نظرا للمعنى وتركه له كناية إبراء وقيل صريحه (١) "وهبته للأجنبي باطلة" (٢) لعجزه عن تسليمه؛ لأن ما يقبض من المدين عين لا دين "وتمليك المسكين الدين" اللازم لمن عليه زكاة "ولو" كان الدين "على غيره" أي غير المسكين "عن الزكاة لا يصح" لأن ذلك فيما عليه إبدال وهو لا يجوز فيها وفيما على غيره تمليك وهو لا يجوز أيضا كما مر.
"فصل: الموهوب له لا يملك" الهبة الصادقة بأنواعها "إلا إذا قبض" ها فلا يملكها بالعقد، وإلا لما قال أبو بكر في مرضه لعائشة ﵂ فيما نحلها في صحته من عشرين وسقا: "وددت أنك حزته، أو قبضته، وإنما هو اليوم مال الوارث" (٣). وروى الحاكم: "أنه ﷺ أهدى إلى النجاشي، ثم قال لأم سلمة: "إني لأرى النجاشي قد مات ولا أرى الهدية التي أهديت إليه إلا سترد فإذا ردت إلي فهي لك" (٤) فكان كذلك وفي رواية: "أنه أهدى إلى النجاشي مسكا (٥) فمات قبل أن يصل إليه فقسمه النبي ﷺ بين نسائه"، ولأنه عقد إرفاق كالقرض فلا يملك إلا بالقبض "بالإذن" فيه (٦) إن لم يقبضه الواهب فلو قبض بلا إذن ولا إقباض لم
стр. 3047
يملكه ودخل في ضمانه سواء أقبضه في مجلس العقد أم بعده ولا بد من إمكان السير إليه إن كان غائبا كما مر في الرهن "فالزيادة الحادثة" من الموهوب قبل القبض ملك "للواهب" لبقائه على ملكه "وقد سبق بيان القبض" في باب المبيع قبل القبض "إلا أنه لا يكفي هنا" الإتلاف كما سيأتي ولا "الوضع بين يديه بلا إذنه" وفي نسخة بلا إذن؛ لأنه غير مستحق القبض كقبض الوديعة فاعتبر تحقيقه بخلاف المبيع فجعل التمكين منه قبضا وقوله بلا إذنه من زيادته.
"ولو مات أحدهما قبل القبض لم ينفسخ" عقد الهبة؛ لأنه يؤول إلى اللزوم كالبيع بخلاف نحو الشركة، والوكالة وكالموت الجنون، والإغماء لكن لا يقبضان إلا بعد الإفاقة قاله البغوي وظاهر أن لمولى المتهب القبض (١) قبلها في الجنون "وقام الوارث" أي وارث الواهب في الإقباض والإذن في القبض ووارث المتهب في القبض "مقامه" أي مقام المورث "فإن رجع" الواهب، أو وارثه "في الإذن" (٢) في القبض "أو مات" هو، أو المتهب "قبل القبض" فيهما "بطل الإذن" قال الزركشي (٣): وينبغي أن يكون جنون الواهب وإغماؤه، والحجر عليه كذلك.
стр. 3048
"فرع: وإن مات المهدي (١) أو المهدى إليه قبل القبض فليس للرسول إيصالها" أي الهدية إلى المهدى إليه، أو وارثه إلا بإذن جديد وهذا علم مما قبل الفرع.
"فرع: قبض المشاع" يحصل "بقبض الجميع" منقولا كان، أو غيره "فإن كان منقولا ومنع منه" أي من القبض "الشريك" فيه "ووكله الموهوب له في القبض" له "جاز" فيقبضه له الشريك "فإن امتنع" الموهوب له "من توكيله" أي الشريك "قبض له الحاكم" ولو بنائبه "ويكون في يده لهما" لأنه لا ضرر في ذلك عليهما أما إذا لم يمنع الشريك من القبض بأن رضي بتسليم نصيبه أيضا (٢) إلى الموهوب له فقبض الجميع فيحصل الملك ويكون نصيبه تحت يد الموهوب له وديعة.
"فرع: ليس الإتلاف" من المتهب للموهوب "قبضا" بخلاف المشتري إذا أتلف المبيع لما مر في الفصل السابق ولأن المشتري أتلف ملكه بخلاف المتهب، سواء أتلفه بإذن الواهب أم لا كما صرح به الخوارزمي وهو قضية قول المصنف "إلا إن أذن له في الأكل، أو العتق" عنه فأكله، أو أعتقه، أو أمر المتهب الواهب بإعتاقه فأعتقه عنه كما صرح به الأصل فيكون قبضا ويقدر أنه ملكه قبل الازدراد، والعتق "ويصح بيع الواهب" للموهوب "قبل القبض، وإن ظن لزوم الهبة" وحصول الملك بالعقد وتبطل الهبة ولا عبرة بالظن البين خطؤه "وليس الإقرار بالهبة" ولو مع الملك (٣) "إقرارا بالقبض" للموهوب لجواز أن يعتقد لزومها بالعقد، والإقرار يحمل على اليقين "إلا إن قال وهبته له وخرجت منه إليه" (٤) فيكون إقرارا؛ لأنه نسب إلى نفسه ما يشعر بالإقباض "وهذا إن كان في يد المتهب، وإلا فلا" يكون إقرارا كما مر بيانه في الباب الثالث من كتاب الإقرار
стр. 3049
"وقوله: وهبته له وأقبضته" له "إقرار بالجميع" (١) أي بالهبة، والقبض.
стр. 3050
"الباب الثاني: في حكم الهبة في الرجوع والثواب" "وفيه طرفان: الأول: في الرجوع ويكره" للوالد وإن علا "أن يهب لأحد ولداه أكثر" من الآخر "ولو ذكرا" للنهي عن ذلك في خبر الصحيحين ولئلا يفضي ذلك إلى العقوق وفارق الإرث بأن الوارث راض بما فرض الله له بخلاف هذا وبأن الذكر والأنثى إنما يختلفان في الميراث بالعصوبة، أما بالرحم المجردة فهما سواء كالإخوة والأخوات من الأم، والهبة للأولاد أمر بها صلة للرحم نعم إن تفاوتوا حاجة (٢)، قال ابن الرفعة فليس في التفضيل والتخصيص المحذور السابق، وإذا ارتكب التفضيل المكروه فالأولى أن يعطي الآخرين ما يحصل به العدل ولو رجع جاز بل حكى في البحر استحبابه قال الإسنوي ويتجه أن يكون محل جوازه، أو استحبابه في الزائد.
"و" يكره "أن يرجع في عطيتهم إن عدل" بينهم "إلا لمصلحة" كأن يكونوا عققة، أو يستعينون بما أعطاه لهم في معصية وأصروا عليها بعد إنذاره لهم بالرجوع فلا يكره رجوعه فيها (٣)، كذا ذكره الأصل قال الإسنوي وهو مردود (٤) بل القياس في الثانية استحباب الرجوع إن لم يكن واجبا وأما العاق
стр. 3051
فينبغي أن يقال إن زاده الرجوع عقوقا كره، أو أزاله استحب، أو لم يفد شيئا منهما أبيح ويحتمل استحباب عدمه.
"والعدل" في هبة الولد والديه "أن يسوي بين الوالدين" كعكسه بل أولى "فإن فضل أحدهما فالأم" أولى لخبر "إن لها ثلثي البر" قال الزركشي: وقضية كلامهم (١) أن الإخوة ونحوهم لا يجري فيهم هذا الحكم قال ابن الرفعة ويحتمل طرده للإيحاش وقد يفرق بأن المحذور في الأولاد عدم البر وهو واجب قال ولا شك أن التسوية بينهم مطلوبة لكن دون طلبها بين الأولاد.
"فصل: للأب وكذا سائر الأصول" من الجهتين ولو مع اختلاف الدين "لا غيرهم" كالإخوة "الرجوع" (٢) ولو كان قد أسقطه "من دون" حكم "الحاكم" بالرجوع "في الهبة، والهدية، والصدقة للولد" سواء أقبضها الولد أم لا غنيا كان، أو فقيرا صغيرا أو كبيرا لخبر: "لا يحل لرجل أن يعطي عطية، أو يهب هبة
стр. 3052
فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده" رواه الترمذي، والحاكم وصححاه (١)، والوالد يشمل كل الأصول إن حمل اللفظ على حقيقته ومجازه وإلا ألحق به بقية الأصول بجامع أن لكل ولادة كما في النفقة وحصول العتق وسقوط القود وأما خبر: "من وهب هبة فهو أحق بها ما لم يثب منها" فيحمل على الأصول وخصوا بذلك لانتفاء التهمة عنهم لوفور شفقتهم فلا يرجعون إلا لحاجة أو مصلحة "وعبده" أي ولعبد الولد "غير المكاتب" لأن الهبة لعبد الولد فيشبه أن يكون (٢) كهبة اثنين لولد تنازعا فيه، ثم ألحق بأحدهما كذا قاله ابن الرفعة وهبته لمكاتب نفسه كالأجنبي "لا في الإبراء" لولده عن دينه أي لا يرجع فيه سواء قلنا إنه إسقاط أم تمليك إذ لا بقاء للدين فأشبه ما لو وهبه شيئا فتلف "ولا في الهبة" من اثنين "لولد تنازعا فيه" أي لا رجوع لواحد منها فيهما لعدم ثبوت كون الولد له "فلو ألحق" الولد "بإحداهما رجع" عليه في هبته له لثبوت ذلك "وإن وهب لولده، ثم مات ولم يرثه الولد" لمانع قام به وإنما ورثه جد الولد "لم يرجع" في الهبة "الجد الحائز" للميراث؛ لأن الحقوق لا تورث وحدها إنما تورث بتبعية المال وهو لا يرثه (٣).
"فرع: يمتنع الرجوع" في الموهوب "بزوال ملك الولد عنه" بتلف، أو بيع (٤)، أو غيره صيانة لملك غيره ولعدم بقاء سلطنته عليه وقضية كلامهم
стр. 3053
امتناع الرجوع بالبيع وإن كان البيع من أبيه الواهب وهو ظاهر "ولو عاد" إليه بإرث، أو غيره فإنه يمتنع الرجوع؛ لأن ملكه الآن غير مستفاد منه حتى يزيله بالرجوع فيه "و" يمتنع الرجوع فيه "برهن مقبوض" بأن رهنه الولد من غيره وأقبضه لعدم بقاء سلطنته عليه وصيانة لملك غيره، قال الزركشي (١): وينبغي أن يستثنى منه ما لو كان الأب هو المرتهن فله الرجوع؛ لأن المانع منه في صورة الأجنبي - وهو إبطال حقه - منتف هنا ولهذا صححوا بيعه من المرتهن دون غيره.
وخرج بالمقبوض غيره فله الرجوع فيه لبقاء سلطنة الولد عليه "وبجناية" (٢) من الموهوب أوجبت تعلق الأرش به كما في الرهن المقبوض "وبحجر فلس" على الولد كالرهن، والجناية "لا" بحجر "سفه" عليه لأنه لم يتعلق به حق غيره ولو جن الأب لم يصح رجوعه حال جنونه ولا رجوع لوليه بل إذا أفاق كان له الرجوع ذكره القاضي أبو الطيب "و" يمتنع الرجوع "باستيلاد" للموهوبة لعدم بقاء سلطنة الولد عليها "لا وطء" لها إذ لا مانع "و" يمتنع الرجوع "بكتابة" للموهوب كالرهن المقبوض "لا تدبير وتزويج، وإجارة" وزراعة، وتعليق عتق بصفة لبقاء ولاية الولد عليه "ولا بفسخها" أي الوالد الإجارة "إن رجع" (٣) بل تبقى بحالها كالتزويج "ويمكن" الوالد "من فداء الجاني ليرجع فيه لا" من فداء "المرهون" بأن يبذل قيمته ليرجع فيه لما فيه من إبطال تصرف المتهب (٤)، نعم له أن يفديه بكل
стр. 3054
الدين لأن له أن يقضي دين الأجنبي لكن بشرط رضا الغريم.
"ولو وهب لولده" شيئا "فوهب" هـ "الولد للجد، ثم الجد لولد ولده فالرجوع" ثابت "للجد فقط" أي لا لولده "ويرجع" الواهب "في مرهون ومكاتب انفكا" عن الرهن، والكتابة بعجز المكاتب فيها لبقاء الولاية فيهما "و" في "عصير تخمر ثم تخلل" إذ الملك الثابت في الخل سببه تملك العصير فكأنه الملك الأول بعينه "ومتى ارتد الولد فالرجوع موقوف" على عوده إلى الإسلام فإن أسلم صح الرجوع بعد الإسلام، وإلا فلا "ولو وهب ولده" شيئا "و" وهبه "الولد لولده فلا رجوع للأول" لأن الملك غير مستفاد منه.
"فصل: يرجع" في الموهوب "بالزوائد المتصلة غير الحمل الحادث" كسمن وتعلم صنعة؛ لأنها تتبع الأصل بخلاف الحمل الحادث لا يرجع فيه لحدوثه على ملك المتهب "لا" بالزوائد "المنفصلة غير ولد الحمل القديم" كالولد الحادث لا يرجع فيه لحدوثه على ملك المتهب "لا" بالزوائد "المنفصلة غير ولد الحمل القديم" كالولد الحادث، والكسب بل تبقى للمتهب لذلك بخلاف ولد الحمل القديم يرجع فيه لأنه من جملة الموهوب بناء على أن الحمل يعلم وفي جعل ولد الحمل القديم من الزوائد تسمح، والإضافة فيه إضافة بيانية "وهل يرجع في الأم قبل الوضع" للحمل الحادث "أم عليه الصبر إلى الوضع وجهان" أصحهما في تعليق القاضي الأول (١)، وله أجاب ابن الصباغ وغيره.
"ولو زرع" الولد "الحب أو تفرخ البيض فلا رجوع" فيه؛ لأن الموهوب صار مستهلكا قال في الأصل قال البغوي هذا إذا ضمنا الغاصب (٢) بذلك، وإلا فقد وجد عين ماله فيرجع وقضيته ترجيح الرجوع وبه جزم البلقيني واختاره الزركشي وهو قياس ما قالوه في الفلس (٣).
стр. 3055
"وإن صبغ الولد الثوب شاركه" أي شارك والده بعد رجوعه في الثوب "بالصبغ ولو قصره" أو كان حنطة فطحنها، أو غزلا فنسجه "وزادت قيمته فكذلك" أي فيشاركه في الزائد فإن لم تزد قيمته فلا شركة قال الإسنوي وغيره في تعلم الصنعة الصحيح أن الولد يكون شريكا فيها كالقصارة كما ذكره الشيخان في باب الفلس على خلاف ما جزما به هنا من أنه كالسمن والمصنف تركه هنا لذلك لكن أجاب عنه الزركشي بأن ما هنا تعلم، لا معالجة للسيد فيه وما هناك تعليم فيه معالجة منه.
"ويتخير" الوالد بعد رجوعه في الأرض الموهوبة وقد غرس فيها الولد أو بنى "في الغرس" أو البناء "بين قلعه بأرش أو تملكه بقيمة، أو تبعيته بأجرة" قال في الأصل كالعارية لكنه صحح فيها في بابها التخيير بين الأولين فقط فليؤول قوله كالعارية على التشبيه في مطلق التخيير مع أنه تقدم ثم منع ما صححه وأن المنقول، والقياس التخيير بين الثلاث.
"فرع: يحصل الرجوع" في الهبة "بـ "رجعت في الهبة" (١) وأبطلتها ونقضتها ونحوه" ك ارتجعت الموهوب واسترددته ورددته إلى ملكي وكلها صرائح والكناية ك أخذته وقبضته "فلو باع" الوالد "أو أتلف" أو وهب، أو وقف أو أعتق، أو وطئ، أو استولد الموهوب "لم يكن رجوعا" لأنه ملك للولد بدليل نفوذ تصرفاته فيه فلا ينفذ فيه تصرف الوالد ويخالف البيع في زمن الخيار بأن الملك فيه ضعيف بخلاف ملك الولد للموهوب "فيلزمه بالإتلاف والاستيلاد القيمة وبالوطء المهر" وتلغو البقية "وتحرم به" الأمة "على الولد" لأنها موطوءة والده "و" تحرم "موطوءته" أي موطوءة الولد التي وطئها الوالد "عليهما" معا، وهذا وما قبله من زيادته وهما معلومان من باب موانع النكاح.
стр. 3056
"والموهوب بعد الرجوع" فيه من غير استرداد له "أمانة" في يد الولد بخلاف المبيع في يد المشتري بعد فسخ البيع؛ لأن المشتري أخذه بحكم الضمان "ولا يصح تعليق الرجوع بشرط" كقوله إذا جاء رأس الشهر فقد رجعت؛ لأن الفسخ لا يقبل التعليق "ولو اتفقا" أي المتواهبان "على فسخها" أي الهبة بأن تفاسخاها "حيث لا رجوع" فيها "فهل تنفسخ كما لو تقايلا، أو لا" تنفسخ "كالخلع" فيه "وجهان" قضية ذلك كما قال الزركشي صحة الإقالة وقال ابن الرفعة كلام القاضي يقتضي امتناعها وبه وبامتناع التفاسخ جزم صاحب الأنوار فقال (١): ولو تقايلا في الهبة، أو تفاسخا حيث لا رجوع لم تنفسخ.
стр. 3057
"الطرف الثاني: في الثواب" على الهبة ونحوها "وهو لا يلزم بمطلق الهبة، والهدية" إذ لا يقتضيه اللفظ ولا العادة "ولو" وقع ذلك "من الأدنى إلى الأعلى" كما في إعارته له إلحاقا للأعيان بالمنافع وكما لا يلزم بذلك لا يلزم بالصدقة كما فهم بالأولى "فإن أثابه" المتهب على ذلك "فهبة مبتدأة للأب الرجوع فيها" إذا كان هو المثيب وعكس في الروضة فقال حتى لو وهب لابنه فأعطاه الابن ثوابا لا ينقطع حق الرجوع وكل صحيح "وإذا قيدها" (١) المتعاقدان "بثواب معلوم لا مجهول صح العقد بيعا" نظرا للمعنى فإنه معاوضة مال بمال معلوم كالبيع بخلاف ما إذا قيدها بمجهول لا يصح لتعذره بيعا وهبة "وتثبت فيه" أي في عقد الهبة بثواب معلوم.
"أحكامه" أي البيع كالخيار والشفعة واللزوم قبل القبض وغيرها مما يأتي "بالعقد لا القبض" للموهوب كالبيع "فلا رجوع للأب" فيه "ويجتنب فيه الربا" وفي نسخة: الزيادة، أي المفاضلة في الربوي "ويرد" الثواب "بالعيب" الذي ظهر فيه ثم إن كان في الذمة طالب بسليم، أو معينا رجع إلى عين الموهوب إن كان باقيا، وإلا طالب ببدله "ويسترد" المثيب "ثوابه إن خرج الموهوب مستحقا" بناء
стр. 3058
في ذلك كله على أن العقد المذكور بيع، وإن خرج بعضه مستحقا تخير بين أن يرجع بقسطه من الثواب وبين أن يرد الباقي ويرجع بجميع الثواب ذكره الأصل "ولو اختلفا في ذكر البدل صدق المتهب" لأنهما اتفقا على أنه ملكه، والأصل عدم ذكر البدل.
"فصل: فيه مسائل" تتعلق بالكتاب: لو "وهب له منافع دار فهل الدار عارية" له فلا يملك منافعها، أو لا (١) فتكون أمانة ويملك منافعها بقبضها وهو استيفاؤها (٢) لا بقبض الدار (٣) فيه "وجهان" قال الزركشي: أرجحهما الأول وبه جزم الماوردي وغيره (٤) ورجح ابن الرفعة والسبكي والبلقيني الثاني (٥).
"ولو فسدت الهبة لم يضمن المقبوض" بها أي لم يضمنه المتهب؛ لأنه دخل فيها على أن لا يكون مضمونا عليه بها كما في الهبة الصحيحة وبذلك علم أنه لا يحصل الملك بالقبض فيها وبه صرح الأصل "فإن جدد له" الواهب "الهبة" بعد فسادها "وهو يعتقد صحة الأولى فكمن باع مال أبيه" وهو "يظنه حيا" فبان ميتا فتصح كما تصح فيما لو اعتقد فسادها "وقوله" لغيره "كسوتك" هذا "الثوب كناية" في الهبة فلو قال الواهب لم أردها صدق؛ لأنه يصلح للعارية فلا يكون صريحا في الهبة بل كناية "بخلاف ما إذا قال منحتك" هذا "فقبل وأقبضه" له فإنه صريح فيها هذا ما اقتضاه كلام الأصل قال الزركشي والذي يقتضيه العرف أنه كناية لعدم الشيوع.
"وإن وهب لولده عينا وأقبضه" إياها "في الصحة فشهدت بينة" لباقي الورثة "أن أباه" قد "رجع فيما وهب له مطلقا" بأن لم تذكر ما رجع فيه "لم
стр. 3059
تسمع" شهادتها فلا تنزع بها العين منه لاحتمال أنها ليست من المرجوع فيه (١) "ولو اختلفا" أي المتهب وباقي الورثة "هل كانت" أي الهبة "في مرض الواهب، أو" في "صحته" بأن ادعى المتهب أنها كانت في الصحة وباقي الورثة أنها كانت في المرض "صدق المتهب بيمينه" (٢) لأن الأصل الصحة وقوله بيمينه من زيادته "وإن تصدق عليه" غيره "بثوب فظنه" أنه "أودعه" أو أعاره له "ملكه" اعتبارا بنية الدافع فلو رده عليه المدفوع له لم يحل له أخذه لأنه زال ملكه عنه فإن أخذه لزمه رده إليه.
"وأفضل البر بر الوالدين بالإحسان إليهما" وفعل ما يسرهما من الطاعات لله تعالى وغيرها مما ليس بمنهي عنه قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ [الاسراء: ٢٣] الآية "وقال ابن عمر: كان تحتي امرأة وكنت أحبها وكان عمر يكرهها فقال لي: طلقها، فأبيت فأتى عمر النبي ﷺ فذكر ذلك له فقال لي النبي ﷺ : "طلقها". رواه الترمذي وحسنه (٣)، وذكر أفضلية البر من زيادة المصنف "ومن برهما الإحسان إلى صديقهما" لخبر مسلم: "إن من أبر البر أن
стр. 3060
يصل الرجل أهل ود أبيه" (١) "ومن الكبائر عقوق الوالدين" بنص الحديث (٢)، وفي نسخة عقوق كل منهما "وهو أن يؤذيهما أذى ليس بهين" ما لم يكن ما آذاهما به واجبا كما ذكره في الروضة "وصلة الرحم" أي القرابة "مأمور بها" وهي فعلك مع قريبك ما تعد به واصلا غير منافر ومقاطع له "وتكون" صلتهما "بالمال وقضاء الحوائج والزيارة والمكاتبة، والمراسلة بالسلام" ونحوها "ويتأكد استحباب وفاء الوعد" قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ [النحل: ٩١] وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] وقال: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً﴾ [الاسراء: ٣٤] "و" تتأكد "كراهة خلافه" أي الوعد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ١، ٢] وروى الشيخان خبر: "آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان" زاد مسلم في رواية: "وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم" (٣) وإنما لم يجب الوفاء بالوعد ولم يحرم إخلافه؛ لأنه في معنى الهبة وهي لا تلزم إلا بالقبض.
стр. 3061
كتاب اللقطة (١)
بضم اللام وفتح القاف (٢) وإسكانها، ويقال لقاطة (٣) بضم اللام، ولقط بفتحهما بلا هاء وهي لغة الشيء الملقوط ويقال: اللقطة - بفتح القاف - اسم للملتقط - بكسرها - أيضا، وشرعا ما وجد (٤) من حق ضائع (٥) محترم لا يعرف الواجد مستحقه والأصل فيها قبل الإجماع خبر الصحيحين عن زيد بن خالد الجهني: أن النبي ﷺ سئل عن لقطة الذهب أو الورق فقال: "اعرف عفاصها ووكاءها (٦) ثم عرفها سنة فإن لم تعرف فاستنفقها ولتكن وديعة عندك فإن جاء صاحبها يوما من الدهر فأدها إليه، وإلا فشأنك (٧) بها"، وسأله عن ضالة الإبل فقال: "مالك ولها دعها فإن معها حذاءها وسقاءها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها"، وسأله عن الشاة فقال: "خذها فإنما هي لك أو لأخيك، أو للذئب" (٨) وفرق بينها وبين المال الضائع بأن الضائع ما يكون محرزا بحرز مثله كالموجود في مودع
стр. 3062
الحكم وغيره من الأماكن المغلقة ولم يعرف مالكه، واللقطة ما وجد ضائعا بغير حرز وفي الفرق نظر يتلقى مما يأتي آخر الباب وفي الالتقاط معنى الأمانة، والولاية من حيث إن الملتقط أمين فيما التقطه والشرع ولاه حفظه كالولي في مال الطفل وفيه معنى الاكتساب من حيث إن له التملك بعد التعريف وسيأتي بيان المغلب منهما.
стр. 3063
في أركانها
"وفيه بابان: الأول في أركانها، وهي ثلاثة" التقاط وملتقط بكسر القاف وملتقط بفتحها "الأول الالتقاط ولا يجب" - وإن غلب على ظنه ضياع اللقطة وأمانة نفسه كما لا يجب قبول الوديعة (١) - "بل يكره لفاسق" لئلا تدعوه نفسه إلى الخيانة "ويستحب لأمين يثق بنفسه (٢) " لما فيه من البر (٣) "والإشهاد" بالالتقاط "مستحب (٤) لا واجب" كما في الوديعة إذا قبلها ولأنه ﷺ لم يأمر به في خبر زيد وأجابوا عن الأمر بالإشهاد في خبر أبي داود: "من التقط
стр. 3064
لقطة فليشهد ذا عدل، أو ذوي عدل ولا يكتم ولا يغيب" (١) بحمله على الاستحباب جمعا بين الأخبار "ويشهد" مع ذلك ندبا "على بعض الصفات" أي صفات اللقطة ليكون في الإشهاد فائدة ولا يستوعبها لئلا يتوصل كاذب إليها بل يصفها للشهود بأوصاف تحصل بالإشهاد بها فائدة "و" مع ذلك "لا يحرم استيعابها" بل يكره كما نقله القمولي عن الإمام وجزم به صاحب الأنوار، ثم محل استحباب الإشهاد إذا لم يكن السلطان ظالما بحيث إنه إذا علم بها أخذها، وإلا فيمتنع الإشهاد وكذا التعريف كما جزم به النووي في نكته (٢).
стр. 3065
"الركن: الثاني الملتقط، والمغلب. فيها" أي اللقطة بمعنى الالتقاط وفي نسخة " فيه " "الاكتساب لا الولاية" لأنه مآل الأمر ومقصوده والترجيح من زيادته (١) أخذه مما فرعه كغيره بقوله "فيصح التقاط ذمي (٢) وفاسق ومرتد إن قلنا لا يزول ملكه" وهو الأصح كاصطيادهم واحتطابهم "وتنزع" اللقطة "منهم" (٣) وتسلم "إلى عدل" لأنهم ليسوا أهلا للحفظ لعدم أمانتهم قال في الأنوار وأجرة العدل في بيت المال (٤) "ويجعل عليهم مشرف في التعريف فإن تم" التعريف "تملكوا" اللقطة "ولا يصح التقاط عبد بلا إذن ولو" التقط "لسيده" لأنه ليس أهلا للملك ولا للولاية ولا يعرض سيده للمطالبة ببدل اللقطة لوقوع الملك له بخلاف اتهابه فإنه لا بدل فيه "ويضمنها في رقبته" كالغصب "فإن
стр. 3066
كانت" أي الملتقطة "مستولدة ضمن السيد" اللقطة، وإن لم يعلم التقاطها لأن جنايتها عليه "فلو انتزعها منه" أي من العبد "أجنبي صار ملتقطا" لأن يده إذا لم تكن يد التقاط كان الحاصل فيها ضائعا.
"وسقط عن" رقبة "العبد الضمان" لوصولها إلى نائب المالك شرعا "وإن علم السيد" التقاط العبد لها "وانتزعها منه فكذلك" أي صار ملتقطا وسقط عن العبد الضمان لذلك "وكذا" الحكم "إن استحفظ بها" بزيادة الباء أي إن استحفظه إياها السيد "وهو أمين أي يده كيده" فهو كما لو التقطها ابتداء واستعان به في تعريفها "وإن استحفظه" إياها "وهو غير أمين أو أهمله" من غير أن يستحفظه إياها "ضمن السيد مع العبد" لتعديهما فيتعلق الضمان بالعبد وبسائر أموال السيد حتى لو هلك العبد لا يسقط الضمان ولو أفلس السيد قدم مالك اللقطة في العبد على سائر الغرماء.
"ولو رأى عبده يتلف مالا" لغيره "ولم يمنعه ضمن مع العبد" لتعديهما ولو قال بدل هذا كما لو رآه يتلف مالا ولم يمنعه كان أولى وأخصر "فإن أذن له في الالتقاط صح" الالتقاط كما لو أذن له في قبول الوديعة، وقيل: لا يصح؛ لأن الإذن لا يفيده أهلية الولاية والتصريح بالترجيح من زيادته وصرح به في الشرح الصغير.
"وهل الإذن في الاكتساب" مطلقا "إذن في الالتقاط" (١) أو لا فيه "وجهان" قال الزركشي الظاهر أنه على الخلاف في أن الأكساب النادرة هل تدخل في المهايأة والأصح الدخول "ولو عتق" عبد "ملتقط بلا إذن" من سيده "فكأنه التقط حينئذ" فله أن يتملك بعد التعريف.
"فرع: ويصح التقاط" مكاتب "صحيح الكتابة (٢) ومبعض (٣) وصبي"
стр. 3067
لأن كلا منهم يملك والمكاتب، والمبعض مستقلان بالتملك والتصرف كالحر بخلاف فاسد الكتابة فإنه كالقن وشرط الإمام (١) في صحة التقاط الصبي التمييز قال الأذرعي ومثله المجنون.
"فإن تملكها المكاتب" بعد تعريفها وتلفت "فبدلها في كسبه وهل يقدم به المالك" لها "على الغرماء" أو لا فيه "وجهان" الظاهر منهما الثاني (٢) قال الزركشي وينبغي (٣) جريانهما في الحر المفلس، أو الميت "فلو عجز نفسه قبل التملك" (٤) للقطة "لم يأخذها السيد" لأن التقاط المكاتب لا يقع للسيد ولا ينصرف إليه، وإن كان التقاطه اكتسابا؛ لأن له يدا كالحر فليس للسيد ولا لغيره أخذها منه "بل يحفظها الحاكم للمالك، وهي بين السيد ومبعض التقطها" فيعرفانها ويتملكانها بحسب الرق، والحرية كشخصين التقطاها.
"فلو تناوبا فلصاحب" أي فهي لصاحب "النوبة" بناء على أن الكسب النادر يدخل في المهايأة وهو الأصح بخلاف زكاة الفطر (٥) لأنها متعلقة بالبدن كأرش الجناية المتفق على عدم دخوله فيها، والمراد صاحب النوبة "حالة الالتقاط" لها لا حالة تملكها فلو تنازعا فقال السيد وجدتها في يومي وقال المبعض بل في يومي صدق المبعض كما نص عليه الشافعي؛ لأنها في يده "وينزعها الولي من الصبي" (٦) الذي التقطها "ويعرفها لا من مال الصبي بل يرفع" -. الأمر "إلى القاضي" ليبيع جزءا منها لمؤنة التعريف، والقياس لزومها للصبي لما سيأتي من أنها تلزم المتملك ولعل هذا مستثنى من ذاك (٧).
стр. 3068
"ويتملك له الولي" إن رأى المصلحة في تملكه له "حيث يقترض" أي حيث يجوز الاقتراض له؛ لأن تملكه إياها له في معنى الاقتراض له فإن لم يرد ذلك حفظها، أو سلمها للقاضي "فإن قصر في انتزاعها" منه "فتلفت أو أتلفها الصبي ضمن الولي كما لو قصر في حفظ ما احتطبه" إلا أن يكون وليه الحاكم فالأشبه عدم ضمانه كذا قاله الزركشي (١)، "وإلا" أي وإن لم يقصر في انتزاعها "ضمن الصبي بالإتلاف لا التلف" (٢) بلا تقصير منه (٣) كما لو أودع مالا فأتلفه ضمنه، وإن تلف في يده فلا ضمان "فيعرف الولي" لقطة "تالفة ضمنها" متلفها "ويتملك للصبي القيمة" إن رأى في تملكه لها مصلحة وهذا "بعد قبض الحاكم لها" أما ما في الذمة فلا يمكن تملكه للصبي "والسفيه، والمجنون كالصبي" في حكم الالتقاط "لكن السفيه يصح تعريفه" (٤) قال الزركشي بإذن وليه بخلافهما.
стр. 3069
"الركن الثالث: في الملتقط": بفتح القاف المناسب حذف في "وهو نوعان" أحدهما "جماد وكله يلتقط ولو غير مال" كجلد ميتة (١) فإنه يلتقط "للاختصاص" وثانيهما "حيوان فمنه الرقيق" عبدا كان أو أمة "ويلتقط للتملك منه غير المميز" كسائر الأموال لا المميز؛ لأنه يصل إلى مالكه بالدلالة
стр. 3070
"إلا" إن وجده "وقت نهب" أو نحوه كغرق، أو حريق فيجوز التقاطه للتملك صيانة له عن الضياع "فإن كانت" أي اللقطة "أمة" ووجد فيها الشرط السابق "فتملكها كاقتراضها" أي فيجوز التقاطها للتملك حيث يجوز اقتراضها بأن كانت لا تحل له (١) كمحرم ومجوسية ويمتنع حيث يمتنع بأن كانت تحل له أما التقاط الرقيق للحفظ فجائز مطلقا (٢) لا المميز في زمن الأمن.
"وينفق على الرقيق" الملتقط مدة حفظه "من كسبه" وما بقي من كسبه يحفظ معه "وإلا" أي وإن لم يكن له كسب "فعلى ما سيأتي" في غير الرقيق من الحيوان "فلو بيع وقال المالك" بعد ظهوره "كنت أعتقته أبطلنا البيع" لأنه لم يصادف محله ومثله سائر التصرفات المزيلة للملك كالبيع كما سيأتي قبيل الصداق.
"وما سواه من الحيوان إن امتنع من صغار السباع" (٣) بقوته "كالإبل، والبقر والحمير" أو بعدوه كالأرانب "والظباء" المملوكة أو بطيرانه كالحمام "امتنع التقاطه في الأمن للتملك من المفاوز" لخبر زيد السابق ويقاس بما فيه نحوه، ولأنه مصون بالامتناع عن أكثر السباع مستغن بالرعي إلى أن يجده مالكه لتطلبه له "لا" من "البلدان، والقرى أو قريب منهما" فيجوز التقاطه لأنه حينئذ يضيع بعدم وجدانه ما يكفيه وبامتداد اليد الخائنة إليه لعموم طروق الناس بالعمران بخلافه في المفازة "ولا" في "وقت نهب مطلقا" أي سواء أوجده بمفازة أم غيرها "ولو وجد بعيرا مقلدا" أيام منى "التقطه ونادى عليه فإن خشي فوات أيام منى نحره والأولى أن يستأذن الحاكم" ففائدة التقاطه من المفازة نحره لا تملكه؛
стр. 3071
لما مرّ من منع التقاط الحيوان منها لتملكه "ولكل" من الناس "ولو غير الحاكم الالتقاط للحفظ" صونا عن الضياع "فلو التقط الممتنع" من صغار السباع "للتملك في مفازة آمنة" ضمنه ولا يبرأ برده إلى مكانه.، ثم إن "سلمه إلى الحاكم برئ" كما في الغصب "وما لا يمتنع" من صغار السباع "كالكسير والفصلان، والغنم يلتقط" للتملك "مطلقا" أي سواء أوجده بمفازة أم لا "فإن شاء عرفه" وتملكه بعد التعريف، "وإن شاء باعه وتملك ثمنه بعد التعريف (١) " للملتقط "وله أكله" إن كان مأكولا "في الحال" (٢) متملكا. له بقيمته إن وجده "في المفازة لا في العمران" لسهولة البيع فيه بخلافه في المفازة فقد لا يجد فيها من يشتري ويشق النقل إلى العمران، والخصلة الأولى من الثلاث عند استوائها في الأحظية أولى من الثانية (٣)، والثانية من الثالثة (٤) كما صرح به الأصل ولا يجب التعريف في الثالثة كما لا يجب فيما يسرع فساده على الظاهر عند الإمام قال: لأنه لا فائدة فيه في الصحراء (٥) وكلام المصنف كأصله يقتضيه وكلام غيرهم يقتضي خلافه على أن تعليل الإمام ينافي ظاهر قولهم لا يجب التعريف فورا وسيأتي كلام الإمام مع زيادة ثم تخييره بين الثلاث ليس تشهيا بل عليه فعل الأحظ كما بحثه في المهمات (٦).
"أما غير المأكول" كالجحش "فله فيه الخصلتان الأوليان لا التملك في
стр. 3072
الحال" فلا يتملكه إلا بعد تعريفه وإنما اعتبروا صغار السباع فقط لكثرتها ولأنه لا يمتنع من كبارها ضالة.
"فرع: لو أمسكه" أي الملتقط "وأراد الإنفاق" عليه "ليرجع اشترط إذن الحاكم" فيه إن وجده ثم "فإن لم يجده أشهد" كنظائره "ولو أراد بيع كلها" أي اللقطة "في الحال" حيث جاز بأن كان بيعها أحظ من إبقائها "ولم يجد ثم حاكما استقل به، وإن وجده استأذنه" قال الإمام ويجوز بيع جزء الحيوان لنفقة باقيه كبيع كله وحكى عن شيخه احتمالا أنه يمتنع؛ لأنه يؤدي إلى أن يستغرق نفسه وبه قطع أبو الفرج الزاز ذكر ذلك الأصل قال الأذرعي والثاني هو الأوجه وهو قضية كلام المصنف وصرح به الرافعي في الباب الآتي قبيل الحكم الثالث "ولا يستقرض (١) على المالك" لذلك قال الرافعي لكنه يخالف ما مر في هرب الجمال ونحوه، وفرق النووي بتعذر البيع أي تعسره ثم لتعلق حق المكتري بخلافه هنا فيمتنع الإضرار بالمالك بلا ضرورة.
"فرع: الضالة" إذا حصلت "في يد الحاكم يسمها" ونتاجها "بسمة الضوال ويسرحها في الحمى" إن كان "فلو لم يكن حمى باعها" كلها وفي بيع بعضها ما مر "ويتأنى" ببيعها أياما بحسب ما يراه "إن توقع وصول المالك" أي مجيئه في طلبها "على قرب" بأن عرف أنها من نعم بني فلان.
"ولو التقط كلبا" يقتنى "عرفه سنة" (٢) أو ما يليق به "ثم اختص به فإن ظهر صاحبه أخذه" إن وجده، وإلا فلا شيء له "وتعرف الخمر المحترمة" هذا من زيادته هنا وهو مكرر فإنه ذكره بعد.
"فصل: لا يلتقط إلا ما ضاع بسقوط أو غفلة" (٣) عنه، أو نحوهما "وكان في أرض غير مملوكة" كموات وشارع ومسجد "و" في "بلد فيه مسلمون" بأن
стр. 3073
يكون ببلاد الإسلام، أو بدار الحرب وفيها مسلمون وخرج بما قاله ما بينه بقوله "فإن ألقى هارب، أو الريح ثوبا في حجره" مثلا "أو خلف مورثه وديعة وجهل المالك" كذلك "لم يتملكه بل يحفظ" لأنه مال ضائع "وما وجد في" أرض "مملوكة فلذي اليد" فيها فلا يؤخذ لتملكه بعد تعريفه.
"فإن لم يدعه" ذو اليد فلمن كان ذا يد "قبله" وهكذا إلى أن ينتهي "إلى المحيي، ثم" إذا لم يدعه المحيي "يكون لقطة" كما مر بما فيه مع جوابه في زكاة الركاز وما وجد في دار الحرب ولا مسلم فيها "فغنيمة: الخمس منها لأهله، والباقي للواجد".
"تنبيه" قال القفال: وإذا وجد درهما في بيته لا يدري أهو له، أو لمن دخل بيته فعليه تعريفه لمن يدخل بيته كاللقطة أي الموجودة في غير بيته مما مرّ.
стр. 3074
في أحكام الالتقاط الصحيح
"الباب الثاني: في أحكام الالتقاط الصحيح: وهي أربعة" "الأول في الأمانة والضمان" الأولى حذف " في "، ويختلف ذلك بقصد الآخذ "فإن أخذها" "للحفظ فهي أمانة" (١) في يده؛ لأنه يحفظها للمالك فأشبه المودع "فإن بدا له أن يتملكها" "عرفها من حينئذ ولا يعتد بما سبق" من تعريفه لها "فإن سلمها للحاكم لزمه القبول" وكذا لو أخذها للتملك ثم سلمها له لزمه القبول كما صرح به الأصل بخلافه في الوديعة لقدرته على الرد إلى المالك ثم، وما روي عن ثابت بن الضحاك "أنه وجد بعيرا ضالا فعرفه، ثم ذكره لعمر بن الخطاب فأمره أن يعرفه ثلاث مرات فقال له ثابت: إنه شغلني عن صنعتي قال عمر أرسله حيث وجدته" (٢) حمله بعضهم على ضالة لا يحل التقاطها "فإن التقطها بنية الخيانة. فهو غاصب" فيضمنها ضمان المغصوب كالمودع "فلو أراد" بعد ذلك "التعريف للتملك" لها "لم يجز" كالغاصب عبارة الأصل فلو عرف بعد ذلك وأراد التملك لم يكن له ذلك "لكن لو سلمها للحاكم برئ" (٣) من الضمان كما هو شأن الغاصب ولو عبر بدل "
стр. 3075
لكن " بالواو كان أولى وأوفق بأصله "وإن أخذها للتملك فهي أمانة" في يده "ولو بعد السنة حتى يتملك" كالمودع ويفارق المستلم بأنه مأخوذ لحظ آخذه حين أخذه بخلاف اللقطة فإذا تملكها فليست أمانة بل يضمنها كالقرض "فلو أحدث" بعد الأخذ لحفظ، أو تملك "قصد خيانة لم يضمن" بمجرد القصد كالمودع "أو" أحدث "خيانة ضمن" لتحققها "فلو أقلع" عنها "وعرف" اللقطة "ليتملكها" "جاز" (١) لأن التقاطه في الابتداء وقع مفيدا للتملك فلا يبطل حكمه بطرو تفريطه "وإن أخذها ولم يقصد شيئا" من حفظ، أو تملك، أو خيانة "أو قصد" واحدا منها "ونسي" هـ "لم يضمن وله التملك بشرطه".
стр. 3076
"الحكم الثاني: في التعريف" للقطة الأولى حذف " في " كما في نسخة "وينبغي" لملتقطها قال ابن الرفعة: أي يجب (١)، وقال الأذرعي وغيره (٢): أي يندب "أن يحيط علما بالعفاص" أي الوعاء "والوكاء" أي الخيط الذي يشد به "والجنس" أي ذهب أم غيره "والنوع" أهروية أم غيرها "والقدر" بوزن أو كيل، أو عدد (٣) لقوله ﷺ لسائله عن لقطة الذهب أو الورق "اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة" وقيس بمعرفة خارجها فيه معرفة داخلها وذلك "ليعرف صدق مدعيها" ولئلا تختلط بماله "ويندب كتبها" أي الأوصاف المذكورة قال الماوردي: وأنه التقطها من موضع كذا في وقت كذا.
стр. 3077
"ويجب التعريف سنة (١) ولو قصد" بأخذها "الحفظ" للخبر السابق ويقاس بما فيه غيره ولئلا يكون عدم التعريف كتمانا مفتونا للحق (٢) على صاحبه، والمعنى في كونها سنة أنها لا تتأخر فيها القوافل وتمضي فيها الأزمنة الأربعة وما قاله من وجوب التعريف فيما إذا التقط للحفظ هو ما صححه الإمام والغزالي (٣) وجعله في الروضة الأقوى والمختار وصححه في شرح مسلم (٤) والذي أورده الأكثرون عدم وجوبه؛ لأنه إنما يجب لتحقق شرط التملك، والأوجه الأول وهو ما أورده الماوردي والفوراني.
وقضية كلامه كأصله أنه لو التقط اثنان لقطة عرف كل منهما سنة قال ابن الرفعة وهو الأشبه؛ لأنه في النصف كملتقط واحد وقال السبكي بل الأشبه (٥) أن كلا منهما يعرفها نصف سنة؛ لأنهما لقطة واحدة والتعريف من كل منهما لكلها لا لنصفها، وإنما تقسم بينهما عند التملك قال الأذرعي وهذا ظاهر وقد قالوا يبني الوارث على تعريف مورثه نعم لو أقاما معرفا واحدا، أو أذن أحدهما للآخر فلا تردد فيما رآه ويستثنى من وجوب التعريف بل من جوازه ما قدمته عن نكت النووي أول الكتاب قال الزركشي وغالب الروايات مصرح بتأخير التعريف عن التعرف كما صرح به النووي وفي رواية مسلم: "عرفها، ثم اعرف عفاصها ووكاءها" (٦) وهي تدل على عكس ذلك. . . . . . . . . . .
стр. 3078
فيجمع بينهما (١) بأن هذا تعرف آخر عند إرادة التملك فيندب له حينئذ أن يتحقق أمرها قبل التصرف فيها.
"ولا يشترط الفور" (٢) للتعريف بل المعتبر تعريف سنة متى كان، ولا الموالاة "فلو فرق -. السنة" كأن عرف شهرين وترك شهرين وهكذا "جاز" لأنه عرف سنة وكما لو نذر صوم سنة وقيده الإمام بما إذا لم يؤد ذلك إلى نسيان (٣) النوب السابقة، وإلا فلا يجوز قطعا وبأن يبين في التعريف زمن الوجدان حتى يكون ذلك في مقابلة ما جرى من التأخير المنسي "ولا يجب الاستيعاب" للسنة بل يعرف على العادة "فينادي كل يوم مرتين (٤) في طرفيه في الابتداء" للتعريف
стр. 3079
"ثم في كل يوم مرة، ثم في كل أسبوع مرتين، أو مرة، ثم في الشهر" أي في كل شهر كذلك بحيث لا ينسى أنه تكرار لما مضى فالمدد المذكورة تقريبات كما قاله الأذرعي.
"ويستحب في التعريف ذكر بعض الأوصاف" للقطة "كالجنس، أو العفاص أو الوكاء" لأنه أقرب إلى الظفر بالمالك "ولا يستوفيها" لئلا يعتمدها كاذب "فلو استوفاها ضمن" (١) لأنه قد يرفعه إلى ملزم الدفع بالصفات فعلم أنه يحرم استيفاؤها وبه صرح الأذرعي وقال بعد اعتراضه على نقل الأصل عن الإمام: إنه لا يكفي ذكر الجنس بأن الإمام لم يقله وإنما قال لا يختص البيان بذكر الجنس بل يكفي ذكر غيره وصححه الغزالي في بسيطه وبالجملة فالمشهور ومقتضى كلام الجمهور أنه يكفي ذكر الجنس وأنه لا تجوز الزيادة عليه وهو المنصوص، وكلام المصنف في أكثر النسخ يوافقه.
"فرع: ومن" وفي نسخة " من " "قصد التملك" ولو بعد التقاطه للحفظ أو مطلقا "فمؤنة التعريف" الواقع بعد قصده "عليه تملك أم لا" لأن التعريف سبب لتملكه ولأن الحظ له "ومن قصد الحفظ" ولو بعد التقاطه للتملك، أو مطلقا "فهي" أي مؤنة التعريف "على بيت المال" إن كان فيه سعة "أو" على "المالك" إن لم تكن فيه سعة بأن يقترض عليه الحاكم منه، أو من غيره، أو يأمره بصرفها ليرجع كما في هرب الجمال، وإنما لم تجب على الملتقط؛ لأن الحظ للمالك فقط، وقضية كلامه كأصله (٢) أن وجوبها على بيت المال إنفاق لا إقراض على المالك قال الأذرعي: وهو الأقرب لكن كلام ابن الرفعة يقتضي أنه إقراض حيث قال: فإن رأى أن يقرض أجرة التعريف من بيت المال فتكون دينا في ذمته أو يبيع جزءا منها، أو يستقرض من الآحاد، أو من الملتقط فعل.
стр. 3080
"فرع: التعريف" يكون "في الأسواق (١) ومجامع الناس وأبواب المساجد" عند خروجهم من الجماعات ونحوها لأن ذلك أقرب إلى وجود صاحبها "لا فيها" أي المساجد كما لا تطلب اللقطة فيها "ويجوز" تعريفها "في المسجد الحرام" (٢) اعتبارا بالعرف ولأنه مجمع الناس، وقضية التعليل أن مسجد المدينة والأقصى كذلك وقضية كلامه كأصله تحريم التعريف في بقية المساجد قال في المهمات وليس كذلك فالمنقول الكراهة (٣)، وقد جزم به في شرح المهذب قال الأذرعي وغيره بل المنقول والصواب التحريم للأحاديث الظاهرة فيه وبه صرح الماوردي وغيره ولعل النووي لم يرد بإطلاق الكراهة كراهة التنزيه - قال أعني الأذرعي -: ويجب أن يكون محل التحريم (٤)، أو الكراهة إذا وقع ذلك برفع الصوت كما أشارت إليه الأحاديث أما لو سأل الجماعة في المسجد. بدون ذلك فلا تحريم ولا كراهة.
"ويجب" التعريف "في بلد اللقطة" أي محلها "وليكثر منه حيث وجدها" أي في مكان وجوده لها؛ لأن طلب الشيء في مكانه أكثر "فإن سافر" أي أراد سفرا "استناب بإذن الحاكم من يحفظها ويعرفها وإلا" بأن سافر بها أو استناب بغير إذن الحاكم مع وجوده "ضمن" لتقصيره "ولو التقط في الصحراء وهناك قافلة تبعها وعرف" فيها إذ لا فائدة في التعريف في الأماكن الخالية "وإلا ففي بلد يقصدها" قربت أم بعدت سواء أقصدها ابتداء أم لا حتى لو قصد بعد قصده الأول بلدة أخرى ولو بلدته التي سافر منها لزمه التعريف فيها "ولا يكلف العدول عنها" إلى أقرب البلاد إلى ذلك المكان ويتولى التعريف بنفسه أو بنائبه "ولا يجزئ" وفي نسخة " ولا يكفي " "تعريف" شخص "مشهور بالخلاعة والمجون" إذ لا تحصل
стр. 3081
به فائدة التعريف فلا بد أن يكون مكلفا غير مشهور بذلك قال ابن الرفعة (١)، ولا يشترط فيه الأمانة إذا حصل الوثوق بقوله قال الجوهري: والمجون أن لا يبالي الإنسان بما صنع وقد مجن بالفتح يمجن مجونا ومجانة.
"فصل: ما لا يتمول لقلة كحبة بر" وزبيبة (٢) "لا يعرف" ويستبد به واجده فعن عمر ﵁ أنه رأى رجلا يعرف زبيبة فضربه بالدرة وقال: "إن من الورع ما يمقت الله عليه"، وروي ما يمقته الله وعلى ذلك حمل قوله ﷺ في التمرة الملقاة: "لولا أخشى أن تكون من تمر الصدقة لأكلتها" رواه الشيخان (٣)، "وإن تمول فالقليل منه لا يعرف سنة بل" يعرف "إلى أن يظن إعراض صاحبه عنه غالبا" لأنه لا يدوم فاقده على طلبه سنة بخلاف الكثير ويختلف ذلك باختلاف المال قال الروياني فدانق الفضة يعرف في الحال ودانق الذهب يعرف يوما، أو يومين، أو ثلاثة أيام "والقليل" المتمول "ما يظن أن فاقده لا يكثر الأسف عليه ولا يطول طلبه" له "غالبا" لأن ذلك دليل على حقارته.
"فرع: التقاط السنابل في" وقت "الحصاد إن علم إعراض المالك عنها، أو رضاه بأخذها جاز، وإلا فلا" يجوز قال الزركشي وينبغي تخصيص جوازه بأهل الزكاة كالفقراء لأنها تعلقت بجميع السنابل والمالك مأمور بجمعها، وإخراج ما لأهلها قال ولعل إطلاقهم محمول على ما لا زكاة فيه، أو على ما لو كانت أجرة جمعها تزيد على ما يحصل منها. ا هـ. والظاهر أن هذا القدر مغتفر (٤) كما جرى عليه السلف، والخلف مع أن في آخر كلامه نظرا، والمراد بالعلم هنا ما يشمل الظن
стр. 3082
"وما يفسد كبقول ورطب لا يتتمر" وهريسة ونحوها مما يسرع فساده "فللملتقط بيعه، ثم يعرفه ليتملك ثمنه وله تملكه في الحال، ثم أكله" مع غرم قيمته "مطلقا" أي سواء أوجده بصحراء أم بعمران؛ لأنه معرض للهلاك فيتخير فيه كالغنم، وإنما جاز أكله في العمران؛ لأنه مما يسرع فساده بخلاف الغنم ونحوها ولا يجيء الإمساك هنا لتعذره "وبيعه" يكون "كما سبق" من أنه يبيعه استقلالا إن لم يجد حاكما وبإذنه إن وجده.
"ثم" بعد أكله "يعرفه إن وجده في غير الصحراء". كما أنه إذا باع يعرف فإن وجده في الصحراء لم يجب تعريفه كما نقله الأصل عن الظاهر عند الإمام وصححه الرافعي في الشرح الصغير؛ لأنه لا فائدة فيه في الصحراء قال الأذرعي لكن الذي يفهمه إطلاق الجمهور أنه يجب أيضا قال ولعل مراد الإمام (١) أنها لا تعرف بالصحراء لا مطلقا، والمراد بغير الصحراء الشارع والمسجد ونحوهما؛ لأنها مع الموات محال اللقطة "ولا يجب إفراز قيمته" المغرومة من ماله؛ لأن ما في الذمة لا يخشى تلفه نعم لا بد من إفرازها عند تملكها؛ لأن تملك الدين لا يصح قاله القاضي "فإن فعل" أي أفرزها أي استقلالا إن لم يجد حاكما وبإذنه إن وجده "فالمفرز أمانة" في يده "لا يضمن إلا بتفريط" فيه وفي نسخة بالتفريط "ويتملكه بعد التعريف" كما يتملك نفس اللقطة وكما يتملك الثمن إذا باع الطعام وهذا يقتضي صيرورة المفرز ملكا لمالك اللقطة ولهذا لو تلف بلا تفريط سقط حقه صرح به الأصل.
"والمعتبر" في قيمة المأخوذ "قيمة يوم الأخذ" لا قيمة يوم الأكل "- إن قصد الأكل - وإلا" بأن قصد التعريف "فيوم الأكل" لا يوم الأخذ. "ويعمل بالمصلحة في رطب (٢) يتتمر" ونحوه مما يمكن إبقاؤه بالمعالجة "من بيع وتجفيف" فإن كانت المصلحة في بيعه رطبا بيع أو في تجفيفه، وتبرع به الواجد أو غيره جففه، وإلا بيع بعضه لتجفيف الباقي إن ساوى مؤنة التجفيف تحصيلا للمصلحة
стр. 3083
بخلاف الحيوان حيث يباع كله؛ لأن نفقته. تتكرر فتؤدي إلى أن يأكل نفسه "ومؤنته" أي التجفيف، أو نحوه "على المالك" التصريح بهذا من زيادته.
стр. 3084
"الحكم الثالث: التملك" للقطة المملوكة "وتملك باللفظ بعد تمام التعريف" غنيا كان الملتقط، أو فقيرا لأنه تملك مال ببدل فافتقر إلى لفظ كالتملك بالشراء "ك تملكت ولو لم يتصرف" فيها كالقرض وعلى قياس ذلك يختار نقل الاختصاص إليه في غير المملوكة كما قاله ابن الرفعة (١)، وتكفي إشارة الأخرس كسائر العقود وكذا الكناية مع النية، والظاهر أن ولد اللقطة كاللقطة إن كانت حاملا به عند التقاطها أو انفصل منها قبل تملكها، وإلا ملكه تبعا لأمه وعليه يحمل قول من قال: إنه يملك بعد التعريف لأمه أي وتملكها.
"فرع: لا يلتقط" أحد "بحرم مكة" لقطة "إلا للحفظ" (٢) لخبر البخاري "إن هذا البلد حرمه الله لا تحل لقطته إلا لمنشد" (٣) أي لمعرف على الدوام، وإلا فسائر البلاد كذلك فلا تظهر فائدة التخصيص، والمعنى أن مكة مثابة للناس يعودون إليها مرة بعد أخرى فربما يعود مالكها، أو نائبه لطلبها، والمراد بحرم مكة الحرم المكي فيشمل مكة مع أنها مفهومة بالأولى وعبارة الأصل " مكة وحرم مكة " "وتجب" عليه "الإقامة" به "ليعرفها، أو يدفعها" أي أو دفعها "إلى الحاكم" ليعرفها "وقد يجيء هذا" أي التخيير "في كل ما التقط للحفظ" وإن لم يكن بحرم مكة والتصريح بهذا من زيادته وخرج بحرم مكة حرم المدينة فهو كسائر البلاد في حكم اللقطة كما صرح به الدارمي والروياني (٤)، وقضية كلام صاحب الانتصار أنه كحرم مكة كما في حرمة الصيد وجرى عليه البلقيني لخبر أبي داود في المدينة
стр. 3085
بإسناد صحيح: "ولا تلتقط لقطتها إلا لمن أشاد بها" (١) بالمعجمة ثم بالمهملة أي رفع صوته بها.