← Фикх шафии

Фикх шафии · id 30130

أسنى المطالب في شرح روض الطالب - ط العلمية

زكريا الأنصاري

Полный текст (5 775 стр.). Показаны 3396–3435 · переход к 3401.

стр. 3396

"الباب الثاني في الغنيمة" "وهي ما أخذناه (٢) من الكفار" الحربيين "بقتال أو إيجاف" الخيل أو ركاب أو نحوهما (٣) "ولو بعد فرارهم" أي انهزامهم في القتال ولو قبل شهر السلاح

стр. 3397

حين التقى الصفان ومن الغنيمة ما أخذ من دارهم اختلاسا أو سرقة أو لقطة كما ذكره في كتاب السير وشمل تعبيره بما أخذناه ما فيه اختصاص فهو أولى من تعبير أصله بالمال وسيأتي في السير ما يفعل في الكلاب "ولم تحل" الغنيمة "إلا لنا" وقد كانت في أول الإسلام لرسول الله ﷺ خاصة يصنع فيها ما يشاء وعليه يحمل إعطاؤه ﷺ من لم يشهد بدرا ثم نسخ بعد ذلك (١) فخمست كالفيء لآية: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] "ولخمسها حكم خمس الفيء" فيخمس خمسة أسهم للآية "وأربعة أخماسها للغانمين" أخذا من الآية حيث اقتصر فيها بعد الإضافة إليهم على إخراج الخمس وعملا بفعله ﷺ في أرض خيبر وروى البيهقي بإسناد صحيح أن "رجلا سأل النبي ﷺ عن الغنيمة فقال لله خمسها وأربعة أخماسها للجيش فما أحد أولى به من أحد" (٢). "وفيه أربعة أطراف الأول النفل" بفتح الفاء أشهر من إسكانها "وهو أن يشترط الأمير زيادة" على سهم الغنيمة "لمن يستعين به في" أمر "مهم كطليعة ودليل" أي لمن يقوم بما فيه نكاية زائدة في العدو أو توقع ظفر أو دفع شر كتقدم على طليعة وهجم على قلعة ودلالة عليها وحفظ مكمن وتجسيس حال "بشرط الحاجة إليه" لكثرة العدو وقلة المسلمين مع اقتضاء الرأي بعث السرايا وحفظ المكامن، ولذلك نفل رسول الله ﷺ في بعض الغزوات دون بعض "إما لشخص" واحد "أو أكثر معين أو غيره كمن" أي كقوله من "فعل كذا" فله كذا "فإن بذله من" مال المصالح الحاصل عنده في "بيت المال فليكن معلوما أو" بذله يعني شرطه "مما سيغنم" في هذا القتال أو غيره "قدر بجزء كالثلث والربع" ويحتمل فيه الجهالة للحاجة. "وليس لقدره ضبط بل يجتهد فيه" فيقدره "بقدر العمل" وخطره وقد صح في الترمذي وغيره أنه ﷺ كان ينفل في البدأة الربع (٣) وفي الرجعة الثلث (٤)

стр. 3398

والبدأة السرية التي يبعثها الإمام قبل دخوله دار الحرب مقدمة له والرجعة التي يأمرها بالرجوع بعد توجه الجيش لدارنا ونقص في البدأة; لأنهم مستريحون إذ لم يطل بهم السفر ولأن الكفار في غفلة ولأن الإمام من ورائهم يستظهرون به والرجعة بخلافها في كل ذلك "وهو" أي النفل "من خمس خمسها" كما رواه الشافعي عن سعيد بن المسيب. "وإذا قال الأمير من أخذ شيئا فهو له لم يصح" شرطه كشرط بعض الغنيمة لغير الغانمين وأما ما نقل عنه ﷺ من ذلك يوم بدر فأجاب عنه الرافعي بأنه مما تكلموا في ثبوته وبتقدير ثبوته فغنائم بدر كانت له خاصة يضعها حيث يشاء وما ذكره المصنف هو أحد قسمي النفل والآخران ينفل من صدر منه في الحرب أثر محمود كمبارزة وحسن إقدام زيادة على سهمه بحسب ما يليق بالحال وبه صرح الأصل وتركه المصنف لما يأتي في الرضخ "الطرف الثاني الرضخ" وهو لغة العطاء القليل وشرعا دون سهم الغنيمة كما يعلم مما يأتي "وإذا حضر صبي وعبد (١) وامرأة" وخنثى وزمن (٢) قال الماوردي والجرجاني ومجنون (٣) وإن حضروا بغير إذن مالك أمرهم "وجب الرضخ" لا السهم "لهم" للاتباع رواه في الصبي والمرأة (٤) البيهقي مرسلا وفي العبد الترمذي وصححه (٥)، ولأنهم ليسوا من أهل فرض الجهاد لكنهم كثروا السواد فلا يحرمون لكن القياس كما قال الإمام اعتبار نفعهم (٦) فلا يرضخ لمن لا نفع فيه كطفل

стр. 3399

قال الزركشي: وهو المتجه ويدل له نص في البويطي (١) "وكذا ذمي (٢) وذمية حضرا بإذن الإمام" يرضخ لهما "إن لم يستأجرا" سواء أقاتلا أم لا رواه في قوم من اليهود أبو داود بلفظ أسهم (٣) وحمل على الرضخ وقيس بهم من في معناهم فإن استؤجر فليس لهما إلا الأجرة; لأن طمعه فيها دفعه عن الغنيمة "فإن حضرا بغير إذن الإمام عزرا" إن رأى الإمام تعزيرهما ولا يرضخ لهما وإن أذن لهما غيره; لأنهما متهمان بموالاة أهل دينهما ويعتبر في استحقاق المسلم الرضخ أن لا يكون له سلب ذكره في الكفاية (٤)، وفي استحقاق الذمي له أن لا يكون خروجه بإكراه الإمام فإن أكرهه استحق أجرة مثله فقط قاله الماوردي قال الأذرعي والظاهر أن المعاهد (٥) والمؤمن والحربي إذا حضروا بإذن الإمام حيث يجوز له الاستعانة بهم كالذمي وأما المبعض فالظاهر أنه كالعبد (٦) ويحتمل أن يقال إن كانت مهايأة وحضر في نوبته أسهم له وإلا رضخ. ا هـ. والأوجه الثاني (٧) ; لأن الغنيمة من باب الإكساب "فرع يفاضل" الإمام "في الرضح" بين أهله "بقدر النفع" منهم فيرجح المقاتل ومن قتاله أكثر على غيره والفارس على الرجل والمرأة التي تداوي الجرحى وتسقي العطاش على التي تحفظ الرحال بخلاف سهم الغنيمة فإنه يستوي فيه المقاتل وغيره; لأنه منصوص عليه والرضخ بالاجتهاد فجاز أن يختلف كدية الحر لما

стр. 3400

كانت منصوصا عليها لم تختلف وقيمة العبد مجتهد فيها فاختلفت ويجتهد الإمام في قدر الرضخ إذ لم يرد فيه تحديد فرجع فيه إلى رأيه "و" لكن "لا يبلغ به سهم راجل ولو" كان الرضخ "لفارس"; لأنه تبع للسهام فنقص عن قدرها كالحكومة مع الأرش المقدر وقضية قول - الأصل وإن كان فارسا فوجهان بناء على أنه هل يجوز أن يبلغ تعزير الحر حد العبيد أنه يبلغ به سهم راجل لكنه عقبه بقوله وبالمنع قطع الماوردي وقال الأذرعي ظاهر كلام الجمهور المنع (١) وهو الأصح فالتصريح بالترجيح من زيادة المصنف (٢) "وهو من أربعة الأخماس" للغنيمة "ولو" كان الرضخ "لذمي"; لأنه سهم من الغنيمة مستحق بحضور الوقعة إلا أنه ناقص. "فرع ومن زاد قتاله من المجاهدين" على قتال غيره "رضخ له" مع سهمه "زيادة من سهم المصالح" عبارة الأصل رضخ له مع السهم كذا ذكره المسعودي والبغوي ومنهم من تنازع كلامه فيه وقيل يزاد من سهم المصالح ما يليق بالحال قال الأذرعي والظاهر أن المعبر عنه هنا (٣) بقيل هو ما ذكره قبل من أن من صدر منه أثر محمود زيد على سهمه من سهم المصالح ما يليق بالحال قال وما حكاه عن المسعودي والبغوي غريب وظاهر كلام الجمهور يخالفه وعبارة البيان لا يجوز للإمام أن يفضل فارسا على فارس ولا راجلا على راجل ولا من قاتل على من لم يقاتل خلافا لأبي حنيفة وإذا راجعت كتب الأصحاب علمت شذوذ ذلك ثم قال فالوجه عدم الرضخ من الأخماس الأربعة لذلك ولأن زيادة القتال لا تكاد تنضبط وكل أحد يدعي أن قتاله أزيد من قتال غيره ولأن ذلك قد يجر فتنة انتهى وذكر نحوه الزركشي وقال في الكفاية أن المشهور المنع والمصنف لما رأى ذلك رجح الوجه الثاني وحذف الموضع الأول كما مر التنبيه عليه لكنه تسمح في عدد ذلك رضخا (٤) فلو حذف الموضع الثاني وذكر الأول ثم لسلم من ذلك ثم ما ذكره الأذرعي من غرابة ما ذكر في كلام الأصل ما يدل له فتأمل.

стр. 3401

"فرع وإذا انفرد أهل الرضخ بغنيمة" لانفرادهم بغزوة "خمست وقسم عليهم الباقي" بعد إخراج الخمس كما يقسم الرضخ "بقدر حاجتهم" الأنسب نفعهم وعبارة الأصل على ما يقتضيه الرأي من تسوية وتفضيل "ويتبعهم صغار السبي في الإسلام" فلو سبى مراهقون أو مجانين صغارا حكم بإسلامهم تبعا لهم "فإن حضرهم" في الغزوة "كامل فالغنيمة له ويرضخ لهم ومن كمل منهم في الحرب (١) أسهم له لا" لمن كمل "بعدها" فلا يسهم له نعم إن بان بعدها ذكورة المشكل أسهم له نقله ابن الرفعة عن البندنيجي "ولا يخمس ما أخذه الذميون من أهل الحرب"; لأن الخمس حق يجب على المسلمين كالزكاة. "الطرف الثالث السلب" بفتح اللام "ومن ركب غررا من المسلمين ولو ناقصا" كعبد وصبي (٢) "وتاجرا لا مخذلا" (٣) لهم عن القتال "و" لا "ذميا في قتل كافر مقبل على القتال أو في إزالة امتناعه بأن يثخنه أو يعميه (٤) أو يقطع أطرافه والحرب قائمة استحق سلبه وكذا" يستحقه "إذا قطع طرفيه" من يديه أو رجليه أو يده ورجله دون طرف واحد ولو مع إعماء عين واحدة "أو أسره" سواء أشرطه له الإمام أم لا وسواء أكان قتال الكافر معه أم مع غيره لقوله ﷺ "من قتل قتيلا فله سلبه" رواه الشيخان (٥) ولأنه ﷺ قضى بالسلب للقاتل رواه أبو داود وغيره وهو ثابت في مسلم في (٦) خبر

стр. 3402

طويل (١)، ولأن ذلك مسلوب من يد الكافر وطمع القاتل ومن في معناه يمتد إليه غالبا ولأن الأسر أصعب من القتل وأبلغ في القهر. أما المخذل (٢) وهو من يكثر الأراجيف ويكسر قلوب الناس ويثبطهم فلا شيء له لا سهما ولا رضخا ولا سلبا ولا نفلا; لأن ضرره أكثر من ضرر المنهزم بل يمنع من الخروج للقتال والحضور فيه ويخرج من العسكر إن حضر إلا أن يحصل بإخراجه وهن فيترك وسيأتي بعض ذلك في كلامه وأما الذمي (٣) بل الكافر مطلقا كما فهم من كلامه بالأولى فلا سلب له وإن قاتل بإذن الإمام وفارق الصبي والمرأة والعبد (٤) بأنهم أشبه بالغانمين بدليل أنهم يستحقون بالحضور والكافر لا يأخذ إلا على سبيل الأجرة وخرج بالمقبل على القتال غيره كصبي وامرأة (٥) لم يقاتلا ومنه ما ذكره في قوله "فإن قتله نائما" أي أو غافلا عن القتال بغير ذلك كالمشتغل بأكل "أو أسيرا أو مثخنا أو بعد الهزيمة" للجيش "أو رماه في صف" بأن رماه من صفنا إلى صفهم "أو من حصن" أو من وراء صفهم "لم يستحق" السلب لانتفاء ركوب الغرر المذكور ولأنه ﷺ لم يعط ابن مسعود سلب أبي جهل; لأنه كان قد أثخنه فتيان من الأنصار رواه الشيخان. "ويستحقه بقتله مقبلا" على القتال "وكذا مدبرا" عنه "والحرب قائمة" (٦) إذ لا تؤمن كرته قال القاضي ولو أغرى به كلبا عقورا فقتله استحق سلبه; لأنه خاطر بروحه حيث صبر في مقابلته حتى عقره الكلب (٧)، قال

стр. 3403

الزركشي وقياسه (١) أن الحكم كذلك لو أغرى به مجنونا أو عبدا أعجميا "وإن أمسكه" بحيث منعه الهرب "ولم يضبطه فقتله آخر" أو اشترك اثنان في قتله أو إثخانه "اشتركا" في سلبه لاندفاع شره بهما وهذا بخلاف القصاص فإنه منوط بالقتل نعم إن كان أحدهما لا يستحق السلب كمخذل رد نصيبه إلى الغنيمة ذكره الدارمي "وإن ضبطه فهو أسيره" وقتل الأسير لا يستحق به السلب كما مر "والجارح إن أثخن" جريحه "فالسلب له وإلا" بأن لم يثخنه وذففه "آخر فللمذفف"; لأنه الذي ركب الغرر في دفع شره. "وللإمام قتل الأسير" الكامل واسترقاقه والمن عليه والفداء كما سيأتي في السير "ولا حق لأحد" بخصوصه حتى الآسر الذي عبر به الأصل وغيره "في رقبة أسيره" ولا فدائه فلو أرقه الإمام أو فداه فالرقبة والفداء للمسلمين لا حق فيهما لآسره; لأن اسم السلب لا يقع عليهما (٢).

стр. 3404

"فصل السلب ما عليه" أي القتيل ومن في معناه "من ثياب" كران وخف "وسلاح (٣) ومركوب يقاتل عليه أو ماسكا" عبارة الأصل وغيره ممسكا "عنانه و" هو "مقاتل راجلا وآلته" كسرج ولجام ومقود بخلاف المهر التابع له; لأنه منفصل عنه ذكره ابن القطان في فروعه فإن لم يكن السلاح معه بل كان مع علامه فيجوز أن يكون كالجنيبة (٤) معه، ويحتمل خلافه قاله الإمام ومركوب وآلته معطوفان على ما عليه وماسكا على يقاتل عليه بجعله حالا ولو جعله صفة ورفع ماسكا كان أولى. "وكذا لبس زينة"; لأنه متصل به وتحت يده "كمنطقة وسوار و" كذا "جنيبة" تكون أمامه أو خلفه أو بجنبه; لأنها إنما تقاد معه ليركبها عند الحاجة (٥)

стр. 3405

بخلاف التي تحمل عليها أثقاله وبذلك علم أن في تقييد الأصل الجنيبة (١) بكونها تقاد بين يديه قصورا وإيهاما "وهميان وما فيه" من النفقة; لأنهما مسلوبان مأخوذان من يده. "وإن كثرت جنائبه تخير واحدة" (٢) منها; لأن كلا منها جنيبة قتيله "لا حقيبة" مشدودة "على الفرس" فلا يأخذها ولا ما فيها من الدراهم والأمتعة كسائر أمتعته المخلفة في خيمته ولأنها ليست من لباسه ولا حلية فرسه واختار السبكي أنه يأخذها بما فيها; لأنه إنما حملها على فرسه لتوقع الاحتياج إليها والحقيبة بفتح المهملة وكسر القاف وعاء يجمع فيه المتاع ويجعل على حقو البعير "الطرف الرابع القسمة" للغنيمة "فيعطي القاتل السلب أولا" تفريعا على المشهور من أنه لا يخمس "ثم يخرج" منها "المؤن" اللازمة "كأجرة حمال وحارس ونحوه ثم يقسم" الباقي أسهما "خمسة" متساوية ثم يؤخذ خمس رقاع فيكتب على واحدة لله تعالى أو للمصالح وعلى الأربع للغانمين وتدرج في بنادق متساوية وتخلط و "يخرج لأهل الخمس سهم بالقرعة" يجعل بينهم على خمسة "ويقسم الأربعة بين الغانمين (٣) أولا" أي قبل قسمة الخمس; لأنهم حاضرون ومحصورون وسواء في ذلك المنقول والعقار لعموم الآية وتكون القسمة "في دار الحرب" استحبابا (٤)

стр. 3406

كما فعل النبي ﷺ "وتأخيرها بلا عذر إلى العود" إلى دار الإسلام "مكروه ويعطي" الإمام من الغنيمة "غائبا حضر للقتال قبل انقضائه مما سيحاز وإن لم يقاتل" إن كان ممن يسهم له; لأن الغنيمة لمن شهد الوقعة "لا" إن حضر "بعده ولو قبل حيازة المال" أو خيف رجوع الكفار فلا يعطيه شيئا لعدم شهود الوقعة وخرج بما سيحاز ما حيز قبل حضوره فلا شيء له. "فإن حاصروا حصنا" وأشرفوا على فتحه فلحقهم مدد "شاركهم المدد ما لم يدخلوا آمنين" بأن لم يدخلوه أو دخلوه خائفين بخلاف ما لو لحقهم مدد بعد دخولهم له آمنين لا قبل دخولهم له كذلك وإن اقتضى كلامه خلافه "ولا حق لمنهزم" عن القتال "عاد بعد انقضاء الحرب فإن عاد وأدرك الحرب فلا شيء له فيما حزناه قبله" أي قبل عوده بخلاف ما حزناه بعده و "بخلاف متحيز إلى فئة قريبة" فإنه يعطى لبقائه في الحرب معنى بخلاف المتحيز إلى بعيدة (١). "وإن ادعى التحيز" إلى فئة قريبة أو التحرف للقتال "صدقناه بيمينه إن أدرك الحرب" فإن حلف استحق من الجميع وإن نكل لم يستحق إلا من المحوز بعد عوده بخلاف ما إذا لم يدرك الحرب لا يصدق في ذلك; لأن الظاهر خلافه "ولا حق لرجل أو فرس ماتا قبل القتال" وإن دخلا دار الحرب "لا" إن ماتا "بعده ولو قبل حيازة المال" فإنهما يستحقان بناء على الأصح من أن الغنيمة (٢) تملك بانقضاء القتال ولو قبل حيازة المال "وإن ماتا في أثناء القتال بطل حق الرجل" بموته "لا" حق "الفرس" بموته; لأن الفارس متبوع فإذا مات فات الأصل

стр. 3407

والفرس تابع فإذا مات جاز أن يبقى سهمه للمتبوع نعم إن مات الفارس بعد حيازة المال فالقياس أنه يستحق نصيبه منه قاله الأذرعي (١). "وإن جرح أو مرض (٢) في أثناء القتال استحق" نصيبه "ولو أزمنه" الجرح أو المرض; لأن في إبطال حقه ما يمنعه عن الجهاد وللانتفاع برأيه ودعائه ولأنه يحتاج إلى العلاج بخلاف الميت في ذلك "والمخذل" للجيش عن القتال "يمنع الحضور" (٣) في الصف "ولا يرضخ له" وإن حضر بإذن الإمام كما مر مع زيادة "ولا يمنع الفاسق" الحضور في الصف وإن لم يؤمن تخذيله. "فصل وإن بعث الإمام سرايا إلى دار الحرب فلكل سرية غنمها ولا يشتركون" في الغنم "إلا إن تعاونوا أو اتحد أميرهم والجهة فإن بعث الإمام أو الأمير من دار الحرب" بأن كان فيها "فكلهم" أي جيش الإمام أو الأمير والسرية "جيش واحد فيشتركون" فيما غنمه كل منهم "ولو اختلفت الجهات" المبعوث إليها ولم يكن الجيش مترصدين لنصرة السرايا بأن يكونوا بعيدين عنه لاستظهار كل فرقة بالأخرى وقد روي أن جيش المسلمين تفرقوا فغنم بعضهم بأوطاس وأكثرهم بحنين فشركوهم "ولو بعث جاسوسا فغنموا" أي الجيش قبل رجوعه "لم يسقط حقه" من الغنم; لأنه فارقهم لمصلحتهم وخاطر بما هو أعظم من شهود الوقعة "ولا يشاركهم" أي السرايا المبعوثين إلى دار الحرب "الإمام و" لا "جيشه إن كانوا في دار الإسلام وإن قصد لحوقهم" أو قربت منه دار الحرب; لأن السرايا كانت تخرج من المدينة على عهد رسول الله ﷺ وتغنم فلا يشاركهم المقيمون بها ولأن إحداهما لا تستظهر بالأخرى ولأنه لا جامع ثم من إمام أو أمير بخلاف ما إذا كان معهم بدار الحرب.

стр. 3408

"فصل تجار العسكر ونحوهم" ممن خرج لمعاملة كالخياطين و البزازين

стр. 3409

والبقالين "يسهم لهم إن قاتلوا"; لأنهم شهدوا الوقعة وتبين بقتالهم أنهم لم يقصدوا بخروجهم محض غير الجهاد والظاهر أنا لو علمنا أنهم قصدوا بخروجهم محض غير الجهاد أسهمنا لهم وإن اقتضى التعليل المذكور خلافه "وإلا" أي وإن لم يقاتلوا "رضخ لهم والإجراء" لغير الجهاد كسياسة الدواب وحفظ الأمتعة "يسهم لهم إن" وفي نسخة إذا "حضروا" الصف وقاتلوا كما ذكره المنهاج كأصله كذلك ومحله في أجراء وردت الإجارة على عينهم فإن وردت على ذمتهم أعطوا وإن لم يقاتلوا سواء أتعلقت بمدة معينة أم لا; لأنه لا يمكنهم أن يكثروا من يعمل عنهم ويحضروا أما الأجراء للجهاد فإن كانوا ذميين فلهم الأجرة دون السهم والرضخ إذ لم يحضروا مجاهدين لإعراضهم عنه بإجارة أو مسلمين فلا أجرة لهم لبطلان إجارتهم له; لأنهم بحضور الصف يتعين عليهم وهل يستحقون السهم فيه وجهان في الأصل أحدهما نعم لشهودهم الوقعة والثاني لا وبه قطع البغوي سواء أقاتلوا أم لا لإعراضهم عنه بالإجارة ولم يحضروا مجاهدين وكلام الرافعي يقتضي ترجيحه. "وإن أفلت أسير" من يد الكفار "أو أسلم كافر أسهم له إن حضر" الصف "وإن لم يقاتل" لشهوده الوقعة ولقصد من أسلم إعلاء كلمة الله تعالى بالإسلام فيقبح حرمانه وإنما يسهم لكل منهما مما حيز بعد حضوره "فإن كان هذا الأسير من جيش آخر أسهم له إن قاتل"; لأنه قد بان بقتاله قصده للجهاد وأن خلاصه لم يتمحض غرضا له فصار كما لو أحاط الكفار بأهل قرية لا يسهم للمقيمين بها حتى يقاتلوا ليمتاز المجاهد عن المقيم "وإلا فقولان" أحدهما وصححه في الشرح الصغير يسهم له (١) لشهوده الوقعة وثانيهما لا لعدم قصده الجهاد.

стр. 3410

"فصل يعطي الراجل سهما والفارس ثلاثة" سهما له وسهمين لفرسه للاتباع فيهما رواه الشيخان (٢) "ولو قاتلوا في ماء أو حصن" وقد أحضر الفارس فرسه فإنه يعطي الأسهم الثلاثة; لأنه قد يحتاج إلى الركوب نص عليه وحمله ابن كج على ما إذا كان بالقرب (٣) من الساحل واحتمل أن يخرج ويركب وإلا فلا

стр. 3411

معنى لإعطائه ذكر ذلك الأصل ويغني عنه وعن المقيد به قوله بعد ومن حضر بفرس إلى آخره. قال الرافعي: ولك أن تقول قضية التوجيه المذكور أنه يسهم لفرسين وأكثر; لأنه قد يحتاج إلى ركوب الثاني والثالث وقد التزم مؤنتها أي وليس مرادا كما يعلم مما يأتي (١). "و" الخيل "العربية والبراذين" وغيرهما في ذلك "سواء" لصلاحية الجميع للكر والفر ولا يضر تفاوتها كالرجال وفي الصحيحين خبر الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة الأجر (٢) والمغنم فأطلق لفظ الخيل وهو شامل للعتيق وهو عربي الأبوين وللبرذون وهو عجميهما وللهجين وهو العربي أبوه فقط وللمقرف وهو العربية أمه فقط نعم يعتبر كون كل منهما جذعا أو ثنيا كما سيأتي في المسابقة "وراكب البعير والفيل والبغل والحمار راجل" أي كالراجل في أنه يعطى سهما واحدا; لأنها لا تصلح للحرب صلاحية الخيل لها بالكر والفر اللذين يحصل بهما النصرة غالبا "لكن يرضخ لها ويفضل الفيل على البغل والبغل على الحمار". والظاهر أنه يفضل البعير على البغل بل نقل عن الحسن البصري أنه يسهم له لقوله تعالى: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ﴾ [الحشر: ٦] ثم رأيت في التعليقة على الحاوي والأنوار تفضيل البغل على البعير ولم أره في غيرهما (٣) وفيه نظر. "ولا يبلغ بالرضخ" لها سهم "فرس ولا يدخل الإمام دار الحرب إلا فرسا

стр. 3412

شديدا لا قحما" بفتح القاف وإسكان المهملة أي هرما "و" لا "أعجف" أي مهزولا "رازحا" براء وزاي مكسورة ثم حاء مهملة أي بين الهزال ولا حطما أي كسيرا ولا ضرعا بفتح المعجمة والراء أي ضعيفا فلا يسهم لها إذ لا غناء فيها بخلاف الشيخ من المقاتلة للانتفاع برأيه ودعائه. قال الأذرعي: وينبغي أن يلحق (١) بالأعجف الحرون الجموح وإن كان شديدا قويا; لأنه لا يكر ولا يفر عند الحاجة بل يهلك راكبه "فإن أدخله" أي شيئا منها "أحد" منهم "لم يسهم له وإن لم ينهه الإمام" عن إدخاله أو لم يبلغه النهي; لأنه لا فائدة فيه بل هو كل على صاحبه بخلاف الشيخ لما مر. "ومن حضر" الصف "بفرسين أعطى لواحد" منهما فقط; لأنه ﷺ "لم يعط الزبير إلا لفرس واحد وقد حضر يوم حنين بأفراس" رواه الشافعي وغيره (٢) "ومن حضر بفرس يركبه أسهم له وإن لم يقاتل عليه و" محله إذا "كان يمكنه ركوبه لا إن حضر" معه "ولم يعلم به" فلا يسهم له "ولو استعار فرسا" أو استأجره "أو غصبه" ولم يحضر المالك الوقعة (٣) "فالسهم له لا للمالك"; لأنه الذي أحضره وشهد به الوقعة "وإن حضرا بفرس لهما اقتسما سهميه" بحسب ملكيهما فقول الأصل مناصفة محمول على ما إذا كان بينهما كذلك نبه عليه الزركشي. "ولو ركبا فرسا" وشهد الوقعة "وقوي على الكر والفر بهما فأربعة أسهم" سهمان لهما وسهمان للفرس "وإلا" أي وإن لم يقو على ذلك "فسهمان" لهما. قال النشائي: وفي الفرق بين هذه والتي قبلها نظر لا سيما وقد تقرر أن الحاضر به كالراكب انتهى ويفرق بأن الفرس في الأولى قوي على الكر والفر بمن يركبه بخلافه في الثانية "وإن ضاع فرسه" الذي يريد القتال عليه "أو غصب" منه "وقاتل عليه غيره وحضر المالك الوقعة فالسهم" الذي للفرس "له" أي لمالكه; لأنه شهد

стр. 3413

الوقعة ولم يوجد منه اختيار إزالة يد فصار كما لو كان معه ولم يقاتل عليه وتقدم أن الأعمى والزمن ومقطوع اليدين والرجلين لا يسهم لهم لكن يرضخ لهم. "وإن شرط الإمام لهم" أي للجيش "أن لا يخمس عليهم لم يصح" الشرط ويجب تخميس ما غنموه سواء أشرط ذلك لضرورة أم لا "ومن استحق السهم استحق السلب مع تمام سهمه" لاختلاف الجهة وهذا من زيادته ونقله الماوردي عن ظاهر النص (١) خلافا لمن نقل عن الماوردي ما يخالف ذلك.

стр. 3414

"كتاب النكاح" هو لغة: الضم ومنه قوله تناكحت الأشجار إذا تمايلت وانضم بعضها إلى بعض، وشرعا: عقد يتضمن إباحة وطء بلفظ إنكاح أو تزويج أو ترجمته، وهو حقيقة في العقد (١) مجاز في الوطء كما جاء به القرآن والأخبار وإنما حمل على الوطء في قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] لخبر الصحيحين "حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك (٢) " وقيل حقيقة في الوطء مجاز في العقد وقيل مشترك بينهما، والأصل فيه قبل الإجماع آيات كقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣] وقوله: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] وأخبار كخبر "تناكحوا تكثروا (٣) " وخبر "من أحب فطرتي فليستن بسنتي ومن سنتي النكاح" رواهما الشافعي (٤) بلاغا وخبر "الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة" رواه مسلم (٥) قال الأطباء ومقاصد النكاح ثلاثة حفظ النسل وإخراج الماء الذي يضر احتباسه بالبدن ونيل اللذة وهذه الثالثة هي التي في الجنة إذ لا تناسل هناك (٦) ولا احتباس.

стр. 3415

"وفيه "اثنا عشر بابا" الأول في" بيان "خصائص النبي ﷺ (١) " وإنما ذكروها هنا; لأنها في النكاح أكثر منها في غيره والصيغة المذكورة مشعرة بذكر جميع خصائصه إذ الجمع المضاف لمعرفة مستغرق وليس مرادا لما سيأتي. "وهي أنواع أربعة: أحدها الواجبات" وخص بها لزيادة الزلفى والدرجات فلن يتقرب المتقربون إلى الله تعالى بمثل أداء ما افترض عليهم قال في الروضة. قال الإمام: هنا قال بعض علمائنا الفريضة يزيد ثوابها على ثواب النافلة (٢) أي المماثلة لها بسبعين درجة "وهي الضحى والوتر والأضحية" لخبر "ثلاث هن علي فرائض ولكم تطوع النحر والوتر وركعتا الضحى" رواه البيهقي (٣) وضعفه (٤)

стр. 3416

ويؤخذ منه أن الواجب عليه أقل الضحى لا أكثره وقياسه في الوتر كذلك (١) واستشكل وجوب الثلاثة عليه بضعف الخبر وبجمع العلماء بين أخبار الضحى المتعارضة في سنيتها بأنه كان لا يداوم عليها مخافة أن تفرض على أمته فيعجزوا عنها وبأنه قد صح عنه أنه كان يوتر على بعيره ولو كان واجبا عليه لامتنع ذلك وقد يجاب عن الأول باحتمال أنه اعتضد بغيره وعن الثاني بأن صلاة الضحى واجبة عليه في الجملة وعن الثالث باحتمال أنه صلاها على الراحلة (٢) وهي واقفة على أن جواز أدائها على الراحلة من خصائصه أيضا. "والسواك" لكل صلاة (٣) ; لأنه ﷺ أمر به لكل صلاة رواه أبو داود وصححه ابن خزيمة وغيره (٤). "والمشاورة" لذوي الأحلام في الأمر (٥) قال تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] لكن نص الشافعي على عدم وجوبها عليه حكاه البيهقي في المعرفة عند استئذان البكر "وتغيير منكر رآه" قال الغزالي ولم يعلم أو يظن (٦) أن فاعله يزيد فيه عنادا "مطلقا" عن التقييد بعدم الخوف "ومصابرة العدو وإن كثر" ولو زاد على الضعف ولو مع الخوف; لأنه موعود بالعصمة والنصر. "وقضاء دين مسلم مات معسرا" لخبر الصحيحين "أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم فمن توفي منهم فترك دينا فعلي قضاؤه (٧) " وقيده الإمام بما إذا اتسع المال.

стр. 3417

"ولا يجب على الإمام" بعده "قضاؤه من" مال "المصالح" كما جزم به صاحب الأنوار وغيره وقيل يجب عليه بشرط اتساع المال وفضله عن مصالح الأحياء والترجيح من زيادته (١) "وتخيير نسائه" بين مفارقته طلبا للدنيا واختياره طلبا للآخرة لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ [الأحزاب: ٢٨] الآيتين ولئلا يكون مكرها لهن على الصبر على ما آثره لنفسه من الفقر وهذا لا ينافي ما صح أنه تعوذ من الفقر; لأنه في الحقيقة إنما تعوذ من فتنته كما تعوذ من فتنة الغنى أو تعوذ من فقر القلب (٢) بدليل قوله "ليس الغنى بكثرة العرض وإنما الغنى غنى النفس (٣) " ولما خيرهن واخترنه حرم الله عليه التزوج عليهن والتبدل بهن مكافأة لهن فقال": ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ [الأحزاب: ٥٢] الآية ثم نسخ بقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] الآية لتكون له المنة بترك التزوج عليهن ذكره الأصل. "ولا يشترط الجواب" منهن له "فورا" لما في خبر الصحيحين من أنه ﷺ لما نزلت آية التخيير بدأ بعائشة وقال "إني ذاكر لك أمرا فلا تبادريني بالجواب حتى تستأمري أبويك (٤) ". "فلو اختارته" واحدة منهن "لم يحرم" عليه طلاقها كأمته (٥) "أو كرهته" بأن

стр. 3418

اختارت الدنيا "توقفت الفرقة على الطلاق" فلا تحصل باختيارها لقوله تعالى: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٢٨] "وهل قولها اخترت نفسي طلاق وهل له تزوجها بعد الفراق" إذا لم تكره تزوجه "أو" له "تخييرهن" فيما مر "قبل مشاورتهن" في كل من الثلاثة "وجهان" أوجههما لا في الأولى (١) وتعم في الأخيرتين وذكره الأخيرة من زيادته على الروضة وتعبيره في الأولى بالطلاق أولى من تعبير أصله بقوله صريح في الفراق "ونسخ وجوب التهجد عليه" كما نسخ وجوبه على غيره ودليل وجوبه قوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الاسراء: ٧٩] ودليل النسخ رواه مسلم "لا" وجوب "الوتر" عليه فلم ينسخ وهذا يقتضي أن الوتر غير التهجد (٢)، وهو ما صرح الأصل بترجيحه هنا لكنه رجح فيما مر في صلاة التطوع أنه تهجد وتقدم ثم الجمع بين الكلامين النوع "الثاني المحرمات عليه" وخص بها تكرمة له إذ أجر ترك المحرم أكثر من أجر ترك المكروه وفعل المندوب "وهي الزكاة والصدقة" نفلها وفرضها (٣) كالكفارة لما مر في قسم الصدقات وصيانة لمنصبه الشريف; لأنهما ينبئان عن ذل الآخذ وعز المأخوذ منه وأبدل بهما الفيء الذي يؤخذ على سبيل القهر والغلبة المنبئ عن عز الآخذ

стр. 3419

وذل المأخوذ منه، ولو اقتصر المصنف على الصدقة لأغناه عما قبلها. "ومعرفة الخط والشعر" أي تعلمهما لقوله تعالى: ﴿وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] وقوله ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يّس: ٦٩] وألحق الماوردي والروياني بالخط القراءة من الكتاب وبتعلم الشعر روايته وما روي من أنه خط حمل على أنه كان يوحي أو على أنه أمر من خط (١) فنسب إليه الفعل تجوزا أو أنه صدر منه معجزة وما روي عنه من الرجز كقوله: "أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب (٢) " مبني على قول الأخفش وغيره أن الرجز ليس بشعر أو أنه لم يقصده بل وقع مرجزا. "لا الأكل لثوم ونحوه" كبصل وكراث (٣) فلا يحرم عليه إذ لم يثبت فيه ما يقتضي تحريمه وإنما كره أكله (٤) لتأذي الملائكة برائحته وفي مسلم أن "أبا أيوب الأنصاري صنع للنبي ﷺ طعاما فيه ثوم" وفي رواية "أرسل إليه بطعام من خضرة فيه بصل وكراث فرده ولم يأكل منه فقال له أحرام هو قال لا ولكني أكرهه (٥) " "أو" الأكل "متكئا" لما مر وأما خبر البخاري "أنا لا آكل وأنا متكئ (٦) " فلا يدل على تحريمه نعم هذا وما قبله مكروهان في حقه كما في حق أمته صرح به في حقهم في الأول صاحب الأنوار مقيدا بالنيء (٧) وبالثاني الرافعي قال الخطابي والمتكئ الجالس المعتمد على وطاء تحته وأقره البيهقي وأنكره ابن الجوزي وقال: بل هو المائل على جنب، وفسره القاضي عياض بالأول ثم قال: وليس هو المائل على جنب عند المحققين. "ويحرم" عليه "نزع لامته" أي سلاحه "قبل القتال" للعدوان احتيج

стр. 3420

إليه لخبر: "لا ينبغي لنبي أن يلبس لامته فيضعها حتى يقاتل" علقه البخاري وأسنده الإمام أحمد وحسنه البيهقي (١). وقضيته أن ذلك من خصائص الأنبياء "ومد العين إلى متاع الناس" أي إلى ما متعوا به لقوله تعالى: ﴿وَلا تَمُدَّنَ عَيْنَيْكَ﴾ [طه: ١٣١] الآية "وخائنة الأعين وهي الإيماء بما يظهر خلافه" من مباح من نحو ضرب أو قتل وسمي خائنة الأعين لشبهه بالخيانة بإخفائه "دون الخديعة في الحرب" فلا تحرم عليه لما في الصحيحين أنه كان إذا أراد غزوة ورى بغيرها "وإمساك من كرهت نكاحه" (٢) كما هو قضية وجوب تخييره نساءه واحتج له بما رواه البخاري "أنه ﷺ قال لزوجته القائلة له أعوذ بالله منك لقد استعذت بمعاذ (٣) الحقي بأهلك" (٤) روي أن نساءه لقنها أن تقول له ذلك وقلن لها أنه كلام يعجبه. "ونكاح كتابية"; لأنها تكره صحبته ولأنه أشرف من أن يضع ماءه في رحم كافرة ولقوله تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦] ولا يجوز أن تكون المشركة أم المؤمنين ولخبر "سألت ربي أن لا أزوج إلا من كان معي في الجنة فأعطاني" رواه الحاكم وصحح إسناده (٥) "لا التسري بها" فلا يحرم قال الماوردي; "لأنه ﷺ تسرى بريحانة وكانت يهودية من سبي قريظة" واستشكل بهذا تعليلهم السابق بأنه أشرف من أن يضع ماءه في رحم كافرة ويجاب بأن القصد بالنكاح أصالة التوالد فاحتيط له وبأنه يلزم فيه أن تكون الزوجة المشركة أم المؤمنين بخلاف الملك فيهما. "ونكاح الأمة ولو مسلمة"; لأن نكاحها معتبر لخوف العنت وهو معصوم بفقدان مهر الحرة ونكاحه غني عن المهر ابتداء وانتهاء وبرق الولد ومنصبه ﷺ

стр. 3421

منزه عنه "والمن" أي إعطاؤه العطايا "ليستكثر" أي ليطلب الكثرة بالطمع في العوض لقوله تعالى: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦] وإن فسره بعضهم بقوله أي لا تعط شيئا لتأخذ أكثر منه وهذا من زيادته على الروضة. النوع "الثالث التخفيفات والمباحات له" وخص بها توسعة عليه وتنبيها على أن ما خص به منها لا يلهيه عن طاعته وإن ألهى غيره وليس المراد بالمباح هنا ما استوى طرفاه بل ما لا حرج في فعله ولا في تركه "وهي نكاح تسع"; لأنه مأمون الجور وقد مات عن تسع ولأن غرضه نشر باطن الشريعة وظاهرها وكان أشد الناس حياء فأبيح له تكثير النساء لينقلن ما يرينه من أفعاله ويسمعنه من أقواله التي قد يستحي من الإفصاح بها بحضرة الرجال. "وحرم" عليه "الزيادة عليهن" أي التسع بقوله: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ [الأحزاب: ٥٢] أي بعد التسع اللاتي اخترنك "ثم نسخ" فأبيح له أن ينكح أكثر منهن بآية ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] كما مر والتنبيه على أن ذلك حرم ثم نسخ من زيادته وبه صرح صاحب الأنوار. "وينعقد نكاحه" حالة كونه "محرما" (١) بنسك لخبر الصحيحين عن ابن عباس أن "النبي ﷺ نكح ميمونة وهو محرم (٢) " لكن أكثر الروايات عن ابن عباس أيضا أنه كان حلالا وفي مسلم وغيره "قالت تزوجني النبي ﷺ ونحن حلالان بسرف (٣) " وقال أبو رافع تزوجها وهو حلال وكنت السفير بينهما رواه الترمذي وحسنه (٤)، وقد رد الشافعي بذلك رواية ابن عباس الأولى. "و" ينعقد نكاحه "بلا ولي وشهود"; لأن اعتبار الولي للمحافظة على الكفاءة وهو فوق الأكفاء واعتبار الشهود لأمن الجحود وهو مأمون منه، والمرأة لو

стр. 3422

جحدت لا يلتفت إليها بل قال العراقي شارح المهذب (١) تكفر بتكذيبه "و" ينعقد "بلفظ الهبة" وبمعناها "إيجابا" لقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً﴾ [الأحزاب: ٥٠] الآية "لا قبولا" بل يجب لفظ النكاح أو التزويج لظاهر قوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾ [الأحزاب: ٥٠] "ولا مهر" عليه "للواهبة له" نفسها "وإن دخل بها" كما هو قضية الهبة "وتجب إجابته إلى" بمعنى على "امرأة رغب فيها" ويحرم على غيره خطبتها "و" يجب "على زوجها طلاقها" لينكحها قال الماوردي لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ [لأنفال: ٢٤]. وقال الغزالي لقصة زيد ﵁ (٢) قال: ولعل السر فيه من

стр. 3423

جانب الزوج امتحان إيمانه بتكليفه النزول عن أهله ومن جانب النبي ﷺ ابتلاؤه ببلية البشرية (١) ومنعه من خائنة الأعين (٢) ولذلك قال تعالى: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧]، ولا شيء أدعى لحفظ البصر من لمحاته الاتفاقية من هذا التكليف وهذا مما يورده الفقهاء في نوع التخفيفات وعندي أنه في حقه في غاية التشديد إذ لو كلف بذلك أي بمنع خائنة الأعين (٣) آحاد الناس لما فتحوا أعينهم في الشوارع والطرقات خوفا من ذلك، ولذلك قالت عائشة ﵂ لو كان ﷺ يخفي آية لأخفى هذه ويجاب بأن الآحاد غير معصومين (٤) فنقل عليهم ذلك بخلافه ﷺ . "وله تزويج من شاء" من النساء "لمن شاء و" لو "لنفسه بغير إذن" من المرأة ووليها "متواليا الطرفين"; لأنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم "ويزوجه الله" فتحل له المرأة بذلك من غير تلفظ بعقد كما في قضية امرأة زيد ﴿فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها﴾ "وأبيح له الوصال" (٥) في الصوم لخبر الصحيحين أنه ﷺ "نهى عن الوصال فقيل إنك تواصل فقال إني لست مثلكم إني أطعم وأسقى (٦) " أي أعطى قوة الطاعم والشارب (٧)

стр. 3424

"وصفي المغنم" وهو ما يختاره منه قبل القسمة من جارية وغيرها ومن صفاياه صفية بنت حيي (١) قال الزركشي ولا يختص هذا بالمغنم بل له ذلك من الفيء أيضا قاله ابن كج في التجريد "وخمس الخمس" من الفيء والمغنم كان ﷺ ينفق منه في مصالحه وما فضل جعله في مصالح المسلمين وله أيضا مع خمس الغنيمة سهم كسهام الغانمين "وأربعة أخماس الفيء" وإن لم يأخذها كما مر في كتاب الفيء. "ويقضي بعلمه" ولو في حدود الله تعالى بلا خلاف "ويحكم ويشهد لولده ولنفسه" (٢) ; لأن المنع من ذلك في حق الأمة للريبة وهي منتفية عنه قطعا "ويحمي الموات لنفسه" وإن لم يحم لخبر البخاري "لا حمى إلا لله ولرسوله (٣) " وغيره من الأئمة إنما يحمي لنحو نعم الصدقة كما مر في بابه "وتجوز الشهادة له بما ادعاه" اعتمادا على دعواه لقصة خزيمة الآتية وهذا من زيادته "ويقبل" هو "شهادة من شهد له" لانتفاء الريبة عنه قطعا كما مر ولأنه قبل شهادة خزيمة لنفسه وقصته في أبي داود (٤) والحاكم وصححها (٥) وخالف ابن حزم فأعلها "وله أخذ طعام غيره" (٦) وإن احتاجه الغير "ويجب" على الغير "إعطاؤه له وبذل النفس دونه" لو قصده ظالم بحضرته فيفدي بمهجته مهجته ﷺ فإنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم. "ولا ينتقض وضوءه بالنوم" ولو غير ممكن لخبر الصحيحين "أنه ﷺ

стр. 3425

اضطجع ونام حتى نفخ ثم قام فصلى ولم يتوضأ (١) ". "ومن شتمه النبي ﷺ أو لعنه جعل الله له ذلك قربة" بدعائه لخبر الصحيحين "اللهم إني اتخذت عندك عهدا لن تخلفنيه فإنما أنا بشر فأي المؤمنين آذيته أو شتمته أو لعنته فاجعلها له زكاة وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة (٢) " وفي رواية "إني اشترطت على ربي فقلت إنما أنا بشر أرضى كما يرضى البشر وأغضب كما يغضب البشر فأيما أحد دعوت عليه من أمتي بدعوة ليس لها بأهل أن تجعلها له طهورا وزكاة وقربة (٣) " وإنما ساغ ذلك مع أنه ليس أهلا لها; لأن المراد أنه ليس أهلا لها في باطن الأمر لكنه في الظاهر يستوجبه بأمارة شرعية وهو ﷺ مأمور بالحكم بالظاهر والله يتولى السرائر أو; لأن ما وقع منه من ذلك ليس مقصودا بل هو مما جرت به عادة العرب من وصل كلامها بنحو ذلك كقوله: تربت يمينك وعقرى حلقى، فخاف أن يستجاب في ذلك فسأل ربه أن يجعل ذلك طهورا وزكاة وقربة. وقول المصنف ومن شتمه إلى آخره من زيادته على الروضة وهو في الرافعي، وفيه أن صاحب التلخيص حكى أن له دخول المسجد جنبا (٤) قال في الروضة وقد يحتج له بخبر "يا علي لا يحل لأحد أن يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك" رواه الترمذي وقال حسن غريب لكن في سنده ضعيف عند جمهور المحدثين (٥)، قال: ولعله اعتضد بما اقتضى حسنه فظهر ترجيح قول صاحب التلخيص وحذف المصنف هذا; لأنه بتقدير صحته، وحمل دخول المسجد على المكث به ليس من الخصائص لمشاركة علي له فيه، وحذف أيضا أنه أعتق صفية وجعل عتقها صداقها بمعنى أنه أعتقها بلا عوض وتزوجها بلا مهر مطلقا; لأن هذه في معنى الواهبة نفسها

стр. 3426

له وتقدم أنه لا مهر لها مطلقا (١) وحذف أيضا أنه هل كان يحل له الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها وجهان بناء على أن المتكلم هل يدخل في الخطاب; لأن مقتضى البناء ترجيح المنع فلا تكون من الخصائص إلا على وجه ضعيف "ومعظم هذه المباحات لم يفعله" ﷺ وإن كان له فعله وقد صرحت ببعضه فيما مر. "الرابع الفضائل والإكرام وهي تحريم منكوحاته على غيره (٢) ولو مطلقات" ولو باختيارهن لفراقه وفاقا للجمهور خلافا لما في الشرح الصغير (٣) وسواء أكن موطوآت أم (٤) لا لآية ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥٣] قيل نزلت في طلحة بن عبيد الله فإنه قال إن مات لأتزوجن عائشة ولأنهن أمهات المؤمنين قال تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦] ولأنهن أزواجه في الجنة ولأن المرأة في الجنة لآخر أزواجها كما قاله ابن القشيري "وسراري" أي وتحريم سراريه أي إمائه الموطوآت على غيره إكراما له بخلاف غير الموطوآت وقيل لا تحرم الموطوآت أيضا والترجيح من زيادته وبما رجحه جزم الطاوسي والبازري مع تقييدهما ذلك بالموطوآت ولو عبر المصنف بسراريه لسلم من إيهام عطفهن على مطلقات "وتفضيل زوجاته على" سائر "النساء" (٥) على ما يأتي تفضيله قال

стр. 3427

تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٢] "وثوابهن وعقابهن مضاعف" (١) قال تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الأحزاب: ٣٠] الآيتين. "وهن أمهات المؤمنين" أي مثلهن لا في حكم الخلوة والنظر والمسافرة والظهار والنفقة والميراث بل في تحريم نكاحهن ووجوب احترامهن وطاعتهن "إكراما" له ولقوله تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦] "فقط" أي يقال لهم أمهات المؤمنين لا أمهات المؤمنات ولا يقال لبناتهن أخوات المؤمنين (٢) ولا لآبائهن وأمهاتهن أجداد المؤمنين وجداتهم ولا لإخوتهن وإخوانهن أخوال المؤمنين وخالاتهم "كهو في الأبوة" أي كما أنه ﷺ أب "للرجال والنساء". وأما قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٠] فمعناه ليس أحد من رجالكم ولد صلبه "وتحريم سؤالهن إلا من وراء حجاب" قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣] وأما غيرهن فيجوز أن يسألن مشافهة، قال النووي في شرح مسلم قال القاضي عياض خصصن بفرض الحجاب عليهن بلا خلاف في الوجه والكفين فلا يجوز لهن كشف ذلك لشهادة ولا غيرها ولا إظهار شخوصهن وإن كن مستترات إلا لضرورة خروجهن للبراز، "فائدة" ذكر البغوي عن الخطابي عن سفيان بن عيينة أنه قال كان نساء رسول الله ﷺ في معنى المعتدات وللمعتدة السكنى فجعل لهن سكنى البيوت ما عشن ولا يملكن رقابها. "وأفضلهن خديجة" لما رواه النسائي بإسناد صحيح أنه ﷺ قال "أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد (٣) "، ولما ثبت أنه ﷺ "قال لعائشة - حين قالت له: قد رزقك الله خيرا منها لا -: والله ما رزقني خيرا منها

стр. 3428

آمنت بي حين كذبني الناس وأعطتني مالها حين حرمني الناس (١) " وسئل ابن داود أيهما أفضل فقال عائشة أقرأها النبي ﷺ السلام من جبريل وخديجة أقرأها جبريل من ربها السلام على لسان محمد فهي أفضل فقيل له فمن أفضل خديجة أم فاطمة (٢)؟ فقال إن رسول الله ﷺ قال فاطمة بضعة مني ولا أعدل ببضعة رسول الله ﷺ أحدا "ثم عائشة" لخبر فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على (٣) سائر الطعام (٤)، وخبر سأل عمرو بن العاص النبي ﷺ أي الناس أحب إليك قال عائشة رواهما البخاري (٥) وهما مخصوصان بما مر. وقضية كلامه أن كلا من خديجة وعائشة أفضل من فاطمة ويخالفه ما مر آنفا وقد سئل السبكي عن ذلك فقال الذي نختاره (٦) وندين الله به أن فاطمة أفضل ثم أمها خديجة ثم عائشة، واحتج لذلك بما تقدم بعضه وبقوله ﷺ لفاطمة عندما سارها ثانيا عند موته أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة إلا مريم، وأما خبر الطبراني "خير نساء العالمين مريم بنت عمران ثم خديجة بنت خويلد ثم فاطمة بنت محمد ثم آسية امرأة فرعون (٧) " فأجيب عنه بأن خديجة إنما فضلت على فاطمة باعتبار الأمومة لا باعتبار السيادة، واختار السبكي أن مريم أفضل من خديجة (٨)

стр. 3429

لهذا الخبر وللاختلاف في نبوتها، وقيل: عائشة أفضل من خديجة (١) والترجيح من زيادة المصنف. "وهو" ﷺ "خاتم النبيين" قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠] ولا يعارضه ما ثبت من نزول عيسى ﵊ آخر الزمان; لأنه لا يأتي بشريعة ناسخة بل مقررة لشريعة نبينا ﷺ عاملا بها "وسيد ولد آدم" رواه الشيخان (٢) ونوع الآدمي أفضل الخلق فهو ﷺ أفضل الخلق وأما قوله: "لا تفضلوا بين الأنبياء (٣) " وقوله: "لا تفضلوني على يونس (٤) " ونحوهما فأجيب عنها بأنه نهى عن تفضيل يؤدي إلى تنقيص بعضهم فإن ذلك كفر أو عن تفضيل في نفس النبوة التي لا تتفاوت لا في ذوات الأنبياء المتفاوتين بالخصائص وقد قال تعالى: ﴿فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣] أو نهى عن ذلك تأدبا وتواضعا (٥) أو نهى عنه قبل علمه أنه أفضل الخلق ولهذا لما علم قال: "أنا سيد ولد (٦) آدم" وتبع كأصله وغيره الخبر في التعبير بسيد ولد آدم ومرادهم أنه سيد آدم وولده وسائر الخلق كما مر. "وأول من تنشق عنه الأرض" يوم القيامة رواه الشيخان (٧) وأما خبر"فإذا موسى متعلق بقائمة العرش فلا أدري أكان فيمن صعق فأفاق قبلي أم كان

стр. 3430

ممن استثنى الله (١) " فيحتمل أنه قاله قبل أن يعلم أنه أول من تنشق عنه الأرض (٢) "/و" أول "من يقرع باب الجنة (٣) وأول شافع و" أول "مشفع" أي من تجاب شفاعته رواها مسلم (٤) "وأمته خير الأمم" لآية ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران: ١١٠] وشهداء يوم القيامة على الأمم بتبليغ الرسل إليهم رسالته لآية ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ [البقرة: ١٤٣] "معصومة لا تجتمع على ضلالة" ويحتج بإجماعها لخبر "لا تزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله" رواه الشيخان (٥) "وصفوفهم كصفوف الملائكة" رواه مسلم (٦) "وشريعته مؤبدة وناسخة لغيرها" من الشرائع لما مر أنه خاتم النبيين وقد أمر بترك شرائع غيره من الأنبياء. "ومعجزته باقية وهي القرآن" عبارة الأصل وكتابه معجز محفوظ عن التحريف والتبديل وأقيم بعده حجة على الناس ومعجزات سائر الأنبياء انقرضت فعدول المصنف عنها إلى ما قاله المفيد لحصر بقاء معجزته في القرآن قد يقال إن أراد به المعجزة الكبرى فمسلم وإلا فممنوع إذ له معجزات أخر باقية كقوله "لا تقوم الساعة حتى يبعث دجالون كذابون قريب من ثلاثين كلهم يزعم أنه رسول الله (٧) "

стр. 3431

وقوله: "لا تقوم الساعة حتى يقبض العلم (١) "، وقوله: "لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها (٢) "، وقوله: "إن أمتي لا تجتمع على ضلالة (٣) " ومنها ما يظهر من كرامات أحد من أمته بناء على أن كرامات أولياء أمة كل نبي معجزات له وهو الحق، ويجاب بأنه أراد معجزته التي ظهرت وبقيت وهذه الأشياء لم تظهر بعد وإنما تظهر في المستقبل، وكان سكوته حجة على جواز ما رأى ولم ينكره بخلاف سكوت غيره. "ونصرت بالرعب مسيرة شهر وجعلت له الأرض مسجدا وترابها طهورا وأحلت له الغنائم" رواها الشيخان (٤) إلا قوله: "وترابها طهورا" فمسلم (٥) ومعنى اختصاصه بما عدا الأولى أن أحدا من الأنبياء لا يشاركه فيه وإلا فأمته مشاركة له فيه "ولم يورث وتركته صدقة على المسلمين" (٦) لا يختص بها الوارث لخبر الصحيحين "إنا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة (٧) " ومعنى

стр. 3432

اختصاصه به أن أحدا من الأمم لا يشاركه فيه وإلا فالأنبياء يشاركونه فيه كما صرح به في الخبر وأما قوله تعالى: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً يَرِثُنِي﴾ [مريم: ٥] وقوله: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ﴾ [النمل: ١٦] فالمراد الإرث في النبوة والعلم والدين. "وأكرم بالشفاعات الخمس" يوم القيامة الأولى: العظمى في الفصل بين أهل الموقف حين يفزعون إليه بعد الأنبياء، الثانية: في إدخال خلق الجنة بغير حساب، الثالثة: في ناس استحقوا دخول النار (١) فلا يدخلونها، الرابعة: في ناس دخلوا النار فيخرجون، الخامسة: في رفع درجات ناس في الجنة وكلها ثبتت في الأخبار. "وخص" منها "بالعظمى ودخول خلق من أمته الجنة بغير حساب" وهي الثانية قال في الروضة ويجوز أن يكون خص بالثالثة والخامسة أيضا قال القاضي عياض: إن شفاعته لإخراج من في قلبه مثقال حبة من إيمان مختصة به، قال شيخ الإسلام السراج بن الملقن: ومن شفاعته أن يشفع لمن مات بالمدينة (٢) رواه الترمذي وصححه (٣). ومنها تخفيف العذاب عمن استحق الخلود في النار (٤) كأبي طالب وهاتان نبه عليهما القاضي عياض وفي العروة الوثقى للقزويني أنه يشفع لجماعة من صلحاء المؤمنين فيتجاوز عنهم في تقصيرهم في الطاعات وذكر بعضهم أنه يشفع في أطفال المشركين حتى يدخلوا الجنة.

стр. 3433

"وأرسل إلى الكافة" من الإنس والجن (١) رواه الشيخان (٢) ورسالة غيره خاصة وأما عموم رسالة نوح بعد الطوفان فلانحصار الباقين فيمن كان معه في السفينة "وهو أكثر الأنبياء اتباعا وكان لا ينام قلبه" لخبر الصحيحين "إن عيني تنامان ولا ينام قلبي (٣) " وفي البخاري في خبر الإسراء عن أنس "وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم (٤) "، ويؤخذ منه أنهم يشاركونه في هذا قال في المجموع في باب الأحداث: فإن قيل: هذا مخالف للحديث الصحيح "أنه ﷺ نام في الوادي عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس (٥) " ولو كان غير نائم القلب لما ترك صلاة الصبح فجوابه من وجهين: أحدهما، وهو المشهور أن القلب يقظان يحس بالحدث وغيره مما يتعلق بالبدن ويشعر به القلب وليس طلوع الشمس والفجر من ذلك; لأنه إنما يدرك بالعين وهي نائمة، والثاني حكاه الشيخ أبو حامد عن بعض أصحابنا قال: كان للنبي ﷺ نومان أحدهما ينام قلبه وعينه والثاني عينه دون قلبه فكان نوم الوادي من النوع الأول (٦). "ويرى من خلفه" كما يرى من أمامه كما في الصحيحين والأخبار الواردة فيه مقيدة بحالة الصلاة فهي مقيدة لقوله لا أعلم ما وراء جداري هذا، كذا قيل فإن أراد قائله أنها مقيدة لمفهومه فظاهر وإلا ففيه نظر إذ ليس فيها أنه كان يرى من وراء الجدار وقياس الجدار على جسده ﷺ فاسد كما لا يخفى لكن روي أنه

стр. 3434

كان بين كتفيه عينان مثل سم الخياط فكان يبصر بهما ولا تحجبهما الثياب "وتطوعه قاعدا كقائم" أي كتطوعه قائما ولو بلا عذر وتطوع غيره كذلك بلا عذر على النصف (١) كما مر روى ذلك مسلم. "ولا تبطل صلاة من خاطبه بالسلام" في نحو قوله: السلام عليك أيها النبي كما مر في شروط الصلاة. "ويحرم رفع الصوت فوق صوته" لآية ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: ٢] قال شيخنا شيخ الإسلام ابن حجر وأما خبر ابن عباس وجابر في الصحيح أن نسوة كن يكلمنه عالية أصواتهن فالظاهر أنه كان قبل النهي انتهى وذكره القاضي عياض احتمالا فقال يحتمل أن يكون قبل النهي ويحتمل أن علو الصوت كان بالهيئة الاجتماعية لا بانفراد كل منهن قلت ويحتمل أنه لم يبلغهن النهي (٢) قال القرطبي وكره بعضهم رفعه عند قبره ﷺ "و" يحرم "نداؤه من وراء الحجرات" لآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ [الحجرات: ٤] أي حجرات نسائه ﷺ . "و" نداؤه "باسمه" (٣) كيا محمد لقوله تعالى: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً﴾ [النور: ٦٣] ولما فيه من ترك التعظيم (٤) بل ينادى

стр. 3435

بوصفه كيا نبي الله وأما خبر أنس أن رجلا من أهل البادية جاء فقال يا محمد أتانا رسولك فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك الحديث فلعله كان قبل النهي عن ذلك أو لم يبلغه النهي (١). قال الشافعي ﵀: ويحرم التكني بكنيته (٢) وهي أبو القاسم ولو لغير من اسمه محمد لخبر الصحيحين "تسموا باسمي ولا تكتنوا بكنيتي (٣) " وقال مالك ﵀ يجوز مطلقا. "والنهي عن التكني بكنيته" على هذا "مختص بزمنه" لما ثبت في الحديث من سبب النهي وهو أن اليهود تكنوا بكنيته وكانوا ينادون يا أبا القاسم فإذا التفت النبي ﷺ قالوا لم نعنك إظهارا للإيذاء وقد زال ذلك المعنى. قال في الروضة: وهذا أقرب المذاهب بعد أن حكي عن الشافعي ما قدمته عنه وعن الرافعي ترجيح المنع فيمن اسمه محمد وضعفه وما قال أنه أقرب أخذا من سبب النهي ضعفه البيهقي مع أنه مخالف لقاعدة أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب بل الأقرب ما رجحه الرافعي، وقال الإسنوي: إنه الصواب لما فيه من الجمع بين خبر الصحيحين السابق وخبر "من تسمى باسمي فلا يكتني بكنيتي ومن تكنى بكنيتي فلا يتسمى باسمي" رواه ابن حبان وصححه وصحح البيهقي إسناده (٤). وأما تكنية علي ﵁ ولده محمد ابن الحنفية بذلك فرخصة من النبي ﷺ كما قاله الشافعي وأصحابه وأما ما رواه أبو داود عن "عائشة قالت: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت يا رسول الله إني قد ولدت غلاما فسميته محمدا
следующие страницы →