يحرم عليه خطبتها لا تصريحا ولا تعريضا; لأنه يحل له نكاحها في عدته "والتعريض" ما يحتمل الرغبة في النكاح وغيرها "كقوله" أنت "جميلة ورب راغب فيك" ومن يجد مثلك ولست بمرغوب عنك "ولا يخفى التصريح" وهو ما يقطع بالرغبة في النكاح كأريد أن أنكحك، وإذا انقضت عدتك نكحتك ولا فرق - كما اقتضاه كلامهم (١) - بين الحقيقة والمجاز والكناية، وهي ما يدل على الشيء بذكر لوازمه كقولك فلان طويل النجاد للطويل وكثير الرماد للمضياف ومثالها هنا للتصريح أريد أن أنفق عليك نفقة الزوجات وأتلذذ بك، وللتعريض أريد أن أنفق عليك نفقة الزوجات فكل من الثلاثة إن أفاد القطع بالرغبة في النكاح فهو تصريح أو الاحتمال لها فتعريض وكون الكناية أبلغ من التصريح المقرر في علم البيان لا ينافي ذلك فمن قال هنا الظاهر أنها كالتصريح; لأنها أبلغ منه التبس عليه التصريح هنا بالتصريح ثم.
"ولجوابها" أي الخطبة ممن يعتبر إجابته "حكم خطابه" أي الخاطب تصريحا وتعريضا فيما ذكر ولو قال ولجوابها حكمها كان أخصر ومع ذلك فتعبيره بما قاله أعم من قول أصله وحكم جواب المرأة تصريحا وتعريضا حكم الخطبة.
"فرع تحرم الخطبة على من علم بخطبة من صرح له بالإجابة" ولم يأذن له الخاطب الأول (٢) ولم يعرض لخبر "لا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى يترك الخاطب قبله أو يأذن له الخاطب" رواه الشيخان واللفظ للبخاري (٣) والمعنى فيه ما
стр. 3467
فيه من الإيذاء والتقاطع سواء أكان الأول مسلما (١) أم كافرا محترما وذكر الأخ في الخبر جرى على الغالب ولأنه أسرع امتثالا وإعراض المجيب كإعراض الخاطب وسكوت البكر غير المجبرة ملحق بالصريح (٢) أما إذا لم تعلم إجابته كما ذكر بأن لم يجب أو أجيب ولم يعلم بالإجابة أو علم بها ولم يعلم كونها بالصريح كما ذكره بقوله "لا إذا عرض له بها" كلا رغبة عنك أو علم كونها بالصريح وأذن له الأول أو أعرض ولو بطول الزمن (٣) بحيث يعد معرضا أو أعرض عنه المجيب فلا تحرم خطبته لسقوط حق الأول في الأخيرة بأحوالها الثلاثة والأصل الإباحة في البقية ولخبر فاطمة بنت قيس الآتي حيث توارد عليها الخطاب ولم ينه ﷺ المتأخر منهم لما لم تصرح بالإجابة بل أشار عليها بغيره ويعتبر في التحريم عليه أن يكون عالما به وأن تكون الخطبة الأولى جائزة فلو حرمت كأن خطبت في عدة غيره فلا تحريم "والمعتبر" في التحريم "إجابتها" إن كانت غير مجبرة (٤) "أو إجابة الولي (٥) المجبر" إن كانت مجبرة أو إجابتهما معا (٦) إن كان الخاطب غير كفء "أو" إجابة
стр. 3468
"السيد (١) أو السلطان في الأمة" غير المكاتبة كتابة صحيحة بالنسبة للسيد "و" في "المجنونة" البالغة بالنسبة للسلطان عند عدم الأب والجد أو إجابة السيد مع المكاتبة (٢) كتابة صحيحة.
"فرع" لو "خطب رجل خمسا ولو بالترتيب" وصرح له بالإجابة "اجتنبن من" أي حرمت خطبة كل منهن "حتى يعقد بأربع" أي على أربع منهن أو يتركهن أو بعضهن; لأنه قد يرغب في الخامسة.
"فرع يكره التعريض بالجماع لمخطوبة" لقبحه وقد يحرم بأن يتضمن التصريح بذكر الجماع كقوله أنا قادر على جماعك أو لعل الله يرزقك من يجامعك، ومنه قول الشافعي في الأم، ولو قال عندي جماع يرضي من جومعت فقد عرض بالخطبة تعريضا محرما وأنهاه عنه; لأنه قبح وفحش قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً﴾ [البقرة: ٢٣٥] أي جماعا ﴿إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾ [البقرة: ٢٣٥] أما التصريح به لها كقوله مكنيني من جماعك فحرام "لا التصريح" به "للزوجة" والأمة فلا يكره; لأنهما محل تمتعه.
"وتباح الغيبة (٣) للتحذير من فسق" أو ابتداع "خاطب ومخطوبة ووال" بأن يبين لمن له عليه ولاية "وراوي علم" بأن يبين للأخذ عنه وفي معناه الشاهد وصرح به الروضة "و" للتحذير "من عيب خاطب" ومخطوبة "ومشترى" بفتح الراء.
"و" تباح "الغيبة باللقب لتعريف" كالأعمش والأعرج إن كان معروفا به ولو
стр. 3469
أمكن التعريف بغيره كان أولى "والشكوى" أي وتباح الغيبة لأجل شكوى ظالم "عند منصف" له كأن يقول له ظلمني فلان وفعل بي كذا.
"و" تباح الغيبة "لفاسق" أي لأجل فسقه "عند من يمنعه" كأن يقول له فلان يعمل كذا فازجره عنه "وعند مفت" كأن يقول له: ظلمني فلان فهل له ذلك وما طريقي في خلاصي منه؟ والأحوط أن يقول ما تقول في رجل كان من أمره كذا وكل ذلك للنصيحة والتحذير "لا لإيذاء" "لقوله ﷺ لفاطمة بنت قيس ﵂ لما أخبرته أن معاوية وأبا جهم خطباها: أما معاوية فصعلوك لا مال له وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه (١) انكحي أسامة بن زيد" رواه مسلم (٢)، وفي رواية للحاكم "وأما أبو جهم فإني أخاف عليك من شقاشقه" (٣) ولقوله "إذا استنصح أحدكم أخاه فلينصحه" ذكره البخاري تعليقا بصيغة الجزم (٤) وروى خبر جرير "بايعت رسول الله ﷺ على النصح لكل مسلم (٥) ".
"ومن تجاهر بمعصية" كشرب خمر ومصادرة الناس وجباية الأموال ظلما "ذكر بها فقط" أي لا بغيرها إلا أن يوجد لجواز ذكره سبب آخر قال ابن العماد بعد قولهم ذكر بها قال الغزالي في الإحياء: إلا أن يكون المتجاهر بها عالما يقتدي به فيمتنع غيبته; لأن الناس إذا اطلعوا على زلته تساهلوا في ارتكاب - الذنب قال وذكره أيضا غيره. ا هـ. ولعله مقيد بما تقدم قال: وغيبة الكافر محرمة إن كان ذميا; لأن فيها تنفيرا لهم عن قبول الجزية وتركا لوفاء الذمة ولقوله ﷺ "من سمع ذميا وجبت له النار" رواه ابن حبان في صحيحه (٦) ومباحة إن كان حربيا; لأنه ﷺ كان يأمر حسان أن يهجو المشركين.
стр. 3470
والحاصل أن الغيبة وهي ذكر الإنسان بما فيه مما يكره ولو في ماله أو ولده أو زوجة أو نحوها محرمة سواء أذكره بلفظ (١) أم كتابة أم إشارة بعين أو رأس أو يد أو نحوها لكنها تباح للأسباب المذكورة بل تجب بذلا لنصيحة الغير (٢) وتحذيره من الشر. نعم إن اندفع بمجرد قوله لا تفعل هذا أو لا تصلح لك مصاهرته أو معاملته أو لا خير لك فيه أو نحوه لم تجز الزيادة بذكر عيوبه قاله النووي في أذكاره وقياسه إنه إذا اندفع بذكر بعضها لا بذكر جميعها قال البارزي، ولو استشير في أمر نفسه في النكاح فإن كان فيه ما يثبت الخيار فيه وجب ذكره للزوجة وإن كان فيه ما يقلل الرغبة عنه ولا يثبت الخيار كسوء الخلق والشح استحب وإن كان فيه شيء من المعاصي وجب عليه التوبة في الحال وستر نفسه وإن استشير في ولاية فإن علم من نفسه عدم الكفاءة أو الخيانة وأن نفسه لا تطاوعه على تركها وجب عليه أن يبين ذلك أو يقول لست أهلا للولاية انتهى ووجوب التفصيل بعيد والأوجه دفع ذلك بنحو قوله أنا لا أصلح لكم.
стр. 3471
"فصل ويستحب" في النكاح أربع خطب " خطبة" بضم الخاء من الخاطب "قبل الخطبة" بكسرها "و" خطبة من المجيب "قبل الإجابة و" خطبتان "قبل النكاح" إحداهما من الولي قبل الإيجاب والأخرى من الخاطب قبل القبول وذلك لخبر "كل أمر ذي بال (٣) "، واستدرك في المنهاج (٤) على ذلك فصحح أن الخطبة بين الإيجاب والقبول غير مستحبة قال في الأذكار ويستحب أن تكون الخطبة التي أمام العقد أطول من خطبة الخطبة والخطبة تحصل "بالحمد لله والصلاة" على النبي ﷺ "والوصية" بالتقوى فيحمد الله الخاطب ويصلي على النبي ﷺ
стр. 3472
ويوصي بتقوى الله تعالى ثم يقول جئتكم راغبا في كريمتكم أو فتاتكم ويخطب الولي كذلك ثم يقول لست بمرغوب عنك أو نحوه، وتبرك الأئمة بما روي عن ابن مسعود موقوفا ومرفوعا "قال إذا أراد أحدكم أن يخطب لحاجة من نكاح أو غيره فليقل: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله ﷺ وعلى آله وصحبه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ [النساء: ١] إلى قوله: ﴿رَقِيبًا﴾ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا﴾ إلى قوله: ﴿عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠] وتسمى هذه الخطبة خطبة الحاجة. وكان القفال يقول بعدها: أما بعد فإن الأمور كلها بيد الله يقضي فيها ما يشاء ويحكم ما يريد لا مؤخر لما قدم ولا مقدم لما أخر ولا يجتمع اثنان ولا يتفرقان إلا بقضاء وقدر و كتاب قد سبق وإن مما قضى الله تعالى وقدر أن خطب فلان بن فلان فلانة بنت فلان على صداق كذا أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم أجمعين.
"فلو حمد الله الولي وصلى" على النبي ﷺ "وأوصى" بتقوى الله "ثم قال زوجتك فلانة ففعل الزوج مثله" بأن حمد الله وصلى وأوصى "ثم قبل" النكاح صح النكاح ولا يضر هذا الفصل; لأن المتخلل مقدمة القبول فلا يقطع الولاء كالإقامة وطلب الماء والتيمم بين صلاتي الجمع والخطبة من الأجنبي كهي ممن ذكر فيحصل بها الاستحباب ويصح معها العقد "فإن طال" الذكر الفاصل بين الإيجاب والقبول "أو تخلل" بينهما "كلام يسير أجنبي" عن العقد بأن لم يتعلق به ولم يستحب "بطل" العقد لإشعاره بالإعراض والمراد بالكلام ما يشمل الكلم والكلمة نظير ما مر في البيع "ويستحب تقديم" الولي على العقد "أزوجك" هذه أو زوجتكها "على ما أمر الله به من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ولو شرطه في نفس العقد لم يبطل"; لأن المقصود به الموعظة ولأنه شرط يوافق مقتضى العقد والشرع.
"فرع ويستحب الدعاء لهما" أي للزوجين "بالبركة بعد العقد" فيقال بارك الله لك وبارك عليك "والجمع" أي وبالجمع "بخير" فيقال جمع الله بينكما في
стр. 3473
خير; "لأنه ﷺ كان إذا رفأ من تزوج قال بارك الله لك وبارك عليك وجمع بينكما في خير" رواه الترمذي وقال حسن صحيح (١) وكان الأولى للمصنف تأخير قوله بعد العقد عن هذا أو تقديمه على بالبركة ليوافق ما في الأصل.
ويستحب للزوج أول ما يلقى زوجته أن يأخذ بناصيتها ويقول بارك الله لكل منا في صاحبه وأن يقول عند الجماع بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا.
"ويكره أن يقال بالرفاء والبنين" لخبر ورد بالنهي عنه ولأنه من ألفاظ الجاهلية والرفاء بكسر الراء وبالمد الالتئام والاتفاق من قولهم رفأت الثوب.
"ويستحب" للولي "عرض موليته على ذوي الصلاح" كما فعل شعيب بموسى عليهما الصلاة والسلام وعمر بعثمان ثم بأبي بكر ﵃ "وإحضار الصالحين للعقد" زيادة على الولي والشاهدين "وأن ينوي بالنكاح السنة والصيانة" لدينه وغيرهما من المقاصد الشرعية قال النووي في فتاويه وشرح مسلم إن قصد بالنكاح طاعة من ولد صالح أو إعفاف نفسه أو صيانة فرجه ونحوه فهو من أعمال الآخرة ويثاب عليه وإن لم يقصد ذلك فهو من أعمال الدنيا لا يثاب عليه ولا يأثم به.
стр. 3474
"الباب الثالث في أركان النكاح"
"وهي أربعة الأول" الصيغة وهي "الإيجاب والقبول بلفظ التزويج أو النكاح" بمعنى الإنكاح (٢) والمراد بلفظ ما اشتق منهما وهو "شرط" فلا ينعقد بغيرهما كلفظ البيع والتمليك والهبة والإحلال والإباحة لخبر مسلم "اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله (٣) " ولأن النكاح ينزع إلى العبادات لورود الندب فيه، والأذكار في العبادات تتلقى من الشرع والشرع إنما ورد بلفظي التزويج والإنكاح وما في البخاري من "أنه ﷺ زوج امرأة
стр. 3475
فقال ملكتكها بما معك من القرآن (١) " فقيل وهم من الراوي وبتقدير صحته معارض برواية الجمهور زوجتكها قال البيهقي: والجماعة أولى بالحفظ من الواحد، ويحتمل أنه ﷺ جمع بين اللفظين (٢) وأفاد قول المصنف "شرط" أنه ليس من تتمة الركن وإنما هو شرط له ولو نصبه كان أولى "لو" كان اللفظ المذكور "بالعجمية" فإنه يكفي وإن أحسن قائلها العربية اعتبارا بالمعنى; لأنه لفظ لا يتعلق به إعجاز (٣) فاكتفى بترجمته هذا "إن فهماها" بأن فهم كل منهما كلام نفسه وكلام الآخر سواء اتفقت اللغتان أم اختلفتا. "فإن فهمهما ثقة" دونهما وأخبرهما بمعناها "فوجهان" رجح منهما البلقيني (٤) المنع كما في العجمي الذي ذكر لفظ الطلاق وأراد معناه وهو لا يعرفه قال: وصورته أن لا يفهمها إلا بعد إتيانه بها فلو أخبر بمعناها قبل صح إن لم يطل الفصل (٥)، وما قاله مأخوذ من كلام الإمام وينعقد أيضا بإشارة الأخرس المفهمة كما سيأتي في كلامه في موانع الولاية.
والإيجاب "كزوجتك وأنكحتك" ابنتي "فيقول" الزوج "تزوجت" (٦) ـها أو "نكحت" ـها "أو قبلت نكاحها" أو تزويجها أو هذا النكاح أو التزويج، ولو قال ويقول بالواو كان أولى; إذ لا يجب تقديم الإيجاب على القبول كما يعلم مما يأتي
стр. 3476
فلو قال الزوج: تزوجت ابنتك (١) أو نكحتها فقال الولي: زوجتكها أو أنكحتكها صح، ولو قال رضيت نكاحها (٢) فكقوله قبلت نكاحها كما حكاه ابن هبيرة عن إجماع الأئمة الأربعة. وقول السبكي نقل هذا الإجماع يجب التوقف فيه والظاهر أنه لا يصح أي فلا يصح النكاح بذلك فيه نظر; لأنه إنما اكتفى بقبلت نكاحها لدلالته على الرضاع مع الإتيان بلفظ النكاح فالأولى أن يكتفي برضيت نكاحها.
قال الغزالي في فتاويه: وكزوجتك زوجت لك (٣) أو إليك فيصح; لأن الخطأ في الصيغة (٤) إذا لم يخل بالمعنى ينبغي أن يكون كالخطأ في الإعراب "لا قبلت فقط" لعدم التصريح بواحد من لفظي التزويج والإنكاح (٥) والنكاح لا ينعقد بالكناية لحاجته إلى مزيد احتياط بخلاف البيع "وفي قبلتها أو قبلت النكاح" أو التزويج "تردد" (٦) أي خلاف والذي نص عليه في الأم (٧) وغيرها الصحة في قبلت النكاح أو التزويج دون قبلتها وجرى عليه الشيخ أبو حامد وغيره (٨) "ولا
стр. 3477
ينعقد بكناية" إذ لا مطلع للشهود على النية (١)، والمراد الكناية في الصيغة (٢) أما في المعقود عليه فيصح فإنه لو قال زوجتك ابنتي فقبل ونويا معينة صح كما سيأتي مع أن الشهود لا مطلع لهم على النية فالكناية مغتفرة في ذلك.
"و" لا بـ "كتابة" وفي نسخة وبكتابة في غيبة أو حضور; لأنها كناية وقد عرفت أنه لا ينعقد بها بل لو قال لغائب: زوجتك ابنتي أو قال زوجتها من فلان ثم كتب فبلغه الكتاب أو الخبر فقال قبلت لم يصح كما صححه في أصل الروضة في الأولى وسكت عن الثانية; لأنها سقطت من كلامه. وعلل الرافعي نقلا عن البغوي عدم الصحة بتراخي القبول عن الإيجاب وهو موجود في نظيره من البيع مع أن كلام الأصل فيه يقتضي الصحة حيث نقلها عن بعض الأصحاب تفريعا على صحة البيع بالكناية وأقره، وبه جزم المصنف وغيره، ثم وعليه فالفرق بين البابين أن باب البيع أوسع بدليل انعقاده بالكنايات وثبوت الخيار فيه، وجعل الإسنوي الراجح فيهما عدم الصحة جاعلا ما صححه النووي هنا من عدم الصحة دليلا على أن ما نقله كالرافعي ثم عن بعض الأصح للأب ضعيف، وفي الأصل لو استخلف القاضي فقيها في تزويج امرأة لم يكف الكتاب بل يشترط اللفظ وليس للمكتوب إليه الاعتماد على الخط على الصحيح وحذفه المصنف للاستغناء عنه لما يأتي في كتاب القضاء لا لقول البلقيني: أنه ليس بالمعتمد; لأنه فرع من فروع القاضي،
стр. 3478
والقاضي يجوز أن يولي نائبه القضاء بالمشافهة والمراسلة والمكاتبة عند الغيبة; لأنهم صرحوا ثم بأن الكتابة وحدها لا تفيد بل لا بد من إشهاد شاهدين على التولية.
"ومتى قال زوجني فقال" الولي "زوجتك انعقد" (١) النكاح وإن لم يقبل الزوج بعد ذلك لوجود الاستدعاء الجازم ولما في الصحيحين من أن الأعرابي الذي خطب الواهبة نفسها للنبي ﷺ وقال له زوجنيها فقال زوجتكها بما معك من القرآن ولم ينقل أنه قال بعد ذلك قبلت نكاحها "ومثله" في الانعقاد بصيغة الأمر "تزوج ابنتي فيقول" الخاطب "تزوجتها" ومن ذلك ما ذكره بقوله "ومتى قالت طلقني" أو خالعني "أو أعتقني أو صالحني عن القصاص بألف ففعل انعقد" ولزم الألف ولا حاجة إلى قبول بعده "ولا يجزئ زوجتني ابنتك" أو تزوجنيها "أو تتزوج ابنتي" أو تزوجتها "لأنه استفهام" وتقدم نظيره في البيع "ولو قال المتوسط" للولي "زوجته ابنتك فقال زوج" تها (٢) "ثم قال للزوج قل قبلت نكاحها فقال قبلت نكاحها انعقد" النكاح لوجود الإيجاب والقبول مرتبطين بخلاف ما لو قالا أو أحدهما: نعم، وقوله "قل" من زيادته ولا حاجة إليه وقوله "قبلت نكاحها" هو ما قال الأذرعي أنه الذي عبر به الرافعي في أكثر نسخه وأنه مراده بتعبيره في بعضها بقبلت قال وأما تعبير الروضة بقبلته فيوهم أن الهاء تقوم مقام نكاحها وليس بجيد. ا هـ. ويحتمل أن الروضة مختصرة من النسخ التي عبر فيها بقبلت مع أنه يحتمل أن نسخها أيضا مختلفة فإن الأصفوني وغيره عبروا في مختصرها بقبلت نكاحها ويحتمل أنهم عبروا به; لأنهم فهموا أنه مراد الروضة.
"فرع يشترط القبول فورا (٣) كالبيع" فلا يضر فصل يسير وإذا أتى أحد العاقدين بأحد شقي العقد فلا بد من إصراره عليه وبقاء أهليته حتى يوجد الشق الآخر وكذا الآذنة في تزويجها حيث يعتبر إذنها "فإن أوجب" الولي "ثم رجع" عن إيجابه "أو أغمي عليه" أو جن كما فهم بالأولى وصرح به الأصل أو ارتد "أو رجعت الآذنة" عن إذنها أو أغمي عليها أو جنت أو ارتدت "امتنع القبول" وذكر
стр. 3479
الأصل إغماءها دون رجوعها والمصنف عكس ذلك والأمر قريب.
"فصل لا يصح تعليقه (١) كقوله" وقد أخبر بمولود "إن كان المولود بنتا (٢) فقد زوجتكها" كالبيع بل أولى لاختصاصه بمزيد احتياط "فإن أعلم" أي أخبر بحدوث بنت له بموت إحدى نساء زيد مثلا "فصدق" المخبر "ثم قال" لزيد في الثانية ولغيره في الأولى "إن صدق" المخبر "فقد زوجتكها صح" وليس بتعليق (٣) بل هو تحقيق كقوله إن كنت زوجتي فأنت طالق وتكون إن بمعنى إذ كقوله تعالى: ﴿وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥] والحكم المذكور نقله الأصل عن البغوي وصوره بالتصديق المذكور وعبر عنه بقوله وما قاله يجب فرضه فيما إذا تيقن صدق المخبر وإلا فلفظ إن للتعليق قال السبكي هو تعليق وإن تيقن صدقه فتفسد الصيغة بصورة التعليق والقول بأن إن حينئذ بمعنى إذ لا ضرورة إليه وذكر نحوه الأذرعي ولك منعه فإنه لما ذكر إن وقد صدق وجب جعلها بمعنى إذ وعلى القول بالصحة لا معنى كما قال الزركشي لاشتراط اليقين بل يكفي الظن كما أفاده كلام المصنف.
"فرع" لو قال "زوجتك ابنتي على أن تزوجني ابنتك ويكون بضع كل" منهما "صداق الأخرى فقال تزوجتها وزوجتك ابنتي" على ذلك "لم يصح وهو نكاح الشغار" للنهي عنه في خبر الصحيحين وتفسيره بذلك مأخوذ من آخر الخبر المحتمل لأن يكون من تفسير النبي ﷺ وأن يكون من تفسير ابن عمر الراوي
стр. 3480
أو من تفسير نافع الراوي (١) عنه فيرجع إليه وقد صرح البخاري بأنه من قول نافع والمعنى في البطلان التشريك (٢) في البضع حيث جعل موردا للنكاح وصداقا للأخرى (٣) فأشبه تزويج واحدة من اثنين، وقيل التعليق.
وقيل: الخلو من المهر وسمي شغارا إما من قولهم شغر البلد عن السلطان إذا خلا عنه لخلوه عن المهر وقيل: لخلوه عن بعض الشرائط، وإما من قولهم شغر الكلب إذا رفع رجله ليبول كان كلا منهما يقول للآخر لا ترفع رجل ابنتي حتى أرفع رجل ابنتك، وكلامهم يقتضي أن قوله على أن تزوجني ابنتك استيجاب قائم مقام قوله زوجني ابنتك وإلا لوجب القبول بعد.
"وكذا" لا يصح "لو ذكر مع البضع مالا" كقوله: زوجتك بنتي أو أمتي بألف على أن تزوجني بنتك أو أمتك بألف وبضع كل منهما صداق الأخرى فيقول: الزوج تزوجت بنتك أو أمتك وزوجتك بنتي أو أمتي على ذلك لوجود التشريك المذكور.
"فلو أسقط" فيها وفي التي قبلها "وبضع كل صداق الأخرى صح النكاحان" إذ ليس فيه إلا شرط عقد في عقد وهو لا يفسد النكاح، ونصه في الأم على البطلان ليس فيه أنه مع إسقاط ذلك فهو مقيد بعدم إسقاطه كما قيد به في بقية نصوصه فثبت أنه مع الإسقاط يصح النكاحان "بمهر المثل" لفساد المسمى "ولو قال وبضع ابنتي صداق ابنتك ولم يزد" فقبل الآخر على ذلك "صح الثاني فقط" أي دون الأول لجعل بضع بنت الأول فيه صداقا لبنت الثاني بخلاف الثاني "أو عكسه" بأن قال وبضع ابنتك صداق ابنتي ولم يزد "صح الأول" فقط لما عرف، ولو قال: زوجتك بنتي على أن بضعك صداق لها فوجهان أحدهما الصحة (٤) لكن يفسد الصداق فيجب مهر المثل كما لو سمي خمرا والثاني البطلان لتضمن هذا الشرط حجرا على الاستمتاع بالكلية; لأن الصداق ملك المرأة وليس لأحد أن
стр. 3481
ينتفع بملك غيره إلا بإذنه ذكره المتولي والأوجه الأول لعدم التشريك
"فرع يفسد الصداق" دون النكاح فيما "إذا قال زوجتك بنتي بمنفعة" عبارة الأصل بمتعة "أمتك ونحوها" كعبدك للجهل بالمسمى وقوله ونحوها من زيادته "ولو قال" لمن يحل له نكاح الأمة "زوجتك جاريتي على أن تزوجني ابنتك بصداق" لها "هو رقبة الجارية" فزوجه على ذلك "صح النكاحان"; لأنه لا تشريك فيما ورد عليه عقد النكاح "بمهر المثل" لكل منهما لعدم التسمية والتعويض في الأولى وفساد المسمى في الثانية إذ لو صح المسمى فيها لزم صحة نكاح الأب جارية بنته وهو ممتنع والظاهر أن عكس التصوير كذلك (١) بأن قال تزوجت بنتك على رقبة جاريتي وزوجتك جاريتي فقبل لتقارن صحة العقدين في الحالين وخالف المتولي فقال في الأول لا يفسد المسمى في الجارية بل يملكها البنت عن صداقها ثم قال هذا إذا سبق تزويج الجارية فإن تأخر لم يصح نكاحها; لأن الملك بالتزويج انتقل إلى البنت فلا يجوز لأبيها أن يقبل نكاح الجارية وما قاله مندفع بما قدمته.
"ولو طلق امرأته على أن يزوجه زيد ابنته والصداق" أي وصداق البنت "بضع المطلقة فزوجه على ذلك صح" التزويج لما مر "بمهر المثل" لفساد المسمى ووقع الطلاق على المطلقة، قال ابن كج: وكان ابن القطان يقول: لا رجعة للمطلق وله مهر المثل على الزوج، ثم قال فرع لو قال له طلق امرأتك على أن أطلق امرأتي وجعل كل منهما طلاق هذه بدلا عن طلاق الأخرى قال ابن القطان يقع الطلاقان إذا فعلاه ولكل منهما الرجعة وعندي لا رجعة لواحد منهما (٢)، ولكل منهما الرجوع على الآخر بمهر المثل أي ليوافق ما قاله ابن القطان في التي قبلها وهو ظاهر; لأنه خلع فاسد وقد يوجه ما قاله غيره من ثبوت الرجعة بأنه خلع باطل; لأن عوضه غير مقصود كالدم.
"ولو طلق امرأته على أن يعتق" زيد "عبده ويكون طلاقها عوضا عن" وفي نسخة من "عتقه" فأعتقه على ذلك "طلقت وفي العتق وجهان ثم في رجوع الزوج على السيد" بمهر المثل "وعكسه" أي ورجوع السيد على الزوج بقيمة العبد
стр. 3482
"إن قلنا يعتق وجهان" الأوجه منهما ومن الوجهين السابقين (١) ما نقله الأصل عن ابن كج نفوذ العتق ورجوع كل منهما على الآخر بما ذكر وهو قياس ما مر عنه آنفا.
стр. 3483
"فصل نكاح المتعة وهو المؤقت" ولو بمعلوم كسنة "باطل" كالبيع بل أولى للنهي عنه في الصحيحين سمي بذلك; لأن الغرض منه مجرد التمتع دون التوالد وسائر أغراض النكاح وكانت رخصة في أول الإسلام للمضطر كأكل الميتة ثم حرمت عام خيبر ثم رخص فيها عام الفتح وقيل عام حجة الوداع ثم حرمت أبدا "يسقط به" أي بالوطء فيه "الحد ولو علم فساده" لشبهة اختلاف العلماء "ولو قال نكحتها متعة" ولم يزد عليه "فكذلك" أي باطل يسقط بالوطء فيه الحد "ويلزم" وفي نسخة ويلزمه "بالوطء فيه المهر والنسب" والعدة كما صرح بها الأصل وليس من نكاح المتعة ما لو قال زوجتكها مدة حياتك (٢) أو عمرك بل هو تصريح بمقتضى العقد كنظيره فيما لو قال وهبتك (٣) أو أعمرتك هذه الدار مدة حياتك أو عمرك.
"الركن الثاني المنكوحة ويشترط خلوها من الموانع" (٤) الآتي بيانها "و" يشترط "تعيين" كل من "الزوجين فزوجتك إحدى بناتي أو زوجت" بنتي "أحدكما باطل" ولو مع الإشارة (٥) كالبيع ولا يشترط الرؤية "وإن قال زوجتك بنتي أو بعتك داري وليس له غيرها أو أشار إليها" بأن قال زوجتك هذه أو
стр. 3484
بعتك هذه وهي حاضرة أو كانت بنته في الدار وقال زوجتك التي في الدار وليس فيها غيرها "صح" كل من التزويج والبيع والتصريح بمسألة البيع من زيادته "ولو سمى البنت" المذكورة في صورتها "بغير اسمها" ولو عمدا فيما يظهر (١) خلافا لمن بحث أن محله في الخطأ "أو غلط في حدود الدار" المذكورة في صورتها "أو قال زوجتك هذا الغلام وأشار إلى البنت" التي يريد تزويجها "صح" كل من التزويج والبيع.
أما فيما لا إشارة فيه فلأن كلا من البنتية والدارية صفة لازمة مميزة فاعتبرت ولغا الاسم كما لو أشار إليها وسماها بغير اسمها وأما فيما فيه إشارة فتعويلا عليها وبه فارق عدم الصحة فيما لو قال بعتك (٢) الدار التي في المحلة الفلانية وحددها وغلط في حدودها كذا جزم به الأصل، قال الزركشي: وما جزم به من البطلان في هذه ممنوع; لأنهما إن كانا رأياها وهو الظاهر فالوجه الصحة كما قال الشافعي في الصلح إذا صالحه عن الدار التي يعرفانها يصح انتهى وما قاله ظاهر لما مر أنه (٣) لو قال له بعتك داري وليس له غيرها صح وإن غلط في حدودها والتعبير بالدار دون داري لا ينقدح به فرق.
"فإن قال" من اسم بنته فاطمة "زوجتك فاطمة ولم يقل ابنتي لم يصح" التزويج لكثرة الفواطم "فلو نوياها صح" عملا بما نوياه "واستشكل" تصحيحه "لاشتراط الشهادة" (٤) فيه والشهود لا يطلعون على النية وقدمت أن الكناية
стр. 3485
مغتفرة في ذلك على أن الخوارزمي اعتبر في مثل ذلك أيضا علم الشهود بالمنوية.
"ولو قال" وله ابنتان كبرى وصغرى زوجتك ابنتي "الكبرى وسمى" الكبرى باسم "الصغرى صح" التزويج "في الكبرى" اعتمادا على الوصف بالكبر، قال في البحر: ولو قال زوجتك بنتي الصغيرة الطويلة وكانت الطويلة الكبيرة فالتزويج باطل; لأن كلا الوصفين لازم وليس اعتبار أحدهما في تمييز المنكوحة أولى من اعتبار الآخر فصارت مبهمة.
"ولو ذكر" الولي للزوج "اسم واحدة" من بنتيه "وقصدهما الأخرى صح" التزويج "فيما قصدا" ها ولغت التسمية "وفيه الإشكال" السابق ويأتي فيه ما تقدم ثم، ومثل ذلك ما لو لم يذكر اسمها (١) بل قال زوجتك بنتي وقصدا معينة كما صرح به الأصل "فإن اختلف قصدهما لم يصح" التزويج; لأن الزوج قبل غير ما أوجبه الولي، ولو قال الزوج: قصدنا المسماة فالنكاح في الظاهر منعقد عليها كما صرح به الأصل.
"وإن خطب رجلان امرأتين" بأن خطب كل منهما امرأة "وعقد كل" منهما "بمخطوبة الآخر" ولو "غلطا صح النكاحان" لقبول كل منهما ما أوجبه الولي وقوله غلطا من زيادته ولا حاجة إليه (٢) كما أشرت إليه بل يوهم ببادئ الرأي خلاف المراد.
"الركن الثالث الشهادة" قال الرافعي: ذكر في الوسيط أن حضور الشهود شرط لكن تساهل في تسميته ركنا وبالجملة حضورهم معتبر في الأنكحة ومن ثم قال المصنف "لا بد" أي وإن كانت الزوجة ذمية "من حضور ذكرين سميعين يعرفان اللسان" أي لسان المتعاقدين "ولا يكفي ضبط اللفظ" الترجيح في هذه من زيادته أخذه من ترجيح الروضة أخذا من مقتضى كلام الجمهور في العقد بالعجمية وإلا فلا ترجيح في الرافعي وإنما فيه وجهان عن العبادي بل رجح القاضي والبغوي الانعقاد بذلك "بصيرين (٣) مقبولي الشهادة" كما يأتي بيانه في بابها لخبر ابن حبان في صحيحه "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل، وما كان من نكاح
стр. 3486
على غير ذلك فهو باطل فإن تشاجروا فالسلطان ولي من لا ولي له (١) " والمعنى في اعتبارهما الاحتياط للإبضاع وصيانة الأنكحة عن الجحود ونص على قوله ذكرين سميعين بصيرين مع دخوله في مقبولي الشهادة (٢) لرفع توهم قبول شهادة أضدادهم; لأن شهادة الأنثى والأصم والأعمى مقبولة في محال مخصوصة وهنا لا يمكن استشهادهم لعدم تلك المحال، وعلم من كلامه أنه لا يصح بالأخرس ولا بذي الحرفة الدنيئة فالترجيح فيهما من زيادته وهو مأخوذ من كلام الرافعي.
"و" يصح "بابني أحدهما" أي بحضور ابني أحد الزوجين "أو عدويه وكذا ابنيهما أو عدويهما" أو ابن أو عدو أحدهما مع ابن أو عدو الآخر وإن تعذر إثباته بشهادتهما اكتفاء بالعدالة والفهم وثبوت الأنكحة بقولهما في الجملة "والجد" من قبل أحدهما "إن لم يكن وليا" له "كالابن" فيصح النكاح به مع غيره بخلافه إذا كان وليا له; لأنه ولي عاقد فلا يكون شاهدا كالزوج ووكيله نائبه وقد يكون الأب شاهدا أيضا كأن تكون بنته كافرة أو رقيقة أو ابنه سفيها وأذن له في النكاح; لأنه ليس عاقدا ولا العاقد نائبه "ولو شهد وليان" كأخوين من ثلاثة إخوة "والعاقد غيرهما" من بقية الأولياء "لا" إن عقد "بوكالة" منهما أو من أحدهما "منه" بمعنى له "جاز" بخلاف ما إذا عقده غيرهم بوكالة ممن ذكر لما مر.
"ولا يصح بمجهولي الإسلام والحرية" ولو مع ظهورهما بالدار بأن يكونا
стр. 3487
بموضع يختلط فيه المسلمون بالكفار والأحرار بالأرقاء ولا غالب (١)، أو يكونا ظاهري الإسلام والحرية بالدار بل لا بد من معرفة حالهما فيهما باطنا لسهولة الوقوف على ذلك بخلاف العدالة والفسق فلو عقد بمجهولي الإسلام والحرية فبانا مسلمين حرين فظاهر أنهما كالخنثيين (٢)، وسيأتي أنه يصح بهما إذا بانا ذكرين.
"ويصح بسريعي نسيان" (٣) وفي نسخة النسيان لاجتماع الشروط حالا "وبمستورين" (٤) أي: مستوري العدالة وهما المعروفان بها ظاهرا لا باطنا بأن عرفت بالمخالطة دون التزكية عند الحاكم; لأن الظاهر من المسلمين العدالة، ولأن النكاح يجري بين أوساط الناس والعوام ولو اعتبر فيه العدالة الباطنة لاحتاجوا إلى معرفتها ليحضروا من هو متصف بها فيطول الأمر عليهم ويشق (٥)، هذا إذا عقد بهما غير الحاكم فإن عقد بهما الحاكم لم يصح لسهولة الكشف عليه كما جزم به ابن الصلاح في فتاويه والنووي في نكته واختاره السبكي وغيره واقتضى كلام المتولي
стр. 3488
تصحيح الصحة مطلقا (١).
"ويبطل الستر بتفسيق عدل" في الرواية فلو أخبر بفسق المستور عدل لم يصح به النكاح والترجيح فيه من زيادته وذكره الإمام، وقول صاحب الذخائر الأشبه الصحة فإن الجرح لا يثبت إلا بشاهدين ولم يوجدا يرد بأنه ليس الغرض إثبات الجرح بل زوال ظن العدالة وهو حاصل بخبر العدل "وإن تحاكم الزوجان" وقد أقرا بنكاح عقد بمستورين "في نفقة ونحوها" من حقوق الزوجية "وعلم الحاكم بفسق شهود العقد لم يحكم بينهما" وقضيته أنه لا يفرق بينهما قال الزركشي وغيره والظاهر خلافه (٢) سواء أترافعا إليه أم لا "أو" علم "بكونهما مستورين حكم" بينهما; لأن الحكم بينهما هنا تابع لصحة النكاح كما يثبت شوال بعد ثلاثين يوما (٣) تبعا لثبوت رمضان برؤية عدل "ولا يقبلهما في إثبات النكاح ولا فساده بل يتوقف" حتى يعلم باطنهما.
"فرع يتبين بطلانه" أي النكاح "بقيام بينة بفسق الشاهدين (٤) أو" كفرهما أو رقهما أو نحوها عند العقد "أو بإقرار" وفي نسخة إقرار "الزوجين" قال الأذرعي وغيره أو بعلم الحاكم "بالفسق" أو بفسق الشاهدين أو نحوه عند العقد "أو" بقيام بينة أو إقرار الزوجين (٥) أي أو علم الحاكم "بالإحرام" أي بوقوع العقد
стр. 3489
فيه أو في العدة أو الردة كما صرح بهما الأصل لفوات الشرط في بعض ووجود المانع في بعض وتبين فسق أحد الشاهدين كتبين فسقهما وقس عليه البقية وإذا تبين البطلان فلا مهر إلا إن دخل بها ولم يحكم عليها بالزنا بوطئه لها فلها مهر المثل قال الخوارزمي ومحل تبين البطلان (١) باعترافهما في حقهما أما في حق الله تعالى بأن طلقها ثلاثا ثم توافقا على فساد العقد بشيء من ذلك فلا يجوز أن يوقعا نكاحا بلا محلل للتهمة ولأنه حق لله تعالى فلا يسقط بقولهما قال ولو أقاما بينة على ذلك لم يسمع قولهما ولا بينتهما وبذلك أفتى القاضي أما بينة الحسبة فتسمع كما ذكره البغوي في تعليقه (٢) قال ابن الرفعة وقبول قولهما مطرد في الزوج والزوجة الرشيدة أما السفيهة فلا يقبل إقرارها في إبطال ما ثبت لها من المال.
стр. 3490
قال الأذرعي: وينبغي أنه إذا كان بعد الدخول ومهر المثل دون المسمى لا تبطل الزيادة بقولها وينبغي أن لا يبطل حق السيد بموافقة الأمة انتهى "لا بإقرار الشاهدين" بفسقهما عند العقد فلا يؤثر في إفساده كما لا يؤثر فيه بعد الحكم بشهادتهما "فإن أقر به" أي بفسق الشاهدين الزوج "دونها" أي الزوجة "فرق بينهما (١) فرقة فسخ" لا فرقة طلاق فلا ينقض عدده كما لو أقر بالرضاع "ولا يسقط مسماها" (٢) وفي نسخة مهرها بل عليه نصفه إن لم يدخل بها وإلا فكله; لأنه لا يقبل قوله عليها في المهر "وترثه" بعد موته "لو حلفت" (٣) أنه عقد بعدلين.
"ولو أقرت" بذلك "دونه صدق بيمينه"; لأن العصمة بيده وهي تريد رفعها والأصل بقاؤها "و" لكن "لا ترثه" إن مات "ولا تطالبه بمهر" إن مات أو فارقها قبل الدخول لإنكارها وعدل عن قول الروضة ولا مهر لها إلى ما قاله لئلا يرد عليه ما بحثه الإسنوي وغيره من أنها لو قبضت المهر لا يسترد منها قياسا على ما يأتي في الرجعة فيما إذا قال: طلقتها بعد الدخول فقالت بل قبله فإن كانت قبضت الجميع فلا مطالبة بشيء وإن لم تقبضه فليس لها إلا أخذ النصف والنصف هناك كالجميع هنا لكن أجيب عن ذلك بأن الزوجين (٤) في تلك اتفقا على حصول
стр. 3491
الموجب للمهر وهو العقد واختلفا في المقرر له وهو الوطء وهنا هي تدعي نفي السبب الموجب له فلو ملكناها شيئا منه لملكته بغير سبب تدعيه "نعم إن وطئها طالبت بالأقل من المسمى ومهر المثل" فإن نكل وحلفت فرق بينهما.
"فرع" قالت: نكحتني بغير ولي وشهود فقال: بل بهما نقل ابن الرفعة عن الذخائر أن القول قولها; لأن ذلك إنكار لأصل العقد قال الزركشي وهو ما نص عليه في الأم (١).
"فرع: لو تاب الفاسق عند العقد لم يلحق بالمستور" فلا يصح به العقد; لأن توبته حينئذ تصدر عن عادة لا عن عزم محقق "وندب استتابة المستور" حينئذ احتياطا.
"فرع لا يشترط الإشهاد على رضا المرأة" بالنكاح حيث يعتبر رضاها به; لأن رضاها ليس من نفس النكاح المشترط فيه الإشهاد وإنما هو شرط فيه لكنه يستحب احتياطا ليؤمن إنكارها ورضاها يحصل بإقرارها أو ببينة أو بإخبار وليها مع تصديق الزوج، وشمل كلامه كغيره الحاكم (٢) وبه أفتى القاضي والبغوي وما قاله ابن عبد السلام والبلقيني من أن الحاكم لا يزوجها حتى يثبت عنده إذنها; لأنه يلي
стр. 3492
ذلك بجهة الحكم فيجب ظهور مستنده مبني على أن تصرف الحاكم حكم وقد اضطرب فيه كلام الشيخين، وقال السبكي في باب إحياء الموات: الصحيح عندي وفاقا للقاضي أبي الطيب أنه ليس بحكم قال الأذرعي وينبغي أن يستحب (١) للأب أن يشهد أيضا على رضا البكر البالغ خروجا من خلاف من يعتبر رضاها كالثيب ولا يعتبر إحضار الشاهدين "بل يكفي سماع النكاح" أي الإيجاب والقبول "دون الصداق" من شاهدين حضرا.
"ولو عقدا" النكاح "بشهادة خنثيين فبانا رجلين صح" ومثله الولي كما صرح به ابن المسلم (٢) بخلاف ما لو اقتدى بخنثى فبان رجلا; لأن جزم النية مؤثر ثم وبخلاف نظيره في الزوجين كما جزم به الروياني واقتضى كلام ابن الرفعة الاتفاق عليه; لأنهما المقصود الأعظم من النكاح بخلاف الولي والشاهد وإن اشتركوا في الركنية على ما مر كما أن المقصود الأعظم من أركان الحج الوقوف بعرفة وإن شاركه غيره في الركنية، ولا يشكل على عدم الصحة ما صححه الروياني من الصحة فيما لو تزوج رجل امرأة يعتقد أن بينهما محرمية ثم بان خطؤهما; لأن المحرم يصح نكاحها في الجملة بخلاف الخنثى المشكل على أن ما صححه الروياني قد جزم الأصل في باب الربا بخلافه وما قررته أوجه مما صوبه الإسنوي من أن الزوجين كالشاهد.
"الركن الرابع العاقدان" كما في البيع "وهما الزوج والولي (٣) أو النائب" عن كل منهما "فلا تعقد امرأة" نكاحها (٤) "بولاية ولا وكالة" سواء الإيجاب والقبول إذ لا يليق بمحاسن العادات دخولها فيه لما قصد منها من الحياء وعدم ذكره أصلا وقد قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤] وتقدم خبر لا نكاح إلا بولي وروى ابن ماجه خبر "لا تزوج المرأة المرأة ولا المرأة نفسها" وأخرجه
стр. 3493
الدارقطني بإسناد على شرط الشيخين (١)، قال الشافعي ﵁ وقوله تعالى: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢] أصرح دليل على اعتبار الولي (٢) وإلا لما كان لعضله معنى.
"وإن وكل ابنته" مثلا "أن توكل" رجلا في نكاحها "لا عنها" بل عنه أو أطلق "جاز"; لأنها سفيرة بين الولي والوكيل بخلاف ما لو وكلت عنها وقيل لا يجوز والترجيح من زيادته وبه صرح الشيخ أبو حامد (٣) وابن الصباغ والمتولي وغيرهم "وإذا عدم الولي والحاكم" أي عدما معا كما صرح به في الروضة "فولت" مع خاطبها "أمرها" رجلا "مجتهدا" ليزوجها منه "جاز"; لأنه محكم والمحكم كالحاكم.
"وكذا" لو ولت معه "عدلا" جاز "على المختار" وإن لم يكن مجتهدا لشدة الحاجة إلى ذلك واشتراطه كالروضة في ذلك عدم الحاكم ممنوع في الأولى فسيأتي في القضاء جواز التحكيم في النكاح مع وجود الحاكم وهو المعتمد ومن ثم قال الإسنوي الصحيح (٤) جوازه سفرا و حضرا مع وجود الحاكم ودونه. ا هـ.
"فرع لو وطئ في نكاح بلا ولي" كأن زوجت نفسها ولم يحكم حاكم بصحته ولا ببطلانه "لزمه مهر المثل" (٥) دون المسمى لفساد النكاح ولخبر "أيما امرأة
стр. 3494
نكحت بغير إذن وليها (١) فنكاحها باطل ثلاثا فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها فإن تشاجروا فالسلطان ولي من لا ولي له" رواه الترمذي وحسنه وابن حبان والحاكم وصححاه (٢).
"ويسقط" عنه "الحد" سواء أصدر ممن يعتقد تحريمه أم لا لشبهة اختلاف العلماء في صحة النكاح "و" لكن "يعزر به معتقد تحريمه" لارتكابه محرما لا حد فيه ولا كفارة "ولو لم يطأ" في النكاح المذكور "فزوجت قبل التفريق" بأن زوجها وليها قبل تفريق القاضي "بينهما فوجهان" أحدهما البطلان; لأنها في حكم الفراش وأصحهما الصحة كما سيأتي في فرع أول الباب الرابع مع زيادة قيد "ولو طلقها ثلاثا لم تتحلل له" أي لا يفتقر في صحة نكاحه لها إلى تحلل لعدم وقوع الطلاق; لأنه إنما يقع في نكاح صحيح "ولو حكم بصحته" أو ببطلانه "حاكم" يراه "لم ينقض" حكمه كمعظم المسائل المختلف فيها.
"فرع إذا تصادقا" أي الزوجان "على" صدور "النكاح" بينهما "جاز" (٣) ولو بلا بينة; لأنه حقهما فيثبت بتصادقهما كالبيع وهذا معنى صحة إقرار المرأة (٤) بالنكاح بل إن كان أحد الزوجين رقيقا اشترط تصديق سيده أيضا "فيشترط" في
стр. 3495
إقرارها به "أن تقول زوجني به ولي بعدلين ورضاي بكفء إن اعتبر" رضاها بأن لا تكون مجبرة وهذا في إقرارها المبتدأ فلا ينافي ما سيأتي في الدعاوى من أنه يكفي إقرارها المطلق فإن ذاك محله في إقرارها الواقع في جواب الدعوى وقوله من زيادته بكفء (١) على ما في بعض النسخ بدل من به ولا حاجة إليه في إقرارها بل إذا عينت زوجا نظر في أنه كفء أم لا ورتب عليه حكمه "فلو كذبها الولي والشاهدان لم يؤثر" لاحتمال النسيان والكذب قال الأذرعي ويجب أن يكون محل تصديقها (٢) فيما ذكر حيث لم يدل الحال على كذبها دلالة ظاهرة كأن تؤرخ الإقرار بوقت كانت فيه منكوحة أو رقيقة أو في عدة أو كانت محرمة أو نحوها.
"فرع إقرار" الولي "المجبر بالنكاح لكفء" بعدلين أخذا مما مر "كاف" وإن لم توافقه; لأن من ملك الإنشاء ملك الإقرار "ما لم توطأ" فإن وطئت لم يصح إقراره بذلك; لأنه الآن لا يملك إنشاء فلا يملك الإقرار به، نعم ينبغي صحة إقراره بنكاح المجنونة (٣) ; لأنه يملك إنشاءه كما يصح إقرار السيد على أمته به لذلك فلو قال وهي موطوءة: كنت زوجتها في بكارتها لم يقبل وقوله: "لكفء " (٤) متعلق بإقرار وليس بشرط فيه بل الأمر فيه كما مر نظيره "وإن أقرت لزوج والمجبر لآخر فوجهان": أحدهما يعمل بإقرارها، والثاني، بإقراره قال الزركشي (٥) والصواب تقديم السابق (٦) فإن أقرا معا فالأرجح تقديم إقرار المرأة (٧) لتعلق ذلك
стр. 3496
ببدنها وحقها ولو جهل فهل يتوقف أو يبطلان؟ فيه احتمالان لصاحب المطلب ونقل في الأنوار ترجيح سقوط قولهما فقال لو أقرت لزوج والولي لآخر فالمقبول إقراره أم إقرارها أم السابق أم يتساقطان فيه وجوه قال في الملخص أصحهما السقوط (١).
"فرع قال الخاطب للولي زوجت نفسي بنتك وقبل الولي" نقل "فيه" أي في انعقاده بهذا "خلاف" مبني على أن كل واحد من الزوجين معقود عليه; لأن بقاءهما شرط لبقاء العقد كالعوضين في البيع أو المعقود عليه المرأة فقط; لأن العوض من جهة الزوج المهر لا نفسه ولأنه لا حجر عليه في نكاح غيرها معها، والصحيح أن الزوج ليس معقودا عليه (٢) كما نقله الرافعي عن الأكثرين في باب الطلاق في الكلام على قوله أنا منك طالق فعليه لا ينعقد النكاح بذلك; لأنه جعل نفسه معقودا عليه، ولأن زوجت إنما يليق بالولي لا بالزوج.
стр. 3497
"الباب الرابع في بيان الأولياء وأحكامهم"
"وفيه ثمانية أطراف" الطرف "الأول في أسباب الولاية وهي أربعة" (٣) السبب "الأول الأبوة" وهي أقوى الأسباب لكمال الشفقة "فللأب والجد" (٤) أي لكل منهما حيث "لا" يكون "عدوا ظاهرا (٥). . . . . . . . . . .
стр. 3498
تزويج البكر" (١) بمهر مثلها من نقد البلد من كفء لها موسر بالمهر "مطلقا" أي سواء أكانت صغيرة أم كبيرة "بغير إذنها" (٢) لخبر الدارقطني "الثيب أحق بنفسها من وليها والبكر يزوجها أبوها (٣) " ورواية مسلم "والبكر يستأمرها أبوها (٤) " حملت على الندب ولأنها لم تمارس الرجال بالوطء فهي شديدة الحياء أما إذا كان بينه وبينها عداوة ظاهرة فليس له تزويجها إلا بإذنها (٥) بخلاف غير الظاهرة; لأن الولي يحتاط لموليته لخوف العار ولغيره (٦) وعليه يحمل إطلاق الماوردي والروياني الجواز. قال الشيخ ولي الدين العراقي: وينبغي أن يعتبر في الإجبار أيضا انتفاء العداوة بينها وبين الزوج انتهى.
وإنما لم يعتبر ظهور العداوة هنا كما اعتبر ثم لظهور الفرق بين الزوج والولي المجبر بل قد يقال لا حاجة إلى ما قاله; لأن انتفاء العداوة بينها وبين الولي يقتضي أن لا يزوجها إلا ممن يحصل لها منه حظ ومصلحة لشفقته عليها أما مجرد كراهتها له فلا يؤثر، لكن يكره لوليها أن يزوجها منه كما نص عليه في الأم. "لا الثيب" وإن عادت بكارتها فلا يزوجها الأب والجد "إلا بإذنها بالنطق" للخبر السابق ولأنها مارست الرجل بالوطء "بالغة" فلا يزوج الصغيرة الثيب حتى تبلغ (٧) لعدم اعتبار
стр. 3499
إذنها إلا أن تكون مجنونة فله تزويجها قبل البلوغ للمصلحة كما سيأتي "ولا أثر لزوال البكارة إلا بوطء (١) في القبل ولو زنا ونائمة ومجنونة" ومكرهة بخلاف زوالها بغير الوطء في القبل كسقطة وأصبع وحدة طمث ووطء في الدبر; لأنها لم تمارس الرجال الوطء في محل البكارة وهي على غباوتها وحيائها فهي كالأبكار، ووقع للنووي في شرح مسلم ما يخالفه وقضية كلام المصنف كأصله أن البكر (٢) لو وطئت في قبلها ولم تزل بكارتها بأن كانت غوراء وهي التي بكارتها داخل الفرج حكمها كسائر الأبكار وهو كنظيره الآتي في التحليل على ما يأتي فيه وقضية تعليلهم خلافه; لأنها مارست الرجال بالوطء.
"فرع لو التمست البكر البالغة" العاقلة "لا الصغيرة التزويج من الأب" مثلا "بكفء" خطبها كما في الأصل وعينته بشخصه أو نوعه حتى لو خطبها أكفاء فالتمست منه التزويج بأحدهم "لزمه الإجابة" تحصينا لها كما يجب إطعام الطفل إذا استطعم فإن امتنع أثم وزوجها السلطان كما سيأتي "فلو زوجها" الأب "بكفء غيره" ولو دونه "صح"; لأنها مجبرة فليس لها اختيار الأزواج (٣) وهو أكمل نظرا منها بخلاف غير المجبر لا يزوجها إلا ممن عينته; لأن إذنها شرط في أصل تزويجها فاعتبر معينها.
"ولو عضلها" بأن امتنع من تزويجها ممن عينته "فزوجت نفسها به ثم زوجها بغيره بلا إذن قبل وطئه" أو وطء غيره لها في قبلها وكان الأولى أن يقول قبل إزالة بكارتها "أو" قبل "حكم حاكم بصحته" أي بصحة نكاحها بنفسها "صح
стр. 3500
إنكاحه" وإن كان بعدهما أو بعد أحدهما لم يصح إلا إذا أذنت له فيه ولم يحكم بالصحة "ويستحب أن لا يزوجها" أي البكر "حتى تبلغ وتأذن" وفي نسخة وتستأذن وبذلك علم أنه يستحب استئذان البالغة وبه صرح الأصل هذا إذا لم تكن مصلحة ظاهرة وإلا فيستحب تزويجها لئلا تفوت المصلحة ولخبر عائشة ﵂ في الصحيحين ذكره النووي في شرح مسلم "وأن تستفهم المراهقة" بأن ينظر ما في نفسها "والمخلوقة ثيبا" أي بلا بكارة "بكر" فلها حكم سائر الأبكار.
"وتصدق المرأة البالغة في دعوى البكارة بلا يمين" ولا يكشف حالها; لأنها أعلم به "وكذا" في دعوى "الثيوبة (١) قبل العقد وإن لم تتزوج ولا تسأل عن الوطء" الذي صارت به ثيبا وقضية كلامه أن قوله من زيادته بلا يمين قيد في تصديقها في دعوى الثيوبة أيضا (٢) وفيه نظر لاقتضائه (٣) إبطال حق وليها من الإجبار فيما إذا أراد أن يزوجها بغير إذنها نطقا وخرج بقوله من زيادته قبل العقد دعواها الثيوبة بعده وقد زوجها بغير إذنها نطقا فإنه المصدق بيمينه لما في تصديقها من إبطال النكاح مع أن الأصل بقاء البكارة بل لو شهدت أربع نسوة بثيوبتها عند العقد لم يبطل (٤) لجواز إزالتها بإصبع أو نحوه أو خلقت بدونها ذكره الماوردي والروياني (٥) لكن أفتى القاضي بخلافه.
"السبب الثاني: العصبة" بمعنى عصوبة من على حاشية النسب "كالأخ والعم" لأبوين أو لأب "وبنيهما فلا يزوجون حرة إلا بالغة" عاقلة "بإذنها" بكرا كانت أو ثيبا; لأنهم ليسوا في معنى الأب ولم يرد نص في غيره،
стр. 3501
وقد قال ﷺ : "لا تنكحوا اليتامى حتى تستأمروهن" رواه الترمذي وقال حسن صحيح (١) والتصريح بالحرة من زيادته وإذن الخرساء بالإشارة المفهمة. قال الأذرعي: والظاهر الاكتفاء بكتبها، قال: فلو لم يكن لها إشارة مفهمة ولا كتابة هل تكون في معنى المجنونة حتى يزوجها الأب والجد ثم الحاكم دون غيرهم أو لا; لأنها عاقلة؟ لم أر فيه شيئا ولعل الأول أوجه (٢) وما قاله من الاكتفاء بكتب من لها إشارة مفهمة ظاهر إن نوت به الإذن كما قالوا كتابة الأخرس بالطلاق كناية على الأصح.
"فلو استأذنوا بكرا لكفء وغيره (٣) فسكتت كفى" سكوتها "وإن بكت" ولم تعلم أن ذلك إذن لخبر مسلم "الأيم أحق بنفسها من وليها والبكر تستأمر وإذنها سكوتها (٤) " "و" إن بكت "بصياح وضرب خد"; لأن ذلك يشعر بعدم الرضاء والظاهر أن أحد الأمرين كاف (٥) وعلم من كلامه أنها لو زوجت بحضرتها مع سكوتها لم يكف بل لا بد معه من استئذانها وهو كذلك على الأصح.
"فرع لو استؤذنت بكر في التزويج بدون المهر" أي بدونه أصلا أو بأقل من مهر المثل "أو بغير النقد" أي نقد البلد "فسكتت لم يكف" فيه سكوتها لتعلقه بالمال (٦) كبيع مالها "أو" استؤذنت في التزويج "برجل غير معين" فسكتت "كفى" فيه سكوتها بناء على أنه لا يشترط تعيين الزوج في الإذن وهو الأصح "وكذا لو قال" لها "أيجوز أن أزوجك أو تأذنين فقالت لم لا يجوز أو لم لا آذن" كفى; لأنه يشعر برضاها فهو أولى من سكوتها ولا يشكل بقول الخاطب أتزوجني حيث لم يكن استيجابا; لأن العقد يعتبر فيه اللفظ فاعتبر فيه الجزم وإذن البكر يكفي فيه السكوت فكفى فيه ما ذكر مع جوابها "بخلاف الثيب" لا بد من صريح إذنها
стр. 3502
لما مر (١) "والإذن منها" للولي "بلفظ الوكالة جائز"; لأن المعنى فيهما واحد "ورجوعها عنه" أي عن الإذن "كرجوع الموكل" عن الوكالة فلو زوجها الولي بعد رجوعها وقبل علمه لم يصح كنظيره في الوكالة.
"فرع لو قالت" من يعتبر إذنها في تزويجها "رضيت بمن رضيت به أمي" أو بمن اختارته "أو بما يفعله أبي وهم في ذكر النكاح كفى" وفي نسخة رضيت بالتزويج بمن رضيت به أمي أو بما يختاره أبي كفى والأولى أولى لما لا يخفى على المتأمل "لا إن قالت رضيت إن رضيت أمي أو" رضيت "بما تفعله أمي" فلا يكفي; لأن الأم لا تعقد ولأن الصيغة الأولى صيغة تعليق "وكذا" لا يكفي "رضيت إن رضي أبي إلا أن تريد" به رضيت "بما يفعله" فيكفي "وإن أذنت بكر" في تزويجها "بألف ثم استؤذنت" كأن قيل لها أذنت في تزويجك "بخمسمائة فسكتت فهو رضا" أي إذن بقيد زاده تبعا للبلقيني (٢) بقوله "إن كان مهر مثلها" وإلا فلا ولو قيل ذلك لأمها وهي حاضرة فسكتت لم يكن إذنا وما قاله مفهوم من الفرع السابق.
"السبب الثالث الإعتاق (٣) والرابع السلطنة فالمعتق وعصبته يزوجون كالأخ" (٤) لخبر "الولاء لحمة كلحمة النسب" رواه ابن حبان والحاكم وصححاه (٥) فيزوجون الثيب البالغة بصريح الإذن ولا يزوجون الصغيرة
стр. 3503
"والسلطان لا يزوج إلا بالغة بكفء عدم وليها" الخاص "أو غاب" (١) وليها الأقرب مسافة القصر كما سيأتي "أو أراد نكاحها" لابن عمها وليس للأبعد أن يزوجها لبقاء الأقرب على ولايته والتزويج حق عليه فإذا تعذر منه ناب عنه السلطان "فإن عضل الولي" ولو مجبرا أي منع "بالغة" (٢) عاقلة من تزويجها "أمره القاضي" به "فإن امتنع" منه "أو سكت" بحضرته "زوجها" كما في الغائب ويأثم بالعضل لقوله تعالى: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢] "وكذا" يزوجها "إن اختفى أو تعزز" أو غاب غيبة لا يزوج فيها القاضي "وأثبتت" أي أقامت "بعضله" حينئذ بينة كما في سائر الحقوق "وله الامتناع" من التزويج "لعدم الكفاءة" فلا يكون امتناعه منه عضلا; لأن له حقا في الكفاءة ويؤخذ من التعليل أنها لو دعته إلى عنين أو مجبوب بالباء فامتنع كان عاضلا، وهو كذلك إذ لا حق له في التمتع واعتبر القفال مع الكفاءة أن يتبين موضع الصلاح للمرأة في مناكحته واستحسنه الزركشي (٣)، ولو دعت إلى رجل وادعت كفاءته
стр. 3504
وقال الولي ليس بكفء رفع إلى القاضي فإن ثبتت كفاءته لزمه تزويجها منه فإن امتنع زوجها القاضي منه "لا لنقصان المهر" أو لكونه من غير نقد البلد فليس له الامتناع من تزويجها لأجله; لأن المهر محض حقها.
"والسلطان" هل "يزوج بالولاية" العامة "أو النيابة" الشرعية "وجهان" حكاهما الإمام وأفتى البغوي منهما بالأول قال; لأنه لو كان بالنيابة لما زوج مولية الرجل منه، وكلام القاضي (١) وغيره يقتضيه فيما إذا زوج لغيبة الولي ومن فوائد الخلاف أنه لو أراد القاضي نكاح من غاب عنها وليها إن قلنا بالولاية زوجه أحد نوابه أو قاض آخر أو بالنيابة لم يجز ذلك، وأنه إذا زوجها بإذنها بغير كفء إن قلنا بالولاية صح أو بالنيابة فلا، وإنه لو كان لها وليان والأقرب غائب إن قلنا بالولاية قدم عليه الحاضر أو بالنيابة فلا.
والحاصل أن بعض الفروع يقتضي أنه يزوج بالولاية وبعضها يقتضي أنه بالنيابة وأن فروع الأول أكثر وقد صحح الإمام في باب القضاء (٢) فيما إذا زوج للغيبة أنه يزوج بنيابة اقتضتها الولاية.
"الطرف الثاني في ترتيب الأولياء" فيقدم القرابة (٣) ثم الولاء ثم السلطنة "ويقدم" من القرابة "الأب (٤). . . . . . . . . . .
стр. 3505
ثم الجد (١) وإن علا" ثم بقية العصبة "وترتيبهم" هنا كالميراث أي كترتيبهم فيه "إلا أن الابن لا يزوج" أمه "بالبنوة" إذ لا مشاركة بينه وبينها في النسب فلا يعتني بدفع العار عن النسب (٢) ولهذا لم تثبت الولاية للأخ من الأم "بل" يزوج "بالعصوبة أو بالولاء أو بالقضاء" (٣) ولا يضر البنوة; لأنها غير مقتضية لا مانعة "والجد يقدم على الأخ هنا" وإن استويا في استحقاق الإرث; لأن التزويج ولاية والجد أولى لزيادة شفقته ولهذا اختص بولاية المال.
"والأخ للأبوين مقدم" على الأخ للأب "كما في الإرث" وهذا علم من قوله وترتيبهم كالميراث "ومتى كان أحد العصبة أو" أحد "ذوي الولاء" المستوين - "أخا لأم أو ابنا قدم"; لأنه أقرب "فإن اجتمعا" بأن كان لها ابنا ابن عم أحدهما أخوها من أمها والآخر ابنها "فالابن" مقدم لذلك "ويقدم عصبة أعتق" فلو كان لها ابنا عم أحدهما معتق قدم المعتق; لأنه أقوى عصوبة ومنه يؤخذ أنه لو كان المعتق ابن عم لأب والآخر شقيقا قدم الشقيق وبه صرح البلقيني.
"فصل المعتق إن عدمت العصبة" النسبية "وهو رجل فالولاية له ثم لعصباته كترتيب" عصبات "النسب (٤)، و" لكن "يقدم الأخ ثم ابنه هنا على الجد" قال البلقيني ويقدم العم على أب الجد كما نص عليه في البويطي "وابن المعتق يزوج" بعده "ويقدم على أب المعتق"; لأن التعصيب له ولو قال كترتيب الإرث (٥) لما احتاج لهذا الاستدراك.