"فصل: تصح" الوصية "بنجس يحل الانتفاع به ككلب صيد ولو جروا" بتثليث الجيم كما مر "يرجى" الانتفاع به "وخمر محترمة وشحم ميتة لدهن السفن" (٤) لثبوت الاختصاص فيها وانتقالها من يد إلى يد بالإرث وغيره، قال ابن الرفعة فإن استحكمت الخمر وليس من عودها خلا إلا بصنع آدمي فالأشبه فيما نظنه أنه يمتنع إمساكها فلا تجوز الوصية بها. انتهى. وقد يقال: لما كانت محترمة (٥) لا يمتنع إمساكها لمنافع قد تعرض من إطفاء نار وعجن طين فتجوز الوصية بها، ويعتبر في الموصى له بالكلب (٦) المنتفع به في صيد أو حراسة زرع أو نعم أن يكون صاحب صيد أو زرع أو نعم وإلا فقضية ما صححه النووي في مجموعه
стр. 3222
من أنه يمتنع عليه اقتناؤه عدم الصحة، قال الأذرعي وهو الأقرب (١) "لا بما لا يحل" الانتفاع به "كخنزير وخمر" غير محترمة "وكلب عقور".
стр. 3223
"فصل: وتصح" الوصية "بنجوم الكتابة" وإن لم تكن مستقرة كما سيأتي في بابها "ولو أوصى بالمكاتب إن عجز نفسه وبعبد غيره إن ملكه صح" لأنها تصح بالمعدوم فبهذين أولى وكلامه ظاهر في أن صورتهما أن يقول: أوصيت (٢) له بهذا المكاتب إن عجز نفسه أو بهذا العبد إن ملكته، وسوى الأصل بينه وبين قوله أوصيت له بهذا المكاتب أو بهذا العبد، لكن قال ابن الرفعة في هذه: الظاهر البطلان وكلام الشافعي والأكثرين يقتضيه قال البلقيني وهو المفتى به فقد نص عليه الشافعي وجزم به الرافعي في الكتابة واقتضى كلامه الاتفاق عليه "والوصية بالسلاح لحربي (٣) والمصحف" والعبد المسلم والصنم "لكافر كالبيع منه" فلا تصح.
"فصل" لو "قال أعطوه كلبا (٤) من كلابي أو من مالي وله" عند موته "كلاب ينتفع" أي يحل الانتفاع "بها أعطي" واحدا منها (٥)، وإن لم يكن الكلب مالا في الثانية لأن المنتفع به من الكلاب يقتنى وتعتوره الأيدي كالأموال فقد يستعار له اسم المال "وإلا" أي وإن لم يكن له كلاب كذلك "بطلت" وصيته لتعذر شراء كلب لأنه ليس بمال بخلاف العبد ونحوه، قال الرافعي ويمكن أن يقال لو تبرع به متبرع وأراد تنفيذ الوصية جاز كما لو تبرع بقضاء دينه (٦) "ولو" وفي نسخة أو "قال: أعطوه كلابي ولا مال له أعطي ثلثها"
стр. 3224
فقط كالمال "عددا" لا قيمة إذ لا قيمة لها مع توسعهم في الباب وعليه لو أوصى باثنين من أربعة نفذت في واحد وثلث، ولو أوصى بكلب ليس له غيره أو بأكثر من ثلثه نفذت في ثلثه "وفي أجناس ككلاب وخمر محترمة وشحم ميتة" إذا "أوصى بواحد منها يعتبر الثلث بفرض القيمة" لا بالعدد ولا بالمنفعة لأنه لا تناسب بين الرءوس ولا المنفعة "وإن أوصى بهذه" الأجناس "كلها وله مال وإن قل أعطيها" لأن المعتبر أن يبقى للورثة ضعف الموصى به والمال وإن قل خير مما ليس بمتمول إذ لا قيمة له.
"ولو أوصى بثلث ماله لزيد وبالكلاب" مثلا "لعمرو لم يعط" عمرو "إلا ثلثها" لأن ما تأخذه الورثة من الثلثين هو حظهم بسبب الثلث الذي نفذت فيه الوصية فلا يجوز أن يحسب عليهم مرة أخرى في وصية غير المتمول.
стр. 3225
"فصل وإن أوصى بطبل لهو أو عوده صحت" وصيته بهما " إن صلحا لمنفعة مباحة مع بقاء الاسم وإن غيرت الهيئة" حملا على المباح، نعم لو قال الموصي: أردت به الانتفاع على الوجه الذي هو معمول له لم يصح كما جزم به صاحب الوافي (١)، قال الزركشي وهو ظاهر، وقوله: كالأذرعي وقضية كلامهم التصوير بما إذا سمي اللهو في الوصية فلو قال: أوصيت له بهذا ولم يسمه فيشبه أن تصح ويعطى له مفصلا ممنوع (٢)، وإن نسباه للماوردي "وإلا" بأن لم يصلح كل منهما لذلك مع ما ذكر "بطلت (٣) ولو نفيسا" لأنه معصية ولا نظر لما يترقب من المنافع بعد زوال اسمه لأنه إنما أوصى بطبل أو عود قال في الأصل: واسم الطبل يقع على طبل الحرب الذي يضرب به للتهويل، وعلى طبل الحجيج والقوافل الذي يضرب به للإعلام بالنزول والارتحال، وعلى طبل العطارين وهو سفط لهم، وعلى طبل اللهو كالطبل الذي يضرب به المخنثون وسطه ضيق وطرفاه واسعان.
стр. 3226
"فصل: إنما تنفذ" الوصية قهرا "في الثلث وإن أوصى في الصحة" لما مر أنه
стр. 3227
تعالى أعطى العبد ثلث ماله في آخر عمره "ويستحب أن ينقص منه" (١) شيئا خروجا من خلاف من أوجب ذلك، ولأنه ﷺ استكثر الثلث، قال في الأصل: وقيل: إن كان ورثته أغنياء استوفى الثلث وإلا فيستحب النقص وهذا ما جزم به النووي في شرح مسلم (٢)، ونقله عن الأصحاب ونص عليه في الأم وصوبه الزركشي "والاعتبار" في كون الموصى به ثلث المال "بيوم الموت" (٣) لا بيوم الوصية (٤)؛ لأنها تملك بعد الموت "فلو أوصى بثلث ماله ثم كثر" أو تلف ثم كسب مالا أو لم يكن له مال ثم كسبه "لزمه" يعني وارثه "ثلثه" ولو أوصى بقدر الثلث عند الوصية ولم يف به الثلث عند موته افتقر إلى الإجازة في الزائد أو بأكثر من الثلث عند الوصية ووفى به الثلث عند موته لم يفتقر إليها "ولا تنفذ" الوصية "إلا في الثلث الفاضل عن الدين" لأنه مقدم عليها كما مر في الفرائض "فإن" كان عليه دين مستغرق ولم تنفذ الوصية في شيء لكن يحكم بانعقادها حتى لو "أبرئ" من الدين "أو قضاه" عنه "آخر فكان لا دين" فتنفذ.
"فرع: التبرعات المنجزة" كهبة ووقف وعتق (٥) "في مرض مخوف متصل بالموت" معتبرة "من الثلث كالوصية" لما مر أول الفصل، وخرج بالمرض التبرعات المنجزة في الصحة فتعتبر من رأس المال، نعم لو وهب شيئا في صحته وأقبضه في مرضه اعتبر من الثلث كما سيأتي; لأن الهبة إنما تملك بالقبض كما مر، واعلم أن قيمة ما يفوت على الورثة يعتبر بوقت التفويت في المنجز، وبوقت الموت في المضاف إليه فسيأتي في باب العتق أنه لا يعتبر لمعرفة الثلث فيمن أعتقه منجزا في المرض قيمة يوم الإعتاق وفيمن أوصى بعتقه قيمة يوم الموت; لأنه وقت
стр. 3228
الاستحقاق، وفيما بقي للورثة أقل قيمة من يوم الموت إلى يوم القبض لأنه إن كان يوم الموت أقل فالزيادة حصلت في ملك الوارث، أو يوم القبض أقل فما نقص قبله لم يدخل في يده فلا تحسب عليه، ومثال ذلك جار في غير العتق.
стр. 3229
"فصل: في بيان المرض المخوف (١) وما في معناه، فإن انتهى" الشخص "إلى" حال "القطع بالموت" من ذلك "عاجلا كمن شخص بصره" بفتح الشين والخاء، أي فتح عينه بغير تحريك جفن "وبلغت روحه الحنجرة" أي الحلقوم "في النزع أو ذبح أو شق بطنه وأخرجت حشوته" بكسر الحاء وضمها، أي: أمعاؤه "أو غرق فغمره الماء وهو غير سابح" أي غير محسن السباحة "فلا عبرة" في شيء منها أو نحوها "بوصيته وإسلامه" وغيرهما "فهو كالميت" على تفصيل يأتي في الجنايات "ويحجر عليه" (٢) أي على المريض "في غير الثلث لمرض يخاف (٣) منه الموت عاجلا وإن لم يكن غالبا كالقولنج" بفتح اللام وكسرها، وهو أن ينعقد أخلاط الطعام في بعض الأمعاء فلا تنزل ويصعد بسببه البخار إلى الدماغ فيؤدي إلى الهلاك. قال الأذرعي ويظهر أن يقال هذا إن أصاب من لم يعتده، فإن كان ممن يصيبه كثيرا ويعافى منه كما هو مشاهد فلا "وذات الجنب" وتسمى ذات الخاصرة، وهي قروح تحدث في داخل الجنب بوجع شديد ثم تنفتح في الجوف ويسكن الوجع، وذلك وقت الهلاك، ومن علامتها الحمى اللازمة والوجع الناحس تحت الأضلاع وضيق النفس وتواتره والسعال "والرعاف الدائم" بتثليث الراء; لأنه يسقط القوة بخلاف غير الدائم "والإسهال المتواتر" (٤) أي: المتتابع لأنه ينشف رطوبات البدن "لا إسهال يومين" أو نحوهما (٥) فليس بمخوف. "إلا أن يضم إليه عدم استمساك وخروج طعام غير مستحيل أو زحير معه وجع" وشدة بلا تقطع للخارج "أو" معه "تقطع" للخارج "أو" يضم إليه "دم" يخرج "من
стр. 3230
نحو كبد" من الأعضاء الشريفة "لا من نحو بواسير أو" إلا أن "يعجل ويمنع النوم" فمخوف; لأن كلا منها يسقط القوة بخلاف إسهال يخرج معه دم من نحو بواسير "وكالفالج في ابتدائه" بخلاف دوامه ليس مخوفا سواء أكان معه ارتعاش أم لا لأنه لا يخاف منه الموت عاجلا وهو عند الأطباء: استرخاء أحد شقي البدن طولا. وعند الفقهاء أعم من ذلك، وسببه غلبة الرطوبة والبلغم. فإذا هاج ربما أطفأ الحرارة الغريزية وأهلك "لا السل" (١) المهمات، وهو داء يصيب الرئة فيأخذ منه البدن في النقصان والاصفرار فليس بمخوف "مطلقا" أي لا في ابتدائه ولا في انتهائه لأنه وإن لم يسلم منه صاحبه غالبا لا يخاف منه الموت عاجلا فيكون كالشيخوخة والهرم.
"وكالحمى الشديدة المطبقة" بكسر الباء وفتحها، أي الملازمة التي لا تبرح لأن إطباقها يذهب القوة التي هي قوام الحياة، ومحل كونها مخوفة إذا زادت على يوم أو يومين بقرينة ما يأتي على تفصيل فيه.
"أو" حمى "الورد" بكسر الواو، وهي التي تأتي كل يوم "أو" حمى "الثلث" بكسر الثاء، وهي التي تأتي يومين وتقلع يوما "أو حمى الأخوين" وهي التي تأتي يومين وتقلع يومين "أو" حمى "الغب" بكسر الغين، وهي التي تأتي يوما وتقلع يوما "لا" حمى "الربع" (٢) بكسر الراء، وهي التي تأتي يوما وتقلع يومين; لأن المحموم يأخذ قوة في يومي الإقلاع.
"ولا حمى يوم أو يومين إلا إن اتصل بها قبل العرق موت فقد بانت مخوفة" بخلاف ما إذا اتصل بها بعد العرق لأن أثرها زال بالعرق، والموت بسبب آخر "والدق" بكسر الدال، وهو داء يصيب القلب ولا يمتد معه حياة غالبا "مخوف، ومن المخوف هيجان" المرة "الصفراء أو البلغم" وفي نسخة والبلغم "والدم" بأن يثور وينصب إلى عضو كيد ورجل فيخمر وينفتح "و" من المخوف "الطاعون" وهو هيجان الدم في جميع البدن وانتفاخه، ويقال: نبر مؤلم جدا يخرج غالبا من الآباط مع لهيب وخفقان وقيء ونحوه.
"و" منه "الجراحة إن كانت" نافذة "إلى الجوف أو" كانت "على مقتل
стр. 3231
أو" في "موضع كثير اللحم أو" حصل "معها ضربان شديد أو تآكل أو تورم و" منه القيء "الدائم (١) أو" المصحوب "بخلط" من الأخلاط كالبلغم "أو دم، و" منه "البرسام" بكسر الموحدة، وهو ورم في حجاب القلب أو الكبد يصعد أثره إلى الدماغ "لا وجع العين والضرس و" لا "الصداع" والجرب ونحوها فليست مخوفة.
"وألحق بالمخوف" من الأمراض "التحام" أي اختلاط "قتال متكافئين" أو قريبين من التكافؤ لأنه يخاف منه الهلاك سواء أكانا مسلمين أم كافرين أو مسلما وكافرا بخلاف قتال بغير التحام وإن تراميا بالنشاب والحراب أو بالتحام وكان أحدهما يغلب الآخر لكن هذا محله في حق الغالب فقط.
"والتقديم للرجم" في الزنا أو للقتل في قطع الطريق وإن ثبت ذلك بالإقرار "وهيجان البحر بالريح" (٢) بخلاف هيجانه بلا ريح "وأسر كافر" أو غيره "يعتاد القتل" للأسرى بخلاف أسر من لا يعتاده كالروم "وكذا" يلحق به "التقديم للقصاص" بخلاف الحبس له كما هو ظاهر كلامهم، ذكره البلقيني ثم حكي عن بعض المالكية أنه حكاه عن الشافعي وقال في المهمات: مقتضى ما يأتي في الوديعة أنه إذا مرض مرضا مخوفا أو حبس ليقتل لزمته الوصية بها إذ الحبس للقتل كالتقديم له، انتهى. والأول أوجه يجاب بأنهم إنما ألحقوه ثم بالمخوف (٣) احتياطا لحق الغير حتى لو كان الموصى به هنا حقا للغير كان الحكم كذلك أو بأن معنى الحبس ثم
стр. 3232
التقديم للقتل لأنه حبس له.
"وكذا" يلحق به "ظهور طاعون (١) وفاشي وباء" في البقعة وإن لم يصيبا المتبرع، وتقدم تفسير الطاعون. وقال ابن الأثير الطاعون: المرض العام والوباء الذي يفسد له الهواء فتنفسد منه الأمزجة، فجعل الوباء قسما من الطاعون، وهو ممدود ومقصور، وبعضهم فسر الطاعون بغير ذلك ولعله أنواع، وقيل: الوباء المرض العام، وقيل: الموت الذريع، أي السريع "و" كذا "الطلق" (٢) ويمتد خوفه "إلى انفصال المشيمة" وهي التي تسميها النساء الخلاص "أو" إلى زوال ما حصل بالولادة فيما لو "انفصلت" أي المشيمة "وحصل من الولادة جرح أو ضربان شديد أو ورم لا" حال الحمل "قبل الطلق ولا إلقاء علقة ومضغة" فليست مخوفة لأنه لا يخاف منها الهلاك كما يخاف من ولادة المتخلق "وموت الجنين" في الجوف "مخوف" قال الزركشي وهو ظاهر إن كان معه وجع شديد وإلا ففيه نظر، ولم لا يراجع الأطباء.
"وما أشكل" من الأمراض فلم يدر أمخوف هو أم لا "روجع فيه طبيبان (٣) من أهل الشهادة" لأنه يتعلق بذلك حقوق آدميين من الورثة والموصى لهم فاعتبرت الشهادة فيعتبر الإسلام والحرية والبلوغ والعدالة "ذكران" فيما لا يختص النساء بالاطلاع عليه غالبا "فإن لم يطلع عليه إلا النساء" غالبا "فأربع" أي فيكفي فيه أربع نسوة "أو رجل وامرأتان" لو اختلف قول الأطباء في كونه مخوفا قال الماوردي أخذ بقول الأعلم (٤) ثم بالأكثر عددا ثم بمن يخبر بأنه مخوف (٥)، ونقله عنه ابن الرفعة وأقره.
стр. 3233
"والقول في كونه غير مخوف" بعد موت المتبرع كأن قال الوارث: كان المرض مخوفا والمتبرع عليه كان غير مخوف "قول المتبرع عليه" بيمينه لأن الأصل عدم المخوف وعلى الوارث البينة، ويعتبر فيها طبيبان، ثم إن اختلفا في عين المرض كأن قال الوارث: كان المرض حمى مطبقة والمتبرع عليه كان وجع ضرس كفى غير طبيبين، نبه عليه في شرح الإرشاد.
"فرع: وإن برئ" المريض المتبرع في مرضه بالزائد على الثلث "من" مرضه "المخوف نفذ تبرعه" وتبين أن ذلك المرض لم يكن مخوفا "أو مات في غير المخوف (١) وأمكن كونه منه" كإسهال يوم أو يومين "لم ينفذ" تبرعه بالزائد بدون إجازة لأنا تبينا أنه مخوف، وإن لم يمكن كونه منه كوجع ضرس نفذ تبرعه وحمل موته على الفجأة، وبهذه يتفارق المرضان المخوف وغيره في حكم الوصية في المرض قال في الأصل: ولو قال أهل الخبرة: هذا المرض غير مخوف لكنه يفضي إلى المخوف فمخوف، أو يفضي إلى المخوف نادرا فلا، ثم استشكل الأول بالحمل قبل الطلق، وأجيب عنه بأن الحمل ليس من الأمراض التي الكلام فيها "والقتل" والموت بسقوط من سطح أو نحوه "في" المرض "المخوف كالموت به" فيعتبر تبرعه من الثلث لأن ذلك لم يزل المرض وإنما عجل ما كان منتظرا.
стр. 3234
"فصل " في بيان التبرع المحسوب من الثلث " إنما يحسب من الثلث ما أزاله عن ملكه" كعبد وثوب "أو" عن "اختصاصه" ككلب صيد وسرجين "مجانا" بخلاف ما أزاله بعوض على ما يأتي "فديون الله كالزكاة والحج، وديون الآدميين تخرج" بعد موته "من رأس المال" وإن أوصى بها مطلقا لأنها مستحقة عليه فلم يبذلها مجانا "ولو أوصى بتقديم غريم" بدينه على غريم آخر "لم تنفذ" وصيته لاستوائهما في التعلق بغير التركة ففي تقديم أحدهما إجحاف بالآخر. وهذا من زيادته "وقضاء المريض دين بعض الغرماء ولو عن نذر ينفذ" كما لو اشترى طعاما وعليه دين فله أن يقدم الثمن لأنه في مقابلة عوض "ولا" الأولى فلا "يزاحمه غيره وإن لم تف التركة بجميع الديون، وكذا" ينفذ "البيع بثمن المثل"
стр. 3235
من رأس المال سواء أباع لوارثه أم لغريمه أم لغيرهما إذ لا تبرع فيه بدليل جواز بيع الزائد على الثلث بثمن المثل للأجنبي "فإن حابى الوارث بما لا يتغابن بمثله فوصية" (١) يعني: فالزائد على ما يتغابن بمثله وصية "له". فلا ينفذ إلا بإجازة بقية الورثة "أو" حابى "غيره" بذلك "حسبت" أي المحاباة الزائدة على ما يتغابن بمثله "من الثلث" فإن حاباهما بما يتغابن بمثله حسب من رأس المال كالبيع بثمن المثل، وما ذكرته من أن المعتبر في ذلك ما يزيد على ما يتغابن بمثله صرح به الأصل (٢) "ويحسب من الثلث كل الثمن في" وفي نسخة: من بيع شيء بثمن "مؤجل" حيث "باعه ومات قبل حلوله (٣) وإن كان بثمن المثل أو أكثر" لما فيه من تفويت اليد على الورثة، وتفويت اليد ملحق بتفويت المال لأن الغاصب يضمن بالحيلولة كما يضمن بالإتلاف فليس له تفويت اليد عليهم كما ليس له تفويت المال.
"فإن لم يحتمله الثلث ورد الوارث ما زاد" عليه "فللمشتري الخيار" بين فسخ البيع والإجازة في الثلث بقسطه من الثمن لتشقيص الصفقة عليه "فلو أجاز المشتري لم يزد به" أي بفعله الإجازة "المال" الذي صح فيه البيع لانقطاع البيع بالرد "ولو نكحها" أي المريض امرأة "بأكثر من المهر" أي مهر المثل "وورثته فالزائد" عليه "وصية لوارث" فلا تنفذ إلا بإجازة بقية الورثة "وإن كانت غير وارثة" كذمية وهو مسلم وكمكاتبة "فمن الثلث" يحسب الزائد، فإن خرج منه نفذ التبرع به من غير توقف على إجازة إذ لا يلزم فيه الجمع بين التبرع والإرث "فإن ماتت قبله فإن وسع الثلث الزيادة أخذتها" ورثتها وارثا كان الزوج أو لا لذلك "وإلا" أي وإن لم يسع الزيادة وورثها الزوج "حصل الدور". لأنه يرث منها فيزيد ماله فيزيد ما ينفذ من التبرع فيزيد ما يرثه فيستخرج بطريقة فلو أصدقها في مرضه مائة، ومهر مثلها أربعون فماتت قبله ولا مال لهما غير الصداق فلها مهر مثلها أربعون من رأس المال، ولها شيء بالمحاباة يبقى مع الزوج ستون إلا
стр. 3236
شيئا ويرجع إليه بالإرث نصف مالها عشرون ونصف شيء فالمبلغ ثمانون إلا نصف شيء يعدل شيئين ضعف المحاباة فبعد الجبر والمقابلة يعدل ثمانون شيئين ونصف شيء، فالشيء اثنان وثلاثون، فلها اثنان وسبعون: أربعون مهر المثل والباقي محاباة، يبقى معه ثمانية وعشرون، ويرجع إليه بالإرث ستة وثلاثون، فيجتمع لورثته أربعة وستون ضعف المحاباة، أما إذا نكحها بمهر المثل أو أقل فهو من رأس المال كما لو اشترى شيئا بثمن مثله أو أقل "وإن تزوجت المريضة بأقل" (١) من مهر مثلها "وورثها" الزوج "فوصية لوارث" فلبقية ورثتها طلب تكميل مهر المثل "وإن لم يرثها" كأن مات قبلها أو كان مسلما وهي ذمية "لم يعتبر النقص من الثلث". فلا يكمل مهر المثل وإنما جعل ذلك وصية منها في حقه وإرثا دونه غير وارث. "لأنها" في الثانية "لم تفوت" شيئا "بل امتنعت من الكسب" قال في الأصل: ولأن المنع إنما هو فيما يتوهم بقاؤه للوارث وانتفاعه به والبضع ليس كذلك، انتهى. وكل منهما لا يصلح للفرق بين الحكمين بل يقتضي التسوية بينهما في منع رد هذه المحاباة كما اقتضاه كلام الغزالي غاية ما فيه أن يقال: خصت المرأة وارثا بتبرع ليس فيه تفويت مال فأشبه ما لو تبرعت بخدمته، والجواب بأنها في الأولى (٢) خصت وارثا بزيادة فافتقرت إلى الإجازة بخلافها في الثانية فيه نظر.
"ومن المحاباة إعارة المريض عبده للخدمة" حتى لو انقضت مدتها ولو في مرضه واسترد العين اعتبرت الأجرة من الثلث لكونها تبرعا بما تمتد إليه أطماع الورثة
стр. 3237
ومنها الوصية بإعارته "لا" إعارته "نفسه" ولإعارته لها كما فهم بالأولى، وصرح به الأصل فلا يكونان من المحاباة لأن كلا منهما امتناع من التحصيل لا تفويت للحاصل، ولا مطمع للورثة في عمله "وإن أجر" المريض "عبده بدون أجرة المثل فقدر المحاباة" معتبر "من الثلث وكذا" يعتبر منه "قيمة من كاتبه" أو أوصى بكتابه "في المرض". وإن كاتبه بأكثر من قيمته أو قبض النجوم قبل موته لأنه قابل ملكه بملكه الذي هو كسب فهو في الحقيقة تفويت لا معاوضة، وبتقدير كونه معاوضة فالعوض مؤخر كالبيع بمؤجل "لا" في "الصحة" فلا يعتبر قيمته من الثلث بل من رأس المال وإن قبض النجوم في مرضه لأنه بالكتابة كالخارج عن ملكه "نعم إن أبرأه" سيده من النجوم "أو أعتقه" أو أوصى بذلك "في المرض فالمعتبر من الثلث الأقل من النجوم و" من "القيمة" لأنه إن كان النجوم فالزائد عليها تبرع من السيد في صحته فلا اعتراض للورثة عليه، أو القيمة فربما كان يعجز نفسه فلا يبقى لهم إلا الرقبة وهي قدر القيمة.
"وإن أولدها" أي أمته ولو "في المرض أو قال" صحيح "لعبده: أنت حر قبل مرض موتي بيوم" مثلا ثم مرض ومات "أو قبل موتي بشهر" مثلا "ومرض دونه" أي دون الشهر ومات "لم يعتبر" ذلك "من الثلث" بل من رأس المال لأن إيلاده في المرض كاستهلاكه الأطعمة اللذيذة والثياب النفيسة، وإعتاقه وقع في الصحة "وإن مرض شهرا" فأكثر "فقد وجدت الصفة" المعلق بها العتق في الصحة "في المرض، وفيه قولان" الراجح منهما أنه لا يحسب من الثلث على ما يأتي في باب التدبير.
"فرع" (١): لو "باع بمحاباة" بشرط الخيار "ثم مرض وأجاز في مدة
стр. 3238
الخيار" أو ترك الفسخ فيها عامدا "إن قلنا: الملك" فيها "للبائع فمن الثلث" يعتبر قدر المحاباة لأنه ألزم العقد في المرض باختياره فأشبه من وهب في الصحة وأقبض في المرض "وإلا فكمن اشترى" شيئا "بمحاباة ثم مرض ووجده معيبا ولم يرده" مع الإمكان فلا يعتبر من الثلث "لأنه" ليس بتفويت بل "امتناع من الكسب فقط" فصار كما لو أفلس المشتري والمبيع قائم عنده ومرض البائع فلم يفسخ البائع، وكما لو أمكنه فسخ النكاح بعيبها فتركه حتى مات واستقر المهر وخرج وكالعاصوي ما لو فسخ وهو ظاهر، أما لو ترك الأمرين فقال في الأصل في باب التدبير: إن المحاباة تعتبر فيه من الثلث لأنه ألزم العقد في مرضه باختياره فأشبه من وهب في الصحة وأقبض في المرض، زاد في الروضة: إنما يظهر هذا إذا قلنا: الملك في مدة الخيار للبائع وترك الفسخ عامدا لا ناسيا "نعم إن تعذر الرد" للمعيب على المشتري "فالإعراض عن الأرش تفويت" له "يحسب من الثلث وللإقالة حكم البيع" في أن قدر المحاباة فيها معتبر من الثلث "والخلع في المرض" من الزوج أو الزوجة "يأتي" بيانه "في" كتاب "الخلع" إن شاء الله تعالى.
стр. 3239
"فصل: ينفذ من التبرعات" المرتبة "المنجزة" (١) في مرض الموت كإعتاق وإبراء ووقف وصدقة "الأول فالأول" (٢) منها حيث يتم الثلث عند ضيقه عنها "وإن كان الآخر" منها "عتقا" لأن الأول لازم لا يحتاج إلى تنفيذ ثم يبقى باقي تبرعاته موقوفا على الإجازة كما مر "ولا أثر لهبة بلا محاباة قبل القبض" فلا تقدم على ما تأخر عنها من نحو عتق أو وقف أو محاباة في بيع أو نحوه قبل قبض الموهوب لأنه إنما يملك بالقبض بخلاف المحاباة في بيع أو نحوه لأنها في ضمن معاوضة.
стр. 3240
"وإن أبرأ أو وهب أو أعتق دفعة" كأن قال لجماعة: أبرأتكم من ديوني أو وهبتكم هذا أو قال لعبيده: أعتقتكم "أو فعل الجميع" أي الإبراء والهبة والإعتاق "بوكلاء" (١) له "دفعة اعتبرت القيمة ثم يقسط بها" أي باعتبارها "الثلث" على الجميع "في غير العتق" إذ لا مزية فيه، ولا إقراع إذ الغرض منه التمليك والتشقيص لا ينافيه، بخلاف العتق كما سيأتي، ودخل في غير العتق العتق مع غيره فيقسط عليهما ثم ما يخص العتق يقرع فيه كما سيأتي "ويقرع في العتق ليعتق القارع" ولا توزع الحرية لخبر مسلم: "أن رجلا أعتق ستة مملوكين له لم يكن له مال غيرهم فدعاهم النبي ﷺ وجزأهم أثلاثا ثم أقرع بينهم فأعتق اثنين وأرق أربعة (٢) ". ولأن الغرض منه تخليص الشخص من الرق وتكميل حاله والتشقيص ينافيه.
"وإن فضل" من الثلث "شيء" بعد عتق القارع "فبعض الآخر" من الأرقاء يعتق بقرعة فلو كانوا أربعة متساوين وخرجت القرعة على واحد عتق وأقرع ليعتق بعض آخر "والكتابة" مع الهبة وسائر الوصايا "كالعتق" لأنها لا تقدم على غيرها بل يستوي بينهما إن لم يكن ترتيب ويقدم الأول فالأول إن كان ترتيب "وإن علق" التبرعات "بالموت" مرتبة كانت أو غير مرتبة كقوله: إذا مت فأنتم أحرار أو فسالم حر وغانم حر "فالأول" منهما في المرتبة "كالآخر (٣) وإن كان" الآخر "عتقا" لاشتراكهما في وقت نفاذ عتقهما وهو وقت الموت. ويأتي
стр. 3241
الإقراع والتقسيط هنا أيضا كما صرح به الأصل فإن تمحض العتق أقرع، أو غيره قسط الثلث على الجميع باعتبار القيمة أو المقدار، أو هو وغيره قسط الثلث عليهما باعتبارها فقط أو مع المقدار، فلو أوصى بعتق سالم ولزيد بمائة وكانت قيمة سالم مائة والثلث مائة عتق نصفه ولزيد خمسون، لكن لو دبر عبدا قيمته مائة وأوصى له بمائة وثلث ماله مائة قدم عتقه على الوصية له خلافا للبغوي كما مر آخر الباب "نعم إن" اعتبر الموصي وقوعها بعد الموت كأن "قال أعتقوا بعد موتي سالما ثم غانما ترتب" فيقدم الأول فإن لم يعلم ترتيب ولا معية في العتق فالأصح في الدعاوى أنه لا يقرع بل يعتق من كل بعضه أما لو وقعت تبرعات منجزة ومعلقة بالموت فتقدم المنجزة لأنها تفيد الملك ناجزا ولأنها لازمة لا يملك المريض الرجوع فيها وهذا فهم بالأولى من كلامه أول الفصل. وصرح به الأصل.
"ولو دبر عبدا وأوصى بعتق" أي إعتاق "آخر فهما سواء" وإن كان الثاني يحتاج إلى إنشاء عتق بعد الموت بخلاف الأول لأن وقت استحقاقهما واحد "وقوله في" التبرع "المنجز: سالم حر وغانم حر ترتيب لا" قوله فيه: "سالم وغانم حران" فلو علق عتقهما بالموت أقرع بينهما سواء أقال: إذا مت فسالم حر وغانم حر أم قال: فهما حران "ولو قال: إن أعتقت سالما فغانم حر" ولو زاد: في حال إعتاقي سالما "فأعتق سالما" في مرض موته "وهو الثلث" فأقل، عبارة الأصل: ولم يخرج من الثلث إلا أحدهما "عتق" سالم لسبقه "بلا قرعة إذ لا فائدة" فيها بل قد تكون مضرة لأنا لو أقرعنا أمكن خروج القرعة بالحرية لغانم فيلزمه إرقاق سالم فيفوت شرط عتق غانم أما إذا خرجا من الثلث فيعتقان، أو خرج بعض سالم عتق البعض، أو سالم وبعض غانم عتق سالم وبعض غانم.
وذكر الأصل هنا مسائل تركها المصنف لذكره لها في العتق "فإن قال: إن تزوجت فعبدي حر فتزوج في المرض بأكثر من المهر فقد بينا أن الزيادة" على مهر المثل محسوبة "من الثلث" فإن خرجت الزيادة وقيمة العبد من الثلث نفذا وإلا "فيقدم المهر على العتق" قال في الأصل: كذا ذكروه توجيها بأن المهر أسبق فإنه يجب بالنكاح والعتق يترتب عليه، لكن مقتضى قولنا إن المرتب والمرتب عليه يقعان معا (١) ولا يتلاحقان من حيث الزمان أن لا يقدم أحدهما
стр. 3242
على الآخر بل يوزع الثلث على الزيادة وقيمة العبد "فإن قال: أنت حر" إن تزوجت "حال تزويجي وزع الثلث عليهما" أي على الزيادة وقيمة العبد لأنه لا ترتيب، وفارق ذلك ما مر في العبدين حيث لا يوزع فيه كما لا يقرع بأن العتق هنا معلق بالنكاح والتوزيع لا يرفع النكاح. وهناك عتق غانم معلق بعتق سالم كاملا والتوزيع يمنع من تكميل عتق سالم فلا يمكن إعتاق شيء من غانم.
"وإن علق عتقها" أي أمته الحامل "بعتق نصف حملها فأعتق النصف في مرض موته سرى" العتق "إلى باقيه وعتقت" أمه بالتعليق، هذا إن احتملهما الثلث وإلا "فإن لم يحتمل باقي الثلث إلا نصفه الآخر أو الأم بأن كانت قيمة الحمل" بعد انفصاله "مثلي قيمتها" كأن كانت قيمتها وقيمته مائة وماله ثلاثمائة "أقرع" بينهما وبين باقي الحمل "فإن خرجت" أي القرعة "لباقي الحمل عتق" جميعه "دونها أو" خرجت "لها عتق نصفها ونصف باقيه" وإنما لم تعتق كلها لأن الحمل في حكم جزء منها يتبع عتقه عتقها فتوزع بقية الثلث وهي خمسون على الأم والنصف الباقي بالسوية فيعتق منها نصفها ومنه ثلاثة أرباعه "أو" خرجت "لها وقيمتها كقيمته" بأن كانت قيمتها في المثال مائة "عتق ثلثها وثلث الباقي منه" توزيعا للخمسين عليها وعلى نصف باقيه أثلاثا، فثلثها ثلثا الخمسين وثلث باقيه ثلثها الباقي وهو سدس جملته فيعتق منها الثلث ومنه الثلثان.
стр. 3243
"فرع" لو "أوصى له" غيره "بعين هي ثلث ماله" فأكثر "وهي حاضرة وباقي المال غائب ملك" الموصى له "ثلث" المال "الحاضر" فقط لجواز تلف الغائب وعدم إجازة الوارث "ومنع من التصرف فيه" (١) أي في ثلثه وكذا في باقيه ببيع أو عتق أو غيره حتى يحضر من الغائب ما يخرج به الحاضر من الثلث لأن تسلطه يتوقف على تسلط الورثة على مثلي ما تسلط هو عليه، وقد يتلف الغائب فلا يصل إلى حقه.
ولا يتسلط الورثة على ثلثي الحاضر كما ذكره بقوله: "كمنع الورثة من تصرفهم في باقيه" (٢) لاحتمال سلامة الغائب فيخلص لهم حقهم وللموصى له حقه "فإن تصرفوا" في باقيه "وبان تلف الغائب فكمن باع مال أبيه" وهو "يظنه حيا" فيصح وإن بان سالما وعاد إليهم تبينا بطلان تصرفهم.
"الركن الرابع الصيغة، كأوصيت له بكذا وكذا أعطوه أو ادفعوا إليه" كذا "أو وهبته له" أو جعلته له أو ملكته له أو هو له "بعد موتي، وقوله: هو له" بدون بعد موتي "إقرار" ولا يجعل كناية عن الوصية لبعده "فإن زاد" فيه "من مالي فكناية وصية" (٣)؛ لأنه لا يصلح إقراره مع احتمال الهبة الناجزة والوصية "وكذا" قوله "عبدي هذا له" لذلك "أو" قوله "عينته له" لأنه يحتمل التعيين للتمليك بالوصية والتعيين للإعارة "لا" قوله "وهبت له" بدون
стр. 3244
بعد موتي فلا يكون وصية "ولو نوى الوصية" لأنه قد وجد نفاذا في موضعه (١) فلا يكون كناية عن غيره.
"والوصية بالكتابة كناية" وإن كان المكتوب صريحا "وإن اعترف بها نطقا" بأن قال: نويت بها الوصية لفلان "أو" اعترف بها "وارثه" بعد موته كالبيع بل أولى "فلو كتب أوصيت لفلان بكذا وهو ناطق وأشهد" جماعة "أن الكتابة خطه وما فيه وصيته ولم يطلعهم عليه" أي على ما فيه "لم تنعقد" وصيته كما لو قيل له: أوصيت لفلان بكذا فأشار أن نعم، وخرج بالناطق غيره وقد ذكره في قوله.
"فرع: من اعتقل لسانه فوصيته" صحيحة "بكتابة أو إشارة" كالبيع وروي أن أمامة بنت العاصي أصمتت فقيل لها: لفلان كذا ولفلان كذا؟ فأشارت أن نعم، فجعل ذلك وصية.
"فرع" لو قال: كل من ادعى بعد موتي شيئا فأعطوه له ولا تطالبوه بالحجة فادعى اثنان بعد موته بحقين مختلفي القدر ولا حجة كان كالوصية تعتبر من الثلث وإن ضاق عن الوفاق قسم بينهما على قدر حقيهما، قاله الروياني وفي الأشراف لو قال المريض: ما يدعيه فلان فصدقوه فمات قال الجرجاني: هذا إقرار بمجهول وتعيينه للورثة، نقل ذلك الزركشي.
стр. 3245
"فصل: وأما القبول فيجب في الوصية لمعين" كالهبة. فلو قبل بعض الموصى به ففيه احتمالات للغزالي ونظيره الهبة، والأرجح فيها البطلان، لكن القبول في الوصية على التراخي كما سيأتي فهي دونها ودخل في المعين المتعدد المحصور كبني زيد فيتعين قبولهم ويجب استيعابهم، والتسوية بينهم، نعم إن كان المعين غير آدمي كمسجد قال الأذرعي فالأقرب أنه كالوصية لجهة عامة فلا يحتاج إلى قبول (٢)، وسيأتي أنه لا يعتبر قبول المعين في الوصية له بالعتق بغير لفظها قال الزركشي وظاهر كلامهم أن المراد القبول اللفظي (٣)، ويشبه الاكتفاء بالفعل وهو الأخذ، كالهدية "لا" في الوصية "لجهة عامة كالفقراء" والقبيلة كالهاشمية والمطلبية والعلوية
стр. 3246
فلا يجب فيها القبول لتعذره كما في الوقف بل تلزم الوصية بالموت ويجوز الاقتصار على ثلاثة منهم ولا تجب التسوية بينهم وسيأتي.
"ولا يصح قبل الموت" للموصي "قبول ولا رد" (١) للوصية فلمن قبل في الحياة الرد بعد الموت وبالعكس إذ لا حق له قبله; لأن الوصية إيجاب ملك بعد الموت فأشبه إسقاط الشفعة قبل البيع "ولا يشترط الفور في القبول" (٢) بعد موت الموصي وإنما يشترط في العقود الناجزة التي يعتبر فيها ارتباط القبول بالإيجاب مع أنه لو اشترط الفور لاشترط عقب الإيجاب ويفارق الرد بالعيب والأخذ بالشفعة لأنهما لدفع الضرر فيبطلان بالتأخير "ويصح الرد بين الموت والقبول لا بعدهما ولو لم يقبض" الموصى له ما أوصى له به لأن الملك قد حصل فلا يرتفع بالرد كما في البيع، فإن راضى الورثة فهو ابتداء تمليك منه لهم، وما ذكره من عدم صحة الرد قبل القبض (٣) هو ما صححه الأصل، وقال الإسنوي إنه المفتى به (٤)، وخالف النووي في تصحيحه فصحح الصحة، قال الأذرعي وهو الصحيح
стр. 3247
المنصوص عليه في الأم وجرى عليه العراقيون لأن ملكه قبل القبض لم يتم، ورد ما قاله الإسنوي قال: ولعل الرافعي تبع البغوي في الترجيح.
"ولو أوصى لرجل بعين ولآخر بمنفعتها فردها" الآخر "رجعت للورثة لا لصاحب العين" أي الموصى له بها "وإن أوصى بعتقه" أي بعتق رقيقه "بعد خدمة زيد سنة فردها" أي الوصية بالخدمة "لم يعتق قبل السنة" كما لو لم يردها "وللوارث مطالبة الموصى له بالقبول أو بالرد" إذا لم يفعل واحدا منهما، فإن امتنع حكم عليه بالرد كما صرح به الأصل، ومحله في المتصرف لنفسه، أما لو امتنع الولي من القبول لمحجوره وكان الحظ له فيه فالمتجه كما قال الزركشي (١): أن الحاكم يقبل ولا يحكم بالرد "فإن مات" الموصى له "قبل" موت "الموصي (٢) بطلت" أي الوصية لأن موته قبل الاستحقاق يوجب البطلان "أو" مات "بعده وقبل القبول" والرد "قبل وارثه" (٣) أو رد؛ لأنه خليفته، لا يقال بل تلزم بالموت بغير قبول لأنا نقول وارث الموصى له فرع له فإذا لم يملك الأصل بغير قبول فالفرع أولى، والتصريح بقوله: وقبل القبول من زيادته. قال الأذرعي فلو كان وارثه طفلا فقضية ما مر في الهبة عن القاضي أنه إذا كان حظه في القبول يجب على الولي القبول له (٤)، وشمل إطلاق الوارث الوارث الخاص والعام حتى لو مات عن غير وارث خاص قام الإمام مقامه، فإذا قبل كان الموصى به للمسلمين، وبه صرح الزبيلي.
стр. 3248
"فصل: الملك" للموصى له "في الوصية موقوف (٥)، فإن قبل تبيناه"
стр. 3249
أي: الملك له "من" وقت "الموت" وإن رد تبينا أنه للوارث من وقتئذ، فعلم أنه لا يملك بالموت ولا بالقبول، وهما قولان في المسألة إذ لو ملك بالموت لما ارتد بالرد كالميراث أو بالقبول فقبله إما للميت وهو بعيد أو للوارث ويتلقاه عنه الموصى له فكذلك لأن الإرث إنما يكون بعد الوصية كما مر فتعين وقفه.
"أما الموصى بعتقه فملكه" أي فالملك فيه "للوارث حتى يعتق" والفرق أن الوصية بغير العتق تمليك للموصى له فيبعد الحكم بالملك لغيره بخلافها بالعتق "والفوائد" الحاصلة من الموصي به ككسب وثمرة ونتاج "والنفقة" وسائر المؤن المحتاج إليها "والفطرة" أي فطرة الرقيق الموصي به "تتبع الملك" فإن حدثت الفوائد قبل الموت فهي ملك للموصي أو بعده فللموصى له إن قبل، وللوارث إن رد لحدوثها على ملكه، وقضية ذلك أن أكساب العبد الموصى بعتقه قبل عتقه للوارث، لكن قال الروياني قيل: إنها على الخلاف في الموصى له، والأصح القطع بأنها للعبد (١) لتقر، واستحقاقه العتق بخلاف الموصى له فإنه مخير، وبما قاله جزم الجرجاني وجرى عليه المصنف كأصله في كتاب العتق.
"ويطالب الموصى له" بعبد أو غيره "بعد الموت بالنفقة" له "إن لم يقبل ولم يرد" كما لو امتنع مطلق إحدى زوجتيه من التعيين، فإن أراد الخلاص رد (٢)، ولو قال: أعطوا فلانا كذا بعد موتي فالملك فيه إلى الإعطاء (٣) للوارث، ولو أوصى بوقف شيء فتأخر وقفه بعد موته وحصل منه ريع كان للوارث على ما أفتى به جماعة (٤)، وقال الأذرعي إنه الأشبه (٥)، وأفتى بعضهم بأنه لمستحق الوقف.
стр. 3250
"وإن أوصى بأمته لزوجها الحر فقبل" الوصية "تبين انفساخ النكاح من" وقت "الموت" وإن رد استمر النكاح "ولو أوصى بها لأجنبي والزوج وارث" للموصي "وقبل لم ينفسخ" أي النكاح، وإن رد انفسخ لدخولها في ملك زوجها هذا، إن خرجت من الثلث "فإن لم تخرج من الثلث أو أوصى بها لوارث آخر" له "وأجاز الزوج" الوصية فيهما "فكذلك" أي لا ينفسخ النكاح بناء على أن إجازة الوارث تنفيذ لما فعله الموصي لا ابتداء عطية، فإن لم يجز انفسخ لدخول شيء مما يزيد على الثلث في ملك الزوج.
"فرع": لو "أوصى بأمته الحامل من زوجها لزوجها ولابن لها حرين موسرين" ومات "وقبلا" الوصية "معا أو مرتبا وخرجت" كلها "من الثلث عتق عن الابن" نصفها "بالملك، و" الباقي بحق "السراية ولزمه للزوج قيمة نصفها" لا نصف قيمتها لأنه إنما أتلف نصفها والأول أقل من الثاني "وعتق الحمل عليهما بالسوية" (١) أما نصيب الزوج فلأنه ولده، وأما نصيب الابن فلأن الأم عتقت عليه، والعتق يسري من الحامل إلى ما يملكه المعتق من حملها "ولا
стр. 3251
تقويم على أحدهما" في نصيب الآخر "لأنه" أي الحمل "عتق دفعة وهو لهما" فأشبه ما إذا اشترى اثنان أباهما فإنه يعتق عليهما ولا تقويم، وإنما ألحق قبولهما مرتبا بقبولهما معا فيما ذكر; لأن وقت الملك واحد وإن اختلف وقت القبول "فإن قبل الزوج وحده عتق" عليه "الحمل" نصفه بالملك ونصفه بالسراية "فقط" أي دون أمه "ولا تتبعه الأم" في العتق سراية "كما يتبعها" لأن الحمل تبع لها وليست تبعا له "ويلزمه" أي الزوج "قيمة نصفه" (١) أي الحمل "لورثة الموصي، وإن قبل الابن وحده عتقا عليه وغرم قيمة نصفها" حاملا "لورثة الموصي".
стр. 3252
"فصل: وإن أوصى له بمن يعتق عليه لم يلزمه القبول" للوصية كما لا يلزمه شراؤه إذا قدر عليه، فإن رد فذاك، أو قبل بان أنه عتق عليه وقت الموت "وإن ملك ابن أخيه فأوصى به لأجنبي" وقبله "ملكه" ولا يعتق على أخيه "ولو ورثه أخوه" لئلا تبطل الوصية "ولو أوصى بزيد لابنه ومات" زيد بعد موت الموصي و "قبل القبول فقبل الوارث" عنه "فهو كقبول الموصى له في أنه يعتق عنه و" حينئذ ينظر "إن كان الوارث أخا" للموصى له "والموصى به يحجبه" الأولى قول أصله: فإن كان القابل ممن يحجبه الموصى به كالأخ "لم يرث لأنه" لو ورث لحجب الأخ وأخرجه عن كونه وارثا فيبطل قبوله، وذلك "يؤدي إلى إبطال عتقه" فلا يرث "وكذا" لا يرث "إن لم يحجبه" كابن آخر "للدور في بعضه" وإن قبل وهو صحيح لأنه لو ورث لخرج القابل عن كونه حائزا فلا يصح قبوله إلا في حصته إرثه، وقبول الموصي به ما بقي متعذر لاستلزامه توقفه على نفسه لأنه متوقف على إرثه المتوقف على عتقه المتوقف على قبوله، وإذا لم يصح قبوله فلا يعتق كله فلا يرث فتوريثه على تقديري الحجب وعدمه يؤدي إلى عدم توريثه، ويفارق إقرار
стр. 3253
الابن بابن آخر بأنهما حينئذ مقران بأنهما ابنا الميت فورثا المال، وهنا العتق في جميعه لا يصح إلا بقبول من يحوز جميع التركة ولا مدخل للمقبول في القبول، فإذا لم يكن الأول حائزا بطل القبول من أصله.
"فرع: متى أوصى له بمن يعتق عليه ومات قبل القبول وخلف ابنين فقبلا" الوصية "عتق عن الميت وإن قبل أحدهما ورد الآخر عتق" منه "نصفه ثم يقوم الباقي على التركة من نصيب القابل فقط إن وفى به" نصيبه "وإلا فلا" تقويم إلا إن وفى ببعض الباقي فيقوم بقدره، ولا عبرة بيساره في نفسه; لأن العتق وقع عن الميت فلا يكون التقويم على غيره وإنما لم يقوم على غير القابل لأن سبب العتق القبول، والذي لم يقبل لم ينسب إليه، واعترضه الأصل بأنه وإن لم ينسب إليه فهو معترف بعتق نصيب القابل واقتضائه التقويم، والتقويم كدين يلحق التركة، وأجيب عنه بأنه ليس كل دين يلحق التركة يلزم جميع الورثة بل ذلك فيما إذا لم يختص السبب ببعضهم بخلاف ما إذا اختص ببعضهم كإقراره بالدين مع إنكار الباقي، ومسألتنا من هذا القسم، وكلام المصنف كأصله يقتضي التقويم وإن جاوز الثلث، وهو مخالف لقوله في العتق: إنما يقوم على الميت ما يخرج من الثلث، كذا قاله البلقيني، ويجاب عنه بأن التقويم هنا إنما هو على الوارث لا على الميت.
"ويجري هذا الحكم فيمن أوصي له ببعض من يعتق عليه فمات" قبل القبول "وقبل وارثه" كان الأولى له تأخير هذا كأصله عن قوله: "ثم ولاء ما عتق منه للميت، وهل يختص" به "القابل" لأنه انفرد بإكسابه أو يشاركه فيه غير القابل لتساويهما في الإرث؟ "وجهان" أصحهما في النهاية والبسيط الثاني، واختاره الشيخ أبو علي.
"وإن أوصى بأمته لابنها من غيره" ومات "فلم يحتملها الثلث فأعتق الوارث" ولو معسرا "الزائد" عليه "ثم قبل الابن" الوصية "تبين عتق ما قبله من" وقت "الموت و" تبين "بطلان عتق الوارث ويقوم نصيبه على الابن" لأنا تبينا استناد عتقه إلى وقت الموت، وعتق الوارث متأخر عنه إذ لا بد فيه من مباشرة الإعتاق، فإن لم يقبل الابن الوصية تبينا أن جميعها للوارث فيسري العتق من البعض الذي أعتقه إلى الباقي أما إذا احتملها الثلث وقبل الابن الوصية
стр. 3254
عتقت عليه، وإن ردها بقيت للوارث وإن لم يحتملها الثلث ولم يعتق الوارث الزائد فالجواب في قدر الثلث والزائد، كذلك ذكره الأصل.
"ولو كانت المسألة بحالها ووارث الموصي ابن" له "آخر من هذه الأمة" بنكاح فإن رد الموصى له عتقت على الوارث وإلا فإن خرجت من الثلث أو زادت عليه "وأجاز" الوارث "الزائد" منهما على الثلث "عتقت على الموصى له وإلا" أي وإن لم يجز الزائد "فالزائد يعتق على الوارث ولا يقوم نصيب أحدهما على الآخر" أما على الوارث فلأنه ملكه بالإرث وعتق الشقص المملوك بالإرث لا يقتضي السراية، وأما على الآخر فلأن نصيب شريكه عتق مع عتق نصيبه ولا تقويم فيه.
"فرع" لو "أوصى بعبده لاثنين أحدهما أباه" أو نحوه ممن يعتق عليه "فقبل الأب" أو نحوه الوصية "قبل الأجنبي أو معه عتق عليه" إن كان موسرا النصف بالملك والباقي بالسراية "وغرم له قيمة نصفه" فإن لم يقبل الأجنبي كان الغرم لوارث الموصي "وكذا إن قبل بعد الأجنبي" ولو بعد عتقه عتق على الأب وغرم للأجنبي قيمة نصفه لتبين أنه عتق عليه قبل قبول الأجنبي.
"فصل: حمل" الأمة "الموصى بها الموجودة (١) حال الوصية باعتبار أقل مدة الحمل" بأن ولدته قبل مضي أقلها من يوم الوصية "وصية" بناء على أن الحمل يعرف، فإن لم يتحقق وجوده حال الوصية فليس وصية إن كانت أمة ذات فراش لاحتمال حدوثه بعدها "والحمل الحادث بين الموت والقبول ملك للموصى له إن قبل" الوصية لحدوثه على ملكه "والحادث بين الوصية والموت باق على ملك الموصي إن ولدته قبل الموت وكذا بعده" لذلك "فإن" وفي نسخة: وإن "كان الحمل من أمة زوجها الموصى له" بها "وقبل" الوصية "فالحادث بعد الموت يتبين انعقاده حرا" لا ولاء عليه "وهي أم ولد" لأن العلوق به حدث في ملكه والمعتبر في الحكم بأمية الولد إمكان الإصابة لا حقيقتها كما صرح به الأصل "و" الحمل "الموجود حال الوصية يعتق عليه بالملك وولاؤه له، ولا تكون أم ولد" لأنها علقت منه برقيق "ولو مات" الموصى له بها "قبل القبول" والرد
стр. 3255
"قام وارثه مقامه" فيه كما علم مما مر "وإن" الأولى فإن "قبلوا" أي ورثته "فالقول" وفي نسخة فالحكم "في حرية الحمل كما سبق" في قبول مورثهم "و" لكن "لا يرث معهم كما بيناه" قبيل فرع متى أوصى له بمن يعتق عليه "وإن ردوا بطلت الوصية" كما لو رد مورثهم، والتصريح بهذا من زيادته "ولو مات الموصي والحمل داخل في الوصية اعتبر يوم الموت قيمتها حاملا من الثلث" لو أخر الظرف كان أولى، ولو ولدت قبل الموت اعتبرت قيمتهما معا من الثلث "أو غير داخل" فيها سواء أكان للموصى له أم لوارثه أم للموصي "فحائلا" تعتبر قيمتها يوم الموت، وإذا قومناهما فخرجا من الثلث فذاك "ولو عجز الثلث عنهما نفذت" أي الوصية "فيما يحتمله" الثلث "منهما على نسبة واحدة بلا قرعة، ولسائر الحيوان حكم الأمة" فيما ذكر "ويرجع في مدة حملها" أي الحامل من سائر الحيوان "إلى أهل الخبرة" لأنها تختلف
стр. 3256
"الباب الثاني في أحكام الوصية الصحيحة"
"وتنقسم" إلى ثلاثة أقسام "لفظية ومعنوية وحسابية. القسم الأول: اللفظية، وفيه طرفان: الأول في اللفظ المستعمل في الموصى به، فالحمل يصح الوصية به وحده، و" يصح "بالحامل دونه" بخلاف البيع فيهما، فعلم أنه تصح الوصية بها لرجل وبحملها لآخر، وبه صرح الأصل "ولو أطلق" الوصية بها "تبعها" (١) حملها الموجود عند الوصية كما في البيع، قال في الأصل عقب هذا: ولا يبعد الفتوى بالمنع بخلاف البيع; لأن الحمل لا يفرد بالبيع فيتبع ويفرد بالوصية فلا يتبع، ولأن الأصل تنزيل الوصية على المتيقن، ولأنها عقد ضعيف فلا تستتبع.
قال الإسنوي: وما علل به مردود، أما الأول فبدخول البناء في بيع الأرض مع إمكان إفراده بالبيع، وأما الثاني فلأن الأصل في العقود كلها تنزيلها على المتيقن أو الظاهر القريب منه، وأما الثالث فمنقوض بالرهن فإنه عقد ضعيف مع أن الحمل يدخل فيه، ويؤيد دخوله هنا دخوله في العتق.
"والوصية بالطبل تحمل على" الطبل "المباح" كطبل حرب وحجيج حملا
стр. 3257
لكلامه على الصحة إذ الظاهر أنه يقصد الثواب "فإن قال": أعطوه طبلا "من طبولي ولا مباح فيها" وليس فيها ما يصلح للمباح "بطلت" (١) أي الوصية بخلاف ما إذا كان فيها مباح تصح وتحمل عليه "أو قال": أعطوه طبلا "من مالي" وليس له طبل مباح "اشتري له" طبل "مباح".
فرع": لو "أوصى له بدف له جلاجل وحرمناها" على وجه "دفع" إليه "دونها، فإن نص عليها نزعت" منه "وأعطيها" أيضا، قال الإسنوي: كيف يستقيم تصحيح الوصية فيهما مع القول بالتحريم؟ ويجاب بأنهما يصلحان للمباح.
"وإن أوصى بعود من عيدانه وليس له إلا أعواد بناء وقسي أعطي واحدا" منهما وإن كان اللفظ لا ينصرف إليهما عند الإطلاق (٢) "فلو كان فيها أعواد لهو تصلح لمباح فكذلك" أي يعطى واحدا من الجميع; لأن أعواد اللهو لما صلحت لمباح صار لها أسوة بغيرها، وهذا ما جزم به الأصل، وقيل: يتعين إعطاء عود منها إذ كيف ينصرف إليها الإطلاق إذا لم تصلح لمباح كما سيأتي في المسألة الآتية دون ما إذا صلحت له، وعليه نص الشافعي في المختصر، وبه جزم صاحب المهذب - وغيره وصححه صاحب البيان وغيره، وللأول أن يجيب بأن الإطلاق إنما ينصرف إليها إذا لم تصلح لمباح دون ما إذا صلحت له لمشاركتها المباح
стр. 3258
حينئذ "أو لا" تصلح لمباح "حمل عليها" أي على أعواد اللهو "وبطلت" أي الوصية إذ لا يقصد الانتفاع بها شرعا، وفارق عدم بطلانها في نظيره من الطبول بأن مطلق العود ينصرف إلى عود اللهو، واستعماله في غيره مرجوح، والطبل يقع على الجميع وقوعا واحدا ولقائل أن يمنع ظهور اسم العود في عود اللهو ويقول: بل هو مشترك بينه وبين غيره من الأعواد، ذكره الأصل.
"وكذا لو أوصى" له "بعود ولا عود له اشتري له عود لهو يصلح لمباح وأعطيه" عبارة الأصل: ولو أوصى بعود ولا عود له فمقتضى تنزيل مطلق العود على عود اللهو بطلان الوصية، أو أن يشترى له عود لهو يصلح لمباح، وأطلق المتولي أنه يشتري ما لو كان موجودا في ماله أمكن تنفيذ الوصية بالعود به. انتهى. فالترجيح من زيادة المصنف (١)، ويوجه بأنه لما لم يضف العود إلى عيدانه كان إلى الصحة أقرب، وإذا صحت الوصية بالعود أعطيه "دون الوتر والمضراب" وهو ما يضرب به العود وتوابعهما كالملاوي التي يلوى عليها الأوتار والحمار وهو الخشبة التي يركب عليها الأوتار; لأنه يسمى عودا بدونها، قال في الأصل: ولو أوصى بعود من عيدانه وليس له إلا عود لهو وعود بناء وعود قسي فإن حملنا لفظ العيدان على هذه الآحاد فقد حملنا المشترك على معانيه معا وفيه خلاف لأهل الأصول، فإن منع فهذه الصورة كما لو أوصى بعود من عيدانه وليس له إلا عود لهو أو لا عود له زاد النووي: قلت: مذهب الشافعي ﵁ حمل المشترك على معانيه، ووافقه عليه جماعة من أهل الأصول. انتهى. لكنه خالفه في باب العتق فيما لو قال: إن رأيت عينا فأنت حر، فرجح فيه أنه لا يحمل على معانيه.
"وكذا" الحكم "في المزمار" فتصح الوصية به "إن صلح لمباح" دون ما إذا لم يصلح له، وإذا صحت "لا يعطى" الموصى له به "المجمع" أي "الموضوع بين الشفتين"; لأن الاسم لا يتوقف عليه، قال الأذرعي: وظاهر كلامهم أنه يعطي المزمار (٢) بهيئته، وقال الروياني تبعا للماوردي: يجب أن يفصل من غير ترضيض بحيث يخرج به عن اللهو ثم يعطاه "وإن أوصى له بقوس حمل على العربية" وهي
стр. 3259
التي يرمى بها النبل وهي السهام الصغار العربية "و" على "الفارسية" وهي التي يرمى بها النشاب "و" على "قوس الحسبان" بضم الحاء وبالسين المهملة وبالباء الموحدة "وهي التي لها سهام صغار" ترمى لمجرى فيها، فالحسبان اسم للسهام الصغار المذكورة كما ذكره الجوهري وغيره، وكلام الأصل هنا يمكن حمله عليه لكنه صرح في المسابقة بأنه اسم للقوس المذكورة "لا" على "قوس بندق و" لا قوس "ندف" لاشتهار القوس في الثلاثة الأول دون هذين. والبندق يسمى بالجلاهق بضم الجيم كما ذكره الجوهري وغيره، وذكر الأصل أن الجلاهق اسم لقوس البندق، ونقله الأذرعي عن الأزهري "إلا أن قال": أعطوه "ما يسمى قوسا" فلا يقتصر على الثلاثة بل يعطى واحدة من الجميع "ولو قال": أعطوه قوسا "من قسي وليس له إلا هما" أي قوسا البندق والندف "تعين البندق" أي قوسه; لأن الاسم إليها أسبق، ولو لم يكن له إلا أحدهما حمل اللفظ عليه للتقييد بالإضافة، صرح به الأصل، هذا كله عند الإطلاق "فإن بين الغرض اتبع، بأن قال: ليندف" بها "أو يرمي بها الطير" أو يقاتل بها.
"فرع: لو أوصى بقوس" أو طبل "لم يدخل الوتر" في القوس "ولا الجلد الزائد فيها" أي في الطبل إذا كان "يسمى الطبل" أي طبلا "دونه" لأن كلا منهما خارج عن المسمى، وكما لا يدخل السرج في الوصية بالدابة "ويدخل النصل والريش في اسم السهم" لثبوتهما فيه
"وإن قال": أعطوه "شاة من شياهي" أو من غنمي "أو" من "مالي أجزأت" شاة "معيبة ومريضة معزا وضأنا ولو ذكرا" وصغير الجثة لصدق اسمها بذلك; لأنها اسم جنس كالإنسان، والهاء فيها للوحدة (١) لا للتأنيث، ولهذا يجوز
стр. 3260
إخراج الذكر عن خمس من الإبل، ونص في الأم على أن الذكر لا يدخل هنا للعرف، قال الأذرعي: ورجحه كثير من العراقيين واقتضاه كلام باقيهم وهو المذهب، قال: وقد يفرق بينه وبين الزكاة بأن الشاة ثم محمولة على اللغة، وهنا على عرف الاستعمال كما نص عليه الشافعي، وإنما جوزوا المعيب هنا وإن اقتضى الإطلاق السلامة; لأن الوصية لا زيادة فيها على مقتضى اللفظ لعدم ما يدل عليها - بخلاف الكفارة وغيرها (١) "لا سخلة وعناقا" لأن الاسم لا يصدق بهما لصغر سنهما، كذا صححه الأصل ونقله الرافعي عن الصيدلاني وصححه البغوي، لكن نقل الروياني عن سائر الأصحاب والغزالي عنهم خلا الصيدلاني إجزاءهما، واختاره السبكي. والسخلة. ولد الضأن والمعز (٢) ذكرا كان أو أنثى ما لم يبلغ سنة، والعناق: الأنثى من ولد المعز كذلك، وكالعناق الجدي كما شملته السخلة، ولو اقتصروا على ذكرها كفى عن ذكر العناق والجدي.
"وفي قوله" أعطوه شاة "من مالي لا تتعين" الشاة "في غنمه" فيجوز إعطاؤها على غير صفة غنمه "بخلاف" قوله: أعطوه شاة "من شياهي" أو من غنمي يتعين الشاة فيها فلا يجوز الإعطاء من غيرها "فإنه إذا لم يكن له" في هذه عند موته "شاة بطلت" وصيته لعدم ما يتعلق به بخلاف ما لو قال: أعطوه شاة من مالي ولا شياه له فلا تبطل الوصية بل يشترى له من ماله شاة.
"ولو" وفي نسخة: وإن "قال اشتروا له شاة تعينت سليمة" لأن إطلاق الأمر بالشراء (٣) يقتضيها كما في التوكيل بالشراء "بخلاف قوله أعطوه" شاة لا تتعين السليمة لما مر "وإن قال": أعطوه شاة "يحلبها" أو ينتفع بدرها ونسلها "تعينت أنثى" من الضأن أو المعز "أو ينزيها" على غنمه "تعين كبش (٤) أو