"الطرف الثالث في كيفية الضرب" على العاقلة "لو فقد بيت المال لزمت" الدية "الجاني لا أصله، وفرعه" هذا مكرر والاقتصار عليه هنا هو الموافق للأصل "ولا يقبل إقراره بالجناية على العاقلة" كسائر الأقارير "ولا يقضى عليهم" بالتحمل "بحلف" من المدعي "بعد نكوله" أي المدعى عليه بناء على أن اليمين المردودة كالإقرار "ولا" يقبل إقراره بالجناية "على بيت المال"، ولا يقضى عليه بالتحمل بما ذكر "، وعلى العاقلة يمين" نفي العلم بالجناية فإذا حلفوا كانت الدية على المقر (١) إذ لا سبيل إلى التعطيل، وقد تعذر التحمل. "وتلزمه" أي الدية الجاني "مؤجلة" كالعاقلة "فلو مات غنيا حلت" عليه كسائر الديون المؤجلة بخلاف ما لو مات أحد العاقلة في أثناء الحول لا يؤخذ من تركته شيء; لأن الوجوب عليهم سبيله المواساة، وعلى الجاني سبيله صيانة الحق عن الضياع فلا يسقط "أو" مات "معسرا سقطت" عنه المطالبة بها كما لو كان حيا معسرا "ولو غرم واعترفوا" بعد ذلك بالقتل "لم يسترد" ما غرمه بناء على أن الوجوب يلاقيه ابتداء "بل يرجع" به "عليهم".
"فصل: تحمل العاقلة الأروش والغرة والحكومات، وكذا قيمة العبد" كالدية (٢) وألحق بدل العبد ببدل الحر; لأنه بدل آدمي، ويتعلق به القصاص والكفارة "فإن اختلفوا" أي العاقلة والسيد "في" قدر "قيمة العبد صدقت العاقلة بيمينها" (٣) ; لأنها الغارمة "وإن بلغت قيمته" قدر "ديتين أخذت في ست سنين" في كل سنة قدر ثلث دية نظرا إلى القدر.
"و" تحمل العاقلة "بعض جناية المبعض" أي تحمل من دية قتيله بقدر حريته "و" تحمل "طرفه" أي طرف المبعض أي الجناية عليه، ومثله طرف
стр. 4622
العبد "ويوزع كل الواجب، ولو نصف دينار" على العاقلة هذا تقدم في قوله فلو كثر، وأنقص "، ولا تحمل" العاقلة "عمد الصبي والمجنون" بناء على أن عمدهما عمد كغيرهما "وأما الجاني على نفسه" كلا أو بعضا "فهدر"; لأن الإنسان لا يجب له على نفسه شيء بجنايته عليها كما لو أتلف ماله.
"فصل: تؤجل الدية الكاملة" على العاقلة، وبيت المال والجاني; لأنها وجبت على غير الجاني مواساة كالزكاة وألحق به الجاني "ثلاث سنين" (١) كما رواه البيهقي من قضاء عمر وعلي ﵄ (٢)، وعزاه الشافعي في المختصر إلى قضاء النبي ﷺ "، وما نقص" عن الدية الكاملة "كدية المرأة" والذمي (٣) "أو زاد" عليها "كأرش الأطراف" كأن قطع يديه ورجليه "ففي كل سنة" يجب "قدر ثلث" الدية "الكاملة" توزيعا لها على السنين الثلاث، وعبر بقدر ليفيد أن النظر في الأجل إلى قدر الواجب لا إلى بدل النفس وتقدمت الإشارة إليه أيضا، ولا نقص عن السنة، قال الرافعي: وكان سببه أن الفوائد كالزروع والثمار تتكرر كل سنة فاعتبر مضيها ليجتمع عندهم ما يتوقعونه فيواسون عن تمكن.
"فإن زاد" الواجب على قدر ثلث الدية الكاملة "شيئا"، ولم يزد على ثلثيها "أجل" للزائد "سنة" ثانية، وإن زاد على قدر ثلثيها شيئا، ولم يجاوز الدية أجل للزائد سنة ثالثة، وهكذا.
"ولو قتل" واحد "جماعة فثلث" من كل دية "قسط كل سنة"; لأن الواجب مختلف، ومستحقوه مختلفون فلا يؤخر حق بعضهم باستحقاق غيره "أو قتله جماعة فعلى عاقلة كل" منهم "كل سنة ثلث ما يخصهم" كجميع الدية عند الانفراد "ومن مات" من العاقلة "بعد الحول لا قبله لزم" واجبه "تركته" بخلاف من مات قبله كالزكاة.
стр. 4623
"فصل: لا يخص الحاضر" من العاقلة في بلد الجناية بالأخذ من ماله "بل يؤخذ من مال الغائب" أيضا، ولا ينتظر حضوره "كالدين" والتنظير بالدين من زيادته "وإلا" أي، وإن لم يؤخذ من ماله "كتب القاضي" أي قاضي بلد الجناية بعد حكمه عليهم بالواجب "للقاضي" أي قاضي بلد العاقلة "بما وجب" بالجناية ليأخذه منه "أو" كتب إليه "بحكم القتل" أي بحكمه به "ليوجب" أي ليحكم عليه بالواجب، ويأخذه منه.
"فصل: ابتداء المدة" في واجب النفس "من" وقت "الزهوق" لها بمزهق أو بسراية جرح; لأنه مال يحل بانقضاء الأجل فكان ابتداء أجله من وقت وجوبه كسائر الديون المؤجلة "وفي" واجب "الجروح" المندملة "من" وقت "الجناية"; لأن الوجوب تعلق بها "ويطالب" بالواجب "بعد الاندمال" لها، ولم يعتبروا في الضرب اندمالها، وإن لم يطالب قبله بالواجب; لأن التوقف في المطالبة لتبين منتهى الجراحة وابتداء المدة ليس وقت طلب فلا يقاس ضرب المدة بالمطالبة فلو مضت سنة، ولم تندمل لم يطالب بواجبها.
"و" ابتداء المدة "فيما سرت إليه" الجروح من عضو إلى آخر "من" وقت "السراية" لها فلو قطع أصبعه ثم سرى إلى كفه مثلا فابتداء مدة واجب الأصبع من القطع كما لو لم يسر وواجب الكف من سقوطها، وقيل ابتداء مدة الواجبين من سقوط الكف، وقيل من الاندمال، وترجيح الأول من زيادته (١) وجرى عليه الحاوي الصغير وغيره (٢).
стр. 4624
"الطرف الرابع: جناية الرقيق (٣)، وهي متعلقة" أي واجبها المالي،
стр. 4625
ولو بعد العفو متعلق "برقبته" (١) إذ لا يمكن إلزامه لسيده; لأنه إضرار به مع براءته، ولا أن يقال في ذمته إلى عتقه; لأنه تفويت للضمان أو تأخير إلى مجهول، وفيه ضرر ظاهر بخلاف معاملة غيره له لرضاه بذمته فالتعلق برقبته طريق وسط في رعاية الجانبين فإن حصلت البراءة عن بعض الواجب انفك منه بقسطه كما صححه الأصل في دوريات الوصايا (٢)، ويخالف ما ذكر هنا الواجب بجناية البهيمة; لأن جناية العبد مضافة إليه فإنه يتصرف باختياره، ولذلك لزمه القصاص إذا أوجبته الجناية بخلاف البهيمة "لا مع ذمته" (٣).
وإن أذن له سيده بالجناية، وإلا لما تعلق برقبته كديون المعاملات حتى لو بقي شيء لا يتبع به بعد عتقه نعم إن أقر العبد بالجناية، ولم يصدقه سيده تعلق واجبها بذمته كما مر في الإقرار، ومعلوم مما مر أن جناية غير المميز بأمر سيده أو غيره على الآمر (٤) والمبعض يجب عليه من واجب جنايته بنسبة حريته، وما فيه من الرق يتعلق به باقي واجب الجناية فيفديه السيد بأقل الأمرين من حصتي واجبها والقيمة كما يعلم مما يأتي.
"ولا يباع" في واجب الجناية إلا بإذن سيده والمجني عليه، ولا يباع "منه بأكثر من الأرش" المتعلق برقبته "إلا بإذن" من سيده "أو ضرورة" كأن لم يجد من يشتري بعضه.
стр. 4626
"وللسيد فداؤه بالأقل (١) من الأرش، وقيمة يوم الجناية" (٢) ; لأن الأقل إن كان القيمة فليس عليه غير تسليم الرقبة، وهي بدلها أو الأرش فهو الواجب، وإنما اعتبر يوم الجناية كما حكى عن النص لتوجه طلب الفداء فيه; ولأنه يوم تعلقها واعتبر القفال يوم الفداء; لأن النقص قبله لا يلزم السيد بدليل ما لو مات العبد قبل اختيار الفداء (٣)، وحمل النص على ما لو منع بيعه حال الجناية ثم نقصت القيمة والتصريح بالترجيح من زيادة المصنف، وما قاله القفال هو الأوجه، وقال الزركشي (٤) إنه متجه وجرى عليه المصنف في إرشاده وشرحه أيضا.
"وإن جنى" العبد ثانيا "قبل البيع (٥) والفداء تعلق به الأرش فيفديه بأقل الأمرين منهما أو القيمة"، وإن شاء باعه ووزع الثمن عليهما فإن جنى ثانيا بعد الفداء، وقبل البيع سلمه للبيع أو فداه; لأنه الآن لم يتعلق به غير هذه الجناية "وكذا إن قتله" سيده "أو أعتقه" ونفذنا عتقه (٦) "بعد جنايات فداه" لمنعه من بيعه "بالأقل" من الأرش والقيمة "وإن مات" الجاني "أو هرب فلا شيء
стр. 4627
على السيد (١) إلا إن كان" قد "منع منه فهو اختيار للفداء فيفديه (٢) أو يحضره; لأن له الرجوع عن اختيار الفداء" (٣)، والتصريح بقوله فيفديه إلى آخره من زيادته. "وليس الوطء" لأمته الجانية "اختيارا له" أي للفداء إذ لا دلالة على الالتزام مع أنه لو التزم لم يلزمه بخلافه في زمن خيار البيع; لأن الخيار ثم يثبت بفعل من هو له فجاز أن يسقط بفعله، وهنا ثبت بالشرع فلا يسقط بفعله "فإن قتل الجاني خطأ" أو شبه عمد "تعلقت جنايته بقيمته"; لأنها بدله فإذا أخذت سلمها السيد أو بدلها من سائر أمواله "أو عمدا، واقتص السيد" هو جائز له "لزمه الفداء" للمجني عليه (٤).
"فصل: يفدي السيد" وجوبا "أم الولد" (٥)، وإن ماتت عقب الجناية لمنعه بيعها بالإيلاد كما لو قتلها بخلاف موت العبد لتعلق الأرش برقبته فإذا مات بلا تقصير فلا أرش، ولا فداء "بالأقل من الأرش و" من "قيمتها يوم جنايتها" لا يوم إحبالها اعتبارا بوقت لزوم فدائها ووقت الحاجة إلى بيعها الممنوع بالإحبال،
стр. 4628
وشمل كلامه كأصله الأمة التي استولدها سيدها (١) بعد الجناية، وهو ظاهر لكن الظاهر هنا (٢) أن العبرة بقيمة يوم الإحبال إلا أن يمنع بيعها حال الجناية فيعتبر قيمتها حينئذ، وكالمستولدة الموقوف لمنع الواقف بيعه بوقفه والظاهر أن المنذور عتقه كذلك (٣) قال الزركشي وسكتوا هنا عن التعلق بذمتها (٤)، ويشبه القطع به لتعذر التعلق برقبتها قلت إنما يشبه القطع بالتعلق بذمة السيد (٥) ; لأنه منع بيعها "فإذا تكررت جنايتها فليس عليه إلا فداء واحد"، وإن فدى الأولى قبل جناياتها الآخر; لأن إحباله إتلاف، ولم يوجد منه إلا مرة واحدة كما لو جنى عبده جنايات ثم قتله أو أعتقه "فإن استغرق الأرش" الحاصل بجناياتها "القيمة شارك كل ذي جناية تحدث منها (٦) من" جنت عليه "قبله فيها" أي شاركه في قيمتها. فلو كانت قيمتها ألفا وجنت جنايتين، وأرش كل منهما ألف فلكل منهما خمسمائة فإن كان الأول قبض الألف استرد منه الثاني نصفه أو أرش الثانية خمسمائة استرد منه ثلثه أو أرش الثانية ألف والأولى خمسمائة استرد منه ثلثها، ومن السيد خمسمائة تمام القيمة ليصير معه ثلثا الألف، ومع الأول ثلثه "كديون الميت" إذا قسمت تركته عليها ثم حدث عليه دين آخر كأن حفر بئرا عدوانا فهلك بها شيء فيزاحم المستحق الغرماء، ويسترد منهم حصته.
"وحمل الجانية" غير المستولدة "للسيد لا" يتعلق به الأرش سواء أكان موجودا يوم الجناية أم حدث بعدها "فلا تباع حتى تضع" إذ لا يمكن إجبار السيد على بيع الحمل، ولا يمكن استيفاؤه "فإن لم يفدها" بعد وضعها "بيعا" معا "وأخذ" السيد "ثمن الولد" أي حصته، وأخذ المجني عليه حصته "وإنما يباع
стр. 4629
الجاني بالأرش النقد لا الإبل، ولو من المجني عليه" عبارة الأصل لو لم يفد السيد الجاني، ولا سلمه للبيع باعه القاضي وصرف الثمن للمجني عليه، ولو باعه بالأرش جاز إن كان نقدا، وكذا بلا، وقلنا يجوز الصلح عنها.
стр. 4630
"الباب السادس في دية الجنين"
والأصل فيها خبر الصحيحين "أنه ﷺ قضى في الجنين بغرة عبد أو أمة" (١) بترك تنوين غرة على الإضافة البيانية، وتنوينها على أن ما بعدها بدل منها (٢) "وفيه أطراف" أربعة
"الأول الموجب، وهو كل جناية توجب انفصاله (٣) ميتا"، وهي ما تؤثر فيه (٤) "فإن ماتت الأم" بها "ولم ينفصل" منها جنين "فلا دية" له وإن كان بها انتفاخ أو حركة في بطنها فزال بالجناية عليها للشك في وجود الجنين ولجواز أن ذلك كان ريحا فانفشت "ولا أثر لنحو لطمة خفيفة" كما لا تؤثر في الدية "ولو علم موته بخروج رأس ونحوه" كرؤيته في بطنها بعد قدها وإن لم ينفصل منه شيء "فكالمنفصل" سواء أجنى عليها بعد خروج رأسه أم قبله، وسواء أماتت الأم أيضا أم لا لتحقق وجوده وذكر الأصل موت الأم تصوير لا تقييد "وإن خرج حيا (٥) فإن بقي زمانا لا يتألم" فيه "ثم مات فلا شيء" على الجاني سواء أزال ألم الجناية عن أمه قبل إلقائه أم لا; لأن الظاهر أنه مات بسبب آخر "أو" بقي زمانا "يتألم" (٦) فيه حتى مات "أو مات في الحال أو تحرك" تحركا شديدا كقبض يد وبسطها "ولو حركة مذبوح لا اختلاجا" فمات
стр. 4631
"فدية كاملة" على الجاني "ولو" انفصل الجنين "لدون ستة أشهر"; لأنا تيقنا حياته والظاهر موته بالجناية بخلاف مجرد اختلاجه لاحتمال كونه انتشارا بسبب الخروج من المضيق.
"وإن حزه شخص، وقد انفصل بلا جناية"، وإن لم تكن حياته مستقرة "أو بجناية وحياته مستقرة فالقصاص" عليه كما لو قتل مريضا مشرفا على الموت "وإلا" بأن كانت حياته غير مستقرة "فالقاتل" له هو "الأول" (١) أي الجاني على أمه، ولا شيء على الجاز.
"ولو خرج رأسه وصاح فحزه آخر لزمه القصاص"; لأنا تيقنا بالصياح حياته "فإن" وفي نسخة، وإن "ألقت جنينين ميتين فغرتان" فيها كما لو كانا منفردين "أو" جنينين "أحدهما حي ومات" والآخر ميت "فدية" للأول "وغرة" للثاني "أو اشترك اثنان في الضرب فالغرة عليهما" كما في الدية "وإن ضربها فماتت ثم ألقته" ميتا "وجبت الغرة" كما لو انفصل في حياتها; لأنه شخص مستقل فلا يدخل ضمانه في ضمانها "وإن ضرب بطن ميتة، وألقته ميتا فهدر"; لأن الظاهر موته بموتها، وقيل تجب غرة; لأن الأصل بقاء الحياة، وترجيح الأول من زيادته (٢)، وبه جزم الماوردي وغيره ورجحه البلقيني بأن الإيجاب
стр. 4632
لا يكون بالشك قال والقول بأن الأصل بقاء الحياة ممنوع; لأنا لا نعلم حياته حتى نقول الأصل بقاؤها.
"فرع" لو "ألقت المضروبة يدا وماتت فغرة" تجب; لأن العلم قد حصل بوجود الجنين، والغالب على الظن أن اليد بانت بالجناية وخرج بماتت ما لو عاشت (١)، ولم تلق جنينا فلا يجب إلا نصف غرته كما أن يد الحي لا يجب فيها إلا نصف ديته، ولا يضمن باقيه; لأنا لم نتحقق تلفه "كيدين" ألقتهما وماتت أو عاشت فيجب فيهما غرة "وكذا" لو ألقت "ثلاثا، وأربعا" من الأيدي أو والأرجل "ورأسين" لإمكان كونهما لجنين واحد (٢) بعضها أصلي وبعضها زائد، وعن الشافعي أنه أخبر بامرأة لها رأسان فنكحها بمائة دينار ونظر إليها وطلقها وظاهر أنه يجب للعضو الثالث فأكثر حكومة (٣).
"وإن ألقت بدنين"، ولو ملتصقين "فغرتان" (٤) إذ الواحد لا يكون له بدنان فالبدنان حقيقة يستلزمان رأسين فلو لم يكن إلا رأس فالمجموع بدن واحد
стр. 4633
حقيقة فلا تجب إلا غرة واحدة "وإن ألقت يدا ثم جنينا بلا يد (١) قبل الاندمال وزوال الألم" من الأم "فغرة"; لأن الظاهر أن اليد مبانة منه بالجناية "أو حيا فمات من الجناية فدية ودخل" فيها "أرش اليد فإن عاش وشهد القوابل أو علم أنها يد من خلقت فيه الحياة فنصف دية" لليد "وإلا" بأن لم تشهد القوابل بذلك، ولم يعلم "فنصف غرة" لليد عملا باليقين وفارق هذا ما لو انفصل الجنين ميتا حيث لا تراجع القوابل; لأنه ثم لم تثبت له الحياة بعد انفصاله، وهنا انفصل حيا فينظر في أن اليد انفصلت، وهو حي أولا "أو" ألقته بعد "الاندمال وزوال الألم أهدر الجنين" حيا كان أو ميتا لزوال الألم الحاصل بالجناية "ووجب لليد" الملقاة قبله "إن خرج ميتا نصف غرة" كما أن يد الحي تضمن بنصف ديته "أو حيا" ومات أو عاش "نصف دية إن شهد القوابل" أو علم "كما سبق" أي أنها يد من خلقت فيه الحياة، وقيل يجب نصف غرة كما لو قطعت يد حي فاندمل ثم مات يجب نصف ديته، وترجيح الأول من زيادته، وجزم به ابن الصباغ وغيره.
"وإن انفصل" بعد إلقاء اليد "ميتا كامل الأطراف بعد الاندمال فلا شيء" فيه، وأما اليد فالأوجه أن فيها حكومة (٢) لا غرة للاحتمال الآتي "أو قبل الاندمال ميتا فغرة" فقط لاحتمال أن اليد التي ألقتها كانت زائدة لهذا الجنين وانمحق أثرها "أو حيا ومات فدية" لا غرة كما، وقع في أصل الروضة (٣) "، وإن عاش فحكومة" كما علم ذلك مما مر "وتأخر اليد عن الجنين" إلقاء "كتقدمها" كذلك فيما ذكر.
"وإن ضرب بطنها فألقت يدا ثم ضربها آخر فألقت جنينا ميتا قبل الاندمال بلا يد فالغرة عليهما"، وقوله قبل صلة ضربها "أو حيا ومات فالدية عليهما أو عاش" وشهد القوابل أو علم أن اليد يد من خلقت فيه الحياة
стр. 4634
"فعلى الأول نصف الدية، وعلى الثاني التعزير" فقط "أو" ضربها الآخر "بعد الاندمال وانفصل ميتا فعلى الأول نصف غرة، وعلى الثاني غرة" كما لو قطع يد رجل فاندملت ثم قتله آخر فعلى الأول نصف دية، وعلى الثاني دية "أو حيا فعلى الأول نصف الدية سواء عاش أم لا" التصريح بالتسوية من زيادته "وليس على الثاني إن عاش" الجنين "إلا التعزير، وإن مات فعليه الدية كاملة، وإن انفصل كامل الأطراف، وكان ضرب الثاني قبل الاندمال فإن انفصل ميتا فعليهما الغرة أو حيا، وعاش فعلى الأول حكومة" لليد للاحتمال السابق فيما إذا اتحد الضارب "وليس على الثاني إلا التعزير فإن مات فعليهما الدية" فلو كان ضرب الثاني بعد الاندمال فعليه إن انفصل ميتا غرة أو حيا ومات فدية أو عاش فالتعزير، وعلى الأول حكومة.
стр. 4635
"الطرف الثاني في الجنين" الذي تجب فيه الغرة "ووصفه كما" ذكره "في المستولدة" وفي نسخة في العدة وذلك بأن يكون مما ظهر فيه صورة آدمي، ولو في طرف من أطرافه أو لم تظهر لكن قال القوابل فيه صورة خفية (١) لا إن قلن لو بقي لتصور، ولا إن شككن في أنه أصل آدمي "ويشترط" في إيجاب الغرة الكاملة فيه "الحكم بإسلامه وحريته فلو كان من كتابيين أو من أحدهما ووثني" أو نحوه "فثلث غرة مسلم" تجب فيه كما في ديته (٢) "أو من مجوسيين" أو نحوهما "فثلثا عشرها" أي ثلث خمسها يجب فيه لذلك "ويشتري بها" الأولى به أي بقدر الثلث أو الثلثين "غرة" تعدل بعيرا، وثلثين في الأول وثلث بعير في الثاني "وإن تعذرت" أي الغرة بأن لم توجد بذلك "فالإبل" إن وجدت "أو الدراهم" إن لم توجد تجب.
"وإن وطئ مسلم وذمي ذمية" بشبهة فحبلت، وألقت جنينا بجناية "وألحقه القائف بأحدهما فله حكمه، وإن أشكل" الأمر "أخذ الأقل"، وهو الثلث "ووقف حتى يصطلحوا" أو ينكشف الحال "ولو أراد الذمي والذمية أن يصطلحا
стр. 4636
على ثلث الموقوف منعا" لجواز أن يكون الجميع للمسلم لا حق لهما فيه "أو" أراد "الذمية والمسلم" أن يصطلحا عليه "جاز; لأنه إن كان الجنين كافرا فالثلث" أي ثلث الموقوف "لأمه فلها أن تصالح المسلم" عليه "وإن كان مسلما فالكل له" أي للواطئ المسلم "فالحق فيه لا يعدوهما" فلا حق فيه للذمي "وجنين المرتدة" التي حبلت به قبل الردة "مسلم" فتجب فيه غرة كاملة "فلو أحبلها مرتد" أو غيره لكن بزنا "في" حال "ردتها"، وألقت جنينا بجناية "فهدر" كجنين الحربيين بناء على أن المتولد من مرتدين كافر (١).
"فرع" لو "عتقت" أمة حبلى أجهضت جنينا بجناية "بين الجناية والإجهاض" لا بينها وبين موت العتيقة كما وقع في الأصل "أو أسلم أحد أبوي الجنين الذمي"، وإن كان الآخر وثنيا أو نحوه "فغرة" كاملة تجب; لأن الاعتبار في قدر الضمان بالمآل، وتعبيره بما قاله في الثانية أعم من تعبير أصله بالذميين مع أنه لو حذف الوصف بالذمي كان أولى "ولسيدها" أي الأمة "من ذلك" أي من الغرة "الأقل من الغرة، و" من "عشر القيمة" أي قيمة الأمة; لأن الغرة إن كانت أقل فلا واجب غيرها أو العشر أقل فهو الذي استحقه السيد وما زاد بالحرية "فلو كانت" أي المجني عليها "حربية (٢) أو الجاني" على الأمة قبل عتقها "السيد"، وجنينها من غيره، وهو مالك له "فهدر، ولو كان الجنين من زوج"; لأنه لم يكن مضمونا على الجاني ابتداء.
"فصل في الجنين الرقيق" (٣) ذكرا كان أو أنثى أو خنثى "عشر قيمة أمه" على وزان اعتبار الغرة في الحر بعشر دية أمه، وإنما لم تعتبر قيمته في نفسه بتقدير الحياة فيه بل قيمة أمه لعدم ثبوت استقلاله بانفصاله ميتا ويجب ذلك "على العاقلة" كما في الجنين الحر "فلو ألقت" أي الأمة بجناية "جنينا" ميتا "فعتقت ثم" ألقت "آخر ففي الأول عشر قيمة الأم وفي الثاني غرة" اعتبارا بحال
стр. 4637
الإجهاض "ويعتبر" في عشر قيمتها "أكثر قيمتها" وفي نسخة قيمها "من الجناية إلى الإجهاض مع تقدير إسلام الكافرة ورق الحرة وسلامة المعيبة" إذا كان الجنين بخلافها في الأوليين (١)، وصورة الثانية أن تكون الأمة لرجل والجنين لآخر بوصية فيعتقها مالكها (٢) "فإن كان للجاني نصف الأم" المجني عليها، وجنينها من زوج أو زنا "فعليه لشريكه نصف عشر القيمة" ويهدر نصيبه.
"وإن ضربها أحد الشريكين ثم أعتقها، وهو معسر فألقت جنينا ميتا عتق نصيبه" من الأم والجنين "وعليه نصف عشر قيمة الأم لشريكه، ولا يلزمه لما عتق" من الجنين شيء; لأنه وقت الجناية كان ملكه "فإن كان" المعتق "موسرا وحكمنا بعتقها عليه فلشريكه" عليه "نصف قيمتها حاملا"، ولا يفرد الجنين بقيمة بل يتبع الأم في التقويم كما يتبعها في البيع "ويلزمه" بالجناية عليه "غرة" أي نصفها; لأنه حر "لورثة الجنين دونه" أي المعتق "لأنه قاتل، وإن أعتق" أحد الشريكين "نصيبه" منها "ثم جنى" عليها "معسرا فعليه لشريكه نصف عشر قيمة الأم، و" عليه "لما عتق من الجنين نصف غرة لورثته، وإن كان موسرا فعليه لشريكه نصف قيمتها حاملا وللجنين غرة لورثته أو جنى" عليها بعد إعتاق أحدهما نصيبه "الشريك الآخر والمعتق معسر فعلى الجاني نصف غرة لورثة الجنين أو موسر فعليه للجاني نصف قيمتها حاملا، وعلى الجاني غرة" لورثة الجنين "أو" أعتق أحدهما نصيبه "والجاني أجنبي والمعتق معسر فعلى الجاني نصف غرة" لورثة الجنين "ونصف عشر قيمة الأم" للشريك الآخر; لأنه أتلف جنينا نصفه حر ونصفه رقيق "أو موسر فغرة" تلزم الجاني; لأنه أتلف جنينا حرا.
"وإن أجهضت بجناية الشريكين" عليها "فلكل" منهما "على الآخر ربع عشر قيمتها"; لأن كلا منهما جنى على ملكه وملك صاحبه ونصيب كل منهما تلف بفعلهما فتهدر جنايته على ملكه "ويتقاصان"; لأن الحقين من جنس واحد "فلو أعتقاها معا أو" أعتقها "وكيلهما بكلمة بين الجناية والإجهاض فعلى كل" منهما "ربع غرة" اعتبارا بحال الجناية، وقيل نصفها اعتبارا بحال الإجهاض. والتصريح بالترجيح من زيادته، وصرح به الشيخ أبو علي "للأم منها" الأولى منه
стр. 4638
أي من ربع الغرة "الثلث والباقي للعصبة"، ولا شيء للسيدين; لأنهما قاتلان "فلو أعتقاها قبل الإجهاض" وبعد الجناية "والجاني أحدهما فعليه" لورثة الجنين "نصف غرة ولشريكه الأقل من نصف الغرة ونصف عشر قيمة الأم" اعتبارا بحال الجناية، وقيل عليه غرة اعتبارا بحال الإجهاض، والتصريح بالترجيح من زيادته.
"فرع" لو "وطئ شريكان أمتهما" فحبلت "فألقت جنينا" ميتا "بجناية أجنبي" عليها "فإن كانا موسرين فالجنين حر، وعلى الجاني غرة، وهي لمن يلحقه" الجنين "وإن كانا معسرين فنصف الجنين حر، ووجب" على الجاني "نصف غرة لمن يلحقه" الجنين، وعليه "للآخر نصف عشر القيمة" أي قيمة الأم، وكذا الحكم فيما يظهر لو كان أحدهما موسرا (١) والآخر معسرا، ولحقه الجنين فإن لحق الموسر فله غرة "وإن قتلت مستولدة جنينها" الحاصل "من السيد" بأن جنت على نفسها فألقته ميتا "أهدر" لما زاده على الروضة بقوله "لأن الأم قاتلة لا ترث والأب لا يثبت له على المستولدة شيء"; لأنها ملكه "نعم إن كان لها أم حرة"، وإن علت "طالبت السيد بالأقل من قيمة المستولدة وسدس الغرة".
"فرع" لو "مات" الزوج "وخلف امرأة حاملا (٢)، وأخا لأب" أو لأبوين "وألقت جنينا" ميتا "بجناية عبد" عليها "من التركة فلها منه ربعه ومن الغرة
стр. 4639
ثلثها وللأخ ثلاثة أرباع العبد وثلثا الغرة فالغرة ملكهما متعلقة بالعبد، وهو ملكهما" أرباعا والجنين بانفصاله ميتا خرج عن كونه وارثا "والسيد لا يجب له على عبده شيء فيسقط من نصيب كل" من الأم والأخ "من الغرة ما يقابل ملكه من العبد" ويطالب الآخر بما بقي له إن كان فللأخ ثلاثة أرباع العبد فيسقط من نصيبه من الغرة ثلاثة أرباعه يبقى له ربعه منها، وهو سدس يتعلق بنصيب الأم من العبد وللأم ربعه فيسقط من نصيبها من الغرة ربعه يبقى لها ثلاثة أرباعه منها، وهو سدس ونصف سدس يتعلق بنصيب الأخ من العبد فيتقاصان في سدس ويبقى لها نصف سدس ويسقط نصيب الأخ منها، وقد أوضح ذلك من زيادته.
فقال "فإن صلح" العبد "غرة" بأن ساواها قيمة كأن كانت قيمة كل منهما ستين دينارا "سقط نصيب الأخ" من الغرة "كله" ثلاثة أرباعه في مقابلة ما يملكه من العبد وربعه بالتقاص "وبقي لها" بعد سقوط ربع نصيبها من الغرة والتقاص "نصف" سدس من الغرة "تأخذه من نصيبه" أي الأخ فإن سلم لها مقداره من العبد صار لها ثلثه، وله ثلثاه "وإلا" أي، وإن لم يصلح العبد غرة "فإن" الأولى كأن "كان قيمة العبد عشرين" دينارا "والغرة ستين بقي لها" من نصيبها منها "خمسة عشر تأخذ فيها نصيبه" من العبد "و" قد "استوفت" حقها "وبقي له" من نصيبه منها "عشرة يأخذ فيها نصيبها" منه "وسقط الباقي" لهما من الغرة وذلك; لأنه قد سقط من نصيب الأخ ثلاثة أرباع نصيبه منها، وتعلقت العشرة الباقية بما بقي للأم من العبد، وهو يساوي خمسة فسقط له خمسة أيضا إذ لا يلزمها الفداء إلا بالأقل من الأرش، وقيمة نصيبها وسقط مما لها من الغرة ربعه، وهو خمسة فقد بقي لها خمسة عشر، وله عشرة كما تقرر فإن سلم كل منهما نصيبه من العبد للآخر انعكس قدر ملكيهما فيصير له ربعه، ولها ثلاثة أرباعه قال الرافعي عن الشيخ أبي حامد، ولو كان بدل الأخ ابنا فالغرة بينهما أثلاثا أيضا والعبد بينهما أثمانا، وقرر ذلك.
стр. 4640
"فرع: لو جنى" حر "ابن عتيقة" أباه رقيق على امرأة حامل "ثم" عتق أباه، و "انجر ولاؤه" من موالي أمه إلى موالي أبيه "ثم أجهضت جنينا" ميتا بالجناية "فهل الغرة على موالي الأم" اعتبارا بحال الجناية "أو" على موالي "الأب" اعتبارا بحال الإجهاض "وجهان" قياس ما رجحه قبيل فرع وطئ شريكان (١) أمتهما ترجيح الأول، وقد نبه عليه الأصل، ولا تغتر بما وقع للإسنوي هنا.
"وعلى المكاتب غرم" وفي نسخة غرة "جنين أمته" الحاصل "منه إذا أجهضها" (٢) بجنايته عليها، وأنت خبير بأن المكاتب لا يلزمه بدل ولده من أمته فما قاله المصنف سهو نشأ من قراءته جنى في كلام أصله ببنائه للفاعل. وعبارة أصله أحبل مكاتب أمته فجنى عليها فأجهضت وجب في الجنين عشر قيمة الأم; لأنها رقيقة بعد فقوله فجني مبني للمفعول والمراد جنى عليها أجنبي.
стр. 4641
"الطرف الثالث في صفة الغرة، وهي عبد (٣) مميز (٤) أو أمة مميزة، ولو كبيرا"، وإن امتنع دخوله على النساء لوجود المنفعة "لا معيب" بعيب "يوجب الرد" للمبيع فلا يجزئ بخلاف الكفارة لا يضر فيها عيب لا يخل بالعمل; لأنها حق الله ولورود الخبر هنا بلفظ الغرة، وهي الخيار والمعيب بخلافه "و" لا "هرم"، ولا غير مميز لعدم استقلالهما بخلاف الكفارة; لأن الوارد فيها لفظ الرقبة "ويشترط أن تساوي" الغرة الكاملة "نصف عشر دية الأب" (٥) المسلم، وهو عشر دية الأم المسلمة كما روي ذلك عن عمر وعلي وزيد بن ثابت، ولا مخالف لهم; ولأنه لا يمكن تكميل الدية لعدم كمال حياته، ولا الإهدار فقدرت بأقل دية
стр. 4642
وردت، وهي الخمس في الموضحة والسن، وإيجاب ثلاثة أبعرة وثلث لأنملة غير الإبهام لم يرد بخصوصه بل لزم من توزيع ما للإصبع على أجزائها "ومتى عدمت" أي الغرة بأن لم توجد سليمة بثمن المثل فأقل "فخمسة أبعرة" كما روي عن زيد بن ثابت وغيره; ولأنها مقدرة بها فإذا عدمت أخذ ما هي مقدرة به لا قيمتها; ولأن الإبل هي الأصل في الديات فوجب الرجوع إليها عند فقد المنصوص عليه; ولأن القيمة قد تبلغ دية كاملة أو تزيد عليها، ولا سبيل إلى إيجابها فإن عدمت الإبل قومت الخمس، وأخذت قيمتها كما في فقد إبل الدية فإن عدم بعضها أخذت قيمته مع الموجود، وقد نبه على ذلك في الأصل "، ولا يجبر على قبول خصي ومعيب"، ولو خنثى واضحا قال في الأصل، ولا كافر، وهو محمول بقرينة ما مر (١) في البيع على كافر ببلد تقل فيه الرغبة أو على مرتد أو كافرة يمتنع وطؤها لتمجس أو نحوه وكأن المصنف حذفه لذلك "والاعتياض عنها" أي عن الغرة "كالاعتياض عن إبل الدية" فلا يصح.
стр. 4643
"الطرف الرابع في مستحقها" أي الغرة "و" في "من تلزمه المستحق" لها هو "الوارث" للجنين; لأنها دية نفس "فعلى عاقلة من شربت دواء" أو غيره "وأجهضت" جنينا ميتا بشربها "غرة للورثة" أي ورثته "دونها"; لأنها قاتلة "والغرة على العاقلة إذ لا عمد فيها" أي في مقتضيها من الجناية على الجنين إذ لا يتحقق وجوده (٢)، ولا حياته حتى يقصد "بل" فيه "خطأ وشبه عمد" سواء أكانت الجناية على أمه خطأ أم عمدا أم شبهة بأن قصد غيرها فأصابها أو قصدها بما يجهض غالبا أو بما لا يجهض غالبا، وقيل لا يتصور فيه شبه العمد أيضا، وهو قوي لتعذر قصد الشخص المعتبر فيه (٣) كالعمد، وعلى الأول "يغلظ فيه" فيؤخذ عند فقد الغرة حقة ونصف، وجذعة ونصف وخلفتان قال الروياني وغيره: وينبغي أن يغلظ في الغرة (٤) أيضا بأن يبلغ قيمتها نصف عشر الدية المغلظة قال في الأصل، وهو حسن (٥).
стр. 4644
"وإن جرحها" أي الحامل "فأجهضت" جنينا ميتا "فأرش" يجب للجرح مقدرا وغير مقدر "وغرة" تجب للجنين "ولو ضربها" فألقت جنينا ميتا "وبقي" فيها "شين فغرة وحكومة" تجبان.
"فصل" لو أقر بجناية على حامل ثم "أنكر الإجهاض" للجنين بأن قال إنها لم تجهض أو لم تجهضيه بل هو ملتقط "أو" أنكر "خروجه حيا" بأن قال خرج ميتا فالواجب الغرة، وقال الوارث بل حيا ثم مات فالواجب الدية "صدق" المنكر بيمينه عملا بالأصل فعلى الوارث البينة بما يدعيه "وتقدم بينة الوارث" إن أقام كل منهما بينة بما ادعاه; لأن معها زيادة علم "وتقبل هنا النساء" (١) ; لأن الإجهاض والاستهلال أو نحوه لا يطلع عليه غالبا إلا النساء كالولادة فيقبلن على ذلك "لا على" أصل "الجناية" (٢)، وإنما يقبل فيه الرجال صرح به الأصل، وعلله المتولي بأن الضرب مما يطلعون عليه غالبا لكن صرح الماوردي بالاكتفاء فيه برجل وامرأتين (٣) حكاه عنه الأذرعي ثم قال: وما قاله هو قضية ما يأتي في الشهادات من أن الجناية التي لا تثبت إلا المال كقتل الخطأ تثبت بذلك "وإن ادعى أن الإجهاض أو موت من خرج حيا" كان "بسبب آخر" أي غير الجناية "فإن كان" الإجهاض أو الموت عقب الجناية أو بعد مدة وكان "الغالب بقاء الألم" في الأم أو الجنين "إليه" أي إلى الإجهاض والموت "صدقت هي"
стр. 4645
بيمينها; لأن الجناية سبب ظاهر، والأصل عدم وجود سبب آخر. "وإلا" بأن لم يكن الغالب بقاء الألم إلى ذلك "فلا" تصدق هي بل المصدق هو بيمينه; لأن الظاهر معه إلا أن تقوم بينة بأن الألم لم يزل حتى أجهضت أو مات الجنين.
"ولا يقبل هنا إلا رجلان" صرح به الأصل في الأولى، وقاس بها المصنف الثانية قال الأذرعي وسياق كلام الماوردي يقتضي (١) الاكتفاء برجل وامرأتين نظير ما مر عنه، ولو قال المصنف بدل صدقت هي صدق الوارث كان أنسب بكلامه وبكلام أصله.
"وإن ألقت جنينين (٢) عرف استهلال واحد" منهما ببينة أو غيرها "وجهل، وجب اليقين"; لأن الأصل براءة الذمة عن الزائد "فإن كانا ذكرا وأنثى فغرة ودية أنثى" وكذا إن كانا أنثيين فإن كانا ذكرين فغرة ودية رجل "وإن ألقت جنينين" ذكرا وأنثى "وأحدهما حي ومات فادعى الوارث حياة الذكر وموت الأنثى" والجاني العكس صدق الجاني بيمينه عملا باليقين ويحلف على نفي العلم بحياة الذكر، وتجب غرة ودية أنثى "و" لو "صدقه الجاني" في حياة الذكر وكذبته العاقلة "لم يقبل على العاقلة ويلزمها دية أنثى وغرة الآخر" والباقي في مال الجاني، وتعبير الأصل بالحكومة بدل الغرة سبق قلم.
"وإن ألقت" جنينين "حيا وميتا" ومات الحي أو جنينين وماتا كما صور به أصله "وماتت فادعى ورثة الجنينين سبق موتها" موته ليرثها ثم يرثونه "و" ادعى "وارثها عكسه" لترث هي الجنين ثم يرثها هو فإن كان لأحدهما بينة حكم بها، وإلا "فإن حلفا أو نكلا فلا توارث" بين الجنين والأم للجهل بموت السابق وما تركه كل واحد لورثته الأحياء "وإلا" بأن حلف أحدهما ونكل الآخر "قضي للحالف" كنظائره وذكر الجنينين مثال فما نقص عنهما أو زاد عليهما كذلك
стр. 4646
"باب كفارة القتل" (١)
الأصل فيها قوله تعالى ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، وقوله ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ﴾ [النساء: ٩٢] أي في قوم ﴿عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، وقوله ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] وخبر واثلة بن الأسقع قال أتينا النبي ﷺ في صاحب لنا قد استوجب النار بالقتل فقال "أعتقوا عنه رقبة يعتق الله بكل عضو منها عضوا منها من النار" رواه أبو داود وصححه الحاكم وغيره (٢) "الكفارة تلزم (٣) من سوى الحربي مميزا كان أم لا بقتل كل آدمي معصوم من مسلم، ولو في دار الحرب (٤) وذمي ومستأمن، وجنين، وعبد ونفسه عمدا أو خطأ" أو شبه عمد مباشرة أو تسببا (٥)، ولا يؤثر عدم الضمان بالمال أو القصاص كما في قتل عبده ونفسه (٦) ; لأن الكفارة إنما تجب لحق الله تعالى لا لحق الآدمي وخرج بسوى الحربي الحربي فلا تلزمه الكفارة لعدم التزامه الأحكام
стр. 4647
ومثله الجلاد (١) القاتل بأمر الإمام ظلما، وهو جاهل بالحال; لأنه سيف الإمام وآلة سياسته وبالقتل الجراحات فلا كفارة فيها لورود النص بها في القتل دون غيره كما تقرر، وليس غيره في معناه، وتقدم أن غير المميز لو قتل بأمر غيره ضمن آمره دونه، وقضيته أن الكفارة كذلك (٢) نبه عليه الأذرعي (٣) "لا بقتل مباح الدم" بأن أذن فيه كما صرح به الأصل "كقتل مرتد (٤)، وقاطع طريق وزان محصن" وحربي وباغ وصائل وسيأتي في باب البغاة أن الكفارة لا تجب أصلا بقتل الباغي العادل إذا كان له تأويل، ولعله لكونه مأذونا له بحسب ما ظهر له من دليله، وما ذكره كأصله في قاطع الطريق محله إذا أذن الإمام في قتله، وإلا فتجب الكفارة كما تجب الدية بناء على ما يأتي من أن المغلب في قتله بلا إذن معنى القصاص فلا إشكال بين البابين.
"ولا" تلزم الكفارة "بذراري" أي بقتل ذراري "أهل الحرب ونسائهم"، وإن حرم قتلهم; لأن تحريمه ليس لحرمتهم بل لمصلحة المسلمين لئلا يفوتهم الارتفاق بهم "وهي" الكفارة "غير متجزئة" بدليل أنها لا تنقسم على الأطراف; ولأن فيها معنى العبادة، وهي لا تتوزع على الجماعة "بل على كل شريك" في القتل "كفارة" كالقصاص وفارقت جزاء الصيد بأنها وجبت لهتك الحرمة لا بدلا "وهي ككفارة الظهار" (٥) في الترتيب والصفات "لكن لا إطعام" فيها اقتصارا على الوارد فيها من إعتاق رقبة مؤمنة فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، ولا يحمل المطلق على المقيد في الظهار كما فعلوا في قيد الأيمان حيث اعتبروه ثم حملا على المقيد هنا; لأن ذلك إلحاق في وصف، وهذا إلحاق في أصل، وأحد الأصلين لا يلحق بالآخر بدليل أن اليد المطلقة في التيمم حملت على المقيدة بالمرافق في الوضوء،
стр. 4648
ولم يحمل إهمال الرأس والرجلين في التيمم على ذكرهما في الوضوء "بل" بمعنى لكن "إن مات قبل الصوم أطعم من تركته كصوم رمضان" أي كفائته فيخرج لكل يوم مد طعام.
"وتجب" الكفارة "في مال الصبي والمجنون" إذا قتلا كما علم مما مر "ويعتق الولي عنهما من مالهما" (١) كما يخرج الزكاة عنهما منه "فلو عدم" مالهما "فصام الصبي" المميز عن كفارته "أجزأه" بناء على إجزاء قضائه الحج الذي أفسده، وقيل لا يجزئه بناء على مقابل ذلك، والتصريح بالترجيح من زيادته، وخرج بالصبي المميز المجنون فلا يصح صومه، ولا يصوم عنهما الولي بحال، والقياس أن السفيه يعتق عنه وليه (٢)، وتردد فيه الأذرعي فقال هل يتولاه عنه الولي أو يعين له رقبة، ويأذن له في عتقها فيه نظر "وللأب والجد" أي لكل منهما "الإعتاق والإطعام عنهما من ماله" (٣) وكأنهما ملكاهما ثم نابا عنهما في ذلك "لا غيرهما" كوصي، وقيم أي ليس له ذلك; لأنه ليس في معناهما "بل يتملك لهما الحاكم" ما يعتق ويطعم عنهما "ثم يعتق" ويطعم "عنهما الوصي" أو القيم.
стр. 4649
"باب دعوى الدم وما يتبعها"وفيه ثلاثة أبواب"
"الأول في الدعوى"، ولها خمسة شروط الأول التعيين" للمدعى عليه "فلو قال قتل أبي أحد هذين" أو أحد هؤلاء العشرة "لم تسمع" دعواه للإبهام كمن ادعى دينا على أحد رجلين أو رجال فلا تسمع الدعوى المجهولة (١) "فيه" أي في القتل "ولا في غيره" كغصب، وإتلاف وسرقة "ولم يحضره" يعني القاضي المدعى عليه المجهول الغائب فلو قال قتل أبي زيد أو عمرو لم تسمع الدعوى، ولم يحضر القاضي أحدا منهما "وكذا" لا تسمع الدعوى بقتل أو غيره "على جمع لا يتصور" وقوعه "منهم"; لأنه دعوى محال "فإن أمكن" أي تصور وقوعه منهم "سمعت".
"الشرط الثاني التفصيل" (٢) للدعوى "فيقول" قتله "خطأ أو عمدا أو شبه عمد أو منفردا أو شريكا" لغيره ويصف كلا من الثلاثة، الأول بما يناسبه; لأن الأحكام تختلف بهذه الأحوال، ولو قال كأصله منفردا بدون أو كان أولى "فلو أطلق" دعواه "استحب" للقاضي "استفصاله" وما قيل من أن الاستفصال تلقين ممنوع بل التلقين أن يقول له قل قتله عمدا أو خطأ والاستفصال أن يقول كيف قتل والتصريح بالاستحباب من زيادته "ولا يلزمه" استفصاله "بل له أن يعرض عنه، ولا يسأله الجواب حتى يحرر الدعوى" (٣) فلو قال
стр. 4650
قتله بشركة سئل عمن شاركه في القتل "فإن ذكر مع الخصم شركاء" فيه "لا يمكن اجتماعهم عليه لغت دعواه" كما علم مما مر "فإن أمكن، ولم يعينهم" لعدم حصره لهم أو لعدم معرفته لهم "والواجب القود" بأن قال قتل عمدا مع شركاء عامدين "سمعت" دعواه (١) ; لأنه إذا أثبتها أمكن الاقتصاص منه، ولا يختلف ذلك بعدد الشركاء "أو" والواجب "الدية" بأن قال قتل خطأ أو شبه عمد أو تعمد وفي شركائه مخطئ "فلا" تسمع دعواه; لأن حصة المدعى عليه من الدية لا تعلم إلا بحصر الشركاء "نعم إن قال مثلا" لا أعلم عددهم تحقيقا، ولكن أعلم أنهم "لا يزيدون على عشرة ونحو ذلك سمعت" دعواه "وطولب" المدعى عليه في المثال المذكور "بالعشر" من الدية; لأنه المتيقن، وقوله مثلا ونحو ذلك من زيادته، وأحدهما يغني عن الآخر.
الشرط "الثالث والرابع المدعي والمدعى عليه وشرطهما التكليف" وشرط الأصل كون المدعي ملتزما فخرج به الحربي، وهو محمول على حربي لا أمان له فقول الإسنوي (٢) إن ذكره ذهول ممنوع، وقد اغتر به المصنف فحذفه مع أنه
стр. 4651
شرط في المدعى عليه أيضا، وعبارة المنهاج، وإنما تسمع من مكلف ملتزم على مثله (١) "فتسمع" الدعوى "، وإن كان" كل من المدعي والمدعى عليه "جنينا حال القتل"; لأنه قد يعلم الحال بالتسامع ويمكنه أن يحلف في مظنة الحلف إذا عرف ما يحلف عليه بإقرار الجاني أو سماع من يثق به كما لو اشترى عينا، وقبضها فادعى رجل ملكها فله أن يحلف أنه لا يلزمه التسليم إليه اعتمادا على قول البائع، وذكر حكم الجنين في المدعى عليه من زيادته.
"وتسمع دعوى السفيه" أي المحجور عليه بالسفه "ويحلف ويحلف ويقتص والمال" إذا آل الأمر إليه "يأخذه الولي كما في دعوى المال" يدعي السفيه ويحلف، والولي يأخذ المال "وتسمع" الدعوى "على السفيه" فإن لم يكن لوث "فإن أقر بموجب قصاص أو نكل وحلف المدعي اقتص منه" عملا بإقراره الحقيقي في الأولى والحكمي في الثانية; لأن إقراره بما يوجب القصاص مقبول "أو أقر بموجب مال فلا" يقتص منه لكن تسمع الدعوى عليه لإقامة البينة عليه "، ولا يحلف" المدعي "إن أنكر السفيه" بناء على أن نكول المدعى عليه مع يمين المدعي كالإقرار "وإن كان لوث أقسم المدعي، وقضي له" كما في غير السفيه "وإن أقر مفلس" إقرارا حقيقيا أو حكميا "لرجل بجناية خطأ" أو شبه عمد "وكذبته العاقلة أو" بجناية "عمد، وعفا على مال زاحم" الرجل "الغرماء" عملا بإقرار المفلس، وإن صدقته العاقلة تحملت موجب ما صدقت فيه، وإن أنكر المفلس فإن كان بينة أو لوث، وأقسم المدعي زاحم الغرماء، وإن لم يكن بينة، ولا لوث حلف المفلس فإن نكل حلف المدعي، وقضى له "والدعوى في جناية العبد" تكون "عليه إن أوجبت قصاصا أو كان ثم لوث" لصحة إقراره في الأولى والقسامة في الثانية فيرتب على
стр. 4652
على ذلك حكمه (وإلا) أي، وإن لم توجب قصاصا، ولا ثم لوث (فعلى السيد) الدعوى (وتعلق المال) حيث وجب (برقبة العبد) كسائر جناياته.
الشرط (الخامس عدم التناقض) في دعواه (فإن ادعى انفراده بالقتل ثم ادعاه على آخر) شركة أو انفرادا (لغت) دعواه الثانية؛ لأن الأولى تكذبها (وكذا) تلغو (الأولى قبل الحكم)؛ لأن الثانية تكذبها بخلافها بعده فيمكن (١) من العود إلى الأول إلا أن يصرح بأنه ليس بقاتل (فلو أقر له الثاني) بما ادعاه (لزمه)؛ لأن الحق لا يعدوهما ويحتمل كذب المدعي في الأولى وصدقه في الثانية (وإذا ادعى) قتلا (عمدا ووصفه بخطأ) أو شبه عمد (أو عكسه) بأن ادعى خطأ ووصفه بعمد أو شبهة أو ادعى شبه عمد ووصفه بغيره (سمعت) دعواه؛ لأنه قد يظن ما ليس بعمد أو عكسه فيتبين بتفسيره أنه مخطئ في اعتقاده؛ ولأنه قد يكذب في الوصف ويصدق في الأصل (فاعتمد تفسيره) فيمضي حكمه (٢).
(وإن قال) بعد دعواه القتل، وأخذه المال (أخذت المال باطلا) أو ما أخذته حرام علي أو نحوه (سئل فإن قال ليس بقاتل) وكذبت في الدعوى
стр. 4653
"استرد" المال منه "أو" قال "قضي لي" عليه "بيمين، وأنا حنفي" لا أعتقد أخذ المال بيمين المدعي "لم يسترد" منه; لأن النظر إلى رأي الحاكم لا إلى اعتقاد الخصمين فلو تعذر سؤاله بموته سئل وارثه فإن امتنع من الجواب فظاهر أنه يلزم بالرد (١) "و" نظير ما ذكر "من قال لا أملك هذا; لأنه إرث" أي; لأني ورثته "من كافر وفسر" كفره "بالاعتزال أو" لا أملكه "لأنه قضي لي" من حنفي بأخذه "بشفعة الجوار"، وأنا شافعي لا أرى الأخذ بها "أو" لا أملك هذه الأمة "لأنها مستولدة أبي، وقد علم أنه" استولدها "بنكاح" واستند هو فيما قاله إلى ذلك "فلا أثر لإقراره" في الصور الثلاث فيملك فيها ما أقر به لفساد ما استند إليه.
"أو" قال لا أملك هذا "لأنه مغصوب، ولم يعين مالكه فمال ضائع" (٢)، وإن عينه لزمه تسليمه إليه، ولا رجوع له على المأخوذ منه; لأن قوله لا يقبل عليه "ولا أثر لقوله" أي من أقسم "ندمت على القسامة" فلا يلزمه به شيء "فإن" ادعى قتلا على رجل، و "أخذ الدية بيمينه واعترف آخر بالقتل، ولم يصدقه" الآخذ "فلا أثر" لقوله فيما جرى "وإلا" أي، وإن صدقه "رد الدية" على الذي أخذها منه "وله مطالبة المقر" بها; لأنه ربما بنى الدعوى الأولى على ظن حصل له، وإقرار الثاني يفيد اليقين أو ظنا أقوى من الظن الأول، وهو نظير ما مر في أول هذا الشرط.
стр. 4654
"الباب الثاني في القسامة"
هي في لغة اسم لأولياء الدم ولأيمانهم واصطلاحا اسم لأيمانهم ويطلقها أئمتنا على الأيمان مطلقا أيضا والأصل في الباب خبر الصحيحين أنه ﷺ قال لحويصة ومحيصة، وعبد الرحمن بن سهل لما أخبروه بقتل اليهود لعبد الله بن سهل بخيبر، وأنكره اليهود أتحلفون، "وتستحقون دم صاحبكم" وفي رواية "تحلفون خمسين يمينا، وتستحقون دم قاتلكم أو صاحبكم" قالوا كيف نحلف، ولم نشاهد، ولم نر قال "فتبرئكم يهود بخمسين يمينا" قالوا كيف نأخذ بأيمان كفار فعقله النبي
стр. 4655
ﷺ من عنده (١)، وهذا مخصص لخبر البيهقي "البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه" (٢).
"وفيه أربعة أطراف الأول في محلها" أي القسامة "وهو قتل الحر في محل اللوث" الآتي بيانه "وكذا العبد"، ولو مكاتبا بناء على أن بدله تحمله العاقلة وفي معناه الأمة، ولو أم ولد "فلا قسامة في غير القتل من جرح، وإتلاف مال" بل يصدق المدعى عليه بيمينه على الأصل "وإن كان هناك لوث"; لأن البداءة بيمين المدعى على خلاف القياس، والنص ورد في النفس وحرمتها أعظم من حرمة غيرها ولهذا اختصت بالكفارة وكذا لا قسامة في قتل النفس في غير محل اللوث كما أفهمه كلامه السابق لانتفاء ما يفيد الظن "ولو ارتد المجروح أو نقض العهد" فيما لو كان كافرا "ومات بالسراية قبل الإسلام" في الأولى "أو تجديد العهد" في الثانية "فلا قسامة"; لأن المستحق ضمان الجرح دون النفس فإن مات بالسراية بعد الإسلام أو تجديد العهد جرت القسامة; لأن المستحق حينئذ ضمان النفس.
"واللوث" لغة القوة، ويقال الضعف يقال لاث في كلامه إذا تكلم بكلام ضعيف واصطلاحا "قرينة توقع (٣) في القلب صدق المدعي (٤) كأن يوجد قتيل في مساكن أعدائه" (٥) كالحصن والقرية الصغيرة والمحلة "المنفردة عن البلد الكبير، ولم يخالطهم (٦) غيرهم" حتى لو كانت القرية مثلا بقارعة طريق يطرقها غيرهم فلا لوث لاحتمال أن غيرهم قتله واعتبار عدم المخالطة جرى عليه تبعا
стр. 4656
للإسنوي فقال إنه الصواب فقد نص عليه الشافعي وذهب إليه جمهور الأصحاب بل جميعهم إلا الشاذ، وحكاه النووي في شرح مسلم عن الشافعي، وقال البلقيني: إنه المذهب المعتمد والذي في الأصل تصحيح اعتبار (١) أن لا يساكنهم غيرهم والمراد بغيرهم على كلا القولين من لم تعلم صداقته للقتيل، ولا كونه من أهله، وإلا فاللوث موجود فلا تمنع القسامة، قاله ابن أبي عصرون وغيره (٢) قال الإسنوي تبعا لابن الرفعة ويدل له قضية خيبر فإن إخوة القتيل كانوا معه ومع ذلك شرعت القسامة، قال العمراني (٣): ولو لم يدخل ذلك المكان غير أهله لم تعتبر العداوة "أو" يوجد "قريبا من قريتهم" مثلا "ولا ساكن في الصحراء، ولا عمارة" (٤) ثم "أو" يوجد، وقد "تفرق عنه جمع"، وإن لم يكونوا أعداءه "وبه أثر جرح أو خنق أو عض" وفي نسخة أو عصر "ولو" كان وجوده "في المسجد أو" في "باب الكعبة أو" في "الطواف ونحوه" كبستان، وقوله من زيادته وبه أثر جرح أو خنق أو عض يغني عنه ما يأتي قبيل الطرف الثاني بل ذكره هنا يوهم أنه لا يعتبر فيما قبله، ولا فيما بعده، وليس كذلك "أو" يوجد، وقد "ازدحموا في مضيق" إذ يغلب على الظن أنهم قتلوه أو بعضهم، ولو ترك قوله ازدحموا كان أولى، وأخصر "أو وجد" الأنسب بكلامه يوجد "قتيل في صحراء، وعنده رجل ملطخ سلاحه" أو ثوبه أو بدنه "بالدم، ولا قرينة تعارضه" بأن لا يكون ثم ما تمكن إحالة القتل عليه "فلو وجد بقربه سبع أو رجل" آخر "مول ظهره" قال في الأنوار أو غير مول "أو وجد أثر قدم أو ترشيش دم في غير جهة صاحب السلاح فليس بلوث في حقه" إن لم تدل قرينة على أنه لوث في حقه كأن وجد به جراحات لا يكون مثلها من غيره ممن وجد.
"ثم ولو استفاض" بين الناس "أنه" أي أن فلانا هو "القاتل أو رئي من
стр. 4657
بعيد" يحرك يده كما يفعل من يضرب "فوجد مكانه قتيل أو شهد عدل" (١)، ولو قبل الدعوى.
"وكذا امرأتان أو عبدان (٢) أو صبيان أو فساق (٣) أو ذميون"، ولو دفعة بأنه القاتل "فلوث" في حقه; لأنه يثير الظن، واحتمال التواطؤ كاحتمال الكذب في شهادة العدل الواحد، وقد حكى الرافعي في شهادة من تقبل روايتهم كعبيد ونسوة جاءوا دفعة، وجهين أشهرهما المنع، وأقواهما أنه لوث، واقتصر في الروضة على الأصح بدل الأقوى، قال الإسنوي: وهو عجيب; لأنه لم يذكر ما ذكره الرافعي من أنه بحث، وأن الجمهور على خلافه لا سيما، وقد نقل في المطلب عن الشافعي المنع فيتعين الفتوى به. انتهى. والأوجه مقابله، وعليه اقتصر في الشرح الصغير، ولم ينسب ترجيح المنع إلى أحد وما قاله من أن الرافعي ذكر أنه بحث، وأن الجمهور على خلافه ممنوع على أن القول بالمنع يقتضي القول به في نظيره ممن لم تقبل روايته كفسقة، وهو خلاف ظاهر كلامهم، وتعبير المصنف كأصله بالشهادة يوهم أنه يتعين لفظها، وأنه لا يشترط البيان، وليس كذلك بل يكفي الإخبار، وهو ظاهر ويشترط البيان فقد يظن ما ليس بلوث لوثا ذكره في المطلب (٤).
"لا قول المقتول" أي المجروح جرحني فلان أو قتلني أو دمي عنده أو نحوه فليس بلوث; لأنه مدع فلا يعتمد قوله، وقد يكون بينه وبينه عداوة
стр. 4658
فيقصد إهلاكه (١) "فإن تفرق عنه جمع لا يمكن اجتماعهم على قتله" كما في الازدحام بمضيق "لم تسمع" دعواه عليهم كما مر "وتسمع على بعضهم في الازدحام" كما لو ثبت اللوث في جماعة محصورين (٢) فادعى الولي القتل على بعضهم "ويعتمد القاضي لوثا عاينه"، ولا يخرج على الخلاف في قضائه بعلمه; لأنه يقضي بالأيمان.
"وقتيل الصفين" المتقاتلين أي قتيل أحدهما الموجود عند انكشافهما "إن التحم قتال" بينهما (٣)، ولو بأن وصل سلاح أحدهما إلى الآخر (٤) "فلوث في حق صف العدو" للقتيل إذ الظاهر أن أهل صفه لا يقتلونه "وإلا" أي، وإن لم يتحتم القتال "ففي" أي فهو لوث في "حق" أهل "صفه"; لأن الظاهر أنهم قتلوه "فلو وجد بعضه" أي القتيل "في محلة أعدائه وبعضه في أخرى لأعداء" له "آخرين فللولي أن يعين" أحدهما ويدعي عليه "ويقسم" قال الروياني: وله أن يدعي عليها ويقسم قال في الأصل قال المتولي: ولو وجد قتيل بين قريتين أو قبيلتين، ولم يعرف بينه وبين أحدهما عداوة لم يجعل قربه من إحداهما لوثا; لأن العادة جرت بأن يبعد القاتل القتيل عن فنائه وينقله إلى بقعة أخرى دفعا للتهمة عن نفسه، وما ورد مما يخالف ذلك لم يثبت الشافعي ﵁
стр. 4659
إسناده.
"فصل: قد يعارض اللوث ما يبطله فإذا ظهر لوث على جماعة فللولي أن يعين واحدا أو أكثر" وفي نسخة الأكثر منهم ويدعي عليه ويقسم; لأن اللوث كذلك يظهر، وقلما يختص بالواحد "فإن قال القاتل أحدهم، ولا أعرفه فلا قسامة، وله تحليفهم" (١) قال الإسنوي وغيره: هذا خلاف الصحيح فقد مر أول الباب أنه لو قال قتله أحد هؤلاء وطلب من القاضي تحليف كل واحد منهم لم يجبه للإبهام وسبب ما وقع فيه الرافعي هنا أن الغزالي في الوجيز ذكره هنا كذلك، وهو ممن يصحح سماع الدعوى على غير المعين فقلده ذاهلا عما مر (٢).
وعلى القول بالتحليف "فإن نكل واحد" منهم عن اليمين "فذلك لوث في حقه"; لأن نكوله يشعر بأنه القاتل فللولي أن يقسم عليه "، ولو" وفي نسخة فلو "نكلوا" كلهم عن اليمين "وقال" وفي نسخة أو قال "عرفته فله تعيينه ويقسم" عليه; لأن اللوث حاصل في حقهم جميعا، وقد يظهر له بعد الاشتباه أن القاتل هو الذي عينه "ولو شهد شاهد بقتله مطلقا" عن التقييد بعمد أو غيره بعد دعوى مفصلة أو مطلقة على القول بصحتها "لم يكن" ذلك "لوثا حتى يبين" (٣) إذ لا يمكنه أن يحلف مع شاهده، ولو حلف لا يمكن الحكم به; لأنه لا يعلم صفة القتل حتى يستوفي موجبه فظهور اللوث في أصل القتل دون وصفه لا قسامة فيه لتعذر استيفاء موجبه قال في الأصل بعد هذا كله، وهذا يدل (٤)
стр. 4660
على أن القسامة على قتل موصوف تستدعي ظهور اللوث في قتل موصوف لكن إطلاق الأصحاب يفهم تمكن الولي من القسامة على القتل الموصوف بظهور اللوث في أصل القتل، وليس ببعيد بدليل أنه لو ثبت اللوث في حق جماعة تمكن الولي من القسامة في حق بعضهم فكما لا يعتبر ظهور اللوث في الانفراد والاشتراك لا يعتبر في صفتي العمد وغيره.
"ويصدق" بيمينه "مدعي الغيبة" (١) عن مكان القتل "أو" مدعي "أنه غير من نسب إليه اللوث" كأن قال لم أكن في القوم المتهمين أو لست أنا الذي رئي معه السكين المتلطخ على رأسه; لأن الأصل براءته، وعلى المدعي البينة "فلو قامت بينة بحضوره وبينة بكونه" كان غائبا "في مكان آخر تساقطتا"، وقيل تقدم بينة الغيبة (٢) إن اتفقنا على سبق حضوره والترجيح من زيادته. قال الإسنوي: والصحيح الثاني فقد نقله الإمام عن أصحابنا، وإن اختار هو الأول (٣)