"و" كان "فيهم مطاع" ليحصل به قوة الشوكة، وإن لم يكن إماما لهم (١) وما ذكره من أن الشوكة تحصل بالتقوي بالحصن أخذه من عموم كلام أصله أولا فإنه ذكر أنه يشترط أن يكون لهم شوكة، وعدد بالحيثية المذكورة ثم قال، ولو تقوى قوم قليل بحصن فوجهان عن الإمام ورأى أن الأولى أن يفصل فيقال إن كان الحصن (٢) بحافة الطريق وكانوا يستولون بسببه على ناحية وراء الحصن ثبت لهم الشوكة وحكم البغاة لئلا تتعطل أقضية أهل الناحية، وإلا فليسوا بغاة، ولا يبالي بتعطيل عدد قليل.
"ويجب قتالهم" فقد أجمعت الصحابة عليه "وليسوا فسقة" كما أنهم ليسوا كفرة; لأنهم إنما خالفوا بتأويل جائز باعتقادهم لكنهم مخطئون فيه "ولا اسم البغي ذما والأحاديث" الواردة "في ذلك" (٣) أي فيما يقتضي ذمهم كحديث (٤) "من حمل علينا السلاح فليس منا" (٥) وحديث "من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه" (٦) وحديث "من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فميتته جاهلية" (٧) "محمول على من خرج" عن الطاعة "بلا تأويل" أو بتأويل
стр. 4692
فاسد قطعا.
"ومن فقدت فيهم الشروط" المذكورة بأن خرجوا بلا تأويل كمانعي حق الشرع كالزكاة عنادا أو بتأويل يقطع بفساده كتأويل المرتدين ومانعي حق الشرع كالزكاة الآن والخوارج أو لم يكن لهم شوكة بأن كانوا أفرادا يسهل الظفر بهم أو ليس فيهم مطاع "فليس لهم حكمهم" أي البغاة لانتفاء حرمتهم; ولأن ابن ملجم قتل عليا متأولا بأنه وكيل امرأة قتل علي أباها فاقتص منه، ولم يعط حكمهم في سقوط القصاص لانتفاء شوكته.
"فرع: الخوارج قوم" من المبتدعة "يكفرون من ارتكب كبيرة" ويطعنون بذلك في الأئمة، ولا يحضرون معهم الجمعة والجماعات "فلا يقاتلون، ولا يفسقون ما لم يقاتلوا" وكانوا في قبضة الإمام (١) كما ذكره الأصل; لأن عليا ﵁ سمع رجلا من الخوارج يقول لا حكم إلا لله ولرسوله ويعرض بتخطئة تحكيمه فقال كلمة حق أريد بها باطل لكم علينا ثلاث (٢) لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروه فيها، ولا الفيء ما دامت أيديكم معنا، ولا نبدأ بقتالكم نعم إن تضررنا بهم تعرضنا لهم حتى يزول الضرر نقله القاضي عن الأصحاب. أما إذا قاتلوا، ولم يكونوا في قبضة الإمام فيقاتلون، ولا يتحتم قتل القاتل منهم كما سيأتي قال في الأصل مع هذا، وأطلق البغوي أنهم إن قاتلوا فهم فسقة، وأصحاب نهب فحكمهم حكم قطاع الطريق وبه جزء في المنهاج، وأصله ومحله أخذا مما يأتي قريبا إذا قصدوا إخافة الطريق (٣).
"وإن سبوا الأئمة وغيرهم" من أهل العدل "عزروا إلا إن عرضوا" بالسب فلا يعزرون; لأن عليا لم يعزر الذي عرض به; ولأن الجماعة لا تكاد تخلو من أن يكون فيها من يعرض بالسلطان أو غيره.
"فإن قتلوا أحدا" ممن يكافئهم هذا أولى من قول أصله، ولو بعث إليهم واليا
стр. 4693
فقتلوه "اقتص منهم" كغيرهم "ولا يتحتم قتلهم"، وإن كانوا كقطاع الطريق في شهر السلاح; لأنهم لم يقصدوا إخافة الطريق.
стр. 4694
"الطرف الثاني في حكمهم" أي البغاة
"فنجيز" نحن "شهادة البغاة وننفذ قضاءهم فيما ينفذ فيه قضاؤنا" لانتفاء فسقهم "إن علمنا أنهم لا يستحلون دماءنا وأموالنا، ولم يكونوا خطابية"، وهم صنف من الرافضة يشهدون بالزور ويقضون به لموافقيهم بتصديقهم فإن لم نعلم عدم استحلالهم لما ذكر بأن علمنا استحلالهم له (١) أو لم نعلمه امتنع ذلك لانتفاء العدالة لكن محله في الأولى إذا استحلوا ذلك بالباطل (٢) عدوانا ليتوصلوا به إلى إراقة دمائنا، وإتلاف أموالنا وما ذكره كأصله في الشهادات من التسوية في تنفيذ ما ذكر بين من يستحل الدماء والأموال وغيره محله في غير ذلك (٣) فلا تناقض، وأما إذا كانوا خطابية فيمتنع منا ذلك أيضا، وإن علمنا أنهم لا يستحلون ما ذكر لكن محله إذا فعلوا ذلك مع موافقيهم كما سيأتي في الشهادات نعم لو بينوا في شهادتهم السبب قبلت لانتفاء التهمة حينئذ كما سيأتي. ثم وخرج بما ينفذ فيه قضاؤنا غيره كأن حكموا بما يخالف النص أو الإجماع أو القياس الجلي فلا ننفذه.
"ولو كتبوا بحكم" منهم إلى حاكمنا "جاز تنفيذه"; لأنه حكم أمضي والحاكم به من أهله بل لو كان الحكم لواحد منا على واحد منهم (٤) فالمتجه وجوب تنفيذه (٥) قاله الأذرعي "وكذا" لو كتبوا "بسماع بينة" يجوز لنا الحكم بها لتعلق الحكم برعايانا
стр. 4695
"ويستحب" لنا "أن لا ننفذ حكمهم" استخفافا بهم "وليعتد بما استوفوه" (١) بالبلد الذي استولوا عليه "من حدود"، وتعازير "وخراج" وزكاة (٢) "وجزية" لاعتمادهم التأويل المحتمل فأشبه الحكم بالاجتهاد ولما في عدم الاعتداد به (٣) من الإضرار بالرعية.
"وكذا لو فرقوا سهم المرتزقة في جندهم" يعتد به; لأنهم من جند الإسلام ورعب الكفار قائم بهم "ولو ادعى المطلوب بالخراج والجزية استيفاءهم" منه لهما، ولا بينة له "لم يقبل قوله"; لأن كلا منهما أجرة فكان المطلوب بهما كالمستأجر "بخلاف الزكاة"; لأنها عبادة ومواساة ومبناها على الرفق "و" بخلاف "الحد الثابت بالإقرار"; لأن المقر به يقبل رجوعه عنه، وقد أنكر بما يدعيه بقاء الحد عليه فيجعل كالرجوع "لا البينة" أي لا الحد الثابت بها فلا يقبل قول المطلوب به أنه استوفى منه; لأن الأصل عدم استيفائه، ولا قرينة تدفعه "إلا إن بقي أثره" على بدنه فيقبل قوله للقرينة.
стр. 4696
"الطرف الثالث"في حكم الضمان، وما أتلفوه أو أتلفناه في غير الحرب" (١) بلا ضرورتها "من نفس ومال مضمون" على الأصل في الإتلافات"
"وما أتلفناه أو أتلفوه بضرورة الحرب فهدر" اقتداء بالسلف، وترغيبا في الطاعة; ولأنا مأمورون بالقتال (٢) فلا يضمن ما يتولد منه، وهم إنما أتلفوا بتأويل "وما أتلف فيها بلا حاجة" تتعلق بها "ضمن" كالمتلف في غيرها "ويجب رد الأموال المأخوذة في القتال على الفريقين" إلى أربابها.
"فرع" لو "وطئ باغ أمة عادل" بلا شبهة "حد ورق الولد، ولا نسب"; لأن الوطء حينئذ زنا "ومتى كانت مكرهة" على الوطء "لزمه المهر" كغيره "وإن وطئها" يعني أمة غيره "حربي"، ولا شبهة، وأولدها "رق الولد"، ولا نسب "و" لكن "لا حد" عليه "ولا مهر"; لأنه لم يلتزم الأحكام.
"فصل: المتأولون بلا شوكة وذوو الشوكة بلا تأويل لا تنفذ أحكامهم، ولا يعتد بحقوق قبضوها" لانتفاء شروطهم "ويضمن المتلفات"، ولو في الحرب "من لا شوكة له" كقطاع الطريق، وإلا لأبدت كل شرذمة مفسدة تأويلا وفعلت ما شاءت وبطلت السياسات "وذوو الشوكة بلا تأويل كباغين" في الضمان، وعدمه فلا يضمنون المتلفات لحاجة الحرب; لأن سقوط الضمان عن الباغين لقطع الفتنة واجتماع الكلمة، وهذا موجود هنا بخلاف ما لو ارتدت طائفة لهم شوكة فأتلفوا مالا أو نفسا في القتال ثم تابوا، وأسلموا فإنهم يضمنون لجنايتهم على الإسلام
стр. 4697
كما نقله الماوردي عن النص في أكثر كتبه وابن الرفعة عن الجمهور، وقال الإسنوي إنه الصحيح ونقله عن تصحيح جماعات، وقطع آخرين، وقال الأذرعي (١): إنه الوجه وحكى الأصل في ذلك وجهين بلا ترجيح (٢).
стр. 4698
"الطرف الرابع في كيفية قتالهم" (٣)
"والمقصود به ردهم إلى الطاعة" لا نفيهم، وقتلهم فيقاتلون "كالصائل فلا يقاتلهم" الإمام "حتى" يبعث إليهم أمينا (٤) فطنا ناصحا "يسألهم ما ينقمون" أي يكرهون.
"فإن ذكروا مظلمة" بكسر اللام وفتحها "أو شبهة أزالها" عنهم; لأن عليا بعث ابن عباس ﵃ إلى أهل النهروان فرجع بعضهم إلى الطاعة "فإن أبوا" عن الرجوع بعد الإزالة "وعظهم"، وأمرهم بالعود إلى الطاعة لتكون كلمة أهل الدين واحدة "ثم" إذا لم يتعظوا "يعرض عليهم المناظرة (٥) فإن أصروا"
стр. 4699
على إبائهم "آذنهم" بالمد أي أعلمهم (١) "بالقتال"; لأنه تعالى أمر بالإصلاح ثم بالقتال فلا يجوز تقديم ما أخره الله "فإن" وفي نسخة، وإن "استنظروه" أي طلبوا منه الإنظار "وله" فيه "مصلحة" بأن ظهر له أن استنظارهم للتأمل في إزالة الشبهة "أنظرهم" بحسب ما يراه (٢) "لا إن خشي مضرة" بأن ظهر له أن استنظارهم لتقويهم كاستلحاق مدد فلا ينظرهم "وإن بذلوا مالا ورهنوا أولادا" ونساء لاحتمال تقويهم واستردادهم ذلك، وإذا كان بأهل العدل ضعف أخر القتال للخطر صرح به الأصل "فإن سألوا الكف عنهم حال الحرب ليطلقوا أسرانا وبذلوا" بذلك "رهائن قبلناها" استيثاقا واستمالة لأسرانا "فإن قتلوا الأسارى لم تقتل الرهائن"; لأن القاتل غيرهم "بل يطلقهم كأساراهم" بعد انقضاء الحرب فإن أطلقوهم أطلقناهم.
"فإن انهزموا متبددين" أي متفرقين بحيث بطلت شوكتهم واتفاقهم "لم نتبعهم (٣)، ولو خفنا أن يجتمعوا" في المآل للنهي عنه كما رواه البيهقي والحاكم (٤) ; ولأنه لا اعتبار بما يتوقع "أو" انهزموا "مجتمعين تحت راية زعيمهم اتبعناهم" حتى يرجعوا إلى الطاعة أو يتبددوا "ومن تخلف منهم عجزا"، ولو غير مختار "أو ألقى سلاحه تاركا القتال لم يقتل" عبارة الرافعي لم يقاتل، وهي أولى، وقوله كأصله ألقى سلاحه ليس بقيد بل لو ترك القتال، وهو معه كان الحكم كذلك (٥) ; لأن القصد بقتاله الكف، وهو حاصل بالترك "ويقاتل مول" ظهره "تحرف للقتال أو تحيز إلى فئة قريبة لا بعيدة" لأمن غائلته في البعيدة دون ما
стр. 4700
قبلها، ولا عبرة بما يتوقع.
"ولا يقتل مثخنهم" من أثخنه الجرح أي أضعفه "ولا أسراهم" (١) للنهي عنهما (٢) في الخبر السابق.
"وينبغي أن تعرض عليهم" أي على أسراهم الرجال "التوبة" وبيعة الإمام "ويطلقون بعد" انقضاء "الحرب"، وتفرق الجمع "إلا إن خيف عودهم" إلى القتال فلا يطلقون، وقوله وينبغي إلخ من زيادته أخذه من كلام القاضي وبعضه بعلم مما يأتي آخر الفصل بل إن جعل ضمير عودهم للبغاة لا للأسارى فذلك كله تكرار.
"فلو كانوا مراهقين، وعبيدا ونساء غير مقاتلين أو أطفالا أطلقوا بعدها" أي بعد الحرب من غير أن يعرض عليهم البيعة، وإن خفنا عودهم إلى القتال إذ لا بيعة لهم فإن كانوا مقاتلين فهم كالرجال، وقال البلقيني وغيره: إنه مخالف لمقتضى نص الأم من أنهم كغير المقاتلين "والأموال" التي ليست من آلات الحرب "كالأطفال" فترد عليهم بعد انقضاء الحرب، وإن خفنا عودهم إلى القتال "والخيل والسلاح كالأسارى" فيردان إليهم بعد انقضاء الحرب إلا إن خفنا عودهم إلى القتال.
"ويحرم استعمالها" أي الأموال والخيل والسلاح في قتال أو غيره لخبر "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه" (٣) "إلا لضرورة" كأن تعين السلاح للدفع والخيل للهزيمة "كمال" أي كما لا يجوز أكل مال "الغير" إلا لضرورة بأن اضطر إليه، وقضيته وجوب أجرة استعمالها في القتال للضرورة (٤) لكن الأوجه
стр. 4701
خلافه كما اقتضاه كلام الأنوار (١) لما مر من أنه لا ضمان لما يتلف في القتال ويفارق مسألة المضطر بأن الضرورة فيه نشأت من المضطر بخلافها في مسألتنا فإنها إنما نشأت من جهة المالك.
"ولا نقاتلهم بما يعم" ويعظم أثره "كالمنجنيق والنار" (٢)، وإرسال السيول الجارفة "ولو تعذر الاستيلاء" عليهم بغير ذلك كأن تحصنوا ببلدة، ولم يتأت الاستيلاء عليهم إلا بذلك; لأن المقصود بقتالهم ردهم (٣) إلى الطاعة، وقد يرجعون فلا يجدون للنجاة سبيلا; ولأن ترك بلدة بأيدي طائفة من المسلمين يتوقع الاحتيال في فتحها أقرب إلى الصلاح من استئصالهم "إلا لضرورة دفع" بأن خيف استئصالنا بهم بأن أحاطوا بنا واضطررنا إلى دفعهم بذلك أو قاتلونا به واحتجنا إلى دفعهم إلى مثله فيجوز أن نقاتلهم به "ويتجنب" العادل ندبا "قريبه" الباغي أي قتاله "ما أمكن" بل يكره له ذلك كما قاله الإمام وغيره (٤).
"وتحرم الاستعانة" عليهم "بكافر"، ولو ذميا إذ لا يجوز تسليطه علينا لقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ [النساء: ١٤١] ; ولأن المقصود ردهم إلى الطاعة والكفار يدينون بقتلهم (٥) نعم يجوز الاستعانة بهم عند الضرورة (٦) كما نقله الأذرعي وغيره عن المتولي، وقالوا إنه متجه "وكذا" يحرم على من لا يرى قتلهم مدبرين الاستعانة عليهم "بمن يرى قتلهم مدبرين" (٧)
стр. 4702
لعداوة أو لاعتقاد كالحنفي إبقاء عليهم، وفرق الماوردي بينه وبين جواز استخلاف الشافعي الحنفي ونحوه بأن الخليفة ينفرد برأيه واجتهاده والمذكورون هنا تحت رأي الإمام ففعلهم منسوب إليه فلا يجوز أن يعملوا بخلاف اجتهاده "إلا إن احتجناهم" أي احتجنا إلى من يرى قتلهم مدبرين "ولهم إقدام" أي حسن إقدام "وجراءة، وأمكن" دفعهم عنهم لو اتبعوهم بعد انهزامهم زاد الماوردي وشرطنا عليهم (١) أن لا يتبعوا مدبرا، ولا يقتلوا جريحا ونثق بوفائهم بذلك.
"وإن قتل" والحرب قائمة "أسيرهم أو مثخنهم" أو مدبرهم أو ذفف جريحهم "فلا قصاص لشبهة" تجويز "أبي حنيفة" قتله "ولا يطلق أسيرهم، وجموعهم باقية"، ولو بعد انقضاء الحرب "إلا إن تاب وبايع" الإمام، ولفظ تاب من زيادته "، وإن تفرقوا أطلق" الأسير، ولو توقع عودهم "وينبغي أن يعرض على الأسير" منهم "البيعة" للإمام.
"فصل: لو عقد البغاة ذمة" أي أمانا "الحربيين (٢) ليعينوهم" علينا "نفذت في حقهم"; لأنهم أمنوهم "لا" في "حقنا"; لأن الأمان لترك قتال المسلمين فلا ينعقد بشرط القتال (٣) قال في الكفاية: وإذا حاربونا معهم لم يبطل أمانهم في حقهم (٤) بخلاف ما لو أمن شخص مشركا فقصد مسلما أو ماله فلمؤمنه مجاهدته; لأن تأمينه ليكف عن الكل فانتقض بقتال أحدهم بخلاف الحربي مع البغاة أما إذا عقدوها لهم بغير شرط إعانتهم علينا فينفذ في حقنا أيضا فإذا اعتانوا بهم علينا انتقض عهدهم في حقنا نص عليه والقياس انتقاضه في حقهم أيضا (٥)
стр. 4703
"فما أتلفوه على البغاة لا علينا ضمنوه" لصحة الأمان في حقهم لا في حقنا "ونستبيحهم" نحن بأن نغنم أموالهم ونسترقهم ونسبي نساءهم وذراريهم ونقتل مدبرهم ونذفف على جريحهم "ونقتل أسيرهم" بخلاف البغاة، ولا حاجة لقوله ونقتل أسيرهم لدخوله فيما قبله.
"فلو قالوا" أي الحربيون "ظنناهم" أي البغاة "المحقين" قال الرافعي: وإن لنا إعانة المحقين (١) "أو ظننا جواز الإعانة" لهم في قتالكم أو أنهم استعانوا بنا في قتال كفار وأمكن صدقهم فيما قالوه "بلغوا المأمن، وأجري عليهم حكم البغاة" في القتال فلا نستبيحهم للأمان مع عذرهم.
"فإن أعانهم" علينا "ذميون أو مستأمنون (٢) مختارين عالمين بالتحريم" لقتالهم لنا "انتقض عهدهم في حقنا وحق البغاة"، ولو قالوا ظنناهم المحقين كما لو انفردوا بالقتال، والتصريح بالعلم بالتحريم في المستأمنين من زيادته "ولهم" الأولى فلهم "حكم أهل الحرب" فنستبيحهم نحن والبغاة، ونقتل أسيرهم، ولو أتلفوا بعد الشروع في القتال شيئا لم يضمنوه.
"وإن ذكروا عذرا" في إعانتهم إياهم بأن قالوا ظننا أنهم المحقون، وأن لنا إعانة المحقين أو أنه يجوز لنا إعانتهم أو أنهم استعانوا بنا في قتال كفار وأمكن صدقهم أو أنهم كانوا مكرهين "لم ينتقض" عهدهم لموافقتهم طائفة مسلمة مع عذرهم "لا المستأمن" الشامل للمعاهد في دعواه الإكراه "فإنه يشترط" في عدم انتقاض أمانه "إقامة البينة بإكراهه" فإن لم يقمها انتقض; لأن أمانه ينتقض بخوف القتال فبحقيقته أولى بخلاف الذمي "ويقاتلون" أي الذين لم ينتقض عهدهم "كالبغاة لكنهم يضمنون" ما أتلفوه علينا مطلقا أي سواء أتلفوه في الحرب أم لا بخلاف البغاة كما مر استمالة لقلوبهم لئلا ينفرهم الضمان; ولأن لهم تأويلا، وأهل الذمة والأمان في قبضتنا، ولا تأويل لهم.
"وهل يقتص منهم" إذا قتلوا نفسا في الحرب "وجهان" قال ابن الرفعة المشهور القطع بالوجوب، وصححه البلقيني، وقال إنه ظاهر نص الشافعي.
стр. 4704
"ولو حارب ذميون بغاة لم ينتقض عهدهم"; لأنهم حاربوا من على الإمام محاربته، ويقاس بهم المستأمنون (١).
"فصل" لو "اقتتل طائفتان باغيتان منعهما الإمام" من الاقتتال فلا يعين إحداهما على الأخرى "فإن عجز" عن منعهما "قاتل أشرهما بالأخرى" التي هي أقرب إلى الحق "فإن رجعت" من قاتلها إلى الطاعة "لم يفاجئ الأخرى بالقتال حتى ينذرها" أي يدعوها إلى الطاعة "لأنها" باستعانته بها صارت "في أمانه فإن استوتا اجتهد" فيهما "وقاتل المضمومة" منهما إليه الأخرى "غير قاصد إعانتها" بل قاصدا دفع الأخرى، وقال الماوردي: فإن استويا ضم إليه أقلهما جمعا (٢) ثم أقر بهما دارا ثم يجتهد.
"وعلى العادل" منا "مصابرة باغيين" (٣) في الجماعة كما في قتال الكفار فلا يولي عنهما إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة. "وإن غزا البغاة مع الإمام" مشركين "فكأهل العدل في" حكم "الغنائم، وإن وادعوا" أي البغاة أي عاهدوا "مشركا اجتنبناه" بأن لا نقصده بما يقصد به الحربي غير المعاهد "ويستنقذ" وجوبا "منهم سبايا مشركين أمناهم ومن تعمد قتل باغ أمنه عادل، ولو" كان المؤمن له "عبدا" أو امرأة "اقتص منه أو قتله جاهلا" بأمانه
стр. 4705
"فالدية" تلزمه "ويستنقذ" وجوبا "أسير البغاة من الكفار" إن قدرنا على استنقاذه.
"وإن قتل عادل عادلا في القتال، وقال ظننته باغيا حلف ووجبت الدية" لا القصاص للعذر.
стр. 4706
"كتاب الردة"
"هي" لغة الرجوع عن الشيء إلى غيره وشرعا ما سيأتي، وهي "أفحش الكفر، وأغلظه حكما" لقوله تعالى ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧] الآية ولقوله ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] ولخبر البخاري "من بدل دينه فاقتلوه (١) " (٢)
"وفيه بابان"
"الأول في حقيقتها"
ومن تصح منه وفيه طرفان الأول في حقيقتها، وهذا سقط من نسخة، ولا بد منه لقوله بعد الطرف الثاني فيمن تصح ردته "وهي قطع الإسلام (٣) إما بتعمد فعل"، ولو بقلبه استهزاء أو جحودا "كسجود لصنم، وإلقاء مصحف" أو نحوه ككتب الحديث (٤) "في قذر استخفافا" أي على وجه يدل على الاستخفاف بهما وكأنه احترز به في الأولى عما لو سجد بدار الحرب فلا يكفر كما نقله القاضي عن النص (٥)، وإن زعم الزركشي أن المشهور خلافه وفي الثانية عما
стр. 4707
لو ألقاه في قذر خيفة أخذ الكفار له إذ الظاهر أنه لا يكفر به (١)، وإن حرم عليه "وسحر فيه عبادة الشمس" ونحوها كالمشي إلى الكنائس مع أهلها بزيهم من الزنانير وغيرها كما ذكره الأصل (٢) "وأما بقول كفر صدر عن اعتقاد أو عناد أو استهزاء" بخلاف ما لو اقترن به ما يخرجه عن الردة كاجتهاد أو سبق لسان أو حكاية أو خوف (٣).
"فمن" مبتدأ خبره قوله بعد كفر أي فمن "اعتقد قدم العالم" بفتح اللام، وهو ما سوى الله تعالى "وحدوث" وفي نسخة أو حدوث "الصانع" المأخوذ من قوله تعالى ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ (٤) [لنمل: ٨٨] أو جحد جواز بعثة الرسل أو نفى ما هو ثابت للقديم بالإجماع ككونه عالما قادرا أو أثبت ما هو منفي عنه بالإجماع كالألوان كما صرح بذلك الأصل، وأورد في المهمات على الأخير أن المجسمة ملتزمون بالألوان مع أنا لا نكفرهم على المشهور (٥) كما سيأتي في الشهادات قال لكن في شرح المهذب في صفة الأئمة (٦) الجزم بتكفيرهم.
"أو كذب نبيا" في نبوته أو غيرها "أو جحد آية من المصحف مجمعا عليها" أي على ثبوتها "أو زاد فيه كلمة معتقدا أنها منه أو استخف بنبي" (٧) بسب أو غيره "أو سنة" كأن قيل له قلم أظفارك فإنه سنة فقال لا أفعل، وإن كان سنة.
"أو أنكر الوجوب أو التحليل" الصادق بالإباحة والندب والكراهة "أو تحريم
стр. 4708
المجمع عليه (١) المعلوم من الدين" بالضرورة، وإن لم يكن فيه نص كوجوب الصلاة والزكاة والحج، وتحليل البيع والنكاح، وتحريم شرب الخمر والزنا (٢) بخلاف ما لا يعرفه إلا الخواص (٣)، وإن كان فيه نص كاستحقاق بنت الابن السدس مع بنت الصلب، وتحريم نكاح المعتدة فلا يكفر منكره للعذر بل يعرف الصواب ليعتقده وفي هذا كلام للمصنف (٤) في شرح الإرشاد ذكرته مع الجواب عنه في شرح البهجة، ولو حذف أل من الوجوب والتحليل ليكونا مضافين لمثل ما أضيف له تحريم كان أولى وأخصر، وأنسب بكلام أصله "أو أنكر ركعة من" الصلوات "الخمس" هذا داخل في إنكار الوجوب.
"أو" اعتقد وجوب ما ليس بواجب بالإجماع كأن "زعم زيادة" صلاة "سادسة" أو وجوب صوم شوال "أو قذف عائشة" ﵂; لأن القرآن نزل ببراءتها بخلاف سائر زوجاته "أو ادعى نبوة بعد نبينا ﵇ أو
стр. 4709
صدق مدعيها أو كفر مسلما"، ولو "لذنبه" (١)، وقوله لذنبه من زيادته، ولو تركه كان أولى وأخصر (٢)، وإنما كفر مكفره; لأنه سمى الإسلام كفرا ولخبر مسلم "من دعا رجلا بالكفر أو قال عدو الله، وليس كذلك إلا حار عليه" (٣) أي رجع عليه هذا إن كفره "بلا تأويل" للكفر بكفر النعمة (٤) أو نحوه، وإلا فلا يكفر، وهذا ما نقله الأصل عن المتولي، وأقره والأوجه ما قاله النووي في شرح مسلم أن الخبر محمول على المستحل فلا يكفر غيره، وعليه يحمل قوله في أذكاره إن ذلك يحرم تحريما مغلظا.
"أو عزم على الكفر أو علقه" بشيء كقوله إن هلك مالي أو ولدي تهودت أو تنصرت "أو تردد هل يكفر" أو لا; لأن استدامة الإيمان واجبة فإذا تركها كفر وبهذا فارق عدم تفسيق العدل بعزمه على فعل كبيرة أو تردده فيه "أو رضي بالكفر" (٥) كأن أمر مسلما به "أو" الأولى والأنسب بالأصل. . . . . . . . . . .
стр. 4710
كأن (١) "أشار به" على مسلم أو على كافر أراد الإسلام بأن أشار عليه باستمراره على كفره "أو لم يلقن الإسلام طالبه" منه "أو امتهل" أي استمهل "منه" تلقينه كأن قال له اصبر ساعة; لأنه اختار الكفر على الإسلام، وهذا كله نقله الأصل عن المتولي، وأقره ونقله عنه النووي في مجموعه ما عدا إشارته به على مسلم لكنه قال وما قاله إفراط والصواب أنه ارتكب معصية عظيمة، قال الأذرعي: والتصويب ظاهر فيما عدا إشارته عليه بأن لا يسلم، وقال الزركشي بل الصواب ما قاله المتولي.
"أو سخر باسم الله" أو بأمره، أو وعده أو وعيده كما ذكره الأصل "أو" باسم "رسوله أو قال لو أمرني" الله أو رسوله "بكذا لم أفعل" والتصريح بذكر حكم اسم رسوله من زيادته "أو" لو "جعل القبلة هنا لم أصل" إليها قال الأذرعي ومحله إذا قاله استحفافا أو استغناء لا إن أطلق "أو" لو "اتخذ" الله "فلانا نبيا لم أصدقه (٢)، ولو" أي أو لو "أوجب" الله "علي الصلاة مع حالي هذا" أي من مرض وشدة "لظلمني" أو قال المظلوم هذا بتقدير الله فقال الظالم أنا أفعل بغير تقديره كما ذكره الأصل "أو لو شهد" عندي نبي "بكذا أو ملك لم أقبله" (٣) أو قال إن الله جلس للإنصاف أو قام للإنصاف كما ذكره الأصل وكان المصنف تركه; لأن قائله مجسم والمشهور عدم تكفيره.
"أو إن كان ما قاله الأنبياء صدقا نجونا أو لا أدري النبي إنسي أو جني" أو قال إنه جن كما ذكره الأصل "أو لا أدري ما الإيمان" احتقارا "أو صغر عضوا
стр. 4711
منه" أي من النبي ﷺ "احتقارا أو صغر اسم الله تعالى" هذا أخذه من قول الأصل واختلفوا فيمن نادى رجلا اسمه عبد الله، وأدخل في آخره حرف الكاف الذي تدخل التصغير بالعجمية فقيل يكفر، وقيل إن تعمد التصغير كفر، وإن لم يقصد أو جهل ما يقول فلا فالترجيح من زيادة المصنف، وعليه جرى صاحب الأنوار.
"أو قال لمن حوقل لا حول لا يغني من جوع أو كذب المؤذن" في أذانه كأن قال له تكذب "أو سمى الله على" شرب "خمر أو على زنا استخفافا" باسمه تعالى "أو قال لا أخاف القيامة" قال الأذرعي وغيره هذا إذا قصد (١) الاستخفاف، وإلا فلا يكفر ويحمل الإطلاق على قوة رجائه وسعة غفران الله ورحمته "أو" قال "قصعة من ثريد خير من العلم أو قال لمن قال أودعت الله مالي أودعته من لا يتبع السارق" إذا سرق، وقيده الأذرعي بما قيد به ما تقدم آنفا، ويحمل الإطلاق على ستر الله إياه ونحوه.
"أو قال توفني إن شئت مسلما أو كافرا أو" قال "أخذت مالي وولدي فما تصنع أيضا" أو ماذا بقي لم تفعله "أو قال المعلم" للصبيان مثلا "اليهود خير من المسلمين"; لأنهم "ينصفون معلمي صبيانهم" نقله الأصل عن الحنفية وارتضاه قال الأذرعي وغيره: والظاهر عدم موافقة أئمتنا لهم فيه; لأن المعلم لم يقصد الخير المطلق بل في الإحسان للمعلم ومراعاته "أو أعطى من أسلم مالا فقال" مسلم "ليتني (٢) كنت كافرا فأسلم فأعطى مالا أو أنكر" شخص "صحبة أبي بكر" ﵁ للنبي ﷺ ; لأن الله سبحانه، وتعالى نص عليها بقوله: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠] بخلاف سائر الصحابة "أو قيل ألست مسلما فقال لا عمدا أو نودي يا يهودي" أو نحوه "فأجاب" بقوله لبيك أو نحوه قال في الروضة وفيه نظر إذا لم ينو شيئا، وقال الأذرعي الظاهر أنه لا يكفر (٣) إذا لم ينو غير إجابة الداعي.
стр. 4712
"أو قال" كان "النبي" ﷺ "أسود أو أمرد أو غير قرشي"; لأن وصفه بغير صفته نفي له، وتكذيب به "أو" قال "النبوة مكتسبة أو تنال رتبتها بصفاء القلوب أو أوحي إلي"، وإن لم يدع النبوة "أو" قال "إني دخلت الجنة فأكلت من ثمارها، وعانقت حورها" عبر في الروضة بدل الماضي في الأفعال الثلاثة بالمضارع وكلاهما صحيح "أو شك في تكفير اليهود والنصارى" عبارة الروضة أو لم يكفر من دان بغير الإسلام كالنصارى أو شك في كفرهم أو صحح مذهبهم فعبارته أعم من عبارة المصنف مع زيادة حكم "و" في تكفير "طائفة ابن عربي" الذين ظاهر كلامهم عند غيرهم الاتحاد وغيره، وهذا من زيادته، وهو بحسب ما فهمه كبعضهم من ظاهر كلامهم والحق أنهم مسلمون (١) أخيار وكلامهم جار على اصطلاحهم كسائر الصوفية، وهو حقيقة عندهم في مرادهم، وإن افتقر عند غيرهم ممن لو اعتقد ظاهره عنده كفر إلى تأويل إذ اللفظ المصطلح عليه حقيقة في معناه الاصطلاحي مجاز في غيره فالمعتقد منهم لمعناه معتقد لمعنى صحيح، وقد نص على ولاية ابن عربي جماعة علماء عارفون بالله منهم الشيخ تاج الدين بن عطاء الله والشيخ عبد الله اليافعي، ولا يقدح فيه وفي طائفته ظاهر كلامهم المذكور عند غير الصوفية لما قلناه; ولأنه قد يصدر عن العارف بالله إذا استغرق في بحر التوحيد والعرفان بحيث تضمحل ذاته في ذاته وصفاته في صفاته ويغيب عن كل ما سواه عبارات تشعر بالحلول والاتحاد لقصور العبارة عن بيان حاله الذي ترقى إليه، وليست في شيء منهما كما قاله العلامة السعد التفتازاني وغيره "أو ضلل الأمة" أي نسبهم إلى الضلال "أو كفر الصحابة" بأن نسبهم إلى الكفر "أو أنكر إعجاز القرآن" أو غير شيئا منه كما صرح به الأصل "أو" أنكر "مكة" أو البيت أو المسجد الحرام كما صرح بهما في الروضة "أو شك فيها" بأن قال لا أدري أن هذه
стр. 4713
المسماة بمكة هي مكة أو غيرها "أو" أنكر "الدلالة على الله في خلق السماوات والأرض" بأن قال ليس في خلقهما دلالة عليه تعالى "أو أنكر البعث" للموتى من قبورهم بأن يجمع أجزاءهم الأصلية ويعيد الأرواح إليها "أو الجنة أو النار" أو الحساب أو الثواب أو العقاب كما صرح بها في الروضة.
"أو" أقر بها لكن "قال المراد بها غير معانيها" أو قال الأئمة أفضل من الأنبياء كما صرح به الأصل "كفر" بجميع ما ذكر كما تقرر لمخالفة ما نص عليه الشارع صريحا في بعضها وما أجمع عليه في الباقي هذا إن علم معنى ما قاله "لا إن جهل ذلك لقرب إسلامه أو بعده عن المسلمين" فلا يكفر لعذره، ولا إن قال مسلم لمسلم سلبه الله الإيمان أو لكافر لا رزقه الله الإيمان; لأنه مجرد دعاء عليه بتشديد الأمر والعقوبة عليه، ولا إن دخل دار الحرب وشرب معهم الخمر، وأكل لحم الخنزير، ولا إن قال الطالب ليمين خصمه، وقد أراد الخصم أن يحلف بالله تعالى لا أريد الحلف بالله تعالى بل بالطلاق أو العتاق، ولا إن قال رؤيتي إياك كرؤية ملك الموت، ولا إن قرأ القرآن على ضرب الدف أو القصب أو قيل له تعلم الغيب فقال نعم أو خرج لسفر فصاح العقعق فرجع. ولا إن صلى بغير وضوء متعمدا أو بنجس أو إلى غير القبلة، ولم يستحل ذلك، ولا إن تمنى حل ما كان حلالا في زمن قبل تحريمه كأن تمنى أن لا يحرم الله الخمر أو المناكحة بين الأخ والأخت أو الظلم (١) أو الزنا أو قتل النفس بغير حق، ولا إن شد الزنار على وسطه أو وضع قلنسوة المجوس على رأسه أو شد على وسطه زنارا ودخل دار الحرب للتجارة أو ليخلص الأسارى، ولا إن قال النصرانية خير من المجوسية أو المجوسية شر من النصرانية، ولا إن قال لو أعطاني الله الجنة ما دخلتها صرح بذلك كله في الروضة مع الأصل في بعضه لكن رجح صاحب الأنوار في الأخيرة أنه يكفر قال الأذرعي ومحله إذا قاله (٢) استخفافا أو استغناء لا إن أطلق. وقال الإسنوي في مسألة من صلى بنجس ما اقتضاه كلامه من كفر من استحل الصلاة بالنجس ممنوع فإنه ليس مجمعا على تحريمها بل ذهب جماعة من العلماء إلى الجواز كما ذكره النووي في مجموعه وفي الروضة أيضا عن القاضي عياض أنه لو شفي مريض ثم قال
стр. 4714
لقيت في مرضي هذا ما لو قتلت أبا بكر، وعمر ﵄ لم أستوجبه فقال بعض العلماء يكفر ويقتل; لأنه يتضمن النسبة إلى الجور، وقال آخرون لا يتحتم قتله ويستتاب ويعزر. انتهى. وقال المحب الطبري الأظهر أنه لا يكفر (١) وفيها أيضا لو قال فلان في عيني كاليهودي والنصراني في عين الله أو بين يدي الله فمنهم من قال كفر ومنهم من قال إن أراد الجارحة كفر، وإلا فلا، قال الأذرعي: والظاهر أنه لا يكفر مطلقا (٢) ; لأنه ظهر منه ما يدل على التجسيم، والمشهور أنا لا نكفر المجسمة.
"الطرف الثاني فيمن تصح ردته" ومن لا تصح ردته "ولا تصح" الردة "إلا من مكلف مختار" فلا تصح من مجنون وصبي ومكره كسائر العقود "فإن ارتد ثم جن أمهل" (٣) بالقتل; لأنه قد يعقل ويعود إلى الإسلام "فإن قتل مجنونا فهدر"، وإن فوت قاتله الاستتابة الواجبة فينبغي أن يعزر لذلك.
"وإن ثبت زناه ببينة لا بإقرار أو أقر بقذف أو قصاص ثم جن استوفى" منه "في" حال "جنونه"; لأنه لا يسقط برجوعه بخلاف ما لو ثبت زناه بإقراره ثم جن لا يستوفى منه حينئذ احتياطا فلو استوفى منه حينئذ لم يجب فيه شيء كما ذكره الأصل وبخلاف صورة الردة كما مر; لأن الاستتابة فيها واجبة.
"وتصح ردة السكران" (٤) كسائر تصرفاته "وفي صحة استتابته وجهان" أحدهما نعم (٥) كما تصح ردته لكن يندب تأخيرها إلى الإفاقة خروجا من خلاف
стр. 4715
من قال بعدم صحة توبته والثاني المنع; لأن الشبهة لا تزول في تلك الحالة، والجمهور على الأول ونقله الرافعي عن النص، وقال العمراني إنه المذهب المنصوص (١) والإسنوي إنه المفتى به "ويمهل بالقتل" احتياطا لا وجوبا (٢) كما نص عليه الشافعي والبغوي في تلعيقه "حتى يفيق" (٣) فيعرض عليه الإسلام.
"ويصح إسلامه في السكر، ولو ارتد صاحيا" أو لم يستتب "ويجب القصاص بقتله" بعد إسلامه بناء على صحة إسلامه.
"وإذا قامت بينة الردة قبلت، وإن لم تفصل" شهادتها; لأن الردة لخطرها (٤) لا يقدم الشاهد بها إلا على بصيرة، وهذا ما صححه في أصل الروضة والمنهاج (٥) كالمحرر، وقال الرافعي عن الإمام إنه الظاهر والذي صرح به القفال والماوردي وكثير وجوب التفصيل، وهو الأوجه لاختلاف الناس فيما يوجبها، وكما في الشهادة بالجرح والزنا والسرقة (٦) وبنحوه أجاب المصنف كأصله في باب تعارض
стр. 4716
البينتين (١) وصححه جماعة منهم السبكي، وقال الأذرعي (٢) وغيره: إنه المذهب الذي يجب القطع به، وقال الإسنوي: إنه المعروف عقلا ونقلا، وأطال في بيانه قال: وما نقل عن الإمام بحث له.
"وإن ادعى الإكراه" على الردة، وقد شهد عليه شاهدان "و" كانت "شهادتهما بالردة لم يصدق"، ولو "بيمينه لتكذيبه الشهود; لأن المكره لا يكون مرتدا" قال الرافعي، وليس ذلك كما لو شهد شهود بإقراره بالزنا، وأنكر لا يحد; لأن الإقرار بالزنا يقبل الرجوع فيجعل إنكاره رجوعا، ولا يسقط القتل عن المرتد بقوله (٣) رجعت فلا يقبل إنكاره، وتكذيبه قال في المهمات، وقضية كلامه أنه لا يحد إذا قال كذبا علي أو لم أزن لكنه صحح في باب الزنا أنه يحد (٤) في الأولى (٥) قال الأذرعي في اقتضاء كلامه لذلك في الأولى نظر; لأن الإنكار دون التكذيب الصريح (٦) "إلا إن كان" ثم "قرينة" تصدقه في دعواه "كأسر
стр. 4717
كفار" له "ونحوه" فيصدق في دعواه بيمينه وحلف لاحتمال كونه مختارا، ولا حاجة مع ذكره الكاف إلى قوله ونحوه "أو" كانت شهادتهما "بأنه سجد لصنم أو تكلم بكفر وادعى" هو "الإكراه صدق بيمينه"، وإن لم يكن قرينة "لأنه لم يكذب الشهود، ويجدد" ندبا "كلمة الإسلام فإن قتل قبل اليمين فهل يضمن"; لأن الردة لم تثبت أولا; لأن لفظ الردة وجد، والأصل الاختيار "قولان" أوجههما الثاني (١)، ولا حاجة لقوله وادعى الإكراه للعلم به مما قبله، واستشكل الرافعي تصوير هذه الشهادة بأنه إن اعتبر تفصيلها فمن الشرائط الاختيار فدعوى الإكراه تكذيب للشاهد أولا فالاكتفاء بالإطلاق (٢) إنما هو فيما إذا شهد بالردة لتضمنه حصول الشرائط أما إذا قال إنه تكلم بكذا فيبعد أن يحكم به، ويقنع بالأصل المذكور (٣) لاعتضاده بسكوت المشهود عليه مع قدرته على الدفع قال في الأصل وفيما ذكرنا دلالة على أنهما لو شهدا بردة أسير، ولم يدع إكراها حكم بردته (٤)، ويؤيده ما حكي عن القفال أنه لو ارتد أسير مع الكفار ثم أحاط بهم المسلمون فاطلع من الحصن، وقال أنا مسلم، وإنما تشبهت بهم خوفا قبل قوله، وإن لم يدع ذلك ومات فالظاهر أنه ارتد طائعا. وعن نص الشافعي
стр. 4718
أنهما لو شهدا بتلفظ رجل بالكفر، وهو محبوس أو مقيد (١) لم يحكم بكفره (٢)، وإن لم يتعرضا لإكراه وفي التهذيب أن من دخل دار الحرب فسجد لصنم أو تلفظ بكفر ثم ادعى إكراها فإن فعله في خلوة لم يقبل أو بين أيديهم، وهو أسير قبل قوله أو تاجر فلا. انتهى.
"وإذا قال مسلم مات أبي مرتدا استفصل فإن ذكر كفرا" كسجود لصنم "لم يرثه وكان" وفي نسخة وصار "نصيبه فيئا" لبيت المال "وإلا" بأن ذكر غير كفر كأكل لحم خنزير أو شرب خمر "ورثه" لتبين خطئه بتفسيره، وإن لم يذكر شيئا وقف الأمر كما نص عليه الشافعي في الأم ونقله الإمام عن العراقيين، ورجحه ووقع في المنهاج كأصله تصحيح أن نصيبه فيء، وإن لم يذكر كفرا لإقراره بكفر أبيه، والأول هو الملائم لاشتراط التفصيل في الشهادة (٣).
"فرع" لو "أكره أسير" أو غيره "على الكفر" ببلاد الحرب "لم يحكم بكفره" كما مر "فإن مات هناك ورثه وارثه" المسلم "فإن قدم" علينا "عرض عليه الإسلام" لاحتمال أنه كان مختارا قال ابن كج ومحله (٤) إذا كان معرضا عن الجماعات والطاعات، وإلا فلا عرض "استحبابا" لا وجوبا كما لو أكره على الكفر بدارنا "فإن امتنع" من الإسلام بعد عرضه عليه "حكمنا بكفره" من حين كفره "الأول"; لأن امتناعه يدل على أنه كان كافرا من حينئذ فلو مات قبل العرض والتلفظ بالإسلام فهو مسلم كما لو مات قبل قدومه علينا كما صرح به الأصل.
"ولو ارتد أسير مختارا ثم صلى في دار الحرب حكم بإسلامه لا" إن صلى
стр. 4719
"في دارنا" لأن صلاته في دارنا (١) قد تكون تقية بخلافها في دارهم لا تكون إلا عن اعتقاد صحيح، وتبع في ذكره الأسير أصله، وله وجه لكن الظاهر أنه ليس بقيد (٢) بل هو جري على الغالب ولهذا لم يذكره في إرشاده كالأكثر تبعا للنص "ولو صلى حربي" المراد كافر أصلي، ولو "في دارهم لم يحكم بإسلامه" بخلاف المرتد; لأن علقة الإسلام باقية فيه والعود أهون من الابتداء فسومح فيه "إلا إن سمع تشهده" في الصلاة فيحكم بإسلامه (٣)، واعترض بأن إسلامه حينئذ باللفظ، والكلام في خصوص الصلاة الدالة بالقرينة ويجاب بأن فائدة ذلك دفع إيهام أنه لا أثر للشهادة فيها لاحتمال الحكاية.
стр. 4720
"الباب الثاني في أحكام الردة"
"لا نسترق" نحن "مرتدا" لبقاء علقة الإسلام فيه "ويجب قتله" إن لم يتب لخبر "من بدل دينه فاقتلوه" (٤)، وهو شامل للمرأة وغيرها; ولأن المرأة تقتل بالزنا بعد الإحصان فكذلك بالكفر بعد الإيمان كالرجل، وأما النهي عن قتل النساء فمحمول بدليل سياق خبره على الحربيات قال الماوردي: ولا يدفن المرتد في مقابر المسلمين لخروجه بالردة عنهم، ولا في مقابر المشركين لما تقدم له من حرمة الإسلام "ويتولاه" أي قتله "الحاكم"، ولو بنائبه "بضرب الرقبة لا الإحراق" بالنار أو غيره لما فيه من المثلة فلو تولاه غير الحاكم (٥) أو الحاكم بغير ضرب الرقبة عزر وسيصرح بالأول "ويستتاب" قبل قتله "وجوبا لا استحبابا"; لأنه كان محترما بالإسلام وربما عرضت له شبهة فتزال (٦) فإن لم يتب قتل كما مر، والاستتابة تكون "في الحال" لظاهر الخبر السابق; ولأنه حد فلا يؤجل كسائر الحدود "لا ثلاثا" رد
стр. 4721
لما قيل إنه يستتاب ثلاثة أيام; لأنها أول حد الكثرة وآخر حد القلة; ولأنه قد تعرض له شبهة فاحتملت له الثلاثة ليتروى فيها قال في الأصل، ولا خلاف أنه لو قتل قبل الاستتابة لم يجب بقتله شيء أي غير التعزير، وإن كان القاتل مسيئا بفعله، وحذفه المصنف للعلم به مما مر في قتله في جنونه.
"وتقبل توبته" أي إسلامه "ولو كان زنديقا لا يتناهى خبثه" في عقيدته (١) أو تكررت ردته لإطلاق قوله تعالى ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [لأنفال: ٣٨] ولقوله ﷺ "فإذا قالوها عصموا مني دماءهم، وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله" (٢).
"ويعزر إن تكرر منه" الارتداد (٣) ثم أسلم لزيادة تهاونه بالدين.
"ويعزر المستبد" (٤) أي المستقل "بقتله، وإن اشتغل عنه الإمام" بما هو أهم منه لافتياته عليه.
"ولو قذف نبيا" من الأنبياء، ولو تعريضا "ثم عاد إلى الإسلام فهل يترك" من العقوبة; لأنه مرتد أسلم "أو يقتل حدا"; لأن القتل حد قذف النبي وحد القذف لا يسقط بالتوبة "أو يجلد" ثمانين; لأن الردة ارتفعت بإسلامه وبقي جلده فيه "ثلاثة أوجه" حكي الأول عن الأستاذ أبي إسحاق المروزي ورجحه الغزالي في، وجيزه، وجرى عليه الحاوي الصغير (٥) ونقله المصنف في شرح
стр. 4722
الإرشاد عن الأصحاب والثاني عن الشيخ أبي بكر الفارسي وادعى فيه الإجماع ووافقه القفال والثالث عن الصيدلاني فعليه لو عفا واحد من بني أعمام النبي ففي سقوط حد القذف احتمالان للإمام والغزالي (١)، وهذه المسألة ذكرها الأصل في آخر الجزية وصوب أن من كذب على النبي ﷺ عمدا لا يكفر، ولا يقتل بل يعزر قال: وما روي أن رجلا أتى قوما وزعم أنه رسول رسول الله ﷺ فأكرموه فأمر النبي بقتله محمول على أن الرجل كان كافرا.
"ولو سأل المرتد" قبل الاستتابة أو بعدها "إزالة شبهة" عرضت له "نوظر بعد إسلامه" لا قبله; لأن الشبهة لا تنحصر فحقه أن يسلم ثم يستكشفها من العلماء، وهذا ما صححه الغزالي وفي، وجه يناظر أولا; لأن الحجة مقدمة على السيف وحكاه الروياني عن النص واستبعد الخلاف كذا في نسخ الرافعي المعتمدة، وهو الصواب، ووقع في أكثر نسخ الروضة تبعا لنسخ الرافعي السقيمة عكس ذلك فجعل الأصح عند الغزالي المناظرة أولا والمحكي عن النص عدمها "وإن شكا قبل المناظرة جوعا"، وقلنا بتقديمها أو بتأخيرها كما جرى هو عليه، وأسلم بأن قال أنا جائع فأطعموني ثم ناظروني "أطعم أولا" ثم نوظر
"فصل: لو ارتد الزوجان، وهي" أي الزوجة "حامل أو" ارتد "أحدهما قبل الحمل فالولد مسلم" بالتبعية "ولو انعقد بين المرتدين فله حكمهما" فيكون (٢) مرتدا تبعا لهما فلا يسترق، ولا يقتل حتى يبلغ فيستتاب فإن أصر قتل وخالف البلقيني فقال إنه مسلم كما صححه الرافعي ونصوص الشافعي قاضية به، وأطال في بيانه وذكر نحوه الزركشي "أو بين مرتد وكافر أصلي فكالأصلي" تغليبا له; لأنه يقر على دينه بخلاف المرتد فيقر بالجزية إن كان الأصلي
стр. 4723
ممن يقر بها كمن أحد أبويه مجوسي والآخر وثني، وإن كان كتابيا فالولد كتابي.
"فرع: لو نقض ذمي أو معاهد" عهده "وترك ولده" عندنا "لم ينقض" أي العهد "في حقه" فلا يسترق "فإن بلغ عاقلا، ولم يقبل الجزية بلغ المأمن"، ولا يجبر على قبولها.
"فصل: ملك المرتد (١)، وتملكه باصطياد واحتطاب" ونحوهما "موقوف" كبضع زوجته "سواء التحق بدار الحرب أم لا فإن أسلم فهو له قطعا" أي تبينا أن ما ملكه باق على ملكه، وأن ما تملكه ملكه يوم تملكه "وإن قلنا يزول ملكه" عنه بالردة على وجه "وإلا" بأن مات مرتدا "بان أن ملكه فيء، و" أن "ما يملكه" في الردة باحتطاب أو غيره "على الإباحة وينفق عليه"، وعلى ممونه (٢) "، وتقضى ديون لزمته قبل الردة من ماله" إذ غاية الردة جعلها كالموت "وكذا ما" أي ديون "لزمته فيها بإتلاف" قياسا على ما لو تعدى بحفر بئر ومات ثم تلف بها شيء "ويوضع ماله عند عدل، وأمته عند امرأة ثقة" أو نحوها ممن تحل له الخلوة بها كالمحرم "ويعتق بموته مستولدته" أي التي استولدها قبل الردة "ويؤخر ما يملك منفعته"، وإن لم يملك رقبته احتياطا لتعلق حق المسلمين به.
"ولا يحل دينه المؤجل" بردته بناء على أن ملكه لم يزل بها "بل" حلوله "موقوف" كملكه "ويصح منه تصرف يحتمل الوقف" بأن يقبل قوليه ومقصود فعليه التعليق "كعتق ووقف ووصية (٣) واستيلاد"، وتدبير وخلع كما مر في بابه "ويوقف" نفوذ تصرفه المذكور فإن أسلم نفذ، وإلا فلا، وقوله من زيادته (٤) ووقف سهو فإنه ليس من ذلك بل مما ذكره بقوله "لا بيع ونكاح وكتابة، وإنكاح ونحوها" من العقود التي لا تحتمل الوقف فلا توقف بل تبطل وما ذكره كأصله في الكتابة هو ما في المحرر والمنهاج هنا وفي الكتابة لكنه جرى هناك على الصحة ونقلها الأصل ثم عن جمع ونقل البطلان عن واحد ورده بأن هذا وقف تبين لا،
стр. 4724
وقف صحة، وهو صحيح على الجديد والمعتمد ما هنا (١) ; لأن وقف التبين إنما يكون حيث وجد الشرط حال العقد، ولم يعلم وجوده، وهنا ليس كذلك إذ الشرط احتمال العقد التعليق، وهو منتف، وإن احتمله مقصود العقد بخلاف الخلع مثلا فإنه يصح تعليقه كقوله إن أعطيتني ألفا فأنت طالق "، وتؤخذ نجوم كتابته" الواقعة قبل ردته أي يأخذها عنه الحاكم; لأن قبضه غير معتبر "فإن لحق بدار الحرب بيع" عليه "حيوان بحسب المصلحة".
"فصل" لو "امتنع مرتدون بنحو حصن بدأنا بقتالهم" دون غيرهم; لأن كفرهم أغلظ; ولأنهم أعرف بعورات المسلمين "واتبعنا مدبرهم وذففنا جريحهم واستتبنا أسيرهم وضمناهم كالبغاة" قضيته أنهم لا يضمنون ما أتلفوه في الحرب (٢) لكن تقدم في قتال البغاة أن الصحيح خلافه "ويقتص من المرتد" ويقدم القصاص على قتل الردة كما يعلم مما سيأتي "والدية" حيث لزمته بعفو أو غيره "في ماله" مطلقا "معجلة" في العمد ومؤجلة في غيره فإن مات حلت; لأن الأجل يسقط بالموت.
"وإذا وطئت مرتدة بشبهة" كأن وطئت مكرهة "أو استخدمت مكرهة" وكذا المرتد "فوجوب مهر المثل والأجرة موقوفان (٣)، ولو" أتى في ردته بما يوجب حدا كأن "زنى" أو شرب خمرا أو قذف أو سرق "حد ثم قتل" وصرح الأصل بشرب الخمر.
"فصل: لا بد في إسلام المرتد وغيره" من الكفار "من الشهادتين" (٤)،
стр. 4725
ولو ضمنا (١) على ما يأتي "مطلقا" عن التقييد بكونه غير مقر بإحداهما إذ المقر بإحداهما لم يقر بها ليأتي بالأخرى "فإن كان كفره بإنكار شيء آخر" مما لا ينافي الإقرار بهما أو بإحداهما ببادئ الرأي "كمن خصص رسالة محمد بالعرب (٢) أو جحد فرضا أو تحريما فيلزمه مع الشهادتين الإقرار بما أنكر" هـ بأن يقر الأول بأن محمدا رسول الله إلى جميع الخلق أو يبرأ من كل دين يخالف الإسلام ويرجع الثاني عما اعتقده "ويستحب الامتحان" بعد الإسلام بتقريره "بالبعث" بعد الموت، وقدم كأصله هذا مع بعض ما قبله في كتاب الكفارات.
"فإن قال كافر أنا منكم" أو أنا مثلكم أو مسلم كما عبر بهما الأصل "أو ولي محمد" أو أحبه "وكذا أسلمت أو آمنت لم يكن اعترافا بالإسلام"; لأنه قد يريد أنا مثلكم في البشرية، وأنا منقاد لكم، وأنا ولي محمد أو أحبه لخصاله الحميدة، وأسلمت وآمنت بموسى أو عيسى; ولأنه قد سمى دينه الذي هو عليه إسلاما نعم إن اقترن بذلك ما ينفي عنه الكفر كأن يقع جوابا في دعوى الكفر عليه بإسلامه ومنه ما صرح به في اللعان وفي القضاء في الكلام على التزكية وما ذكره في قوله.
"فإن قال آمنت" أو أسلمت أو أنا مؤمن أو مسلم مثلكم "أو أنا من أمة محمد" ﷺ "أو دينكم حق أو اعترف" من كفر بإنكار وجوب شيء "بوجوب ما كفر به" أي بإنكار وجوبه قال في الأصل أو أقر بتحريم الخمر والخنزير (٣) "أو
стр. 4726
قال أنا بريء من كل ما يخالف الإسلام" من دين ورأي، وهوى "لا" أنا بريء "من كل ملة تخالف; لأن التعطيل ليس بملة كان" ذلك "اعترافا" بالإسلام "عند المحققين" بخلاف المنفي المذكور; لأنه لا ينفي التعطيل الذي يخالف الإسلام، وليس بملة كما قاله، ومثله قول اليهودي أنا بريء من اليهودية والنصراني أنا بريء من النصرانية; لأن ضد اليهودية والنصرانية غير منحصر في الإسلام صرح به الأصل، وقال نقلا عن الحليمي: لو قال الإسلام حق لم يكن مؤمنا; لأنه قد يقر بالحق، ولا ينقاد له، قال: وهذا يخالف ما حكيناه عن البغوي في قوله دينكم حق وكلام المصنف جار على كلام البغوي حيث جزم به فيما مر، وترك هذا ثم ما عزى إلى المحققين قال في الأصل إنها طريقة نسبها إليهم الإمام والذي عليه الجمهور خلافها (١) "ولو أقر يهودي برسالة عيسى لم يجبر على الإسلام" كما لو أقر ببعض شرائع الإسلام كالصلوات الخمس.
"فرع: قال الحليمي لو قال لا رحمن أو لا بارئ إلا الله (٢) أو لا إله إلا الله أو الرحمن أو البارئ أو من آمن به المسلمون أو من في السماء كفى" في إيمانه بالله لإفادته التوحيد والمراد بمن في السماء الله قال تعالى ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦] والألفاظ المذكورة أمثلة فما في معناها كذلك كلا مالك أو لا رازق إلا الله أو لا رحمن أو لا بارئ أو لا إله إلا الخالق "لا ساكن السماوات" أي لا يكفي قوله لا رحمن أو لا بارئ أو لا إله إلا ساكن السماء أو إلا الله ساكن السماء كما صرح به الأصل; لأن السكون محال على الله تعالى "ولا آمنت بالذي لا إله غيره"; لأنه قد يريد الوثن، ولا إله إلا الملك أو إلا الرازق; لأنه قد يريد السلطان الذي يملك أمر الجند ويرتب أرزاقهم "وغيره وسوى وما عدا" ونحوها "في الاستثناء كإلا" في الاكتفاء بها فيه كقوله لا إله غير الله أو سوى الله أو ما عدا الله أو ما خلا الله "، وأحمد، وأبو القاسم رسول الله كمحمد" رسول الله في صحة الشهادة بهما "والنبي كرسول الله لا الرسول" فإنه ليس كرسول الله
стр. 4727
فلو قال آمنت بمحمد النبي كفى بخلاف آمنت بمحمد الرسول; لأن النبي لا يكون إلا لله تعالى، والرسول قد يكون لغيره وبخلاف آمنت بمحمد كما فهم بالأولى وصرح به الأصل.
"ومن قال آمنت بالله، ولم يدن بشيء" أي، ولم يكن على دين قبل ذلك "صار مؤمنا" بالله فيأتي بالشهادة الأخرى "وإن كان مشركا فلا يصير" مؤمنا "حتى يضم إليه وكفرت بما كنت أشركت به وكذا" يصير مؤمنا بالله من قال "أؤمن" بالله أو أسلم لله "إن لم يرد الوعد" كما أن أقسم بالله يمين إن لم يرد الوعد "وأسلمت" وأسلم "كآمنت" وأؤمن فيما ذكر "ومن قال بقدم غير الله كفاه" للإيمان بالله "لا قديم إلا الله" كمن لم يقل به، ومن لم يقل به يكفيه أيضا الله ربي أو الله خالقي إن لم يكن له دين قبل ذلك، ولو قال اليهودي المشبه لا إله إلا الله لم يكن إيمانا منه حتى يبرأ من التشبيه فإن قال مع ذلك محمد رسول الله فإن كان يعلم أنه جاء بنفي التشبيه كان مؤمنا، وإلا فلا حتى يبرأ من التشبيه صرح بذلك الأصل، وهو مأخوذ من كلام المصنف أول الفصل. "والبرهمي" موحد "ينكر الرسل فإن قال" مع لا إله إلا الله "محمد رسول الله فهو مؤمن"، وإن لم يذكر غيره من الرسل "لا" إن قال "عيسى وموسى" وكل نبي قبل محمد رسل الله; لأن الإقرار برسالة محمد إقرار برسالة من قبله; لأنه شهد لهم وصدقهم قال الرافعي: ويتوجه أن يقال كما أن محمدا ﷺ شهد لهم وصدقهم فقد شهدوا له وبشروا به ويجاب بأن شريعته ناسخة لما قبلها باقية بخلاف شريعة غيره قال في الأصل: والمعطل إذا قال محمد رسول الله قيل يكون مؤمنا; لأنه أثبت المرسل والرسول، ولو قال آمنت بالله إن شاء الله أو إن كان شائيا لم يكن مؤمنا قال الزركشي: وهذا فيما إذا قصد التعليق للشك فإن قصد التبرك فينبغي صحة إيمانة إلحاقا للابتداء بالدوام وبما قررته علم أن ذكر عيسى وموسى مثال، وعبارة الأصل، ولو أقر برسالة نبي قبل محمد ﷺ لم يكن مؤمنا.
"ولا تكفي شهادة الفيلسوفي" ويقال الفلسفي، وهو النافي لاختيار الله تعالى "أن الله علة الأشياء ومبدئها حتى يشهد بالاختراع والإحداث من العدم، ولا يكفي الطبائعي" القائل بنسبة الحياة والموت إلى الطبيعة "لا إله إلا المحيي المميت حتى يقول لا إله إلا الله ونحوه" من أسمائه تعالى التي لا تأويل له فيها.
стр. 4728
"تتمة" ذكر القاضي (١) أبو الطيب في باب الوضوء أنه لو آمن بالنبي ﷺ قبل أن يؤمن بالله لم يصح إيمانه، وذكر الحليمي أن الموالاة بينهما ليست بشرط (٢).
стр. 4729
"كتاب حد الزنا" (١)
بالقصر أفصح من مده "وهو من" المحرمات "الكبائر" قال تعالى ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾ [الاسراء: ٣٢]، وأجمع أهل الملل على تحريمه ولهذا كان حده أشد الحدود; لأنه جناية على الأعراض والأنساب.
"وفيه بابان"
"الأول في الموجب له"
"وهو إيلاج الحشفة (٢) أو قدرها (٣) من ذكر" (٤)، ولو أشل وملفوفا بخرقة
стр. 4730
وغير منتشر "في فرج محرم (١) مشتهى طبعا لا شبهة فيه، ولا" الأولى فلا "حد بالاستمناء" باليد أو غيرها "وهو حرام" ففيه التعزير كما صرح به الأصل هنا "لا بيد زوجته" أو أمته كما صرح به الأصل هنا فليس بحرام بل صرح كأصله بهما معا في الباب التاسع من أبواب النكاح "لكن يكره"; لأن فيه معنى العزل من الزوجة "ولا" حد "بإيلاج في غير الفرج" كإيلاجه بين الفخذين لعدم إيلاجه في فرج "ولا" بإيلاج "في فرج ميتة" (٢)، وإن كانت محرمة في الحياة; لأنه مما ينفر الطبع منه فلا يحتاج إلى الزجر عنه "ولا" في فرج "بهيمة" لذلك لكن يعزر في الثلاثة قال في الأصل، وقيل يحد واطئ البهيمة، وعليه فقيل حده قتله مطلقا، وقيل قتله إن كان محصنا، وعلى وجوب القتل لا يختص القتل به "بل يجب به" أي بالإيلاج فيها "ذبح" البهيمة "المأكولة (٣)، ولو بإيلاج في دبرها"، وعليه حمل خبر الترمذي وغيره "من أتى بهيمة فاقتلوه واقتلوا البهيمة" (٤) بخلاف غير المأكولة لما في قتلها من ضياع المال بالكلية "و" المأكولة إذا ذبحت "يحل أكلها"; لأنها مذكاة كغيرها وبذلك علم أن وجوب ذبحها إنما هو مفرع على وجوب الحد على الفاعل لا على عدمه كما توهمه المصنف "وعليه الأرش" للتفاوت بين قيمتها حية ومذكاة إن كانت لغيره.
"وتحد امرأة استدخلت ذكر نائم" كمن زنى بنائمة "لا" خلية "حبلى لم تقر" بالزنا أو ولدت، ولم تقر به فلا تحد إذ الحد إنما يجب ببينة أو إقرار، وحكم الخنثى هنا حكمه في الغسل "واللائط لا بزوجته، وأمته (٥) كالزاني" فيما يلزمه