به فائدة التعريف فلا بد أن يكون مكلفا غير مشهور بذلك قال ابن الرفعة (١)، ولا يشترط فيه الأمانة إذا حصل الوثوق بقوله قال الجوهري: والمجون أن لا يبالي الإنسان بما صنع وقد مجن بالفتح يمجن مجونا ومجانة.
"فصل: ما لا يتمول لقلة كحبة بر" وزبيبة (٢) "لا يعرف" ويستبد به واجده فعن عمر ﵁ أنه رأى رجلا يعرف زبيبة فضربه بالدرة وقال: "إن من الورع ما يمقت الله عليه"، وروي ما يمقته الله وعلى ذلك حمل قوله ﷺ في التمرة الملقاة: "لولا أخشى أن تكون من تمر الصدقة لأكلتها" رواه الشيخان (٣)، "وإن تمول فالقليل منه لا يعرف سنة بل" يعرف "إلى أن يظن إعراض صاحبه عنه غالبا" لأنه لا يدوم فاقده على طلبه سنة بخلاف الكثير ويختلف ذلك باختلاف المال قال الروياني فدانق الفضة يعرف في الحال ودانق الذهب يعرف يوما، أو يومين، أو ثلاثة أيام "والقليل" المتمول "ما يظن أن فاقده لا يكثر الأسف عليه ولا يطول طلبه" له "غالبا" لأن ذلك دليل على حقارته.
"فرع: التقاط السنابل في" وقت "الحصاد إن علم إعراض المالك عنها، أو رضاه بأخذها جاز، وإلا فلا" يجوز قال الزركشي وينبغي تخصيص جوازه بأهل الزكاة كالفقراء لأنها تعلقت بجميع السنابل والمالك مأمور بجمعها، وإخراج ما لأهلها قال ولعل إطلاقهم محمول على ما لا زكاة فيه، أو على ما لو كانت أجرة جمعها تزيد على ما يحصل منها. ا هـ. والظاهر أن هذا القدر مغتفر (٤) كما جرى عليه السلف، والخلف مع أن في آخر كلامه نظرا، والمراد بالعلم هنا ما يشمل الظن
стр. 3082
"وما يفسد كبقول ورطب لا يتتمر" وهريسة ونحوها مما يسرع فساده "فللملتقط بيعه، ثم يعرفه ليتملك ثمنه وله تملكه في الحال، ثم أكله" مع غرم قيمته "مطلقا" أي سواء أوجده بصحراء أم بعمران؛ لأنه معرض للهلاك فيتخير فيه كالغنم، وإنما جاز أكله في العمران؛ لأنه مما يسرع فساده بخلاف الغنم ونحوها ولا يجيء الإمساك هنا لتعذره "وبيعه" يكون "كما سبق" من أنه يبيعه استقلالا إن لم يجد حاكما وبإذنه إن وجده.
"ثم" بعد أكله "يعرفه إن وجده في غير الصحراء". كما أنه إذا باع يعرف فإن وجده في الصحراء لم يجب تعريفه كما نقله الأصل عن الظاهر عند الإمام وصححه الرافعي في الشرح الصغير؛ لأنه لا فائدة فيه في الصحراء قال الأذرعي لكن الذي يفهمه إطلاق الجمهور أنه يجب أيضا قال ولعل مراد الإمام (١) أنها لا تعرف بالصحراء لا مطلقا، والمراد بغير الصحراء الشارع والمسجد ونحوهما؛ لأنها مع الموات محال اللقطة "ولا يجب إفراز قيمته" المغرومة من ماله؛ لأن ما في الذمة لا يخشى تلفه نعم لا بد من إفرازها عند تملكها؛ لأن تملك الدين لا يصح قاله القاضي "فإن فعل" أي أفرزها أي استقلالا إن لم يجد حاكما وبإذنه إن وجده "فالمفرز أمانة" في يده "لا يضمن إلا بتفريط" فيه وفي نسخة بالتفريط "ويتملكه بعد التعريف" كما يتملك نفس اللقطة وكما يتملك الثمن إذا باع الطعام وهذا يقتضي صيرورة المفرز ملكا لمالك اللقطة ولهذا لو تلف بلا تفريط سقط حقه صرح به الأصل.
"والمعتبر" في قيمة المأخوذ "قيمة يوم الأخذ" لا قيمة يوم الأكل "- إن قصد الأكل - وإلا" بأن قصد التعريف "فيوم الأكل" لا يوم الأخذ. "ويعمل بالمصلحة في رطب (٢) يتتمر" ونحوه مما يمكن إبقاؤه بالمعالجة "من بيع وتجفيف" فإن كانت المصلحة في بيعه رطبا بيع أو في تجفيفه، وتبرع به الواجد أو غيره جففه، وإلا بيع بعضه لتجفيف الباقي إن ساوى مؤنة التجفيف تحصيلا للمصلحة
стр. 3083
بخلاف الحيوان حيث يباع كله؛ لأن نفقته. تتكرر فتؤدي إلى أن يأكل نفسه "ومؤنته" أي التجفيف، أو نحوه "على المالك" التصريح بهذا من زيادته.
стр. 3084
"الحكم الثالث: التملك" للقطة المملوكة "وتملك باللفظ بعد تمام التعريف" غنيا كان الملتقط، أو فقيرا لأنه تملك مال ببدل فافتقر إلى لفظ كالتملك بالشراء "ك تملكت ولو لم يتصرف" فيها كالقرض وعلى قياس ذلك يختار نقل الاختصاص إليه في غير المملوكة كما قاله ابن الرفعة (١)، وتكفي إشارة الأخرس كسائر العقود وكذا الكناية مع النية، والظاهر أن ولد اللقطة كاللقطة إن كانت حاملا به عند التقاطها أو انفصل منها قبل تملكها، وإلا ملكه تبعا لأمه وعليه يحمل قول من قال: إنه يملك بعد التعريف لأمه أي وتملكها.
"فرع: لا يلتقط" أحد "بحرم مكة" لقطة "إلا للحفظ" (٢) لخبر البخاري "إن هذا البلد حرمه الله لا تحل لقطته إلا لمنشد" (٣) أي لمعرف على الدوام، وإلا فسائر البلاد كذلك فلا تظهر فائدة التخصيص، والمعنى أن مكة مثابة للناس يعودون إليها مرة بعد أخرى فربما يعود مالكها، أو نائبه لطلبها، والمراد بحرم مكة الحرم المكي فيشمل مكة مع أنها مفهومة بالأولى وعبارة الأصل " مكة وحرم مكة " "وتجب" عليه "الإقامة" به "ليعرفها، أو يدفعها" أي أو دفعها "إلى الحاكم" ليعرفها "وقد يجيء هذا" أي التخيير "في كل ما التقط للحفظ" وإن لم يكن بحرم مكة والتصريح بهذا من زيادته وخرج بحرم مكة حرم المدينة فهو كسائر البلاد في حكم اللقطة كما صرح به الدارمي والروياني (٤)، وقضية كلام صاحب الانتصار أنه كحرم مكة كما في حرمة الصيد وجرى عليه البلقيني لخبر أبي داود في المدينة
стр. 3085
بإسناد صحيح: "ولا تلتقط لقطتها إلا لمن أشاد بها" (١) بالمعجمة ثم بالمهملة أي رفع صوته بها.
стр. 3086
"الحكم الرابع: وجوب الرد" لها أو لبدلها ولو "بعد التملك إن أثبت" أي أقام "بها المالك" حجة (١)، وإلا لم يجب الرد (٢) بل لا يجوز إن لم يصفها "ومتى وصفها و" إن "أقام شاهدا" بها ولم يحلف معه "لم يجب التسليم" إليه "فإن قال" له "يلزمك تسليمها إلي فله" إذا لم يعلم صدقه "الحلف أنه لا يلزمه" ذلك ولو قال: تعلم أنها ملكي فله الحلف أنه لا يعلم؛ لأن الوصف لا يفيد العلم صرح به الأصل "لكن يجوز" له بل يستحب كما نقل عن النص "الدفع" إليه "إن ظن صدقه" في وصفه لها عملا بظنه ولا يجب؛ لأنه مدع فيحتاج إلى حجة فإن لم يظن صدقه لم يجز ذلك ولو وصفها جماعة وادعاها كل لنفسه لم تسلم لهم كما قاله القاضي أبو الطيب وغيره وكذا لو أقام كل منهم بينة كما ذكره الأصل.
"ويجب" الدفع إليه "إن علم" صدقه "ويلزمه العهدة" (٣) أي الضمان "لا إن ألزمه تسليمها" إليه "بالوصف حاكم" يرى ذلك كمالكي وحنبلي فلا تلزمه العهدة لعدم تقصيره في التسليم "وإن سلمها، أو" سلم "بدلها إلى الواصف باختياره" لا بإلزام الحاكم له "ثم تلفت عنده" أي الواصف "وأثبت" أي أقام "بها آخر" حجة "وغرم الملتقط" بدلها "رجع" الملتقط بما غرمه "على الواصف إن سلم" اللقطة له "أو غرم" له "البدل" عنها كما هو الفرض "ولم يقر له" الملتقط "بالملك" لحصول التلف عنده ولأن الملتقط سلمه بناء على ظاهر وقد بان خلافه فإن أقر له بالملك لم يرجع عليه مؤاخذة له بإقراره "وللمالك مطالبة الواصف أيضا" بها، أو ببدلها "إن قبضها" من الملتقط "بعينها لا إن قبض" منه "ثمنها" يعني بدلها؛ لأن الحاصل عنده مال الملتقط لا ماله ولا يرجع الواصف في الأولى على الملتقط بما غرمه لحصول التلف عنده بلا تغرير ولأنه يزعم ظلم المالك فلا يرجع على غير ظالمه أما إذا كانت اللقطة باقية عند الواصف فتنزع منه وتدفع
стр. 3087
للمالك؛ لأن البينة حجة توجب الدفع فقدمت على الوصف المجرد.
"فرع" لو "شهد لمدعي اللقطة فاسقان فليس للحاكم إلزام الملتقط التسليم" لها "ولو اعترف" هو "بعدالتهما" لأن التعديل حق لله تعالى فلا يكفي فيه اعتراف الخصم.
"فصل: وإن ظهر المالك بعد التملك" للقطة "وهي تالفة رد مثلها" إن كانت مثلية "أو قيمة يوم التملك" (١) إن كانت متقومة (٢)؛ لأنه يوم دخولها في ضمانه، وضمانها ثابت في ذمته من يوم التلف "ولو كانت باقية" ولم يتعلق بها حق لازم "تعين ردها" (٣) لمالكها فليس للملتقط إلزامه أخذ بدلها ما دامت في ملكه كما في القرض بل أولى ولخبر زيد السابق ويلزم الملتقط ردها إليه قبل طلبه، ذكره الأصل في الوديعة "مع". غرم "الأرش" لأن جميعها مضمون عليه فكذا بعضها "إن نقصت" وفي نسخة " تعيبت " "بعد التملك" فلو أراد المالك بدلها، والملتقط ردها مع الأرش أجيب الملتقط؛ لأن العين الناقصة مع الأرش كالتامة.
ويتعين ردها "بالزوائد المتصلة" وإن حدثت بعد التملك تبعا للأصل بل لو حدثت قبله ثم انفصلت ردها كنظيره من الرد بالعيب وغيره فلو التقط حائلا فحملت قبل تملكها، ثم ولدت رد الولد مع الأم "لا" بالزوائد "المنفصلة" (٤) الحادثة بعد التملك لحدوثها على ملك الملتقط وتقدم في الرد بالعيب أن الحمل الحادث بعد الشراء كالمنفصل فيكون الحادث هنا بعد التملك للملتقط "وإن جاء المالك وقد بيعت" أي اللقطة "فله الفسخ" للبيع "في زمن الخيار" لاستحقاقه الرجوع لعين ماله مع بقائه وقيل ليس له الفسخ؛ لأن خيار العقد إنما يستحقه العاقد دون غيره
стр. 3088
وهذا جزم به ابن القطان، والأول صححه صاحب الانتصار والترجيح من زيادة المصنف قال في الأصل بعد نقل الوجهين عن الشاشي كما ذكر وجعلهما ابن كج في أنه يجبر الملتقط على الفسخ ويجوز فرضهما في الانفساخ قال الرافعي كالوجهين فيما إذا باع العدل الرهن بثمن مثله وطلب في المجلس بزيادة وقضيته ترجيح انفساخه إن لم يفسخ لكن يؤيد ما قاله المصنف قول الماوردي إن للبائع الرجوع في المبيع إذا باعه المشتري وحجر عليه بالفلس في زمن الخيار "لا إن شرط" الخيار "للمشتري" وحده فليس للمالك الخيار كالبائع وهذا من زيادته أما إذا ظهر المالك قبل تملكها فإن كانت تالفة بلا تقصير فلا شيء له، أو باقية أخذها بزوائدها المتصلة، والمنفصلة دون أرش العيب الحادث بلا تقصير من الملتقط.
"فصل: فيه مسائل" تتعلق بالكتاب "وإن أخذها اثنان فترك أحدهما حقه" منها "للآخر لم يسقط" إذ ليس له نقل حقه إلى الآخر كما لا يجوز للملتقط نقل حقه إلى غيره لأن ذلك ولاية أثبتها الشرع للواحد، والولايات لا تقبل النقل (١) "وإن أثبت" أي أقام "كل" منهما بينة "أنه الملتقط ولم يسبق تاريخ" لإحداهما "تعارضتا" فتكون في يدهما يعرفانها، ثم يتملكانها فإن سبق لإحداهما تاريخ حكم بها "ولو سقطت من الملتقط" لها "فالتقطها آخر فالأول أولى" بها منه لسبقه "والمأمور بالالتقاط" فيما لو تماشى اثنان فأرى أحدهما الآخر لقطة وأمره بالتقاطها "بصيغة هاتها" أو نحوها "إن أخذها فهي له إلا إن قصد بها الآمر" وحده، أو مع نفسه فتكون للآمر، أو لهما بناء على جواز التوكيل بالاصطياد ونحوه وهذا لا يخالف ما مر (٢) في الوكالة من عدم صحتها في الالتقاط؛ لأن ذاك في عموم الالتقاط وهذا في خصوص لقطة وجدت فالأمر بأخذها استعانة مجردة على تناول شيء معين ويشمل المستثنى منه ما إذا لم يقصد نفسه ولا غيره وهو من زيادته "وإن رآها" مطروحة "فدفعها برجله" مثلا "ليعرفها" جنسا أو قدرا "وتركها" حتى ضاعت "لم يضمنها" لأنها لم تحصل في يده وقضيته عدم ضمانها، وإن تحولت عن مكانها بالدفع وهو ظاهر ولا ينافي ضمان ما تتلف بها حينئذ كالتلف بالحجر المدحرج؛ لأن الضمان ثم إنما هو لما يتلف بها لا لها وعلى قياسه لا يضمن
стр. 3089
المدحرج الحجر الذي دحرجه.
"ولو دفعها للحاكم" وترك تعريفها وتملكها "ثم استقال" أي طلب من الحاكم إقالته منها "ليعرفها" ويتملكها "منع" من ذلك لأنه أسقط حقه "وإن أخذ خمرا أراقها صاحبها فتخللت" عنده "ملكها بلا تعريف" لها؛ لأن مريقها أسقط حقه منها وقيل هي لمريقها كما لو غصب بها فتخللت عنده، وأجاب الأول بأنه هنا أسقط حقه بخلافه ثم والترجيح من زيادته هنا وصرح به في الروضة في الصيد والذبائح وفي الغصب "وقبل التخلل" لها "عليه" إذا جمعها "إراقتها إلا إن علم أنها محترمة (١) فيعرفها" كالكلب المحترم (٢).
стр. 3090
كتاب اللقيط
"ويسمى ملقوطا" باعتبار أنه يلقط "ومنبوذا أيضا" باعتبار أنه نبذ ويسمى دعيا أيضا والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ [الحج: ٧٧] وقوله: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] وما رواه مالك أن سنينا أبا جميلة ﵁ وجد منبوذا فجاء به إلى عمر فقال له: "ما حملك على أخذ هذه النسمة فقال وجدتها ضائعة فأخذتها، فقال عريفه - واسمه سنان -: يا أمير المؤمنين إنه رجل صالح فقال عمر: أكذلك قال: نعم فقال: اذهب به فهو حر لك ولاؤه أي تربيته وحضانته وعلينا نفقته أي في بيت المال بدليل رواية البيهقي " ونفقته في بيت المال ".
стр. 3091
في أركان اللقيط
"وفيه بابان: الأول في الأركان وأحكام الالتقاط فالأركان: ثلاثة. الأول: الالتقاط: والتقاط المنبوذ فرض كفاية" حفظا للنفس المحترمة عن الهلاك (١) ولقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً﴾ [المائدة: ٣٢] إذ بإحيائها أسقط الحرج عن الناس فأحياهم بالنجاة من العذاب وفارق اللقطة حيث لم يجب التقاطها بأن المغلب عليها الاكتساب والنفس تميل إليه فاستغنى بذلك عن الوجوب كالنكاح، والوطء فيه فلو لم يعلم بالمنبوذ إلا واحد لزمه أخذه فلو لم يلتقطه حتى علم به غيره فهل يجب عليهما كما لو علما معا، أو على الأول أبدى ابن الرفعة فيه احتمالا قال السبكي والذي يجب القطع به أنه يجب عليهما "ومتى التقط" المنبوذ "وجب الإشهاد عليه" أي على التقاط الملتقط له، وإن كان ظاهر العدالة خوفا من أن يسترقه وفارق الإشهاد على اللقطة بأن الغرض منها المال - والإشهاد في التصرف المالي مستحب -، ومن اللقيط حفظ حريته ونسبه فوجب الإشهاد كما في النكاح وبأن اللقطة يشيع أمرها بالتعريف ولا تعريف في اللقيط "و" وجب الإشهاد "على ما معه" تبعا له ولئلا يتملكه وقيد الماوردي (٢) وجوب الإشهاد عليه وعلى ما معه بالملتقط بنفسه أما من سلمه الحاكم
стр. 3092
له فالإشهاد مستحب له (١) قطعا وهو ظاهر "فيجوز الانتزاع" للقيط وما معه "منه إن لم يشهد" والمنتزع منه - وممن يأتي - الحاكم.
стр. 3093
الركن "الثاني: اللقيط: وهو كل صبي منبوذ لا كافل له" معلوم "ولو مميزا" لحاجته إلى التعهد "فلو وجد الكافل" له ولو ملتقطا "أو فقد النبذ وجب رده إلى الكافل" في الأولى "أو القاضي" في الثانية لقيامه مقام كافله فيسلمه إلى من يقوم به كما يقوم بحفظ مال الغائبين ولو قدم الثانية على الأولى كان أوفق بالضابط وخرج بالصبي البالغ لاستغنائه عن الحفظ نعم المجنون كالصبي (١)، وإنما ذكروا الصبي؛ لأنه الغالب قاله السبكي وغيره.
стр. 3094
"الركن الثالث: الملتقط: ويشترط فيه تكليف وحرية ورشد، وإسلام وعدالة" (١) ولو مستورة على ما يأتي؛ لأنه ولاية تثبت على الغير بالاختيار فاعتبر فيه ذلك كسائر الولايات "فلا يصح" من غير مكلف ولا "من عبد" ومثله الأمة "إلا بإذن سيده، أو تقريره" له على التقاطه بعد علمه به "ويكون السيد" هو "الملتقط" (٢) والعبد نائبه في الأخذ والتربية إذ يده كيده "وإلا" أي وإن لم يأذن له ولم يقره على التقاطه "انتزع" اللقيط "من العبد" لأن الحضانة تبرع وليس له أهليته "ولا" تصح "من مكاتب" وإن أذن له سيده لذلك "إلا لسيد قال: " - له - "التقطه لي" فيكون السيد هو الملتقط "وفي مبعض التقط في نوبته وجهان" أصحهما كما قال الروياني عدم الصحة (٣) لذلك، ولا يصح التقاطه أيضا في
стр. 3095
نوبة سيده وإلا إذا لم تكن بينهما مهايأة.
"وينزع" اللقيط "من سفيه" محجور عليه كما في الأصل، وإن كان عدلا "و" من "فاسق وكافر" لعدم صحة التقاطهم لكن محل الأخيرة في اللقيط المحكوم بإسلامه؛ لأنه لا يليه بخلاف المحكوم بكفره (١) وسيأتي "وكذا من لم يختبر" حاله "وظاهره الأمانة" فينزع منه "إن سافر" أي أراد السفر "به" لأنه لا يؤمن أن يسترقه "ويراقب في الحضر" بإذن الحاكم "سرا" لا جهرا "لئلا يتأذى (٢) فإن وثق به فكعدل" فلا ينزع منه ولا يراقب "وللمسلم، والكافر (٣) التقاط كافر" أما في الأولى فلأن المسلم ربما كان سببا لإسلامه وأما في الثانية فلما بين الكافرين من الموالاة، وظاهر أن للذمي ونحوه التقاط الحربي بخلاف العكس.
"فصل: وإن تنازعا" أي اثنان في لقيط "قبل أخذه اختار الحاكم" جعله في يد من شاء "ولو غيرهما" إذ لا حق لهما قبل الأخذ "أو" تنازعا فيه "بعد الأخذ وهما أهل للالتقاط فالسابق" منهما "بالأخذ" أحق (٤) فلا أحقية بالوقوف عليه "فإن استويا" سبقا "قدم الغني" لأنه قد يواسيه بماله ولأن الفقير قد يشغله طلب القوت عن الحضانة "لا الأغنى" فلا يقدم على الغني نعم لو كان أحدهما بخيلا، والآخر جوادا فقياس تقدم الغني أن يقدم الجواد (٥)؛ لأن حظ الطفل عنده أكثر.
"و" قدم "ظاهر العدالة". بالاختبار "على فقير" في مسألة الغني "و" على "مستور" (٦) في مسألة العدالة احتياطا للقيط "ثم" إذا استويا في الصفات "يقرع" بينهما لعدم الأولوية ولا يهايأ بينهما للإضرار باللقيط ولا يترك في يديهما لتعذر أو تعسر الاجتماع على الحضانة ولا يخرج عنهما لما فيه من إبطال حقهما "ولا يقدم مسلم على ذمي" الأولى على كافر "في" لقيط "كافر، والمرأة
стр. 3096
والرجل سواء" (١) في الالتقاط "فيقرع" بينهما بخلاف الحضانة تقدم الأم فيها على الأب؛ لأن المرعي فيها الشفقة وهي في الأم أتم "ولو اختار اللقيط أحدهما" فإنه يقرع بينهما فلا يقدم أحدهما باختيار اللقيط له ولو مميزا بخلاف تخيير الصبي المميز بين أبويه لتعويلهم ثم على الميل الناشئ عن الولادة وهو معدوم هنا قال الأذرعي (٢): والوجه تقديم البصير على الأعمى والسليم على المجذوم والأبرص إن قيل بأهليتهم للالتقاط "ولو آثر أحدهما صاحبه" أي ترك حقه له "قبل القرعة لا بعد جاز" فينفرد به الآخر كالشفيعين بخلافه بعد القرعة لا يجوز كما ليس للمنفرد نقل حقه إلى غيره.
"فصل: وأما أحكامه" أي الالتقاط "فعلى الملتقط" منها "حفظ اللقيط ورعايته" أي تربيته؛ لأن ذلك مقصود الالتقاط "لا نفقته وحضانته" المفصلة في الإجارة؛ لأن فيهما مشقة ومؤنة كثيرة فالمراد بقولهم هنا " وحضانته على الملتقط " حفظه وتربيته لا الحضانة المذكورة "فإن عجز" عن حفظه ورعايته لأمر عرض "فالقاضي" أي فيسلمه له "وله تسليمه إليه" لتبرم، أو غيره "ولو قدر" على ذلك أيضا فتقييد الأصل ذلك بالتبرم جرى على الغالب "ويحرم" عليه "نبذه ورده إلى ما كان" بالاتفاق.
"فرع: لو نقله بسكنى، أو غيرها" كتجارة وزيارة "من بادية إلى قرية" وإن بعدت "أو من قرية" أو بادية "إلى بلد" وإن بعد "جاز" لانتفاء العلة الآتية في قوله "لا عكسه" أي لا يجوز نقله من قرية أو بلد إلى بادية، وإن قربت ولا من بلد إلى قرية كذلك لخشونة عيشهما وفوات العلم بالدين والصنعة فيهما نعم لو قربتا بحيث يسهل المراد منهما جاز النقل إليهما لانتفاء العلة صرح به الأصل "وله نقله" من قرية وبلد "إلى مثلهما" لتقاربهما في المعيشة وتعلم العلوم والصنائع ومثله نقله من بادية إلى مثلها ومحل جواز نقله عند أمن الطريق، والمقصد، وتواصل الأخبار (٣)، وإلا فلا يجوز "وإن وجده بدوي في حلة" من بادية "وأهليّ حلته
стр. 3097
مستقرون بأخرى أقر في يده" لأنها كبلد، أو قرية "وكذا لو تنقلوا" أي كانوا ينتقلون من موضع إلى آخر للنجعة؛ لأن أطراف البادية كمحال البلد الواسع "ويقدم" في التقاط لقيط بلد أو قرية "بلدي، أو قروي" مقيم بها "على ظاعن" يظعن به منهما إلى بادية أو قرية وذكر حكم القرية من زيادته "لا" على ظاعن يظعن به "إلى بلدة" أخرى "بل يستويان" بناء على أنه يجوز للمنفردة نقله إلى بلده "واختار النووي تقديم قروي مقيم بها" أي بالقرية "على بلدي ظاعن" عنها، وإنما يجوز نقله إذا لم يعارضه معارض وما قاله لازم فيما قبلها لا جرم جعلها الرافعي مثلها (١) وما اختاره النووي صرح به ابن كج كما نقله هو عنه لكن منقول الأصحاب في الصور الثلاث أنهما يستويان كما نقله هو تبعا للرافعي "ويقدم حضري على بدوي إن وجداه بهلكة" لأنه لا بد من نقله منها ويستويان فيه إن وجداه بحلة، أو قبيلة أو نحوهما، وإن كان البدوي منتجعا بناء على أنه يقر في يده لو كان منفردا.
"فرع: " "ويحكم بملكه" أي اللقيط "للباسه ومهاده" المفروش تحته "ودثاره" المغطى به من لحاف وغيره "و" لمال "مربوط فيها" كحلي ودراهم "أو" مربوط "عليه" ككيس مربوط بوسطه "والدنانير المنثورة عليه وفوق فراشه وتحته" أي تحت بدنه، أو فراشه "ودار" أو خيمة (٢) وجد "هو فيها وحده" (٣) ولا يعرف لها مستحق وسائر ما يوجد تحت يده واختصاصه وذلك؛ لأن له يدا واختصاصا كالبالغ، والأصل الحرية ما لم يعرف غيرها، وخرج بوحده ما لو كان في الدار لقيطان، أو لقيط وغيره فتكون لهما "وفي" الحكم له بملك "البستان" الذي وجد فيه "وجهان" أحدهما نعم كالدار وثانيهما لا (٤)؛ لأن سكنى الدار
стр. 3098
تصرف، والحصول في البستان ليس تصرفا، ولا سكنى، وقضيته أنه إذا كان (١) يسكن عادة يكون كالدار.
قال في الروضة وطرد صاحب المستظهري الوجهين في الضيعة وهو بعيد وينبغي القطع بأنه لا يحكم له بها وحكى الوجهين فيها الماوردي أيضا قال الأذرعي وقضية كلامه أن المراد بها المزرعة التي لم تجر عادة بسكناها "لا مال" وجد ولو "بقربه" عرفا بحيث يعد مستوليا عليه (٢) فلا يحكم بملكه له نعم إن حكم بإن المكان له كدار فهو له مع المكان كما صرح به النووي في نكته (٣) "بخلاف" الموجود بقرب "البالغ" العاقل فإنه يحكم بملكه له لأن له رعاية "ولا" يحكم له بمال "مدفون تحته" كما في البالغ؛ إذ لا يقصد بالدفن الضم إلى اللقيط نعم إن حكم بأن المكان له فهو له مع المكان كما صرح به الدارمي وغيره (٤).
"ولو شهدت" له "به رقعة" مكتوبة وجدت "في يده" فإنه لا يحكم له به لما مر وهذا هو الموافق لكلام الأكثرين وصحح الغزالي أنه له بقرينة الرقعة قال الإمام ليت شعري ماذا يقول من عول على الرقعة لو دلت على دفين بعيد قال النووي مقتضاه أن يجعله للقيط فإن الاعتماد إنما هو عليها لا على كونه تحته انتهى قال الأذرعي ويحسن أن يفرق بين الدفن القديم، والحديث؛ إذ الحداثة مشعرة بأنه دفن له كالموجود تحت فراشه على وجه الأرض وينبغي أنه إذا وجدت الرقعة في نفس الدفن يقضى له به لقوة القرينة، أو يكون فيه خلاف مرتب وأولى بأنه له ويجب الجزم بأنه لو وجد خيط متصل بالدفين مربوط ببعض بدنه أو ثيابه يقضى له به ولا شك فيه إذا انضمت الرقعة إليه "وهو" أي اللقيط "مع الراكب لدابة مربوطة في وسطه كالقائد مع الراكب" لها فتكون للراكب فقط لتمام الاستيلاء والذي في الأصل عن ابن كج أنها بينهما قال الأذرعي وهو وجه والمذهب الصحيح أن اليد للراكب كما مر آخر الصلح فما صنعه المصنف حسن.
стр. 3099
"فرع: نفقة اللقيط وحضانته" أي مؤنتهما "من ماله" (١) الثابت له بما مر "أو" من غيره مثل "موقوف على اللقطاء (٢)، أو موقوف عليه، أو موصى له" أو لهم "به" أو موهوب له لغناه بذلك "ويقبل له القاضي" من ذلك ما يحتاج إلى القبول "وإلا" أي وإن لم يعرف له مال "ففي بيت المال" من سهم المصالح بلا رجوع كما صرح به في الروضة لخبر أبي جميلة السابق وقياسا على البالغ المعسر بل أولى "فإذا عدم" بيت المال بإن لم يكن فيه مال، أو ثم ما هو أهم كسد ثغر يعظم ضرره لو ترك، أو حالت الظلمة دونه "افترض عليه" الإمام "من أغنياء بلده" (٣) ذكر أغنياء بلده ليس لكونه قيدا بل؛ لأنه الأيسر "فإن تعذر" الافتراض "قسطها" أي النفقة "على الأغنياء" قرضا وجعل نفسه منهم "فإن تعذر" استيعابهم لكثرتهم "فعلى من رآه منهم" يقسطها باجتهاده فإن استووا في اجتهاده تخير "فلو ظهر له سيد" أو قريب "رجع عليه (٤) " واعتبار القريب نقله النووي عن الرافعي، ثم قال وهو غريب ضعيف؛ لأن نفقة القريب تسقط بمضي الزمان.
والمصنف حذفه لهذا لكن أجاب عنه الأذرعي وغيره بإن النفقة وقعت قرضا بإذن الإمام، والحاكم إذا اقترض النفقة على من تلزمه ثبت الرجوع بها ولا تسقط بمضي الزمان كما صرح به النووي وغيره في بابها (٥)، ولو سلم ما قاله فالفرق أن
стр. 3100
اللقيط تعذر معرفة من تلزمه نفقته فإذا بان له قريب وأنفقنا عليه رجعنا بها عليه من غير فرض القاضي للضرورة وقد ذكروا في اللعان أنه إذا ادعى اثنان نسب مولود ووزعنا النفقة عليهما، ثم ظهر أنه ابن أحدهما رجع الآخر عليه بما أنفق وقد صرح بالرجوع على القريب جمع منهم الماوردي والروياني وصاحب التهذيب، والعدة (١)، "أو" ظهر له "مال، أو اكتسبه فالرجوع عليه فإن لم يظهر" له شيء من ذلك "ولا كسب" له "فعلى بيت المال" الرجوع من سهم المصالح؛ لأنه لما وجب الإنفاق عليه منه ابتداء وجب القضاء منه ثانيا واستشكل بأنه إذا لم يظهر مال، ولا كسب له تبين أن النفقة لم تكن قرضا فلا رجوع بها على بيت المال ويجاب بأن كلامهم محله إذا لم نعلم أنه لا شيء له من ذلك فإن علمناه فظاهر أنه لا رجوع (٢) كما لو افتقر رجل وحكم الحاكم على الأغنياء بالإنفاق عليه لا رجوع عليه إذا أيسر كما صرح به في الأنوار.
هذا إن لم يبلغ اللقيط "فإن بلغ فمن سهم المساكين" الشاملين للفقراء أي من سهم المساكين، أو الفقراء "أو الغارمين" بحسب -. ما يراه لا من سهم المصالح هذا تقرير كلامه وهو سهو نشأ من تقديمه بيت المال وزيادته " فإن بلغ "، وعبارة أصله فإن لم يكن شيء من ذلك قضى من سهم المساكين، والغارمين أي لا من سهم المصالح لاغتنائه بذلك وإن حصل في بيت المال مال قبل بلوغه ويساره قضى منه لكن في تقييده هذا بقبل بلوغه نظر واستشكل ما ذكر في المسكين والفقير بأنهما لا يقضى دينهما من ذلك وأجيب بأنه يصرف إليهما قدر كفايتهما، أو ما فوقها فيملكان المصروف، وإذا ملكاه صرف الفاضل عن قدر كفايتهما إلى الدين.
"تنبيه" لو كان ثم وقف على الفقراء هل ينفق على اللقيط منه مقدما على بيت المال ويكون حكمه حكم الموقوف على اللقطاء أو لا.؟ قال السبكي فيه احتمالان عندي أظهرهما الثاني؛ لأنه موصوف بصفة الفقر ولم يتحقق قال الأذرعي ولعل الأول أرجح (٣) إذ لا يشترط في الصرف (٤) إلى من ظاهره الفقر تحققه بل يكفي ظاهر الحال "وللقاضي أن يأذن للملتقط في الإنفاق" على اللقيط
стр. 3101
من مال نفسه إذا احتيج للاقتراض له "ليرجع" به ومثله واجد الضالة كما نقله الأصل عن تصحيح الشيخ أبي حامد "ولو كان له" أي اللقيط "مال استقل الملتقط بحفظه" أي من غير افتقار إلى إذن الحاكم كحفظه اللقيط بل أولى، وظاهر أن محله في العدل (١) الذي يجوز إيداع مال اليتيم عنده نبه عليه الأذرعي وغيره.
"ولا يخاصم لو نوزع فيه" إلا بولاية من القاضي كالمودع "وينفق عليه" منه "بإذن القاضي" إن وجده (٢)؛ لأن ولاية المال لا تثبت لقريب غير الأب والجد فالأجنبي أولى قال الرافعي: واتحاد القابض والمقبض لا يتحقق هنا بل هو كقيم اليتيم يأذن له القاضي في الإنفاق عليه من ماله "فإن استقل" بالإنفاق عليه منه "ضمن كما لو أنفق وديعة يتيم" كانت عنده "عليه" استقلالا نعم إن كان ماله طعاما فقدمه له فأكله فظاهر أنه لا يضمنه (٣) كما في نظيره من الغصب بل أولى "ولو أذن القاضي لغير الملتقط في الإنفاق" عليه منه بالمعروف "فأسرف ضمن الزائد" أو قتر عليه منع منه "وإن كان" قد "سلمه" أي ما أنفق على اللقيط (٤) "إلى الملتقط فقرار" ضمان "الزائد على الملتقط" لحصول التلف في يده "ونزعه" أي مال اللقيط "الحاكم" من الملتقط إن شاء بقرينة ما قدمه من أن للملتقط أن يستقل بحفظ مال اللقيط "والقول قوله" بيمينه "في دعوى إنفاق" عليه "بالإذن" لقدر "لائق" بالحال إذا نوزع فيه "فإن ادعى فوقه" أي اللائق "ضمن الزائد" عليه؛ لأنه مقر على نفسه بتفريطه لكن لو ادعى إنفاق عين صدق لتنقطع المطالبة بها، ثم يضمن كالغاصب إذا ادعى التلف "وإن" وفي نسخة " وإذا " "لم يكن" ثم "قاض أنفق" الملتقط عليه "منه" للضرورة فلا يجب دفعه إلى أمين لينفق عليه "وأشهد" وجوبا بالإنفاق كل مرة كما نقله ابن الرفعة عن القاضي مجلي، وفيه حرج والظاهر خلافه (٥) فإن لم يشهد مع الإمكان ضمن.
стр. 3102
الباب الثاني: في أحكام اللقيط
"وهي أربعة: الأول: في الإسلام فإن وجد" اللقيط "في دار الإسلام" بأن يسكنها المسلمون، وإن كان فيها أهل ذمة "أو كانت للإسلام" (١) بأن فتحها المسلمون وأقروها بيد الكفار أو كانوا يسكنونها، ثم جلاهم الكفار عنها "وفيها مسلم" يمكن أن يكون اللقيط ولده (٢) ولو نفاه، أو كان تاجرا، أو أسيرا "حكم بإسلامه" تغليبا للإسلام وفي مسند أحمد (٣) خبر: "الإسلام يعلو ولا يعلى عليه" (٤) وكلام المصنف يقتضي أن المعطوفة على دار الإسلام ليست دار إسلام وليس مرادا فقد صرح الأصل بإن الجميع دار إسلام "وكذا" يحكم بإسلامه لذلك لو وجد "في دار كفر وفيها مسلم" يمكن أن يكون ولده "وإلا" أي وإن لم يكن فيها مسلم "فكافر" إذ لا مسلم يحتمل إلحاقه به "ولا أثر لعابري السبيل" (٥) من المسلمين كما لا أثر
стр. 3103
للمحبوسين في المطامير.
"فإن كانوا" أي أهل البقعة. "مللا" مختلفة "جعل من أقربهم إلى الإسلام، وإن ادعى ذمي" أو نحوه "نسبه لحقه" وتبعه في الكفر وارتفع ما كنا ظنناه إذ تبعية الدار ضعيفة ولأن الغالب كفر ولد الكافر "لكن إن لم تقم بينة" بذلك "لم يحكم بكفره" (١) وإن لحقه لاحتمال أنه من مسلمة ولأنه حكم بإسلامه فلا يغير بمجرد الدعوى كما في إسلامه بعد البلوغ، ويحال بينهما (٢) كما لو وصف المميز الإسلام، ثم إذا بلغ ووصف الكفر قرر لكنه يهدد لعله يسلم.
"وينفق على" اللقيط "المحكوم بكفره" إذا لم يكن له مال "من بيت المال" إذ لا وجه لتضييعه ولأنه قد ينفعنا بالجزية إذا بلغ هذا ما صححه في الأصل لكن قال الأذرعي وغيره بل الصحيح المنصوص المنع وبه جزم الماوردي وغيره؛ لأن مال بيت المال مصروف لمصالح المسلمين دون المشركين فعليه إن تبرع أحد بنفقته فذاك وإلا جمع الإمام أغنياء أهل الذمة الذين وجد بين أظهرهم وقسط نفقته عليهم قرضا يرجعون بها.
"فصل: يصح الإسلام" أي مباشرته من مكلف "بالنطق" للناطق "والإشارة للعاجز" عن النطق "لا من مجنون وصبي (٣) ولو مميزا" كسائر العقود قالوا ولا تقاس صحته من المميز على صحة سائر العبادات منه لأنها تقع منه نفلا، والإسلام لا يتنفل به وأما صحة إسلام علي ﵁ مع صغره
стр. 3104
فأجيب عنها بأن الأحكام إنما (١) صارت متعلقة بالبلوغ بعد الهجرة في عام الخندق أما قبلها فكانت منوطة بالتمييز، وإذا لم نصحح إسلامه فلا نمنعه من الصلاة والصوم وغيرهما من العبادات قاله الزركشي أخذا من كلام الشافعي (٢).
"ويدخل المميز به" أي بإسلامه مباشرة "الجنة (٣) " قطعا "إذا أسره كما أظهره" ويعبر عنه بصحة إسلامه باطنا لا ظاهرا أي بالنسبة إلى الآخرة دون الدنيا وفي أطفال المشركين إذا ماتوا ولم يتلفظوا بالإسلام خلاف و الأصح أنهم يدخلون الجنة أيضا كما مر "ويحال بينه وبين أبويه" وأهله الكفار "استحبابا" لئلا يفتنوه وطمعا في أن يثبت بعد البلوغ على ما وصفه "فإن بلغ كافرا" بأن وصف الكفر بعد بلوغه "هدد" وطولب بالإسلام "فإن أصر رد إليهما".
"فصل: ويحكم بإسلام صغير وذي جنون ولو طرأ" جنونه "في الكبر تبعا لأحد أبويه (٤) وكذا لسائر أصوله (٥) " وإن لم يكونوا وارثين "كجد أو جدة لأب، أو أم، وإن كان الأقرب حيا" سواء أسلموا قبل العلوق أم بعده؛ لأن
стр. 3105
كلا منهما جزء من مسلم (١) ولو بوسط ولأن التبعية للفرعية وهي لا تختلف بما ذكر، فإن قلت إطلاق ذلك يقتضي إسلام جميع الأطفال بإسلام جدهم آدم ﵇ قلت أجاب السبكي بأن الكلام في جد يعرف النسب إليه بحيث يحصل بينهما التوارث وبأن التبعية في اليهودية والنصرانية حكم جديد لخبر: "وإنما أبواه يهودانه وينصرانه" (٢).
"فصل" في تبعية السابي "وإن سبى مسلم لا ذمي صبيا" أو مجنونا "دون" أحد "أبويه حكم بإسلامه تبعا للسابي" لأنه له عليه ولاية وليس معه من هو أقرب إليه منه فتبعه كالأب قال الإمام: وكأن السابي لما أبطل حريته (٣) قلبه قلبا كليا فعدم عما كان وافتتح له وجود تحت يد السابي وولايته فأشبه تولده -. بين الأبوين المسلمين وسواء أكان السابي عاقلا أم مجنونا بالغا أم صغيرا بخلاف ما لو سباه ذمي لا يحكم بإسلامه؛ لأن كون الذمي من أهل دار الإسلام لم يؤثر فيه ولا في أولاده فكيف يؤثر في مسببه ولأن تبعية الدار إنما تؤثر في حق من لا يعرف حاله ولا نسبه نعم هو على دين سابيه كما ذكره الماوردي (٤) وغيره ولو سباه مسلم وذمي حكم بإسلامه تغليبا لحكم الإسلام ذكره القاضي وغيره "فإن سبي مع أحد أبويه (٥) في جيش واحد تبعه في دينه" وإن اختلف سابيهما (٦) لأن تبعية الأصل
стр. 3106
أقوى من تبعية السابي فكان أولى بالاستتباع ولا يؤثر موت الأصل بعد؛ لأن التبعية إنما تثبت في ابتداء السبي "وإن سبى الذمي الصبي، (١) أو" المجنون "وباعه، أو باعه السابي المسلم" ولو "دون أبويه من مسلم" فيهما "لم يتبعه" أي المشتري "لفوات الوقت" أي وقت التبعية؛ لأنها إنما تثبت ابتداء كما مر ولم تثبت والتصريح بمسألة بيع السابي المسلم من زيادته "وإن بلغ المحكوم بإسلامه تبعا للسابي، أو للأبوين كافرا" بأن وصف الكفر بعد بلوغه "فمرتد" لا كافر أصلي؛ لأن الحكم بإسلامه مجزوم به لكونه على علم منا بحقيقة الحال بخلافه في تابع الدار كما سيأتي لبنائه على ظاهرها. فإذا أعرب عن نفسه بالكفر تبين خلاف ما ظنناه كما لو بلغ وأقر بالرق يقبل، وإن حكم بحريته بناء على الظاهر كما سيأتي وهذا معنى قولهم: تبعية الدار ضعيفة.
"ولا تنقض الأحكام الجارية عليه قبل الحكم بردته من إرث وغيره من الأحكام" حتى لا يرد ما أخذه من تركة قريبه المسلم ولا يأخذ من تركة قريبه الكافر ما حرمناه منه، ولا يحكم بأن إعتاقه عن الكفارة لم يقع مجزئا؛ لأنه كان مسلما ظاهرا وباطنا بخلاف ما إذا قلنا إنه كافر أصلي "فإن مات بعد البلوغ وقبل الإفصاح" بشيء "لم ينقض ما حكم به من" أحكام "إسلامه في الصبا" لذلك بخلاف ما إذا قلنا: إنه كافر أصلي "وإن حكم بإسلامه تبعا للدار فبلغ وأفصح بالكفر فأصلي (٢) " لا مرتد فيقر على كفره، وينقض ما أمضيناه من أحكام
стр. 3107
الإسلام من إرثه من قريبه المسلم ومنع إرثه من قريبه الكافر وجواز إعتاقه عن الكفارة إن كان رقيقا ونحو ذلك مما جرى في الصغر، أو بعد البلوغ وقبل الإفصاح بالكفر "وإن لم يفصح بشيء منه" أي من الكفر "أمضيت عليه الأحكام" أي أحكام الإسلام "الجارية في الصبا" أو بعد البلوغ وقبل الإفصاح كما في المحكوم بإسلامه تبعا لأبيه.
стр. 3108
"الحكم الثاني: الجناية" منه وعليه "فإن جنى اللقيط المحكوم بإسلامه خطأ" أو شبه عمد "فموجبها" بفتح الجيم "في بيت المال" إذ ليس له عاقلة خاصة وماله إذا مات مصروف إليه "أو عمدا وهو بالغ" عاقل "اقتص منه" بشرطه "وإلا" بأن لم يكن بالغا عاقلا "فالدية مغلظة في ماله كضمان ما أتلفه" بناء على أن عمده عمد "ثم" إن لم يكن له مال فهي "في ذمته" إلى أن يجد فإن كان محكوما بكفره فتركته فيء فلا تكون جنايته في بيت المال "وإن قتل خطأ" أو شبه عمد "ففيه دية كاملة" عملا بظاهر الحرية "توضع في بيت المال (١) " كما أن ما عليه يؤخذ منه "وأرش طرف له" يستوفيه الإمام له، وإن كان غير مكلف "وإن قتل عمدا فللإمام أن يعفو" عن قاتله "على مال" إن رأى المصلحة في العفو، وإلا التحق بالحدود المتحتمة "لا مجانا" لأنه على خلاف مصلحة المسلمين.
"و" له "أن يقتص" من قاتله قبل البلوغ؛ لأنه مسلم معصوم "لا بعد البلوغ وقبل الإفصاح بالإسلام" بعد التمكن منه فلا يقتص له صيانة للدم مع احتمال الكفر ولأن حكم التبعية بطل بالبلوغ ولم يثبت الإسلام بالاستقلال فكان شبهة في درء القصاص "بل تجب ديته" لأنه قد سبق الحكم بإسلامه وحريته ولم يثبت الكفر بعده وفارق عدم إيجاب القصاص بأن حقن الدم يحتاط له ما لا يحتاط للمال وما ذكر من أنه لا يقتص له هو ما نص عليه الشافعي كما في البيان وغيره وصححه النووي في تصحيحه وصوبه في المهمات وهو موافق لما صححوه من أنه لا قصاص بقتل المحكوم بإسلامه بتبعية غير الدار فيما ذكر بل أولى كما قاله صاحب البيان. وغيره وبناء الأصل الخلاف (٢) فيه على الخلاف في قتله قبل
стр. 3109
البلوغ لا يلزم منه الاتحاد في التصحيح، وإن كان ظاهره ذلك فالتصحيح فيه من زيادة المصنف "ويقتص لنفسه في الطرف" بقيد صرح به من زيادته بقوله "إن أفصح" بالإسلام بعد بلوغه؛ لأن الاستحقاق في القصاص له وللمسلمين فليس ذلك للإمام؛ لأن اللقيط قد يريد التشفي وقد يريد العفو فلا يفوت عليه بخلافه إذا لم يفصح بالإسلام وتعذرت مراجعته كنظيره في قصاص النفس "فيجلس" قاطع طرفه قبل البلوغ "له إلى البلوغ والإفاقة" من الجنون إن كان مجنونا "ويأخذ الولي" ولو حاكما "لا وصي الأرش لمجنون فقير" لأنه محتاج وليس لزوال علته غاية تنتظر وإنما لم يأخذه الوصي؛ لأن الأخذ إسقاط وليس هو للوصي "لا" لمجنون "غني" لعدم الحاجة "ولا صبي فقير" أو غني؛ لأن لزوال الصبا غاية منتظرة ولعدم الحاجة في الغنى فلو حذف قوله " فقير " كان أولى "فلو أفاق" المجنون بعد أخذ الولي الأرش "ورده ليقتص منع" لما مر من أن أخذ المال عفو وكما لو عفا الولي عن شفعة الصبي للمصلحة فبلغ وأراد الأخذ.
стр. 3110
"الحكم الثالث: النسب" للقيط وهو كسائر المجهولين "فمن استلحق اللقيط لحقه" بلا بينة ولا قافة لأنه أقر بحق فأشبه ما لو أقر بمال ولأن إقامة البينة على النسب مما يعسر ولو لم نثبته بالاستلحاق لضاع كثير من الأنساب "وقد سبقت شروط الاستلحاق في" كتاب "الإقرار" ولا فرق فيه بين الملتقط وغيره "وإن كان المستلحق" له "كافرا" فإنه يلحقه كالمسلم لاستوائهما في الجهات المثبتة للنسب "وكذا عبد أقر ولو بأخ، أو عم (١) كالحر "وسواء صدقه السيد فيما استلحق، أو كذبه" فيه؛ لأنه كالحر في أمر النسب لإمكان العلوق منه بنكاح، أو وطء شبهة ولا عبرة بإضرار السيد بانقطاع الإرث عنه لو أعتقه بدليل أن من استلحق ابنا وله أخ يقبل استلحاقه وما ذكره من اللحوق بإقراره بأخ أو عم هو ظاهر كلام أصله حيث أجرى فيه خلاف استلحاق العبد مع تكذيب سيده له لكنه خلاف ما
стр. 3111
صرحوا به في الإقرار (١) وما هناك هو المعتمد ولا يلزم من إجراء الخلاف في شيء الاتحاد في التصحيح على أن ما هنا منعه البلقيني قال؛ لأنه يلحق النسب بغيره وشرطه أن يصدر من وارث جائز قال: ولعله يتصور (٢) فيما إذا كان حالة موت الجد حرا، ثم استرق لكفره وحرابته فإذا أقر به لحق الميت.
"ولا يسلم" اللقيط "إلى العبد لعجزه عن نفقته" إذ لا مال له "و" عن "حضانته" لأنه لا يتفرغ لها "وإن كان" المستلحق له "عتيقا فأولى" من العبد "بأن يلحقه لاستقلاله بالنكاح والتسري" ومحله بقرينة التعليل في الولد أما في الأخ ونحوه فلا يقبل لما فيه من الإضرار بالولى (٣) وهو ما جزم به في التنبيه وقال الأذرعي: إنه الأظهر وبه جزم القاضي أبو الطيب وغيره فهو والعبد في ذلك سواء "وإن استلحق حر عبد غيره وهو بالغ" عاقل "فصدقه لحقه" ولا عبرة بما فيه من قطع الإرث المتوهم بالولاء، وإن استلحقه وهو صغير، أو مجنون لم يلحقه إلا ببينة كما مر في الإقرار "وإن استلحقه" أي اللقيط "ملتقطه استحب سؤاله عن السبب" كأن يقال له من أين هو لك فربما يتوهم أن الالتقاط يفيد النسب قال الزركشي وينبغي وجوبه (٤) إذا كان ممن يجهل ذلك احتياطا للنسب.
"فرع: لو استلحقته امرأة بلا بينة لم يلحقها" وإن كانت خلية لإمكانها إقامة البينة بالولادة من طريق المشاهدة بخلاف الرجل "أو ببينة لحقها وكذا" يلحق "زوجها إن شهدت" بينتها "بوضعه على فراشه وأمكن" العلوق منه ولا ينتفي عنه إلا بلعان "وإلا" أي وإن لم تشهد بذلك، أو شهدت به لكن لم يمكن العلوق منه "فلا" يلحقه أما الخنثى فيصح استلحاقه على الأصح عند القاضي أبي الفرج الزاز ويثبت النسب بقوله؛ لأن النسب يحتاط له "والأمة" في الاستلحاق "كالحرة" فيصح بالبينة "لكن لا يحكم برق الولد لمولاها باستلحاقها" لاحتمال انعقاده حرا بوطء شبهة.
стр. 3112
"فصل: وإن استلحقه مسلم وكافر أو حر وعبد تساويا (١) " لأن كلا منهما أهل للاستلحاق لو انفرد فلا مزية "ولا تقديم لبينة بيد" لأن اليد إنما تدل على الملك لا على النسب "فإن استلحق اللقيط ذو يد، ثم" استلحقه "آخر لم يلتفت إليه" لثبوت النسب من الأول معتضدا باليد "إلا إن كان الأول هو الملتقط. فإن حكمه سيأتي قريبا" في فرع " ألحقه القائف بأحدهما " "وإن لم يستلحقه ذو اليد إلا وقد استلحقه آخر استويا" فلا يقدم به ذو اليد؛ إذ الغالب من حال الأب أن يذكر نسب ولده ويشهره فإذا لم يفعل صارت يده كيد الملتقط في أنها لا تدل على النسب "فتعتمد البينة" في تقديم أحدهما به "فإن لم تكن بينة، أو" كان لكل منهما بينة و "تعارضتا وأسقطناهما فالقائف" يعرض هو معهما عليه فبأيهما ألحقه لحقه "فإن عدم" بأن لم يوجد على دون مسافة القصر كما ذكره الماوردي وحكاه الرافعي في العدد عن الروياني (٢) "أو تحير، أو ألحقه بهما أو نفاه عنهما انتظرنا بلوغه" فمن انتسب إليه منهما لحق به لما رواه البيهقي بسند صحيح "أن رجلين ادعيا رجلا لا يدري أيهما أباه فقال عمر ﵁ اتبع أيهما شئت" (٣) ولأن طبع الولد يميل إلى والده ويجد به ما لا يجد بغيره فلا يكفي انتسابه وهو صبي ولو مميزا بخلافه في الحضانة فإنه يخير بين أبويه؛ لأن اختياره فيها لا يلزم بل له الرجوع عن الأول لأنه ليس من أهل الأقوال الملزمة بخلاف ما هنا كما سيأتي.
"واعتبرنا" فيه "ميل طبعه الجبلي" فلا يكفي فيه مجرد التشهي "ولا يقبل رجوعه" عن انتسابه لأحدهما "وينفقان عليه" مدة الانتظار "والقرار على من لحقه النسب" فإذا انتسب إلى أحدهما رجع الآخر عليه بما أنفق (٤) إن أنفق بإذن
стр. 3113
الحاكم كما قيده الرافعي في الباب الثاني من العدد "فإن فقد الميل" منه "وقف أمره فإن انتسب إلى ثالث وصدقه لحقه، ثم" بعد انتسابه لأحدهما، أو الثالث "متى وجد قول قائف" بأن ألحقه بغيره "أبطل الانتساب" لأن إلحاقه حجة أو حكم وقضيته أنه لو ألحقه القائف بواحد، ثم انتسب بعد بلوغه لآخر امتنع نقله وهو ظاهر (١)، وإن ذكر فيه في الكفاية وجهين بلا ترجيح "أو وجدت البينة" بعد الانتساب، والإلحاق "أبطلتهما" لأنها حجة في كل خصومة بخلافهما.
"فرع: لو تنازعت امرأتان لقيطا أو مجهولا وأقامتا بينتين تعارضتا وعرض معهما على القائف فلو ألحقه بإحداهما" لحقها (٢) و "لحق زوجها أيضا" فإن لم تكن بينة لم يعرض على القائف لما مر أن استلحاق المرأة إنما يصح معها.
"فرع: " لو "ألحقه القائف بأحدهما ثم بالآخر لم ينقل إليه" لأن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد "نعم من ادعى لقيطا استلحقه ملتقطه عرض معه على القائف فإن ألحقه به عرض مع الملتقط فإن ألحقه به" أيضا "تعذر العمل به" أي بقوله فيوقف، وإن نفاه عنه فهو للمدعي.
"فصل: " لو "ادعى كل" من اثنين واللقيط بيد أحدهما "أنه الملتقط" له "قدم ذو اليد" مع يمينه؛ لأنها تشهد له "فإن استويا" إما "في اليد و" إما في "عدمها فحلفا أو نكلا جعله الحاكم عند أحدهما أو غيرهما" بحسب ما يراه هذا من تصرفه (٣) والذي في الأصل أنهما إن استويا في عدم اليد جعله الحاكم عند من يراه منهما أو من غيرهما، أو فيها وحلفا أو نكلا أقرع بينهما، وإن حلف أحدهما فقط خص به، وإن أقام أحدهما بينة عمل بها "فإن أقام كل" منهما "بينة" وقيدتا بتاريخين مختلفين "فالأسبق تاريخا" منهما مقدم به كما في المال، وإن وقع في الأصل هنا ما يخالفه، سواء أكان بيدهما أم بيد أحدهما، أو لا، ولا، فلو كان بيد أحدهما وأقام بينة وأقام الآخر بينة أنه كان بيده وانتزعه منه قدمت بينة الانتزاع،
стр. 3114
فإن لم يكن سبق بأن أطلقتا، أو أرختا بتاريخ واحد، أو أرخت إحداهما وأطلقت الأخرى سقطتا، وكان لا بينة، ويفارق ما لو استلحقاه ولكل منهما بينة - حيث لا يقدم باليد كما مر، ولا بتقدم التاريخ بأن أقامها أحدهما بأنه بيده منذ سنة والآخر بأنه بيده منذ شهر - بأن اليد وتقدم التاريخ يدلان على الحضانة دون النسب.
стр. 3115
"الحكم الرابع: الحرية" والرق للقيط "فمن ادعى رقه" وهو صغير "أو" ادعى "رق صغير مجهول" رقا وحرية "ولا يدله" عليه "فعليه البينة" لأن الظاهر الحرية فلا يترك إلا بحجة ويخالف دعوى النسب؛ لأن في قبولها مصلحة للصغير وإثبات حق له، وهنا في القبول إضرار به ولأن المدعي نسبه لا نسب له في الظاهر، فليس في القبول ترك أمر ظاهر، والحرية محكوم بها ظاهرا (١) "وكذا" لا يقبل قوله إلا ببينة "إن كانت" له يد وكانت "يد التقاط" لذلك ويخالف المال فإنه مملوك، وليس في دعواه تغيير صفة له بخلاف اللقيط "وإلا". أي وإن لم تكن يده يد التقاط "فالقول قوله (٢) ولو كان" الصغير "مميزا منكرا" عملا بالظاهر من حال المدعي الذي لم يعرف استناد يده إلى سبب لا يقتضي الملك ولا بد من يمينه كما صرح به الأصل لخطر شأن الحرية "فلو بلغ" الصغير "وادعى الحرية لم يقبل منه إلا ببينة" لأنه قد حكم برقه (٣) فلا يرفع ذلك الحكم إلا ببينة "و" لكن "له تحليف السيد" ولو أقر بالرق لغير السيد لم يقبل كما صرح به الأصل، والبالغ المجنون كالصغير فيما ذكر، وإفاقته كبلوغه.
"فرع: " لو "رأى" شخص "في يد إنسان صغيرا يستخدمه وينسبه هو،
стр. 3116
أو غيره (١) إلى ملكه" بأن سمعه الرائي يقول هو عبدي، أو سمع الناس يقولون هو عبده "وشهد له بالملك جاز" له ذلك وقبلت شهادته، وإلا فلا وفارق كما في المهمات سائر الأعيان حيث يجوز فيها الشهادة بمجرد اليد والتصرف الطويلين بأن الاستخدام يقع في الأحرار كثيرا كالأولاد بخلاف التصرف في أعيان أموال الغير فإنه قليل فكان الظاهر أنه ملكه "وإن ادعى نكاح صغيرة تحته لم يحكم به في الصغر" ويفارق نظيره في دعوى الرق كما مر بأن اليد في الجملة دالة على الملك ويجوز أن يولد المملوك مملوكا بخلاف النكاح فإنه طار بكل حال فيحتاج إلى بينة.
"فلو بلغت" ولم تمكنه طائعة "وأنكرت نكاحه قبل قولها" بيمينها "وعليه البينة" فلو حلفت بان أن لا نكاح كما صرح به في نسخة "وإذا شهدت البينة" لملتقط، أو غيره "بملك صغير لم تقبل" شهادتها "حتى تبين سبب الملك من إرث وشراء" ونحوهما لئلا يكون اعتمادها على ظاهر اليد وتكون يد التقاط بخلاف سائر الأموال لأن أمر الرق خطر.
"وكذا" لا تقبل دعوى المدعي حتى يبين سبب الملك "في المدعو" بذلك وقيل يقبل كل من الشهادة والدعوى مطلقا كما في سائر الأملاك والتصريح بالترجيح من زيادته وبه صرح ابن الرفعة وغيره (٢) "فإن شهدت بأنه ولدته أمته" أو أنه ولد أمته "كفى، وإن لم تذكر الملك" أي أنها ولدته مملوكا له، أو في ملكه؛ لأن الغرض العلم بأن شهادتهما لم تستند إلى ظاهر اليد وقد حصل، ولأن الغالب أن ولد أمته ملكه وقيل يشترط ذكر ذلك وصححه النووي في تصحيحه
стр. 3117
على وفق ما يأتي في الدعاوى وفرق ابن الرفعة بينهما بأن ما هنا في اللقيط أي أو نحوه، والمقصود فيه معرفة الرق من الحرية والشهادة بأن أمته ولدته تعرف رقه في الغالب؛ لأن ما تلده الأمة مملوك، وولادتها للحر نادرة فلم يعول على ذلك، والقصد بما في الدعاوى تعيين المالك؛ لأن الرق متفق عليه وذلك لا يحصل بكون أمته ولدته قال في المهمات وفيه نظر قال ابن العماد: والفرق الصحيح أن اليد نص في الدلالة على الملك فاشترط في زوالها ذكر ذلك بخلاف الحكم بحرية الدار فإنه ظاهر. والرق محتمل ولهذا اختلف في وجوب القود على قاتله لاحتمال الرق، وإذا اكتفي بالشهادة المذكورة "فيكفي شهادة أربع نسوة أنه ولدته أمته" أو أنه ولد أمته؛ لأنها شهادة بالولادة "ويثبت الملك ضمنا شهدت به" أيضا "أم لا" كثبوت النسب في ضمن الشهادة بالولادة.
"فرع: ومتى شهدت بينة باليد لمدعي رق اللقيط أنه كان في يده قبل التقاط الملتقط سمعت وثبتت يده، ثم يصدق في دعواه" الرق لما مر أن ذا اليد على الصغير إذا لم يعرف أن يده عن التقاط يصدق في دعوى الرق، وقوله " أنه إلى آخره " بدل من اليد "ولا تسمع" هذه الدعوى (١) "من الملتقط إلا إن أقام البينة على سبب الملك" لأنه إذا اعترف بأنه التقطه فكأنه أقر بالحرية ظاهرا فلا تزال إلا عن تحقيق، وقيل الملتقط كغيره فيما ذكر وترجيح الأول من زيادته ونقله الأصل عن ابن كج عن النص.
"وإذا بلغ اللقيط وقامت بينة برقه فهو عبد" فإن لم يكن تصرف قبل ذلك تصرفا يقتضي نفوذه الحرية كبيع ونكاح فذاك "وإن كان قد تصرف" قبله ذلك التصرف "فكعبد تصرف بغير إذن سيده فينقض" حتى يسترد ما قبضه من زكاة وميراث وما أنفق عليه من بيت المال "ويتعلق ما أنفق عليه من بيت المال برقبته" وكذا ما أتلفه بغير رضا مستحقه كما فهم بالأولى "وإن لم تقم بينة" برقه "لكن أقر" هو "بالرق قبلنا إقراره إن لم يسبق منه اعتراف بالحرية ولم يكذبه المقر له ولم يتصرف" كسائر الأقارير "ومتى سبق منه اعتراف بالحرية، أو" بالرق لكن "كذبه المقر له صار حرا" فلا يقبل إقراره بالرق للمناقضة ولا التزامه في الأولى بإقراره الأول أحكام الأحرار فلا يملك إسقاطها ولأن. الحكم بها بظاهر الدار
стр. 3118
قد تأكد باعترافه فلا يقبل ما يناقضه (١) كما لو بلغ وأفصح بالإسلام ثم وصف الكفر لا يقبل منه ويجعل مرتدا قال البلقيني وينبغي أن يقيد ذلك بما إذا لم يكن في جواب خصومة، وإلا لم يؤثر كما لو قال المشتري لمدعي ملك ما اشتراه على وجه الخصومة: هو ملكي وملك بائعي فله الرجوع على البائع بالثمن إذا ثبت أنه للمدعي وكما لو أنكر شخص الضمان على وجه الخصومة فقامت بينة بضمانه بالإذن فله الرجوع إذا أدى وكما لو أنكر الزوج القذف فقامت به بينة فله اللعان انتهى.
ويجاب بأن الأصحاب لم يعتبروا هذا القيد بدليل مسألتنا فإن دعوى رقه مع الإنكار خصومة ومع ذلك أثر، وبالفرق بين مسألتنا وما استشهد به بأن ما استشهد به فيه بينة فاضمحل بها الإقرار بخلاف مسألتنا "فإذا" الأولى " فلو " "عاد" المكذب له "وصدقه، أو ادعاه غيره وصدقه لم يلتفت إليه" أما في الأولى فلأنه لما كذبه ثبتت حريته بالأصل فلا يعود رقيقا وأما في الثاني فلأن إقراره الأول تضمن نفي الملك عن نفسه لغيره فإذا نفاه الأول خرج عن كونه مملوكا أيضا وصار حرا بالأصل والحرية مظنة حقوق الله تعالى، والعباد فلا سبيل إلى إبطالها بالإقرار الثاني بخلاف نظيره من المال وقضية كلامهم أنه لا تلزمه قيمة نفسه للثاني ويفرق بينه وبين إقرار المرأة (٢) بالنكاح لزيد ثم لعمرو بأن إقراره ليس هو المفوت لحق الثاني بل المفوت له الأصل مع تكذيب الأول له بخلاف إقرار المرأة "وإن سبق منه تصرف" يقتضي نفوذه الحرية "قبل إقراره في" أصل الرق وفي حكمه "المستقبل" مطلقا واستشكل بما لو باع عينا ثم ادعى أنها وقف، أو ملك لغيره فإنه لا يقبل لتعلق حق الغير بها ويجاب بأن عدم القبول إنما هو باعتبار الماضي،
стр. 3119
"وأما" في "الماضي فيقبل فيما يضر به لا بغيره" كما لو أقر بمال على نفسه وعلى غيره فإنه يقبل عليه لا على غيره.
"فروع" ثلاثة: الأول: لو "نكح، ثم أقر بالرق فإن كان أنثى لم ينفسخ النكاح" بل يستمر ويصير كالمستوفى المقبوض؛ لأن انفساخه يضر الزوج فيما مضى سواء أكان الزوج ممن يحل له نكاح الإماء أم لا كالحر إذا وجد الطول بعد نكاح الأمة "لكن للزوج الخيار" في فسخ النكاح "إن شرطت الحرية" فيه لفوات الشرط بخلاف ما إذا لم تشرط، وإن توهمت "فإن فسخ بعد الدخول" بها "لزمه" للمقر له "الأقل من المسمى ومهر المثل" لأن الزائد منهما يضر الزوج ولأن الأقل إن كان هو المسمى فلا يقبل إقرارها عليه بالزائد، أو المهر فقد تزوجت بغير إذن المقر له فلا يستحق أكثر منه، وإن فسخ قبل الدخول فلا شيء عليه "وإن أجاز لزمه المسمى" لأنه الذي لزمه بزعمه ولا تجوز المطالبة به قبل الدخول "وإن كان قد سلمه إليها أجزأه" فلا يطالب به ثانيا.
"فلو طلقها قبل الدخول" ولو بعد الإجازة "سقط" المسمى؛ لأن المقر له يزعم فساد النكاح فإذا لم يكن دخول وجب أن لا يطالب بشيء "وأولادها" الحاصلون من الزوج "قبل الإقرار أحرار (١) " لظنه حريتها و لا يلزمهم قيمتهم لأن قولها غير مقبول في إلزامه، "و" الحادثون "بعده أرقاء" لأنه وطئها عالما برقها (٢)، و لأن العلوق موهوم فلا يجعل مستحقا بالنكاح بخلاف الوطء "و تسلم إلى الزوج تسليم الحرائر" أي ليلا و نهارا و إن تضرر المقر له بذلك لئلا يتضرر الزوج و تختل
стр. 3120
مقاصد النكاح، ويخالف أمر الولد لما مر أنه موهوم "ولو طلقها" بائنا، أو رجعيا ولو "بعد الإقرار" بالرق "اعتدت بثلاثة أقراء" لأن عدة الطلاق حق الزوج "وله الرجعة فيها" إن كان الطلاق رجعيا؛ لأنها فيما إذا طلق قبل الإقرار قد ثبتت بالطلاق فليس له إسقاطها بالإقرار والنكاح بالعكس أثبت له حق الرجعة في ثلاثة أقراء "وتعتد للوفاة كالأمة" أي بشهرين وخمسة أيام سواء أقرت قبل موت الزوج أم بعده في العدة لعدم تضرره بنقصان العدة؛ لأن عدة الوفاة حق الله تعالى ولهذا وجبت قبل الدخول فقبل قولها في نقصها "وإن كان" المقر بالرق "ذكرا انفسخ النكاح" إذ لا ضرر على الزوجة "ولزمه المسمى" إن دخل بها "أو نصفه إن لم يدخل بها" لأن سقوط ذلك يضرها وحينئذ "يؤديه مما في يده، أو" من "كسبه في الحال والاستقبال، ثم" إن لم يوجد فهو باق "في. ذمته" إلى أن يعتق.
الفرع "الثاني: تقتضى ديونه" التي عليه وقت إقراره بالرق "مما في يده" بناء على أن إقراره لا يقبل فيما يضر بغيره في الماضي فلا تقضى من كسبه؛ لأن الديون لا تتعلق بكسب العبد بعد الحجر عليه فيما أذن له فيه بخلاف المهر "فإن نقض" عنها ما في يده "تعلق" باقيها "بذمته" إلى أن يعتق كما تكون جميعها كذلك إذا لم يوجد بيده مال "فإن فضل" بعد قضاء ديونه مما في يده "شيء فللمقر له ولا يبطل بيعه وشراؤه" الكائنان قبل إقراره بالرق بناء على ما ذكر "بل يسلم" في