وقوله: "لا تقوم الساعة حتى يقبض العلم (١) "، وقوله: "لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها (٢) "، وقوله: "إن أمتي لا تجتمع على ضلالة (٣) " ومنها ما يظهر من كرامات أحد من أمته بناء على أن كرامات أولياء أمة كل نبي معجزات له وهو الحق، ويجاب بأنه أراد معجزته التي ظهرت وبقيت وهذه الأشياء لم تظهر بعد وإنما تظهر في المستقبل، وكان سكوته حجة على جواز ما رأى ولم ينكره بخلاف سكوت غيره. "ونصرت بالرعب مسيرة شهر وجعلت له الأرض مسجدا وترابها طهورا وأحلت له الغنائم" رواها الشيخان (٤) إلا قوله: "وترابها طهورا" فمسلم (٥) ومعنى اختصاصه بما عدا الأولى أن أحدا من الأنبياء لا يشاركه فيه وإلا فأمته مشاركة له فيه "ولم يورث وتركته صدقة على المسلمين" (٦) لا يختص بها الوارث لخبر الصحيحين "إنا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة (٧) " ومعنى
стр. 3432
اختصاصه به أن أحدا من الأمم لا يشاركه فيه وإلا فالأنبياء يشاركونه فيه كما صرح به في الخبر وأما قوله تعالى: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً يَرِثُنِي﴾ [مريم: ٥] وقوله: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ﴾ [النمل: ١٦] فالمراد الإرث في النبوة والعلم والدين.
"وأكرم بالشفاعات الخمس" يوم القيامة الأولى:
العظمى في الفصل بين أهل الموقف حين يفزعون إليه بعد الأنبياء، الثانية: في إدخال خلق الجنة بغير حساب، الثالثة: في ناس استحقوا دخول النار (١) فلا يدخلونها، الرابعة: في ناس دخلوا النار فيخرجون، الخامسة: في رفع درجات ناس في الجنة وكلها ثبتت في الأخبار.
"وخص" منها "بالعظمى ودخول خلق من أمته الجنة بغير حساب" وهي الثانية قال في الروضة ويجوز أن يكون خص بالثالثة والخامسة أيضا قال القاضي عياض: إن شفاعته لإخراج من في قلبه مثقال حبة من إيمان مختصة به، قال شيخ الإسلام السراج بن الملقن: ومن شفاعته أن يشفع لمن مات بالمدينة (٢) رواه الترمذي وصححه (٣).
ومنها تخفيف العذاب عمن استحق الخلود في النار (٤) كأبي طالب وهاتان نبه عليهما القاضي عياض وفي العروة الوثقى للقزويني أنه يشفع لجماعة من صلحاء المؤمنين فيتجاوز عنهم في تقصيرهم في الطاعات وذكر بعضهم أنه يشفع في أطفال المشركين حتى يدخلوا الجنة.
стр. 3433
"وأرسل إلى الكافة" من الإنس والجن (١) رواه الشيخان (٢) ورسالة غيره خاصة وأما عموم رسالة نوح بعد الطوفان فلانحصار الباقين فيمن كان معه في السفينة "وهو أكثر الأنبياء اتباعا وكان لا ينام قلبه" لخبر الصحيحين "إن عيني تنامان ولا ينام قلبي (٣) " وفي البخاري في خبر الإسراء عن أنس "وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم (٤) "، ويؤخذ منه أنهم يشاركونه في هذا قال في المجموع في باب الأحداث: فإن قيل: هذا مخالف للحديث الصحيح "أنه ﷺ نام في الوادي عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس (٥) " ولو كان غير نائم القلب لما ترك صلاة الصبح فجوابه من وجهين:
أحدهما، وهو المشهور أن القلب يقظان يحس بالحدث وغيره مما يتعلق بالبدن ويشعر به القلب وليس طلوع الشمس والفجر من ذلك; لأنه إنما يدرك بالعين وهي نائمة، والثاني حكاه الشيخ أبو حامد عن بعض أصحابنا قال: كان للنبي ﷺ نومان أحدهما ينام قلبه وعينه والثاني عينه دون قلبه فكان نوم الوادي من النوع الأول (٦).
"ويرى من خلفه" كما يرى من أمامه كما في الصحيحين والأخبار الواردة فيه مقيدة بحالة الصلاة فهي مقيدة لقوله لا أعلم ما وراء جداري هذا، كذا قيل فإن أراد قائله أنها مقيدة لمفهومه فظاهر وإلا ففيه نظر إذ ليس فيها أنه كان يرى من وراء الجدار وقياس الجدار على جسده ﷺ فاسد كما لا يخفى لكن روي أنه
стр. 3434
كان بين كتفيه عينان مثل سم الخياط فكان يبصر بهما ولا تحجبهما الثياب "وتطوعه قاعدا كقائم" أي كتطوعه قائما ولو بلا عذر وتطوع غيره كذلك بلا عذر على النصف (١) كما مر روى ذلك مسلم.
"ولا تبطل صلاة من خاطبه بالسلام" في نحو قوله: السلام عليك أيها النبي كما مر في شروط الصلاة.
"ويحرم رفع الصوت فوق صوته" لآية ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: ٢] قال شيخنا شيخ الإسلام ابن حجر وأما خبر ابن عباس وجابر في الصحيح أن نسوة كن يكلمنه عالية أصواتهن فالظاهر أنه كان قبل النهي انتهى وذكره القاضي عياض احتمالا فقال يحتمل أن يكون قبل النهي ويحتمل أن علو الصوت كان بالهيئة الاجتماعية لا بانفراد كل منهن قلت ويحتمل أنه لم يبلغهن النهي (٢) قال القرطبي وكره بعضهم رفعه عند قبره ﷺ "و" يحرم "نداؤه من وراء الحجرات" لآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ [الحجرات: ٤] أي حجرات نسائه ﷺ .
"و" نداؤه "باسمه" (٣) كيا محمد لقوله تعالى: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً﴾ [النور: ٦٣] ولما فيه من ترك التعظيم (٤) بل ينادى
стр. 3435
بوصفه كيا نبي الله وأما خبر أنس أن رجلا من أهل البادية جاء فقال يا محمد أتانا رسولك فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك الحديث فلعله كان قبل النهي عن ذلك أو لم يبلغه النهي (١). قال الشافعي ﵀: ويحرم التكني بكنيته (٢) وهي أبو القاسم ولو لغير من اسمه محمد لخبر الصحيحين "تسموا باسمي ولا تكتنوا بكنيتي (٣) " وقال مالك ﵀ يجوز مطلقا.
"والنهي عن التكني بكنيته" على هذا "مختص بزمنه" لما ثبت في الحديث من سبب النهي وهو أن اليهود تكنوا بكنيته وكانوا ينادون يا أبا القاسم فإذا التفت النبي ﷺ قالوا لم نعنك إظهارا للإيذاء وقد زال ذلك المعنى. قال في الروضة: وهذا أقرب المذاهب بعد أن حكي عن الشافعي ما قدمته عنه وعن الرافعي ترجيح المنع فيمن اسمه محمد وضعفه وما قال أنه أقرب أخذا من سبب النهي ضعفه البيهقي مع أنه مخالف لقاعدة أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب بل الأقرب ما رجحه الرافعي، وقال الإسنوي: إنه الصواب لما فيه من الجمع بين خبر الصحيحين السابق وخبر "من تسمى باسمي فلا يكتني بكنيتي ومن تكنى بكنيتي فلا يتسمى باسمي" رواه ابن حبان وصححه وصحح البيهقي إسناده (٤).
وأما تكنية علي ﵁ ولده محمد ابن الحنفية بذلك فرخصة من النبي ﷺ كما قاله الشافعي وأصحابه وأما ما رواه أبو داود عن "عائشة قالت: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت يا رسول الله إني قد ولدت غلاما فسميته محمدا
стр. 3436
وكنيته أبا القاسم فذكر لي أنك تكره ذلك فقال ما الذي أحل اسمي وحرم كنيتي أو ما الذي حرم كنيتي وأحل اسمي (١) "، فقال شيخنا شيخ الإسلام ابن حجر: يشبه إن صح أن يكون قبل النهي; لأن أحاديث النهي أصح انتهى.
ولا حاجة في جوابه هذا إلى ما علل به وإنما لم ينه عن التسمية باسمه مع وجود الإيذاء بالنداء به; لأنه كان لا ينادى به غالبا ولو نودي به لم يجب إلا لضرورة.
"وتجب إجابته في الصلاة" (٢) على من دعاه وهو فيها "ولا تبطل" بها لخبر البخاري "أنه ﷺ لما نادى أبا سعيد بن المعلى فلم يجبه لكونه في الصلاة قال له: ما منعك أن تستجيب وقد سمعت قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ " (٣) [لأنفال: ٢٤] وشمل كلامه كأصله الإجابة بالفعل وإن كثر فتجب ولا تبطل به الصلاة (٤) قال الإسنوي وهو المتجه.
"وكان يتبرك ويستشفى ببوله ودمه" روى الدارقطني "أن أم أيمن شربت بوله فقال إذا لا تلج النار بطنك" لكنه ضعيف (٥)، وروى ابن حبان في الضعفاء "أن غلاما حجم النبي ﷺ فلما فرغ من حجامته شرب دمه فقال ويحك ما صنعت بالدم قال غيبته في بطني قال اذهب فقد أحرزت نفسك من النار (٦) "، قال شيخنا المذكور آنفا: وكأن السر في ذلك ما صنعه الملكان من غسلهما جوفه "ومن زنى بحضرته أو استخف به كفر" قال في الروضة وفي الزنا نظر "وأولاد بناته ينسبون إليه" (٧) في الكفاءة وغيرها بخلاف أولاد بنات غيره "لقوله ﷺ
стр. 3437
للحسن بن علي إن ابني هذا سيد (١) " وقوله حين بال عليه وهو صغير "لا تزرموا ابني هذا (٢) " قال في الأصل، وقال ﷺ "كل سبب ونسب ينقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي (٣) " قيل: معناه أن أمته ينتسبون إليه يوم القيامة وأمم سائر الأنبياء لا ينتسبون إليهم، وقيل: ينتفع يومئذ بالانتساب إليه ولا ينتفع بسائر الأنساب.
"وتحل له الهدية" مطلقا بخلاف غيره من الحكام وولاة الأمور لانتفاء التهمة عنه دونهم "وأعطي جوامع الكلم" ومنه القرآن، وأوتي الآيات الأربع من آخر سورة البقرة من كنز تحت العرش لم يعطهن أحد قبله ولا بعده "وكان يؤخذ عن نفسه" عبارة الروضة عن الدنيا "عند" تلقي "الوحي ولا يسقط عنه التكليف" قال في الروضة وفاته ﷺ ركعتان بعد الظهر فقضاهما بعد العصر ثم واظب عليهما بعد العصر وهو مختص بهذه المداومة على الأصح.
"ولا يجوز الجنون على الأنبياء بخلاف الإغماء" يجوز عليهم قال الإسنوي يشترط كونه في لحظة أو لحظتين قاله القاضي عن الداركي (٤) "ولا" يجوز "الاحتلام" عليهم; لأنه من الشيطان "ورؤيته في النوم حق" فإن الشيطان لا يتمثل به كما ثبت ذلك في الصحيحين "ولا يعمل بها" فيما يتعلق بالأحكام "لعدم ضبط النائم" لا للشك في رؤيته. "ولا تأكل الأرض لحوم الأنبياء" للخبر الصحيح فيه "والكذب عليه عمدا كبيرة" للخبر الصحيح إن كذبا علي ليس ككذب على أحد قال في الروضة ولا يكفر فاعله على الصحيح
стр. 3438
وخصائصه ﷺ لا تنحصر فيما ذكره فمنها ما قدمته ومنها أن الماء الطهور نبع من بين أصابعه (١) وأن له أن يقتل بعد الأمان على ما قاله ابن القاص لكن غلطوه فيه وأنه صلى بالأنبياء ليلة الإسراء ليظهر أنه إمام الكل في الدنيا والآخرة، وكان أبيض الإبط بخلاف غيره فإنه أسود للشعر وكان لا يجوز عليه الخطأ إذ ليس بعده نبي يستدرك خطأه بخلاف غيره من الأنبياء، ويبلغه سلام الناس بعد موته ويشهد لجميع الأنبياء بالأداء يوم القيامة وكان إذا مشى في الشمس أو القمر لا يظهر له ظل ويشهد لذلك أنه سأل الله أن يجعل في جميع أعضائه وجهاته نورا وختم بقوله واجعلني نورا ولا يقع منه الإيلاء ولا الظهار; لأنهما حرامان وهو معصوم
стр. 3439
ويستحيل اللعان في حقه ونقل الفخر الرازي أنه كان لا يقع عليه الذباب ولا يمتص دمه البعوض.
"وذكر الخصائص مستحب والله أعلم" قال في الروضة بل لا يبعد القول بوجوبه لئلا يرى جاهل بعض الخصائص في الخبر الصحيح فيعمل به أخذا بأصل التأسي فوجب بيانها لتعرف فأي فائدة أهم من هذه فبطل قول من منع الكلام فيها معللا بأنه أمر انقضى فلا معنى للكلام فيها.
стр. 3440
"الباب الثاني في مقدمات النكاح"
"وهو للتائق" أي المحتاج له ولو خصيا "القادر" (١) على مؤنه من المهر وكسوة فصل التمكين ونفقة يومه "أفضل من التخلي للعبادة" وإن كان متعبدا تحصينا للدين ولما فيه من بقاء النسل وحفظ النسب والاستعانة على المصالح، ولخبر الصحيحين "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء (٢) " بالمد أي قاطع للشهوة.
والباءة بالمد لغة: الجماع (٣)، والمراد به هنا ذلك، وقيل: مؤن النكاح، والقائل بالأول رده إلى معنى الثاني إذ التقدير عنده من استطاع منكم الجماع لقدرته على مؤن النكاح فليتزوج ومن لم يستطعه لعجزه عنها فعليه بالصوم وإنما قدره بذلك; لأن من لم يستطع الجماع لعدم شهوته لا يحتاج إلى الصوم لدفعها وإنما
стр. 3441
لم يجب (١) لقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣] إذ الواجب لا يعلق بالاستطابة ولقوله: ﴿مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] ولا يجب العدد بالإجماع (٢) ولقوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] (٣).
"والعاجز" عن مؤنه "يصوم" أي الأفضل له أن يترك النكاح ويكسر شهوته بالصوم للخبر السابق والأمر فيه للإرشاد وبالغ النووي في شرح مسلم فقال يكره له النكاح "فإن لم تنكسر شهوته إلا بكافور ونحوه تزوج" ولا يكسرها بذلك (٤) ; لأنه نوع من الاختصاء، وقال البغوي: يكره أن يحتال لقطع شهوته "والقادر" على مؤنه "غير التائق" ولا علة به "إن تخلى للعبادة فهو" أي التخلي لها "أفضل" (٥) من النكاح إن كان متعبدا اهتماما بها "وإلا فالنكاح" أفضل له من تركه لئلا تفضي به البطالة (٦) إلى الفواحش. "ويكره نكاح عنين" وفي نسخة ويكره لنحو عنين "وممسوح وزمن" ولو واجدين مؤنه "و" نكاح "عاجز" عن مؤنه "غير تائق" له لانتفاء حاجتهم إليه مع التزام العاجز ما لا يقدر عليه وخطر
стр. 3442
القيام بواجبه فيمن عداه ونص في الأم وغيرها على أن المرأة التائقة (١) يندب لها النكاح وفي معناها المحتاجة إلى النفقة والخائفة من اقتحام الفجرة يوافقه ما في التنبيه من أن من جاز لها النكاح إن كانت محتاجة إليه استحب لها النكاح وإلا كره فما قيل أنه يستحب لها ذلك. مطلقا ليس بشيء.
стр. 3443
"فصل البكر" أي نكاحها "أولى" (٢) من نكاح الثيب لخبر الصحيحين عن جابر "هلا بكرا تلاعبها وتلاعبك (٣) " وروى ابن ماجه خبر "عليكم بالأبكار فإنهن أعذب أفواها" أي ألين كلاما وأنتق أرحاما أي أكثر أولادا وأرضى باليسير (٤) "إلا لعذر" كضعف آلته عن الافتضاض أو احتياجه لمن يقوم على عياله فلا يكون نكاح البكر أولى ومنه ما اتفق لجابر فإنه "لما قال له النبي ﷺ ما تقدم اعتذر له فقال إن أبي قتل يوم أحد وترك تسع بنات فكرهت أن أجمع إليهن جارية خرقاء مثلهن ولكن امرأة تمشطهن وتقوم عليهن فقال رسول الله ﷺ أصبت" قال في الإحياء وكما يستحب نكاح البكر يستحب أن لا يزوج ابنته إلا من بكر لم يتزوج قط; لأن النفوس جبلت على الإيناس بأول مألوف.
"ويستحب ولود" ودود لخبر "تزوجوا الولود الودود فإني مكاثر بكم الأمم يوم
стр. 3444
القيامة" رواه أبو داود والحاكم وصحح إسناده (١) ويعرف كون البكر ولودا ودودا بأقاربها "نسيبة" (٢) لخبر "تخيروا لنطفكم" رواه الحاكم وصححه (٣) بل يكره نكاح بنت الزنا وبنت الفاسق قال الأذرعي ويشبه أن يلحق بهما اللقيطة (٤) ومن لا يعرف أبوها "دينة" لخبر الصحيحين "تنكح المرأة لأربع لمالها ولجمالها ولحسنها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك (٥) " أي افتقرت (٦) إن خالفت ما أمرتك به "جميلة" للخبر السابق ولخبر الحاكم "خير النساء من تسر إذا نظرت وتطيع إذا أمرت ولا تخالف في نفسها ومالها (٧) " قال الماوردي لكنهم كرهوا ذات الجمال البارع فإنها تزهو بجمالها.
"وكذا بالغة" كما نص عليه الشافعي "إلا لحاجة" (٨) كأن لا يعفه إلا غيرها "أو مصلحة" كتزوجه ﷺ عائشة "عاقلة" (٩) قال في المهمات ويتجه أن المراد (١٠) بالعقل هنا العقل العرفي وهو زيادة على مناط التكليف انتهى والمتجه أن يراد أعم من ذلك "قرابة غير قريبة" لضعف الشهوة في القريبة فيجيء الولد نحيفا قال الزنجاني ولأن من مقاصد النكاح اشتباك القبائل لأجل التعاضد واجتماع الكلمة وهو مفقود في نكاح القريبة، وما ذكره كالروضة من أن غير القريبة أولى من الأجنبية هو مقتضى كلام جماعة لكن ذكر صاحب البحر والبيان أن الشافعي نص
стр. 3445
على أنه يستحب له أن يتزوج من عشيرته، ولا يشكل ما ذكر بتزوج النبي ﷺ زينب مع أنها بنت عمته; لأنه تزوجها بيانا للجواز، ولا بتزوج علي فاطمة; لأنها بعيدة في الجملة إذ هي بنت ابن عمه لا بنت عمه "لا ذات ولد لغيره" (١) فلا يستحب تزوجها "إلا لمصلحة" كما تزوج النبي ﷺ أم سلمة ومعها ولد أبي سلمة للمصلحة، ويستحب أن لا يكون لها مطلق يرغب في نكاحها (٢)، وأن لا تكون شقراء فقد أمر الشافعي الربيع أن يرد الغلام الأشقر الذي اشتراه له وقال ما لقيت من أشقر خيرا وأن تكون خفيفة المهر وأن تكون ذات خلق حسن.
"وأن يكتفي بواحدة" أي أن لا يزيد عليها من غير حاجة (٣) ظاهرة قال ابن العماد ويقاس بالزوجة في هذا السرية "و" أن "يتزوج في شوال" وأن يدخل فيه فقد صح أن عائشة قالت تزوجني رسول الله ﷺ في شوال ودخل بي في شوال وأي نسائه كان أحظى عنده مني ويستحب أن يعقد في المسجد وأن يكون يوم جمعة وأن يكون أول النهار لخبر "اللهم بارك لأمتي في بكورها". "و" أن "ينظر كل" من الرجل والمرأة "من الآخر قبل الخطبة" وبعد عزمه على نكاحه "غير العورة" المقررة في شروط الصلاة فينظر الرجل من الحرة الوجه والكفين ومن الأمة (٤) ما عدا ما بين السرة والركبة كما صرح به ابن الرفعة وقال إنه مفهوم كلامهم (٥). . . . . . . . . . .
стр. 3446
وهما ينظرانه منه (١)، والنووي إنما حرم نظر ذلك بلا حاجة مع أنه ليس بعورة لخوف الفتنة وهي غير معتبرة هنا كما سيأتي فتعبير المصنف بما قاله أخذا من كلام الرافعي أولى من تعبير غيره بالوجه والكفين واحتج لذلك بقوله ﷺ للمغيرة وقد خطب امرأة "انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما (٢) " أي تدوم المودة والألفة رواه الترمذي، وحسنه والحاكم وصححه وبقوله في خبر جابر "إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر منها إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل" قال جابر فخطبت جارية وكنت أتخبأ لها حتى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها فتزوجتها رواه أبو داود والحاكم وصححه (٣)، وإنما اعتبر ذلك قبل الخطبة; لأنه لو كان بعدها لربما أعرض عن منظوره فيؤذيه ويعتبر أيضا أن تكون بعد رغبة في نكاحها كما ذكره الأصل (٤) إذ لا حاجة إلى النظر قبلها والمراد بخطب في الخبرين المذكورين رغب في خطبتها بدليل ما رواه أبو داود وابن حبان (٥) في صحيحه "إذا ألقى في قلب امرئ خطبة امرأة فلا بأس أن ينظر إليها" (٦) وقيد ابن عبد السلام (٧) استحباب النظر بمن
стр. 3447
يرجو رجاء ظاهرا أنه يجاب إلى خطبته دون غيره ولكل أن ينظر إلى الآخر.
"وإن لم يأذن" أي الآخر اكتفاء بإذن الشارع ولإطلاق الأخبار ولئلا يتزين فيفوت غرضه (١) سواء "خشي فتنة أم لا" لغرض التزوج "وله تكريره" أي النظر إليه عند حاجته إليه لتبين هيئته فلا يندم بعد نكاحه عليه قال الزركشي ولم يتعرضوا لضبط التكرار (٢) ويحتمل تقديره بثلاث (٣) وفي خبر عائشة الذي ترجم عليه البخاري الرؤية قبل الخطبة أريتك ثلاث ليال "فإن لم يتيسر" نظره إليها "بعث امرأة" (٤) أو نحوها (٥) "تتأملها وتصفها له"; لأنه ﷺ "بعث أم سليم إلى امرأة وقال انظري عرقوبيها وشمي عوارضها" رواه الحاكم وصححه (٦) وفي رواية للطبراني "وشمي معاطفها (٧) " وتقييد البعث بعدم التيسر ذكره القاضي أيضا لكن البغوي والمتولي وصاحب الكافي والبسيط وغيرهم أطلقوا ذلك (٨) ويؤخذ من الخبر أن للمبعوث (٩) أن يصف للباعث زائدا على ما ينظره هو فيستفيد بالبعث ما لا يستفيده بنظره (١٠) "فإن لم يعجبه سكت" ولا يقل لا أريدها; لأنه إيذاء،
стр. 3448
وحكم عدم تيسر نظرها إليه مفهوم مما قاله بالأولى ولو عبر بما يشملهما كان أنسب بما قبله وخرج بالنظر المس إذ لا حاجة إليه.
стр. 3449
"فصل نظر الوجه والكفين (١) عند أمن الفتنة" فيما يظهر للناظر من نفسه "من المرأة إلى الرجل (٢) وعكسه جائز" وإن كان مكروها لقوله تعالى في الثانية ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١] وهو مفسر بالوجه والكفين كما مر وقيس بها الأولى وهذا ما في الأصل عن أكثر الأصحاب والذي صححه في المنهاج كأصله التحريم (٣) ووجهه الإمام باتفاق المسلمين (٤) على منع النساء من الخروج سافرات الوجوه وبأن النظر مظنة الفتنة ومحرك للشهوة، فاللائق بمحاسن الشريعة سد الباب والإعراض عن تفاصيل الأحوال كالخلوة بالأجنبية، وصوب في المهمات الأول لكون الأكثرين عليه، وقال البلقيني الترجيح بقوة المدرك (٥)
стр. 3450
والفتوى على ما في المنهاج (١) انتهى وما نقله الإمام من الاتفاق على منع النساء أي منع الولاة لهن مما ذكر لا ينافي ما نقله القاضي عياض عن العلماء أنه لا يجب على المرأة ستر وجهها في طريقها وإنما ذلك سنة وعلى الرجال غض البصر عنهن لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠] ; لأن منعهن من ذلك لا; لأن الستر واجب عليهن في ذاته بل; لأنه سنة وفيه مصلحة عامة وفي تركه إخلال بالمروءة "كالإصغاء" من الرجل "لصوتها" فإنه جائز عند أمن الفتنة وصوتها ليس بعورة على الأصح في الأصل "ولتشوشه" ندبا إذا أقرع بابها بأن لا تجيب بصوت رخيم بل تغلظ صوتها "بوضع يدها" عبارة الأصل بظهر كفها "على الفم". قال الجوهري: والتشويش التخليط أما النظر والإصغاء لما ذكر عند خوف الفتنة أي الداعي إلى جماع أو خلوة أو نحوهما فحرام وإن لم يكن عورة للإجماع ولقوله تعالى ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] وقوله: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠] وأما نظر عائشة إلى الحبشة وهم يلعبون في المسجد بحضرته ﷺ كما رواه الشيخان فليس فيه أنها نظرت إلى وجوههم (٢) وأبدانهم وإنما نظرت إلى لعبهم وحرابهم ولا يلزم منه تعمد النظر إلى البدن، وإن وقع بلا قصد صرفته في الحال مع أن ذلك كان مع أمن الفتنة وفي التحريم حينئذ خلاف تقدم قال الزركشي ويلتحق بالإصغاء لصوتها عند خوف الفتنة التلذذ به وإن لم يخفها.
"ولو نظر فرج صغيرة لا تشتهى وغير عورة أمة" منها بغير شهوة "جاز" (٣)
стр. 3451
لتسامح الناس بنظر فرج الصغيرة إلى بلوغها سن التمييز ومصيرها بحيث يمكنها ستر عورتها عن الناس وأما ما ذكر في الأمة فلأن الأصل عدم حرمة نظر غير العورة "وكره" ذلك والتصريح بهذا في الأولى من زيادته وما ذكر فيهما من الجواز غير معتمد عند الشيخين في الأولى وعند النووي في الثانية فقد جزم في المنهاج كأصله في الأولى بالحرمة (١) قال الرافعي كصاحب العدة وغيره اتفاقا نعم رد في الروضة الجزم والاتفاق بأن القاضي جوزه جزما والمصنف فهم منه أنه رد الحكم فجرى على مقتضاه وعليه عمل الناس وبما في المنهاج وأصله جزم صاحب الأنوار، ثم قال تبعا للقاضي والمتولي ويجوز النظر إلى فرج الصغير إلى التمييز (٢)، وقال في المنهاج في الثانية الأصح عند المحققين (٣) أن الأمة كالحرة، وقال في الروضة أنه الأرجح دليلا.
"والمراهق كالبالغ (٤) في" حرمة "النظر" فيلزم الولي منعه منه كما سيأتي لظهوره على العورات "لا" في حرمة "الدخول" على النساء الأجانب بغير استئذان بل يجوز بدونه "إلا" في دخوله عليهن "في الأوقات الثلاثة" التي يضعن فيها ثيابهن فلا بد من استئذانه في دخوله فيها عليهن لآية: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ﴾ [النور: ٥٨] "ويمنعه الولي" وجوبا من النظر إليهن كما يمنعه وجوبا من الزنا وسائر المحرمات ويلزمهن الاحتجاب منه "كالمجنون" في ذلك "وللمميز" غير المراهق "والمحرم بنسب أو رضاع أو مصاهرة الخلوة ونظر ما فوق السرة وتحت الركبة" لقوله تعالى في المحرم ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] الآية ولأن المحرمية معنى يمنع المناكحة أبدا فكانا كالرجلين
стр. 3452
والمرأتين والمميز غير المراهق في معنى المحرم وأفاد تعبيره بما ذكر حرمة نظر السرة والركبة على من ذكر فهو أولى من تعبير أصله (١) بما يقتضي عكس ذلك ولا فرق في المحرم بين الكافر (٢) وغيره نعم إن كان الكافر من قوم يعتقدون حل المحارم كالمجوس امتنع نظره وخلوته نبه عليه الزركشي "كنظر بعض النساء بعضا" أي كما يباح لبعضهن أن ينظرن من بعضهن ما فوق السرة وتحت الركبة; لأنه ليس بعورة منهن بالنظر إليهن كالرجال مع الرجال أما غير المميز فحضوره كغيبته ويجوز التكشف له لقوله تعالى: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ [النور: ٣١].
"وتحتجب مسلمة عن كافرة" وجوبا فيحرم نظر الكافرة إليها لقوله تعالى: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] والكافرة ليست من نساء المؤمنات ولأنها ربما تحكيها للكافر فلا تدخل الحمام مع المسلمة (٣)، نعم يجوز أن ترى (٤) منها ما يبدو عند المهنة على الأشبه في الأصل قال الأذرعي وهو غريب لم أره نصا بل صرح القاضي والمتولي والبغوي وغيرهم بأنها معها كالأجنبي وكذا رجحه البلقيني وهو ظاهر فقد أفتى النووي بأنه يحرم على المسلمة كشف وجهها لها وهو إنما يأتي على القول بذلك الموافق لما في المنهاج كأصله في مسألة الأجنبي لا على ما رجحه هو كالرافعي هذا كله في كافرة غير مملوكة للمسلمة ولا محرم لها أما هما فيجوز لهما النظر إليها وأما نظر المسلمة للكافرة فمقتضى كلامهم جوازه (٥) قال الزركشي وفيه توقف قال ابن عبد السلام (٦) والفاسقة مع
стр. 3453
العفيفة كالكافرة مع المسلمة ونازعه فيه البلقيني (١).
"والممسوح" إذا لم يبق فيه ميل (٢) إلى النساء كما قاله المتولي "والمملوك" للمرأة "العدل (٣) غير المكاتب كالمحرم" في النظر فيباح للأول النظر إلى ما فوق السرة وتحت الركبة من الأجنبيات وللثاني ذلك من سيدته أما الأول فلقوله تعالى: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْأِرْبَةِ﴾ [النور: ٣١] أي الحاجة إلى النكاح لكن قال النووي المختار في غير أولي الإربة أنه المغفل في عقله الذي لا يكترث للنساء ولا يشتهيهن قاله ابن عباس وغيره، وأما الثاني فلقوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ [النور: ٣١] قال الزركشي: وينبغي تقييد الجواز في الممسوح بأن يكون مسلما في حق المسلمة فإن كان كافرا منع على الأصح; لأن أقل أحواله أن يكون كالمرأة الكافرة (٤) وتقييد المملوك بالعدل من زيادته وذكره جماعة منهم البغوي في تفسيره قال في المهمات وقياس المرأة كذلك (٥)، وصرح به المهدوي (٦) في تفسيره وهو من الشافعية فخرج
стр. 3454
بذلك الفاسق.
قال ابن العماد ويجب تقييده بما إذا كان فسقه بالزنا وإلا فلا معنى لتحريم النظر مع قيام المبيح وهو الملك وفيما قاله نظر (١) وبغير المكاتب المكاتب فلا يباح له ما ذكر كما نقله في الروضة عن القاضي (٢) وأقره وقيده القاضي (٣) بما إذا كان معه وفاء لخبر أم سلمة "إذا كان مع مكاتب إحداكن وفاء فلتحتجب منه" رواه الترمذي وصححه (٤) وصرح جماعة بأنه كالقن وعليه نص الشافعي كما نقله البيهقي في المعرفة قال الزركشي فيجب الفتوى به وأجاب أعني الشافعي عن الخبر المذكور بأنه خاص بزوجات النبي ﷺ ; لأن لهن من الحرمة ما ليس لغيرهن وسيأتي أنه يباح نظر الرجل إلى مكاتبته وتعبير المصنف في المملوك بقوله (٥) كالمحرم أولى من قول الأصل مملوك المرأة محرم لها.
"لا الخصي والمجبوب والعنين والمخنث" وتقدم تفسيرهم في باب خيار النقص "والهرم" بالكسر وهو الشيخ الفاني فليس لأحد منهم النظر إلى أجنبية كغيرهم من الفحول (٦) وروى البخاري عن أم سلمة خبر "لا تدخلن هذا عليكم يعني المخنث (٧) ".
"ويحرم نظر المحرم" وغيره ممن تقدم كما فهم بالأولى وصرح به الأصل
стр. 3455
"بشهوة" بأن يلتذ به أو بدونها لكن مع خوف الفتنة فيما يظهر (١) "و" يحرم نظر "الأمرد (٢) بشهوة" مطلقا وبدونها "إن خاف فتنة" بخلاف ما إذا أمنها كنظيره فيما قدمه في النظر للأجنبية وما ذكره فيما إذا أمنها هو ما جزم به الرافعي وزاد عليه في الروضة (٣) قوله أطلق صاحب المهذب وغيره أنه يحرم النظر إلى الأمرد لغير حاجة ونقله الداركي عن نص الشافعي فيؤخذ منه الحرمة عند أمن الفتنة حسبما للباب ولأن النظر مظنة الفتنة (٤)، نعم يعتبر في الأمرد أن يكون جميل الوجه كما قيده به في فتاويه وغيرها تبعا للمتولي وغيره، وإنما لم يؤمر بالاحتجاب كالمرأة للمشقة عليه فيه وفي ترك الأسباب اللازم له وعلى غيره غض البصر.
ولم يعتبروا جمال المرأة; لأن الطبع يميل إليها فضبط بالأنوثة ولك على قول النووي هذا مع ما نقله كالرافعي عن الأكثرين من حل النظر إلى المرأة عند أمن الفتنة أن تقول ما الفرق بينها وبين الأمرد فالموافق لذلك ما جزم به الرافعي في هذه وتبعه عليه المصنف ويمكن أن يحمل عليه الإطلاق السابق وإن كان الأحوط ما أفاده كلام الروضة ويمكن أن يجاب عنه بأن للأمرد أمدا ينتظر زواله فيه بخلاف المرأة وعلى ما صححه في المنهاج كأصله في تلك من التحريم لا سؤال وكما يحرم النظر إليه تحرم الخلوة به قال في المجموع في صلاة الجماعة: هذا قياس
стр. 3456
المذهب فإنها أفحش وأقرب إلى المفسدة والأمرد الشاب الذي لم ينبت لحيته ولا يقال لمن أسن ولا شعر بوجهه أمرد "و" يحرم نظر "عورة الرجل" دون غيرها على الرجل لما مر في نظر بعض النساء بعضا "لا على نفسه" فلا يحرم لكن يكره كما سيأتي والتصريح بهذا من زيادته.
"فرع: ما حرم نظره متصلا حرم" نظره "منفصلا كشعر عانة" ولو لرجل "وقلامة ظفر قدم حرة" إبقاء لحكمه قبل انفصاله "فليواره" وجوبا كما اقتضاه كلام القاضي لئلا ينظر إليه أحد واستبعد الأذرعي الوجوب (١)، قال والإجماع الفعلي في الحمامات على طرح ما يتناثر من امتشاط شعور النساء وحلق عانات الرجال "لا" قلامة ظفر "يدها" أي الحرة فلا يحرم نظرها بعد انفصالها كما قبله وهذا إنما يأتي على ما قدمه من عدم تحريم نظر وجهها وكفيها عند أمن الفتنة.
وأما على ما تقدم عن المنهاج كأصله من تحريمهما فينبغي حرمة ذلك (٢) ثم رأيت الزركشي (٣) نبه على ذلك فقال إنما يحسن التفصيل بين القلامتين عند القائل بجواز النظر إلى الكفين أما من يحرمه ومنهم النووي فلا يتجه ذلك على أنه في الروضة قال دون قلامة يدها ويده و رجله أي الرجل وما قاله في قلامة يده ورجله إنما يأتي على عدم تحريم نظرها متصلة أما على تحريمه الشامل له ما صححه من أن تحريم نظر المرأة إلى الرجل كتحريم نظره إليها فينبغي تحريمه (٤)، والحاصل أن ما قاله إنما يصح تفريعه على ما رجحه الرافعي لا على ما رجحه هو.
"فإن أبين" من الأمة ما ليس بعورة منها كشعر رأسها وظفرها "ثم عتقت لم يحرم" نظره وإن قلنا: إن المنفصل كالمتصل; لأنه حين انفصل لم يكن عورة والعتق لا يتعدى إلى المنفصل وهذا بناء على ما قدمه من جواز النظر إلى ما عدا عورة الأمة وتقدم ما فيه.
стр. 3457
"فرع لكل من الزوجين النظر" (١) إلى الآخر "ولو إلى الفرج" ظاهرا وباطنا; لأنه محل تمتعه "و" لكن "يكره نظره" أي الفرج "حتى من نفسه" (٢) يعني يكره نظره من الآخر ومن نفسه "بلا حاجة وباطنه" أي والنظر إلى باطنه "أشد" كراهة قالت عائشة ما رأيت منه ولا رأى مني (٣) أي الفرج وخبر النظر إلى الفرج يورث الطمس أي العمى كما ورد كذلك رواه ابن حبان وغيره في الضعفاء وخالف ابن الصلاح فقال: إنه جيد الإسناد (٤) ومع ذلك فهو محمول على الكراهة كما قاله الرافعي، واختلفوا في قوله يورث العمى فقيل في الناظر وقيل في الولد وقيل في القلب وشمل كلامهم الدبر (٥) وقول الإمام والتلذذ بالدبر بلا إيلاج جائز (٦) كالصريح فيه وخالف الدارمي فقال بحرمة النظر إليه قال الزركشي (٧) ولا يجوز للمرأة أن تنظر إلى عورة زوجها إذا منعها منه بخلاف العكس; لأنه يملك التمتع بها بخلاف عكسه وفيما قاله وقفة.
"والأمة كالزوجة" في النظر فلكل منها ومن سيدها أن ينظر إلى الآخر ولو إلى الفرج مع كراهة نظره "لا المحرمة" عليه "بكتابة وتزويج وكفر" كتمجس وتوثن وردة "وشركة" قال المتولي والروياني وتبعيض "وعدة من غيره" ونسب ورضاع ومصاهرة فيحرم نظره منها إلى ما بين السرة والركبة دون ما زاد لخبر "إذا زوج أحدكم عبده جاريته أو أجيره فلا ينظر إلى ما بين السرة والركبة" رواه
стр. 3458
أبو داود وغيره (١)، وقيس بما فيه البقية قال البلقيني وما ذكره الشيخان في المشتركة ممنوع والصواب فيها وفي المبعضة، والمبعض بالنسبة إلى سيدته (٢) أنهم كالأجانب وخرج بالحرمة بما ذكر المحرمة بعارض قريب الزوال كحيض ورهن فلا يحرم نظره إليها.
"فرع ما حرم نظره حرم مسه" (٣) بالأولى; لأنه أبلغ في اللذة وأغلظ بدليل أنه لو لمس (٤) فأنزل بطل صومه ولو نظر فأنزل لم يبطل فيحرم على الرجل لمس فخذ رجل بلا حائل.
وقد يحرم المس دون النظر كما ذكره بقوله "ويحرم مس وجه الأجنبية بل يحرم مس ظهر أمه وابنته وغمز ساقها وغمزها إياه" منه وإن لم يحرم نظر ذلك هذا إذا مس ذلك بلا حاجة ولا شفقة وإلا جاز المس أيضا، وعليه يحمل قول النووي في شرح مسلم أنه يجوز بالإجماع مس المحارم في الرأس وغيره مما ليس بعورة، وإنما فرق بينهما فيما ذكر لما مر أن المس أبلغ في اللذة، ولأن حاجة النظر أعم فسومح فيه ما لم يسامح في المس وبذلك علم أنه لا يجوز للممسوح ونحوه المس وإن أبيح له النظر وكوجه الأجنبية كفاها وكالظهر غيره مما هو في معناه وكالأم والبنت سائر المحارم المفهومات بالأولى.
"ويحرم اضطجاع رجلين أو امرأتين في ثوب واحد" إذا كانا عاريين وإن كان
стр. 3459
كل منهما في جانب من الفراش لخبر مسلم "لا يفضي الرجل إلى الرجل في الثوب الواحد ولا تفضي المرأة إلى المرأة في الثوب الواحد (١) ".
"ويجب التفريق (٢) بين ابن عشر" من السنين "وأبويه وإخوته" الشاملين لأخواته عرفا "في المضجع" واحتج له الرافعي بخبر "مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع واضربوهم عليها وهم أبناء عشر وفرقوا بينهم في المضاجع (٣) " ولا دلالة فيه كما قال السبكي وغيره على التفريق بينهم وبين آبائهم وأمهاتهم، قالوا بل ينبغي أن يستثنى من تحريم الإفضاء الإفضاء بينهم وبين آبائهم وأمهاتهم لخبر "لا تباشر المرأة المرأة ولا الرجل الرجل إلا الوالد لولده" وفي رواية "إلا ولدا ووالدا (٤) " رواه أبو داود والحاكم وقال إنه على شرط البخاري فهذه الزيادة تخصص خبر مسلم السابق، ووجه ذلك قوة المحرمية بينهما وبعد الشهوة وكمال الاحتشام وظاهر أن محله في مباشرة غير العورة عند الحاجة على أنه يحتمل حمل ذلك على الولد الصغير وما ذكره من اعتبار العشر في التفريق نازع فيه الزركشي وغيره فقالوا بل المعتبر السبع (٥) لخبر "إذا بلغ أولادكم سبع سنين ففرقوا بين فرشهم" (٦) رواه الدارقطني والحاكم وقال
стр. 3460
إنه صحيح على شرط مسلم (١) وهذا يدل على أن قوله في الخبر المشهور "وفرقوا بينهم في المضاجع (٢) " راجع إلى أبناء سبع وأبناء عشر جميعا
"ويستحب تصافح الرجلين والمرأتين" لخبر "ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يتفرقا" رواه أبو داود وغيره (٣)، نعم يستثنى الأمرد الجميل الوجه فيحرم مصافحته ومن به عاهة كالأبرص والأجذم فتكره مصافحته كما قاله العبادي
"وتكره المعانقة والتقبيل" في الرأس والوجه ولو كان المقبل أو المقبل صالحا "قال رجل يا رسول الله: الرجل منا يلقى أخاه أو صديقه أينحني له؟ قال: لا، قال: أفيلزمه ويقبله؟ قال: لا، قال: فيأخذ بيده فيصافحه؟ قال: نعم" رواه الترمذي وحسنه (٤) "وهما لقادم" من سفر أو تباعد لقاء "سنة" للاتباع رواه الترمذي وحسنه، نعم الأمرد الجميل الوجه يحرم تقبيله مطلقا ذكره النووي في أذكاره (٥) ثم قال: والظاهر أن معانقته كتقبيله أو قريبة منه "كتقبيل الطفل" ولو ولد غيره "شفقة" فإنه سنة; "لأنه ﷺ قبل ابنه إبراهيم وشمه وقبل الحسين بن علي وعنده الأقرع بن حابس التميمي فقال الأقرع إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحدا فنظر إليه النبي ﷺ ثم قال: من لا يرحم لا يرحم" وقالت عائشة "قدم ناس من الأعراب على رسول الله ﷺ فقالوا تقبلون صبيانكم؟ فقال: نعم، قالوا: لكنا والله ما نقبل فقال: أوأملك إن كان الله تعالى نزع منكم الرحمة" رواها البخاري وغيره (٦).
стр. 3461
"فرع لا بأس بتقبيل وجه الميت الصالح" لما مر في الجنائز "ويستحب تقبيل يد الحي لصلاح ونحوه" من الأمور الدينية كزهد وعلم وشرف كما كانت الصحابة تفعله مع النبي ﷺ كما رواه أبو داود وغيره بأسانيد صحيحة "ويكره" ذلك "لغناه ونحوه" من الأمور الدنيوية كشوكته ووجاهته عند أهل الدنيا لخبر "من تواضع لغني لغناه ذهب ثلثا دينه (١) ".
"و" يكره "حني الظهر" مطلقا "لكل" من الناس لما مر في خبر الترمذي "ويستحب القيام لأهل الفضل" من علم أو صلاح أو شرف أو نحوها "إكراما لا رياء وإعظاما" أي تفخيما قال في الروضة وقد ثبتت فيه أحاديث صحيحة وما ذكره المصنف كالروضة من استحباب المصافحة وما بعده إلى هنا أعاده في السير مع زيادة ووقع للرافعي بعض ذلك.
"فرع الخنثى" المشكل "كامرأة مع الرجال ورجل مع النساء" في حكم النظر أخذا بالأحوط ويفارق هذا ما مر في الجنائز أنه يغسله بعد موته الرجال والنساء استصحابا لحكم الصغر بضعف الشهوة بعد الموت بخلافها قبله.
стр. 3462
"فصل: ويجوز نظر وجه المرأة عند المعاملة" ببيع وغيره للحاجة إلى معرفتها "و" عند "تحمل الشهادة" عليها لذلك وله أن ينظر جميع وجهها كما نقله الروياني عن جمهور العلماء (٢)، وقال الماوردي إن أمكن معرفتها ببعضه وجب الاقتصار عليه "وتكلف كشفه عند الأداء" قال في الأصل: فإن امتنعت أمرت امرأة بكشفه وكأن المصنف تركه لعدم اعتباره المرأة وسيأتي في الشهادة أنه إذا خاف من النظر لتحملها الفتنة إن لم يتعين عليه لم ينظر وإلا نظر (٣) ويلحق بالنظر
стр. 3463
للشهادة عليها نظر الحاكم لتحليفها أو للحكم عليها قاله الجرجاني قال الأذرعي والظاهر أن الشهادة (١) والحكم لها كالشهادة والحكم عليها.
"ويجوز النظر واللمس" بقدر الحاجة "للفصد والعلاج" كالحجامة للحاجة الملجئة إلى ذلك "و" يجوز "بمحضر زوج أو محرم" النظر "من رجل (٢) إن عدمت امرأة" تعالج كعكسه أي كما يجوز بمحضر زوج أو محرم النظر من امرأة إن عدم رجل معالج وكل من الزوج والمحرم يتناول الذكر والأنثى سواء أكان من قبل المعالج أم المعالج ما لم يجتمع رجلان مع امرأة لامتناع الخلوة حينئذ بخلاف اجتماع رجل مع امرأتين ولا يتقيد ذلك بالزوج والمحرم بل السيد والممسوح ونحوهما كذلك وضابطه كما قال الزركشي (٣) أن يكون ثم من يمنع حصول الخلوة كما ذكروه في العدد.
"و" يجوز النظر من "ذمي" لمسلمة "إن عدم مسلم يعالج" بخلاف ما إذا وجد وقضية ما مر في نظر الكافرة أن لا يجوز مع وجود مسلمة ويمكن إدراجها في كلامه "ولا يجوز النظر إلى السوأتين إلا في حاجة لا يهتك المرأة التكشف" معها "أو يبيح التيمم في البدن" يعني ولا يجوز النظر إلى ما سوى السوأتين والوجه واليدين من البدن إلا لحاجة (٤) تبيح التيمم "ومطلقا في الوجه واليدين" أي ولا يجوز النظر إلى الوجه والكفين إلا لمطلق الحاجة ولا يخفى ما في كلامه من القلاقة والإجحاف وملخص المراد منه أنه يعتبر في النظر إلى الوجه والكفين مطلق الحاجة
стр. 3464
وفي غيرهما ما عدا السوأتين تأكدها بأن يكون ما يبيح التيمم كشدة الضنا، وفي السوأتين مزيد تأكيدها بأن لا يعد التكشف بسببها هتكا للمرأة والضبط بما يبيح التيمم نقله الأصل عن الإمام وأقره وقضيته كما قال الزركشي أنه لو خاف شيئا فاحشا في عضو باطن امتنع النظر بسببه وفيه نظر (١).
"ويجوز النظر إلى الفرج (٢) والثدي للشهادة في الزنا والولادة" في الأولى "و" في "الرضاع" في الثانية لظهور الحاجة إليه.
стр. 3465
"فصل تستحب الخطبة" (٣) بكسر الخاء وهي التماس النكاح; "لأنه ﷺ خطب عائشة بنت أبي بكر الصديق وخطب حفصة بنت عمر" رواهما البخاري (٤) "ويحرم التصريح بها لمعتدة من غيره" (٥) رجعية كانت أو بائنا بطلاق أو فسخ أو موت أو معتدة عن شبهة لمفهوم آية ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ [البقرة: ٢٣٥] وللإجماع.
"وتجوز" الخطبة "تعريضا في عدة غير رجعية" لهذه الآية ولانقطاع سلطنة الزوج عنها بخلاف التصريح; لأنه إذا صرح تحققت رغبته فيها فربما تكذب في انقضاء العدة وبخلاف الرجعية (٦) ; لأنها في معنى المنكوحة أما المعتدة منه فلا
стр. 3466
يحرم عليه خطبتها لا تصريحا ولا تعريضا; لأنه يحل له نكاحها في عدته "والتعريض" ما يحتمل الرغبة في النكاح وغيرها "كقوله" أنت "جميلة ورب راغب فيك" ومن يجد مثلك ولست بمرغوب عنك "ولا يخفى التصريح" وهو ما يقطع بالرغبة في النكاح كأريد أن أنكحك، وإذا انقضت عدتك نكحتك ولا فرق - كما اقتضاه كلامهم (١) - بين الحقيقة والمجاز والكناية، وهي ما يدل على الشيء بذكر لوازمه كقولك فلان طويل النجاد للطويل وكثير الرماد للمضياف ومثالها هنا للتصريح أريد أن أنفق عليك نفقة الزوجات وأتلذذ بك، وللتعريض أريد أن أنفق عليك نفقة الزوجات فكل من الثلاثة إن أفاد القطع بالرغبة في النكاح فهو تصريح أو الاحتمال لها فتعريض وكون الكناية أبلغ من التصريح المقرر في علم البيان لا ينافي ذلك فمن قال هنا الظاهر أنها كالتصريح; لأنها أبلغ منه التبس عليه التصريح هنا بالتصريح ثم.
"ولجوابها" أي الخطبة ممن يعتبر إجابته "حكم خطابه" أي الخاطب تصريحا وتعريضا فيما ذكر ولو قال ولجوابها حكمها كان أخصر ومع ذلك فتعبيره بما قاله أعم من قول أصله وحكم جواب المرأة تصريحا وتعريضا حكم الخطبة.
"فرع تحرم الخطبة على من علم بخطبة من صرح له بالإجابة" ولم يأذن له الخاطب الأول (٢) ولم يعرض لخبر "لا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى يترك الخاطب قبله أو يأذن له الخاطب" رواه الشيخان واللفظ للبخاري (٣) والمعنى فيه ما
стр. 3467
فيه من الإيذاء والتقاطع سواء أكان الأول مسلما (١) أم كافرا محترما وذكر الأخ في الخبر جرى على الغالب ولأنه أسرع امتثالا وإعراض المجيب كإعراض الخاطب وسكوت البكر غير المجبرة ملحق بالصريح (٢) أما إذا لم تعلم إجابته كما ذكر بأن لم يجب أو أجيب ولم يعلم بالإجابة أو علم بها ولم يعلم كونها بالصريح كما ذكره بقوله "لا إذا عرض له بها" كلا رغبة عنك أو علم كونها بالصريح وأذن له الأول أو أعرض ولو بطول الزمن (٣) بحيث يعد معرضا أو أعرض عنه المجيب فلا تحرم خطبته لسقوط حق الأول في الأخيرة بأحوالها الثلاثة والأصل الإباحة في البقية ولخبر فاطمة بنت قيس الآتي حيث توارد عليها الخطاب ولم ينه ﷺ المتأخر منهم لما لم تصرح بالإجابة بل أشار عليها بغيره ويعتبر في التحريم عليه أن يكون عالما به وأن تكون الخطبة الأولى جائزة فلو حرمت كأن خطبت في عدة غيره فلا تحريم "والمعتبر" في التحريم "إجابتها" إن كانت غير مجبرة (٤) "أو إجابة الولي (٥) المجبر" إن كانت مجبرة أو إجابتهما معا (٦) إن كان الخاطب غير كفء "أو" إجابة
стр. 3468
"السيد (١) أو السلطان في الأمة" غير المكاتبة كتابة صحيحة بالنسبة للسيد "و" في "المجنونة" البالغة بالنسبة للسلطان عند عدم الأب والجد أو إجابة السيد مع المكاتبة (٢) كتابة صحيحة.
"فرع" لو "خطب رجل خمسا ولو بالترتيب" وصرح له بالإجابة "اجتنبن من" أي حرمت خطبة كل منهن "حتى يعقد بأربع" أي على أربع منهن أو يتركهن أو بعضهن; لأنه قد يرغب في الخامسة.
"فرع يكره التعريض بالجماع لمخطوبة" لقبحه وقد يحرم بأن يتضمن التصريح بذكر الجماع كقوله أنا قادر على جماعك أو لعل الله يرزقك من يجامعك، ومنه قول الشافعي في الأم، ولو قال عندي جماع يرضي من جومعت فقد عرض بالخطبة تعريضا محرما وأنهاه عنه; لأنه قبح وفحش قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً﴾ [البقرة: ٢٣٥] أي جماعا ﴿إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾ [البقرة: ٢٣٥] أما التصريح به لها كقوله مكنيني من جماعك فحرام "لا التصريح" به "للزوجة" والأمة فلا يكره; لأنهما محل تمتعه.
"وتباح الغيبة (٣) للتحذير من فسق" أو ابتداع "خاطب ومخطوبة ووال" بأن يبين لمن له عليه ولاية "وراوي علم" بأن يبين للأخذ عنه وفي معناه الشاهد وصرح به الروضة "و" للتحذير "من عيب خاطب" ومخطوبة "ومشترى" بفتح الراء.
"و" تباح "الغيبة باللقب لتعريف" كالأعمش والأعرج إن كان معروفا به ولو
стр. 3469
أمكن التعريف بغيره كان أولى "والشكوى" أي وتباح الغيبة لأجل شكوى ظالم "عند منصف" له كأن يقول له ظلمني فلان وفعل بي كذا.
"و" تباح الغيبة "لفاسق" أي لأجل فسقه "عند من يمنعه" كأن يقول له فلان يعمل كذا فازجره عنه "وعند مفت" كأن يقول له: ظلمني فلان فهل له ذلك وما طريقي في خلاصي منه؟ والأحوط أن يقول ما تقول في رجل كان من أمره كذا وكل ذلك للنصيحة والتحذير "لا لإيذاء" "لقوله ﷺ لفاطمة بنت قيس ﵂ لما أخبرته أن معاوية وأبا جهم خطباها: أما معاوية فصعلوك لا مال له وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه (١) انكحي أسامة بن زيد" رواه مسلم (٢)، وفي رواية للحاكم "وأما أبو جهم فإني أخاف عليك من شقاشقه" (٣) ولقوله "إذا استنصح أحدكم أخاه فلينصحه" ذكره البخاري تعليقا بصيغة الجزم (٤) وروى خبر جرير "بايعت رسول الله ﷺ على النصح لكل مسلم (٥) ".
"ومن تجاهر بمعصية" كشرب خمر ومصادرة الناس وجباية الأموال ظلما "ذكر بها فقط" أي لا بغيرها إلا أن يوجد لجواز ذكره سبب آخر قال ابن العماد بعد قولهم ذكر بها قال الغزالي في الإحياء: إلا أن يكون المتجاهر بها عالما يقتدي به فيمتنع غيبته; لأن الناس إذا اطلعوا على زلته تساهلوا في ارتكاب - الذنب قال وذكره أيضا غيره. ا هـ. ولعله مقيد بما تقدم قال: وغيبة الكافر محرمة إن كان ذميا; لأن فيها تنفيرا لهم عن قبول الجزية وتركا لوفاء الذمة ولقوله ﷺ "من سمع ذميا وجبت له النار" رواه ابن حبان في صحيحه (٦) ومباحة إن كان حربيا; لأنه ﷺ كان يأمر حسان أن يهجو المشركين.
стр. 3470
والحاصل أن الغيبة وهي ذكر الإنسان بما فيه مما يكره ولو في ماله أو ولده أو زوجة أو نحوها محرمة سواء أذكره بلفظ (١) أم كتابة أم إشارة بعين أو رأس أو يد أو نحوها لكنها تباح للأسباب المذكورة بل تجب بذلا لنصيحة الغير (٢) وتحذيره من الشر. نعم إن اندفع بمجرد قوله لا تفعل هذا أو لا تصلح لك مصاهرته أو معاملته أو لا خير لك فيه أو نحوه لم تجز الزيادة بذكر عيوبه قاله النووي في أذكاره وقياسه إنه إذا اندفع بذكر بعضها لا بذكر جميعها قال البارزي، ولو استشير في أمر نفسه في النكاح فإن كان فيه ما يثبت الخيار فيه وجب ذكره للزوجة وإن كان فيه ما يقلل الرغبة عنه ولا يثبت الخيار كسوء الخلق والشح استحب وإن كان فيه شيء من المعاصي وجب عليه التوبة في الحال وستر نفسه وإن استشير في ولاية فإن علم من نفسه عدم الكفاءة أو الخيانة وأن نفسه لا تطاوعه على تركها وجب عليه أن يبين ذلك أو يقول لست أهلا للولاية انتهى ووجوب التفصيل بعيد والأوجه دفع ذلك بنحو قوله أنا لا أصلح لكم.