بتراب مغصوب (١) قال ابن الرفعة عن البندنيجي ولأن اللبس مستوفى به ما شرع للابس لا أنه المجوز للرخصة قال: وبه فارق منع القصر في سفر المعصية إذا المجوز له السفر وما قاله قد يقال يشكل بعدم صحة الاستجمار بالمحترم كما مر ويجاب بأن الحرمة ثم لمعنى قائم بالآلة بخلافها هنا.
"لا مخرقا يصف البشرة" بأن يظهر منها شيء وإن قل فلا يكفي لظهور محل الفرض كما أفاده أيضا قوله: ساترا محل الفرض وإنما لم يلحقوه بالصحيح كما في فدية المحرم لأن المسح نيط بالستر ولم يحصل بالمخرق والفدية بالترفة وهو حاصل به"ولا لفائف" لأنها لا تمنع نفوذ الماء غالبا ولأنه لا يمكن المشي عليها مع سهولة نزعها ولبسها"و" لا"جلدا" لفه على رجله وشده لأنه"لا يسمى خفا" ولا ما في معناه"و" لا"جورب صوفية" وهو الذي يلبس مع المكعب ومنه خفاف الفقهاء والقضاة كما ذكره الصيمري ومحل ذلك بقرينة ما يأتي (٢) إذا لم يمكن التردد فيها للحوائج الآتي بيانها أو لم يمنع نفوذ الماء وهذه واللتان قبلها ذكرها الأصل ثم وهو الأنسب.
"فإن تخرقت ظهارة الخف أو بطانته أو هما ولم يتحاذيا" بخرقيهما
стр. 317
"والباقي" في الثلاثة"صفيق" أي متين"أجزأه" وإن نفذ الماء منه إلى محل الفرض لو صب عليه في الثالثة"وإلا" أي وإن لم يكن الباقي صفيقا أو تحاذى الخرقان في الثالثة"فلا يجزئه" ولو تخرق وتحته جورب يستر محل الفرض لم يكف بخلاف البطانة لأنها متصلة بالخف ولهذا تتبعه في البيع بخلاف الجورب نقله في المجموع عن القاضي أبي الطيب وأقره"وبأن" يكون قويا بأن"يمكن التردد فيه" (١) لا فرسخا ولا مرحلة بل قدر ما يحتاجه المسافر من ذلك"للحوائج" عند الحط والترحال وغيرهما مما جرت به العادة ولو كان لابسه مقعدا والأقرب إلى كلام الأكثرين كما قاله ابن العماد أن المراد التردد فيه لحوائج سفر يوم وليلة للمقيم وسفر ثلاثة أيام بلياليها للمسافر لأنه بعد انقضاء المدة يجب نزعه فقوته تعتبر بأن يمكن التردد فيه لذلك (٢)، "و" بأن"يمنع نفوذ الماء والمطر" (٣) إلى الرجل من غير محل الفرض.
"وإن كان منسوجا فلو تعذر المشي فيه لضيق أو سعة أو ثقل" (٤) أو لضعف كلفائف وجورب صوفية بشرط قدمته"لم يجز" لأنها خلاف الغالب من الخفاف المنصرف إليها نصوص المسح والمراد من الماء ماء الغسل لا ماء المسح لأنه لا ينفذ كما صرح به الإمام وغيره وبتقدير نفوذه فالعبرة بهما معا لا بماء المسح فقط كما زعمه بعضهم مع أن الأولى اعتبار ماء الغسل لأنه المختلف
стр. 318
فيه (١) بخلاف ماء المسح وفي قول المصنف من زيادته والمطر إشارة إليه.
"وإن تأتى المشي في خف حديد أو خشب أو زجاج" (٢) أو نحوها"جاز" كسائر الخفاف"وبأن يكون طاهرا لا نجسا" لعدم إمكان الصلاة فيه وفائدة المسح وإن لم تنحصر فيها فالقصد الأصلي منه الصلاة وغيرها تبع لها ولأن الخف بدل عن الرجل وهي لا تطهر عن الحدث ما لم تزل نجاستها فكيف يمسح على البدل وهو نجس العين.
"فإن تنجس" الخف"ومسح جزءا منه طاهرا جاز واستفاد" به"مس المصحف قبل غسله" والصلاة بعده وهذا من زيادته وهو مقتضى كلام الرافعي في الكلام على كيفية المسح، وصرح به الجويني في التبصرة وصححه البلقيني وغيره وصوبه الأذرعي وغيره لكن قال النووي في مجموعه كصاحبي الاستقصاء والذخائر أن المتنجس كالنجس ثم قال في الكلام على كيفية المسح لو تنجس أسفل الخف بمعفو عنه لا يمسح على أسفله لأنه لو مسحه زاد التلويث ولزمه حينئذ غسله وغسل اليد فحاصل كلامه أنه يمتنع المسح على المتنجس بما لا يعفى عنه (٣) وهو الذي اعتمده كشيخي شيخ الإسلام القاياتي وإنما لم يؤثر النجس المعفو عنه في المسح لأنه لا يؤثر في الصلاة التي هي المقصودة فيكون النجس المعفو عنه مستثنى هنا كما هو مستثنى ثم وبذلك علم أن كلام التبصرة ضعيف أو مؤول وقد أوله شيخنا شيخ الإسلام المذكور آنفا بأن كلامها محتمل بل ظاهر فيما لو طرأت النجاسة بعد المسح وما أول به لا يحتمله كلامها فضلا عن ظهوره فيه كما يعرف بمراجعتها.
"ولو رأى القدم من رأسه" أي الخف"لسعته لم يضر" (٤) لأنه ساتر لمحل
стр. 319
الفرض.
"فرع لو وضع الخف على الجبيرة" أو نحوها"لم يجز" المسح عليه لأنه ملبوس فوق ممسوح فأشبه العمامة"أما الجرموق وهو" في الأصل شيء كالخف فيه وسع يلبس فوق الخف للبرد وأطلق الفقهاء أنه"خف فوق خف" وإن لم يكن واسعا لتعلق الحكم به"فإن لم يصلحا" للمسح"مفردين لم يجز" المسح عليهما ولا على واحد منهما لضعفهما"وإن صلح أحدهما" فقط"مسح عليه" دون الآخر لأنه إن كان الأسفل فظاهر أو الأعلى فالأسفل كاللفافة"فإن صلح الأسفل" فقط"فمسح الأعلى ووصل البلل الأسفل بقصد مسحه أجزأه، وكذا لو قصدهما" إلغاء لقصد الأعلى كما في اجتماع نية التبرد والوضوء"أو لم يقصد واحدا منهما" لأنه قصد إسقاط الفرض بالمسح وقد وصل الماء إليه"لا إن قصد الأعلى فقط" لقصده ما لا يكفي المسح عليه"وإن صلحا جميعا لم يجز" أي المسح"على الجرموق" لورود الرخصة في الخف (١) لعموم الحاجة إليه، والجرموق لا تعم الحاجة إليه نعم إن وصل البلل إلى الأسفل بأن وصل من محل الفرض كان كما لو صلح الأسفل فقط"فإن أدخل يده" مثلا"فمسح الأسفل جاز" كغسل الرجل في الخف.
"فإن تخرق الأسفل وهو على طهارة لبسهما مسح الأعلى" لأنه صار أصلا لخروج الأسفل عن صلاحيته للمسح"أو" وهو"محدث فلا" مسح كاللبس على حدث"أو" وهو"على طهارة المسح فوجهان" قال في الأصل كما ذكرنا في التفريع على القديم أشار به إلى ما قدمه من الطريقين فيما لو لبس الأسفل بطهارة ثم أحدث ومسحه ثم لبس الجرموق فهل يجوز مسحه؟ فيه طريقان إلى آخره وقضيته ترجيح المسح هنا (٢) وعليه اختصر شيخنا أبو عبد الله
стр. 320
الحجازي كلام الروضة قال البغوي: والخف ذو الطاقين غير الملتصقين كالجرموقين قال: وعندي يجوز مسح الأعلى فقط لأن الجميع خف واحد فمسح الأسفل كمسح باطن الخف.
"فصل" في كيفية المسح"ويكفي أدنى مسح بأعلى الخف" من ظاهره (١) لتعرض النصوص لمطلقه كما في مسح الرأس"في محل الفرض" لأنه بدل عن الغسل"لا أسفله وعقبه" وهو مؤخر القدم"وحروفه" لأن اعتماد الرخصة الاتباع ولم يرد الاقتصار على غير الأعلى ويكفي المسح"بيد أو عود" أو غيرهما أو وضع شيء منها مبتلا كما صرح به في الروضة"وكذا غسله وتعريضه للمطر" مثلا حتى قطر عليه.
"ويستحب مسح أعلاه وأسفله وعقبه خطوطا" لما رواه ابن ماجه وغيره "أنه ﷺ مسح على خفيه خطوطا من الماء والأولى في كيفيته أن يضع كفه اليسرى تحت عقبه واليمنى على ظهر أصابعه ويمر اليسرى إلى أطراف أصابعه من أسفل واليمنى إلى الساق مفرجا بين أصابع يديه" لأثر عن ابن عمر رواه البيهقي وغيره ولأنه أسهل وأليق باليمنى واليسرى وتعبير المصنف بقوله: خطوطا أولى من قول أصله ولا يندب استيعابه.
"ويكره غسله" لأنه يعيبه بلا فائدة" (٢) و" يكره"تكرير مسحه" (٣)
стр. 321
لأنه يعرضه للتعيب ولأنه بدل كالتيمم بخلاف مسح الرأس.
"فصل" في حكم المسح "ويستبيح المقيم بمسحه يوما وليلة ما يستبيح بالوضوء و" يستبيح "المسافر" به ذلك "ثلاثة أيام بلياليها إن طال السفر (١) وأبيح" للخبر السابق أول الباب والمراد بلياليها ثلاث ليال متصلة. بها سواء أسبق اليوم الأول ليلته أم لا فلو أحدث في أثناء الليل أو النوم اعتبر قدر الماضي منه من الليلة الرابعة أو اليوم الرابع وعلى قياس ذلك يقال في مدة المقيم "فلو عصى به" أي بالسفر "أو بالإقامة كعبد خالف سيده فيهما ترخص يوما وليلة" إذ غايته في الأول إلحاق سفره بالعدم، وأما الثاني فلأن الإقامة ليست سبب الرخصة.
"وابتداء المدة" أي مدة المسح "من حين يحدث" (٢) أي ينتهي حدثه "بعد لبس الخف" لأن وقت جواز المسح أي الرافع للحدث يدخل به فاعتبرت مدته منه (٣) إذ لا معنى لوقت العبادة غير الزمن الذي يجوز فعلها فيه كوقت الصلاة وغاية ما يصلي المقيم من الصلوات المؤداة ست إن لم يجمع بأن يحدث بعد ما مضى من وقت الظهر مثلا ما يسعها، وقد بقي مثله أو قريب منه فيمسح ويصليها ومن الغد يصليها قبل وقت الحدث وإلا فسبع وغاية ما يصلي المسافر من ذلك ست عشرة إن لم يجمع وإلا فسبع عشرة، وأما المقضيات فلا ينحصر وأفهم كلامه أنه لو توضأ بعد حدثه وغسل رجليه في الخف ثم أحدث كان ابتداء مدته من حدثه الأول وبه صرح الشيخ أبو علي في شرح الفروع.
стр. 322
"فرع من ابتدأ بالمسح في السفر أتم مسح مسافر سواء ألبس في الحضر وأحدث فيه أم لا وسواء سافر بعد خروج الوقت أو قبله" لأن العبرة في المسح بالتلبس به لأنه أول العبادة فلا يضر اللبس والحدث في الحضر (١) ولا خروج الوقت فيه وعصيانه إنما هو بالتأخير لا بالسفر الذي به الرخصة كما لو أخر الصلاة عن وقتها حضرا له أن يقضيها بالتيمم سفرا.
"فإن مسح في حضر ثم سافر أو عكس" أي مسح في سفر ثم أقام "أتم مسح مقيم" (٢) تغليبا للحضر لأصالته فيقتصر على مدته في الأول، وكذا في الثاني إن أقام قبل مضيها فإن أقام بعده لم يمسح ويجزئه ما مضى (٣) وإن زاد على مدة المقيم "وكذا" يتم مسح مقيم "لو مسح أحد الخفين في الحضر" والآخر في السفر لما قلناه وهذا ما صححه النووي وصحح الرافعي أنه يتم مسح مسافر اعتبارا بتمام المسح.
"ولو شك" الماسح في حضر أو سفر "هل انقضت المدة" أو لا "أو" شك المسافر "هل ابتدأ" المسح "في السفر أو في الحضر أخذ بما يوجب الغسل" لأنه الأصل "وإن شك من مسح بعد الحدث هل صلاته الرابعة أم الثالثة لم يثبت الرابعة" أي لم يبرأ منها "وحسب عليه وقتها" فلو أحدث ومسح وصلى العصر والمغرب والعشاء وشك أتقدم حدثه ومسحه أول وقت الظهر وصلاها به أم تأخر إلى وقت العصر ولم يصل الظهر فيلزمه قضاؤها لأن الأصل بقاؤها عليه وتجعل المدة من أول الزوال لأن الأصل غسل الرجل وهذا من زيادته ونقله في المجموع عن الشافعي والأصحاب.
"ولو مسح شاكا" فيما ذكر "وصلى" به "بطلت" (٤) صلاته كمسحه
стр. 323
لتأديتهما على الشك "فإن بان بقاء المدة أعاد المسح" مع الصلاة بخلاف ما لو مسح غير شاك كأن مسح في اليوم الأول واستمر على طهارته إلى اليوم الثالث فله أن يصلي به لأنه صحيح لكن يعيد ما صلاه به على الشك.
"فصل فإن انقضت المدة أو ظهرت الرجل" أو بعضها (١) أو الخرق التي عليها "أو فسد الخف" بأن لم يصلح للمسح "أو انفتح شرجه وهو مصل بطهارة المسح" في الجميع "بطلت" صلاته لبطلان طهر رجليه وإن غسلهما بعد المسح لأنه لم يغسلهما باعتقاد الفرض لسقوطه عنه بالمسح قاله البغوي ثم قال ويحتمل خلافه (٢) "وكفى غسل رجليه" لبطلان بدله وخرج بطهارة المسح طهارة الغسل بأن لم يحدث بعد اللبس أو أحدث لكن توضأ وغسل رجليه في الخف فطهارته كاملة ولا يلزمه شيء وله أن يستأنف لبس الخف في الثانية بهذه الطهارة ذكره في المجموع قال في المهمات وأشار بقوله: وله أن يستأنف إلى وجوب النزع إذا أراد المسح حتى لو كان المقلوع واحدة فقط فلا بد من نزع الأخرى وهو كذلك.
"ولو بقي من المدة ما يسع ركعة أو اعتقد طريان حدث غالب فأحرم بركعتين" فأكثر "انعقدت" صلاته وفي نسخة انعقد أي إحرامه لأنه على طهارة في الحال "وصح الاقتداء به" ولو مع علم المقتدي بحاله "ويفارق" إمامه عند عروض المبطل "وله" فيما إذا أحرم بركعتين فأكثر "الاقتصار على ركعة" (٣). والتصريح بمسألة اعتقاد طريان الحدث من زيادته.
стр. 324
"فإن وجب الغسل لجنابة أو حيض" أو نحوه"وجب النزع" (١)، إن أراد المسح (٢) لخبر صفوان السابق في الجنابة وقيس بها ما في معناها ولأن ذلك لا يتكرر تكرر الحدث الأصغر فلا يشق النزع قال الزركشي ويأتي ذلك في الأغسال المسنونة لوجود المعنى المذكور فيها صرح به صاحب البيان والاستقصاء وغيرهما وما قاله سهو فإن ما قاله هؤلاء إنما هو أن المسح لا يكفي عن الأغسال المسنونة كما لا يكفي عن غسل الجنابة لندرتها"لا لنجاسة أمكن إزالتها" في الخف أي لا يجب النزع لها فلو أزالها فيه فله إتمام المدة لعمد الأمر بالنزع لها بخلاف الجنابة وليست في معناها أما ما لا يمكن إزالتها فيه فيجب النزع لها.
"وللأقطع لبس في السالمة" بلا خلاف"إلا" وفي نسخة لا "إن بقي بعض المقطوعة" فلا يكفي ذلك "حتى يلبسه" أي بعض المقطوعة "خفا ولو كانت إحدى رجليه عليلة" بحيث "لا يجب غسلها لم يجز إلباس الأخرى الخف" ليمسح عليه لأنه يجب التيمم عن العليلة فهي كالصحيحة وهو لو لبس الخف على إحدى الصحيحتين دون الأخرى لم يجز المسح لأنه خلاف المعهود في
стр. 325
مقصود الارتفاع باللبس ولأنهما كعضو واحد خير فيه بين خصلتين فلا يوزع كالكفارة.
стр. 326
"كتاب الحيض"
وما يذكر معه من الاستحاضة والنفاس وترجم الكتاب بالحيض لأنه مع أحكامه أغلب وله عشرة أسماء حيض وطمث وإكبار وإعصار وضحك ودراس وعراك وفراك بالفاء وطمس ونفاس وهو لغة السيلان يقال حاض الوادي إذا سال وشرعا دم جبلة يخرج من أقصى رحم المرأة في أوقات مخصوصة، والاستحاضة دم علة (١) يخرج من عرق فمه في أدنى الرحم يسمى العاذل بالذال المعجمة وحكى ابن سيده إهمالها والجوهري مع إعجامها بدل اللام راء سواء خرج أثر الحيض أم لا كما سيأتي بيانه والنفاس الدم الخارج بعد فراغ رحم المرأة من الحمل كما سيأتي والأصل في الحيض آية ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ أي الحيض وخبر الصحيحين عن عائشة قالت قال رسول الله ﷺ : "في الحيض هذا شيء كتبه الله على بنات (٢) آدم" (٣) وقيل إن أمنا حواء لما أكلت من الشجرة وأدمتها قال الله تعالى لأدمينك كما أدميتيها وابتلاها بالحيض.
"وفيه خمسة أبواب الأول في أحكامه" (٤) وبعض أحكام الاستحاضة والنفاس وقدم عليهما معرفة سنه وقدره وقدر الطهر فقال "والصحيح أن أقل سنه (٥) تسع سنين قمرية" ولو بالبلاد الباردة للوجود لأن ما ورد في الشرع
стр. 327
ولا ضابط له شرعي ولا لغوي يتبع فيه الوجود كالقبض والحرز قال الشافعي أعجل من سمعت من النساء يحيض نساء تهامة يحضن لتسع سنين وقيل أقله أول التاسعة وقيل مضي نصفها "تقريبا" لا تحديدا "فيسامح" قبل تمامها "بما لا يسع حيضا وطهرا" دون ما يسعهما "وأقله" أي زمنا "يوم وليلة" أي قدرهما وهو أربع وعشرون ساعة "وأكثره خمسة عشر" يوما بلياليها "كأقل طهر بعده حيض" للوجود في الثلاثة أيضا ولأن الشهر لا يخلو غالبا (١) عن حيض وطهر فإذا كان أكثر الحيض خمسة عشر لزم أن يكون أقل الطهر كذلك وأما خبر أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة أيام (٢) فضعيف وقضية كلامه أنه لو انقطع نفاسها دون خمسة عشر ثم رأت الدم بعد أكثر النفاس لا يكون زمن الانقطاع طهرا وليس كذلك بل هو طهر والدم بعده حيض فلو عبر كالأصل بقوله أقل طهر بين الحيضتين لسلم من ذلك إذ ذكر الحيضتين للاحتراز عن حيض ونفاس تقدم الحيض عن النفاس أو تأخر عنه فلا يشترط في الطهر بينهما أن يكون خمسة عشر "وغالبه" أي الحيض"ست أو سبع وباقي الشهر غالب الطهر" للخبر الصحيح في أبي داود وغيره "أنه ﷺ قال لحمنة بنت جحش ﵂: "تحيضي في علم الله ستة أيام أو سبعة كما تحيض النساء ويطهرن ميقات حيضهن وطهرهن" (٣) أي التزمي الحيض وأحكامه فيما أعلمك الله من عادة النساء من ستة أو سبعة والمراد غالبهن لاستحالة اتفاق الكل عادة "ولا حد لأكثره" أي الطهر بالإجماع فقد لا تحيض المرأة في عمرها إلا مرة وقد لا
стр. 328
تحيض أصلا "ولو استمرت عادة" لامرأة أو أكثر "تخالف الأقل" من الحيض والطهر "والأكثر" أي أو الأكثر من الحيض "لم تعتبر" تلك العادة لأن بحث الأولين أتم وإحالة ما وقع على علة أقرب من خرق ما مضت عليه العصور "فصل يحرم" على المرأة "به" أي بالحيض"وبالنفاس ما يحرم بالجنابة" من صلاة وغيرها "مع زيادة تحريم الصوم" وعدم صحته (١) للإجماع ولخبر الصحيحين "أليس إذا حاضت المرأة لم تصل ولم تصم" (٢) "وتقضيه" وجوبا"لا الصلاة" لخبر مسلم عن عائشة "كنا نؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة" (٣) ولأنها تكثر فتشق بخلافه ولأن أمرها لم يبن على أن تؤخر ولو بعذر ثم تقضى، بخلاف الصوم فإنه قد يؤخر بعذر السفر والمرض ثم يقضى وهل يحرم قضاؤها أو يكره (٤) فيه خلاف ذكره في المهمات فنقل فيها عن ابن الصلاح والنووي عن البيضاوي أنه يحرم لأن عائشة ﵂ نهت السائلة عن ذلك ولأن القضاء محله فيما إذا أمر بفعله وعن ابن الصباغ والروياني والعجلي أنه يكره بخلاف المجنون والمغمى عليه فيسن لهما القضاء انتهى والأوجه عدم التحريم ولا يؤثر فيه نهي عائشة والتعليل المذكور منتقض بقضاء المجنون والمغمى عليه،
стр. 329
"وذلك" أي وجوب قضاء الصوم"بأمر جديد" من النبي ﷺ فلم يكن واجبا حال الحيض والنفاس لأنها ممنوعة منه والمنع والوجوب لا يجتمعان.
"ويحرم" على زوجها "الطلاق" في ذلك وفي نسخة وتحريم الطلاق أي ومع زيادة تحريم الطلاق لقوله تعالى: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ أي في الوقت الذي يشرعن فيه في العدة وبقية الحيض والنفاس لا تحسب من العدة والمعنى فيه تضررها بطول مدة التربص فإن كانت حاملا لم يحرم طلاقها لأن عدتها إنما تنقضي بوضع الحمل.
"وكذا" يحرم"وطء" في فرجها ولو بحائل"وما" أي واستمتاع "بين السرة والركبة" أي بما بينهما لآية ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ (١) [البقرة: ٢٢٢]، ولخبر أبي داود بإسناد جيد أنه ﷺ سئل عما يحل للرجل من امرأته وهي حائض فقال: "ما فوق الإزار" (٢) وخص بمفهومه عموم خبر مسلم "اصنعوا كل شيء إلا النكاح" (٣) ولأن الاستمتاع بما تحت الإزار يدعو إلى الجماع فحرم لأن من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه (٤) واختار النووي تحريم الوطء فقط لخبر مسلم السابق بجعله مخصصا لمفهوم خبر أبي داود وما قاله الأصحاب أوجه لما فيه من رعاية الأحوط لخبر من حام حول الحمي يوشك أن يقع فيه أما الاستمتاع بما عدا ما بين السرة والركبة ولو بوطء فجائز وسيأتي التصريح به في كلامه قال في المهمات وسكتوا عن مباشرة المرأة للزوج والقياس أن مسها للذكر ونحوه من الاستمتاعات المتعلقة بما بين السرة والركبة حكمه حكم تمتعاته بها
стр. 330
في ذلك المحل واعترض عليه بأنه ليس في الرجل دم (١) حتى يكون ما بين سرته وركبته كما بين سرتها وركبتها فمسها لذكره غايته أنه استمتاع بكفها وهو جائز قطعا وبأنها إذا لمست ذكره بيدها فقد استمتع هو بما فوق السرة والركبة وهو جائز وبأنه كان الصواب في نظم القياس أن يقول كل ما منعناه منه نمنعها أن تلمسه به فيجوز له أن يلمس بجميع بدنه سائر بدنها إلا ما بين سرتها وركبتها ويحرم عليه تمكينها من لمسه بما بينهما وفيما اعترض به نظر (٢) لا يخفى.
"تنبيه" لفظ الاستمتاع هو ما في الشرحين والروضة والمحرر والكفاية وغيرها وهو يشمل النظر واللمس بشهوة وعبر في التحقيق والمجموع بالمباشرة ومقتضاه تحريم اللمس بلا شهوة فبينهما عموم وخصوص من وجه نبه عليه في المهمات والمتجه أن التحريم منوط بالمباشرة ولو بلا شهوة بخلاف النظر ولو بشهوة (٣) وليس هو أعظم من تقبيلها في وجهها بشهوة "ووطؤها في الفرج" عالما عامدا مختارا "كبيرة" كما في المجموع هنا والروضة في الشهادات عن الشافعي "يكفر مستحله" كما في المجموع عن الأصحاب وغيرهم "لا جاهلا" ولا ناسيا ولا مكرها فلا يحرم لخبر "إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" وهو حسن رواه البيهقي وغيره. "ويستحب للواطئ عمدا" أي متعمدا"عالما" بالتحريم والحيض أو النفاس مختارا"في أول الدم وقوته (٤) التصدق
стр. 331
ويجزئ" ولو "على فقير" واحد "بمثقال إسلامي" من الذهب الخالص (١)، "وفي آخره" (٢) أي الدم"وضعفه بنصفه" أي بنصف مثقال كذلك لخبر إذا وقع الرجل أهله وهي حائض إن كان دما أحمر فليتصدق بدينار وإن كان أصفر فليتصدق بنصف دينار (٣) رواه أبو داود والحاكم وصححه وقيس بالحيض النفاس وسواء أكان الواطئ زوجا أم غيره وكالوطء في آخر الدم الوطء بعد انقطاعه إلى الطهر ذكره في المجموع وإنما لم يجب ذلك لأنه وطء محرم للأذى فلا تجب به كفارة كوطء المجوسية واللواط ومحل ذلك في غير المتحيرة أما المتحيرة فلا كفارة بوطئها وإن حرم وقول المصنف في الأول وقوته وفي الثاني وضعفه جرى على الغالب مع أنه لا حاجة إليه (٤) وقوله بمثقال متعلق بالتصدق، وقوله ويجزئ على فقير جملة معترضة والفقير عند انفراده يشمل
стр. 332
المسكين كعكسه وقضية كلامهم تعين الدينار قال الزركشي والظاهر كما قاله ابن الأستاذ (١) أنه لا يتعين بل قدره "فلو أخبرته بالحيض" ولم يمكن صدقها لم يلتفت إليها وإن أمكن"فكذبها لم يحرم" وطؤها لأنها ربما عاندته ومنعت حقه ولأن الأصل عدم التحريم ولم يثبت سببه"بخلاف من علق به طلاقها" فأخبرته به فإنه يقع عليه الطلاق وإن كذبها"لتقصيره" في تعليقه بما لا يعرف إلا من جهتها أما إذا صدقها فيحرم وطؤها وإن لم يكذبها ولم يصدقها فظاهر كلامه حرمة وطئها وظاهر التعليلين السابقين حله (٢) وهو الأوجه للشك ويؤيده قول المجموع لو شك هل حاضت المجنونة أو العاقلة أو لا لم يحرم لأن الأصل عدم التحريم وعدم الحيض ولو اتفقا على الحيض وادعى انقطاعه وادعت بقاءه في مدة الإمكان فالقول قولها (٣) بلا خلاف للأصل ذكره في المجموع وتصريح المصنف بقوله فلو أخبرته إلى آخره من زيادته هنا.
"ولا يكره طبخها و" لا استعمال "ما مسته" من عجين أو ماء أو غيرهما وهذا من زيادته وصرح به القمولي "وله الاستمتاع بباقيها" (٤) أي بما عدا ما بين السرة والركبة بوطء أو غيره ولو بلا حائل وكذا بما بينهما بحائل بغير وطء في الفرج"ولو تلطخ" ذلك"دما" لخبر أبي داود السابق ولخبر الصحيحين عن عائشة "كانت إحدانا إذا كانت حائضا فأراد النبي ﷺ أن يباشرها أمرها أن تتزر ثم يباشرها" (٥) وتعبيره بباقيها (٦) أولى من تعبير أصله بما فوق السرة وتحت الركبة لشموله السرة والركبة.
стр. 333
"ويكره لها عبور المسجد" إن لم تخش تلويثه بالدم وذكر الكراهة من زيادته ونقلها في المجموع عن النص ومحلها إذا عبرت لغير حاجة "فإن خشيت هي أو ذو نجاسة" كمن به سلس بول أو مذي أو استحاضة"تلويثه حرم" عبوره صيانة له عن تلويثه بالنجس وخرج بالمسجد غيره كمصلى العيد والمدرسة والرباط فلا يكره ولا يحرم عبوره على من ذكر.
"ولا تصح طهارتها" بنية التعبد بل وتحرم لتلاعبها "فإن اغتسلت لما لا يفتقر إلى الطهارة كالإحرام والوقوف" بعرفة ومزدلفة "حصلت السنة" لأن الغرض منه التنظيف "ولأنه ﷺ أمر أسماء بنت عميس وكانت نفساء بالاغتسال للإحرام" رواه مسلم (١) وللحيض والنفاس أحكام أخر تذكر في محالها وقد ذكر الأصل هنا بعضها.
"ويرتفع بانقطاعه تحريم الصوم" والطهارة "والطلاق وسقوط الصلاة" لأن تحريم ما عدا الطلاق للحيض أو النفاس وتحريم الطلاق لتطويل العدة وقد زال ذلك بالانقطاع وبقاء الغسل لا يمنع ذلك كالجنابة ويرتفع أيضا عدم صحة طهارتها وتركه المصنف لظهوره "لا الباقي" من تمتع وغيره (٢) كمس مصحف وحمله فلا يرتفع "حتى تغتسل أو تتيمم" أما غير التمتع فلأن المنع منه للحدث وهو باق إلى الطهر وأما التمتع فلآية ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ (٣) [البقرة: ٢٢٢].
стр. 334
"فلو عدمتهما" أي الماء والتراب"صلت" فريضتها لحرمة الوقت"ولم يحل وطؤها" ولا غيره من التمتع المحرم والقراءة ومس المصحف ونحوها.
стр. 335
"فصل" في الاستحاضة
"كل ما لا يعد حيضا ونفاسا" من الدم الخارج من الفرج"فهو استحاضة" (١) سواء اتصل بالحيض أم لا كالمرئي لسبع سنين مثلا وهذا ما صححه في المجموع وقيل هي المتصل خاصة ويسمى غيره دم فساد وعبارة الأصل الاستحاضة قد تطلق على كل دم تراه المرأة غير دم الحيض والنفاس سواء اتصل بالحيض كالمجاوز أكثره أم لا كالذي تراه لسبع سنين مثلا وقد تطلق على المتصل خاصة ويسمى غيره دم فساد ولا تختلف الأحكام في ذلك.
"وهي حدث دائم" كسلس بول ومذي"تصلي معه" المستحاضة"وتصوم وتوطأ والدم يجري" كسائر الأحداث الدائمة قال الزركشي لكن ينبغي منعها من صوم النفل لأنها إن حشت فرجها أفطرت وإلا فقد ضيعت فرض الصلاة بخلاف صوم الفرض لأنها مضطرة إليه وما قاله قوي لكن ظاهر كلامهم يخالفه (٢).
"وتستبيح بالوضوء فرضا" واحدا "ونوافل كالتيمم" بجامع أن كلا لا يرفع الحدث ولأنه ﷺ قال لفاطمة بنت أبي حبيش: "توضئي لكل صلاة" رواه الترمذي وقال حسن صحيح (٣) وظاهر كلام المصنف أنها تستبيح النوافل في الوقت
стр. 336
وبعده وبه صرح في الروضة فقال والصواب المعروف أنها تستبيح النوافل مستقلة وتبعا للفريضة ما دام الوقت باقيا وبعده أيضا على الأصح لكنه خالف ذلك في أكثر (١) كتبه فصحح في التحقيق وشرحي المهذب ومسلم أنها لا تستبيحها بعد الوقت وفرق بينها وبين التيمم بأن حدثها متجدد ونجاستها متزايدة وإنما تستبيح ما ذكر"إن احتاطت قبله" أي قبل الوضوء أو بدله"بغسل الدم (٢) والشد والتلجم" بأن تشد بوسطها خرقة أو نحوها كالتكة وتتلجم بأخرى مشقوقة الطرفين تجعل أحدهما قدامها والآخر وراءها وتشدهما بتلك الخرقة.
"فإن احتاجت" في دفع الدم أو تقليله"حشوه بقطن" (٣) أو نحوه"وهي مفطرة ولم تتأذ به وجب" عليها الحشو قبل الشد والتلجم وتكتفي به إن لم تحتج إليهما كما صرح به الأصل فإن كانت صائمة أو تأذت باجتماع الدم لم يلزمها الحشو بل يلزم الصائمة تركه وإنما حافظوا على صحة الصوم هنا لا على صحة الصلاة عكس ما فعلوه فيمن ابتلع بعض خيط قبل الفجر وطلع الفجر وطرفه خارج لأن الاستحاضة علة مزمنة (٤) فالظاهر دوامها فلو راعينا الصلاة
стр. 337
هنا لتعذر قضاء الصوم للحشو ولأن المحذور هنا لا ينتفي بالكلية فإن الحشو يتنجس وهي حاملته بخلافه ثم وتجب المبادرة بالوضوء أو بدله عقب الاحتياط المذكور وإن كان قوله قبله لا يفيد ذلك إلا أنه أقرب للغرض من عطف الأصل له بثم المفيدة للتراخي.
"وذو السلس يحتاط مثلها" أي مثل المستحاضة بأن يدخل قطنة في إحليله فإن انقطع وإلا عصب مع ذلك رأس الذكر"فإن كان" السلس"منيا فبالغسل" لكل فرض يحتاط والتصريح بهذا من زيادته ولو حذف يحتاط وأخر قوله: وذو السلس مثلها إلى آخره إلى فراغه من أحكام المستحاضة كان أخصر وأفيد.
"وتتوضأ" المستحاضة"بعد دخول الوقت" (١) أي وقت الصلاة ولو نافلة لا قبله كالمتيمم قال الزركشي أطلقوا الوضوء وينبغي وجوب الاقتصار على مرة وامتناع التثليث مبادرة للصلاة قال ويشهد له مسألة استمساك البول بالقعود وستأتي فإذا سامحوا في فرض القيام لحفظ الطهارة ففي التثليث المندوب أولى وما قاله ممنوع ويفرق بأن ما هناك يدفع الخبث أصلا وما هنا يقلله.
"وتجدد" وجوبا"الاحتياط لكل فرض (٢) ولو لم تزل العصابة" تقليلا للنجس كالوضوء تقليلا للحدث"كما لو انتقض طهرها" بخروج بول أو ريح أو نحوه فإنها تجدد الاحتياط قبل الوضوء"وتبادر" وجوبا بعده "بالصلاة" تقليلا للحدث بخلاف المتيمم.
"وتمهل لأذان وستر وسائر أسباب الصلاة" أي مصالحها "كانتظار
стр. 338
الجماعة" والاجتهاد في القبلة وإن خرج الوقت (١) لأنها غير مقصرة بذلك قال في المجموع وحيث وجبت المبادرة قال الإمام ذهب ذاهبون من أئمتنا إلى المبالغة واغتفر آخرون الفصل اليسير وضبطه بقدر ما بين صلاتي الجمع وقد استشكل التمثيل بأذان المرأة بأنه غير مشروع لها وأجيب بحمله على الإجابة (٢) وبأن تأخيرها للأذان لا يستلزم أذانها.
"فلو أخرت" صلاتها عن الوضوء"بلا سبب" من أسباب الصلاة كأكل وغزل"بطل" وضوءها فتجب إعادته وإعادة الاحتياط لتكرر الحدث والنجس مع استغنائها عن احتمال ذلك بقدرتها على المبادرة
"وخروج الدم بلا تقصير" منها "لا يضر فإن كان" خروجه "بتقصير في الشد ونحوه" كالحشو "بطل وضوءها و" كذا "صلاتها" إن كانت في صلاة وقوله ونحوه من زيادته.
"ويبطل" وضوءها أيضا"بالشفاء" وإن اتصل بآخره "وبانقطاع يسع الطهارة (٣) والصلاة" لزوال الضرورة مع أن الأصل عدم عود الدم والمراد ببطلانه بذلك إذا خرج منها دم في أثنائه أو بعده وإلا فلا يبطل.
"فإن انقطع" عنها "وعادته العود قبل إمكان الوضوء والصلاة" (٤) أو أخبرها بعوده كذلك ثقة"صلت" اعتمادا على العادة أو الإخبار وشمل كلامه كغيره ما لو كان عادته العود على ندور وهو ما نقله الرافعي عن مقتضى كلام
стр. 339
معظم الأصحاب (١) ثم قال ولا يبعد أن تلحق هذه النادرة بالمعدومة وهو مقتضى كلام الغزالي.
"فإن امتد" الانقطاع زمنا يسع الوضوء والصلاة "أعادت" هما لتبين بطلان الوضوء "أو" انقطع ولو في الصلاة و "عادته العود بعد إمكانهما أو لم تعتد انقطاعه" وعوده "ولم يخبرها ثقة بعوده كذلك أمرت بالوضوء" لأن الأصل عدم عوده "فلو خالفت وصلت" بلا وضوء "لم تنعقد صلاتها سواء امتد" الانقطاع "أم لا" لشروعها مترددة في طهرها "فلو عاد" الدم"فورا لم يبطل وضوءها" إذ لم يوجد الانقطاع المغني عن الصلاة بالحدث والنجس.
"ومن اعتادت انقطاعه في أثناء الوقت ووثقت" بانقطاعه فيه بحيث تأمن الفوات "لزمها انتظاره" لاستغنائها حينئذ عن الصلاة بالحدث والنجس"وإلا" أي وإن لم تثق بانقطاعه على ما ذكر "قدمت" جوازا صلاتها قال في الروضة فإن كانت ترجو انقطاعه آخر الوقت فهل الأفضل أن تعجلها أول الوقت أم تؤخرها إلى آخره وجهان في التتمة بناء على القولين في مثله في التيمم وحذفه المصنف اكتفاء بما قدمه ثم لكن صاحب الشامل جزم بوجوب التأخير قال الزركشي وهو الوجه كما لو كان على بدنه نجاسة ورجا الماء آخر الوقت فإنه يجب التأخير عن أول الوقت لإزالة النجاسة فكذا هنا (٢).
"وطهارتها مبيحة" للصلاة وغيرها "لا ترفع حدثا" وقيل ترفعه وقيل ترفع الماضي دون غيره والمذهب في الروضة الأول لكن الأكثرون على الثالث كما في المجموع في باب الوضوء حيث قال الأشهر التفصيل بين الماضي وغيره وقال في التنقيح قطع به الأكثرون لكنه قال الأصح دليلا الأول وفي المجموع هنا مثله نبه على ذلك في المهمات ثم قال فظهر خطأ تعبيره بالمذهب.
стр. 340
"ولو استمسك السلس بالعقود" دون القيام "صلى قاعدا" (١) حفظا للطهارة "ولا إعادة" عليه قال في المجموع وذو الجرح السائل كالمستحاضة في الشد وغسل الدم لكل فرض.
стр. 341
"الباب الثاني في" بيان"المستحاضات" غير الناسية المعقود لها باب فيما يأتي.
"وهن أربع" لأن التي جاوز دمها أكثر الحيض إما مبتدأة أو معتادة وكل منهما إما مميزة أو غير مميزة فهن أربع"الأولى مبتدأة مميزة وهي ذات قوي وضعيف" لم يسبق لها حيض وطهر"فالحيض" في حقها"القوي" وغيره استحاضة تقدم القوي أو تأخر أو توسط لخبر الصحيحين "أن فاطمة بنت أبي حبيش ﵂ قالت للنبي ﷺ إني أستحاض أفأدع الصلاة فقال: "لا إنما ذلك عرق وليست بالحيضة فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي" (٢) ولخبر ابن حبان وغيره وصححوه أنه ﷺ قال لها: "إن دم الحيض أسود يعرف فإذا كان كذلك فدعي الصلاة وإذا كان الآخر فاغتسلي وصلي" (٣) هذا"إن لم ينقص" أي القوي"عن أقله" أي الحيض"ولم يجاوز أكثره" ليمكن جعله حيضا"ولم ينقص الضعيف عن خمسة عشر ولاء" ليمكن جعله طهرا فلو رأت الأسود يوما فقط أو ستة عشر
стр. 342
أو الضعيف أربعة عشر أو رأت أبدا يوما أسود ويومين أحمر فكغير المميزة وإنما تفتقر إلى القيد الثالث إذا استمر الدم قاله المتولي للاحتراز عما لو رأت عشرة سوادا ثم رأت عشرة حمرة أو نحوها وانقطع الدم فإنها تعمل بتمييزها مع أن الضعيف نقص عن خمسة عشر وهذا معلوم.
"والقوة" لون وثخانة (١) ونتن وسبق كما بينها مع بيان الأقوى لونا بقوله"سواد ثم حمرة ثم شقرة ثم صفرة (٢) والثخانة والنتن" أي الرائحة"فما جمع من هذه القوى" الثلاث"أكثر فهو القوي فإن استويا" في الصفات كأن كان أحدهما أسود بلا ثخن ونتن والآخر أحمر بأحدهما أو كان الأسود بأحدهما والأحمر بهما"اعتبر السبق" لقوته"وإن اجتمع قوي وضعيف وأضعف فالقوي مع ما يناسبه" في القوة"منهما" الأخصر والأوضح مع الضعيف لكن فيما عبر به تنبيه على المأخذ"حيض بشروط" ثلاثة"وهي أن يتقدم القوي وأن يتصل به المناسب" أي الضعيف"وأن يصلحا معا" للحيض بأن لا يزيد مجموعهما على أكثره،
"كخمسة سوادا ثم خمسة حمرة ثم أطبقت الصفرة فالأولان حيض" وترجيح كون الثاني منهما حيضا من زيادته وهو ما رجحه الرافعي في الشرح الصغير والنووي في التحقيق والمجموع وحكى فيه الأصل طريقين بلا ترجيح أحدهما ما ذكر إلحاقا له بالقوي لأنهما قويان بالإضافة إلى ما بعدهما والثاني وجهان أحدهما ما ذكر والثاني إلحاقه بالضعيف بعده احتياطا للعبادات.
"وإن لم يصلحا معا" للحيض"كعشرة سوادا وستة حمرة" ثم أطبقت الصفرة أو صلحا لكن تقدم الضعيف كخمسة حمرة ثم خمسة سوادا ثم
стр. 343
أطبقت الصفرة أو تأخر لكن لم يتصل الضعيف بالقوي كخمسة سوادا ثم خمسة صفرة ثم أطبقت الحمرة "فالحيض السواد فقط" والثلاث مفهومة من كلامه السابق فتصريحه بالأولى منها إيضاح وكان الأولى التصريح بالثلاث أو ترك التصريح أصلا لئلا يقع إيهام وما ذكرته في الثالثة هو ما صرح به الروياني وصححه النووي في تحقيقه وشراح الحاوي الصغير لكنه في المجموع كالأصل جعلها (١) كتوسط الحمرة بين سوادين وقال في تلك لو رأت سوادا ثم حمرة ثم سوادا كل واحد سبعة أيام فحيضها السواد الأول مع الحمرة.
"فإن رأت" مبتدأة"خمسة عشر حمرة ثم مثلها سوادا تركت الصلاة" وغيرها مما تتركه الحائض كالصوم "شهرا ثم إن استمر الأسود فلا تمييز لها وحيضها يوم وليلة من أول كل شهر وقضت الصلاة" والصوم قال في الأصل ولا تتصور مستحاضة تؤمر بترك الصلاة أحدا وثلاثين يوما إلا هذه وأورد عليه (٢) إنها قد تؤمر بالترك أضعاف ذلك كما لو رأت كدرة ثم صفرة ثم شقرة ثم حمرة ثم سوادا من كل خمسة عشر فتؤمر بالترك في جميع ذلك لوجود العلة المذكورة في الثلاثين وهي قوة المتأخر على المتقدم مع رجاء انقطاعه وأجيب عنه بأنهم إنما اقتصروا على المدة المذكورة لأن دور المرأة غالبا شهر والخمسة عشر (٣) الأولى ثبت لها حكم الحيض بالظهور فإذا جاء بعدها ما ينسخها للقوة رتبنا الحكم عليه فلما جاوز خمسة عشر علمنا أنها غير مميزة أما المعتادة فيتصور كما قال البارزي أن تترك الصلاة خمسة وأربعين يوما بأن تكون
стр. 344
عادتها خمسة عشر من أول كل شهر فرأت من أول شهر خمسة عشر حمرة ثم أطبق السواد فتؤمر بالترك في الخمسة عشر الأولى أيام عادتها وفي الثانية لقوتها رجاء استقرار التمييز وفي الثالثة لأنه لما استمر السواد تبين أن مردها العادة.
"فرع المبتدأة المميزة وغير المميزة والمعتادة" كذلك"يتركن الصلاة" وغيرها مما تتركه الحائض"بمجرد رؤية الدم" لأن الظاهر أنه حيض (١) فيتربصن"فإن انقطع لدون يوم وليلة فليس بحيض في حقهن" لتبين أنه دم فساد فيقضين الصلاة والصوم فإن كن صائمات بأن نوين قبل وجود الدم أو علمهن به أو لظنهن أنه دم فساد أو لجهلهن بالحكم صح بخلاف ما لو نوين مع العلم بالحكم لتلاعبهن"أو انقطع" ليوم وليلة فأكثر لكن"لدون" أقل من"خمسة عشر (٢) يوما فالكل حيض ولو" كان"قويا وضعيفا" وإن تقدم الضعيف على القوي"فإن جاوز الخمسة عشر ردت كل" منهن"إلى مردها" وهو للأولى الدم القوي وللثانية يوم وليلة وللثالثة دمها القوي أو عادتها"وقضت" كل منهن صلاة وصوم"ما زاد" على مردها"ثم في الشهر الثاني" وما بعده "يتركن التربص ويصلين" ويفعلن ما تفعله الطاهرة فيما زاد على مردهن لأن الاستحاضة علة مزمنة فالظاهر دوامها "فإن شفين في دور قبل" مجاوزة "الأكثر" من الحيض"كان الجميع حيضا" كما في الشهر الأول "فيعدن الغسل" لتبين عدم صحته لوقوعه في الحيض وأفهم قوله يتركن التربص ويصلين ما صرح به أصله من أنهن لا يأثمن بالصوم والصلاة والوطء فيما وراء المرد وإن كان قد وقع في الحيض لجهلهن والمراد بالضعيف الضعيف المحض فلو بقي خطوط قوى فقوي كما ذكره بقوله "وما فيه خطوط سواد عد سوادا".
المستحاضة"الثانية مبتدأة غير مميزة لفقد شرطه" أي حكم التمييز"أو اتحاد صفته" أي الدم"فإن لم تعرف ابتداءه فكمتحيرة" وسيأتي حكمها "وإن عرفت" هـ"فحيضها" في كل شهر"يوم وليلة من أوله" أي الدم وإن
стр. 345
كان ضعيفا لأن ذلك هو المتيقن وما زاد مشكوك فيه فلا يحكم بأنه حيض (١) وأما خبر حمنة تحيضي في علم الله ستة أو سبعة فذاك لكونها كانت معتادة على الراجح ومعناه ستة إن اعتدتها (٢) أو سبعة كذلك أو لعلها شكت هل عادتها ستة أو سبعة فقال ستة إن لم تذكري عادتك أو سبعة إن ذكرت أنها عادتك أو لعل عادتها كانت تختلف فيهما فقال ستة في شهر الستة وسبعة في شهر السبعة"وطهرها تسعة وعشرون" تتمة الشهر ليتم الدور ثلاثين مراعاة لغالبه وإنما لم نحيضها الغالب احتياطا للعادة ونص على أن طهرها ذلك لدفع توهم أنه أقل الطهر أو غالبه وإنه يلزمها الاحتياط فيما عدا أقل الحيض إلى أكثره كما قيل بكل منهما وإنما لم يقل وطهرها بقية الشهر لأن الشهر قد يكون ناقصا فنص على المراد "إلا إن طرأ" لها في أثناء الدم "تمييز فإنها تعود إليه" نسخا لما مضى بالتنجيز المستحاضة.
"الثالثة معتادة غير مميزة فترد إليها" أي إلى عادتها "قدرا ووقتا" لأن امرأة كانت تهراق الدم على عهد رسول الله ﷺ فاستفتته لها أم سلمة فقال: "لتنظر عدد الأيام والليالي التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها فلتدع الصلاة قدر ذلك من الشهر فإذا خلفت ذلك (٣) فلتغتسل ثم لتستثفر بثوب ثم لتصل" رواه الشافعي وغيره بأسانيد صحيحة على شرط الشيخين (٤).
وتهراق بضم التاء وفتح الهاء أي تصب والدم منصوب بالتشبيه بالمفعول به أو بالتمييز على مذهب الكوفي ذكره في المجموع قال الزركشي ولا حاجة
стр. 346
لهذا التكلف وإنما هو مفعول به والمعنى تهريق الدم قاله السهيلي وغيره قالوا لكن العرب تعدل بالكلمة إلى وزن ما هو في معناها وهي في معنى تستحاض وتستحاض على وزن ما لم يسم فاعله.
"وتثبت" العادة إن لم تختلف"بمرة" فلو حاضت في شهر خمسة ثم استحيضت ردت إليها للخبر السابق"فإن كانت تحيض" في كل شهر"خمسة فحاضت في شهر ستة ثم استحيضت في الشهر الثاني فحيضها الست" للخبر ولأن الظاهر أنها فيه كالذي يليه لقربه إليها فهو أولى مما انقضى"فإن اختلفت عادتها وانتظمت بأن كانت تحيض في شهر ثلاثة مثلا (١) و" في"الثاني خمسة" مثلا"و" في"الثالث سبعة" مثلا "و" في"الرابع ثلاثة و" في"الخامس خمسة و" في"السادس سبعة فهذا الدوران يثبت بمرة" نشأ من عادة تثبت بمرتين والعادة المختلفة إنما تثبت بمرتين سواء انتظمت عادتها كما ذكر أم على وجه آخر كأن ترى خمسة ثم ثلاثة ثم سبعة ثم تعود الخمسة وسواء أرأت كل قدر مرة كما ذكر أم أكثر كأن ترى في شهرين ثلاثة ثلاثة ثم في شهرين خمسة خمسة ثم في شهرين سبعة سبعة.
"ويتفق" أي وأقل ما يحصل"ما ذكرناه" من المثال"في ستة أشهر فإن استحيضت" بعد الدوران المذكور "في شهر بنت" أمرها "عليه" فلو استحيضت في السابع ردت إلى الثلاثة أو في الثامن فإلى الخمسة أو في التاسع فإلى السبعة "فإن لم تدر" بضم الدال دورا ثانيا على النظم السابق"بأن استحيضت في الدور الرابع" مثلا "ردت إلى السبع" لا إلى العادات السابقة "فلو نسيت كيفية الدوران فقط" أي دون العادات "حيضناها في كل شهر ثلاثة" لأنها المتيقن "وتحتاط إلى آخر أكثرها" أي أكثر العادات"وتغتسل آخر كل نوبة" لاحتمال الانقطاع عنده.
"فلو كان الاختلاف" للعادات"غير منتظم" بأن تتقدم هذه مرة وهذه
стр. 347
مرة "ردت إلى ما قبل شهر الاستحاضة إن ذكرته" بناء على ثبوت العادة بمرة "ثم" بعد ردها إلى ذلك "تحتاط إلى آخر أكثرها" أي أكثر العادات إن لم يكن هو الذي قبل شهر الاستحاضة "وإن نسيته" أي ما قبل الشهر"فكالأولى" أي فكالناسية لكيفية الدوران فقط فتحيض في كل شهر ثلاثة وتحتاط إلى آخر أكثر العادات. "وإن كانت تحيض خمسة أول كل شهر فحاضت في شهر أربعة أو أقل أو أكثر" من خمسة"ثم استحيضت فيما بعده ردت إليه" لأنه ناسخ لما قبله وهذا يغني عن قوله فيما مر فإن كانت تحيض خمسة إلى آخره ولو قال هنا فحاضت في شهر أقل من خمسة أو أكثر كان أولى وأخصر وهذه تسمى المنتقلة"وإن لم يتغير" عليها"إلا الوقت" وتسمى المنتقلة أيضا"فحاضت" في دور"الخمسة الثانية ردت إليها وكان" أي وصار"دورها" بتأخر الحيض"خمسة وثلاثين إن تنقلت" عن الدور الثاني بأن حاضت في الدور الثالث الخمسة الثالثة وهكذا "أو استحيضت" في الثاني سواء تكرر ذلك أم لا وكلامه يفهم إنها لو لم تنتقل ولا استحيضت في الثاني بأن استحيضت في الأول لا يكون دورها خمسة وثلاثين بل ثلاثين وهو كذلك لكنها تخرج عن كونها تغير عليها الوقت فلو قال بدل ذلك سواء انتقلت أم استحيضت في الثاني لسلم من ذلك وفي نسخة بدل قوله إن تنقلت أو استحيضت فإن تكرر هذا ثم استحيضت بأن حاضت في الدور الآخر الخمسة الثالثة وهكذا ردت إليه فتحيض أول الدم خمسة وتطهر ثلاثين وهذه النسخة هي الموافقة لكلام الأصل لكنها توهم أن عدم التكرر يخالف ذلك وهو وجه و الأصح أنه لا فرق فلو قال وهكذا إن لم يتكرر لسلم من ذلك ووفى بكلام أصله "وإن حاضت الخمسة الأولى" وطهرت عشرين"ثم" حاضت"الخمسة الأخيرة ثم طهرت عشرين ثم استحيضت حيضناها خمسة" من أول الدم المستمر"وطهرها عشرون بعده وهكذا" وصار دورها بالتقدم خمسة وعشرين"وإن لم تطهر" بعد الخمسة الأخيرة "بل استمر الدم حيضناها أيضا خمسة من أوله وصار دورها خمسة وعشرين بل لو لم تطهر" بعد الخمسة الأخيرة "إلا أربعة عشر
стр. 348
ثم استحيضت كملنا الطهر بيوم وصار دورها عشرين وحيث أطلق شهر الاستحاضة فهو ثلاثون"يوما.
المستحاضة"الرابعة المعتادة المميزة" الأنسب ببقية الأقسام معتادة مميزة"فيقدم التمييز على العادة" إن لم يتوافقا ولم يتخلل بينهما أقل الطهر كأن رأت ذات تمييز عشرة سوادا ثم حمرة مستمرة فحيضها العشرة لخبر دم الحيض أسود يعرف ولأن التمييز علامة في الدم والعادة علامة في صاحبته ولأنه علامة حاضرة (١) والعادة علامة انقضت وإن تخلل بينهما أقل الطهر كأن رأت بعد خمستها عشرين ضعيفا ثم خمسة قويا ثم ضعيفا فقدر العادة حيض للعادة والقوي حيض آخر لأن بينهما طهرا كاملا.
"وتثبت العادة بالتمييز حال الاستحاضة كمبتدأة استحيضت مميزة ثم زال التمييز" كأن رأت مرتين فأكثر خمسة سوادا ثم خمسة وعشرين حمرة ثم استمر أحدهما فعادتها بالتمييز خمسة من أول كل شهر فترد إليها عند زواله فإن لم تر ذلك إلا مرة واحدة كأن رأت خمسة سوادا ثم ضعيفا واحدا كحمرة مستمرة فما بعد القوي طهر واحد وإن طال زمنه كما ذكره الأصل في أوائل هذا الباب لأنه لم يستقر لها بذلك مع الحيض طهر مميز عن الدم المستمر وإن انقطع الضعيف آخر الشهر مثلا ثم أطبق السواد ردت من أوله إلى الخمسة. وبذلك مع ما مر قريبا علم أن عادة التمييز تثبت بمرة في المعتادة والمبتدأة "والصفرة والكدرة" أي كل منهما"حيض ونفاس" ولو في غير عادتهما لأن ذلك أذى فشملته الآية ولأنه هو الأصل فيما تراه المرأة (٢) في زمن الإمكان وقول أم عطية كنا لا نعد الصفرة والكدرة شيئا معارض بقول عائشة لما كانت النساء (٣) يبعثن إليها بالدرجة فيها الكرسف فيه الصفرة من دم الحيض
стр. 349
تقول لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء تريد بذلك الطهر من الحيضة رواه مالك وذكره البخاري تعليقا بصيغة الجزم (١).
والدرجة بضم الدال وإسكان الراء وبالجيم وروي بكسر الدال وفتح الراء وهي خرقة أو قطنة أو نحوهما تدخلها المرأة فرجها ثم تخرجها لتنظر هل بقي شيء من أثر الدم أم لا والكرسف القطن فحاصل ذلك أنها تضع قطعة في أخرى أكبر منها أو في خرقة أو نحوها وتدخلها فرجها وكأنها تفعل ذلك لئلا تتلوث يدها بالقطنة الصغرى والقصة بفتح القاف الجص شبهت الرطوبة النقية الصافية بالجص في الصفاء والصفرة والكدرة قال الشيخ أبو حامد (٢) هما ماء أصفر وماء كدر وليسا بدم والإمام هما شيء كالصديد تعلوه صفرة وكدرة ليستا على لون الدماء ذكر ذلك في المجموع وجزم الأصل بالثاني.
стр. 350
"الباب الثالث في المتحيرة"
سميت به لتحيرها في أمرها وتسمى بالمحيرة أيضا كما في الأصل لأنها حيرت الفقيه في أمرها (٣) "وهي" المستحاضة غير المميزة"الناسية للعادة ولها أحوال" ثلاثة"أحدها أن تنساها" أي عادتها"قدرا ووقتا" (٤) وهي المتحيرة المطلقة فعليها الاحتياط (٥) لاحتمال كل زمن يمر عليها للحيض. . . . . . . . . . .
стр. 351
والطهر (١) "فيلزمها ما يلزم الطاهرة" من صوم وصلاة وغيرهما أصلي أو عارض كمنذور فرض عين أو كفاية وتعبيره بذلك أولى من كلام أصله كما يعلم بالوقوف عليه.
"ويحرم عليها ما يحرم على الحائض" (٢) من تمتع ومس مصحف وغيرهما"إلا القراءة" للفاتحة وللسورة بعدها"في الصلاة" فتباح فيها تبعا لها"ولها أن تصوم وتصلي النوافل وتطوف" ها اهتماما بها فلو أخرها عن الأفعال الثلاثة كان أولى وأما طواف الفرض فدخل في أول كلامه وشمل كلامه تحريم المكث في المسجد (٣) عليها وبه صرح الأصل قال في المهمات وهو متجه إذا كان لغرض دنيوي أي أو لا لغرض فإن كان للصلاة فكقراءة السورة فيها أو لاعتكاف أو طواف فكالصلاة فرضا ونفلا قال ولا يخفى أن محل ذلك إذا أمنت التلويث.
"ويجب أن تغتسل لكل فريضة" (٤) لاحتمال تقدم الانقطاع نعم إن علمت وقته كعند الصبح دائما لم تغتسل إلا له"في الوقت" لأنه طهارة ضرورة كالتيمم وتعبيره كأصله بالفريضة يخرج النفل وهو احتمال ذكره في المجموع (٥) في النفل بعدها بعد نقله عن القاضي أبي الطيب أن كل موضع قلنا عليها الوضوء لكل فرض فلها صلاة النفل وكل موضع قلنا عليها الغسل لكل فرض لم يجز
стр. 352
النفل إلا بالغسل أيضا ا هـ. وظاهر كلام الأكثرين (١) التقييد بالفرض وهو أيسر وكلام القاضي أحوط "ولا يبطل الغسل بتأخير" للصلاة عنه"كما يبطل الوضوء" بذلك إذ لا يلزمها المبادرة إليها بعده بخلافها بعد الوضوء لما فيها من تعليل الحدث والغسل إنما وجب لاحتمال الانقطاع ولا يمكن تكرره بين الغسل والصلاة وأما احتمال وقوع الغسل في الحيض والانقطاع بعده فلا حيلة في دفعه بادرت أم لا.
قال الرافعي ولك أن تقول نعم دفع أصل الاحتمال لا يمكن لكن الاحتمال في الزمن الطويل أظهر منه في القصير فالمبادرة تقلل الاحتمال (٢).
"فإن كانت تغتسل وتصلي أول الوقت لزمها القضاء" كما لو صلت متى اتفق لاحتمال وقوع الأداء أو الغسل في الحيض مع إدراك ما يسع تكبيرة من الوقت ولو من الوقت الضروري وهذا ما رجحه الشيخان لكن نص الشافعي على عدم وجوب القضاء كما نقله الروياني (٣) وقال في المجموع إنه ظاهر نص الشافعي لأنه نص على وجوب قضاء الصوم دون الصلاة قال وبذلك صرح الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب وابن الصباغ وجمهور العراقيين وغيرهم لأنها إن كانت حائضا فلا صلاة عليها أو طاهرا فقد صلت قال في المهمات وهو المفتي به قلت لكن الأول أفقه وأحوط (٤) وما قيل في التعليل من أنها إن كانت
стр. 353
حائضا فلا صلاة عليها ممنوع لاحتمال أنها تطهر بعد صلاتها فتجب عليها"وكفاها" القضاء على القول بوجوبه وقد صلت أول الوقت"مرة تأتي بها بعد خروج وقت الضرورة فلو فرض إمكان غسل وابتداء إحرام" بالمقضية"فيما لا يسع تكبيرة من آخره" أي الوقت"جاز" ذلك لأنه بمنزلة الواقع بعده لأن زمنه لا يدرك به الوجوب فعلم أنه لا يكفي قضاء أولى صلاتي الجمع في وقت الثانية لاحتمال الانقطاع وقت لزومها.
"ويمتد" القضاء"إلى" انتهاء"خمسة عشر يوما (١) من أول وقت الأولى فتقضي الظهر والعصر بعد المغرب والعشاءين" أي المغرب والعشاء"بعد الفجر والصبح بعد طلوع الشمس" فتبرأ لأن الحيض إن انقطع في الوقت لم يعد إلى خمسة عشر وإلا فلا شيء عليها "والأولى" في القضاء "أن تبدأ بالحاضرة ليكفيها الوضوء بعدها للقضاء" فتقضي الظهر والعصر بعد أداء المغرب والعشاءين بعد أداء الصبح والصبح بعد أداء الظهر فتبرأ لأن أداء الظهر والعصر مثلا إن وقع في طهرها فذاك وإلا فإن استمر حيضها إلى الغروب فلا وجوب أو انقطع قبله وقع القضاء في طهرها لا محالة. والغسل للمغرب كاف لهما لأنه إن انقطع حيضها قبل الغروب فلا يعود إلى تمام مدة الطهر أو بعده لم يكن عليها شيء منهما لكن تتوضأ لكل منهما كسائر المستحاضات فمجموع ما تأتي به في الأداء والقضاء خمسة أغسال وخمس وضوءات فإن قضت الصبح بعد طلوع الشمس وجب الغسل لها فمجموع ما تأتي به ستة أغسال وأربع وضوءات "وإلا" أي وإن ابتدأت بغير الحاضرة كأن قضت الظهر والعصر قبل أداء المغرب"أعادت الغسل لها" بعد اغتسالها للأولى من المتقدمتين ووضوئها للثانية وإنما أعادت الغسل للمغرب لاحتمال الانقطاع قبل أدائها واكتفى بغسل واحد للظهر والعصر لأنه إن انقطع
стр. 354
الحيض قبل الغروب فقد اغتسلت بعده أو بعده فليس عليها واحدة منهما فمجموع ما تأتي به على هذا ثمانية أغسال ووضوءان "وكانت" بما ذكر"مؤخرة لها" أي للحاضرة عن أول وقتها فتكون من قبيل ما إذا صلت متى اتفق (١) وسيأتي. والتصريح بأولوية الابتداء بالحاضرة من زيادته وإنما كان أولى لأنه أقل عملا كما أشار إليه أولا ولأنه مخرج عن عهدة الوظائف الخمس بخلاف ما إذا ابتدأت بغيرها لاستلزامه تأخيرها عن أول وقتها فلا تخرج عن عهدتها بقضائها بذلك لجواز كونها طاهرا أول الوقت ثم يطرأ الحيض فتلزمها الصلاة وتكون المرتان في الحيض"وإن كانت تصلي متى اتفق" أي في وسط الوقت أو آخره "لزمها القضاء" أيضا لما مر"مرتين بغسلين الثانية" منهما "من السادس عشر (٢) بعد قدر ما أمهلت وصلت في" المرة "الأولى" كما سيأتي بيانه "فإن لم تقض" بعد خروج الوقت"واقتصرت على أداء الفرائض كفاها لكل ستة عشر يوما قضاء الخمس إن كانت تصلي أول الوقت" إذ وجوب القضاء إنما هو لاحتمال الانقطاع كما مر ولا يمكن في ستة عشر إلا مرة ضرورة تخلل أقلي الطهر والحيض بين كل انقطاعين فيجوز أن تجب به صلاة واحدة أو صلاتا جمع لوقوع الانقطاع في الأخيرة فتكون كمن نسي صلاة أو صلاتين مختلفتين "وإلا" أي وإن صلت متى اتفق "فقضاء العشر" لكل ستة عشر يوما لازم لاحتمال طرو الحيض في أثناء صلاة فتبطل وانقطاعه في أثناء أخرى أو بعدها في الوقت فتجب وقد تكونان متماثلين فتكون كمن فاتته صلاتان لا يعلم اختلافهما ويخالف ما لو صلت أول الوقت فإنه لو فرض الطرو في الصلاة لم
стр. 355
تجب لعدم إدراك ما يسعها وفرض الشيخان (١) ما ذكر في خمسة عشر يوما وصوب النسائي وغيره فرضه في ستة عشر يوما (٢) كما في الحاوي الصغير وغيره وفي كلام الغزالي رمز إليه وجرى عليه المصنف كما عرفت (٣).
"وتصوم رمضان" لاحتمال كونها طاهرة جميعه "و" بعده "ثلاثين يوما" متوالية فيحصل لها من كل منهما أربعة عشر يوما لاحتمال أن تحيض فيهما أكثر الحيض ويطرأ الدم في يوم وينقطع في آخر فيفسد ستة عشر من كل منهما فإن نقص رمضان حصل لها منه ثلاثة عشر"فيبقى عليها يومان وإن نقص لا إن علمت أنه" أي دمها "كان ينقطع ليلا" فلا يبقى عليها شيء لأنه إن تم رمضان فقد حصل من كل خمسة عشر وإلا فأربعة عشر منه وخمسة عشر من الثلاثين "والضابط" في القضاء "أن من عليها سبعة أيام فما دونها فصومها بزيادة يوم متفرقة" بأي وجه شاءت "في خمسة عشر ثم تعيد صوم كل يوم غير الزيادة يوم سابع عشرة و" لا يتعين بل "لها تأخيره إلى خامس عشر ثانيه" أي ثاني كل صوم من صومها الأول وسابع عشر كل (٤)، وخامس عشر ثانيه واحد إن فرقت (٥) صومها بيوم فإن فرقته بأكثر تغايرا. والتصريح بهذا الضابط من زيادته "فلقضاء اليومين تصوم يوما وثالثة وخامسة وسابع عشرة وتاسع عشرة" لأنه إن ابتدئ الحيض في الأول فغاية امتداده إلى