛ لأن للباني والغارس في الأرض مثل حقه.
"فإن لم يرض بها" أي بالأجرة "أعرض عنهما" إلى أن يرضى "وإن كانت العارية مقيدة بمدة غرس" المستعير "وبنى" جوازا مرة بعد أخرى "إلى أن تنقضي" المدة "أو يرجع المعير، ومتى انقضت" (١) أي المدة "أو رجع فالحكم كما سبق" في العارية المطلقة.
"فصل: ولو رجع المعير قبل إدراك الزرع بقاه" وجوبا "بأجرة إلى الحصاد" أما تبقيته؛ فلأن له أمدا ينظر بخلاف البناء والغراس، وأما أنها بالأجرة؛ فلأنه إنما أباح له المنفعة إلى وقت الرجوع فأشبه من أعار دابة إلى بلد ثم رجع في الطريق فإن عليه نقل متاعه إلى مأمن بأجرة المثل هذا "إن لم يعتد قطعه" قبل إدراكه أو اعتيد كالباقلاء ولم يبلغ أو إن قطعه عادة بخلاف ما لو اعتيد قطعه وبلغ ذلك تحكيما للعادة قال ابن الرفعة، وكذا لو لم ينقص بالقطع (٢)، أي: وإن لم يعتد قطعه (٣)، "وكذا" تلزمه تبقيته بالأجرة إلى الحصاد "إن انقضت المدة" ولم يقصر المستعير بتأخير الزرع كما في الإعارة المطلقة سواء أسند عدم الإدراك لعروض حر أو برد أو مطر أم لقلة المدة التي عينها أم لا كأكل الجراد رءوس الزرع فينبت ثانيا "لا إن قصر بالتأخير" فلا يلزمه ذلك فعلى المستعير القطع مجانا (٤) وتسوية الأرض، وكذا إن قصر بالزرع، وإن لم يقصر بالتأخير كأن علا الأرض سيل أو ثلج أو نحوه مما لا يمكن مع الزرع ثم زرع بعد نضوبه، وهو لا يدرك في المدة قال الإسنوي: وذكر الرافعي في نظير المسألة من
стр. 2637
الإجارة أنه إذا أبدل الزرع المعين بغيره كان كالتقصير بالتأخير، ويأتي هنا أيضا مثله (١).
"وإن أعاره" أرضا "لفسيل" (٢) أي لغرسه، وهو صغار النخل فإن كان مما "يعتاد نقله فكالزرع، وإلا فكالبناء" قال السبكي (٣): وسكتوا عن البقول ونحوها مما يجز مرة بعد أخرى، ويحتمل إلحاق عروقه بالغراس (٤) كما في البيع إلا أن يكون مما ينقل أصله فيكون كالفسيل الذي ينقل.
"فرع: لو حمل السيل" أو نحوه كهواء "حبات أو نوى" لغيره إلى أرضه "وكذا" لو حمل إليها "ما لا قيمة له كحبة" أو نواة "لم يعرض عنها المالك" لها "لزمه ردها للمالك" إن حضر (٥)، "وإن غاب فالقاضي" يردها، وعدل إلى هذا عن قول أصله لزمه ردها لمالكها إن عرفه، وإلا فيدفعها إلى القاضي ليفيد أنه يدفعها إلى القاضي عند غيبة المالك، وإن عرفه، وعند حضوره إذا لم يعرفه كما فهم بالأولى "وإن نبت" الأولى نبتت "في أرضه لم يملكها، وعلى مالكها القلع"؛ لأن مالك الأرض (٦) لم يأذن فيه فهو كما لو انتشرت أغصان شجرة غيره في هواء داره "و" عليه "التسوية" للأرض؛ لأن ذلك لتخليص ملكه (٧)، وجزم في المطلب بأنه لا أجرة (٨) عليه للمدة التي قبل القلع، وإن كثرت لعدم الفعل منه أما إذا أعرض عنها مالكها، وكان ممن يصح إعراضه فهي لمالك الأرض.
стр. 2638
"فصل في الاختلاف" بين المالك وذي اليد
لو "قال المالك" لدابة مثلا "آجرتك" (١)، "وقال المتصرف" فيها "أعرتني" ها "صدق" المتصرف بيمينه "إن لم تمض مدة لها أجرة" ولم تتلف العين؛ لأنه لم يتلف شيئا حتى نجعله مدعيا لسقوط بدله "ويحلف ما آجرتني" لتسقط عنه الأجرة، ويرد العين إلى مالكها فإن نكل حلف المالك يمين الرد واستحق الأجرة "ومتى مضت مدة" لها أجرة "صدق المالك" (٢) بيمينه كما لو أكل طعام غيره، وقال كنت أبحته لي، وأنكر المالك؛ ولأنه إنما يؤذن في الانتفاع (٣) غالبا بمقابل، وفرقوا بين هذه، وما لو قال الغسال أو الخياط فعلت بالأجرة، ومالك الثوب مجانا حيث لا يصدق مالك المنفعة بل مالك الثوب بأن العامل فوت منفعة نفسه ثم ادعى عوضا على الغير، والمتصرف فوت منفعة مال غيره، وطلب إسقاط الضمان عن نفسه فلم يصدق. "ويحلف" المالك "ما أعرتك بل آجرتك" ليستحق الأجرة ولا يكفي الاقتصار على نفي الإعارة؛ لأنه لم ينكر أصل الإذن حتى يتوصل إلى إثبات المال بنفي الإذن ونسبته إلى الغصب فإذا اعترف بأصل الإذن فإنما يثبت المال بطريق الإجارة. "ويستحق أجرة المثل" لا المسمى؛ لأنهما لو اتفقا على الإجارة واختلفا في الأجرة كان الواجب أجرة المثل فبالأولى إذا اختلفا في أصل الإجارة "فلو نكل" عن اليمين "لم يحلف المتصرف (٤)؛ لأنه لا يدعي إلا الإعارة، وهي لا تلزم فإن تلفت فالراكب مقر بالقيمة
стр. 2639
لمنكر لها"، وهو "يدعي الأجرة" إن كان التلف بعد مضي مدة لها أجرة "فيعطى قدرها" أي الأجرة "منها" أي القيمة "بلا يمين، ويحلف للزائد" فيما لو زادت على القيمة "ومتى قال" له المالك "غصبتني" فقال بل أعرتني "وهناك مدة" لها أجرة ولم تتلف العين "صدق" المالك بيمينه؛ لأن الأصل عدم الإذن فللمالك الأجرة، وإن لم تمض مدة لها أجرة فلا معنى للنزاع إذ لم تفت العين ولا المنفعة "فلو تلفت" تلفا يوجب ضمان العارية "فله أخذ قيمة يوم التلف بلا يمين"؛ لأن المتصرف مقر له بها "ولا يأخذ الأجرة" فيما إذا مضت مدة لها أجرة "و" لا "الزائد" على قيمة يوم التلف مما اقتضاه الغصب "إلا بيمين ولو قال المالك غصبتني، وقال الراكب آجرتني صدق المالك" بيمينه؛ لأن الأصل بقاء استحقاق المنفعة فيسترد العين إن كانت باقية "وله" فيما إذا مضت مدة لها أجرة "أخذ المسمى" أي قدره "بلا يمين"؛ لأن الراكب مقر له به "ويحلف لباقي أجرة المثل" أي للزائد على المسمى بل ولقيمة العين إن تلفت كما ذكره الأصل، والحاصل أن له أخذ ما يقر له به بلا يمين، وأخذ ما ينكره باليمين.
"وإن قال الراكب آجرتني، وقال المالك أعرتك صدق المالك بيمينه" لما مر في التي قبلها فيسترد العين إن كانت باقية "فإن نكل" عن اليمين "حلف الآخر" اليمين المردودة "واستوفى المدة، وإن حلف" المالك "وهناك مدة" لها أجرة "فقد أقر له" الراكب "بأجرة"، وهو "ينكرها"، وقد عرف حكمه من باب الإقرار "وإن اختلفا" في ذلك "بعد التلف" للعين "و" بعد "مضي مدة لها أجرة فإن كانت الأجرة أكثر" من القيمة "أخذ منها قدر القيمة أو مساوية" لها "أو أقل" منها "أخذها" أي الأجرة أي قدرها "بلا يمين فإن نقصت" أي الأجرة عن القيمة "حلف للباقي". ولو قال بدل فات إلى آخره وحلف في الأخيرة للباقي كان أوضح، وإن اختلفا بعد التلف، وقبل مضي مدة لها أجرة حلف المالك، وأخذ القيمة؛ لأن الراكب أتلفها، ويدعي مسقطا والأصل عدمه.
"وإن قال المالك: غصبتني (١)، فقال" ذو اليد "بل أودعتني: صدق
стр. 2640
المالك بيمينه"، وأخذ القيمة إن تلفت العين وأجرة المثل إن مضت مدة لها أجرة قال البلقيني (١): وجزم الهروي بأن المصدق ذو اليد قال: ويوافقه أن الصحيح في أصل الروضة في الإقرار (٢): أنه لو قال أخذت منه ألفا، وفسرها الوديعة، وقال المقر له بل غصبتها صدق المقر قال: ومحل الخلاف أن لا يوجد استعمال يخالف دعوى الوديعة فإن وجد فلا حاجة إلى الحلف (٣)، ويأخذ المالك القيمة عند التلف وأجرة المثل لما بعد التعدي قال فلو ادعى المالك الإعارة والآخر الوديعة فينبغي القطع بتصديق مدعي الوديعة حتى ينتفي عنه الضمان؛ لأنهما اتفقا على أنه وضع يده بالإذن واختلفا في المضمن، والأمانة هنا مقصودة بخلاف الإجارة، وقد أفتى البغوي فيمن دفع إلى رجل ألفا (٤) فتلفت فادعى الدافع القرض والآخر الوديعة بأن المصدق القابض، وهذا متعين. انتهى.
وقد يجاب عما قاله من موافقة ما في الإقرار لكلام الهروي بأن الملك هنا لم يعرف ابتداء من قبل ذي اليد بخلافه ثم والمعتبر في الإقرار اليقين غالبا، وما بحثه في الثانية جار على طريقته في الأولى، وإلا فالموافق لكلام الجمهور تصديق المالك أيضا (٥)، ولو ادعى المالك الإجارة وذو اليد الغصب فإن لم تتلف العين ولم تمض مدة لها أجرة صدق ذو اليد بيمينه، وإن مضت فالمالك مدع للمسمى وذو اليد مقر له بأجرة المثل فإن لم يزد المسمى عليها أخذه بلا يمين، وإلا حلف للزائد، وإن تلفت فإن لم تمض مدة لها أجرة فذو اليد مقر بالقيمة لمنكرها، وإلا فهو مدع للمسمى وذو اليد مقر له بأجرة المثل والقيمة فإن لم يزد المسمى عليهما أخذه بلا يمين، وإلا حلف للزائد ولو ادعى المالك الإعارة وذو اليد الغصب فلا معنى للنزاع (٦) فيها إن كانت العين باقية ولم تمض مدة لها أجرة، وإن مضت
стр. 2641
فذو اليد مقر بالأجرة لمنكرها، وإن تلفت قبل مضي مدة لها أجرة فإن لم يزد أقصى القيم على قيمة يوم التلف أخذ القيمة بلا يمين، وإلا فالزيادة مقر بها ذو اليد لمنكرها، وإن مضت مدة لها أجرة فالأجرة مقر بها ذو اليد لمنكرها.
"فرع: " لو "ركب" المستعير الدابة المعارة "جاهلا برجوع المعير لم تلزمه أجرة" (١)، واستشكل بأن الضمان لا يختلف بالجهل، وعدمه، وأجاب الزركشي بأن ذاك عند عدم تسليط المالك، وهنا بخلافه والأصل بقاء تسليطه وبأنه المقصر بترك الإعلام (٢) قال: وفرق القاضي بينه وبين نظيره في الوكالة بأن الوكالة عقد والإعارة إباحة، وإذن ولا يشكل الجواب بوجوب الدية على الوكيل إذا اقتص جاهلا بعفو المستحق؛ لأنه مقصر بتوكله في القود؛ لأنه غير مستحب إذ العفو مطلوب فضمن زجرا له عن التوكل فيه "وبموته" أي المستعير "يلزم الوارث" له "الرد" للعارية (٣)، وإن لم يطالبه المعير؛ لأن العارية عقد جائز، وقد انفسخت بموت المستعير، والمعير لم يرض بيد الوارث وتقدمت المسألة بزيادة.
стр. 2642
كتاب الغصب
الأصل في تحريمه قبل الإجماع آيات كقوله تعالى: ﴿لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ٢٩] أي لا يأكل بعضكم مال بعض بالباطل، وقوله: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: ١]، وأخبار كخبر: "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام" (١)، وخبر: "من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه (٢) من سبع أرضين" رواهما الشيخان (٣).
"هو" لغة أخذ الشيء ظلما (٤)، وقيل أخذه ظلما جهارا.
وشرعا "الاستيلاء على حق الغير (٥) عدوانا" ولا يصح قول من قال
стр. 2643
هو الاستيلاء على مال (١) الغير؛ لأنه يخرج الكلب والسرجين، وجلد الميتة، وخمر الذمي وسائر الاختصاصات كحق التحجر واختار الإمام أنه الاستيلاء على مال الغير بغير حق، وقال لا حاجة إلى التقييد بالعدوان بل يثبت الغصب وحكمه بغير عدوان كأخذه مال غيره بظنه ماله قال في الأصل: والأشبه التقييد به والثابت في هذه الصورة حكم الغصب لا حقيقته وأورد على التعريف السرقة فإنه صادق بها وليست غصبا وأجيب بأنها خرجت بالاستيلاء فإنه يبنى على القهر والغلبة، وفيه نظر والحق أنها غصب أيضا، وإن كانت من حيث إنها سرقة يرتب عليها حكم زائد على الغصب بشرطه، وما قاله المصنف من التعريف هو ما جزم به في أصل المنهاج لكن اختار في الروضة أنه الاستيلاء على حق الغير بغير حق، واعترضه الإسنوي بأن قوله بغير حق ذهول، وصوابه عدوانا لما قدمه من موافقة الرافعي على الفرق بينهما، وإنما قصد الانتقاد على من عبر بالمال قلت الظاهر أنه لم يذهل بل قصد ذلك ليدخل الصورة التي قالها الإمام ولا نسلم أنه وافق الرافعي على الفرق، وإنما نقل كلامه على عادته ثم اختار ذلك وحينئذ فيصح حمل قولهم عدوانا على قوله بغير حق، ويكون ذلك حقيقة الغصب عنده ولا يؤثر عدم الإثم في نحو صورة الإمام؛ لأن الغصب لا يستلزم الإثم كما لا يستلزمه ارتكاب المنهي عنه لتوقفه على العلم بأنه محرم.
стр. 2644
"وفيه بابان: الأول في الضمان، وفيه أربعة أطراف"
"الأول في موجب الضمان" بكسر الجيم أي سببه أي في موجب دخول المال في ضمانه "ولا ينحصر" موجبه "في الغصب بل الإتلاف والاستعارة والاستيام وغيرها مضمونة" الأولى والموافق لكلام أصله مضمنة والإتلاف هو التفويت بمباشرة، وهي ما يحصل الهلاك (١) كالقتل أو سبب، وهو ما يحصل الهلاك به كالإكراه على القتل أو شرط، وهو ما لا يحصلهما لكن يحصل الهلاك به كحفر بئر عدوانا وسيأتي تحقيقها في الجنايات لكن المصنف كأصله أراد بالسبب هنا ما يشمل الشرط كما يعلم مما يأتي.
"وإن فتح رأس زق غير منتصب فسال" ما فيه بفتحه وتلف "أو منتصب فسقط بفعله" (٢) كأن حرك الوكاء، وجذبه "أو بتقاطر ما فيه وابتلال أسفله به" أي بما تقاطر منه "ولو" كان التقاطر "بإذابة شمس" أو حرارة ريح مع مرور الزمان فسال ما فيه وتلف "ضمن"؛ لأنه باشر الإتلاف في الأوليين والإتلاف ناشئ عن فعله في الباقي سواء أحضر المالك، وأمكنه التدارك فلم يفعل أم لا كما لو حرق ثوبه أو قتل عبده، وأمكنه الدفع فلم يفعل ذكره القمولي "لا إن أسقطته" بعد فتحه له "ريح عارضة" (٣) أو نحوها كزلزلة ووقوع طائر "أو جهل الحال" فلم يعلم سبب سقوطه فلا يضمن؛ لأن التلف لم يحصل (٤) بفعله وليس فعله في الأولى مما يقصد به تحصيل ذلك العارض وللشك في الموجب في الثانية، وقيل يضمن فيها والترجيح فيها من زيادته وبه جزم الماوردي والروياني وغيرهما، وفارق حكم الأولى حكم إذابة الشمس بأن طلوع الشمس محقق
стр. 2645
فلذلك قد يقصده الفاتح بخلاف الريح، وأفهم كلامه كأصله أن الريح (١) لو كانت هابة عند الفتح ضمن، وهو ظاهر كما يؤخذ من الفرق المذكور، ومن تفرقتهم بين المقارن والعارض فيما إذا أوقد نارا في أرضه فحملها الريح إلى أرض غيره فأتلفت شيئا نبه عليه الإسنوي (٢).
"فلو أذابه آخر" غير الفاتح "بنار" قربها إليه "أو نكسه" بالتخفيف والتشديد أي قلب الزق "وهو" أي ما فيه "يتقاطر فالضمان من حينئذ" أي حين إذابته أو تنكيسه أي ضمان التلف بهما "عليه" دون الفاتح كالحاز مع الجارح "وكذا يضمن بالسبب" كالمباشرة، وقد مر مثله في فتح الزق، ومثل له هنا أيضا بأمثلة فقال "كما لو أزال ورق العنب ففسدت عناقيده" بالشمس "أو ذبح شاة رجل أو حمامته فهلك الفرخ" في الثانية "أو السخلة" في الأولى لفقد ما يعيشان به، ويفارق عدم الضمان فيما لو حبس المالك عن ماشيته حتى تلفت كما سيأتي بأن التالف هنا جزء أو كالجزء من المذبوح بخلاف الماشية مع مالكها وبأنه هنا أتلف غذاء الولد المتعين له بإتلاف أمه بخلافه ثم "أو قرب النار إلى جامد" (٣) في زق مفتوح "فذاب، وخرج" وتلف.
стр. 2646
"فرع" لو "حل رباط سفينة فغرقت بحله ضمن أو بحادث ريح" أو غيره "فلا" يضمن لما مر "فإن لم يظهر حادث فوجهان" في الضمان أحدهما المنع كالزق قال الزركشي، وهو الأقرب للشك في الموجب والثاني يضمن (١)؛ لأن الماء أحد المتلفات.
"فرع" لو "فتح قفصا عن طائر" (٢) الأولى طير "فطار في الحال" (٣)، وإن لم يهيجه "ضمن"؛ لأن طيرانه في الحال يشعر بتنفيره (٤) "وإلا" بأن وقف ثم طار "فلا" يضمنه؛ لأن طيرانه بعد الوقوف يشعر باختياره (٥) "وإن أخذته هرة بمجرد الفتح"، وقتلته، وإن لم تدخل القفص أو لم يعهد ذلك منها فيما يظهر (٦)، "أو طار فصدمه جدار" فمات "أو كسر" في خروجه "قارورة أو القفص ضمن" ذلك؛ لأنه ناشئ من فعله؛ ولأن فعله في الأولى في معنى إغراء الهرة، وقضية هذا التعليل أن محل (٧) ذلك إذا كانت حاضرة (٨)، وإلا فهو كعروض ريح بعد فتح الزق فلا يضمن وبه صرح السبكي وغيره ثم ما ذكر من الضمان فيما إذا أخذته هو ما في الأصل (٩) عن فتاوى القفال، وهو قياس ما يأتي عنه في مسألة الحمار لكن قياس ما يأتي عن غيره أنه
стр. 2647
لا ضمان، ومسألة صدم الطائر جدارا من زيادة المصنف، وهي داخلة في قوله فطار في الحال ضمن قال الماوردي والروياني ولو أمر طفلا أو مجنونا بإرسال طائر في يده فأرسله فهو كفتحه القفص عنه فينظر هل يطير عقب الإرسال أو لا. "وحل رباط البهيمة والعبد المجنون"، وفتح باب مكانهما كما صرح به أصله "كفتح القفص" فيما ذكر، وفي معنى المجنون الصبي الذي لا يميز "لا" العبد "العاقل، ولو" كان "آبقا"؛ لأنه صحيح الاختيار فخروجه عقب ما ذكر محال عليه.
"ولو حل رباطا عن شعير" في جراب "فأكله في الحال حمار بجنبه ضمن" كذا نقله الأصل عن فتاوى القفال قال الأذرعي، وجزم الروياني بعدم ضمانه ثم قال، وفيه وجه، وعدم الضمان منسوب إلى العراقيين، وقد صرح هو كالماوردي بأنه لو حل رباط بهيمة فأكلت علفا، وكسرت إناء لم يضمن سواء اتصل ذلك بأكل أم لا؛ لأنها المتلفة قال، ويدل لذلك نص في الأم وسبقه إلى نحو ذلك السبكي لكن قد يجاب بأنه إنما لم يضمن في تلك (١)؛ لأنه لم يتصرف في التالف بل في المتلف عكس مسألتنا.
"فلو خرجت البهيمة" عقب فتح الباب ولو "ليلا فأتلفت زرعا" أو غيره "لم يضمنه" الفاتح إذ ليس عليه حفظ بهيمة الغير عن ذلك وترجيح عدم الضمان ليلا من زيادته (٢)، وعليه العراقيون قال السبكي وبه أفتى البغوي، وهو الأصح وذكر نحوه الأذرعي، وقال إنه أقرب إلى نصوص الشافعي، وجزم به صاحب الأنوار. وعبارة الأصل قال القفال: إن كان نهارا لم يضمن أو ليلا ضمن كدابة نفسه، وقال العراقيون لا يضمن زاد في الروضة قلت قطع ابن كج بما قاله القفال، وفي نسخة من الروض بدل لم يضمنه ضمنه، وهي موافقة لما نقله الأصل عن القفال قال ابن الرفعة ولمن خالف العراقيين أن يقول ليس تضمينه لترك الحفظ بل للتسليط على الإتلاف، وقال البلقيني الصواب أنه يضمن مطلقا؛ لأنه متعد بإخراجها بخلاف الإنسان في دابة نفسه. قال وسئلت عن رجل ركب دابة غيره في المرعى ثم نزل عنها فجاءت إلى الجرن
стр. 2648
فردها الحارس فرفصته فكسرت أسنانه ولم يكن أحد معها وذلك بالنهار فأفتيت بأنه لا ضمان على صاحبها (١) ولا على الذي ركبها بخلاف ما صوبته هنا والفرق أن التعدي تم بالإخراج بخلاف من وجدها خارجة، وفيما قاله وقفة.
"وإن رمى طائرا" ولو في هواء داره فقتله "ضمنه" إذ ليس له منعه من هواء داره "لا إن نفره عن جداره" فلا يضمنه؛ لأن له منعه من جداره "وإن فتح الحرز، وأخذ غيره" ما فيه "أو حبس رجلا" ولو ظلما (٢) "عن ماشيته فهلكت" جوعا أو عطشا بسبب حبسه، وإن قصد منعه عنها "أو دل عليها" أي العين "اللصوص فلا ضمان" عليه إذ لم تثبت يده على المال وتسببه بالفتح في الأولى قد انقطع بالمباشرة نعم لو أخذه غيره بأمره، وهو أعجمي أو ممن يرى طاعة آمره فعليه الضمان لا على الآخذ كما سيأتي بيانه في الجنايات ولو بنى دارا فألقت الريح فيها ثوبا وضاع لم يضمن كما يؤخذ من كلامه، وصرح به أصله. "وكذا لو منعه من سوق الماء إلى زرعه فتلف" لا ضمان عليه كما في حبس غيره عن ماشيته "ولو غصب بقرة أو هاديا" للقطيع، وهو الماشي أمامه "فتبعه العجل" في الأولى "أو القطيع" في الثانية "لم يضمن التابع" ما لم تثبت يده
стр. 2649
عليه، وهذا ما رجحه في أصل "الروضة" (١) والذي في الرافعي ذهب بعضهم إلى أنه يضمنه، وأعاد المسألة في السرقة وحكى فيها، وجهين بلا ترجيح وتبعه عليه في الروضة قال في المطلب والراجح الضمان، ويشهد له قول الأصحاب أنه إذا كان بيده دابة، وخلفها ولدها فأتلف شيئا ضمنه كما يضمن ما تتلفه أمه فلو لم يكن في يده لم يضمنه قال والذي يظهر فيما إذا غصب أم النحل (٢) فتبعها النحل أنه يضمن، وجها واحدا لاطراد العادة بتبعيته لها. انتهى. وما استشهد به لا شاهد فيه لجواز حمله (٣) على ما إذا وضع يده على الولد كما هو الغالب بقرينة ما نظر به.
"فرع: لو نقل صبيا حرا إلى مسبعة فافترسه سبع لم يضمن" ـه، وإن لم يقدر على الحركة إحالة للهلاك على اختيار الحيوان، ومباشرته؛ ولأن النقل المذكور ليس بإهلاك ولم يلجئ السبع إليه بل غالب حاله الفرار من الناس نعم إن ألقاه في زبيته، وهو فيها فقتله ضمنه؛ لأنه ألجأه إلى قتله، وأفهم كلامه بالأولى أنه لا ضمان في البالغ، وإنما خص الصبي بالذكر للخلاف فيه أما الرقيق فمضمون باليد والمسبعة بفتح الميم والباء اسم للأرض الكثيرة السباع، ويجوز ضم الميم، وكسر الباء أي ذات سباع قاله ابن سيده.
"فصل: يضمن" ذو اليد العادية "الأصل وزوائده المنفصلة" كالولد والثمرة "والمتصلة كالسمن وتعلم الصنعة بإثبات اليد عدوانا على الأصل" مباشرة، وعلى الزوائد تسببا إذ إثباتها على الأصل سبب لإثباتها على زوائده نعم لو اصطاد العبد المغصوب صيدا ففي البيان عن الصيمري (٤): لا يضمنه الغاصب إلا أن يحول بينه وبين العبد ثم إثبات اليد يكون في المنقول والعقار، وقد أخذ في بيان ما يحصل به ذلك مبتدئا بالمنقول فقال "بنقل المنقول" فلا يكون غاصبا بدون نقله إلا فيما ذكره بقوله "وكذا لو جلس على دابة (٥) أو فراش ولم ينقل"
стр. 2650
فإنه يكون غاصبا (١)، وإن لم يقصد الاستيلاء كما صرح به في أصل الروضة لحصول غاية الاستيلاء بصفة الاعتداء نعم إن حضره المالك ولم يزعجه لكنه بحيث يمنعه التصرف في ذلك فقياس ما يأتي في نظيره من العقار أن يكون غاصبا لنصفه فقط ذكره الأصل (٢)، وكركوب الدابة استخدام العبد ذكره ابن كج (٣)، ثم ثنى المصنف بالعقار في صور فيها أشياء ليست قيودا كما سأشير إلى بعضها فقال "أو أضاف إلى ملكه ملكا لغيره ببناء ونحوه" كأن اقتطع أرضا ملاصقة لأرضه وبنى عليها حائطا، وأضافها إلى ملكه فيكون غاصبا لها لوجود الاستيلاء، وقوله ونحوه من زيادته "أو أزعج المالك" أي أخرجه "عن داره ودخلها بعياله" أو بدونهم بقرينة ما يأتي "على هيئة الساكن، وإن لم يقصد الاستيلاء"؛ لأن وجوده يغني عن قصده "أو أزعجه" عنها "وإن لم يدخلها" إذ لا يعتبر في قبضها دخولها والتصرف فيها "أو دخل" ـها "بقصد الاستيلاء ولم يكن" مالكها "فيها" (٤) فهو غاصب لها (٥)، وإن كان ضعيفا والمالك قويا لوجود
стр. 2651
الاستيلاء، وأثر قوة المالك إنما هو في سهولة النزع فأشبه ما لو سلب قلنسوة ملك فإنه غاصب، وإن سهل على المالك نزعها.
"فإن منعه شيئا منها" كأن سكن بيتا منها، ومنعه منه دون باقيها "فغاصب له" دون الباقي؛ لأنه الذي استولى عليه "أو شاركه في الاستيلاء فغاصب لنصفها (١) "؛ لاجتماع يدهما واستيلائهما "لا إن دخل" ها لا بقصد الاستيلاء بل "لينظر هل تصلح له" أو ليتخذ مثلها أو لنحوهما فلا يكون غاصبا لها ولا يضمنها. "ولو تلفت، وهو فيها" بخلاف ما لو رفع المنقول من بين يدي مالكه لذلك (٢) فتلف في يده فإنه يضمنه (٣)؛ لأن يده عليه حقيقة فلا يحتاج في إثبات حكمها إلى قرينة، وعلى العقار حكمية فلا بد في تحقيقها من قرينة قصد الاستيلاء كذا نقله الأصل عن المتولي، وأقره قال في المهمات، وهو خلاف المعروف في رفع المنقول فقد قال القاضي والإمام والغزالي لا يضمن، وفي فتاوى البغوي ما يوافقه لكن لو خطا به خطوات ففي تعليق القاضي يضمن، وفي فتاويه لا يضمن (٤)، "وشرط غصب الضعيف الدار دخوله" لها "في غيبة المالك بقصد الاستيلاء" فإن دخلها في حضرته ولو بقصد الاستيلاء لم يكن غاصبا؛ لأنه لا يعد مستوليا ولا عبرة بقصد ما لا يتمكن من تحقيقه فلا يكون في صورة المشاركة السابقة غاصبا للنصف فإن قيل لو نوى المسافر الإقامة في مفازة لا يمكن فيها ذلك اعتبر قصده حتى لا يترخص فلم خالف ما هنا؟.
قلنا: رعاية للأصل فيهما إذ الأصل عدم الترخص، وعدم الضمان؛ ولأن
стр. 2652
الإقامة في المفازة ثم ممكنة في زمان يسير بخلاف الاستيلاء ذكره الإسنوي قال كالسبكي، وقياس ما ذكر هنا (١) يقتضي أنه لو انعكس الحال فكان المالك ضعيفا والداخل بقصد الاستيلاء قويا كان غاصبا للجميع قال الأذرعي (٢): وفيه نظر؛ لأن يد المالك الضعيف موجودة (٣) فلا معنى لإلغائها بمجرد قوة الداخل. انتهى. وقد يعارض بمثله في الداخل (٤) الضعيف بقصد الاستيلاء.
"فصل: يد من ترتبت يده على يد الغاصب" بشراء أو غيره "ضامنة"، وإن جهل صاحبها الغصب، وكان أمينا كالمودع؛ لأنه أثبت يده على مال غيره بغير إذنه فللمالك مطالبة من شاء منهما على ما يأتي، ويستثنى الحاكم ونائبه؛ لأنهما نائبان عن المالك، ومن انتزعه ليرده لمالكه إن كان الغاصب حربيا أو رقيقا للمالك، وكذا الزوج كما سيأتي.
"وإن علم" من ترتبت يده على يد الغاصب الغصب "فغاصبة" يده لوجود حد الغصب فيما ترتبت عليه فيستقر عليه ضمان ما تلف عنده "فلا يرجع بما ضمن" على الغاصب "ولا يضمن ما نقص" من العين المغصوبة "قبل وقوع يده" عليه؛ لأنه لم ينقص في يده "فإن تلفت مع الثاني الجاهل، وكانت يده في الأصل ضامنة كالمشتري والمقترض والمتهب" والمستعير (٥) "فقرار ضمان يده عليه"؛
стр. 2653
لأنه دخل في عقد الهبة على التملك، وفي غيرها على الضمان بل، وعلى التملك في بعضه فلم يغره الغاصب، وعده المتهب ممن يده يد ضمان من تصرفه والذي في الأصل وغيره أن يده ليست يد ضمان (١)، وإن كان المرجح أن قرار الضمان عليه لما قلنا "أو" كانت "غير ضامنة كالمستأجر (٢) والوكيل والمودع فالقرار على الغاصب دونه"؛ لأنه دخل على أن يده نائبة عن يد الغاصب "لكنه طريق" في الضمان "إلا الزوج" فليس طريقا فيه فلو تزوج المغصوبة من الغاصب فتلفت عنده لم يضمنها بخلاف المودع؛ لأن كونها في حيال الزوج ليس كحلول المال في اليد قال الزركشي، وينبغي تخصيصه بما إذا تلفت بغير الولادة (٣)، وإلا فيضمنها كما لو أولد أمة غيره بشبهة، وماتت بالولادة فإنه يضمنها على الأصح كما قاله الرافعي في
стр. 2654
الرهن.
"فرع" لو "أضافه" أي الغاصب غيره "طعاما مغصوبا" (١) فأكله "فقرار الضمان" على الضيف إن علم "أنه مغصوب، وكذا إن جهل"؛ لأنه المتلف، وإليه عادت منفعته فإن ضمنه لم يرجع على الغاصب، وإن ضمن الغاصب رجع عليه "وكذا إن قال له هو ملكي" فالقرار على الآكل فلا يرجع بما غرمه على الغاصب "لكن بهذه" المقالة "إن ضمن الغاصب لا يرجع عليه لاعترافه أن ظالمه غيره" فلا يرجع على غير ظالمه "وإذا قدمه لعبد" ولو بإذن مالكه "فالأكل جناية" منه "يباع فيها" لتعلق موجبها برقبته فلو ضمن الغاصب رجع على قيمة العبد "لا" إن قدمه "لبهيمة" فأكلته وضمن الغاصب "فإنه لا يرجع على المالك إن لم يأذن"، وإلا رجع عليه "ومطيع الغاصب في ذبح الشاة" المغصوبة بأن قال له اذبحها فذبحها "لا في قتلها جاهلا" بالغصب "يرجع عليه"؛ لأنه إنما ذبح له لا لنفسه، وكذا في كل ما استعان به الغاصب كطحن الحنطة، وخبز العجين، وإنما لم يرجع عليه في صورة القتل؛ لأنه حرام بخلاف الذبح، وخرج بالجاهل العالم فلا يرجع على الغاصب بل الغاصب يرجع عليه بما ضمن.
"فرع: يبرأ" الغاصب "من المغصوب بإطعامه المالك (٢) أو إعارته إياه" أو بيعه أو إقراضه له "ولو" كان "جاهلا" بأنه له؛ لأنه باشر أخذ ماله باختياره "وتمكينه" أي، ويبرأ بتمكينه منه "بالوضع بين يديه عالما" بأنه له لا جاهلا به؛ لأنه يعد قابضا له في الأول دون الثاني، وهذه من زيادته "لا بإيداعه ورهنه (٣)، وإجارته (٤) وتزويجه" منه والقراض معه فيه "جاهلا"
стр. 2655
بأنه له؛ لأن التسليط فيها غير تام، وكما لا يتقرر الضمان فيها على الأجنبي بخلاف ما إذا كان عالما، وكلامه في التزويج شامل للذكر والأنثى "ما لم يستولدها" فإن استولدها أي وتسلمها (١) برئ الغاصب "ولا" يبرأ "إن صال" المغصوب على مالكه "فقتله المالك دفعا" لصياله سواء أعلم أنه عبده أم لا؛ لأن الإتلاف بذلك كإتلاف العبد نفسه ولهذا لو كان العبد لغيره لم يضمنه قال الزركشي: وينبغي أن يكون المرتد (٢) والباغي كذلك إذا قتله سيده الإمام (٣) كنظيره فيما مر في البيع "ولو قال الغاصب للمالك أعتقه أو أعتقه عنك فأعتقه ولو جاهلا" بأنه له "عتق"؛ لأن العتق لا يندفع بالجهل "وبرئ" لانصرافه إلى جهة صرفه المالك إليها بنفسه، وعادت مصلحتها إليه "وكذا" يعتق، ويبرأ الغاصب "لو قال" للمالك أعتقه "عني" فأعتقه عنه ولو جاهلا والترجيح من زيادته، وصرح به السبكي (٤)، ويقع العتق عن المالك لا عن الغاصب على الصحيح في أصل "الروضة (٥) " والأوجه معنى أنه يقع عن الغاصب (٦)، ويكون ذلك بيعا ضمنيا إن ذكر عوض، وإلا فهبة بناء على صحة البيع فيما لو باع مال أبيه ظانا حياته فبان ميتا "وكذا" يعتق، ويبرأ "إن أمره المالك" بعتقه بأن قال أعتقه أو أعتقه عنك أو عني، ومسألة أعتقه عنك في الموضعين من زيادته، وذكرها القاضي والمتولي قال البلقيني (٧): وينبغي أن يلحق بالإعتاق الوقف ونحوه.
стр. 2656
الطرف الثاني في المضمون
"المضمون مال وغيره، وهو الحر" أما الحر "فيضمن بالجناية وسيأتي"
стр. 2657
بيانه "في الديات، و" أما "المال" فهو "أعيان، ومنافع فالأعيان تضمن بالإتلاف وبالدخول تحت اليد العادية فيضمن الغاصب جزء الرقيق غير المقدر" واجبه "من الحر" كذهاب البكارة والهزال، وجرح البدن "بنقص القيمة (١) " كما في سائر الحيوانات قال البلقيني (٢): واستثنى المتولي ما إذا كانت الجناية فيما يتقدر كاليد، وكان الناقص أكثر من مقدره أو مثله فلا يوجب جميعه؛ لأنه يؤدي إلى أن يزيد على موجب الجناية أو يساويه بإدخال خلل في العضو على نفس العضو لكن الحاكم يوجب فيه حكومة باجتهاده، قال: وهذا تفصيل لا بد منه، وإطلاق من أطلق يحمل عليه (٣)، وما استثناه إنما يأتي في غير الغاصب أما فيه فيضمن بالنقص مطلقا والكلام إنما هو فيه. "و" يضمن جزأه "المقدر" واجبه من الحر "كيد العبد" ولو مكاتبا، ومدبرا وأم ولد "بأكثر الأمرين من أرشه ونصف قيمته إن جنى عليه" لاجتماع السببين فلو كان الناقص بقطعها ثلثي قيمته لزماه النصف بالقطع والسدس باليد العادية نعم إن قطعها المالك ضمن الغاصب الزائد على النصف فقط نقله الأذرعي عن الروياني والمبعض يعتبر بما فيه من الرق كما ذكره الماوردي ففي قطع يده مع ربع الدية أكثر الأمرين من ربع القيمة ونصف الأرش.
"فرع": لو قطع أصبعا منه زائدة وبرئ ولم تنقص قيمته قال ابن سريج لا شيء عليه، وقال أبو إسحاق يلزمه ما نقص (٤)، ويقوم قبل البرء والدم سائل للضرورة "وإن تلفت" يده "بآفة سماوية فبما نقص من قيمته (٥) " يضمن؛ لأن الساقط بغير جناية لا يتعلق به قود ولا كفارة ولا يضرب على العاقلة بحال فأشبه
стр. 2658
سائر الأموال، ولهذا لو كان قدر النقصان أكثر من المقدر كان هو الواجب بالإتلاف، وكالآفة السماوية ما لو جنى العبد المغصوب على يد آخر فقطعت يده قودا قاله الإمام "وإن أتلفها غير غاصب" له "ضمنها بنصف قيمته"، وإن كان في يد الغاصب كما تضمن يد الحر بنصف ديته "والمنافع" المتقومة تضمن "بالتفويت" كأن سكن الدار واستخدم العبد وركب الدابة "وكذا بالفوات تحت اليد العادية" كأن لم يفعل ذلك وذلك؛ لأنها مضمونة بالعقد الفاسد فتضمن بالغصب كالأعيان "إلا منفعة الحر والبضع" فلا تضمن بالفوات "وسيأتيان فمن غصب عينا" تؤجر "ضمن منفعتها" إذا بقيت في يده مدة لها أجرة "وإن لم يستوفها كما يضمن عينها" الأولى تضمنها "وإن لم يتلفها" والتصريح بهذا التنظير من زيادته "حتى" لو غصب "المسك (١) والكتاب" ضمن منفعتهما "وتجب" الأولى فتجب "أجرته" أي كل منهما "وإن لم يشمه" أي المسك "ولم يطالعه" أي الكتاب "ويجب أعلى أجرة صنائع المغصوب" إذا كان له صنائع فلا تجب أجرة الجميع لاستحالة وجود عملين مختلفين في، وقت واحد قاله القاضي وغيره قال الزركشي، ويؤخذ منه تخصيص (٢) ذلك بما لا يمكن الإتيان معه بصنعة أخرى فإن أمكن كالخياطة مع الحراسة ضمن الأخرى أيضا قال وسيأتي في صيد العبد المغصوب ما يؤيده، ومحل ذلك في غير الحر أما الحر فلا يضمن فيه إلا أجرة مثل ما استعمله فيه كما يؤخذ مما سيأتي. وصرح به القفال في فتاويه.
"وإن غصب أرضا تنقص بترك الزراعة لنبت الحشيش" فيها إذا لم تزرع كأرض البصرة "فلم يزرع" ها "فعليه قلعه" أي الحشيش ورده "مع الأجرة، وأرش النقص" التصريح بذكر القلع من زيادته ولو ذكر معه الرد الذي اقتصر عليه أصله كان أولى أما إذا كانت العين لا تؤجر كمسجد وشارع، ومقبرة فلا تضمن منفعتها إلا بالتفويت "وأما الحر والبضع فلا تضمن منفعتهما إلا
стр. 2659
بالتفويت (١) " كأن استخدم ووطئ فلا تضمن بالفوات "لأنهما لا يدخلان تحت اليد" شرعا (٢) فاليد في منفعة الحر له، وفي بضع الحرة لها بدليل صحة تزويج المغصوبة ودعوى كل من اثنين نكاحها عليها لا على الآخر، وإن كانت عنده؛ ولأن منفعة البضع تستحق استحقاق ارتفاق للحاجة ولهذا لا يملك الزوج نقلها أصلا بخلاف سائر المنافع؛ لأنها تستحق استحقاق ملك تام، ومحل ضمان تفويت ما ذكر حيث لا ردة متصلة بالموت فسيأتي في بابها أنه لو أكره أمة مرتدة على الوطء أو مرتدا على عمل، وماتا على الردة لا مهر لها ولا أجرة له بناء (٣) على زوال ملك المرتد أو وقفه "نعم لو استأجر" شخص "الحر فله تأجيره" يعني إجارته "ويستحق" عليه الحر "الأجرة بتسليم نفسه" له "ولو لم يستعمله" بناء لذلك على الحاجة والمصلحة، وإلا فقضية كون منفعة الحر لا تدخل تحت اليد منع ذلك كما قال به القفال.
"فرع: على ناقل الحر" صغيرا أو كبيرا "قهرا" من مكانه إلى مكان آخر "مؤنة رده" إن احتاج إليها لتعديه هذا "إن كان له" أي للحر "غرض في الرجوع" إلى مكانه، وإلا فلا شيء عليه نقل ذلك الأصل عن المتولي وذكر مثله القاضي في موضع، وقال في آخر لا تجب لكن إذا كان النقل إلى برية مهلكة فعليه رده إلى العمران يعني المأمن حسبة من حيث الأمر بالمعروف ولا يختص به بل جملة المسلمين فيه سواء وذكر الإمام مثله.
"ولو غصب جارحة أو شبكة أو قوسا" فاصطاد بها صيدا "فالصيد له" لا لصاحبها؛ لأنها آلات للصائد "وعليه الأجرة" أي أجرة مثلها "لا في الكلب" بناء على الأصح من أنه لا تجوز إجارته "بل يجب رده" مع مؤنته إن كان له مؤنة
стр. 2660
"وإن غصب عبدا فاصطاد له" صيدا "فالصيد لسيده" لاستقلال العبد به ولو أمر عبدا لا يميز بذلك ففعل فظاهر كلامهم أن الصيد لمالكه وبه صرح البغوي (١) والروياني، وهو ظاهر؛ لأن له اختيارا في الجملة، وإن كان التعليل المذكور يقتضي خلافه "ويضمن الغاصب أجرته" في زمن صيده أيضا قال الرافعي: لأنه لو كان بيد مالكه ربما استعمله في غير ما اشتغل به فلا تدخل الأجرة فيما اكتسبه (٢)، وبما قاله يندفع إشكال الجمع بينهما إذا كان أعلى منافع العبد الاصطياد، وكان المصنف لما رأى الإشكال قويا زاد لفظة له (٣) ليخرج ما لو اصطاد لسيده أو أطلق فلا يضمن الغاصب أجرته بل تدخل فيما ذكر، وظاهر كلامهم خلافه، وجواب الإشكال ما قلنا.
"فرع: يجب أرش نقص المغصوب" الحاصل بغير كساد السوق "وأجرته (٤) وضمان جنايته وزوائده، وإن أبق وسلمت القيمة للحيلولة" حالة إباقه لبقاء حكم الغصب "وتكون" الأجرة "بعد" حدوث "النقص أجرة ناقص" بخلافها قبل حدوثه فإنها أجرة تام "سواء" في وجوب الأرش مع الأجرة "حدث النقص بالاستعمال الموجب للأجرة" كأن لبس الثوب فأبلاه "أم لا" كأن غصب ثوبا أو عبدا فنقصت قيمته بآفة سماوية كسقوط عضو العبد بمرض لا يقال على الشق الأول النقصان نشأ من الاستعمال، وقد قوبل الاستعمال بالأجرة فلا يجب له ضمان آخر؛ لأنا نقول الأجرة لا تجب للاستعمال بل لفوات المنفعة على المالك بدليل أنها تجب، وإن لم يكن استعمال فلم يلزم ضمانان لشيء واحد.
стр. 2661
"فصل: لا يضمن" أحد "خمرا" ولو محترمة "وخنزيرا" لعدم المالية كالميتة والدم (١) "و" لكن "يجب رد" الخمر "المحترمة (٢)، وخمر ذمي غير متظاهر بها (٣) " شربا أو بيعا أو غيرهما (٤) مع مؤنة ردهما كما صرح به الأصل في الثانية في الجزية لاحترامهما بخلاف ما عداهما لا ترد بل تراق كما مر في الرهن، ويجوز كسر إنائها إذا لم يقدر على إراقتها إلا به أو كان إناؤها ضيق الرأس ولو اشتغل بإراقتها أدركه الفساق، ومنعوه أو كان يضيع زمانه، ويتعطل شغله ذكره الغزالي (٥)، قال وللولاة كسر آنية الخمر زجرا وتأديبا دون الآحاد والنبيذ كالخمر في حكمها قال الماوردي إلا أنه (٦) لا يريقه إلا بأمر حاكم مجتهد لئلا يتوجه عليه الغرم فإنه عند أبي حنيفة مال وظاهر أن الحاكم المقلد لمن يرى إراقته كالمجتهد في ذلك، وقد قال النووي الحشيشة مسكرة (٧)، فعليه يتجه إلحاقها بالخمر (٨)
стр. 2662
في عدم الضمان قاله الإسنوي (١) وغيره.
"فرع" وفي نسخة فصل "يلزم المكلف القادر كسر الأصنام" قال في الأصل والصليب "وآلات الملاهي" كالبربط (٢) والطنبور إزالة للمنكر إذ يحرم الانتفاع بها ولا حرمة لصنعتها والأصل فيه خبر الصحيحين: "والذي نفسي بيده ليوشكن أن يقوم ابن مريم حكما عدلا فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير" (٣) فلا يلزم بكسرها شيء إذا كسرها "كسرا تصير به إعادتها" في إنالة الصانع التعب "كإحداثها" بأن تفصل لتعود كما قبل التأليف فلا يكفي قطع الأوتار؛ لأنها مجاورة لها منفصلة "فلو رضها أو أحرقها ضمن ما سوى" الكسر "المشروع" أي الزائد عليه؛ لأن رضاضها متمول ولزيادته على ما يزول به الاسم فعلم أنه ليس له أن يكسرها الكسر الفاحش قال الزركشي: وينبغي أن يكون محله في الآحاد (٤)، أما الإمام فله ذلك زجرا وتأديبا على ما قاله الغزالي في إناء الخمر بل أولى "ويعذر في" كسر "الزائد" على الكسر - المشروع "إن دوفع" عن كسره (٥)؛ لأن دافعه مقصر ولو أتلف جلدا غير مدبوغ فادعى المالك أنه مذكى والغاصب أنه ميتة صدق الغاصب بخلاف ما لو أراق ماء عنب واختلفا في تخمره فإنه يصدق المالك؛ لأن الأصل بقاء ماليته ذكره البغوي (٦)، قال الزركشي، وينبغي أن يلحق بالثانية ما لو قال الكاسر هنا لم يمكن الكسر إلا بالرض أو الإحراق، وخالفه المالك فيصدق المالك قلت والأوجه إلحاقه بالأولى؛ لأن له الإقدام على إزالة المنكر والأصل براءة الذمة قال الإسنوي قال الإمام لو أبرز خمرا وزعم أنها خمر خل لم يقبل منه كما قاله طوائف ولو اطلعنا على خمر، ومعها مخايل تشهد بأنها خمر خل فالمذهب أنا لا نتعرض لها.
стр. 2663
"وللصبي" المميز "وغير الكامل" من امرأة، ومن فيه رق أو فسق، وفي نسخة بدل هذا وغير المكلف وكلا اللفظين يغني عما قبله "كسرها، ويثاب الصبي"، وإن كان غير مكلف على كسرها "كالبالغ" قال في الروضة قال في الإحياء وليس لأحد منعه (١) من ذلك ولا من إزالة سائر المنكرات كما ليس له منع البالغ فإنه، وإن لم يكن مكلفا فهو من أهل القرب.
стр. 2664
"الطرف الثالث: في قدر" البدل "الواجب"
"قال: مثلي يضمن بمثله" لآية: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]؛ ولأنه أقرب إلى التالف؛ ولأن المثل كالنص؛ لأنه محسوس والقيمة كالاجتهاد ولا يصار للاجتهاد إلا عند فقد النص "والمثلي ما حصره كيل أو وزن، وجاز السلم فيه" فخرج بقيد الكيل أو الوزن ما يعد كالحيوان أو يذرع كالثياب وبجواز السلم فيه الغالية والمعجون ونحوهما؛ لأن المانع من ثبوت ذلك في الذمة بعقد السلم مانع من ثبوته بالتلف والإتلاف، وشمل التعريف الرديء نوعا أما الرديء عيبا فليس بمثلي؛ لأنه لا يجوز السلم فيه، وأورد الإسنوي عليه القمح المختلط بالشعير فإنه لا يجوز السلم فيه مع أن الواجب فيه المثل فيخرج القدر المحقق منهما، ويجاب بأن إيجاب رد مثله لا يستلزم كونه مثليا كما في إيجاب رد مثل المتقوم في القرض "فالتراب والنحاس والحديد والتبر والمسك والعنبر والكافور والثلج والجمد والقطن" ولو بحبه خلافا لابن الرفعة "والعنب والرطب والفواكه الرطبة والدقيق واللحم الطري" ونحوها كالنخالة كما في فتاوى ابن الصلاح "كلها مثلية" لصدق التعريف عليها، وما ذكره كأصله من أن الرطب والعنب مثليان تقدم ما فيه في زكاة المعشرات "لا الخبز" وكل ما دخلته النار لطبخ أو قلي أو شي فليس مثليا؛ لأنه لا يجوز السلم فيه "ثم الماء والحبوب" الجافة "والخلول" التي ليس فيها ماء "والأدهان" والألبان "والسمن والمخيض والدراهم والدنانير" الخالصة ونحوها "مثلية، وكذا" الدراهم والدنانير "المغشوشة والمكسرة والسبيكة" ولو عطف الماء والمذكورات بعده بالواو، وقدمها على قوله كلها مثلية كان أولى، وأخصر والمراد بالماء الماء البارد إذ الحار متقوم لدخول النار فيه قاله في المطلب، وهذا كما قال
стр. 2665
الأذرعي: يطرق غيره من المائعات إذا حميت بالنار.
"فصل" لو "غصب مثليا فتلف أو أتلفه بلا غصب والمثل موجود فلم يغرم حتى عدم المثل" حسا أو شرعا بأن لم يجده أو، وجده بأكثر من ثمن مثله أو منعه من الوصول إليه مانع "فيما دون مسافة القصر" من بلد الغصب أو الإتلاف "لزمه أقصى القيم" للمغصوب أو المتلف، وقيل للمثل، وصححه السبكي (١) "من" وقت "الغصب" في الأول "أو" وقت "الإتلاف" في الثاني "إلى"، وقت "الإعواز" للمثل؛ لأن وجود المثل كبقاء العين في لزوم تسليمه فلزمه ذلك كما في المتقوم، ولا نظر إلى ما بعد العدم كما لا نظر إلى ما بعد تلف المتقوم. "فإن قال المستحق أنا أصبر" عن أخذ القيمة "إلى وجود المثل أجيب"؛ لأن الحق له "ولو تلف" المثلي "أو أتلفه والمثل مفقود، وهو غاصب" فيهما "فأقصى القيم من الغصب إلى التلف" يلزم "أو"، وهو "غير غاصب" في الثانية "فقيمة يوم التلف" تلزم، والتصريح بمسألة الإتلاف في الغصب هنا من زيادته "فلو غرم" الغاصب أو المتلف القيمة لفقد المثل هنا، وفيما مر "ثم وجد المثل لم يرجع إليه" بالبناء للمفعول أي لم يرجع الغارم إلى دفعه مع استرداد القيمة ولا المالك إلى أخذه مع رد القيمة؛ لأن الأمر قد انفصل بالبدل كاليسار بعد صوم الكفارة المرتبة.
"فرع" لو "غصب مثليا" من بلد "ونقله إلى بلد آخر طولب بالرد" إلى بلد الغصب عند العلم به ليرده كما أخذه "وبالقيمة للحيلولة (٢) " بينه وبين مالكه إن كان بمسافة بعيدة، وإلا فلا يطالب إلا بالرد قاله الماوردي قال الأذرعي، وهذا قد يظهر فيما إذا لم يخف هرب الغاصب أو تواريه، وإلا فالوجه عدم الفرق