الغرس ليس من عمل المساقاة فضمه إليها كضم غير التجارة إلى عمل القراض.
"فإن" وقع ذلك وعمل العامل و "كانت الثمرة متوقعة" في المدة "فله الأجرة (١) "، أي أجرة عمله على المالك، وإلا (٢) فلا، "لا إن كان الغراس للعامل" فلا أجرة له "بل يلزمه" للمالك "أجرة الأرض فإن كانت الأرض للعامل استحق أجرة عمله وأرضه".
"وإن ساقاه على أحد الحائطين" أو على غير المرئي لهما "لم يصح" للجهل بالمعقود عليه ولأنه عقد غرر من حيث إن العوض معدوم في الحال وهما جاهلان بقدر ما يحصل وبصفاته فلا يحتمل ضم غرر آخر وظاهر أنه لا يأتي هنا ما مر في القراض (٣) من الاكتفاء بالرؤية وبالتعيين في مجلس العقد؛ لأن ذاك عقد جائز، وربحه من تصرف العامل وهذا لازم وربحه من عين الأصل فاحتيط له.
стр. 2802
"الركن الثالث: الثمار ويشترط كونها لهما" أي اختصاصهما بها (١) شركة معلومة بالأجزاء كما في القراض "فإن شرط" كل منهما "جزءا" منها، أو كلها "لثالث، أو قال" له المالك ساقيتك على أن يكون "لك نصفها، أو لي" نصفها "أو لك" أو لي "صاع" من الثمرة "أو ثمرة نخلة" من نخيلي، أو أن
стр. 2803
الثمرة بيننا (١) "فكالقراض" وتقدم بيانه.
"فصل" لو "ساقاه على نوع" كصيحاني "بالنصف و" على نوع "آخر" كعجوة "بالثلث صح" العقد "إن عرفاهما" أي النوعين أي قدر كل منهما وإلا فلا لما فيه من الغرر.
فإن المشروط فيه الأقل قد يكون أكثر قال في الأصل، وإن ساقاه على النصف من كل منهما جاز، وإن جهلا قدرهما قال الرافعي قال ابن الصباغ والفرق أن قدر حقه في هذه معلوم بالجزئية، وإنما المجهول النوع والصفة، وفي تلك القدر مجهول أيضا لاحتمال اختلاف ثمرة النوعين في القدر فيكون قدر ماله من ثمرة الكل مجهولا؛ لأن المستحق على تقدير نصف الأكثر وثلث الأقل وعلى تقدير بالعكس والأول أكثر من الثاني.
"وإن ساقاه" في نوع "بالنصف على أن يساقيه في آخر بالثلث" قال في الأصل أو على أن يساقيه العامل على حديقته "فسد الأول" للشرط الفاسد "وكذا الثاني لو عقده جاهلا" بفساد الأول وإلا فيصح وتقدم نظيره في البيع والرهن، أو قال له ساقيتك "على النصف" إن سقى بالدالية "فإن سقى بالمطر فبالثلث بطل" العقد للجهل بالعمل والعوض.
"فرع" لو "ساقى شريكه المناصف" له في الشركة "على الثلثين" فأكثر "صح" وقد شرط له في مسألة الثلثين ثلث ثمرته فكأنه ساقاه على نصفه بالثلث (٢) "أو" ساقاه على "النصف فما دونه فلا" يصح لخلو المساقاة عن العوض بل شرط عليه في مسألة ما دون النصف أن يترك بعض ثمرته أيضا "ولا أجرة له" إذا عمل؛ لأنه لم يطمع في شيء "أو" ساقاه "على الكل بطل و" لكن "له" عليه "الأجرة" لأنه عمل طامعا، وقيده الغزالي - كإمامه – تفقها ـ بما إذا لم
стр. 2804
يعلم الفساد (١)، والظاهر صحة مساقاة أحد الشريكين على نصيبه أجنيبا (٢) ولو بغير إذن الآخر (٣)، "فإن شرط" في المساقاة مع شريكه "معاونته" له في العمل "فسدت" وإن أثبت له زيادة على النصف كما لو ساقى أجنبيا بهذا الشرط.
"فإن" عاونه و "استوى عملهما فلا أجرة لهما (٤) " أي: لأحد منهما على الآخر "ولا إن زاد عمل المعاون" فلا أجرة له على الآخر المشروط له الزيادة "بخلاف الآخر" إذا زاد عمله له أجرة عمله بالحصة على المعاون؛ لأنه لم يعمل مجانا "وإن ساقيا" أي الشريكان "ثالثا لم تشترط معرفته بحصة كل" منهما "إلا إن تفاوتا في المشروط" له فيشترط معرفته بحصة كل منهما.
"فصل": وفي نسخة "فرع" لو "ساقى" واحد "اثنين صفقة" قال في الأصل: "أو صفقتين (٥) " "هذا بالنصف وهذا بالثلث جاز".
"فرع": ذكره الأصل وهو معلوم مما مر: حديقة بين ستة أسداسا فساقوا رجلا على أن له من نصيب واحد عينوه النصف ومن الثاني الربع ومن الثالث الثمن ومن الرابع الثلثين ومن الخامس الثلث ومن السادس السدس:
стр. 2805
فتضرب مخرج الكسور وهو أربعة وعشرون (١) في عدد الشركاء تبلغ مائة وأربعة وأربعين لكل منهم أربعة وعشرون فللعامل من نصيب كل ما شرط له فيجمع له تسعة وأربعون.
стр. 2806
"الركن الرابع: العمل ويشترط انفراد العامل باليد والعمل" في الحديقة ليتمكن من العمل متى شاء كما في القراض "فلو شرط المالك دخول البستان" أي دخوله إياه "أو" شرط "أحدهما" مع الآخر "معاونة عبيد المالك (١) المعينين" أي المرئيين "أو الموصوفين" أي معاونتهم للعامل "ولا يد لهم" ولا تدبير "لم يضر" إذ لا يمنع ذلك استقلال العامل وتمكنه من العمل أما إذا شرط أن لهم يدا، أو تدبيرا فيضر لعدم استقلال العامل، وتعبيره بالعبيد موافق لتعبير الشافعي والأصحاب بهم لكن الأصل عبر بالغلام قال الأذرعي وهو يشمل الرقيق (٢) والأجير الحر والظاهر أنه لا فرق وأن المراد من يستحق منفعته، وإن كان حرا "ونفقتهم على المالك" بحكم الملك فلو شرطت عليه جاز وكان تأكيدا "ولو شرطت في الثمرة" بغير تقدير جزء معلوم بقرينة ما يأتي "لم يجز" لأن ما يبقى يكون مجهولا "أو" شرطت "على العامل" وقدرت "جاز" لأن العمل عليه فلا يبعد أن يلتزم مؤنة من يعمل معه وهو كاستئجار من يعمل معه "ولو لم تقدر" جاز أيضا "فالعرف كاف (٣) "؛ لأنه يتسامح بمثله في المعاملات وقيل لا يكفي بل يجب تقديرها ليعرف ما يدفع إليهم كل يوم من الخبز والأدم والتصريح بالترجيح من زيادته وبه جزم أصحاب الشامل والبحر والتتمة وغيرهم "وإن شرط العامل عملهم في حوائجه أو استئجار معاون" له بجزء "من الثمرة" أو من غيرها
стр. 2807
من مال المالك كما فهم بالأولى وصرح به الأصل "بطلت" أي المساقاة للشرط الفاسد أما في الأولى فظاهر، وأما في الثانية فلأن قضية المساقاة أن تكون الأعمال ومؤنها على العامل ولأنه لا يعلم قدر الحاصل له وأفهم كلامهم أنها تصح (١) إذا جعلت الأجرة من مال العامل وهو ظاهر "وإن شرط الثلث للعامل والثلث للمالك والثلث يصرف في نفقة عبيد المالك صح وكأنه شرط للعامل الثلث والثلثان للمالك" هذا مع قوله قبل، وإن شرطت في الثمرة لم يجز توسط ذكره الأصل (٢) بعد نقله عن البغوي المنع لما مر، ثم وعن صاحب الإفصاح الجواز؛ لأنه قد يكون من صلاح المال.
"فصل: يشترط" لصحة المساقاة "تقدير مدة يثمر فيها" الشجر "غالبا" ليحصل المقصود من المساقاة (٣)، "فلو قدر دونها" بطلت (٤) المساقاة لخلوها عن العوض و "سقطت أجرته" أي لا يستحقها. "إن علم أنها لا تثمر (٥) " في تلك المدة "كمن قدرها" أي المدة التي تثمر فيها غالبا "ولم تثمر" فإنه لا يستحق أجرة (٦)، كما لو قارضه فلم يربح "فإن استوى الاحتمالان، أو جهل" الحال "لم تسقط" أجرته؛ لأنه عمل طامعا مع أن المساقاة باطلة كما لو أسلم في معدوم إلى وقت يحتمل وجوده وعدمه صرح به الأصل والمرجع في المدة المذكورة إلى أهل الخبرة بالشجر بتلك الناحية.
"وتصح" المساقاة "في المثمرة قبل بدو الصلاح" لبقاء معظم الأعمال (٧)،
стр. 2808
أما بعده فلا لفوات معظمها "ولو قدر" المدة "بإدراك الثمرة لم يصح" كالإجارة فلا بد من تأقيتها بوقت معلوم وإنما اعتبر تأقيتها بخلاف القراض؛ لأن المقصود منها تعهد الأشجار لخروج الثمرة ولحصولها غاية معلومة فسهل ضبطها بخلاف الربح في القراض ليس له وقت معلوم فيخل التأقيت بمقصوده.
"وإذا ساقاه أكثر من سنة: صح (١) كالإجارة، وإن لم يبين حصة كل سنة، وإن فاوت بين السنين في" الجزء "المشروط لم يضر" ووقع في الروضة لم يصح وهو تحريف (٢)، "وإن شرط ثمرة سنة" معينة "منها" أي السنين والأشجار بحيث تثمر كل سنة "بطلت" أي المساقاة "كأن ساقاه عشر سنين على أن له ثمرة العاشرة" فقد لا توجد الثمرة إلا فيها، أو في غيرها فيفوت على أحدهما نصيبه.
"ولو ساقاه عشر سنين لتكون الثمرة بينهما ولم تتوقع إلا في العاشرة جاز" وتكون السنين بمثابة الأشهر من السنة الواحدة وفارقت ما قبلها بأنه شرط له فيها سهم من جميع الثمرة بخلافه في تلك "فإن أثمر قبلها" أي العاشرة "فلا شيء فيه" أي في الثمر "للعامل" لأنه لم يطمع في شيء منه والتصريح بقوله لو ساقاه إلى آخره من زيادته على الروضة "والسنة" المطلقة التي يؤجل بها "عربية" لأنها المتبادرة من اللفظ "فإن شرطا رومية" أو غيرها "وعرفاها جاز وإن انقضت المدة وعلى النخيل طلع" أو بلح (٣)، كما صرح به الأصل:
стр. 2809
"فللعامل حصته" منه "وعلى المالك التعهد (١) " وفي نسخة تعهده إلى الإدراك أي الجذاذ كذا ذكره الأصل قال الأذرعي ولم ينقله ابن الرفعة إلا عن الرافعي، وفي الانتصار والمرشد أن التعهد عليهما لأن الثمرة مشتركة بينهما ولا يلزم العامل أجرة لتبقية حصته على الشجر إلى حين الإدراك؛ لأنه يستحقها ثمرة مدركة بحكم العقد.
"وإن أدرك الثمر قبل انقضائها" أي المدة "لزم العامل أن يعمل البقية بلا أجرة، وإن لم يحدث الثمر إلا بعد المدة فلا شيء للعامل (٢) ".
стр. 2810
"الركن الخامس: الصيغة" كسائر عقود المعاوضة (١) "وهي ساقيتك على هذا النخل بكذا، أو ما في معناه ك اعمل" في "نخيلي، أو تعهدها" أو سلمتها إليك لتتعهدها "بكذا فيقبل" العامل.
قال في الأصل بعد نقله هذه الثلاثة عن الأصحاب وما قالوه يجوز أن يكون تفريعا على أن مثله من العقود ينعقد بالكناية أي فيكون كناية ويجوز أن يكون ذهابا إلى أنها صريحة (٢)، انتهى. ومقتضى كلام الإمام والشاشي والماوردي وغيرهم الأول (٣)، وقال ابن الرفعة الأشبه الثاني (٤)، وهو ظاهر كلام المصنف وغيره.
"فرع: لو عقداها بلفظ الإجارة" كـ: استأجرتك لتتعهد نخيلي بكذا من
стр. 2811
ثمرتها: "لم يصح (١) " قالوا لأن لفظ الإجارة صريح في عقد آخر فإن أمكن تنفيذه في محله نفذ. فيه كما سيأتي، وإلا فإجارة فاسدة "وكذا عكسه (٢) " بأن عقد الإجارة بلفظ المساقاة ك ساقيتك لتتعهد نخيلي بمائة لا يصح؛ لأن لفظ المساقاة صريح في عقد آخر هذا إذا قصدا بلفظ الإجارة المساقاة، وإلا فحكمه ما بينه بقوله "فإن وجدت الإجارة بشروطها كأن استأجره بنصف الثمرة" الموجودة "أو كلها مع بدو الصلاح" وإن كان نصفها في الأولى شائعا "وكذا قبله" لكن "بشرط القطع" للنصف، أو الكل "ولم يكن" أي النصف "شائعا" كأن شرط له ثمرة معينة "صح" فإن لم تكن الثمرة موجودة، أو كانت موجودة لكن شرط نصفا شائعا لم يصح، وإن شرط القطع في الثانية، أما في الأولى فلأن شرط الأجرة أن تكون في الذمة، أو موجودة معلومة كما سيأتي، وأما في الثانية فلتعذر قطع الشائع وحده أي بناء على أن قسمة الرطب والعنب بيع لا إفراز وإلا فذلك مشكل؛ لأن قسمتها على الشجر خرصا (٣) جائز، ولو قبل بدو الصلاح إذا قلنا إنها إفراز (٤)، وهذا جاز في سائر نظائره
стр. 2812
الآتية، وذكر النصف مثال فسائر الأجزاء كذلك.
"وإن قال ساقيتك بالنصف" مثلا "ليكون أجره لك لم يضر" لسبق لفظ المساقاة.
"ولو ساقاه ولم يفصل الأعمال صح ويحمل في كل ناحية على عرفها" الغالب "إن عرفاه" إذ المرجع فيه إلى العرف فإن جهلاه، أو أحدهما وجب التفصيل وظاهر كلامه أن الحمل المذكور يجري (١)، وإن عقد بغير لفظ المساقاة وبه صرح ابن يونس وهو ظاهر لكن كلام الأصل قد يفهم أنه لا يجري (٢) إلا في لفظها قال الزركشي وكلام الإمام يشير إليه حيث قال فإن قال خذ فلا بد من شرح الأعمال التي على العامل، وإن قال ساقيتك فلا حاجة إلى تفصيل الأعمال، وإن قال عاملتك ففي التفصيل تردد وتبعه عليه الغزالي.
стр. 2813
"الباب الثاني: في أحكامها، ويجمعها حكمان"
"الأول: ما عليهما فكل ما يحتاج" إليه "لتنمية الثمرة ويتكرر كل سنة فهو على العامل كالسقي (١)، وإصلاح مجاريه" أي الماء "والأجاجين" التي يقف فيها الماء حول الشجر "وتنقية الأنهار والآبار" من الطين ونحوه "وإدارة الدولاب وفتح رأس الساقية" أي القناة "وسدها" عند السقي على ما يقتضيه الحال "وتقليب الأرض بالمساحي وكرابها" بالموحدة أي قلبها للحرث "في الزراعة وتقويتها بالزبل إن اعتيد والتلقيح وقطع" المضر بالشجر من "الحشيش" ونحوه كالقضبان "والجريد وصرفه" عن وجوه العناقيد لتصيبها الشمس وليتيسر قطعها عند الإدراك "على العامل وكذا التعريش للعنب وحفظ الثمرة"
стр. 2814
على الشجر (١)، وفي البيدر عن السرقة والشمس والطيور والذنابير فيلزمه أن يجعل فوقها حشيشا أو نحوه في الأولتين وأن يجعل كل عنقود في وعاء كقوصرة في الأخيرتين "والجداد وتجفيف الثمر إن اعتيد" كل من التعريش وما بعده "أو شرط" على العامل وذكر الشرط في غير الأخير والاعتياد في الحفظ والجداد من زيادته وكأنه أخذ ذلك من تقييد الأصل تصحيح وجوب التجفيف على العامل بذلك وأنت خبير بأن التقييد بذلك ليس من محل الخلاف؛ إذ النافي لوجوبه لا يسعه مخالفة العادة أو الشرط فمحل التصحيح إنما هو عند انتفائهما "وإذا لزم" التجفيف "وجب تسوية البيدر" والمراد به الجرين "ونقلها" أي الثمرة "إليه وتقليبها في الشمس" وقوله "وصونها عن الشمس" فيه إقامة الظاهر مقام المضمر مع أنه علم مما مر "إن احتيج" إلى كل من المذكورات، وإنما لزم حفظ الثمرة وجدادها العامل دون المالك كالمذكوران قبلهما لأنهما من صلاح الثمرة "والأعيان على المالك (٢) " لا على العامل؛ إذ ليس عليه إلا العمل "كطلع التلقيح وقصب التعريش". التصريح بهذا من زيادته "وظروف العناقيد وكذا المنجل والمعول" بكسر ميمهما "والثور" وآلته من المحراث وغيره "والخراج" أي خراج الأرض الخراجية "وما لا يتكرر" كل سنة ويقصد به حفظ الأصول "كحفر البئر وما انهار" أي هدم "منهما وبناء الحائط ونصب الدولاب" والأبواب "على المالك" لا على العامل؛ إذ في تكليفه إياه مع بقاء أثره بعد فراغ المساقاة إجحاف به "وأما وضع الشوك على الجدار والترقيع اليسير" الذي ينفق في الجداد "فبحسب العادة" من كونهما على المالك، أو العامل ونص الأم على أن الثاني على المالك يحمل على ما إذا اطردت العادة به "وإن شرط على أحدهما" في العقد "ما على الآخر بطلت" (٣) لمخالفته وضع العقد "وله
стр. 2815
استئجاره عليه ولا أجرة" له "إن عمله بلا إذن" بخلاف ما إذا عمله بالإذن فله أجرته (١)، واستشكله الإسنوي بأن مجرد الإذن لا يقتضي الأجرة فالمتجه تخريجه على ما إذا قال اغسل ثوبي والصحيح فيه عدم الوجوب وأجيب بأن هذا تابع لعمل تجب فيه الأجرة بخلاف قوله اغسل ثوبي، وذكر مسألة استئجار المالك على ما على العامل وعدم استحقاقه الأجرة إن عمله بلا إذن من زيادته.
стр. 2816
"الحكم الثاني: اللزوم" للمساقاة "فهي عقد لازم (١) " كالإجارة (٢) بجامع أن العمل فيهما في أعيان تبقى بحالها بخلاف القراض لا تبقى أعيانه بعد العمل فأشبه الوكالة و "يملك العامل فيها حصته" من الثمرة "بالظهور" بخلاف القراض؛ لأن الربح فيه وقاية لرأس المال بخلاف الثمرة نعم إن عقدت المساقاة (٣) بعد ظهور الثمرة ملكها بالعقد.
"فصل: وإن هرب العامل (٤)، أو مرض"، أو عجز بغير ذلك "قبل التمام" للعمل "لم يبطل عمله" الذي عمله "بل يثبت" المالك "عند الحاكم" المساقاة والهرب، أو نحوه "ليتمم" العمل "من ماله" بأن يكتري منه من يتممه؛ لأنه دين عليه فينوب عنه الحاكم عند تعذره هذا إن كان له مال غير الثمر "وإلا باع نصيبه أو بعضه" منه بقدر ما يفي بالأجرة واكترى به "إن بدا صلاحه
стр. 2817
وإن لم يبد الصلاح" وخرج الثمر، أو لم يخرج "استقرض" من المالك، أو غيره "إن لم يجد من يعمل بأجرة مؤجلة" مدة إدراك الثمرة لتعذر بيع نصيبه وحده للحاجة إلى شرط قطعه وتعذره في الشائع واكترى بما افترضه ويقضيه العامل بعد زوال مانعه أو الحاكم من نصيبه بعد بدو الصلاح فإن وجد من يتم العمل بذلك استغنى عن الاقتراض وحصل الغرض وظاهر كلامه كأصله أنه يكتري، وإن كانت المساقاة واردة على العين والذي جزم به صاحب المعين اليمني (١) والنسائي المنع في الواردة على العين لتمكن المالك من الفسخ وقولهم استقرض واكترى عنه يفهم أنه ليس له أن يساقي عنه وهو كذلك (٢).
"فإن لم يكن حاكم" يقدر على مراجعته لإثبات ما ذكر بأن فقده بالناحية، أو كان فوق مسافة العدوى، أو حاضرا ولم يجبه أو عجز عن الإثبات "فعمل أو استأجر" من يتم العمل "وأشهد" على العمل أو الاستئجار "وشرط الرجوع" بأجرة عمله، أو بما بذله وأشهد أنه عمل، أو بذل ليرجع أو بشرط الرجوع "رجع" للضرورة "وإلا فلا" يرجع لعدمها "ولو عدم الشهود" لأنه عذر نادر.
"ولو استأجر الحاكم المالك، أو أذن له" في الإنفاق "فأنفق ليرجع (٣): رجع" كما لو اقترض منه والترجيح في الثانية والتصريح به في الأولى من زيادته وصرح به الإمام في الثانية وكذا الإسنوي (٤) أخذا من نظيره في الإجارة من هرب الجمال (٥)، "فلو تعذر الاستقراض وغيره" من الاكتراء والإنفاق والعمل "قبل خروج الثمرة فله الفسخ" لتعذر استيفاء المعقود عليه
стр. 2818
كإباق المبيع قبل القبض، "وللعامل أجرة" مثل "ما عمل" قبل هربه، أو نحوه ولا يقال بتوزيع الثمار على أجرة مثل جميع العمل. لأنها ليست موجودة عند العقد (١) حتى يقتضي العقد التوزيع فيها "ولو تطوع آخر بنيابة العامل" أي بنيابته عنه "لم يلزم" المالك "إجابته" لأنه قد لا يأتمنه ولا يرضى بدخوله ملكه قال في الأصل لكن لو عمل نيابة بغير علم المالك (٢) وحصلت الثمرة سلم للعامل نصيبه منها (٣)، كذا قالوه ولو قيل وجود المتبرع كوجود مقرض حتى يمتنع الفسخ لكان قريبا قال الزركشي (٤): والظاهر ما قالوه لما في قبوله من المنة كما لو تبرع غرماء المفلس بأداء ثمن السلعة من عين أموالهم لا يلزم المالك القبول انتهى وكالتبرع بالعمل التبرع بمؤنته وكلام المصنف شامل له دون كلام أصله أما لو لم يقصد التطوع عن العامل فظاهر أنه لا يسلم للعامل نصيبه كنظيره في الجعالة (٥)، قاله الزركشي (٦). "وإن تعذر" ما ذكر "بعد خروجها وقبل" بدو "الصلاح" لها "لم يفسخ" أي المالك "لأجل الشركة" التعليل بهذا من زيادته "ولا تباع" الثمرة "بشرط القطع" لتعذر قطعها "للشيوع إلا إن رضي المالك ببيع الجميع" فيصح البيع "أو اشتراه" أي المالك نصيب العامل بغير شرط القطع فيصح الشراء "لأن لصاحب الشجر أن يشتري الثمر قبل بدو الصلاح بغير شرط القطع" وهذا تبع فيه ما صححه في
стр. 2819
أصل الروضة هنا، لكن الأصح في بابه عدم الصحة كما مر (١)، وعبارة الرافعي هنا فيصح على أحد الوجهين قال الزركشي وما وقع في أصل الروضة هنا سبق قلم "وإن لم يرغب" أي المالك "في ذلك" أي في البيع، أو الشراء "وقف الأمر حتى يصطلحا" قال البغوي: أو يبدو الصلاح، وفي الوقف إلى الاصطلاح نظر؛ لأن العامل مجبر على العمل بعد زوال مانعه.
"فصل: وإن مات المالك" في أثناء المدة "لم ينفسخ" عقد المساقاة ومثله ناطر الوقف ونحوه نعم لو كان العامل البطن الثاني والوقف وقف ترتيب فينبغي أن ينفسخ (٢)؛ لأنه لا يكون عاملا لنفسه ذكره الزركشي وغيره (٣)، واستثنى - أعني الزركشي - مع ذلك الوارث "أو العامل وهي" أي المساقاة واردة "على عينه انفسخت" كالأجير المعين قال السبكي وغيره وينبغي أن يكون محله إذا مات (٤) في أثناء العمل الذي هو عمدة المساقاة فإن مات بعد بدو الصلاح، أو الجداد ولم يبق إلا التجفيف ونحوه فلا "أو" واردة "في ذمته فلا" ينفسخ كالإجارة "وللوارث" وإن لم تكن تركة "لا عليه" إن لم تكن "أن يتمم" العمل بنفسه أو بنائبه "وعلى المالك تمكينه" أي الوارث، أو نائبه من ذلك "إن كان عارفا" بأعمال المساقاة "أمينا" كلامه سالم من إيهام أنه ليس له أن يتمم إذا لم يكن تركة بخلاف كلام أصله "وإلا" أي وإن لم يكن عارفا بأعمال المساقاة أمينا ولمورثه تركة "استأجر" عنه من تركته لأنه خليفته فإن امتنع استأجر عليه "الحاكم من تركته ولا يستقرض" على الميت "إن لم يكن" له "تركة (٥) "؛ لأن ذمته خربت بخلاف الحي "وعند التعذر" لإتمام العمل
стр. 2820
"فالحكم كما سبق" فيما إذا تعذر في الحياة.
"فرع: لو تلفت الثمار" كلها بجائحة أو غيرها كغصب "أو لم تثمر لم ينفسخ" عقد المساقاة "بل يتم" العامل "العمل" وإن تضرر به "ولا شيء له" كما أن عامل القراض يكلف التنضيض، وإن ظهر خسران "فإن تلف بعضها فله الفسخ إن سمح بترك الباقي" للمالك، وإلا فيتم العمل ومراده بهذا ما عبر عنه أصله بقوله فللعامل أن يفسخ ولا شيء له وأن يجيز ويتم العمل ويأخذ نصيبه مع أنه قد يقال هذا مفرع على ضعيف فإنه بعد أن نقل وجوب إتمام العمل على العامل فيما لو تلفت الثمار كلها نقل عن البغوي الانفساخ فيها وقال إن الأول أصح إلا أن يريد البغوي بعد تمام العمل وتكامل الثمار، ثم نقل عنه التخيير فيما لو تلف بعضها فكيف يجب إتمام العمل في تلف الكل ولا يجب في تلف البعض ويجاب بأن العامل في الأولى لم يفت عليه شيء حاصل بخلافه في الثانية.
"فصل": لو "ادعى" المالك "خيانة العامل" في الثمرة أو غيرها كالسعف "لم تسمع" دعواه "حتى يبينها" أي الخيانة أي قدر ما حصل بها فإذا بينه وأنكر العامل صدق العامل بيمينه هذا إذا قصد تغريمه فإن قصد رفع يده (١) عن الثمرة سمعت دعواه مجهولة "ويثبت" خيانته بالبينة، أو بإقراره أو بيمين الرد وظاهر كلامه أن "يثبت" معطوف على "يبينها" ولا معنى له مع أن هذه اللفظة ليست في بعض النسخ ولا في الأصل "فإن ثبتت" خيانته "حفظ بمشرف إن أمكن حفظه" به؛ لأنه الذي أحوج إلى ذلك بخيانته ولا ترفع يده لأن العمل حق عليه ويمكن استيفاؤه بما ذكر فتعين جمعا بين الحقين (٢) "وإلا" أي
стр. 2821
وإن لم يمكن حفظه بمشرف "استؤجر عليه" من يعمل عنه لتعذر استيفاء العمل منه وهو حق عليه نعم إن كانت المساقاة على عينه فظاهر أنه لا يستأجر عنه بل يثبت للمالك الخيار نبه عليه الأذرعي وغيره "ورفعت يده" كما لو كان مال بين شريكين تعذرت قسمته وظهرت خيانة أحدهما فالحاكم يرفع يده عنه "وأجرتهما" أي المشرف في الأولى والأجير في الثانية "من ماله" أي العامل؛ لأن العمل حق عليه.
"فصل: وإن استحقت الأشجار" المساقى عليها "فللعامل الأجرة على الغاصب" الذي ساقاه؛ لأنه فوت عليه منافعه بعوض فاسد فأشبه ما لو استأجر الغاصب من عمل في المغصوب عملا وهذا عند جهله بالاستحقاق أما عند علمه فلا أجرة له وعبر المنهاج بدل الأشجار بالثمر وهو أحسن (١)؛ لأن المالك قد يوصي بما سيحدث من الثمر، ثم يساقي ويموت "ويسترد المالك" مع الأشجار "الثمرة بأرشها إن نقصت" قيمتها "بالتجفيف" أو غيره "فإن تلفت" أي الثمرة "أو الشجرة" بجائحة، أو غيرها كغصب "طولب الغاصب وكذا العامل بالجميع" أي ببدله لثبوت يد كل منهما على ذلك "بخلاف الأجير للعمل في الحديقة المغصوبة" فإن المالك لا يطالبه، وإنما يطالب الغاصب فقط؛ لأن اليد عليها في الحقيقة إنما هي له لا للأجير وهذا من زيادته هنا "ويرجع العامل" على الغاصب بما غرمه "لكن قرار" ضمان "نصيبه عليه" فلا يرجع به عليه؛ لأنه أخذه عوضا في معاوضة فأشبه المشتري من الغاصب.
"فصل": لو "اختلفا في قدر المشروط" للعامل "ولا بينة" لأحدهما "أو" لهما بينتان و "سقطتا تحالفا" وفسخ العقد كما في القراض "وللعامل" على المالك "الأجرة" لعمله "إن فسخ" العقد "بعد العمل" وإن لم يثمر الشجر، وإلا فلا أجرة له فإن كان لأحدهما بينة قضي له بها "فإن" وفي نسخة " وإن " "عمل لشريكين" ساقياه على شجرهما المشترك "وقال: شرطتما إلي النصف وصدقه" وفي نسخة فصدقه "أحدهما" وكذبه الآخر بأن قال بل شرطنا له الثلث مثلا "فالتحالف" يجري "في نصيب المكذب" وأما نصيب المصدق فمقسوم بينه وبين العامل "وتقبل شهادة المصدق على شريكه وله" إذ لا تهمة
стр. 2822
"وحكم اختلافهما" أي المالك والعامل "في قدر" الشجر "المعقود عليه و" في "رده و" في "هلاكه كما في القراض" وتقدم بيانه.
"فصل: لو لم يثق أحدهما بيد صاحبه وخرصت الثمار بعد بدو الصلاح وضمن أحدهما نصيب صاحبه تمرا أو زبيبا جاز" كل من الخرص والضمان كما في الزكاة بناء على أن الخرص تضمين لا غيره "وإن وثق" بيد صاحبه "ترك" الثمر "إلى" وقت "الإدراك فيقسم" بينهما إن جوزنا القسمة (١) "أو يبيع أحدهما" نصيبه "من الآخر، أو يبيعان لثالث".
"فرع: سواقط السعف" أي أغصان النخل "والكرب" بفتح الراء أي الكرناف "للمالك" وكذا الليف كما قاله الأذرعي (٢)، فلو شرط أن يكون ذلك بينهما فقيل يجوز؛ لأنه نماء كالثمر وقيل لا يجوز (٣)؛ لأنه ليس من معهود النماء ولا مقصوده قاله الروياني (٤)، والأول أوجه، ثم رأيت الزركشي نقله عن الصيمري "والقنو وشماريخه بينهما".
"فصل لو انقطع الماء" أي: ماء الحديقة "لم يكلف المالك رده" وإن أمكن كما لا يكلف الشريك والمكري العمارة "وتلف الثمر به" أي بانقطاع الماء وإن أمكن رده "كالجائحة" أي كتلفه بها وتقدم بيانه.
"فصل": لو "أعطاه دابة ليعمل عليها، أو ليتعهدها وفوائدها بينهما لم يصح" العقد أما في الأولى. فلأن الدابة يمكن إيجارها فلا حاجة إلى إيراد عقد عليها فيه غرر وأما في الثانية فلأن الفوائد لا تحصل بعمله "أو ليعلفها" من عنده "بنصف درها" ففعل "ضمن المالك" للآخر "العلف" وقول الروضة بدل النصف سبق قلم (٥)، "والآخر" ضمن للمالك "نصف الدر" وهو القدر
стр. 2823
المشروط له لحصوله بحكم بيع فاسد "لا الشاة" الأنسب لا الدابة أي لا يضمنها؛ لأنها غير مقابلة بعوض "أو ليعلفها بنصفها" ففعل "فالنصف" المشروط "مضمون" على العالف لحصوله "بحكم الشراء الفاسد" دون النصف الآخر.
"فصل: للمساقى" للمالك "في ذمته أن يساقي غيره" لينوب عنه "فإذا" وفي نسخة " وإن " أي ثم إن شرط له مثل نصيبه، أو دونه فذاك، وإن "شرط له أكثر من نصيبه صح" العقد فيما يقابل قدر نصيبه دون الزائد تفريقا للصفقة "ولزمه" أن يعطي الثاني "للزائد أجرة المثل" فلو ساقاه بثلاثة أرباع الثمرة صح في ثلثي العمل بثلثي الأجرة وهو قدر نصيبه ولزمه أجرة العمل للثلث الباقي نعم لو كان الثاني عالما بالحال فالظاهر أنه لا يستحق شيئا ذكره الأذرعي "فإن كانت" مساقاته "على عينه وعامل غيره (١): انفسخت بتركه العمل (٢) " لا بمجرد العقد وكانت الثمار كلها للمالك "ولا شيء للعامل الأول وللثاني حكم من عمل في مغصوب" فله عليه الأجرة إن جهل الحال وإلا فلا (٣) وعلم من آخر كلامه أنه ليس للعامل أن يستنيب ويعامل غيره وبه صرح الأصل
стр. 2824
قال الأذرعي: وقضية إطلاق انفساخها أنها تنفسخ وإن أذن المالك لكن سيأتي في الإجارة عن فروق الشيخ أبي محمد أنه لا يجوز في إجارة العين أن يعمل العمل عن الأجير نيابة إلا بإذن المستأجر وقياسه الجواز هنا بإذن المالك انتهى ويجاب بأن ما هنا في عقد وما هناك في نيابة بلا عقد.
"فصل: بيع نخل المساقاة" أي بيع المالك له "قبل خروج الثمرة لا يصح" لأن للعامل حقا فيها فكأن المالك استثنى بعضها (١) "و" بيعه "بعده صحيح ويكون العامل مع المشتري كما كان" مع البائع "وليس له" أي للبائع "بيع نصيبه" من الثمرة وحدها "بشرط القطع" لتعذر قطعه "لشيوعه".
"فرع": في فتاوى القاضي إذا شرط المالك على العامل أعمالا تلزمه فأثمرت الأشجار والعامل لم يعمل بعض تلك الأعمال استحق من الثمرة بقدر ما عمل فإن عمل نصف ما لزمه: استحق نصف ما شرط له (٢).
стр. 2825
باب المزارعة والمخابرة
من الخبير، وهو: الأكار (١)، أي الزراع ويقال من الخبار بفتح الخاء وتخفيف الباء وهي الأرض الرخوة زاد الجوهري ذات الحجارة "المعاملة على الأرض ببعض ما يخرج منها إن كان البذر من المالك" لها "فهي مزارعة فيضمن فيها" ما تلف من الزرع "إذا صحت بترك سقيها" أي الأرض "عمدا" لأنه في يده وعليه حفظه وهذا ذكره الأصل في الإجارة "أو" كان البذر "من العامل فمخابرة وهما إن أفردتا عن المساقاة باطلتان" للنهي عن
стр. 2826
المزارعة في مسلم (١). وعن المخابرة في الصحيحين (٢)، ولأن تحصيل منفعة الأرض ممكنة بالإجارة فلم يجز العمل عليها ببعض ما يخرج منها كالمواشي بخلاف الشجر فإنه لا يمكن عقد الإجارة عليها فجوزت المساقاة للحاجة واختار في الروضة تبعا لابن المنذر وابن خزيمة والخطابي صحتهما وحمل أخبار النهي على ما إذا شرط لأحدهما زرع قطعة معينة وللآخر أخرى، وإذا بطلتا "فتكون الغلة لصاحب البذر (٣) ". لأنها نماء ملكه "فإن كان" البذر "للعامل فلصاحب الأرض" عليه "أجرتها، أو للمالك فللعامل" عليه "أجرة" مثل "عمله و" عمل "ما يتعلق به" من آلاته كالبقر وإن لم يحصل من الزرع شيء أخذا من نظيره في القراض وذلك لأنه لم يرض ببطلان منفعته إلا ليحصل له بعض الزرع فإذا لم يحصل له وانصرف كل المنفعة إلى المالك استحق الأجرة "أو لهما فعلى كل" منهما "أجرة" مثل "عمل الآخر" بنفسه وآلته "في حصته" لذلك "فإن أراد صحة ذلك" أي أن يكون الزرع بينهما على وجه مشروع بحيث لا يرجع أحدهما على الآخر بشيء "فليستأجر العامل" من المالك "نصف الأرض بنصف منافعه ومنافع آلته" وفي نسخة " الآلة " "ونصف البذر إن كان منه" قال في الأصل أو يستأجره بنصف البذر ويتبرع بالعمل والمنافع أو يقرض المالك نصف البذر ويستأجر منه نصف الأرض بنصف عمله وعمل آلاته "وإن كان" البذر "من المالك استأجره" أي المالك العامل "بنصف البذر ليزرع له نصف الأرض، ويعيره نصف الأرض" الآخر ولو قال " نصفها " كان أحسن وأخصر "وإن شاء استأجره بنصف البذر ونصف منفعة تلك الأرض ليزرع له باقيه في
стр. 2827
باقيها" قال في الأصل، وإن شاء أقرض نصفه للعامل، وأجرة نصف الأرض بنصف عمله وعمل آلته "وإن كان البذر لهما أجره نصف الأرض بنصف منفعته و" منفعة "آلته" أو أعاره نصف الأرض وتبرع العامل بمنفعة بدنه وآلته فيما يخص المالك أو أكراه نصفها بدينار مثلا، واكترى العامل ليعمل على نصيبه بنفسه وآلته بدينار وتقاصا ذكر ذلك الأصل ونبه على أن الأول الذي اقتصر عليه المصنف أحوط.
"وتصح المزارعة ولو على زرع موجود لا المخابرة تبعا للمساقاة في البياض" المتخلل "بين الشجر" من نخيل وعنب لعسر الإفراد وعلى ذلك حمل معاملة أهل خيبر السابقة في الكتاب السابق هذا "إن اتحد العقد" لأن تعدده يزيل التبعية وشبه بما لو أكراه شيئا سنة، ثم أكراه منه سنة أخرى قبل انقضاء الأولى "و" اتحد "العامل" بأن يكون عامل المزارعة عامل المساقاة واحدا كان، أو أكثر؛ لأن اختلافه يزيل التبعية "وانتفع الشجر بعمل المزارعة" بحيث عسر إفراد البياض بالزراعة (١)، فلو تيسر الإفراد لم تجز المزارعة لانتفاء الحاجة وعبرت بالعسر تبعا للمنهاج وأصله وهو مراد الأصل بتعبيره بالتعذر "ولو كثر البياض" فإن المزارعة تصح تبعا؛ لأن الحاجة لا تختلف بذلك "ويشترط تقديم المساقاة" على المزارعة بأن يقول ساقيتك وزارعتك، "فلو
стр. 2828
قال: زارعتك وساقيتك أو فصل بينهما لم يصح" لانتفاء التبعية كمزج الرهن بالبيع المشروط به "والمعاملة تشملها فإن قال عاملتك على" هذا "النخل والبياض بالنصف: جاز".
"وكذا لو جعل أحدهما" أي العوضين "أقل" جاز فيجوز أن يجعل للعامل نصف الثمرة وربع الزرع وعكسه؛ لأنهما في المعنى عقدان "أو شرط البقر على العامل" جاز وكان المالك اكتراه وبقره قال الدارمي ويشترط بيان ما يزرعه وفارق إجارة الأرض للزراعة - حيث لا يشترط بيان ما يزرعه فيها - بأنهما هنا شريكان في الزرع بخلافهما ثم، والتصريح بقوله أولا: "ولو على زرع موجود لا المخابرة" من زيادته ولا حاجة لقوله "لا المخابرة" فإنه ذكره بقوله "فإن خابره" تبعا "لم يصح" كما لو أفردها وفارقت المزارعة بأن المزارعة أشبه بالمساقاة وورد الخبر بصحتها بخلاف المخابرة.
"والزرع" وفي نسخة: "فالزرع" "للعامل وعليه الأجرة" للأرض كما لو كانت المخابرة مفردة ولا يختص ذلك بالزرع بل يجري في المعاملة على البناء والغراس كما ذكره أصله وأشار هو إليه بقوله "وله حكم المستعير في القلع" فيكلف قلع البناء والغراس إن لم تنقص قيمتهما، وإلا لم يقلعا مجانا بل يتخير مالك الأرض فيهما كتخير المعير ويبقى الزرع إلى الحصاد إلا أن يكون قصيلا فيكلف قلعه ولو زرع العامل البياض بين النخل بغير إذن قلع زرعه مجانا صرح به الأصل.
"ولو ساقاه على شجر غير النخل والعنب تبعا لهما" أي للنخل. والعنب أي للمساقاة عليهما "جاز" العقد "كالمزارعة" تبعا ويؤخذ من التشبيه أنه يعتبر في ذلك ما يعتبر في المزارعة وكلام الماوردي يفهمه.
стр. 2829
كتاب الإجارة
بكسر الهمزة وحكى الرافعي ضمها وصاحب المستعذب فتحها وهي لغة اسم للأجرة وشرعا عقد على منفعة مقصودة معلومة قابلة للبذر والإباحة بعوض معلوم فخرج بمنفعة العين وبمقصودة التافهة وسيأتي بيانهما وبمعلومة القراض والجعالة على عمل مجهول وبقابلة لما ذكر منفعة البضع وبعوض هبة المنافع والوصية بها والشركة والإعارة وبمعلوم المساقاة والجعالة على عمل معلوم (١) بعوض مجهول كالحج بالرزق ودلالة الكافر لنا على قلعة بجارية منها نعم يرد عليه بيع حق الممر ونحوه والجعالة على عمل معلوم بعوض معلوم والأصل فيها قبل الإجماع آية: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ﴾ [الطلاق: ٦] وجه الدلالة أن الإرضاع (٢) بلا عقد تبرع لا يوجب أجرة وإنما يوجبها ظاهرا العقد فتعين وخبر البخاري: "أن النبي ﷺ والصديق ﵁ استأجرا رجلا من بني الديل يقال له عبد الله بن الأريقط" (٣)، وخبر مسلم: "أنه ﷺ نهى عن المزارعة وأمر بالمؤاجرة" (٤)، والمعنى فيها أن الحاجة داعية إليها إذ ليس لكل أحد مركوب ومسكن وخادم فجوزت لذلك كما جوز بيع الأعيان.
стр. 2830
"وفيه ثلاثة أبواب: الأول في أركانها: وهي أربعة" عاقدان وصيغة وأجرة ومنفعة "الأول" "العاقدان" فيشترط فيهما إطلاق التصرف والاختيار "كما في (١) البيع" لكن تقدم أن للكافر استئجار المسلم وليس له شراؤه، وذكر
стр. 2831
الماوردي والروياني (١) أن للسفيه أن يؤجر نفسه لما لا يقصد من عمله كالحج كما له أن يتبرع به بل أولى.
стр. 2832
"والثاني" "الصيغة" من إيجاب وقبول كما في البيع (١) "كأجرتك أو أكريتك هذه الدار كذا" أي شهرا مثلا "بكذا" أي بمائة درهم مثلا "وكذا منفعة" هذه "الدار فيقول - متصلا -: قبلت أو اكتريت" أو استأجرت وإنما جوزت الإجارة مع الإضافة إلى المنفعة لأنها مملوكة بها فذكرها فيها تأكيد كما في بعتك رقبة هذا أو عينه "وكذا ملكتك منفعتها شهرا (٢) " بكذا لأن الإجارة تمليك منفعة بعوض "لا بعتك" منفعتها شهرا بكذا لأن لفظ البيع وضع لتمليك العين فلا يستعمل في المنفعة كما لا يستعمل لفظ الإجارة في البيع لكن ينبغي أن يكون كناية (٣)، بل قال الإسنوي ينبغي أن يكون صريحا لأن الإجارة صنف من البيع وصححه الأذرعي وغيره وكلفظ البيع لفظ الشراء.
"وإن" وفي نسخة فإن "قال في إجارة الذمة ألزمت ذمتك كذا كفى" عن لفظ الإجارة ونحوها "والإجارة تكون" واردة "على العين كاستئجار دابة معينة" لركوب أو حمل "أو شخص معين لخياطة ثوب" أو نحوها "وتكون" واردة "في الذمة كاستئجار دابة موصوفة" لركوب أو حمل "أو إلزام ذمته
стр. 2833
خياطة كذا (١) " وقوله "ونحوه" أي نحو ما ذكر من زيادته ولا حاجة إليه مع وجود الكاف "واستأجرتك لكذا (٢) إجارة عين" للإضافة إلى المخاطب كما لو قال استأجرت هذه الدابة فذكر العين أو النفس في " استأجرت عينك أو نفسك لكذا " تأكيد "وإجارة العقار لا تكون في الذمة (٣) "؛ لأنه لا يثبت فيها (٤) بدليل منع السلم فيه.
وتقسيم الإجارة إلى واردة على العين وواردة على الذمة لا ينافي تصحيحهم الآتي آخر الباب أن موردها المنفعة لا العين لأن المراد بالعين ثم ما يقابل المنفعة (٥) وهنا ما يقابل الذمة.
стр. 2834
"الركن الثالث: الأجرة ولا يجب تسليمها في المجلس في إجارة العين" كالثمن في البيع سواء أكانت معينة أم في الذمة "وإن كانت في الذمة - أعني الأجرة - فلها حكم الثمن" الذي في الذمة "في" جواز "الاستبدال و" وجوب معرفة "الجنس و" نفي "الجهالة و" في "الضبط بالوصف و" في "التعجيل والتأجيل والتنجيم (١) " والتصريح بمعرفة الجنس ونفي الجهالة من زيادته
стр. 2835
وهما معلومان مما بعدهما "وإن أطلق" ذكر الأجرة عن التعجيل والتأجيل "فمعجلة" كالثمن المطلق "ويملكها المكري" ملكا مراعى لا مستقرا كما سيأتي "بنفس العقد" كما يملك المكتري المنفعة بذلك ولأنها عوض في معاوضة يتعجل بشرط التعجيل فيتعجل عند الإطلاق كالثمن "واستحق استيفاءها إذا سلم العين" المستأجرة "إلى المستأجر" كالثمن.
"فرع" لو أجر الناظر الوقف سنين وأخذ الأجرة لم يجز له دفع جميعها للبطن الأول، وإنما يعطى بقدر ما مضى من الزمان، فإن دفع أكثر منه فمات الآخذ ضمن الناظر تللك الزيادة للبطن الثاني، قاله القفال في فتاويه. وقياسه أنه لو أجر الموقوف عليه لايتصرف في جميع الأجرة لتوقع ظهور كونه لغيره بموته قاله الزركشي، لكن قال ابن الرفعة: للموقوف عليه أن يتصرف (١) في الجميع لأنه ملكه في الحال (٢)، قال: وكان بعض القضاة الفضلاء يمنعه من ذلك، قال السبكي: وينبغي التفصيل بين طول المدة وقصرها فإن طالت بحيث يبعد احتمال بقاء الموجود من أهل الوقف منع من التصرف، وإن قصرت فيظهر ما قاله ابن الرفعة انتهى. أما صرفها في العمارة فلا منع منه بحال.
"ويجوز أن تكون" الأجرة "طعاما إن جاز السلم فيه ووصف بصفته" فلا بد أن تكون معلومة كما علم أيضا من قوله " والجهالة والضبط بالوصف " فلو قال اعمل كذا لأرضيك أو أعطيك شيئا أو بملء كفي دراهم أو نحوه لم يصح العقد،
стр. 2836
وكذا لو أجره بنفقته وكسوته وهذا لا ينافيه جواز الحج بالرزق لأنه ليس بإجارة كما اقتضاه قول الشرح الصغير والروضة يجوز الحج بالرزق كما يجوز بالإجارة بل هو نوع من التراضي والمعونة (١) كما أشار إليه البيهقي واختاره السبكي، وأما إيجار عمر أرض السواد بأجرة مجهولة فلما فيه من المصلحة العامة المؤبدة.
"وإن شرط أن يعمر الدار" ولو "بأجرتها" بأن أجرها بعمارتها أو بدراهم معلومة على أن يعمرها ولا يحسب ما ينفق من الأجرة أو على أن يصرف الدراهم في عمارتها "لم يصح" العقد للجهل بمقدار الأجرة ووجهه في الأخيرتين أن الأجرة الدراهم مع العمارة أو الصرف إليها وذلك عمل مجهول قال ابن الرفعة وقضيته أنه لو كان العمل معلوما صح وفيه نظر من جهة أن هذا كبيع الزرع على أن يحصده البائع (٢)؛ لأنه بيع وشرط عمل فيه يقصد مثله في الأملاك "فإن فعل" المشروط "رجع" بأجرته وبما صرفه لأنه أنفقه بالإذن بشرط العوض "وإن أطلق" العقد عن ذكر شرط صرف الأجرة "ثم أذن" له المؤجر "بصرفها في العمارة وتبرع" المستأجر "به" أي بالصرف "جاز" قال ابن الرفعة ولم يخرجوه على اتحاد القابض والمقبض لوقوعه ضمنا (٣).
"وإن اختلفا في قدر الإنفاق فمن يصدق" منهما؟ "قولان" أشبههما في الأنوار: المنفق إن ادعى محتملا (٤) وبه -. جزم ابن الصباغ وغيره لأن الآذن له
стр. 2837
ائتمنه على ذلك (١) "وإذا حلت" الأجرة "المؤجلة وقد تغير النقد وجبت من نقد يوم العقد لا يوم تمام العمل ولو في الجعالة" كنظيره في البيع (٢).
"فرع الأجرة المعينة كالمبيع" الأنسب " كالثمن المعين" (٣) "في الشروط" وفي أنها تملك في الحال كما صرح به الأصل (٤) "فتصح" الإجارة "بصورة مرئية" كالبيع "لا بجلد شاة قبل سلخه" إذ لا تعرف صفته في الرقة والثخانة وغيرهما.
"فصل أما إجارة الذمة فللأجرة فيها (٥) حكم رأس مال السلم" لأنها سلم في المنافع "فيجب قبضها في المجلس" فلا يبرأ منها (٦) ولا يستبدل عنها "ولا يحال بها ولا عليها ولا تؤجل" لئلا تكون بيع دين بدين "ولو كان" العقد وفي نسخة " كانت " أي الإجارة "بغير لفظ السلم" كأن كان بلفظ الإجارة كأن قال استأجرت منك دابة صفتها كذا لتحملني إلى موضع كذا لأنه سلم في المعنى كما مر.
"فرع يجوز كون الأجرة منفعة فإن أجر دارا بمنفعة دارين أو حلي ذهب بذهب جاز ولا يشترط القبض في المجلس" إذ لا ربا في المنافع "ولو أعطاه ثوبا وقال إن خطته اليوم - أو روميا - فلك درهم أو" خطته "غدا - أو
стр. 2838
فارسيا - فنصف" درهم أي إن خطته اليوم فلك درهم أو غدا فنصف درهم، أو إن خطته روميا فلك درهم أو فارسيا فنصف درهم "لم يصح" العقد للإبهام "فإن خاطه كيف اتفق فله أجرة المثل" وهذا في الثانية من زيادته قال في الأصل والرومي بغرزتين والفارسي بغرزة.
"فصل: لا يصح جعل الأجرة مما عمل فيه" الأجير "كالطحن" أي كاكترائه للطحن "والرضاع بجزء من الدقيق والرقيق" المرتضع "بعد الفطام" أو لسلخ الشاة بجلدها لأنه ﷺ : "نهى عن قفيز الطحان". رواه البيهقي بإسناد حسن (١)، وفسروه باكتراء الطحان على طحن الحنطة ببعض دقيقها وقيس به ما في معناه ولأن الأجرة ليست في الحال بالهيئة المشروطة فهي غير مقدور عليها وللجهل بها حينئذ ولاشتمال العقد على استحقاق كل منهما على الآخر طحن قدر الأجرة وهما متنافيان وللأجير إذا عمل في ذلك أجرة عمله كما صرح به الأصل "ويصح بجزء منه" أي مما عمل فيه "في الحال ولو كانت المرضعة" في صورتها "شريكة" للمكتري في الرقيق المرتضع فلا يضر وقوع العمل في المشترك ألا ترى أن أحد الشريكين (٢) لو ساقاه الآخر وشرط له زيادة من الثمرة جاز وإن وقع العمل في المشترك وهذا ما مال إليه الإمام والغزالي بعد نقلهما عن الأصحاب أنه لا يجوز لأن شرط العمل أن يقع في خالص ملك المستأجر وضعفه الأصل وصحح ما مالا إليه وقال ابن النقيب إطلاق نص الأم أنه لا يجوز كونه أجيرا على شيء هو شريك فيه مثل: اطحن لي هذه الويبة ولك منها ربع يقتضي المنع فهو ظاهر المذهب لا ما قاله الرافعي ثم قال واختار السبكي أنه إن كان الاستئجار على الكل لم يجز وهو مراد النص أو على حصته فقط جاز كما صرح به البغوي والمتولي انتهى.
وما اختاره السبكي هو التحقيق (٣) وعليه ينزل كلامهم فيمتنع في قوله اكتريتك لتطحن لي هذه الويبة بربعها وفي قوله لشريكه فيها اكتريتك بربعها لتطحن
стр. 2839
لي حصتي، ويجوز في قوله اكتريتك بربعها لتطحن لي باقيها وفي قوله لشريكه فيها اكتريتك بربعها لتطحن لي باقي حصتي منها "فإن استأجره على طحن البر بربعه" بأن استأجره بربعه ليطحن له الباقي كما صور به الأصل "صح" كما علم مما قبله (١) "فإن طحن الكل اقتسماه دقيقا" وإلا اقتسماه برا ثم أخذ الأجرة وطحن الباقي.
стр. 2840
"الركن الرابع: المنفعة ولها. خمسة شروط: الأول كونها متقومة (١) " ليحسن بذل المال في مقابلتها "كاستئجار دار للسكنى والمسك والرياحين للشم لا" استئجار "تفاحة" للشم لأنها تافهة لا تقصد له فهي كحبة في البيع فإن كثر التفاح صحت الإجارة (٢) لأن منه ما هو أطيب من كثير من الرياحين، وكون المقصود منه الأكل دون الرائحة لا يقدح في ذلك "ولا" استئجار "الدراهم والدنانير والطعام ولو لتزيين حانوت (٣) " بخلاف عاريتها للزينة كما مر في بابها؛ إذ منفعة الزينة غير متقومة (٤) فلا تقابل بمال "ولو استأجر الشجرة" وفي نسخة " الشجر " "لظلها (٥) " أي للاستظلال بظلها "أو الربط بها أو طائرا للأنس