الأذرعي وفي الأخيرة نظر (١) "ولو ضعف أحدهما" عن التصرف "انفرد الآخر" به كما لو مات أو جن أو فسق أو لم يقبل الوصاية (٢).
"وللإمام نصب من" أي شخص "يعين الآخر فإن تعين اجتماعهما" على التصرف "واستقل أحدهما" به "لم يصح تصرفه وضمن ما أنفق" على الأولاد أو غيرهم "وعلى الحاكم نصب آخر إن مات أحدهما أو جن" أو فسق أو غاب أو لم يقبل الوصاية (٣) ليتصرف مع الموجود "وليس له جعل الآخر مستقلا" في التصرف; لأن الموصي لم يرض برأيه وحده بخلاف ما إذا شرط استقلال من بقي منهما بالتصرف بعد موت صاحبه أو جنونه أو غيرهما مما ذكر فإنه لا ينصب بدله بل يستقل به الثاني كما أن لكل منهما الاستقلال فيما لو شرطه أو لا "ولو ماتا" مثلا "جميعا لزمه" أي الحاكم "نصب اثنين" مكانهما ولا يكتفي بواحد اتباعا لرأي الموصي وإذا تعين اجتماع الاثنين "فلا يصدر تصرف إلا برأيهما" وإن لم يباشراه "فيوكلان" ثالثا "أو يأذن أحدهما للآخر" فيه (٤) "وإن جعل المالك أحدهما مشرفا" على الآخر "لم يتصرف الآخر إلا بإذنه" قال العبادي (٥): لو قال الموصي: اعمل برأي فلان أو بعلمه أو بحضرته جاز أن يخالفه فيعمل بدون أمره فإن قال له: لا تعمل إلا بأمر فلان أو إلا بعلمه أو إلا بحضرته فليس له الانفراد; لأنهما وصيان.
"فصل" لو "أوصى إلى زيد ثم أوصى إلى عمرو لم ينعزل زيد إلا أن قال"
стр. 3327
أوصيت إلى عمرو "فيما أوصيت فيه إلى زيد" فينعزل زيد كنظيره في الوصية بالمال "ثم" إذا لم ينعزل زيد "لا يستقل أحدهما بالتصرف" (١) بل لا بد من اجتماعهما فيه; لأنهما شريكان كذا صححه الأصل ونقل عن البغوي مقابله وضعفه لكن صححه السبكي والبلقيني "إلا أن انفرد بالقبول" فيستقل به حينئذ كنظيره في الوصية بالمال "وإن قال لزيد ضممت إليك عمرا أو لعمرو ضممتك إلى زيد وقبلا اشتركا" قال في الأصل ويشبه أن يقال زيد وصي وعمرو مشرف عليه "ولو قبل زيد وحده استقل" (٢) بالتصرف; لأنه أفرده بالوصاية إليه "قال الرافعي" وتبعه النووي فكان الأولى أن يقول على عادته قال في الأصل "وفيه نظر" لأن ضم عمرو إليه يمنع استقلاله; لأن الضم كما يشعر بعدم الاكتفاء بالمضموم يشعر بمثله في المضموم إليه فليصر عمرو مشرفا على زيد ويجوز جعل قوله وفيه نظر راجعا إلى المسألتين فيوفي بكلام الأصل "أو" قبل "عمرو" وحده "فلا" يستقل به "بل يضم القاضي إليه آخر" لأنه لم يفرده بالوصاية بل ضمه إلى غيره وذلك يقتضي الشركة.
стр. 3328
"فرع" لو "اختلف الوصيان" في التصرف بأن قال كل أنا أتصرف "فإن كانا مستقلين نفذ تصرف السابق" منهما وقيل يتصرف كل منهما في نصف الموصى فيه إن كان مما ينقسم وإلا ترك بينهما حتى يتصرفا فيه إذ ليس أحدهما بأولى من الآخر والتصريح بالترجيح من زيادته "أو" كانا "غير مستقلين ألزما العمل بالمصلحة" التي رآها الحاكم "وإن امتنعا" من ذلك "لم ينعزلا فينوب" بضم الياء وتشديد الواو والمعروف فينيب من أناب "الحاكم عنهما اثنين" أمينين "أو" أناب "واحدا" أمينا "إن امتنع أحدهما" من ذلك "وإن اختلفا في تعيين من تصرف" الوصية "إليه من الفقراء" أو غيرهم "عين الحاكم" من يراه "وإن اختلف الوصيان في الحفظ قسمه" الحاكم "بينهما فإن تنازعا في" النصف "المقسوم أقرع" بينهما "ولو لم يكونا مستقلين" بالتصرف "ويتصرفان معا في الكل" بأن يتصرف كل منهما مع صاحبه فيما بيده ويد صاحبه; لأنه إذا كان المال بيدهما كان النصف بيد كل منهما فجاز أن يعين ذلك النصف هذا إذا انقسم الموصى فيه. "فإن لم ينقسم جعله الحاكم تحت يدهما" كأن يجعلاه في بيت ويقفلانه "وإن تراضيا بنائب لهما" في الحفظ "فذاك" واضح "وإلا حفظه القاضي هذا" أي ما ذكر من التفصيل "في وصي التصرف" إذا اختلفا في الحفظ إلى وقت التصرف "أما وصيا الحفظ فلا ينفرد أحدهما" بحال.
стр. 3329
"فصل: للموصي الرجوع" عن الوصية متى شاء " وللوصي أن يعزل نفسه" متى شاء; لأن الوصية جائزة من الطرفين كالوكالة هذا "إن لم تتعين عليه" (١) الوصية "ولم يغلب على ظنه (٢) تلف المال باستيلاء ظالم" من قاض وغيره وإلا فليس له ذلك (٣) قال الإسنوي وعلى هذا لو لم يقبل فهل يلزمه القبول؟ فيه نظر يحتمل اللزوم لقدرته على دفع الظالم بذلك ويحتمل خلافه انتهى. والأوجه
стр. 3330
الأول (١) إن تعين طريقا في الدفع قال الأذرعي ولو غلب على ظن الموصي أن عزله لوصيه مضيع لما عليه من الحقوق أو الأموال أو لأولاده باستيلاء ظالم أو خلو الناحية عن حاكم أمين فيظهر أنه لا يجوز له عزله (٢).
"ويقضي" الوصي "دين الصبي وغرمه" الذي لزمه "وزكاته وكفارة قتله" نعم لو كان لا يرى وجوب الزكاة في ماله كالحنفي فالاحتياط أن يحبس زكاته حتى يبلغ فيخبره بذلك ولا يخرجها فيغرمه الحاكم كما مر بيانه في أول كتاب الزكاة والمصنف جعل ما عدا الدين مغايرا له (٣) والأصل جعله داخلا فيه حيث قال ويقضي الديون التي على الصبي من الغرامات والزكوات وكفارة القتل والأمر في ذلك سهل "وينفق عليه وعلى من يمونه بالمعروف" وهو ترك الإسراف والتقتير فإن أسرف ضمن الزيادة وهذه تقدمت مع زيادة في كتاب الحجر "ويشتري له خادما إن لاق" به "واحتاج" إليه فإن احتاج إلى أكثر من خادم زيد بحسب الحاجة.
"فرع: يقبل قول الوصي" (٤) بيمينه إذا نازعه الولد بعد كماله (٥) "في دعوى التلف (٦) والإنفاق" عليه وعلى ممونه "وعدم الإسراف" في الإنفاق عليهم بأن ادعى ما يليق بحالهم; لأن الأصل عدم الخيانة ولعسر إقامة البينة في الأخيرين "لا إن عين" قدر ما ادعاه من الإنفاق "وكذبه الحس" فلا يقبل قوله بل يقبل
стр. 3331
قول الولد في الزائد "ولا يقبل" قول الوصي "في تاريخ موت الأب" كأن قال مات من ست سنين، وقال الولد من خمس واتفقا على الإنفاق من يوم موته; لأن الأصل عدم الموت في الوقت الذي يدعيه ولسهولة إقامة البينة على الموت ومثله ما لو نازع الولد الوالد أو الوصي أو القيم في أول مدة ملكه للمال الذي أنفق عليه منه "ولا في" دعوى "رد المال" إليه بعد كماله لقوله تعالى: ﴿فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٦] ولو قبل قوله لما احتيج إلى الإشهاد ولأن الأصل عدم الرد (١) لسهولة إقامة البينة عليه. "و" لا في "بيعه لحاجة أو غبطة" (٢) ; لأن الأصل عدمهما واستمرار ملكه وتقدم هذا مع زيادة في كتاب الحجر وقيم الحاكم كالوصي فيما ذكر صرح به الأصل وكذا الأب والجد إلا في دعوى البيع لما ذكر فيصدقان بيمينهما لوفور شفقتهما كما مر في كتاب الحجر أيضا وأما الحاكم فقال القمولي: إنه كالوصي (٣) وقال السبكي مرة: إنه يقبل قوله بلا يمين إن كان باقيا على ولايته وإلا ففيه نظر وإطلاق صاحب التنبيه يقتضي أنه كالوصي وفي كلام الجرجاني إشارة إليه ثم قال مرة أخرى في فتوى بعد ذكره ما قاله في المرة الأولى والذي يظهر لي الآن (٤) وهو الحق أنه يقبل قوله وإن لم يبق على ولايته; لأنه حين تصرف كان نائب الشرع وأمينه مثله انتهى فعنده يقبل قولهما بلا يمين والأوجه أنه لا يقبل بدونها كالأب والجد.
"وإن بلغ" الصبي "مجنونا أو سفيها استمرت ولاية الوصي" كما مر في الحجر.
стр. 3332
"فصل: يدفع" الوصي "للمبذر نفقة يوم" بيوم "أو" نفقة "أسبوع" بأسبوع "على ما يراه ويكسوه" كسوة مثله "فإن كان يتلفها هدده ثم" إن ارتدع فذاك وإلا "قصره في البيت على إزار وإن خرج كساه ووكل به" من يراقبه قال الأذرعي والاقتصار على الإزار في البيت يتمشى في وقت الحر أما في وقت البرد فبعيد فإنه يؤدي إلى هلاكه فيلبسه ما يدفع عنه ضرر البرد (١) ويراقب في البيت كما يراقب حال خروجه.
"فصل ولا يزوج الوصي الطفل وإن أوصي" له "بذلك" لما مر "ولا يبايعه" (٢) بأن يبيع ما له لنفسه وعكسه ولو بأكثر من ثمن المثل في الأولى وبدونه في الثانية وهذه تقدمت مع زيادة في كتاب الحجر "ولا يبيع مال صبي لصبي يليهما" لأنه لا يتولى الطرفين بخلاف الأب والجد لقوة ولايتهما وقد أفتى الأذرعي تفقها بأنه يجوز لأحد الوصيين أن يشتري من الوصي الآخر إن كان كل منهما مستقلا لكن أطلق القاضي أن الوصي إذا أراد أن يشتري من مال الطفل رفع الأمر إلى الحاكم حتى يبيع منه فلعله محمول على غير ما أفتى به الأذرعي وقد جرى عليه الزركشي في الخادم "وتقبل شهادته على الطفل لا له بمال" كما في شهادة الولد "ولا" تقبل شهادته له "بمال وصي إليه بتفرقة ثلثه" فقط; لأنه يثبت لنفسه ولاية ولو عبر بدل لا بلو لكان أنسب بقول الأصل ولا تجوز شهادته له بمال وإن كان وصيا في تفرقة الثلث فقط قال في الأصل ويجوز لمن هو وصي في مال معين أن يشهد بغيره.
стр. 3333
"مسائل" وفي نسخة فصل مسائله"منثورة
للوصي التوكيل المعتاد" أي أن يوكل فيما لم تجر العادة بمباشرته لمثله (١) كالوكيل (٢) قال ابن الرفعة هذا وجه والذي حكاه الشيخ أبو حامد عن المذهب الجواز مطلقا وبه جزم المحاملي قال الأذرعي وهو المذهب في البيان وغيره وهو قضية كلام الرافعي في النكاح في كلامه على توكيل الولي في التزويج; لأنه يتصرف بالولاية كالأب والحاكم بخلاف الوكيل وأطال في بيان ذلك وذكر نحوه الزركشي ثم قال وبالجملة فالصواب نقلا ومعنى الجواز مطلقا "ولا يخالط الطفل بالمال إلا في المأكول كالدقيق واللحم للطبخ ونحوه" مما لا بد منه للإرفاق وعليه حمل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠] وتقدم هذا في كتاب الحجر "ولا يستقل بقسمة مشترك بينهما"; لأنها إن كانت بيعا فليس له تولي الطرفين وإن كانت إفراز حق فليس له أن يقبض لنفسه من نفسه. "ولو باع له" شيئا "حالا لم يلزمه الإشهاد" فيه بخلاف ما إذا كان مؤجلا والتقييد بالحال من زيادته هنا وقد ذكره كالروضة في آخر الباب الأول من أبواب الرهن "ولو فسق الولي قبل انقضاء الخيار هل يبطل" البيع أو لا "وجهان"
стр. 3334
قال الأذرعي أشبههما الثاني (١) وهو قضية كلامهم في جنون العاقد وذكر نحوه الزركشي فقال: الظاهر أنه لا يبطل بل يقوم الحاكم مقامه ويفعل الأحظ للمولى عليه.
"ويقارض بماله" ثقة "ولو مسافر (٢) إن أمن" الطريق; لأن المصلحة قد تقتضي ذلك والولي مأمور بها وهذه تقدمت مع زيادة في كتاب الحجر.
"ولو قال: أوصيت إلى الله" - تعالى - "وإلى زيد (٣) حمل" ذكر اسم الله "على التبرك" لظهور المراد فتكون الوصاية إلى زيد وقيل إلى زيد والحاكم والترجيح من زيادته وبه صرح الإسنوي وكلام الرافعي يقتضيه وفارق نظيره في الوصية بالمال حيث تصح في النصف لزيد بأن الوصية بالمال - لله تعالى - وصية صحيحة ويصرفها في وجوه البر والقربات فإذا شرك بينها وبين جهة أخرى صح القول بالتنصيف وأما الوصاية بالأولاد إليه - تعالى - فليس لها جهة صحيحة فتعين إرادة التفويض إليه تعالى والتبرك به. قال الزركشي: فلو أتى بدل الواو بثم فالمتجه أن الوصاية لزيد قطعا وفي وصية الشافعي وجعل محمد بن إدريس - - إنفاذ ما كان من وصاياه إلى الله ثم إلى عبد الله بن عبد الحكم القرشي إلى آخره.
"وإن أوصى بشيء لرجل" لم يذكره "وقال: قد سميته لوصي فسماه" وصيه على وجه الإخبار "فللورثة تكذيبه فلو شهد له الوصي" بذلك "وحلف" معه "استحق" الموصى به بشرطه وهذا من زيادته وبه صرح الإمام وغيره "وإن سماه" الموصي "لوصيين" له "أعطى من عيناه وإن اختلفا في التعيين هل تبطل" الوصية "أم يحلف كل" من المعينين "مع شاهده قولان" فعلى الثاني يكون بينهما كما قاله الهروي وغيره واستشكله الأذرعي بأن الموصي إنما جعلها لواحد فقسمتها
стр. 3335
بينهما خلاف قوله وقول الوصيين وقول الموصى له قال: وقضية ما سيأتي في كتاب الدعاوى ترجيح الوجه الأول (١).
"وإن خاف الوصي على المال" من استيلاء ظالم "فله تخليصه بشيء منه" (٢) ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠]. قال الأذرعي ومن هذا ما لو علم أنه لو لم يبذل شيئا لقاضي سوء لانتزع منه المال وسلمه لبعض خونته وأدى ذلك إلى استئصاله ويجب أن يتحرى في أقل ما يمكن أن يرضى به الظالم (٣)، والظاهر تصديقه (٤) إذا نازعه المحجور عليه بعد رشده في بذل ذلك، وإن لم تدل القرائن عليه قال: ويقرب من هذا قول ابن عبد السلام (٥): يجوز تعييب مال اليتيم والسفيه والمجنون لحفظه إذا خيف عليه الغصب كما في قصة الخضر ﵇ قال أعني الأذرعي: فلو نازعه المحجور عليه بعد رشده في أنه لم يفعله لهذا الغرض فهل يصدق؟ ينظر إن دلت الحال على صدقه فنعم وإلا فلا، وفيه احتمال انتهى والأوجه التسوية (٦) بين هذا وما قاله آنفا في أنه لا فرق; لأن ذلك لا يعلم إلا منه غالبا.
"وإن قال" الموصي لوصيه "بع أرضي" الفلانية "وأعتق عني رقبة من ثمنها وحج" عبارة الأصل وأحج "عني" منه فباعها "وزع" الثمن "عليهما" أي على قيمة الرقبة وأجرة الحج "فإن عجز" الثمن عنهما "وأمكن تنفيذها" أي الوصية "في واحد" منهما "بعينه نفذها فيه ورد الفاضل للورثة" كما لو أوصى لكل من
стр. 3336
زيد وعمرو بعشرة وكان ثلثه عشرة فرد أحدهما دفعت العشرة إلى الآخر "أو" أمكن تنفيذها في "كل واحد" منهما "على انفراده كأن قال أحجوا" عني "واعتقوا" عني "عبدا من ثلثي" واحتاج كل منهما إلى مائة مثلا "ولم يف" الثلث "إلا بأحدهما أقرع بينهما" ولا يوزع إذ لو وزع لم يحصل واحد منهما.
стр. 3337
"كتاب الوديعة"
تقال على الإيداع وعلى العين المودعة من ودع الشيء (١) يدع إذا سكن; لأنها ساكنة عند المودع، وقيل: من قولهم فلان في دعة أي راحة; لأنها في راحة المودع ومراعاته، والأصل فيها قبل الإجماع قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] وقوله ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] وخبر "أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك" رواه الترمذي وقال: حسن غريب والحاكم وقال: على شرط مسلم (٢)، ولأن بالناس حاجة بل ضرورة إليها "وهي توكيل بالحفظ (٣) لمملوك أو مختص".
"وقبولها مستحب للأمين القادر على حفظها" لأنه من التعاون المأمور به "واجب عليه عند عدم غيره" (٤) كأداء الشهادة (٥) "بالأجرة" فالواجب أصل القبول دون إتلاف منفعته ومنفعة حرزه في الحفظ بلا عوض وقضيته أن له أن يأخذ أجرة الحفظ (٦) كما يأخذ أجرة الحرز، ومنعه الفارقي وابن أبي عصرون; لأنه صار واجبا عليه فأشبه سائر الواجبات، وظاهر كلام الأصحاب الأول وقد تؤخذ الأجرة على الواجب كما في سقي اللبا "فإن لم يفعل" أي؟ يقبل "عصى"
стр. 3338
لتركه الواجب بلا عذر "ولم يضمن" إن تلفت; لأنه لم يلتزم حفظها.
"أو أكره" على قبولها "ففعل وتلفت بلا تقصير" منه "لم يضمن" كما لو قبضها مختارا وأولى "و" قبولها أي أخذها "حرام على العاجز" عن حفظها (١) ; لأنه يعرضها للتلف. قال ابن الرفعة (٢) ومحله إذا لم يعلم المالك (٣) بحاله وإلا فلا تحريم (٤) قال الزركشي: وفيه نظر والوجه تحريمه عليهما إما على المالك فلإضاعته ماله (٥) وأما على المودع فلإعانته على ذلك وعلم المالك بعجزه لا يبيح له القبول ومع ذلك فالإيداع صحيح الوديعة أمانة وأثر التحريم مقصور على الإثم لكن لو كان المودع وكيلا أو ولي يتيم حيث يجوز له الإيداع فهي مضمونة بمجرد الأخذ قطعا.
"وفيمن لا يثق بأمانة نفسه" فيها "وجهان":
أحدهما: يحرم عليه قبولها.
والثاني: يكره (٦) وبه جزم في أصل المنهاج (٧) لكن عبارة المحرر لا ينبغي أن يقبلها. قال الأذرعي: وبالتحريم أجاب الماوردي وصاحب المهذب والروياني، والشاشي، والبغوي، وغيرهم. وهو المختار. قال وليكن محل الوجهين فيما إذا أودع مطلق التصرف مال نفسه وإلا فيحرم قبولها منه جزما. قال ابن الرفعة: ويظهر أن هذا (٨) إذا لم يعلم المالك الحال و إلا فلا تحريم ولا كراهة وفيه ما مر قال في الأصل ولا يصح إيداع الخمر ونحوها أي الخمر غير المحترمة ونحوها مما لا
стр. 3339
اختصاص فيه، أما ما فيه اختصاص (١) كجلد ميتة لم يدبغ وزبل وكلب محترم فيجوز إيداعه كالمال كما صرح به البارزي وشمله قول الوسيط: الوديعة كل ما تثبت عليه اليد الحافظة ومنع ابن الرفعة والقمولي أن ذلك كالمال قالا; لأن حكم الوديعة الأمانة والضمان بالتقصير وهذا لا يضمن إذا تلف وهذا خلاف لفظي; إذ القائل بأنه كالمال لا يريد أنه يضمن بتلفه كالمال بل يريد أنه يصح إيداعه ويجب رده ما دام باقيا كما في المال غير المتمول فإنه كذلك مع أنه إذا تلف لا يضمن.
стр. 3340
"فصل: يشترط" للإيداع "الإيجاب" المراد بالشرط ما لا بد منه إذ الإيجاب ركن للإيداع. وأركانه أربعة: العاقدان، الوديعة، والصيغة، فلا بد من صيغة دالة على الاستحفاظ "كأودعتك" (٢) هذا المال "واحفظه ونحوه" كاستحفظتك وأنبتك في حفظه وهو وديعة عندك "لأنها عقد" كالوكالة لا إذن مجرد في الحفظ "ولو علقها" كأن قال: إذا جاء رأس الشهر فقد أودعتك هذا "فكالوكالة" فلا تصح حتى يسقط المسمى إن كان ويرجع إلى أجرة المثل ويصح الحفظ بعد وجود الشرط كما يصح التصرف ثم حينئذ، والقياس على الوكالة هو ما بحثه الأصل بعد نقله عن قطع الروياني الجواز.
"و" يشترط "القبول" من الوديع "ولو بالقبض" (٣) كما في الوكالة بل أولى لبعدها عن مشابهة العقود قال الماوردي وغيره: ولا تفتقر الوديعة إلى علم الوديع بما فيها بخلاف اللقطة لما يلزمه من تعريفها.
"فإن لم يوجب" المالك "له" بل وضع ماله بين يديه سواء أقال له قبل ذلك أريد أن أودعك أم لا "أو أوجب" له حين وضعه بين يديه "ورد" هو "ضمن بالقبض" إن قبض إلا إن كان معرضا للضياع فقبضه حسبة صونا له عن الضياع فلا يضمن "لا بالتضييع" له بأن ذهب فتركه فلا يضمن "وإن أثم" به إن كان ذهابه بعد غيبة المالك كما يعلم مما يأتي وخرج برده ما لو قبل ولو بقوله ضعه فإنه
стр. 3341
إيداع قاله البغوي (١) وصححه الرافعي في الشرح الصغير. وقال المتولي لا حتى يقبضه "وذهاب الوديع" مع تركه الوديعة "والمالك حاضر كالرد" لها فلا ضمان.
стр. 3342
"فصل: وديع الصبي والمجنون" والعبد "ضامن" لوديعتهم; لأن شرط موجبها إطلاق التصرف كقابلها فهو مقصر بالأخذ ممن ليس أهلا للإيداع ولا يزول ضمانه إلا بردها إلى مالك أمرهم (٢) "فلو خشي ضياعها" في يدهم "فأخذها" (٣) منهم "حسبة" صونا لها عن الضياع "فلا ضمان" عليه كما لو أخذ المحرم صيدا من جارحة ليتعهده فتلف لا يضمنه كما مر في بابه "وضمان الوديعة" التي أودعها مالكها لصبي أو عبد "يلزم الصبي ورقبة العبد بالإتلاف" منهما لها لعدم تسليطهما عليه كما لو أتلفا مال غيرهما بلا استيداع ولا تسليط وقيل يلزم الضمان في مسألة العبد ذمته والتصريح بالترجيح فيها من زيادته (٤) "لا بالتقصير" (٥) إذ ليس عليهما حفظها لعدم صحة التزامهما فهو كما لو تركها عند غيرهما بلا استيداع فتلفت "والسفيه" المحجور عليه "كالصبي" (٦) فيما ذكر.
стр. 3343
"وولد الوديعة كأمه" فيكون وديعة بناء على أنها عقد وقيل ليس بوديعة بل أمانة شرعية في يده يجب ردها في الحال اعتبارا بعقد الرهن والإجارة وترجيح الأول من زيادته وبه جزم القاضي والإمام وقالا: لا فائدة للخلاف. قلت: وقد يقال بل له فائدة وهي أن العين يجب ردها على الثاني حالا وعلى الأول إنما يجب بعد الطلب.
стр. 3344
"فصل وأحكامها" أي الوديعة "ثلاثة: الأول الجواز" (١) من الجانبين "فتنفسخ بموت أحدهما وإغمائه" وجنونه وحجر السفه والجحود المضمن (٢) ونقل الملك عن الوديعة ونحوها كالوكالة "ولو عزل" الوديع "نفسه" (٣) أو عزله المالك انفسخت بناء على أنها عقد وبقي المال في يده أمانة شرعية كالثوب الذي طيرته الريح إلى داره و "لزمه الرد" وإن لم يطلب منه "فإن أخر" هـ "بلا عذر ضمن".
الحكم "الثاني الأمانة" (٤) لأن الوديع يحفظها للمالك فيده كيده ولو ضمن لرغب الناس عن قبول الودائع "و" إنما "يضمن بالتقصير وله" أي للتقصير "أسباب" (٥) ثمانية "أحدها: إيداعها" بغير إذن مالكها "بلا عذر" عند غيره "ولو عند القاضي"; لأن المالك لم يرض بيد غيره وأمانته ولا عذر، واستثنى
стр. 3345
السبكي وغيره (١) ما لو طالت غيبة المالك فأودعها الوديع القاضي "وله الاستعانة في حفظها وعلفها" وسقيها ولو بأجنبي "ونظره" باق "عليها كالعادة" لجريان العادة بذلك "فإن كانت بمخزنه فخرج لحاجته واستحفظ" عليها "ثقة يختص به وهو يلاحظ" بها في عوداته "فلا بأس" به "وإن قطع نظره عنها ولم يلاحظها ففي تضمينه تردد" عن الإمام وصرح الفوراني بالمنع (٢) وقال إنه الذي يشعر به فحوى كلام الأئمة "وإن كانت في غير مسكنه ولم يلاحظ" ها "ضمن" لتقصيره أما إذا استحفظ غير ثقة أو من لا يختص به فعليه الضمان.
"فرع: يجب ردها إلى المالك أو وكيله (٣) عند خوف" عليها "كالحريق واستهدام الحرز ولم يجد" حرزا "غيره" ينقلها إليه "أو" عند "سفر ثم" إن تعذر وصوله إليهما (٤) ردها "إلى القاضي" (٥) ; لأنه نائب عن كل غائب ويلزمه القبول ممن سافر وإن كان سفره لا لحاجة; لأنه نائب الغائبين، قال الماوردي: ويلزمه الإشهاد على نفسه بقبضها (٦) "ولا يلزمه قبول الدين" (٧) ممن هو عليه "ولا المغصوب" من غاصبه "للغائب" فيهما; لأن بقاء كل منهما أحفظ لمالكه; لأنه يبقى مضمونا له ولأن الدين في الذمة لا يتعرض للتلف وإذا تعين تعرض له ولأن من في يده العين يثقل عليه حفظها "ثم" إن لم يجد قاضيا ردها "إلى أمين" لئلا يتضرر بتأخير السفر وهل يلزمه الإشهاد عليه بقبضها وجهان حكاهما الماوردي
стр. 3346
أوجههما اللزوم (١) "والترتيب" فيما ذكر "واجب فإن تركه" بلا عذر بأن ردها إلى القاضي أو أمين مع إمكان ردها إلى المالك أو وكيله أو ردها إلى أمين مع إمكان ردها إلى القاضي "ضمن" لعدوله عن الأقوى (٢).
قال الفارقي: وهذا في غير زماننا أما فيه فلا يضمن بردها إلى ثقة مع وجود الحاكم لما ظهر من فساد الحكام "فإن دفنها بحرز وسافر ضمن" لأنه عرضها للضياع "لا إن أعلم بها أمينا (٣) ساكنا" (٤) بالمكان "حيث يجوز إيداعه" فلا يضمن; لأن إعلامه حينئذ بمنزلة إيداعه وخرج بالحيثية ما لو أودعها عند وجود الحاكم فيضمن.
стр. 3347
السبب "الثاني السفر" بها:
"فيضمن المقيم" الوديعة "بالسفر بها" (١) وإن قصر وكان الطريق آمنا لتقصيره بالسفر الذي حرزه دون حرز الحضر "إلا إن عدم من ذكرناه" من المالك ووكيله والحاكم والأمين "على الترتيب" (٢) السابق "وسافر" بها في "طريق آمن فيجوز" السفر بها ولا ضمان عليه لئلا ينقطع الوديع مع عذره عن مصالحه وينفر الناس عن قبول الودائع "بل يجب" عليه السفر بها حينئذ "إن خاف عليها" من نحو حريق أو إغارة لئلا تضيع وقوله: على الترتيب من زيادته ولا حاجة إليه بل هو مضر إن علق بعدم لا بذكرناه.
"فإن حدث في الطريق خوف أقام" بها "فإن فوجئ" بأن هجم عليه قطاع الطريق "فطرحها بمضيعة ليحفظها" فضاعت "ضمن" وكذا لو دفنها خوفا منهم عند إقبالهم ثم أضل موضعها كما قاله القاضي وغيره إذا كان من حقه أن يصبر حتى تؤخذ منه فتصير مضمونة على آخذها "ولو أودع" ها "مسافرا فسافر بها" أو منتجعا فانتجع بها "فلا ضمان لرضا المالك" به ولو إذا قدم من سفره أن يسافر بها ثانيا لرضا المالك به ابتداء إلا إذا دلت قرينة (٣) على أن المراد إحرازها بالبلد فيمتنع ذلك ذكره القاضي ومجلي وغيرهما وقال الإمام اللائق بالمذهب المنع.
стр. 3348
"السبب الثالث ترك الإيصاء" بها (١):
"فعلى ذي مرض مخوف" أو حبس لقتل "إن تمكن" من الرد (٢) والإيداع والوصية "الرد" لها "إلى المالك أو وكيله ثم" إن عجز عن الرد إليهما (٣) فعليه "الوصية" بها "إلى الحاكم ثم" إن عجز فعليه الوصية "إلى أمين (٤) وإن كان" الموصى إليه "وارثا" وعطف على الوصية قوله "أو الدفع إليهما" أي إيداعا فهو مخير بين الوصية إلى كل منهما والإيداع عنده بخلافه فيما مر; لأن وقت الموت غير معلوم ويده مستمرة على الوديعة ما دام حيا فإن ترك ذلك ضمن; لأنه عرضها للفوات; إذ الوارث يعتمد ظاهر اليد ويدعيها لنفسه.
وكذا لو أوصى إلى فاسق أو أودعه ومحل الضمان بغير إيصاء وإيداع إذا تلفت الوديعة (٥) بعد الموت لا قبله على ما صرح به الإمام ومال إليه السبكي; لأن الموت كالسفر فلا يتحقق الضمان إلا به، وقال الإسنوي (٦): أنه بمجرد المرض يصير ضامنا لها حتى لو تلفت بآفة في مرضه أو بعد صحته ضمنها كسائر أسباب
стр. 3349
التقصيرات ويؤيده ما سيأتي أول السبب الرابع (١) ومحله أيضا في غير القاضي أما القاضي إذا مات ولم يوجد مال اليتيم (٢) في تركته فلا يضمنه وإن لم يوص به; لأنه أمين الشرع بخلاف سائر الأمناء ولعموم ولايته قاله ابن الصلاح (٣)، قال: وإنما يضمن إذا فرط. قال السبكي: وهذا تصريح منه بأن عدم إيصائه ليس تفريطا وإن مات عن مرض وهو الأوجه. وظاهر أن الكلام في القاضي الأمين (٤) ونقل التصريح به عن الماوردي وظاهر كما قال الأذرعي (٥) - أن كل حالة تعتبر الوصية فيها من الثلث كوقوع الطاعون بالبلد حكمها حكم المرض المخوف فيما ذكر، أما إذا لم يتمكن مما ذكر بأن مات فجأة أو قتل غيلة (٦) فلا يضمن بترك ما ذكر لعدم تقصيره.
"والوصية" هنا "الإعلام بها" (٧) والأمر بردها مع بقائها في يده ومع وجوب الإشهاد عليه (٨) عند إيصاء الوارث أو غيره صونا له عن الإنكار "ويجب تمييزها" في الوصية بإشارة أو صفة. "فإن قال هي ثوب ولم يصفه ضمن" ها "ولو لم يخلف ثوبا" لتقصيره بترك التمييز فيضارب صاحب الوديعة بقيمتها مع الغرماء بخلاف ما إذا ميزها لا يضمنها، وإن لم توجد في التركة إذ لا تقصير منه.
"ولو خلفه" أي ثوبا "لم يتعين" كونه "لها" أي للوديعة لاحتمال أنها تلفت والموجود غيرها بل يجب قيمته في التركة كما لو وجد فيها أكثر من ثوب "فإن لم يوص" بها "وادعى الوارث التلف" لها "وقال: إنما لم يوص" بها "لعله" أي تلفها "كان بغير تقصير" وادعى صاحب الوديعة تقصيره "فالظاهر براءة ذمته" بخلاف
стр. 3350
ما إذا لم يجزم الوارث بالتلف بأن قال: عرفت الإيداع لكن لم أدر كيف كان الأمر وأنا أجوز أنها تلفت على حكم الأمانة فلم يوص بها لذلك فيضمنها; لأنه لم يدع مسقطا "ولا أثر لخط الميت" أي كتابته على شيء هذا وديعة فلان أوفي جريدته لفلان عندي كذا وديعة "إن أنكر الوارث" فلا يلزمه التسليم بذلك لاحتمال أنه كتبه هو أو غيره تلبيسا أو اشترى الشيء وعليه الكتابة فلم يمحها أو رد الوديعة بعد كتابتها في الجريدة ولم يمحها وإنما يلزمه ذلك بإقراره أو إقرار مورثه أو وصيته أو ببينة.
стр. 3351
"فصل: يجوز نقلها من حرز إلى مثله" أو فوقه المفهوم بالأولى (١) "ولو في قرية أخرى لا سفر بينهما ولا خوف" (٢) ولا نهي من المالك كما سيأتي إذ لا يتفاوت الغرض بذلك فهو كما لو اكترى أرضا لزرع حنطة، له أن يزرع ما ضرره مثل ضررها ودونه "لا" نقلها "إلى حرز دونه" (٣) وإن كان حرز مثلها "إلا إن اتحدت الدار" المشتملة على الحرزين فلا ضمان إلا أن ينقلها بنية التعدي وكالدار الخان ويستثنى مع ما استثناه ما لو نقلها بظن الملك فلا ضمان بخلاف ما لو انتفع بها ظانا ملكها فتلفت أما إذا نقلها لسفر أو خوف فلا ضمان كما علم مما مر في السبب الثاني وسيأتي حكم ما إذا عين المالك الحرز وهذا الفصل جعله الأصل سببا من أسباب التقصير فعد الأسباب تسعة.
"السبب الرابع ترك دفع الهلاك" عن الوديعة
فيجب على الوديع دفع مهلكاتها على العادة "وإن أودعه حيوانا" ولم ينهه عن
стр. 3352
إطعامه "فلم يطعمه حتى مضت مدة يموت" مثله "فيها صار مضمونا" عليه "وإن لم يمت" لأنه التزم حفظه فعليه القيام به بما يصونه عن التلف والعيب "لا" إن مات "دونها" أي المدة فلا يضمنه "إلا إن كان بها" الأولى به "جوع سابق وعلمه فيضمن القسط" لا الجميع وإن لم يعلمه فلا ضمان وترجيح التقسيط من زيادته (١)، والأوجه مقابله (٢) وهو قضية كلام الأصل حيث شبهه بما لو اكترى بهيمة فحملها أكثر مما شرط فإنه يضمن الجميع إذا لم يكن مالكها معها ويؤيده ما لو جوع إنسانا وبه جوع سابق ومنعه الطعام مع علمه بالحال فمات فإنه يضمن الجميع، وتختلف المدة باختلاف الحيوانات والمرجع إلى أهل الخبرة.
بها. "وإن نهاه" عن إطعامه "لم يضمن" للإذن في إتلافه فهو كما لو قال: اقتل دابتي فقتلها نعم إن كان ملكا لغيره كأن أودع لولي حيوان محجوره. قال الزركشي: فيشبه (٣) أن نهيه كالعدم وسبقه إليه الأذرعي وقيده بعلم الوديع بالحال (٤)
"ويعصى بطاعته" أي المالك بترك الإطعام لحرمة الروح "وإن منعه" من إطعامه "لعلة" (٥) به تقتضي المنع كقولنج "فأطعمه والعلة موجودة فمات ضمن ويرجع بالإنفاق" عليه "بالإذن" له فيه "ولو من الحاكم (٦) على المالك وتفاريعه" من الافتراض على المالك أو بيع جزء من الحيوان أو إيجاره وصرف
стр. 3353
الأجرة في مؤنته ونحو ذلك "كما" مر "في هرب الجمال" وعلف الضالة ونفقة اللقيط ونحوهما.
"ولو أخرجها" الأولى أخرجه "في الأمن للسقي والعلف من داره ولو في يد غيره" وكان "أمينا لم يضمن" وإن كان يعلف ويسقى دوابه فيها لاطراد العادة بذلك ولأنه استنابة لا إيداع فإن أخرجها في الخوف أو في الأمن لكن مع غيره أمين ضمن "وهل يضمن نخلا" وفي نسخة نخيلا استودعها "لم يأمره بسقيها" فتركه كالحيوان أو لا "وجهان" صحح منهما الأذرعي (١) الثاني وفرق بحرمة الروح قال: والظاهر أن محل الوجهين فيما لا تشرب بعروقها (٢) وفيما إذا لم ينهه عن سقيها.
"فرع يجب" على الوديع "نشر الصوف" ونحوه (٣) "ولبسه إن احتاج" (٤) الصوف لنشره للريح لدفع الدود أو للبسه لتعبق به رائحة الآدمي فتدفع الدود فإن لم يفعل ففسد ضمن سواء أمره المالك أم سكت نعم إن لم يعلم به كأن كان في صندوق مقفل لم يضمن، فلو كان ما يحتاج إلى لبسه لا يليق به لضيقه أو صغره أو نحوهما فالظاهر أنه يلبسه من يليق به (٥) لبسه بهذا القصد قدر الحاجة ويلاحظه قاله الأذرعي قال: وكنشر الصوف تمشية الدابة وتسييرها المعتاد عند الخوف عليها من الزمانة لطول وقوفها "ولو فتح قفلا" عن صندوق فيه صوف أو نحوه "لذلك" أي لنشره أو لبسه "لم يضمن ولو نهاه" عن ذلك "لكن يكره امتثاله".
"السبب الخامس الانتفاع
والانتفاع بالركوب وغيره مضمن" (٦) لتعديه "لا ركوبها للسقي" لأنه ليس
стр. 3354
بانتفاع وإنما فعله لمصلحة المالك هذا "إن لم تنعقد" ولم تنسق بغير الركوب وإلا فيضمنها لتعديه حينئذ، قال الأذرعي: ولو ركبها خوفا عليها من ظالم وهرب بها فالظاهر أنه يجوز (١) ولا ضمان إذ لا تعدي "وإخراجها" أي الوديعة يعني أخذها وإن لم يخرجها من الحرز "للانتفاع" بها "مضمن" وإن لم ينتفع بها; لأن إخراجها بهذا القصد خيانة (٢) "لا مجرد نية الخيانة ولو بعد طلب المالك" (٣) لأنه لم يحدث فعلا بها "إلا" إذا نواها "عند القبض" للوديعة كما في الالتقاط.
"ولو فتح قفلا" عن صندوق فيه وديعة "أو ختما" عن كيس كذلك "لا رباطا أو خرق الكيس عنها لا من فوق الختم أو أودعه" دراهم مثلا "مدفونة فنبشها ضمن وإن لم يأخذ شيئا"; لأنه هتك الحرز بخلاف ما لو فتح الرباط الذي شد به رأس الكيس; لأن القصد منه منع الانتشار إلا أن يكون مكتوبا عليه وبخلاف خرق الكيس من فوق الختم لا يضمن إلا نقصان الخرق نعم إن خرقه متعمدا ضمن جميع الكيس أخذا مما يأتي آخر الفصل الآتي وقضية قوله ضمن أنه يضمن الصندوق (٤) والكيس أيضا وهو أحد وجهين في الأصل بلا ترجيح. ثانيهما المنع; لأنه لا يقصد الخيانة فيهما (٥) والأوجه الأول; لأنهما من الوديعة.
"وهل يضمن بالعد" أو الوزن "للدراهم والذرع للثياب للمعرفة" بهما; لأن ذلك نوع تصرف أو لا; لأنه ربما أراد به الاحتياط "وجهان" جزم صاحب
стр. 3355
الأنوار بالثاني (١) وعلله بأن الشرع ورد بذلك في اللقطة وهي أمانة شرعية فهذه أولى.
"فرع وإن خان" في الوديعة بسبب من أسباب التقصير "ثم رجع" عن الخيانة "لم يبرأ" من الضمان كما لو رد السارق المسروق (٢) إلى مكانه "إلا بالإيداع" ثانيا فيبرأ من ذلك "ولو لم يردها" قبله إلى مالكها "ولو أبرأه عن الضمان بعد الخيانة لا قبلها صار أمينا" وبرئ; لأن التضمين حق المالك وقد أسقطه (٣) فهو كما لو حفر بئرا عدوانا في ملك غيره ثم أبرأه المالك عن ضمان الحفر بخلاف ما لو أبرأه عنه قبلها كأن قال: أودعتك فإن خنت ثم تركت الخيانة عدت أمينا لي فخان ثم ترك الخيانة لا يصير أمينا; لأنه إسقاط ما لم يجب وتعليق للاستثمان الثاني.
"فرع" لو "قال" له "خذه يوما وديعة ويوما غير وديعة فوديعة أبدا أو" خذه يوما وديعة "ويوما عارية" فوديعة في اليوم الأول وعارية في اليوم الثاني و "لم يعد بعدها" أي العارية أي يومها "وديعة" أبدا قال الزركشي: ولو عكس الأولى فقال خذه يوما غير وديعة ويوما وديعة. فالقياس أنها أمانة; لأنه أخذها بإذن المالك وليست عقد وديعة. ولو عكس الثانية فالقياس أنها في اليوم الأول عارية وفي الثاني أمانة.
стр. 3356
"فصل" لو "خلطها" بمال "فلم تتميز" عنه بسهولة "ضمن" (٤) ها "ولو" خلطها بأجود منها أو "بمال المالك"; لأن ذلك خيانة نعم إن خلطها سهوا فلا
стр. 3357
ضمان (١) قاله الأذرعي أما إذا تميزت كأن كانت دراهم فخلطها بدنانير فلا ضمان إلا أن يحصل نقص بالخلط فيضمن (٢) "وإن أخذ منها" وهي دراهم "درهما ورد بدله" إليها "لم يملكه المالك" إلا بالدفع إليه ولم يبرأ من ضمانه "ثم إن لم يتميز" عنها "ضمن الجميع" لخلطه الوديعة بمال نفسه (٣) وإن تميز عنها فالباقي غير مضمون عليه وإن تميز عن بعضها لمخالفته له بصفة كسواد وبياض وسكة ضمن مالا يتميز خاصة قاله الماوردي "فلو رده بعينه" إليها "لم يضمن سواه" (٤) من بقية الدراهم "وإن تلفت" كلها أو لم يتميز هو عنها لاختلاطه بها; لأن هذا الخلط كان حاصلا قبل الأخذ "وإن تلف نصفها ضمن نصفه" أي نصف الدرهم فقط "هذا" كله "إذا لم يفض ختما" أو قفلا على الدراهم "فإن فضه ضمن الجميع" بناء على أن الفض يقتضي الضمان.
"ولو قطع الوديع" لدابة "يدها أو أحرق بعض الثوب" المودع عنده "خطأ ضمنه" أي المتلف لتفويته "دون الباقي" لعدم تعديه فيه "أو عمدا" أو شبهه "ضمنهما" جميعا لتعديه ولا يخالف ذلك تسويتهم الخطأ بالعمد في الضمان; لأن محلها في ضمان الإتلاف كما في البعض المتلف في مسألتنا لا في ضمان التعدي كما في الباقي فيها إذ لا تعدي فيه.
"السبب السادس المخالفة" في الحفظ للوديعة
"وإن خالفه في وجه الحفظ" بأن أمره بحفظها على وجه مخصوص فعدل إلى آخر "وتلفت بسبب المخالفة ضمن" وكانت المخالفة تقصيرا لتأديتها إلى التلف "وإلا" بأن تلفت بسبب آخر "فلا" يضمن فإن كانت الوديعة في صندوق و
стр. 3358
"قال" له "لا ترقد على الصندوق فرقد" عليه "وانكسر به" أي بثقله وتلف ما فيه بذلك "ضمن" للمخالفة "وكذا" يضمن "لو سرق" ما فيه "في الصحراء (١) من جانب كان يرقد فيه (٢) إن لم يرقد عليه" لأنه إذا رقد عليه فقد أخلى جانب الصندوق وربما لا يتمكن السارق من الأخذ إذا كان بجانبه بخلاف ما لو سرق في الصحراء من غير الجانب المذكور أو في بيت محرز ولو من الجانب المذكور; لأنه زاد احتياطا ولم يحصل التلف بفعله "ولو قال" له "لا تقفل" عليها "أو لا تجعل" عليها "قفلين أو ادفنها" في بيتك "ولا تبن عليها فخالف" في ذلك "لم يضمن" لذلك "ولا يرجع بالبناء" أي ببدله عند رده الوديعة "كأجرة النقل" لها "للضرورة" فلا يرجع بها على المالك; لأنه متطوع.
"وإن قال" له "اربط الدراهم" بكسر الموحدة وضمها "في كمك فأمسكها بيده فإن تلفت" أي سقطت "بنوم أو نسيان ضمن" إذ لو ربطها لم تضع بهذا السبب فالتلف حصل بالمخالفة "أو" تلفت "بغصب فلا" (٣) ضمان; لأن اليد أحرز من الربط بالنسبة إلى الغصب والربط أحرز بالنسبة إلى التلف بالسقوط "وإن" وفي نسخة فإن لم يربطها في كمه بل "جعلها في جيبه لم يضمن" لأنه (٤) أحرز "إلا إن كان واسعا غير مزرور" فيضمن "أو" قال له "اجعلها في جيبك فربط" ها "في الكم ضمن" لأن الجيب أحرز منه كما مر "وإن امتثل" أمره "وربطها في الكم لم يكلف" معه "إمساكها باليد بل إن كان الربط من خارج الكم فأخذها الطرار" أي القاطع مأخوذ من طر الثوب بضم الطاء (٥) أي قطع
стр. 3359
"ضمن" لأن فيه إظهارها وتنبيه الطرار وإغراؤه عليها لسهولة قطعه أو حله عليه حينئذ "لا إن استرسلت" بانحلال العقدة وضاعت "وقد احتاط في الربط" فلا يضمن; لأنها إذا انحلت بقيت الوديعة في الكم "أو" كان الربط "من داخله فبالعكس" (١) فيضمنها إن استرسلت لتناثرها بالانحلال لا إن أخذها الطرار لعدم تنبيهه.
واستشكل الرافعي ذلك بأن المأمور به مطلق الربط وقد أتى به فلا ينظر إلى جهة التلف بخلاف ما إذا عدل عن المأمور به إلى غيره فحصل به التلف وبأنه لو قال احفظ الوديعة في هذا البيت فوضعها في زاوية منه فانهدمت عليه لا يضمن ولا يقال لو كانت في زاوية أخرى لسلمت. وفرق غيره بأن الربط (٢) ليس كافيا على أي وجه فرض بل لا بد من تضمنه الحفظ ولهذا لو ربط ربطا غير محكم ضمن وإن كان لفظ الربط يشمل المحكم وغيره (٣)، ولفظ البيت متناول لكل من زواياه والعرف لا يخصص موضعا منه "وإن لم يأمره" بربطها في كمه بإمساكها في يده "فالحكم كما لو أمره فيما سبق وإن أودعه" إياها "فوضعها في الكم بلا ربط" فسقطت "وهي خفيفة" لا يشعر بها "ضمن" لتفريطه في الإحراز "أو" وهي "ثقيلة" يشعر بها "فلا" يضمنها "أو" وضعها "في كور عمامته بلا ربط" فضاعت "ضمن" هذا إذا أودعه في السوق مثلا ولم يعد إلى بيته فإن عاد إليه لزمه إحرازها فيه، ولا يكون ما ذكر حرزا لها حينئذ; لأن بيته أحرز فلو خرج بها في كمه أو جيبه أو يده ضمن قاله الماوردي لكن سيأتي في كلام الأصل ما يؤخذ منه أنه يرجع في ذلك إلى العادة.
"وإن أعطاه" إياها "في السوق وقال" له "احفظها في بيتك لزمه الذهاب
стр. 3360
بها" إلى بيته "فورا" (١) وحفظها فيه "أو" أعطاها له "في البيت وقال" له "احفظها فيه لزمه الحفظ فيه" فورا "فإن أخر" فيهما الحفظ فيه "بلا مانع ضمن" (٢) لتفريطه "وإن لم يحفظ" ها "فيه وربطها في كمه أو شدها في عضده لا مما يلي أضلاعه" وخرج بها أو لم يخرج بها وأمكن إحرازها في البيت "ضمن" لأن البيت أحرز من ذلك بخلاف ما إذا شدها في عضده مما يلي أضلاعه; لأنه أحرز من البيت قال الأذرعي: ويجب تقييده (٣) بما إذا حصل التلف في زمن الخروج لا من جهة المخالفة وإلا فيضمن. قال في الأصل وفي تقييدهم الصورة بما إذا قال: احفظها في البيت - إشعار بأنه لو لم يقل ذلك جاز له أن يخرج بها مربوطة ويشبه أن يكون الرجوع فيه (٤) إلى العادة.
"وإن" أودعه دابة و "قال" له "اجعلها في بيتك فوضعها في حرز" آخر "مثل بيته" أو أحرز منه كما فهم بالأولى "فماتت" فجأة أو بمرض أو نحوه "لم يضمن" حملا لتعيينه على اعتبار الحرزية عند التخصيص الذي لا غرض فيه كما لو اكترى أرضا لزرع حنطة له أن يزرع ما ضرره مثل ضررها ودونه بخلاف ما لو وضعها في حرز دون بيته فإنه يضمن وإن كان حرز مثلها "وإن انهدم عليها" الحرز
стр. 3361
المماثل لبيته أو الأحرز منه "ضمن للمخالفة" لأن التلف حصل بها "وإن سرقت منه فكذلك (١) وإن نهاه عن النقل" لها "فنقل ضمن" وإن كان المنقول إليه أحرز لصريح المخالفة "إلا إن وقع خوف" من غرق أو حريق أو نحوه فلا يضمن; لأنه حينئذ يجوز نقلها "بل يجب إلى حرز" لمثلها "ويتعين مثله" أي حرز مثل الحرز الأول "إن وجد" وإلا فلا يتعين.
فلو ترك النقل في ذلك ضمن; لأن الظاهر أنه قصد بالنهي نوعا من الاحتياط "إلا أن قال" له لا تنقلها "وإن وقع خوف" فلا ينقلها وإن وقع خوف ولا يضمن بترك نقلها حينئذ كما لو قال له أتلف مالي فأتلفه "لكن لو نقل" حينئذ "لم يضمن" لأنه قصد الصيانة، وقوله لكن من زيادته ولا محل له فلو عبر بدله كأصله بالواو كان أولى (٢) "وإن اختلفا في" وقوع "الخوف أثبت" أي أقام "به الوديع" بينة "إن لم يعرف وإلا" أي وإن عرف "صدق بيمينه" وإن لم تكن بينة صدق المالك بيمينه; لأن الأصل عدم وقوعه "ولا يخرجها من بيت المال" إن أحرزت فيه "إلا لضرورة".
"فرع" لو "عين المالك لها ظرفا من ظروفه فنقلها" الوديع منه "إلى غيره منها لم يضمن" لأن الظرف والمظروف وديعتان وليس فيه إلا حفظ أحدهما في حرز والأخرى في آخر "إلا إن كان" الثاني "دون المعين" فيضمن "وإن كانت الظروف للوديع فكالبيوت" فيما ذكر فيها "ولو نهاه عن دخول أحد عليها أو الاستعانة" على حفظها "بحارس أو" عن "الإخبار بها فخالفه" فيه "ضمن إن أخذها الداخل" عليها "والحارس" لها "أو" تلفت "بسبب الإخبار" بها وإن لم يعين موضعها وإن أخذها غير من ذكر أو تلفت لا بسبب الإخبار فلا ضمان. وقول العبادي: ولو سأله رجل هل عندك لفلان وديعة فأخبره ضمن; لأن كتمها من حفظها محمول على الضمان بالأخذ لسبب آخر.
стр. 3362
"وإن أمره" وقد أودعه خاتما "بوضع الخاتم في خنصره فجعلها في بنصره لم يضمن" لأنه أحرز لكونه أغلظ "إلا إن جعلها في أعلاه" أو في وسطه كما قاله القاضي أبو الطيب وغيره "أو انكسرت لغلظها" أي البنصر فيضمن "لأن أسفل الخنصر أحفظ من أعلى البنصر" ووسطه في غير الأخيرة وللمخالفة في الأخيرة، والتعليل من زيادته على الروضة، وإن قال اجعله في البنصر فجعله في الخنصر فإن كان لا ينتهي إلى أصل البنصر فالذي فعله أحرز فلا ضمان وإلا ضمن ذكره الأصل، وقال الروياني: لو قال احفظه في بنصرك فحفظه في خنصره ضمن; لأنه إذا أمكن لبسه في البنصر كان في الخنصر واسعا انتهى.
ويؤخذ من تعليله أن ما قاله جرى على الغالب (١) فلا ينافي ما قبله ولو قال له: احفظ هذا في يمينك فجعله في يساره ضمن وبالعكس لا يضمن; لأن اليمين أحرز; لأنها تستعمل أكثر غالبا نقله العجلي قال الأذرعي لكن لو هلك للمخالفة ضمن (٢)، قال: وقضيته ما قاله (٣) أنه لو كان أعسر انعكس الحكم وأنه لو كان يعمل بهما على السواء كانا سواء.
"ولو لم يأمره" في إيداع الخاتم "بشيء فوضعها في الخنصر لا غيرها ضمن" وإن لم يجعل فصها إلى ظهر الكف "لأنه لبسها" أي استعملها بلا ضرورة بخلاف ما لو وضعها في غيرها (٤) ; لأن ذلك لا يعد استعمالا "إلا إن قصد" بلبسها فيها "الحفظ" فلا يضمن وقضيته تصديقه في دعواه (٥) أنه لبسها للحفظ لكن قد يقال قياس ما مر فيما إذا اختلفا في وقوع الخوف تصديق المالك ويفرق بأن القصد لا يعلم إلا منه بخلاف وقوع الخوف والبنصر مؤنث وقد استعمله المصنف مذكرا ومؤنثا والخاتم مذكر وقد استعمله مؤنثا باعتبار أنه حلقة "وغير الخنصر للمرأة" في حفظها للخاتم "كالخنصر" لأنها قد تتختم في غيره قال الإسنوي والخنثى يحتمل
стр. 3363
إلحاقه بالرجل (١) إذا لبس الخاتم في غير خنصره; لأن الأصل عدم الضمان ويحتمل مراعاة الأغلظ هنا وهو التحاقه بالمرأة كما غلظنا في إيجاب الزكاة فألحقناه بالرجل.
"السبب السابع التضييع" لها
لأن الوديع مأمور بحفظها في حرز مثلها (٢) وبالتحرز عن أسباب التلف "فيضمنها به" أي بالتضييع "ولو ناسيا" لها وذلك "كإتلافه" لها "أو انتفاعه بها" أو وضعه لها في غير حرز مثلها (٣) ولو "خطأ أو غلطا" وإن لم يكن متعديا في الخطأ ونحوه "وإن أخذت" منه "قهرا لم يضمن" إذ لا تقصير منه "وإن أعلم بها هو لا غيره من مصادر المالك" وعين له موضعها (٤) فضاعت بذلك "ضمن" لمنافاة ذلك الحفظ بخلاف ما إذا أعلمه بها غيره; لأنه لم يلتزم حفظها وبخلاف ما إذا ضاعت بغير ذلك (٥) أو به ولم يعين موضعها.
وقضية كلامه كأصله أنه يضمن (٦) ولو أعلمه بها كرها لكن نقل الماوردي عن مذهب الشافعي أنه لا يضمن حينئذ كالمحرم إذا دل على صيد لا يضمنه تقديما للمباشرة. وقال غيره يضمن; لأنه بالدلالة مضيع لها. وقال السبكي: وهذا يجب القطع به لليد والتزام الحفظ بخلاف المحرم. وقال الزركشي: الظاهر أن مراد الماوردي أن لا يكون قرار الضمان عليه لا أنه لا يكون ضامنا أصلا. قال في الاستقصاء: لو أكره حتى دل عليها فهو على الوجهين فيمن أكره حتى سلمها بنفسه.
"ولو أكره" على تسليمها له "فسلمها ضمن" (٧) لتسليمه "والقرار" للضمان
стр. 3364
"على المكره" لأنه المستولي عليها عدوانا فإذا ضمن المالك الوديع رجع على المكره "ويجب" على الوديع "إنكارها عن الظالم والامتناع" من إعلامه بها "جهده" فإن ترك ذلك مع القدرة ضمن "وله أن يحلف" (١) على ذلك لمصلحة حفظها قال الأذرعي: ويجب أن يوري (٢) إذا أمكنته التورية وكان يعرفها لئلا يحلف كاذبا. قال: ويتجه وجوب الحلف (٣) إذا كانت الوديعة رقيقا والظالم يريد قتله أو الفجور به: قال وأطلق الغزالي في وسيطه أنه يجب عليه الحلف كاذبا; لأن الكذب ليس محرما لعينه (٤) "ويكفر" عن يمينه; لأنه كاذب فيها (٥) "وإن حلفه بالطلاق" أو العتق "مكرها" عليه أو على اعترافه فحلف "حنث" (٦) لأنه فدى الوديعة بزوجته أو رقيقه وإن اعترف بها وسلمها ضمن; لأنه فدى زوجته أو رقيقه بها "وإن أعلم اللصوص بمكانها" (٧) فضاعت بذلك كما صرح به الأصل "ضمن" لمنافاة ذلك الحفظ "لا" إن أعلمهم "بأنها عنده" من غير تعيين مكانها فلا يضمن بذلك.
стр. 3365
"السبب الثامن الجحود" لها
"وجحودها" عن مالكها "بعد الطلب" منه لها "لا قبله خيانة" فيضمنها بخلاف جحودها قبله ولو بحضرة المالك; لأن إخفاءها أبلغ في حفظها "فلو قال" له مالكها "بلا طلب لها: لي عندك وديعة فأنكر" أو سكت كما فهم بالأولى وصرح به الأصل "لم يضمن" لأنه لم يمسكها لنفسه وقد يكون له في الجحود غرض صحيح كان يريد به زيادة الحفظ بخلافه بعد طلبها كما تقرر نعم إن دلت قرينة على أن له غرضا (١) صحيحا كأن أمر الظالم مالكها بطلبها من الوديع فطلبها منه وهو يحب جحودها فجحدها حفظا لها فلا ضمان كما قاله الأذرعي (٢). فلو قال بعد الجحود المضمن كنت غلطت أو نسيت لم يبرأ إلا أن يصدقه المالك.
"فرع": "وإن قامت بينة على الجاحد" للوديعة بإيداعها عنده أو أقر بها "وادعى التلف أو الرد لها قبله" أي الجحود نظرت في صيغة جحوده.
"فإن قال في جحوده لا شيء" (٣) أو لا وديعة "لك عندي صدق" بيمينه في دعواه إذ لا تناقض بين كلاميه نعم إن اعترف بعد الجحود بأنها كانت باقية يومه لم يصدق في دعوى الرد إلا ببينة أو قال "لم ترد عني لم يصدق في الرد" لتناقض كلاميه وظهور خيانته "لكن لو سأل التحليف" للمالك "أو أقام بينة على التلف أو الرد قبل منه" لاحتماله أنه نسي ثم تذكر كما لو قال المدعي لشيء لا بينة لي ثم أتى ببينة فإنها تسمع قال في الأصل: وقد حكينا في المرابحة فيما إذا قال: اشتريت بمائة، ثم قال: بل بمائة وخمسين إن الأصحاب فرقوا بين أن يذكر وجها محتملا في الغلط وأن لا يذكره ولم يتعرضوا لمثله هنا والتسوية بينهما متجهة (٤)، وفرق البلقيني بأن ما قامت به البينة ثم معارض لما أخبر به فاحتيج إلى التأويل