الزمن فلا قضاء (١) "كالمتعدي" بالدخول فإنه يقضي إن طال الزمن.
"ولو جامع" من دخل عليها في ليلة غيرها "عصى" بتعديه بالدخول في صور التعدي وإن قصر الزمن قال الإمام واللائق بالتحقيق القطع بأنه لا يوصف الجماع بالتحريم ويصرف التحريم إلى إيقاع المعصية لا إلى ما وقعت به المعصية وحاصله أن تحريم الجماع لا لعينه بل لأمر خارج "وقضى المدة" دون الجماع لتعلقه بالنشاط كما مر "لا إن قصرت" فلا يقضيها ويعرف طول الزمن وقصره بالعرف.
"فرع لا يجب" عليه "أن يسوي بينهن في الإقامة" في البيت "نهارا" لأنه زمن الانتشار فقد يقل في يوم ويكثر في آخر والضبط فيه عسر بخلاف الليل "لكن لا يدخل" أي لا يجوز دخوله "على الأخرى فيه إلا لحاجة كعيادة ووضع متاع" وأخذه وتعرف خبر وتسليم نفقة وينبغي أن لا يطول مكثه (٢) صرح به الأصل "ولو استمتع" عند دخوله لحاجة "بغير الجماع جاز" لخبر عائشة "كان النبي ﷺ يطوف علينا جميعا فيدنو من كل امرأة من غير مسيس حتى يبلغ إلى التي في نوبتها فيبيت عندها" رواه أحمد والحاكم وصحح إسناده (٣) أما الجماع فلا يستمتع به "ولا يخص واحدة بالدخول" عليها بأن يعتاد الدخول عليها في نوبة غيرها "ولو دخل" عليها "بلا حاجة قضى" لتعديه وظاهر أن محله (٤) إذا طال الزمن أخذا مما مر في قضاء الليل فإن دخل لحاجة فلا قضاء كما
стр. 3782
أفهمه كلامه وصرح بتصحيحه الأصل لأن النهار تابع مع وجود الحاجة وينبغي حمله على ما إذا لم يطل مكثه فوق الحاجة ونص الشافعي على وجوب القضاء محله في دخوله بلا حاجة هذا كله فيمن عماد قسمه الليل أما غيره فبالعكس.
"فرع" لو "مرضت أو ضربها الطلق ولا متعهد" لها "فله تمريضها" في الأولى "والمبيت عندها" في الثانية ليالي بحسب الحاجة "ويقضي" (١) لغيرها إن برئت "ولا يواليه" أي القضاء فلا يبيت عند كل من الأخريات تلك الليالي ولاء "بل يفرقه فيجعل النوب ثلاثا ثلاثا" فأقل حتى يتم القضاء وإنما لم يزد عليها بناء على أن أكثر مقدار النوب في القسم ثلاث ليال كما سيأتي "ولو كانت تنتين" أي ولو كان عنده مريضتان ولا متعهد لهما "مرضهما بالقسم" أي يقسم الليالي عليهما والتسوية بينهما في التمريض "لا القرعة" نفي لما قبل من أنه يمرضهما بالقرعة بينهما كما في السفر "وقضى للباقيات" إن برئتا والتصريح بهذا من زيادته "فإن ماتت المريضة تعذر القضاء" لأنه إنما يجب من نوبتها وقد سقطت وخرج بقوله أولا ولا متعهد ما إذا كان لها متعهد فلا يبيت عندها إلا في نوبتها.
"فرع لو كان يعمل تارة الليل" أي فيه "دون النهار وتارة عكسه لم يجزه نهاره عن ليله" ولا عكسه لتفاوت الغرض.
стр. 3783
"فصل لا يجوز القسم أقل من ليلة" (٢) لما في تبعيضها من تنغيص العيش ولعسر ضبط أجزاء الليل ومن هنا لا يجوز القسم بليلة وبعض أخرى كما صرح به الأصل وأما طوافه ﷺ على نسائه في ليلة واحدة فمحمول على رضاهن "وهي" أي الليلة أي الاقتصار عليها "أفضل" اقتداء برسول الله ﷺ وليقرب عهده بهن "ولا" يجوز القسم "أكثر من ثلاث" وإن تفرقن في البلاد لأن فيه إيحاشا وهجرا لهن "إلا برضاهن" فيجوز لأن الحق لهن "وليقرع للابتداء" (٣) بالقسم
стр. 3784
وجوبا تحرزا عن الترجيح "ثلاث مرات إن كن أربعا" مرة بين الأربع وثانية بين الثلاث وثالثة بين الباقيتين "ويراعى ترتيبها" أي المرات إذا تمت النوب ولا يحتاج إلى إعادة القرعة. "فلو بدأ بواحدة بلا قرعة أثم وأقرع بين الثلاث ثم" إذا تمت النوب "أعادها" أي القرعة.
"فلو بدأ بواحدة بلا قرعة أثم وأقرع بين الثلاث ثم" إذا تمت النوب "أعادها" أي القرعة "للجميع" وكأنه بالقرعة الأولى من المعاد ابتدأ القسم والتصريح بقوله للجميع من زيادته (١).
"الطرف الثالث في المساواة" بين الزوجات "فتجب" المساواة بينهن فيحرم التفضيل وإن ترجحت واحدة بشرف أو إسلام أو غيرهما لاستوائهن في مقاصد النكاح وأحكامه "إلا أن للحرة ليلتين وللأمة ليلة" رواه الحسن البصري مرسلا وعضده الماوردي بأنه روي عن علي كما رواه الدارقطني ولا يعرف له مخالف فكان إجماعا (٢) ولأن القسم للاستمتاع والاستمتاع بها على النصف إذ لا تسلم له إلا ليلا (٣) ولا يجوز أن يقسم للحرة ثلاثا وللأمة ليلة ونصفا والمبعضة كالأمة كما نص عليه الشافعي في الأم وصرح به الماوردي (٤).
"فإن عتقت في" الليلة "الأولى من ليلتي الحرة و" كانت "البداءة بالحرة فالثانية" من ليلتها "للعتيقة" ثم يسوي بينهما هذا إن أراد الاقتصار لها على ليلة وإلا فله توفية الحرة ليلتين وإقامة مثلهما عند العتيقة صرح به الإمام قال لأن المقدار الذي يضر به لا يتحتم عليه الوفاء به (٥) فلو بدا له أن يقلل أو يكثر بعد الوفاء بالتسوية فلا يعترض عليه نبه عليه الإسنوي قال غيره والثلاث كالليلتين في ذلك وهو ظاهر (٦) "أو" عتقت "في الثانية منهما فإن أتمها" وله
стр. 3785
ذلك للمشقة في خروجه ليلا "بات مع العتيقة ليلتين لا إن خرج حينئذ" أي حين العتق "إلى مسجد أو إلى العتيقة" أو نحوهما كبيت صديق وبات ثم فلا يلزمه قضاء مضى من تلك الليلة بل قد أحسن بخروجه إلى العتيقة قال الإسنوي (١) وهذا مشكل لأن النصف الأول من الليلة إن كان حقا للحرة فيجب إذا أكمل الليلة أن لا يقضي جميعها وإن لم يكن حقا لها فيجب أن يقضيه إذا خرج فورا وأجيب عنه بأن قوله في الشق الأول فيجب أن لا يقضي جميعها مردود لأن نصفي الليلة كالثلاثة الأيام والسبعة في حق الزفاف للثيب فالثلاث حق لها وإذا أقام عندها سبعا قضى الجميع. فكذا إذا أقام النصف الثاني قضاه مع النصف الأول وبأن قوله في الثاني فيجب أن يقضيه إذا خرج فورا مردود أيضا فإن العتق قبل العتق لا يثبت لها استحقاق نظير النصف المقسوم كما لو كان عبدين اثنين لأحدهما ثلثه ولآخر ثلثاه فالمهايأة بينهما تكون يومين ويوما فإذا اشترى صاحب الثلث السدس من الآخر في أثناء اليومين لم يرجع عليه بأجرة ما مضى وقضية ما قاله في الشق الأول أن يقيد بمن طلبت منه تمام الليلة وإلا فيقتضي الزائد فقط "وإن عتقت في ليلتها (٢) لا بعد تمامها زادها ليلة" لالتحاقها بالحرة قبل الوفاء فإن عتقت بعد تمامها اقتصر عليها ثم يسوي بينهما ولا أثر لعتقهما في يومها لأنه تابع "وإن كانت البداءة بالأمة وعتقت في ليلتها فكالحرة" فيتمها ثم يسوي بينهما "أو عتقت بعد تمامها أو في الحرة ليلتين" ثم يسوي بينهما لأن الأمة قد استوفت ليلتها قبل عتقها فتستوفي الحرة بإزائها ليلتين. وهذا ما قطع به الإمام (٣) والمتولي والغزالي والسرخسي (٤) ومنع البغوي إيفاء الليلتين وقال (٥) إن عتقت في الأولى منهما أتمها واقتصر عليها أو في الثانية خرج من عندها حالا وعلى نحوه
стр. 3786
جرى الشيخ أبو حامد وأصحابه وصاحب المهذب لمساواتها الحرة قبل إيفائها كذا نقل الأصل ذلك بلا ترجيح والترجيح من زيادة المصنف لكن قال الزركشي الصحيح الثاني فقد حكاه الشيخ أبو حامد والعراقيون عن نص الشافعي في القديم وليس له في الجديد ما يخالفه واستشهد له الأذرعي بنص في الأم (١) واستشكل الماوردي النص بأن عتق الأمة يوجب تكميل حقها ولا يوجب نقصان حق غيرها فوجب أن تكون الحرة على حقها وتستقبل زيادة الأمة بعد عتقها قال فلو لم تعلم الأمة بعتقها حتى مر عليها أدوار وهو يقسم لها قسم الإماء لم يقض لها ما مضى وقال ابن الرفعة القياس أنه يقضي لها انتهى وينبغي الجزم به عند علم الزوج بذلك (٢).
"ولا يجب قسم لأمة لا نفقة لها" بأن لم تسلم له تسليما تاما "فإن استحقتها بأن سلمت له" ليلا ونهارا "فحق القسم لها لا لسيدها" فهي التي تملك إسقاطه بهبته لزوجها أو لضرتها لا سيدها لأن معظم الحظ في القسم لها كما أن خيار العيب لها لا له "وإن سافر بها السيد وقد استحقت ليلة" بأن قسم للحرة ليلتين ثم سافر سيدها بها "قال المتولي لا تسقط" (٣) بل على الزوج قضاؤها عند التمكن لأن الفوات حصل بغير اختيارها فعذرت (٤) قال الأذرعي وسبقه إليه القاضي (٥) ونص الأم يرد عليهما وذكره ولعل المصنف أشار إليه بعزوه إلى المتولي.
стр. 3787
"فصل وإن جدد عليهن زوجة ولو أمة" أو كافرة. "ويتصور" جمع الأمة مع الحرة "في عبد (١) وكذا" في "حر تحته رتقاء" أو غيرها ممن لا تصلح للاستمتاع أو تزوج بأمة وهو معسر (٢) ثم أيسر وتزوج عليها حرة "أقام" وجوبا "عند البكر" التي جددها "سبعا و" عند "الثيب التي إذنها النطق ثلاثا" لخبر ابن حبان في صحيحه "سبع للبكر وثلاث للثيب" وفي الصحيحين عن أنس "من السنة إذا تزوج البكر على الثيب أقام عندها سبعا ثم قسم وإذا تزوج الثيب على البكر أقام عندها ثلاثا ثم قسم" والمعنى فيه زوال الحشمة (٣) بينهما ولهذا سوى بين الحرة والأمة لأن ما يتعلق بالطبع لا يختلف بالرق والحرية كمدة العنة والإيلاء وزيد للبكر لأن حياءها أكثر والحكمة في الثلاث والسبع أن الثلاث مغتفرة في الشرع والسبع عدد أيام الدنيا وما زاد عليها تكرار وقوله وكذا حر تحته رتقاء من زيادته وذكره الإسنوي وغيره ودخل في الثيب المذكورة من كانت ثيوبتها بوطء حلال أو حرام أو وطء شبهة وخرج بها من حصلت ثيوبتها بمرض (٤) أو وثبة أو نحوهما "متواليات" صفة للسبع وللثلاث واعتبر تواليها لأن الحشمة لا تزول بالمفرق.
"فلو فرقها لم تحسب وقضاها" لها "متواليا وقضى" بعد ذلك "للأخريات ما فرق ويستحب تخيير الثيب من ثلاث (٥) ولا قضاء وسبع ويقضيهن" كما فعل ﷺ بأم سلمة ﵂ حيث قال لها "إن شئت سبعت عندك وسبعت عندهن وإن شئت ثلثت عندك ودرت" (٦) أي بالقسم الأول بلا قضاء
стр. 3788
وإلا لقال وثلثت عندهن كما قال وسبعت عندهن رواه مالك وكذا مسلم بمعناه "فإن سبع" لها "بغير اختيارها" أي طلبها "أو اختارت دون سبع لم يقض إلا ما فوق الثلاث" لأنها لم تطمع في الحق المشروع لغيرها وإن سبع لها باختيارها (١) قضى جميع السبع للأخريات لظاهر الخبر ولأنها طمعت في الحق المشروع لغيرها فبطل حقها وشبه في التم ببيع درهم بدرهمين "وإن طلبت البكر عشرا" مثلا "لم تعط" مطلوبها "فإن أجابها قضى الثلاث فقط".
"فرع لا يتجدد حق الزفاف لرجعية" لبقائها على النكاح الأول وقد وافاها حقها "بخلاف البائن" يتجدد (٢) حق زفافها لعود الجهة "و" بخلاف "مفترشة سيدها أعتقها" ثم تزوجها فيجب لها حق الزفاف "وإن زفتا معا وذلك مكروه أقرع" بينهما "للابتداء لحق الزفاف" فمن خرجت قرعتها قدمها بجميع السبع أو الثلاث فإن زفتا مرتبا أدى حق الأولى أولا.
"ولا يثبت حقه" أي الزفاف "إلا لمن في نكاحه أخرى يبيت معها بل لو كان تحته ثلاث لا يبيت معهن لم يثبت حق الزفاف للرابعة" كما لا يلزمه أن يبيت عند زوجته أو زوجاته ابتداء ولا ينافيه قول الأصل ولو نكح جديدتين ولم يكن في نكاحه غيرهما وجب لهما حق الزفاف لأنه محمول على من أراد القسم نعم قال النووي في شرح مسلم الأقوى المختار وجوبه مطلقا لخبر أنس لكن رده البلقيني بأن في مسلم طرقا فيها الصراحة (٣) بما إذا كانت عنده زوجة أو أكثر غير
стр. 3789
التي زفت إليه فتكون هذه الرواية المطلقة مقيدة بتلك الروايات ولو عبر المصنف بدل بل بقوله حتى كان أقعد.
"فرع" لو "زفت جديدة وله زوجتان قد وفاهما" حقهما "وفى الجديدة" حقها (١) "واستأنف" بعد ذلك القسم بين الجميع "بالقرعة وإن بقيت ليلة لأحدهما بدأ بالجديدة ثم وفى القديمة ليلتها ثم يبيت عند الجديدة نصف ليلة" لأنها تستحق ثلث القسم (٢) "ويخرج المسجد" أو نحوه أي إليه بقية الليلة "ثم يستأنف القسم" بين الثلاث بالسوية.
"فرع لا يتخلف" بسبب حق الزفاف "عن الخروج للجماعات ولسائر أعمال البر" كعيادة المرضى وتشييع الجنائز "مدة الزفاف إلا ليلا" فيتخلف وجوبا تقديما للواجب قال الأذرعي وهذه طريقة شاذة (٣) لبعض العراقيين وقضية نصوص الشافعي وكلام القاضي والبغوي وغيرهما أن الليل كالنهار في استحباب الخروج لذلك. وممن صرح به من المراوزة الجويني في تبصرته والغزالي في خلاصته نعم العادة جارية بزيادة الإقامة في مدة الزفاف على أيام القسم فيراعى ذلك "وأما ليالي القسم" فتجب التسوية بينهن في الخروج لذلك وعدمه بأن يخرج في ليلة الجميع أو لا يخرج أصلا "فإن خص ليلة بعضهن بالخروج إلى ذلك أثم"
"الطرف الرابع في الظلم والقضاء فمن تحته ثلاث فطاف على امرأتين" منهن "عشرين ليلة" (٤) إما عشرا عند هذه ثم عشرا عند هذه وأما ليلة
стр. 3790
ليلة إلى تمام العشر "فليقض المظلومة عشرا متوالية" فليس له تفريقا وإن فرق المظلومة لإمكان الوفاء دفعة كالدين "إلا أن يزوج جديدة أو قدمت" زوجة له "غائبة" عقب مضي العشرين "فيبدأ" للجديدة "بحق الزفاف" (١) من ثلاث أو سبع لا بالقضاء لأنه ظلم لها.
"فإذا أراد قضاء" حق "المظلومة قسم بينها وبين الجديدة أو القادمة بالقرعة فيجعل للجديدة أو القادمة ليلة وللمظلومة ثلاثا ليلتها وليلتي الأخريين" يفعل ذلك "ثلاث نوب" وحينئذ فقد وفاها تسعا وبقي لها ليلة "فإن" كان "بدأ بالمظلومة وفى الجديدة" أو القادمة "ليلتها" لتمام القسم "ثم أوفى المظلومة الليلة العاشرة" التي بقيت لها "ويبقى للجديدة أو القادمة في مقابلتها" أي ليلة المظلومة "ثلث ليلة" لأن حقها واحدة من أربع وحصة كل واحدة من الثلاث من الليلة المذكورة ثلثها "فيبيتها" أي الليلة أي ثلثها "معها" فلو قال فيبيته كان أولى "ثم يخرج" من عندها "وينفرد" عن زوجاته بقية الليلة "ثم يستأنف القسم للجميع" بالقرعة "وإن كانت البداءة" الأنسب بما مر وإن بدأ "بالجديدة" أو بالقادمة "وتمت التسع" للمظلومة هذا إيضاح لعلمه مما مر. "فيبيت عند الجديدة" أو القادمة "ثلث ليلة" ويخرج بقيتها "ثم" يبيت "ليلة عند المظلومة ثم يعاد القسم" للجميع بالسوية "بالقرعة وإن طلق إحداهما" أي إحدى زوجتيه المظلوم بهما "فهل يقضي المظلومة خمسا" (٢) فقط لأنه إنما يقضي العشر من حقهما وقد بطل حق إحداهما "أو عشرا" تسوية بينها وبين الباقية "وجهان" نقل الأصل الأول منهما عن المتولي والثاني عن البغوي وعلى الثاني اقتصر شيخنا الحجازي في اختصاره كلام الروضة لكن الأول أوجه لموافقته قولهم إن القضاء من نوبة المظلوم بها وإن باته في حال فرقتها عن المظلوم لا يحسب ثم رأيت الأذرعي
стр. 3791
قال وكلام المتولي يوافق كلام الأكثرين في صور الفصل.
"فرع" قال الخوارزمي ولو كان تحته أربع فقسم لثلاث منهن ليلة ليلة ونشزت الرابعة ليلتها سقط حقها من القسم فلو عادت إلى طاعته بعد طلوع الفجر من تلك الليلة لم يقضها أو قبله فهل عليه أن يبيت عندها ما بقي من تلك الليلة يحتمل وجهين الأصح نعم (١) لأن حقها جميع الليلة ولا نشوز منها في الباقي انتهى.
والأقيس لا كما تسقط نفقتها المبني عليها (٢) القسم بنشوز بعض اليوم "وإن خرج أو أخرج مضطرا" فيهما "في ليلة إحداهن قضاها من الليلة الثانية بقدره" أي بقدر ما ما فوته بذلك "وذلك الوقت" الذي فوت في مثله "أولى" بالقضاء من غيره فيقضي لأول الليل من أوله ولآخره من آخره فإن خالف جاز لأن الليل كله وقت القضاء "ثم يخرج" من عندها "وينفرد" عن زوجاته بقية الليلة "إلا أن يخاف عسا" أو نحوه لو خرج "فيقف" عن الخروج أي يقيم عندها للعذر ولعل قوله فيقف مصحف عن فيبيت أو عن فيعذر كما وجد في نسخة "والأولى" له "أن لا يستمتع" بها فيما وراءه من القضاء قال الأذرعي ويشبه أن لا يجوز له ذلك ولا يقال إنه الأولى وقد أطلق الإمام والغزالي وغيرهما القول بأنه إذا جامع في يوم أخرى فهو محرم قطعا ويجاب بأنه جامع ثم في نوبة أخرى بخلافه هنا.
"وإن وهبت" واحدة من زوجاته (٣) "حقها" من القسم "لمعينة ورضي" بالهبة (٤) "بات عند الموهوبة ليلتين" ليلة لها وليلة للواهبة "وإن كرهت" كما فعل ﷺ لما وهبت سودة نوبتها لعائشة كما في الصحيحين (٥) وهذه الهبة ليست على قواعد الهبات ولهذا لا يشترط رضا الموهوب لها بل يكفي رضا الزوج لأن الحق مشترك بينه وبين الواهبة ومحل بياته عند الموهوبة ليلتين "ما دامت الواهبة في
стр. 3792
نكاحه" فلو خرجت عن نكاحه لم يبت عند الموهوبة إلا ليلتها ولو قال ما دامت تستحق القسم كان أولى "ولو كانتا" أي الليلتان "متفرقتين لم يوال بينهما" للموهوبة بل يفرقهما كما كانتا قبل لئلا يتأخر حق التي بينهما ولأن الواهبة قد ترجع بين الليلتين والموالاة تفوت حق الرجوع عليهما وقيده ابن الرفعة (١) أخذا من التعليل بما إذا تأخرت ليلة الواهبة فإن تقدمت وأراد تأخيرها جاز قال ابن النقيب (٢) وكذا لو تأخرت فأخر ليلة الموهوبة إليها برضاها تمسكا بهذا التعليل.
"وإن وهبته" أي حقها "للجميع" أي جميع الضرات أو أسقطت حقها مطلقا كما صرح به الأصل "جعلها كالمعدومة" فيسوي بين الباقيات "ولو وهبته له فخص به واحدة" منهن ولو في كل دور واحدة "جاز" (٣) لأن الحق له فيضعه حيث شاء ثم ينظر في الليلتين متفرقتان أم لا وحكمه ما مر وإذا جاز ذلك فقياسه أن يجوز وضع الدور في الابتداء كذلك بأن يجعل ليلة بين لياليهن دائرة بينهن صرح به الأصل وقيل لا يجوز له التخصيص لأنه يظهر الميل ويورث الوحشة فيجعل الواهبة كالمعدومة ويسوي بين الباقيات ورجحه في الشرح الصغير وقضية كلام الأصل ترجيح الأول (٤) وجرى عليه المصنف وهو المعتمد وأشار الإمام والغزالي إلى تخصيص الخلاف بقولها وهبتك فخصص من شئت فإن اقتصرت على وهبتك امتنع التخصيص قطعا (٥) وفي ذلك نظر.
"وللواهبة أن ترجع" في هبتها متى شاءت ويعود حقها في المستقبل لأن المستقبل هبة لم تقبض "فيخرج" بعد رجوعها من عند الموهوب لها "فورا" ولو في أثناء الليل والتصريح بالفورية من زيادته "ولا ترجع في الماضي" كسائر الهبات
стр. 3793
المقبوضة "ولا قضاء" عليه "لما قبل العلم بالرجوع" (١) لأنه إذا لم يعلم لم يظهر منه ميل "ولو أبيح له أكل" من ثمر بستان ثم رجع المبيح "فأكل" منه المباح له "قبل العلم بالرجوع غرم" بدل ما أكله لأن الغرامات لا فرق فيها بين العلم والجهل وكلام الأصل يقتضي ترجيح هذا وقيل لا غرم أيضا كالمسألة السابقة ورجحه الإسنوي في تنقيحه ونظره بمسائل (٢) ذكرت بعضها في شرح البهجة ورجح البلقيني في تدريبه الغرم وفي غيره عدمه وعلى الثاني قال والفرق بينه وبين الوكيل حيث يفسد تصرفه بعد انعزاله وقبل عمله به أن تصرفه للموكل فإذا انعزل انعزل في حق الموكل وترتب عليه أنه لا يصح تصرفه وأما المبيح فلا يؤثر رجوعه لأن التصرف عليه لا له فحقه إذا رجع أن يعلم المباح له قال ومحل استواء العلم (٣) والجهل في الغرامات إذا لم يقصر المغروم له فإن قصر لم يرجع وكذا لو لم
стр. 3794
يقصر لكن منع من الرجوع مانع. كما لو أنفق على زوجته ثم بان فساد النكاح لا يرجع بما أنفق لأنها كانت في حبسه وكذا في عبد لم يخرج عتقه من الثلث ثم ظهر للمعتق مال فلا يرجع الوارث بما أنفق.
"فإن" بات الزوج في نوبة واحدة عند غيرها ثم "ادعى أنها وهبت حقها" وأنكرت "لم يقبل" قوله "إلا بشهادة رجلين وإن باعت حقها" من القسم بأن أخذت عنه عوضا من الزوج أو الضرة "لم يصح" (١) فيلزمها رد ما أخذته وتستحق القضاء لأنه لم يسلم لها العوض "ويعصي بطلاق من لم تستوف" حقها بعد حضور وقته لتفويته حقها بعد ثبوته وهذا سبب آخر لكون الطلاق بدعيا صرح به الأصل قال ابن الرفعة ويتجه أن يكون العصيان فيما إذا طلقها بغير سؤالها وإلا فلا كما قيل به في الطلاق في زمن الحيض على رأي (٢) وقول ابن العماد وصورة المسألة أن يكون الطلاق بائنا. أما الرجعي فلا عصيان فيه لتمكنه من الرجعة والمبيت ويكونان واجبين يرده تسويتهم في البدعي بين البائن والرجعي وقولهم "فإن أعادها ولو بعقد والمستوفية معه ولو بعقد بعد طلاق قضاها" أي
стр. 3795
المعادة حقها لتمكنه من الخروج عن المظلمة "وإلا" أي وإن لم تكن المستوفية معه "فلا" قضاء لأنه إنما يقضي من نوبة التي ظلم لها لأنها التي استوفت نوبة المظلومة "ولا يحسب مبيته مع المظلومة" عن القضاء "قبل عودها" أي المستوفية لذلك.
"فرع" لو كان "تحته أربع فلم يقسم لواحدة أربعين" ليلة بأن وزعها على الثلاث بالسوية "قضاها" أي الواحدة "ثلاث عشرة وثلث" مثل ما بات عند كل من الثلاث وكان حقه أن يقول وثلثا (١) "وفي الأم أنه يقضي لها عشرا وتأولوه" أي الأصحاب "بما إذا بات منفردا" عنهن "عشرا" بأن بات عند كل من الثلاث عشرا وعطل العشر الرابعة. وقال ابن الصباغ لما قاله في الأم عندي وجه صحيح لأنها لو كانت معهن في الأربعين لم يخصها إلا عشر فالذي تستحقه بالقضاء عشر كما قال وثلاث ليال وثلث تستحقها أداء لأن زمن القضاء لها فيه قسم فيكون ثلاثا وثلثا أداء لا قضاء وتابعه عليه العمراني.
"الطرف الخامس في السفر ببعضهن (٢) لا يجوز" للزوج ذلك "وإن كان لا يقسم لهن إلا بالقرعة" (٣) عند تنازعهن (٤) للاتباع رواه الشيخان وإذا سافر بها فلا قضاء عليه إذ لم ينقل عنه ﷺ قضاء بعد عوده فصار سقوط القضاء من رخص السفر ولأن المسافر معه وإن فازت بصحبته (٥) فقد تعبت بالسفر ومشاقه هذا "في سفر مباح ولو" كان "قصيرا" أما غير المباح فليس له أن يسافر بها فيه بقرعة ولا بغيرها (٦) فإن سافر بها حرم ولزمه القضاء للباقيات "وإذا نوى
стр. 3796
الإقامة" بمقصده أو بمحل آخر في طريقه "مدة تقطع الترخص للمسافر" وهي أربعة أيام غير يومي الدخول والخروج "وجب القضاء لا في الرجوع" أي وجب قضاء مدة الإقامة لا مدة الرجوع ولا مدة الذهاب لكن هل يقضي مدة الذهاب من المحل الآخر في صورته السابقة (١) أو لا ذكر الأصل فيه احتمالين (٢) ولو اعتزلها مدة الإقامة لم يقضها.
"وإن أقام" في مقصده أو غيره "من غير نية قضى الزائد على مدة" ترخص "السفر" فلو أقام لشغل ينتظر تنجزه كل ساعة فلا يقضي إلا أن يمضي ثمانية عشر يوما "فإن سافر ببعضهن لنقلة حرم" عليه "وقضى" للباقيات "ولو أقرع" بينهن إذ ليس له أن يختص ببعض كما في الحضر (٣).
"فلو غير نية النقلة بنية السفر" لغيرها "فهل يسقط" عنه "القضاء" والإثم بذلك أو يستمر حكمهما (٤) إلى أن يرجع إلى الباقيات "وجهان" قال الزركشي (٥) نص الأم يقتضي الجزم بالثاني.
"ولو سافر لنقلة ولم ينقلهن بنفسه أو وكيله ولا طلقهن أثم" فيجب أن ينقلهن جميعا بنفسه أو بوكيله أو يطلقهن لتضررهن بالتخلف ويأسهن عن البيتوتة والتحصن بخلافه في الحضر لا يكلف بالبيتوتة اكتفاء بداعية الطبع. "ولا ينقل
стр. 3797
بعضهن بنفسه وبعضهن بوكيله إلا بالقرعة" فيحرم ذلك بدونها "ويقضي" إن فعل ذلك "لمن" بعثها "مع الوكيل (١) ولو أقرع" بينهن لاشتراكهن في السفر.
"فرع" لو "سافر بها لحاجة بقرعة" ثم نوى الإقامة "وحين نوى الإقامة كتب يستدعي بالمخلفات" بزيادة الباء أي يستحضرهن "فهل يقضي المدة من وقت كتابته" أو لا يقضيها "وجهان" قال البلقيني الأصح بل الصواب نعم (٢) "أو" سافر بها لحاجة "بلا قرعة قضى للباقيات" جميع المدة "ولو لم يبت معها ما لم يخلفها في بلد" فإن خلفها في بلد لم يقض لهن (٣) نقله الأصل عن فتاوى البغوي ثم نقل عنها أنه يحتمل أنه لا يقضي إلا ما بات عندها ويحتمل أنه يقضي وإن خلفها في بلد قال البلقيني والاحتمال الثاني أصح (٤).
"فصل" لو "سافر بزوجتين بقرعة فظلم إحداهما قضاها" حقها "في السفر فإن لم ينفق" ذلك "ففي الحضر" يقضيها "من نوبة صاحبتها" التي ظلمت بها "فإن كانت إحداهما بلا قرعة" والأخرى بقرعة "عدل بينهما وإنما تختص ذات القرعة بمدة السفر إذا انفردت" عن غيرها من الزوجات "ويقضي من نوبة صاحبتها لمن تخلف إذا رجع" من سفره "لا زمان الزفاف إن كانت جديدة" فلا يقضيه لاختصاصها به "وله تخليف إحداهما في بلد بالقرعة (٥) وإن نكح في طريقه" جديدة "وهو وحده أو معه إحداهن فلا قضاء للمتخلفات ما لم يقم فوق مدة الترخص بالسفر" فإن أقام ذلك فيه قضى لهن جميع مدة الإقامة إن نواها وإلا قضى ما زاد على مدة المسافر.
"فرع حق الزفاف" من ثلاث أو سبع "يندرج" في أيام السفر "إذا سافر بمزفوفة" لحصول المقصود من زوال الحشمة "بخلاف حق المظلومة فإنه لا
стр. 3798
يندرج في" أيام "السفر (١) إلا إذا كان" السفر بها "بغير قرعة" التصريح بهذا من زيادته على الروضة فلو نكح جديدتين وسافر بإحداهما بقرعة اندرج حق زفافها في أيام السفر فإذا عاد وفى حق الأخرى كما سيأتي لأنه حق ثبت قبل السفر فلا يسقط به كما لو قسم لبعضهن وسافر فإنه يقضي بعد الرجوع لمن لم يقسم لها وفارق حق المظلومة إذا سافر بها بقرعة حيث لا يندرج في السفر بأن محله نوبة الضرائر وأيام السفر حق لها خاصة بخلاف حق الزفاف فإنه ليس عليهن وإنما وجب لتحصيل الأنس وإذهاب الحشمة وذلك يحصل بالصحبة في السفر "ولو نكح جديدتين وزفتا" إليه "معا أو مرتبا وسافر بإحداهما بالقرعة اندرج حق زفافها" في أيام السفر كما مر أيضا "ولو رجع" من سفره "قضى حق زفاف المتخلفة فلو رجع" من سفره "بعد يومين قضى للمتخلفة" حق زفافها "بعد تتميم حق" زفاف "القادمة" من السفر.
"ولو سافر ذو زوجات وإماء" أو زوجة وأمة "بأمة بلا قرعة جاز" كما هو قياس أصل القسم "وإن سافر بإحدى زوجاته الثلاث بقرعة ثم نكح جديدة في السفر فمنعها حق الزفاف" ظلما "وأقام سبعا عند القديمة ثم رجع" من سفره قبل أن يقضي الجديدة حق زفافها "قضاها حق الزفاف ثم قضاها السبع من نوبة المسافرة فيدور عليها وعلى المتخلفتين ويكون لها نوبتان حتى تستوفي" بأن يبيت عندها ليلتين وعند كل من المتخلفتين ليلة وهكذا حتى يتم السبع "ولو لم يسافر بأحد" أي بواحدة منهن "ومنع الجديدة" حق الزفاف "وبات عند قديمة" من الثلاث "عشرا ظلما وفى الجديدة زفافها ودار عليها وعلى المظلومتين حتى يتم لكل" منهن "عشرا".
стр. 3799
"الباب الثاني في الشقاق" بين الزوجين
"وهو قد يكون بسبب منها و" قد "يكون بسبب منه و" قد "يكون" بسبب منهما. "فإن كان" بسبب "منها نظرت فإن ظهرت أمارات نشوزها كالعبوس" بعد طلاقة الوجه "والكلام الخشن" بعد لينه "وعظها" ندبا
стр. 3800
لآية ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤] كأن يقول لها اتق الله في الحق الواجب لي عليك واحذري العقوبة ويبين لها أن النشوز يسقط النفقة والقسم فقد تتأدب بذلك ويستحب أن يذكر لها ما في الصحيحين من خبر "إذا باتت المرأة هاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح" (١) وما في الترمذي من خبر "أيما امرأة باتت وزوجها راض عنها دخلت الجنة" (٢).
"ولا يهجرها" في فراشها (٣) ولا يضربها فلعلها تبدي عذرا أو تتوب عما جرى منها بلا عذر "فإن نشزت" ولم يتكرر منها النشوز "هجرها في الفراش" مع وعظها لظاهر الآية لأن في الهجر أثرا ظاهرا في تأديب النساء "لا" في "الكلام" أي لا يندب هجرها فيه بل يكره كما اقتضاه كلام الإمام وغيره. "ويحرم الهجر به" للزوجة وغيرها "فوق ثلاث" (٤) من الأيام للخبر الصحيح "لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام" "إلا لمبتدع أو فاسق" أو نحوه وإن لم يتجاهر بما اتصف به "أو رجا بالهجر صلاح دين" للهاجر (٥) أو للمهجور فلا يحرم وعليه يحمل هجره ﷺ كعب بن مالك وصاحبيه مرارة بن الربيع وهلال بن أمية ونهيه الصحابة عن كلامهم وكذا ما جاء من هجر السلف بعضهم بعضا وحمل الأذرعي تبعا لبعضهم التحريم على ما إذا قصد بهجرها ردها لحظ نفسه فإن قصد به ردها عن المعصية وإصلاح دينها فلا تحريم قال ولعل هذا مرادهم (٦) إذ النشوز حينئذ عذر شرعي
стр. 3801
وذكر نحوه الزركشي ثم قال ولا حجة للنووي في الحديث على مدعاه لأنه ورد في الهجر بغير تعد ولا شك أن التعدي والنشوز مما يسلط على الضرب والسكوت أهون منه (١) "فإن تكرر منها النشوز (٢) وكذا إن لم يتكرر ضربها" لظاهر الآية فتقديرها ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ (٣) فَعِظُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤] فإن نشزن فاهجروهن في المضاجع واضربوهن وإنما يضربها "إن أفاد" ضربها في ظنه وإلا فلا يضربها وهذا من زيادته. وصرح به الإمام وغيره يغني عنه قوله "وهو ضرب التعزير" فينبغي أن لا يكون مدميا ولا مبرحا (٤) "وسنذكره ببابه والأولى له العفو" عن الضرب وخبر النهي عن ضرب النساء محمول على ذلك أو على الضرب بغير سبب يقتضيه لا على النسخ إذ لا يصار إليه إلا إذا تعذر الجمع وعلمنا التاريخ "بخلاف ولي الصبي" فالأولى له عدم العفو لأن ضربه للتأديب مصلحة له وضرب الزوج زوجته مصلحة لنفسه.
"فرع والنشوز نحو الخروج من المنزل" إلى غيره بغير إذن الزوج "لا إلى القاضي لطلب الحق منه" وهذا من زيادته وذكره الإسنوي ولا إلى اكتسابها النفقة إذا أعسر بها الزوج كما سيأتي في بابها قال ابن العماد (٥) ولا إلى
стр. 3802
الاستفتاء (١) إن لم يكن زوجها فقيها ولم يستفت لها "وكمنع الاستمتاع" اي منعها الزوج من الاستمتاع "ولو غير الجماع لا" منعها له منه "تدللا ولا الشتم" له "ولا الإيذاء" له "باللسان" أو غيره "بل تأثم به" وتستحق التأديب عليه. "ويتولى تأديبها" بنفسه "على ذلك" ولا يرفعها إلى القاضي ليؤدبها لأن فيه مشقة وعارا وتنكيدا للاستمتاع فيما بعد وتوحيشا للقلوب بخلاف ما لو شتمت أجنبيا قال الزركشي (٢) وينبغي تخصيص ذلك بما إذا لم يكن بينهما عداوة وإلا فيتعين الرفع إلى القاضي وللزوج منع زوجته من عيادة أبويها ومن شهود جنازتهما وجنازة ولدها والأولى خلافه.
"وإن كان السبب منه بأن منعها حقا لها" كقسم ونفقة "ألزمه الحاكم إياه" لعجزها عنه بخلاف نشوزها فإن له إجبارها على إيفاء حقه لقدرته "ويزجره" الحاكم عبارة الأصل وينهاه "إن أذاها وضربها بلا سبب ثم يعزره" إن عاد وطلبت التعزير ومفهوم كلامه كأصله أنه لا يعزره في المرة الأولى مع أن الإيذاء بلا سبب معصية وكأنه لأجل ضرورة العشرة (٣) فقد ينتهي بالنهي فلا معنى للإيحاش ذكره الزركشي (٤) "ويسكنهما" الحاكم "عند من يمنعه" أي الزوج "من التعدي" عليها عبارة الأصل بجنب ثقة قال فيه وذكروا أنه لو كان التعدي منهما جميعا فكذلك يفعل الحاكم ولم يتعرضوا للحيلولة. وقال الغزالي يحال بينهما (٥) حتى يعود إلى العدل قال ولا يعتمد قوله في العدل وإنما يعتمد قولها وشهادة القرائن انتهى وفصل الإمام (٦) فقال إن ظن الحاكم تعديه ولم يثبت عنده لم يحل بينهما وإن
стр. 3803
تحققه أو ثبت عنده وخاف أن يضربها ضربا مبرحا لكونه جسورا أحال بينهما حتى يظن أنه عدل إذ لو لم يحل بينهما واقتصر على التعزير لربما بلغ منها مبلغا لا يستدرك انتهى فمن لم يذكر الحيلولة (١) أراد الحال الأول ومن ذكرها كالغزالي والحاوي الصغير والنووي في تنقيحه أراد الثاني والظاهر أن الحيلولة بعد التعزير والإسكان.
"فإن كان لا يتعدى عليها لكنه يكرهها" أي يكره صحبتها "لكبر أو مرض" أو نحوه "ويعرض عنها" كأن لا يدعوها إلى فراشه أو يهم بطلاقها "فلا شيء عليه ويستحب" لها "أن تستعطفه بما يحب" كأن تسترضيه بترك بعض حقها من قسم أو نفقة لخبر الصحيحين "أن سودة لما كبرت جعلت نوبتها لعائشة فكان ﷺ يقسم لها يومها ويوم سودة" (٢) "وكذا عكسه" أي يستحب له إذا كرهت صحبته أن يستعطفها بما تحب "فإن ادعى كل" منهما "تعدي صاحبه" عليه وأشكل الحال على الحاكم "سأل ثقة خبيرا بهما فإن عدم أسكنهما إلى جنب ثقة" يتعرف حالهما ثم "ينهي إليه" ما تعرفه "فيزجر" عبارة الأصل فيمنع "الظالم" عن ظلمه واكتفى هنا بثقة واحد (٣) تنزيلا لذلك منزلة الرواية لما في إقامة البينة عليه من العسر.
"فإن اشتد الشقاق وفحش وجب" على الحاكم "أن يبعث حكما (٤) لها وحكما له برضاهما ليصلحا" بينهما إن تيسر الإصلاح "أو يفرقا" بينهما "بطلقة" فقط "إن عسر الإصلاح" للآية واعتبر رضاهما لأن الحكمين وكيلان كما قال. "وهما وكيلان لهما" فليسا بحاكمين من جهة الحاكم لأن الحال قد يؤدي إلى الفراق والبضع حق الزوج والمال حق الزوجة وهما رشيدان (٥) فلا يولي عليهما في
стр. 3804
حقهما (١) "فيشترط توكيل الزوجين لهما فيما يفعلان" فيوكل الزوج "هذا" أي حكمه "في التطليق والخلع و" توكل الزوجة "هذا" أي حكمها "في البذل" للعوض "والقبول" للطلاق به والواو في كلامه في الموضعين بمعنى أو "فإن لم يرضيا ببعثهما" ولم يتفقا على شيء "أدب الحاكم الظالم واستوفى للمظلوم" حقه "ولا يكفي حكم واحد" لظاهر الآية ولأن كلا من الزوجين يتهمه ولا يفشي إليه سره "وشرطهما الإسلام والحرية والعدالة" المتضمنة للتكليف "والاهتداء إلى المقصود" بما بعثا له لا الاجتهاد وإنما اشترط فيهما ذلك مع أنهما وكيلان لتعلق وكالتهما بنظر الحاكم كما في أمينه.
"فإن أصلحا" بينهما "بترك حق" كقسم ونفقة وعدم تسر أو نكاح عليها "لم يلزم" تركه "ويستحب كونهما من أهلهما" للآية ولأن الأهل أشفق وأقرب إلى رعاية الإصلاح وأعرف ببواطن الأحوال ولأن القريب يفشي سره إلى قريبه من غير حشمة بخلاف الأجنبي فإن بعث أجنبيين فخلاف الأولى قال الماوردي ولا يجوز بعث عدوين (٢).
"و" يستحب كونهما "ذكرين" خروجا من الخلاف والتصريح بالاستحباب في هذا من زيادته "فإن ذهب القاضي" إليهما "وهو أهل أحدهما جاز" وإن اتهمه الآخر وكذا إن كان من أهلهما أو ليس بأهل لواحد منهما كما فهم بالأولى "ويخلو كل حكم" منهما "بصاحبه" أي بموكله "ويفهم مراده ولا يخفي حكم عن حكم شيئا" إذا اجتمعا "ويعملان بالمصلحة فإن اختلفا" رأيا "بعث" اثنين "غيرهما" حتى يجتمعا على شيء.
"فإن أغمي على أحد الزوجين" أو جن "ولو بعد استعلام الحكمين رأيه لم ينفذ حكمهما" أي أمرهما لأن الوكيل ينعزل بالإغماء والجنون وإن أغمي على أحدهما أو جن قبل البعث لم يجز بعث الحكمين "وإن غاب" أحدهما
стр. 3805
بعد بعث الحكمين "نفذ" أمرهما كما في سائر الوكلاء وظاهر أنه يعتبر رشد الزوجة ليتأتى بذلها العوض لا رشد الزوج لما مر أنه يجوز خلع السفيه فيصح توكيله فيه.
"فرع لو قال" الزوج لوكيله "خذ مالي منها ثم طلقها" أو خالعها أو إذا أخذت مالي منها فطلقها أو خالعها "أو طلقها" أو خالعها "على أن تأخذ مالي" منها "اشترط تقديم الأخذ" للمال على الطلاق أو الخلع وكذا لو قال خذ مالي منها وطلقها كما نقله الأصل عن تصحيح البغوي وأقره لأن الوكيل يلزمه الاحتياط (١) فاشترط ذلك وإن لم تكن الواو للترتيب وكان المصنف حذفه لتوهمه كالإسنوي أن البغوي فرع ذلك على القول بأن الواو للترتيب "أو" قال له "طلقها" أو خالعها "ثم خذ مالي" منها "جاز تقديم الأخذ" للمال على ما ذكر لأنه زيادة خير وكالتوكيل من جانب الزوج فيما ذكر التوكيل من جانبها كأن قالت خذ مالي منه ثم اخلعني ذكره الأذرعي (٢).
стр. 3806
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
"كتاب الخلع"
بضم الخاء من الخلع بفتحها وهو النزع سمي به لأن كلا من الزوجين لباس الآخر قال تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] فكأنه بمفارقة الآخر نزع لباسه وسيأتي معناه في الشرع.
والأصل فيه قبل الإجماع قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٨٧] الآية وقوله: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً﴾ [النساء: ٤] الآية، وخبر البخاري عن ابن عباس ﵁ أتت امرأة ثابت بن قيس النبي ﷺ فقالت يا رسول الله ثابت بن قيس ما أعتب وفي رواية ما أنقم عليه في خلق ولا دين ولكني أكره الكفر في الإسلام أي كفران النعمة فقال: "أتردين عليه حديقته" قالت نعم قال: "اقبل الحديقة وطلقها تطليقة". وفي رواية فردتها وأمره بفراقها (١) وهو أول خلع وقع في الإسلام.
والمعنى فيه أنه لما جاز أن يملك الزوج الانتفاع بالبضع بعوض جاز أن يزيل ذلك الملك بعوض كالشراء والبيع فالنكاح كالشراء والخلع كالبيع وأيضا فيه دفع الضرر عن المرأة غالبا.
"هو" في الشرع "فرقة بعوض" مقصود "راجع إلى الزوج" أو سيده عدل عن قول أصله يأخذه الزوج إلى ما قاله ليشمل ما لو خالعها على ما ثبت لها عليه من قصاص أو غيره وزدت مقصود ليخرج الخلع بدم أو نحوه فإنه رجعي ولا مال (٢) "وهو جائز على الصداق وغيره" ولو كان أكثر منه لكن تكره الزيادة عليه قاله في الإحياء ويصح في حالتي الشقاق والوفاق وذكر الخوف في الآية جرى على الغالب (٣).
стр. 3807
"ولا يكره عند الشقاق (١) أو" عند "كراهيتها له" لسوء خلقه أو دينه أو غيره "أو" عند خوف "تقصير" منها "في حقه" أو عند حلفه بالطلاق الثلاث (٢) من مدخول بها على فعل ما لا بد له من فعله وذلك للحاجة إليه وللخبر السابق في خوف التقصير قال في الأصل وألحق الشيخ أبو حامد بذلك ما لو منعها نفقة أو غيرها فافتدت لتتخلص منه انتهى فإن منعها ذلك لتخالعه فالخلع باطل لأنه حينئذ إكراه لها (٣) ويقع الطلاق رجعيا نقله في الشامل والبحر وغيرهما عن الشيخ أبي حامد أيضا وما قيل إن الأول أيضا باطل لأنه بمنع الحق صار مكرها لها بعيد "فإن كرهها لا لزناها فأساء عشرتها" بمنع حقها "حتى اختلعت كره" الخلع وإن كان نافذا "وأثم بفعله" ويكره أيضا في غير الصور السابقة وإن كرهها لزناها أي أو نحوه من المحرمات فأساء عشرتها حتى اختلعت لم يكره وإن أثم بفعله (٤) وعليه حمل قوله تعالى: ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾.
"وإن أكرهها" بالضرب ونحوه "على الخلع" أي اختلاعها فاختلعت "لم يصح" للإكراه "ووقع" الطلاق "رجعيا إن لم يسم المال" ولا يشكل بأن مطلق الخلع يقتضي المال فيقع بائنا لأنه إنما يقتضيه إذا وجد طرفا العقد والمرأة هنا لم تقبل قبولا معتبرا "وإن سماه أو قال طلقتك بكذا وضربها لتقبل" فقبلت "لم يقع" طلاق لأنها لم تقبل مختارة "ولو ادعت أنه أكرهها على الخلع وأقامت" به بينة "وادعى الخلع" أي اعترف به دون الإكراه "رد المال" إليها "وبانت" منه بقوله فإن لم يعترف به بل أنكر المال أو سكت وقع الطلاق رجعيا.
стр. 3808
"وفيه خمسة أبواب"
"الأول: في حقيقته"
أي الخلع أي مدلوله "وهو بلفظ الطلاق" صريحا كان أو كناية "طلاق (١) وكذا بلفظ الخلع" ونحوه كالفداء لورود لفظ القرآن به في الفداء قال تعالى ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] وقيس بالفداء الخلع فينقص بهما عدد الطلاق (٢) كلفظ الطلاق "لا فسخ" لأنه لو كان فسخا لما جاز على غير الصداق لأن الفسخ يوجب استرجاع البدل وإذا كان طلاقا.
"فيصح بخالعت نصفك أو يدك" أو نحوهما بكذا "أو خالعتك شهرا" بكذا في لفظ الطلاق "ولفظ الخلع وكذا المفاداة صريح في الطلاق" لشيوعهما في العرف والاستعمال للطلاق فالتحقا بالمتكرر في القرآن مع أن لفظ المفاداة وردت فيه كما مر وقيل ليس ذلك بصريح والترجيح من زيادته وجرى عليه المنهاج كأصله فالراجح أنه صريح "إن ذكر المال" لأن ذكره يشعر بالبينونة "وكذا إذا لم يذكره" (٣) كأن قال خالعتك أو فاديتك أو افتديتك فقبلت لأن قبولها يشعر بذلك وهذا مقتضى كلام المنهاج كأصله وغيره وبه صرح البغوي والنسائي وصاحب الأنوار والإسنوي والبلقيني قال البلقيني وهي طريقة الأكثرين خلافا لما وقع
стр. 3809
في الروضة من تصحيح إنه كناية (١) ومن هنا عدل المصنف عما في الروضة إلى ما قاله (٢). وزعم الأذرعي أنه كناية بمال وبدونه وإن أكثر نصوص الشافعي عليه "ويلزمها به" أي بالخلع بلا مال "مع القبول" منها بعد إضماره التماس جوابها "مهر المثل" لاطراد العرف بجريان الخلع بعوض فيرجع عند الإطلاق إلى مهر المثل لأنه المرد كالخلع بمجهول ولأنه لو خالع بخمر أو نحوه وجب مهر المثل فكذا عند الإطلاق كالنكاح ومحله إذا كان الخلع مع الزوجة فإن كان مع أجنبي فلا يجب مهر بل تطلق مجانا وكذا لو خالع معه بخمر أو مغصوب أو حر أو ميتة كما سيأتي في الاختلاع معه ولو نفى العوض فقال خالعتك بلا عوض وقع رجعيا وإن قبلت وأضمر التماس جوابها وكذا لو أطلق فقال خالعتك ولم يضمر التماس جوابها وإن أجابته لكن الظاهر أن محل هذا إذا نوى به الطلاق فمحل صراحته إذا قبلت وأضمر التماس جوابها (٣) "ولو طلقها على صداقها" (٤) أو على بقيته "وقد برئ
стр. 3810
منه وجب مهر المثل" كما لو تخالعا من غير ذكر مال واستشكل ذلك بوقوعه رجعيا في الخلع بدم. وقد يجاب بأن الدم لا يقصد كما سيأتي فذكره صارف للفظ عن العوض بخلاف خلعها على ما ذكر أو على ما في كفها ولو مع علمه بأنه لا شيء فيه كما سيأتي إذ غايته أنه كالسكوت عن ذكر العوض وهو لا يمنع البينونة ووجوب المهر.
стр. 3811
"فصل يصح الخلع بكنايات الطلاق مع النية وبالعجمية"
كالعربية "والهزل" كالطلاق هزلا "و" لفظ "بعتك نفسك وأقلتك إياها بكذا مع القبول فورا كناية" بخلاف ما إذا لم يذكر أو لم يكن القبول فورا "وكذا" قول الزوج "بعتك طلاقك بكذا أو" قول الزوجة "بعتك ثوبي" مثلا "بطلاقي" فإن كلا منهما كناية "بشرط النية منهما" كبعتك نفسك إلا أن يجيب القابل بقبلت فلا تشترط نيته (١).
"فرع إذا قالت طلقني على كذا فقال خالعتك عليه أو عكسا" فقالت خالعني على كذا فقال طلقتك عليه "نفذ" ولا يضر اختلاف اللفظ كما لو قالت طلقني على كذا فقال سرحتك عليه "وإن وكله" أي الزوج شخصا "في الطلاق فطلق بعوض" بلفظ الطلاق أو بلفظ الخلع "لم ينفذ فيمن تتصور رجعته" (٢) بأن يكون دخل بها وبقي له أكثر من طلقة لأنه يمنعه الرجعة بخلافه فيمن لا تتصور رجعته فينفذ في الصورتين (٣)، والذي في الأصل في الأولى (٤) عن البوشنجي ففي نفوذه احتمالان لأنه حصل غرضه مع فائدة لكنه غير مفهوم من التوكيل المطلق فالترجيح فيها أخذا من الثانية من زيادة المصنف وصورة ذلك كما يومئ إليه كلامهم أن لا يخالف الوكيل الزوج في العدد فإن خالفه فيه فسيأتي حكمه عن القفال في الباب الثاني فاستدراك المهمات على ذلك بكلام القفال وإن كلام القفال هو المعتمد ليس بجيد فإن أراد بكلام القفال مقتضاه على ما فهمه الرافعي ثم فسيأتي بيان أن ذلك ليس مقتضاه.
стр. 3812
فصل الخلع قسمان
الأول أن يبدأ" الزوج "بطلاقها على عوض" فهو عقد معاوضة لأخذه مقابل ملكه وفيها شوب تعليق لترتب الطلاق على قبول المال أو بدله كما يترتب المعلق بصفة عليها ثم قد يغلب معنى أحدهما وقد يراعى كل منهما بحسب ما تقتضيه الصيغ فإن أتى بصيغة معاوضة "كطلقتك بألف فتغلب فيه المعاوضة فله الرجوع قبل القبول" منها كما هو شأن المعاوضات.
"ويشترط قبول" منها ولو بكناية "مطابق" لإيجابه "فورا" أي في مجلس التواجب كسائر العقود فلو تخلل زمن أو كلام طويل لم ينفذ وسيأتي "نعم لو قال طلقتك ثلاثا بألف فقبلت واحدة بألف وقع الثلاث بالألف" كما لو سألته طلقة بألف فطلقها ثلاثا ولأن الزوج يستقل بالطلاق وعدده والزوجة إنما يعتبر قولها بسبب المال وقد وافقته في قدره بخلاف نظيره من البيع فإنه محض معاوضة.
"فإن قبلت واحدة بثلث الألف أو الثلاث بألفين" أو بخمسمائة "لم يصح" لعدم الموافقة كما في سائر العقود ويفارق ما لو قال إن أعطيتني ألفا فأنت طالق فأتته بألفين حيث يقع الطلاق بأن القبول جواب الإيجاب فإذا خالفه في المعنى لم يكن جوابا والإعطاء ليس جوابا وإنما هو فعل فإذا أتت بألفين فقد أتت بألف فلا اعتبار بالزيادة قاله الإمام "وإن أتى بصيغة تعليق غلب التعليق فلا رجوع له" قبل وجود الصفة ولا يحتاج إلى قبول ولا يشترط إيجاد الصفة في مجلس التواجب (١) كسائر التعاليق على تفصيل في الأخير بينه بقوله: "فإن اقتضى" أي لفظ التعليق "التراخي" بأن لم يقتض فورا "كمتى (٢) أعطيتني ألفا ومتى ما وأي حين" أعطيتني ألفا "لم يشترط القبول ولا الإعطاء فورا" (٣) ومحل اقتضاء ذلك
стр. 3813
للتراخي في الإثبات أما في النفي فللفور فلو قال متى لم تعطني ألفا فأنت طالق فمضى زمن يمكن فيه الإعطاء ولم تعط طلقت.
"وإن كان" التعليق "بلفظ إن أو إذا" أو نحوهما مما لا يقتضي التراخي "فكذلك" أي فلا يشترط ما ذكر "إلا أنه يشترط الإعطاء فورا" (١) لأنه قضية العوض في المعاوضة وإنما تركت هذه القضية في متى ونحوها لصراحتها في جواز التأخير مع كون المغلب في ذلك من جهة الزوج معنى التعليق فلا يشكل بما يأتي من أنها لو قالت له متى طلقتني فلك علي ألف حيث يعتبر الفور لأن المغلب فيه من جانبها معنى المعاوضة كما سيأتي "إلا إن كانت" زوجته "أمة (٢) والمشروط غير خمر" فلا يشترط الإعطاء فورا "لأنها لا تقدر على الإعطاء إلا من كسبها" وهو متعذر في المجلس غالبا "وإن كان" المشروط "خمرا اشترط" الإعطاء فورا وإن لم تملك الخمر "لأن يدها ويد الحرة عليه سواء" وقد تشتمل يدها عليه "وإن أعطته الألف من كسبها طلقت بائنا" لوجود الصفة "ورد" الزوج وجوبا "المال للسيد وتعلق مهر المثل بذمتها" فتطالب به إذا عتقت.
وقوله إلا إن كانت أمة إلى آخره نقله الأصل عن المتولي وأقره (٣)، والذي
стр. 3814
رأيته في تتمته ونقل عنه أن الأمة ليست كالحرة في صورة الخمر أيضا فارقا بأن الحرة قد يكون في يدها خمر والأمة لا يد لها ولا ملك أي فغلب جانب التعليق وعلى هذا فلا يتقيد إعطاء الألف (١) بالإعطاء من كسبها وقد قال ابن الرفعة لا فرق بين كسبها وغيره إذا كان من مال السيد وقال الزركشي (٢): الظاهر أن ذكر كسبها مثال وما قاله حسن فلا فرق بين كسبها وغيره وإن لم يكن من مال السيد وإنما قيد ابن الرفعة بمال السيد لقول المتولي يلزم الزوج رد المال للسيد وسواء أكان ما أعطيته مغصوبا أم لا كما صرح به البغوي في تعليله حيث قال إذا أعطته الزوجة ألفا مغصوبة لم يقع الطلاق إلا أن تكون أمة فأعطته ألفا مغصوبة أو مملوكة للسيد فيقع الطلاق لأنها لا يتصور لها الملك نقله عنه الأذرعي. قال لكن نقل عنه الرافعي في الباب الثالث أنه لو قال لزوجته الأمة إن أعطيتني ثوبا (٣) فأنت طالق لم تطلق لأنها لا تملكه قال أعني الأذرعي وصورة الثوب ذكرها في تهذيبه ولم أرها في تعليقه ولا صورة الألف في تهذيبه ولعل بينهما فرقا (٤) فلا تعارض لكن التعليل يفهم التعارض وبتقدير التعارض فالأوجه ما قررته أولا من أنه لا يشترط في إعطائها الفور بل متى وجد منها الإعطاء طلقت ولزمها مهر المثل وقول البلقيني لا فرق عندي بين الحرة والأمة كما لو قال ذلك لحرة معسرة فيه نظر.
"القسم الثاني أن تبدأ هي فتسأل الطلاق بعوض كطلقني بألف (٥) أو متى طلقتني فلك ألف" ويجيبها "سواء علقت" كما في الصورة الثانية "أو نجزت" كما في الأولى وهذا لا حاجة إليه "فهو معاوضة" لملكها البضع بالعوض "فيها شوب جعالة" لأن مقابل ما بذلته (٦) وهو الطلاق يستقل به الزوج كالعامل في الجعالة،
стр. 3815
"ولها الرجوع قبل الجواب" لأن ذلك حكم المعاوضات والجعالات وكأن مقتضى كونه معاوضة من جانبها أن لا يحتمل فيه صيغة التعليق لكنها احتملت لما فيها من شائبة الجعالة (١) المحتملة لها حيث يقال: إن رددت عبدي فلك كذا.
"ويشترط الطلاق" بعد سؤالها "فورا" (٢) وإن علقت بمتى لأن المغلب من جانبها المعاوضة كما مر "وإلا" أي وإن لم يطلقها فورا "كان" تطليقه لها "ابتداء" للطلاق لأنه قادر عليه والظاهر أنه لو ادعى إنه جواب وكان جاهلا لقرب عهده بالإسلام أو نشئه ببادية بعيدة عن العلماء صدق بيمينه (٣) "فلو قالت: طلقني ثلاثا بألف" وهو يملك عليها أكثر من طلقة بقرينة ما يأتي في الطرف الثاني من الباب الرابع مع أن المسألة مذكورة ثم أيضا "فطلقها واحدة" (٤) بثلاثة أو أطلق وقعت الواحدة و "استحق ثلث الألف كنظيره في الجعالة" كأن قال رد عبدي بألف فرد أحدهما.
"فرع" لو "قال" لزوجتيه "طلقتكما" أو خالعتكما أو نحوهما "بألف فقبلت إحداهما" فقط "أو" قال "طلقت إحداكما بألف وأبهم فقبلتا معا لم يقع شيء" لعدم موافقة القبول الإيجاب وشبهت الأولى بما لو قال بعتكما هذا بألف فقبل أحدهما والثانية بما لو قال بعت أحدكما هذا بألف فقبلا معا وما ذكر فيها هو ما ذكره البغوي في تهذيبه وغيره وكلام الماوردي قد يقتضي وقوع الطلاق بمهر المثل على من يعينها وجزم به ابن الرفعة تفقها وهو الموافق لما نقله البغوي وجزم به المصنف كأصله في العتق من أنه لو قال لأمتيه إحداكما حرة بألف فقبلتا عتقت
стр. 3816
واحدة بقيمتها وأمر بالتعيين ولما نقل البغوي في فتاويه مسألة العتق قال ولعل قائله يقول في الطلاق كذلك لا قياس ما قلت وبالجملة فالأوجه معنى وقوع الطلاق والعتق والمنقول وقوع العتق دون الطلاق ويفرق بأن الشارع متشوف للعتق ومنفر عن الطلاق وفرق البلقيني بأن ذاك ليس بمعاوضة (١) بخلاف الخلع فيه نظر "أو" قال "طلقتك وضرتك بألف فقبلت طلقتا ولزمها الألف" لأن الخطاب هنا معها وحدها وهي مختلعة لنفسها وقابلة لضرتها كالأجنبي بخلافه في الصورة الأولى. "وإن قالتا" له "طلقنا بألف ولم يقولا مناصفة فطلقهما أو إحداهما" طلقتا في الأولى وإحداهما في الثانية كما لو قال اثنان رد عبدينا بكذا فردهما أو أحدهما فقط "فعلى المطلقة" فيهما "مهر المثل" لا نصف الألف للجهل بما يلزمها منه بخلاف ما لو قال لاثنين بعتكما عبدي بألف فقبلا به فإنه يصح ويلزم كلا منهما خمسمائة لعدم اختلاف العبد بخلاف البضعين أما إذا قالتا مناصفة فعلى المطلقة نصف الألف "وإن قالت" له "طلقني بألف فطلقها بخمسمائة بانت بخمسمائة" كما لو قال رد عبدي بألف فرده بخمسمائة ولأن له أن يطلقها بغير شيء.
стр. 3817
"الباب الثاني في أركان الخلع"
"وهي خمسة": الزوج والمختلع والعوض والمعوض والصيغة "الأول الزوج وشرطه التكليف فيصح من السفيه بما قل وكثر" وإن لم يأذن له الولي لأن طلاقه مجانا نافذ "و" لكنها إنما "تسلم المال للولي" نالا له كسائر أمواله نعم لو قيد بالدفع إليه كأن قال إن دفعت إلي كذا فأنت طالق كان لها أن تدفعه إليه (١) لا إلى الولي لأنه في غير هذا ملكه قبل الدفع وفي هذا إنما يملكه بالدفع (٢) إليه وعلى وليه المبادرة إلى أخذه منه فإن لم يأخذه منه حتى تلف فلا غرم فيه على الزوجة نقله الأذرعي عن الماوردي (٣) "فإن سلمته للسفيه بغير إذن الولي وهو
стр. 3818
دين لم تبرأ" لأنه لم يجر قبض صحيح وتسترده منه فإن تلف في يده فلا ضمان لأنها ضيعت ما لها بتسليمه إلى السفيه كمن باعه شيئا وسلمه إليه وتلف عنده قال الزركشي وقضية ما ذكر أنها لا تبرأ بتسليم العوض إليه مطلقا واستثنى الحاوي (١) والشامل والبحر ما لو بادر الولي فأخذه منه فتبرأ حينئذ. وذكر نحوه الأذرعي قال ولعل وجهه أن المال (٢) وإن كان باقيا على ملكها لفساد القبض فهي بدفعه إليه أذنت في قبضه عما عليها فإذا قبضه الولي من السفيه له اعتد به "أو" سلمته له كذلك وهو "عين وعلم الولي" بالحال "أخذها منه فإن تركها" في يده "حتى تلفت" بعد علمه "فهل يضمن" له تنزيلا لعلمه بذلك منزلة إذنه له في القبض أو لا لتقصير المرأة "وجهان" أوجههما الأول (٣) "وإن لم يعلم الولي فتلفت" في يد السفيه "فهي مفرطة" من زيادته "فتضمن" له "مهر المثل لا قيمتها" أي العين أما إذا سلمته له بإذن الولي قال في الأصل ففي الاعتداد بقبضه وجهان عن الداركي ورجح الحناطي الاعتداد به (٤) انتهى. وعبارة الأذرعي قال في البحر والتلخيص قال الداركي فيه وجهان أحدهما يبرأ كما لو أمرها بالدفع إلى أجنبي وهو ظاهر المذهب والثاني لا يبرأ لأن المحجور عليه ليس من أهل القبض فلا يفيد الإذن شيئا. ثم قال وظاهر سياقه أن الترجيح للداركي وقد يؤخذ ما رجحه من كلام الأم وكذا قال السبكي إن ذلك مقتضى نص الشافعي وأما الدارمي فجزم بأن الدفع بالإذن كهو بلا إذن.
"فرع خلع العبد ولو مدبرا بلا إذن" من سيده وبدون مهر المثل "جائز" ويدخل العوض في ملك السيد قهرا كإكسابه "والتسليم إليه كالسفيه" (٥) أي
стр. 3819
كالتسليم إليه فيما مر "لكن المختلع يطالبه بعد العتق بما تلف تحت يده" بخلاف ما تلف في يد السفيه لا يطالب به لا في الحال ولا بعد الرشد لأن الحجر على العبد لحق السيد فيقتضي نفي الضمان ما بقي حق السيد والحجر على السفيه لحق نفسه بسبب نقصانه وذلك يقتضي نفي الضمان حالا مآلا وظاهر أنها لو سلمت العين (١) للعبد وعلم به السيد وتركها حتى تلفت لم يضمنها لأن الإنسان لا يضمن لنفسه. "والمبعض إن خالع وبينهما" أي بينه وبين سيده "مهايأة فالعوض من الأكساب النادرة" فتدخل في النوبة كالغالبة على الأصح فلو خالعها في نوبة نفسه قبض جميع العوض أو في نوبة سيده لم يقبض شيئا وإن لم يكن بينهما مهايأة قبض ما يخص حريته "والمكاتب يقبض لنفسه" العوض لصحة يده واستقلاله كما في البيع وغيره.
"الركن الثاني المختلع" من زوجة أو أجنبي "فيشترط" فيه "نفوذ تصرفه" في المال (٢) لأنه المقصود في الخلع ولأنه تبرع وخرج به من به حجر "وللحجر أسباب الأول الرق فإن اختلعت" رقيقة نفسها بدين أو عين "بلا إذن" من سيدها "صح" (٣) الخلع يعني وقع الطلاق بائنا لوقوعه بعوض وإن كان فاسدا كالخلع بخمر ومغصوب "وتعلق العوض بذمتها" (٤) فتطالب به بعد العتق لا في الحال محافظة على حق السيد وصحة الخلع إنما تأتي في صورة الدين (٥) لا في صورة العين ما ذكره بعد ففي تعبيره بها تغليب والأصل إنما عبر بالبينونة فسلم من ذلك.
"فإن كان" العوض "عينا فمهر المثل" (٦) هو الواجب لأنه المرد عند
стр. 3820
الفساد "أو دينا فالمسمى" (١) هذا ما رجحه في أصلي الروضة والمنهاج (٢) ونقله الرافعي عن العراقيين لكنه رجح في المحرر والشرح الصغير وجوب مهر المثل وكلامه في الكبير يميل إليه لفساد المسمى لكونها ليست أهلا للالتزام فكان كشراء الرقيق بلا إذن ورجح السبكي الأول فارقا بما حاصله (٣) أنه لا يعتبر في الخلع حصول البضع لمن لزمه العوض بدليل خلع الأجنبي بخلاف الشراء يعتبر فيه حصول المبيع لمن لزمه الثمن وهو منتف في شراء الرقيق وكذا رجحه الأذرعي لكنه قال القياس الثاني إذ لزوم المسمى مع الحكم بفساد العقد خارج عن القياس انتهى ويجاب بمنع أن القائل بلزوم المسمى قائل بفساد العقد.
"فإن أذن لها" ولو سفيهة "أن تختلع بعين له صح" الخلع "بها" واستحقها الزوج "أو بدين" صح به و "تعلق بكسبها" الحادث بعد الخلع (٤) "وبمال تجارة في يدها لا بذمة السيد" كمهر العبد في النكاح المأذون فيه "فإن قال" لها "اختلعي بما شئت فلا حجر" عليها فلها أن تختلع بمهر المثل وبأزيد منه ويتعلق الجميع بكسبها وبمال تجارة بيدها قال السبكي لأن هذا عموم لا إطلاق وقدمنا في باب الوكالة ما يوافقه فيما إذا قال لوكيله بع بما شئت وما ذكر ثم من أنه لا يجوز البيع بالغبن وإنما يجوز بغير نقد البلد قال الرافعي هنا قضيته أن لا تكون الزيادة (٥) على مهر المثل هنا مأذونا فيها انتهى.