← Фикх шафии

Фикх шафии · id 30130

أسنى المطالب في شرح روض الطالب - ط العلمية

زكريا الأنصاري

Полный текст (5 775 стр.). Показаны 4866–4905 · переход к 4871.

стр. 4866

يصدر عنهم شيء منها وتأولوا الظواهر الواردة فيها وجوز الأكثرون صدورها عنهم سهوا (١) إلا الدالة على الخسة كسرقة لقمة. "وشرع من قبلنا ليس بشرع لنا" وإن لم يرد شرعنا بنسخ ذلك الحكم. قال في الروضة وبعث وله أربعون سنة وأقام بمكة بعد النبوة ثلاث عشرة سنة على الصحيح فيهما ثم هاجر إلى المدينة فأقام بها عشرا بالإجماع ودخلها ضحى يوم الاثنين لثنتي عشرة خلت من شهر ربيع الأول وتوفي ضحى يوم الاثنين لاثنتي عشرة خلت من شهر ربيع الأول (٢) سنة إحدى عشرة من الهجرة.

стр. 4867

"الطرف الثاني في وجوب الجهاد (١) وهو فرض كفاية" لا فرض عين وإلا لتعطل المعاش وقد قال تعالى ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٩٥] الآية ذكر فضل المجاهدين على القاعدين ووعد كلا الحسنى والعاصي لا يوعد بها وفي خبر الصحيحين "من جهز غازيا فقد غزا ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا" (٢) "فلو عطل" الجهاد بأن امتنع كل المسلمين منه "أثم كل من لا عذر له" من الأعذار الآتي بيانها كترك سائر فروض الكفايات. "وإن جاهد من فيه كفاية سقط" الفرض "عن الباقين (٣) وتحصل الكفاية بأن يشحن الإمام الثغور بمكافئين للكفار مع إحكام الحصون و" حفر "الخنادق" ونحوها "وتقليد الأمراء" بأن يرتب في كل ناحية أميرا كافيا يقلده أمور المسلمين من الجهاد وغيره "أو بأن يدخل الإمام (٤) أو نائبه دار الكفر بالجيوش لقتالهم".

стр. 4868

"وأقله" أي الجهاد "مرة" واحدة "في السنة" كإحياء الكعبة (١) ولفعله ﷺ له منذ أمر به كل سنة فكانت غزوة بدر الكبرى في الثانية وأحد ثم بدر الصغرى ثم بني النضير في الثالثة والخندق في الرابعة وذات الرقاع ثم دومة الجندل وبني قريظة في الخامسة والحديبية وبني المصطلق في السادسة وخيبر في السابعة ومؤتة وذات السلاسل وفتح مكة وحنين والطائف في الثامنة وتبوك في التاسعة على خلاف في بعض ذلك جرى عليه الرافعي وتبعته عليه في شرح البهجة ولأن الجزية لكف القتال (٢) و إنما تؤخذ في كل سنة مرة وكذا سهم الغزاة فلا بد من جهاد فيها، فإن زاد على مرة فهو أفضل صرح به الأصل "لا أقل" من مرة يعني لا يجوز إخلاء سنة عنها "إلا لضرورة كعجز" عن قتالهم "أو عذر كعزة زاد" في الطريق "وانتظار" لحاق "مدد وتوقع إسلام قوم" منهم فيؤخر الجهاد حتى تزول الضرورة أو العذر وإن دعت الحاجة لأكثر من مرة في السنة وجب ذكره ابن أبي عصرون (٣). "ويبدأ" وجوبا إن لم يمكن بث الأجناد للجهاد في جميع النواحي "بالأهم" فالأهم منها وقوله "وهو الأشد ضررا" علينا من زيادته "ثم" ندبا "الأقرب" إلينا إن لم يكن أهم. "ويناوب بين الغزاة" مراعاة للنصفة فلا يتحامل على طائفة بتكرير الإغزاء مع إراحة الآخرين. "ولا يجب" الجهاد "إلا على مسلم بالغ عاقل ذكر حر مستطيع" له ولو سكران "لا" على "صبي ومجنون" لعدم تكليفهما "و" لا على "امرأة وخنثى" لضعفهما عن القتال غالبا ولخبر البيهقي وغيره عن عائشة قلت يا رسول الله هل على النساء جهاد قال "نعم جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة" (٤) "و" لا على

стр. 4869

"من فيه رق" ولو مكاتبا أو مبعضا "وإن أمره سيده" به كما في الحج لعدم أهليته له نعم للسيد استصحاب غير المكاتب للخدمة كما في الحضر "و" لا على "ذمي" وغيره من سائر الكفار لأنهم غير مطالبين به كما في الصلاة والذمي بذل الجزية لنذب عنه لا ليذب عنا "و" لا على "بين العرج ولو ركب" لعجزه والدابة قد تتعطل فيتعذر الفرار "و" لا على "مريض (١) تعظم مشقته وأشل يد وفاقد معظم أصابعها" (٢) وفاقد الأنامل "وأعمى وعادم أهبة وذي عذر يسقط الحج" أي وجوبه كعدم راحلة في سفر القصر لعجزهم "إلا الخوف" من الكفار ومتلصصي المسلمين فلا يمنع وجوب الجهاد لأن مبناه على ركوب المخاوف "فإن بذل الأهبة" لفاقدها "غير الإمام لم يلزم القبول" بخلاف ما لو بذلها له الإمام من بيت المال يلزمه قبولها لأنها حقه. "ويجب" الجهاد "على أعور وأعشى وضعيف نظر يبصر الشخص والسلاح" ليتقيهما وفاقد أقل أصابع يد لأن ذلك لا يمنع مكافحة العدو، وقضية كلامه كأصله أنه يجب على فاقد الإبهام والمسبحة وفاقد الوسطى والبنصر لكن قال الأذرعي الظاهر أنه لا يجب عليهما (٣) أي كما لا يجزئان في الكفارة، وقد يفرق بينهما "و" على "ذي صداع وعرج يسيرين" لأنهما لا يمنعان مكافحة العدو. "ويؤذن للمراهق" أي يأذن له الإمام مع أصله في الخروج للجهاد لمداواة الجرحى وسقي الماء وحفظ الأمتعة ونحوها "لا للمجنون" إذ لا فائدة له بل قد يشوش. "ويستصحب" معه "النساء للمداواة والسقي" ونحوهما عبارة الأصل وللإمام أن يأذن للمراهقين والنساء في الخروج وأن يستصحبهم لسقي الماء ومداواة المرضى ومعالجة الجرحى.

стр. 4870

"فرع يحرم السفر على مديون موسر بغير إذن غريمه" (١) أي الدائن مسلما كان أو ذميا وكالمديون وليه فيما يظهر (٢) لأنه المطالب "وللغريم منعه" من السفر لتوجه مطالبته وحبسه إن امتنع بخلاف المعسر (٣) "ولا يمنعه" من السفر "قبل حلول الدين ولو" كان سفره "في خطر كالجهاد وركوب البحر" إذ لا مطالبة في الحال "فإن وكل" الموسر "من يقضيه" أي الدين "من مال" له "حاضر (٤) لا غائب جاز الخروج" للسفر لأن الدائن يصل إلى حقه في الحال بخلافه في الغائب (٥) لأنه قد لا يصل. "فرع يشترط لجواز الخروج للجهاد وحج التطوع لا" حج "الفرض إذن سائر" أي جميع "أصوله المسلمين (٦) ولو وجد الأقرب" منهم وأذن سواء كانوا أحرارا أم أرقاء ذكورا أو إناثا لأن برهم متعين عليه وفي الصحيحين أنه ﷺ قال لمستأذنه في الجهاد "أحي والداك" قال نعم قال "ففيهما فجاهد" (٧) بخلاف حج

стр. 4871

الفرض; لأنه فرض عين وفي تأخيره خطر الفوات وليس الخوف فيه كالخوف في سفر الجهاد والعمرة في ذلك كالحج "لا لطلب العلم" أي لا يشترط لجواز الخروج له مع الأمن إذنهم "ولو لم يتعين" (١) طلب العلم; لأنه إن تعين فكسفر الحج بل أولى; لأن الحج على التراخي أو كان فرض كفاية فلأن الحجر على المكلف وحبسه بعيد ولأنه بالخروج يدفع الإثم عن نفسه كالفرض المتعين عليه وفارق السفر للجهاد بعظم خطره. "وكذا" لا يشترط له ذلك "لو وجده" أي طلب العلم بأن وجد من يتعلم منه "في البلد" الذي هو فيه "لكن توقع زيادة فراغ أو إرشاد" من أستاذ أو غيرهما كما لا يشترط لجواز الخروج للتجارة أن لا يتمكن منها ببلده بل اكتفى بتوقع زيادة ربح أو رواج وقيد الرافعي الخارج وحده بالرشيد (٢) قال الأذرعي وينبغي أن لا يكون أمرد جميلا (٣) يخشى عليه "ولا" يشترط إذنهم للخروج "لسفر التجارة ولو بعد" كي لا ينقطع معاشه ويضطرب أمره "إلا" للخروج "لركوب بحر وبادية مخطرة" فيشترط ذلك لشمول معنى البر والشفقة "والوالد الكافر" فيما ذكر "كالمسلم" لذلك "إلا في الجهاد" لتهمة ميله لأهل دينه (٤) "والرقيق كالحر" (٥) لشمول ما ذكر وهذا وما قبله علما مما مر مع أن الحر لم يصرح به فيما مر حتى يحيل عليه وإنما الكلام السابق شامل لهما معا.

стр. 4872

"فرع" لو "رجع الوالد أو الغريم عن الإذن" له "أو أسلم أصله الكافر" ولم يكن أذن له وعلم هو بالحال "فعليه الرجوع" عن القتال إلحاقا للدوام بالابتداء لكن قيده الشافعي (١) في الأخيرة بأن يأمر الأصل فرعه بعد الإسلام بالرجوع ومثله ما لو تجدد عليه دين فلا يأثم باستمرار السفر عند سكوت الأصل والدائن ويفارق ما مر في ابتداء السفر بأنه يغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء هذا كله "قبل الشروع" في القتال "إن أمن في طريقه" على نفسه وماله ونحوهما "ولم تنكسر قلوب المسلمين" برجوعه ولم يخرج مع الإمام بجعل وإلا فلا يلزمه الرجوع بل لا يجوز. "ولو أمكنه الإقامة عند الخوف بموضع" في طريقه "لزمه" الإقامة به حتى يرجع الجيش لحصول غرض الراجع من عدم حضور القتال وإن لم يمكنه الإقامة ولا الرجوع فله المضي مع الجيش لكن يتوقى مظان القتل نص عليه الشافعي في الأم "ولو شرع في القتال" بأن التقى الصفان "حرم" عليه "الرجوع ولو خرج بلا إذن" لوجوب المصابرة لقوله تعالى ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ [الأنفال: ٤٥] ولأن الانصراف يشوش أمر القتال وقيل لا يحرم ذلك إذا خرج بلا إذن والترجيح من زيادته. "ورجوع العبد إذا خرج بلا إذن" من سيده "قبل الشروع في القتال واجب وبعده مستحب" وإنما لم يجب عليه الثبات بعده; لأنه ليس من أهل الجهاد. "فرع" لو "مرض" من خرج للجهاد "أو عرج" عرجا بينا "أو تلف زاده فله الانصراف ولو من الوقعة"; لأنه لا يمكنه القتال هذا "إن لم يورث" انصرافه من الوقعة "فشلا" في المسلمين و إلا حرم انصرافه منها وعليه يحمل إطلاق نص الأم على أنه ليس له الانصراف منها فقول الإسنوي أن هذا القيد ضعيف مردود وألحق الأصل هنا تلف الدابة بتلف الزاد وذكر فيه كلاما مردودا بما ذكره في الباب الثاني فتركه المصنف ليذكره ثم على الصواب.

стр. 4873

"ولينو" ندبا المنصرف من الوقعة لمرض أو نحوه "التحيز" أو التحرف إلى مكان ليزول عذره هذا من زيادته هنا ولو قال: ولا ينوي الفرار كان أولى. "فإن" انصرف لعذر كتلف زاد ثم "زال العذر قبل فراق دار الحرب لا بعده لزمه الرجوع" للجهاد. "ومن شرع في صلاة جنازة لزمه الإتمام" (١) لها; لأنها في حكم الخصلة الواحدة وقد تعلق الفرض بعين المصلي لشروعه فيه ولأن الإعراض عنها هتك لحرمة الميت "كالقتال" فإنه يلزم من شرع فيه إتمامه فيحرم انصرافه منه إذ يخاف منه التخذيل وكسر قلوب المسلمين لا من شرع في تعلم "علم" فلا يلزمه إتمامه "وإن آنس" من نفسه "الرشد" فيه (٢) ; لأن الشروع لا يغير حكم المشروع فيه غالبا ولأن كل مسألة مطلوبة برأسها منقطعة عن غيرها (٣) وليست العلوم كالخصلة الواحدة بخلاف الجهاد ونحوه قال الأذرعي والمختار لزوم إتمامه (٤) ; لأنه تلبس بفرض عظيم ولو شرع لكل شارع في علم الشريعة لإعراض عنه لأدى ذلك إلى إضاعة العلم. "فصل يتعين الجهاد بالشروع في القتال" الأولى والأخصر فيه "على أهل فرض الكفاية" هذا لا حاجة إليه لعلمه مما مر. "و" يتعين عليهم "بدخول الكفار (٥) فإن دخل الكفار بلاد المسلمين

стр. 4874

تعين" عليهم; لأن دخولهم لها خطب عظيم لا سبيل إلى إهماله ولو قال وبدخول الكفار بلاد المسلمين وحذف الباقي كان أولى وأخصر فلو دخلوا بلدة لنا تعين على أهلها من المكلفين "حتى على عبيد ونساء لا" نساء "ضعيفات" فلا يتعين عليهن وعبارة الأصل فلا يحضرن وعلله الرافعي بأن حضورهن قد يجر شرا ويورث وهنا "ولا حجر لسيد" على رقيقه (١) "و" لا "زوج" على زوجته ولا أصل على فرعه ولا دائن على مدينه كما صرح بهما الأصل (٢) "حينئذ" أي حين دخول الكفار البلدة "و" حتى "على المعذورين" بعمى وعرج ومرض ونحوها "و" على "من دون مسافة القصر" من البلدة "ولو استغنى عنهم" بغيرهم لتقوى القلوب وتعظم الشوكة وتشتد النكاية في الكفار انتقاما من هجومهم "ولا يجوز انتظارهم مع قدرة الحاضرين" على القتال عبارة الأصل وليس لأهل البلدة ثم الأقربين فالأقربين إذا قدروا على القتال أن يلبثوا إلى لحوق الآخرين "و" حتى "على الأبعدين" عن البلدة بأن يكونوا بمسافة القصر "عند الحاجة" إليهم في القتال بأن لم يكن في أهلها والذين يلونهم كفاية بخلاف ما إذا كان فيهم كفاية لا يجب على الأبعدين; لأنه يؤدي إلى الإيجاب على جميع الأمة، وفي ذلك حرج بغير حاجة فيصير الجهاد فرض عين في حق من قرب وفرض كفاية في حق من بعد. "ويشترط" في الوجوب "المركوب" أي وجوده "للأبعد" دون الأقرب كما في الحج ويشترط فيه "الزاد" أي وجوده "للجميع" من الأبعد والأقرب إذ لا استقلال بغير زاد ولا معنى لإلزامهم الخروج مع العلم بأنهم سيهلكون. "ولو قهروا" أي المسلمون "ولم يتمكنوا من الدفع" عن أنفسهم "وتوقعوا الأسر والقتل وأمنت المرأة امتداد الأيدي (٣) إليها في الحال" لو أسرت "جاز" لهم "الاستسلام"; لأن المكافحة حينئذ استعجال للقتل والأسر يحتمل معه

стр. 4875

الخلاص "وإلا" بأن لم تأمن المرأة ذلك "فلا يحل لها الاستسلام" بل يلزمها الدفع "ولو قتلت"; لأن من أكره على الزنا لا تحل له المطاوعة لدفع القتل والأصل أفرد مسألة المرأة على حدتها وهو أحسن ثم قال ما معناه: فإن كانت تأمن (١) من ذلك حالا بعد الأسر فيحتمل أنه يحل لها الاستسلام حالا ثم تدفع إذا أريد منها ذلك. "ولو نزلوا" أي الكفار "على خراب" أو موات ولو بعيدا عن الأوطان "من حدود" دار "الإسلام تعين دفعهم" كما لو دخلوا بلاد الإسلام. "وكذا لو أسروا مسلما وأمكن تخليصه" منهم بأن رجوناه "تعين جهادهم" وإن لم يدخلوا دارنا; لأن حرمة المسلم أعظم من حرمة الدار ولخبر البخاري "فكوا العاني" (٢) فإن لم يمكن تخليصه بأن لم نرجه لم يتعين جهادهم بل ينتظر للضرورة وذكر في التنبيه وغيره أنه يلزمنا فك من أسر من الذميين. "ولا يتسارع الآحاد" والطوائف منا "إلى" دفع "ملك" منهم "عظيم" شوكته "دخل أطراف البلاد" أي بلادنا لما فيه من عظم الخطر.

стр. 4876

"الطرف الثالث فيما عدا الجهاد من فروض الكفايات" "وهي كثيرة كغسل الميت وتكفينه وغير ذلك مما ذكرت في أبوابها" كصلاة الميت ودفنه وصلاة الجماعة وهي أمور كلية يتعلق بها مصالح دينية أو دنيوية لا ينتظم الأمر إلا بحصولها فطلب الشارع تحصيلها لا من كل أحد بخلاف فرض العين فإن كل واحد طلب منه تحصيله. "وعلى الإمام أن ينصب محتسبا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر" وإن كانا لا يختصان بالمحتسب قال في الأصل والمراد منه الأمر بواجبات الشرع والنهي عن محرماته "فيتعين عليه الأمر بصلاة الجمعة" إذا اجتمعت شروطها "وكذا" بصلاة "العيد" وإن قلنا: إنها سنة; لأن الأمر بالمعروف هو الأمر بالطاعة لا سيما ما كان شعارا ظاهرا كذا في الروضة مع جزمها كأصلها بما مر آنفا وأجيب بأنه ذكر

стр. 4877

أولا موضع الإجماع (١) ثم ذكر موضع الخلاف ويجاب أيضا بأن الثاني خاص بالمحتسب (٢) وقول الإمام معظم الفقهاء على أن الأمر بالمعروف في المستحب مستحب محله في غير المستحب، ولا يقاس بالوالي غيره ولهذا لو أمر الإمام بصلاة الاستسقاء أو بصومه صار واجبا. "ولا يأمر المخالفين" له في المذهب "بما لا يجوزوه" بحذف نون الرفع على لغة لكن عبارة الأصل بما لا يجوز بترك الواو "ولا ينهاهم عما يرونه فرضا عليهم" أو سنة لهم. "ويأمر" المسلمين "بالمحافظة على الفرائض" والسنن "ولا يعترض" عليهم "في تأخيرها والوقت باق" لاختلاف العلماء في فضل تأخيرها. "ويأمر فيما" الأولى بما كما في نسخة "يعم نفعه كعمارة سور البلد وسربه ومعونة المحتاجين" من أبناء السبيل وغيرهم ويجب ذلك "من بيت المال" إن كان فيه مال "وإلا فعلى من له مكنة" أي قدرة على ذلك. "وينهى الموسر عن مطل الغريم إن استعدى" أي استعداه الغريم عليه ولو قيل بأنه ينهاه من حيث المعصية وإن لم يستعد لم يكن بعيدا. "و" ينهى "الرجل عن الوقوف مع المرأة في طريق خال"; لأنه موضع ريبة فينكر عليه ويقول له: إن كانت محرما لك فصنها عن مواقف الريب وإن كانت أجنبية فخف الله في الخلوة معها بخلاف ما لو وجده معها في طريق يطرقه الناس. "ويأمر بنكاح الأكفاء" أي إنكاحهم "وإيفاء العدد والرفق بالمماليك وتعهد البهائم" والمأمور بالأول الأولياء وبالثاني النساء وبالثالث السادة وبالرابع أصحاب البهائم ومن لازم الأمر بتعهدها الأمر بأن لا يستعملوها فيما لا تطيق المصرح به في الأصل مع أنه معلوم أيضا من الأمر بالرفق بالمماليك. "وينكر على من تصدى للتدريس والفتوى والوعظ وليس" هو "من أهله" ويشهر أمره لئلا يغتر به.

стр. 4878

"و" ينكر "على من أسر في" صلاة "جهرية أو زاد في الأذان وعكسهما" بأن ينكر على من جهر في سرية أو نقص من الأذان. "ولا يطالب" أحدا "بحق آدمي" عبارة الأصل ولا ينكر في حقوق الآدميين كتعدي الشخص في جدار جاره "قبل الاستعداء" من ذي الحق عليه. "ولا يحبس" ولا يضرب "للدين". "وينظر" عبارة الأصل وينكر "على القضاة إن احتجبوا" عن الخصوم "أو قصروا" في النظر في الخصومات "وعلى أئمة المساجد المطروقة إن طولوا" الصلاة كما أنكر ﷺ على معاذ ذلك. "ويمنع الخونة من معاملة النساء" لما يخشى فيها من الفساد. "ولا يختص الأمر بالمعروف" والنهي عن المنكر "بمسموع القول بل عليه" أي على كل مكلف "أن يأمر" وينهى "وإن علم" بالعادة "أنه لا يفيد" فإن الذكرى تنفع المؤمنين فلا يسقط ذلك عن المكلف بهذا العلم لعموم خبر "من رأى منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه" (١). ولا يشترط في الآمر والناهي كونه ممتثلا ما يأمر به مجتنبا ما ينهى عنه "بل عليه أن يأمر" وينهى "نفسه وغيره فإن اختل أحدهما لم يسقط الآخر". "ولا يأمر وينهى في دقائق الأمور" من أقوال وأفعال متعلقة بالاجتهاد أو غيره "إلا عالم" فليس للعوام ذلك وخرج بدقائق الأمور ظواهرها كالصيام والصلاة والزنا وشرب الخمر فللعوام وغيرهم الأمر والنهي فيها. "ولا ينكر" العالم "إلا مجمعا عليه" أي على إنكاره لا ما اختلف فيه إلا أن يرى الفاعل تحريمه; لأن كل مجتهد مصيب أو المصيب واحد ولا نعلمه (٢) ولا إثم على المخطئ واستشكل عدم الإنكار إذا لم ير الفاعل تحريمه بحدنا للحنفي بشربه للنبيذ مع أن الإنكار بالفعل أبلغ منه بالقول وأجيب بأن الحد ليس من باب إنكار المنكر (٣) ; لأن الحنفي لم يفعل منكرا، والحد لا يفيد منعه منه ولهذا لا

стр. 4879

ينكر عليه الشافعي بالقول كما لا ينكر على المالكي استعمال الماء القليل إذا وقعت فيه نجاسة ولم تغيره كما صرح به الغزالي في الإحياء وإنما حده إذا رفع إليه; لأن الحاكم يجب عليه أن يحكم بما أدى إليه اجتهاده ويجاب أيضا بأن أدلة عدم تحريم النبيذ واهية وبهذا فرق بين حدنا لشاربه وعدم حدنا للواطئ في نكاح بلا ولي. "لكن إن ندب" على جهة النصيحة "إلى الخروج من الخلاف برفق فحسن إن لم يقع في خلاف آخر وترك" أي وفي ترك "حسنة ثابتة" لاتفاق العلماء على استحباب الخروج من الخلاف حينئذ. "وليس للمحتسب المجتهد" أو المقلد كما فهم بالأولى "حمل الناس على مذهبه" لما مر ولم يزل الخلاف بين الصحابة والتابعين في الفروع ولا ينكر أحد على غيره مجتهدا فيه وإنما ينكرون ما خالف نصا أو إجماعا أو قياسا جليا. "والإنكار" للمنكر أخذا من الخبر السابق "يكون باليد، فإن عجز فباللسان" فعليه أن يغيره بكل وجه أمكنه ولا يكفي الوعظ لمن أمكنه إزالته باليد ولا كراهة القلب لمن قدر على النهي باللسان "ويرفق" في التغيير "بمن يخاف شره" وبالجاهل فإن ذلك أدعى إلى قبول قوله وإزالة المنكر "ويستعين عليه" بغيره "إن لم يخاف فتنة" من إظهار سلاح وحرب ولم يمكنه الاستقلال "فإن عجز" عنه "رفع" ذلك "إلى الوالي فإن عجز" عنه "أنكره بقلبه". "وليس له" أي لكل من الآمر والناهي "التجسس" والبحث "واقتحام الدور بالظنون" بل إن رأى شيئا غيره "فإن أخبره ثقة بمن استسر" أي اختفى "بمنكر فيه انتهاك حرمة يفوت تداركها كالزنا والقتل" بأن أخبره أن رجلا خلا بامرأة ليزني بها أو بشخص ليقتله "اقتحم له الدار" وتجسس وجوبا فتعبيره بذلك أولى من تعبير أصله نقلا عن الماوردي بالجواز "وإلا" بأن لم يكن فيه انتهاك حرمة "فلا" اقتحام ولا تجسس كما مر. "ولا يسقط الأمر بالمعروف" والنهي عن المنكر عن القائم بهما "إلا لخوف" منهما "على نفسه أو ماله" أو عضوه أو بضعه "أو" لخوف "مفسدة على غيره أكثر من مفسدة المنكر الواقع" أو غلب على ظنه أن المرتكب يزيد فيما هو فيه عنادا كما أشار إليه الغزالي في الإحياء كإمامه.

стр. 4880

"فصل ومن فروض الكفاية إحياء الكعبة (١) والمواقف" التي هناك "بالحج والعمرة كل سنة" مرة فلا يكفي إحياؤهما بالاعتكاف والصلاة ولا بالعمرة كما قاله النووي إذ لا يحصل مقصود الحج بذلك; لأن المقصود الأعظم ببناء الكعبة الحج فكان به إحياؤها، وذكر العمرة من زيادته على الروضة فيجب الإتيان في كل سنة بحج وعمرة. "وعلى الموسر إذا اختل بيت المال" (٢) ولم تف الصدقات الواجبة (٣) بسد حاجات المسلمين والذميين والمستأمنين (٤) " المواساة" لهم "بإطعام الجائع وستر العاري" منهم ونحوهما "بما زاد على كفايته سنة" (٥) لخبر البخاري "أطعموا الجائع وفكوا العاني" (٦) وتعبير المصنف بالعاري أولى من تعبير أصله بالعورة; لأن الحكم لا يختص بها قال في الأصل وهل يكفي سد الضرورة أم يجب تمام الكفاية التي يقوم بها من تلزمه النفقة، فيه وجهان وقضية قوله في الأطعمة أن ذلك على

стр. 4881

القولين فيما إذا وجد المضطر الميتة ترجيح الأول (١) قال الإسنوي وما ذكره من وجوب المواساة بما زاد على كفاية سنة ذكر في الأطعمة ما يخالفه فإنه قال يجب إطعام المضطر وإن كان يحتاجه في ثاني الحال وأجيب بأنه لا مخالفة فإن ذاك في المضطر وهذا في المحتاج غير المضطر. "ومنها" أي فروض الكفاية "الصناعات والحرف" (٢) كالبيع والشراء والحراثة والحجامة والكنس "لكن النفوس مجبولة على القيام بها" فلا يحتاج إلى حث عليها وترغيب فيها والحرف الصناعات ذكره الجوهري فعطفها عليها كعطف رحمة على صلوات في قوله تعالى ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٥٧] وقال الزركشي الصناعات هي المعالجات كالخياطة والنجارة والحرف وإن كانت تطلق على ذلك فتطلق عرفا على من يتخذ صناعا ويدل بهم ولا يعمل فهي أعم. "ومنها تحمل الشهادات (٣) وأداؤها وإعانة القضاة" على استيفاء الحقوق لمسيس الحاجة إليها. "فصل" "القيام بعلوم الشرع" من تفسير وحديث وفقه على ما مر في الوصية "والانتهاء فيها إلى درجة الفتوى والقضاء" كما سيأتي في أدب القضاة "فرض كفاية" لما مر (٤) ولقوله تعالى ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١٢٢] "وذلك" أي القيام بما ذكر واجب "على كل مسلم مكلف حر ذكر واجد للقوت" ولسائر ما يكفيه "ليس ببليد" فلا يجب على أضدادهم. "وفي" سقوط ذلك بقيام "العبد والمرأة" به "تردد" أي وجهان; لأنهما أهل للفتوى دون القضاء والأوجه السقوط من حيث الفتوى (٥).

стр. 4882

"ويلزم" ذلك "الفاسق" كغيره "ولا يسقط به"; لأنه لا تقبل فتواه ولا قضاؤه. "ومن فروض الكفاية علم الكلام" أي تعلمه "لرد المبتدعة" وما نص عليه الشافعي من تحريم الاشتغال به محمول على التوغل فيه (١) قال الإمام ولو بقي الناس على ما كانوا عليه في صفوة الإسلام لما أوجبنا الاشتغال به كما لم يشتغل به الصحابة. "ويتعين" على المكلف "السعي في إزالة شبهة أورثها" أي أدخلها "بقلبه" وذلك بأن يعرف أدلة المعقول. "ومنها الطب" المحتاج إليه لمعالجة الأبدان "والحساب" المحتاج إليه "لقسمة المواريث" والوصايا وللمعاملات "وأصول الفقه والنحو واللغة والتصريف وأسماء الرواة والجرح والتعديل واختلاف العلماء واتفاقهم والتعليم" لما يجب تعلمه "والإفتاء" (٢) وقوله "فرض كفاية" لا حاجة إليه (٣). "فإن احتيج في التعليم إلى جماعة لزمهم". "ويجب لكل مسافة قصر مفت" لئلا يحتاج المستفتي إلى قطعها وفرق بينه وبين قولهم لا يجوز إخلاء مسافة العدوى عن قاض بكثرة الخصومات وتكررها في اليوم الواحد من كثيرين بخلاف الاستفتاء في الواقعات. "ولو لم يفت" المفتي "وهناك من يفتي" وهو عدل "لم يأثم" فلا يلزم الإفتاء قال في الروضة: وينبغي أن يكون المعلم كذلك انتهى ويفرق بين هذا وبين نظيره من أولياء النكاح والشهود بأن اللزوم هنا فيه حرج ومشقة بكثرة الوقائع بخلافه ثم قال في الروضة ويستحب الرفق بالمتعلم والمستفتي. "ويتعين من ظواهر العلوم" التي يجب تعلمها "لا دقائقها" تعلم "ما يحتاج" إليه "لإقامة فرائض الدين كأركان الصلاة والصيام وشروطهما"; لأن من لا يعلمها لا يمكنه إقامة ذلك وقوله لا دقائقها مرفوع عطفا على من ظواهر

стр. 4883

أو مجرور عطفا على ظواهر وعبارة الأصل وإنما يتعين تعلم الأحكام الظاهرة دون الدقائق والمسائل التي لا تعم بها البلوى. "و" إنما "يجب تعلمه" أي ما يحتاج إليه لإقامة الفرائض "بعد الوجوب" لها "وكذا قبله إن لم يتمكن منه" أي من تعلمه "بعد دخول الوقت مع الفعل" كما يجب السعي إلى الجمعة قبل الوقت على من بعد منزله "و" كأركان وشروط "الحج وتعلمه" أي الحج أي أركانه وشروطه "على التراخي" كالحج "و" كأركان وشروط "الزكاة إن ملك مالا" فيتعين عليه تعلم ظاهر ما يحتاج إليه فيها "ولو كان هناك ساع" يكفيه الأمر إذ قد يجب عليه ما لا يعلمه الساعي "وأحكام" أي وكأحكام "البيع والقراض إن تاجر" أي إن أراد أن يبيع ويتاجر فيتعين على من يريد بيع الخبز أن يعلم أنه لا يجوز بيع خبز البر بالبر ولا بدقيقه وعلى من يريد الصرف أن يعلم أنه لا يجوز بيع درهم بدرهمين ونحو ذلك. "وتعلم دواء أمراض القلب" وحدودها وأسبابها "كالحسد والرياء" فإن رزق شخص قلبا سليما منها كفاه ذلك. "و" يتعين "اعتقاد ما ورد به الكتاب والسنة". "وأما علم" أي تعلم علم "الفلسفة والشعبذة والتنجيم والرمل وعلم الطبائعيين والسحر فحرام". "والشعر" أي تعلمه "مباح إن لم يكن فيه سخف أو حث على شر وإن حث على الغزل والبطالة كره". "فرع يأثم بتعطيل فرض الكفاية" كل "من علم" بتعطيله "وقدر على القيام به وإن بعد" عن المحل "وكذا" يأثم "قريب" منه "لم يعلم" به "لتقصيره في البحث" عنه قال الإمام ويختلف هذا بكبر البلد وصغره. "وإن قام به الجميع فكلهم مؤد فرض الكفاية وإن ترتبوا" في أدائه إذ لا مزية لبعضهم على بعض من حيث الوجوب والثواب والإثم إن تعطل الفرض. "وللقائم به مزية على القائم بفرض العين" وصرح الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني والإمام وأبوه وغيرهم بأنه أفضل من فرض العين "لأن ذلك" (١) أي

стр. 4884

القائم بفرض العين "أسقط الحرج عن نفسه وهذا" أي القائم بفرض الكفاية "أسقط الحرج عنه وعن الأمة" ولأن ذاك لو ترك الفرض اختص بالإثم وهذا لو تركه أثم الجميع ولا يستبعد ذلك فقد صرحوا بأن السنة قد تكون أفضل من الواجب فلا يبعد تفضيل فرض الكفاية على فرض العين لما ذكر. "فصل ابتداء السلام" على كل مسلم (١) "حتى على الصبي (٢) سنة" عين إن كان المسلم واحدا وسنة "كفاية" (٣) إن كان جماعة أما كونه سنة فلقوله تعالى ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١] أي ليسلم بعضكم

стр. 4885

على بعض وقوله ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا (١) وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور: ٢٧] وللأمر بإفشاء السلام في الصحيحين (٢) وأما كونه كفاية فلخبر أبي داود "يجزئ عن الجماعة إذا مروا أن يسلم أحدهم ويجزئ عن الجلوس أن يرد أحدهم" (٣) ولخبر "إذا سلم واحد من القوم أجزأ عنهم" رواه مالك في الموطإ (٤) ولأن ما قصد به الأمان حاصل بسلام الواحد. "ورده (٥) ولو كان المسلم صبيا فرض" عين إن كان المسلم عليه واحدا (٦) مكلفا وفرض "كفاية" (٧) إن كان جماعة (٨) أما كونه فرضا فلقوله تعالى ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء ٨٦] وأما كونه كفاية فلما مر هذا إذا سن ابتداء السلام وإن كرهت صيغته كما سيأتي فإن لم يسن كما سيأتي بيانه لم يجب الرد قال الحليمي وإنما كان الرد فرضا والابتداء سنة; لأن أصل السلام أمان (٩) ودعاء بالسلامة وكل اثنين أحدهما آمن من الآخر يجب أن يكون الآخر آمنا منه فلا يجوز لأحد إذا سلم عليه غيره أن يسكت عنه لئلا يخافه. "وشرطه" أي كل من ابتداء السلام ورده "إسماع" له برفع الصوت به وإلا لزم ترك سنة الابتداء أو وجوب الرد "واتصال" للرد بالابتداء "كاتصال الإيجاب

стр. 4886

بالقبول" في العقود، والإلزام ترك وجوب الرد. "فإن شك" أحدهما "في سماعه" أي الآخر "زاد في الرفع، فإن كان عنده نيام خفض صوته" بحيث لا يتيقظون للاتباع رواه مسلم. "والقارئ كغيره" في استحباب السلام عليه ووجوب الرد باللفظ على من سلم عليه وهذا ما بحثه في الروضة (١) بعد نقله عن الواحدي أن الأولى ترك السلام عليه وأنه إن سلم عليه كفاه الرد بالإشارة وما نقله عنه ضعفه في التبيان وغيره قال في الأذكار أما إذا كان مشتغلا بالدعاء مستغرقا فيه مجتمع القلب عليه فيحتمل أن يقال هو كالمشتغل بالقراءة والأظهر عندي في هذا أنه يكره (٢) السلام عليه; لأنه يتنكد به ويشق عليه أكثر من مشقة الأكل قال الأذرعي وإذا اتصف القارئ بذلك فهو كالداعي بل أولى (٣) لا سيما المستغرق في التدبر (٤). "ولا يكفي رد صبي" (٥) مع وجود مكلف; لأنه غير مكلف ويفارق نظيره في الصلاة على الميت (٦) بأن السلام أمان وهو لا يصح منه بخلاف الصلاة وبأن المقصود بالصلاة الرحمة والاستغفار للميت بخلاف السلام ولو سلم على جماعة فيهم امرأة فردت هل يكفي قال الزركشي ينبغي بناؤه على أنه هل يشرع لها الابتداء بالسلام فحيث شرع لها كفى جوابها (٧) وإلا فلا ومثلها الخنثى فيما يظهر (٨). "ولا" يكفي رد "غير المسلم عليهم" بل يلزمهم الرد (٩). "ويجب الجمع بين اللفظ والإشارة على من رد" السلام "على أصم" ليحصل

стр. 4887

به الإفهام ويسقط عنه فرض الجواب "ومن سلم عليه" أي الأصم "جمع بينهما" أيضا ليحصل به الإفهام ويستحق الجواب، وقضية التعليل أنه إن علم (١) أنه فهم ذلك بقرينة الحال والنظر إلى فمه لم تجب الإشارة وهو ما بحثه الأذرعي. "وتجزئ إشارة الأخرس ابتداء وردا"; لأن إشارته به قائمة مقام العبارة. "وصيغته" أي السلام "ابتداء السلام" عليكم "أو سلام عليكم (٢) فإن قال عليكم السلام جاز"; لأنه تسليم "وكره" للنهي عنه في خبر الترمذي وغيره قال في الروضة ويجب فيه الرد على الصحيح كما قاله الإمام قال في الأذكار: لأنه يسمى سلاما قال الأذرعي ولك أن تقول إذا كره الابتداء بذلك فينبغي أن لا يستحق المسلم جوابا لا سيما إذا كان عالما بالنهي عن ذلك وكعليكم السلام عليكم سلام أما لو قال وعليكم السلام فليس بسلام فلا يستحق جوابا; لأنه لا يصلح للابتداء نقله في الأذكار عن المتولي (٣). "ويسن صيغة الجمع لأجل الملائكة مطلقا" أي سواء أكان المسلم عليه واحدا أم جماعة لكن الشق الثاني غير مراد لما يأتي فكان ينبغي أن يقول بدل مطلقا في الواحد "ويجوز" أي يكفي "الإفراد للواحد" ويكون آتيا بأصل السنة والأولى مراعاة صيغة الجمع معه ليحصل بها التعظيم أما الإفراد للجماعة فلا يكفي والتصريح بالتقييد بالواحد من زيادته أخذه من كلام الأصل في صيغة الرد. "والإشارة به" بيد أو نحوها بلا لفظ "خلاف الأولى" للنهي عنه في خبر الترمذي (٤) ولا يجب لها رد. "والجمع بينها وبين اللفظ أفضل" من الاقتصار على اللفظ وعليه يحمل

стр. 4888

خبر "أنه ﷺ ألوى بيده بالتسليم" رواه الترمذي وحسنه (١) ويدل له أن أبا داود رواه وقال في رواية "فسلم علينا" (٢). "وصيغته ردا وعليكم السلام" قال في الأصل أو وعليك السلام للواحد "وكذا لو ترك الواو" فقال عليكم السلام وإن كان ذكرها أفضل كما أشعر به كلامه "فإن عكس" فيهما فقال والسلام عليكم أو السلام عليكم "جاز" وكفى "فإن قال وعليكم وسكت" عن السلام "لم يجز" إذ ليس فيه تعرض للسلام وقيل يجزئ والتصريح بالترجيح من زيادته وقد يقال يؤيد الثاني ما يأتي من أنه لو سلم على المسلم ذمي لم يزد في الرد على قوله وعليك ويجاب بأنه ليس الغرض ثم السلام على الذمي بل الغرض أن يرد عليه لما ثبت في الحديث. "وهو" أي السلام ابتداء وردا "بالتعريف أفضل" منه بالتنكير فيكفي سلام عليكم وعليكم سلام وإن كانا مفضولين. "وزيادة ورحمة الله وبركاته" على السلام "ابتداء وردا أكمل" من تركها وجاء فيه في الابتداء حديث حسن رواه أبو داود وغيره (٣). "وإن سلم كل" من اثنين تلاقيا "على الآخر معا لزم كلا" منهما "الرد" على الآخر ولا يحصل الجواب بالسلام "أو مرتبا كفى الثاني سلامه ردا" نعم إن قصد به الابتداء صرفه عن الجواب (٤) قاله الزركشي ويؤخذ من تعبير المصنف بكفى أن الأولى أن يجيب بغير سلامه. "وإن سلم عليه جماعة (٥) كفاه" أن يقول "وعليكم السلام (٦) بقصدهم"

стр. 4889

أي بقصد الرد عليهم جميعا (١) كما لو صلى على جنائز صلاة واحدة بخلاف ما إذا لم يقصد الرد عليهم جميعا وقضيته أنه لو أطلق لم يكفه والأوجه خلافه (٢). "ويسلم" ندبا "الراكب على الماشي والماشي على الواقف (٣) والصغير على الكبير و" الجمع "القليل على الكثير في" حال "التلاقي" في طريق كما ثبت ذلك في الصحيحين ولأن القصد بالسلام الأمان والماشي يخاف الراكب والواقف يخاف الماشي فأمر بالابتداء ليحصل منهما الأمن وللكبير والكثير زيادة مرتبة فأمر الصغير والقليل بالابتداء تأدبا فلو تلاقى ماش وكثير راكب تعارضا. "وإن عكس" بأن سلم الماشي على الراكب والواقف على الماشي والكبير على الصغير والكثير على القليل "لم يكره" وإن كان خلاف السنة، وذكر عدم الكراهة في سلام الكبير على الصغير من زيادته وصرح به النووي في أذكاره. "وكلهم يسلم" فيما إذا وردوا على قاعد "على القاعد مطلقا" عبارة الروضة ثم هذا الأدب فيما إذا تلاقيا أو تلاقوا في طريق فأما إذا وردوا على قاعد أو على قعود فإن الوارد يبدأ سواء كان صغيرا أو كبيرا قليلا أو كثيرا انتهى وكالقاعد الواقف والمضطجع. "ويكره تخصيص البعض" من الجمع بالسلام ابتداء وردا لأن القصد منه المؤانسة والألفة وفي تخصيص البعض إيحاش الباقين وربما صار سببا للعداوة. "فرع ويسن" السلام "للنساء" مع بعضهن وغيرهن "لا مع الرجال الأجانب" (٤) أفرادا وجمعا. "فيحرم" السلام عليهم "من الشابة ابتداء وردا" خوف الفتنة "ويكرهان" أي ابتداء السلام ورده "عليها" (٥) نعم لا يكره سلام الجمع الكثير من الرجال

стр. 4890

عليها إن لم يخف فتنة (١) ذكره في الأذكار وذكر حرمة وكراهة ابتدائها به من زيادة المصنف. "لا على جمع نسوة أو عجوز" أي لا يكره ابتداء السلام ورده عليهن لانتفاء خوف الفتنة بل يندب الابتداء به منهن على غيرهن وعكسه ويجب الرد لذلك وذكر الابتداء منهن ما عدا العجوز من زيادته ويستثنى عبد المرأة بالنسبة إليها (٢) ومثله كل من يباح نظره إليها كممسوح. "ولو سلم بالعجمية جاز إذا فهم" المخاطب وإن قدر على العربية "ووجب الرد"; لأنه يسمى سلاما. "ولا يبدأ به" أي بالسلام "فاسقا و" (٣) لا "مبتدعا على المختار إلا لعذر" كخوف من مفسدة والترجيح والاستثناء في مسألة الفاسق من زيادته وصرح به في الأذكار وغيره وسكت عن حكم الرد على الفاسق والمبتدع وقد قال في الأذكار ينبغي (٤) أن لا يسلم عليهما ولا يرد عليهما¬ السلام كما قاله البخاري وغيره. "وفي وجوب الرد على المجنون والسكران" إذا سلما "وجهان" أصحهما في المجموع المنع (٥) ; لأن السلام عبادة وهي لا تقصد منهما. "ويحرم أن يبدأ به" الشخص "ذميا" للنهي عنه في خبر مسلم (٦). "فإن بان" من سلم هو عليه "ذميا فليقل له استرجعت سلامي" تحقيرا له كذا في أصل الروضة و الذي في الرافعي والأذكار وغيرهما فيستحب أن يسترد سلامه بأن يقول: رد علي سلامي قال في الأذكار والغرض من ذلك أن يوحشه ويظهر له أن ليس بينهما ألفة وروي أن ابن عمر سلم على رجل فقيل له: إنه

стр. 4891

يهودي فتبعه وقال له: رد علي سلامي انتهى وبذلك علم أن كلا من الصيغتين كافية (١). "وإن سلم الذمي" (٢) على مسلم "قال له" وجوبا (٣) كما قاله الماوردي والروياني "وعليك" فقط (٤) لخبر الصحيحين "إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم" (٥) وروى البخاري خبر "إذا سلم عليكم اليهود فإنما يقول أحدهم السام عليك فقولوا وعليك" (٦) وقال الخطابي كان سفيان يروي عليكم بحذف الواو وهو الصواب; لأنه إذا حذفها صار قولهم مردودا عليهم وإذا ذكرها وقع الاشتراك معهم والدخول فيما قالوه قال الزركشي وفيه نظر إذ المعنى ونحن ندعو عليكم بما دعوتم به علينا على أنا فسرنا السام بالموت فلا إشكال لاشتراك الخلق فيه "ويستثنيه" أي الذمي وجوبا ولو "بقلبه إن كان بين مسلمين" وسلم عليهم ولو قال إن كان مع مسلم كان أخصر وأعم. "ولا يبدأ" الذمي "بتحية (٧) غير السلام" أيضا "إلا لعذر" كقوله: هداك الله أو أنعم الله صباحك أو صبحت بالخير أو بالسعادة أو أطال الله بقاءك، فإن لم يكن عذر لم يبدأه بشيء من الإكرام أصلا فإن ذلك بسط له وإيناس وملاطفة وإظهار ود ونحن مأمورون بالإغلاظ عليهم ومنهيون عن ودهم فلا تظهره قال تعالى ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢].

стр. 4892

"وإن كتب إلى كافر" كتابا وأراد أن يكتب فيه سلاما "قال" أي كتب ندبا ما كتبه النبي ﷺ إلى هرقل "السلام على من اتبع الهدى" (١). "ولو قام عن جليس" له "فسلم" عليه "وجب الرد" عليه; لأن ابتداء السلام منه سنة لخبر "إذا انتهى أحدكم إلى المجلس فليسلم فإذا أراد أن يقوم فليسلم فليست الأولى بأحق من الآخرة" رواه الترمذي وحسنه (٢) وقيل لا يجب الرد والتصريح بالترجيح من زيادته وما صرح بترجيحه صوبه في المجموع في باب الجمعة. "ومن دخل داره فليسلم" ندبا "على أهله" لخبر أنس "أنه ﷺ قال له يا بني إذا دخلت على أهلك فسلم يكن بركة عليك وعلى أهل بيتك" رواه الترمذي وقال حسن صحيح (٣). "أو" دخل "موضعا خاليا" عن الناس "فليقل" ندبا "السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين" لما روى مالك في موطئه أنه بلغني أنه يستحب ذلك حينئذ وقال تعالى ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور: ٦١]. "ويسم الله" ندبا "قبل دخوله ويدعو" بما أحب ثم يسلم بعد دخوله لخبر أبي داود "إذا ولج الرجل بيته فليقل: اللهم إني أسألك خير المولج وخير المخرج بسم الله ولجنا وبسم الله خرجنا وعلى الله ربنا توكلنا ثم ليسلم على أهله" (٤). "ولا يسلم على من في الحمام" أي لا يستحب السلام عليه قال الرافعي: لأنه بيت الشيطان ولاشتغاله بالغسل، وقضية تعليله الأول دخول محل نزع الثياب، والثاني خروجه وهو

стр. 4893

الظاهر (١) وعليه جرى الزركشي وغيره (٢). "و" لا على من "يقضي الحاجة" للنهي عنه ولأن مكالمته بعيدة عن الأدب والمروءة. "أو" على من "يأكل" وخصه الإمام بحالة المضغ (٣) وجزم به النووي في أذكاره (٤) والشرب كالأكل كما في التعليقة. "أو" على من "يصلي" لاشتغاله بالصلاة وفي معناها سجدة التلاوة والشكر. "أو" على من "يؤذن" (٥) والضابط كما قاله الإمام (٦) أن يكون الشخص بحالة لا يليق بالمروءة القرب منه فيها فيدخل النائم والناعس والخطيب. "ولا يلزم" من لا يستحب السلام عليه "الرد عليه" أي على من سلم عليه ويستثنى منه السلام على مستمع الخطبة فإنه يجب فيه الرد مع أنه مكروه كما مر في باب الجمعة بما فيه (٧). "ويرد الملبي" في الإحرام "باللفظ" على من سلم عليه وتقدم في الحج أنه يكره السلام عليه قال في الأذكار; لأنه يكره له قطع التلبية انتهى ورد الملبي محمول على الاستحباب (٨) لما مر آنفا. "ويكره" الرد "لمن يبول أو يجامع" (٩) أو لنحوهما كما مر في الاستنجاء. "ويسن" الرد "لمن يأكل أو في الحمام" باللفظ "وكذا" يسن "للمصلي ونحوه" كساجد لتلاوة ومؤذن "بالإشارة" وقوله ونحوه من زيادته.

стр. 4894

"ويسن إرسال السلام إلى غائب" عنه "برسول أو كتاب ويجب" على الرسول "التبليغ" للغائب; لأنه أمانة "و" يجب على الغائب "الرد" فورا باللفظ في الرسول وبه أو بالكتابة في الكتاب "ويستحب الرد على المبلغ أيضا" فيقول وعليه وعليك السلام. "و" يستحب "أن يحرص كل من المتلاقيين على البداءة" بالسلام لخبر أن "أولى الناس بالله من بدأهم بالسلام" رواه أبو داود بإسناد جيد (١) ولخبر الصحيحين "وخيرهما الذي يبدأ بالسلام" (٢). "و" أن "يتكرر بتكرر التلاقي" لخبر الصحيحين في خبر المسيء صلاته أنه جاء فصلى ثم جاء إلى النبي ﷺ فسلم عليه فرد عليه¬ السلام فقال: "ارجع فصل فإنك لم تصل" فرجع فصلى ثم جاء فسلم عليه حتى فعل ذلك ثلاث مرات (٣) وروى أبو داود خبرا "إذا لقي أحدكم أخاه فليسلم عليه، فإن حالت بينهما شجرة أو جدار أو حجر ثم لقيه فليسلم عليه" (٤) وخرج بتكرر التلاقي ما إذا لم يتكرر بأن اتحد مجلس سلام بأن سلم فيه على رجل فرد عليه ثم أراد أن يسلم عليه فيه ثانيا فلا يستحب كما صرح به الروياني. "وأن يبدأ به قبل الكلام" للأخبار الصحيحة في ذلك وأما خبر السلام قبل الكلام فضعيف. "وإن كان" مارا "في سوق أو جمع لا ينتشر فيهم السلام" الواحد كالجامع "سلم على من يليه" فقط "أولا" أي أول ملاقاته; لأنه لو سلم على الجميع تعطل عن كل منهم وخرج به عن العرف وإذا سلم على من يليه كان مؤديا سنة السلام في حق من سمعه ويدخل في وجوب الرد كل من سمعه. "فإن" جلس إلى من سمعه سقط عنه سنة السلام في حق من لم يسمع.

стр. 4895

وإن "تخطى وجلس إلى من لم يسمع" سلامه "سلم ثانيا ولا يسقط الفرض" للرد "عن الأولين برد الآخرين". "ولا يترك السلام خوف عدم الرد" عليه لتكبر أو غيره; لأن الذي أمر به المار أن يسلم لا أن يحصل الرد مع أن المرور به قد يرد ويستحب لمن سلم على إنسان وتوجه عليه الرد فلم يرد أن يحلله من ذلك فيقول: أبرأته من حقي في رد السلام أو جعلته في حل منه أو نحو ذلك، ويستحب أن يقول له بعبارة لطيفة رد السلام واجب فينبغي لك أن ترد علي ليسقط عنك الفرض. "والتحية" من المار على من خرج من حمام أو غيره "بنحو صبحك الله بالخير" أو بالسعادة أو قواك الله أو طاب حمامك أو غيرها من ألفاظ العرف "لا أصل لها" إذ لم يثبت فيها شيء "ولا جواب" لقائلها على المدعو له "فإن أجابه بالدعاء فحسن إلا أن يريد تأديبه" لتركه السلام فترك الدعاء له حسن. "وأما الطلبقة" أي التحية بها وهي أطال الله بقاءك "فقيل بكراهتها" قال الأذرعي وفيه نظر بل ينبغي أن يقال: إن كان (١) من أهل الدين أو العلم أو من ولاة العدل فالدعاء له بذلك قربة وإلا فمكروه بل حرام وكلام ابن أبي الدم يشير إلى ما قاله. "وحني الظهر مكروه" (٢) لخبر أن رجلا قال: يا رسول الله الرجل منا يلقى أخاه أو صديقه أينحني له قال لا قال أفيلتزمه ويقبله قال لا قال فيأخذ بيده ويصافحه قال نعم رواه الترمذي وحسنه (٣) ولا يغتر بكثرة من يفعله ممن ينسب إلى علم وصلاح وغيرهما وما اقتضاه كلام المصنف كأصله من جواز الانحناء قال الإسنوي مردود مخالف للحديث الصحيح وللمعروف في المذهب وأطال في بيانه. "والقيام للداخل مستحب إن كان فيه فضيلة ظاهرة من علم أو صلاح"

стр. 4896

أو شرف "أو ولادة" أو رحم "أو ولاية مصحوبة بصيانة" أو نحوها ويكون هذا القيام "للبر والإكرام" والاحترام لا للرياء والإعظام اتباعا للسلف والخلف قال الأذرعي بل يظهر وجوبه في هذا الزمان دفعا للعداوة والتقاطع كما أشار إليه ابن عبد السلام فيكون من باب دفع المفاسد. "ويحرم" على الداخل "محبة القيام له" ففي الحديث الحسن "من أحب أن يتمثل له الناس قياما فليتبوأ مقعده من النار" (١) والمراد بتمثلهم له قياما أن يقعد ويستمروا قياما له كعادة الجبابرة كما أشار إليه البيهقي ومثله حب القيام له تفاخرا وتطاولا على الأقران أما من أحب ذلك إكراما له لا على الوجه المذكور فلا يتجه تحريمه; لأنه صار شعارا في هذا الزمن لتحصيل المودة نبه عليه ابن العماد. "وتقبيل اليد لزهد أو صلاح أو" كبر "سن" أو نحوها من الأمور الدينية كشرف وصيانة "مستحب" اتباعا للسلف والخلف "و" تقبيلها "لدنيا وثروة" ونحوهما كشوكة ووجاهة عند أهل الدنيا مكروه "شديد الكراهة". "وتقبيل خد طفل" ولو "لغيره لا يشتهى و" سائر "أطرافه" أي تقبيل كل منها "شفقة" ورحمة "مستحب" للأخبار الصحيحة في ذلك أما تقبيلها بشهوة فحرام. "ولا بأس بتقبيل وجه الميت الصالح" للتبرك. "ويسن تقبيل وجه صاحب قدم من السفر" أو نحوه "ومعانقته" للاتباع رواه الترمذي وحسنه (٢) "ويكره" ذلك "لغير القادم" من سفر أو نحوه للخبر السابق في الكلام على حني الظهر هذا كله في غير الأمرد الحسن الوجه أما هو فيحرم تقبيله بكل حال والظاهر أن معانقته كتقبيله أو قريبة منه ولا فرق في هذا بين أن يكون المقبل والمقبل صالحين أم فاسقين أم أحدهما صالحا والآخر فاسقا ذكر ذلك في الأذكار. "وتسن المصافحة مع البشاشة" بالوجه "والدعاء" بالمغفرة وغيرها "للتلاقي" في الثلاثة للخبر المشار إليه آنفا ولخبر "ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر

стр. 4897

لهما قبل أن يتفرقا" رواه أبو داود وغيره (١) ولخبر أن "المسلمين إذا التقيا فتصافحا وتكاشرا بود ونصيحة تناثرت خطاياهما بينهما" (٢) وفي رواية "إذا التقى المسلمان فتصافحا وحمدا الله تعالى واستغفرا غفر الله لهما" (٣) قال في الأذكار وينبغي أن يحترز (٤) من مصافحة الأمرد الحسن الوجه لما فيه من المس. "ولا أصل لها" أي للمصافحة "بعد صلاتي الصبح والعصر و" لكن "لا بأس بها" فإنها من جملة المصافحة، وقد حث الشارع عليها. "وإن قصد بابا مغلقا" لغيره "فالسنة أن يسلم" على أهله "ثم يستأذن" فيقول وهو عند الباب بحيث لا ينظر إلى من بداخله: السلام عليكم أأدخل رواه هكذا أبو داود وغيره (٥) "فإن لم يجب أعاده إلى ثلاث" من المرات "فإن أجيب" فذاك "والأرجح" لخبر الصحيحين "الاستئذان ثلاثا فإن أذن لك وإلا فارجع" (٦). "فإن قيل" له بعد استئذانه بدق الباب أو نحوه "من أنت فليقل" ندبا "فلان بن فلان" أو فلان المعروف بكذا أو نحوه مما يحصل به التعريف التام به للأخبار الصحيحة في ذلك. "ولا بأس أن يكني نفسه" أو يقول القاضي ك فلان أو الشيخ فلان أو نحوه مما يعرف به وإن تضمن تبجيلا له "ليعرف" أي إذا لم يعرفه المخاطب إلا به (٧) لذلك ولأن الحاجة دعت إليه مع عدم إرادة الافتخار. "ويكره اقتصاره" في التعريف "على" قوله "أنا أو الخادم" أو نحوه مما لا يعرف به كالمحب لخبر الصحيحين عن جابر قال أتيت النبي ﷺ فدققت الباب

стр. 4898

فقال من ذا فقلت أنا فقال أنا أنا كأنه كرهها (١). "وتسن زيارة الصالحين والجيران" غير الأشرار "والإخوان" والأقارب وإكرامهم "بحيث لا يشق" عليه ولا عليهم فتختلف زيارتهم باختلاف أحوالهم ومراتبهم وفراغهم للأخبار المشهورة في ذلك. "و" تسن "استزارتهم" بأن يطلب منهم أن يزوروه وأن يكثروا زيارته بحيث لا يشق لخبر البخاري أنه ﷺ قال لجبريل ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا فنزلت ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ [مريم: من الآية ٦٤] (٢). "و" تسن "عيادة المرضى" لخبر الترمذي وغيره "من عاد مريضا أو زار أخا له في الله تعالى ناداه مناد بأن طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة منزلا" (٣). "وأن يضع العاطس" أي الذي جاءه العطاس "يده أو ثوبه" أو نحوه "على وجهه ويخفض صوته" ما أمكن للاتباع رواه الترمذي وقال حسن صحيح (٤) وروى ابن السني خبرا أن الله يكره رفع الصوت بالتثاؤب والعطاس "و" أن "يحمد الله" عقب عطاسه بأن يقول: الحمد لله قال في الأذكار فلو قال الحمد لله رب العالمين كان أحسن ولو قال الحمد لله على كل حال كان أفضل لخبر أبي داود وغيره بإسناد صحيح "إذا عطس أحدكم فليقل الحمد لله على كل حال وليقل أخوه أو صاحبه يرحمك الله ويقول هو يهديكم الله ويصلح بالكم" (٥). "وإن كان" العاطس "في صلاة أسر به" أو في حالة البول أو الجماع أو نحوهما حمد الله في نفسه قاله البغوي وغيره وتقدمت الأولى في الاستنجاء. "فإن حمد" الله "شمت" للأمر به في الصحيحين (٦). فإن تكرر منه العطاس متواليا

стр. 4899

سن (١) تشميته لكل مرة "إلى ثلاث" من المرات لتكرر السبب وفيه خبر رواه ابن السني "ثم" إن زاد عليها "يدعى له بالشفاء ويذكر بالحمد إن تركه"; لأنه إعانة على معروف ولا يشمته حتى يسمع تحميده وأقل الحمد و التشميت وجوابه أن يرفع صوته بحيث يسمع صاحبه وإذا قال العاطس لفظا آخر غير الحمد لم يشمت لخبر مسلم "إذا عطس أحدكم فحمد الله تعالى فشمتوه، فإن لم يحمد الله تعالى فلا تشمتوه" (٢) صرح بذلك في الروضة. "فإن شمت قال" ندبا لمشمتيه "يهديكم الله أو يغفر الله لكم" أو نحوه لخبر أبي داود السابق و غيره قال الإمام ولعل السبب في أن هذا سنة، ورد السلام واجب أن التشميت للعطاس ولا عطاس بالمشمت والتحية تشمل الطرفين وفي حصول الفرق بما قاله نظر. "والتشميت" للمسلم "يرحمك الله" (٣) أو ربك لخبر أبي داود السابق ولخبر البخاري (٤) الآتي و كيرحمك الله يرحمكم الله ورحمك الله ورحمكم الله ذكره في الأذكار. "و" التشميت "للكافر يهديك الله" ونحوه لا يرحمك الله للاتباع رواه الترمذي وقال حسن صحيح (٥). "ويسن رد التثاؤب" ما استطاع لخبر البخاري "إن الله تعالى يحب العطاس ويكره التثاؤب فإذا عطس أحدكم وحمد الله تعالى كان حقا على كل مسلم سمعه أن يقول له يرحمك الله وأما التثاؤب فإنما هو من الشيطان فإذا تثاءب أحدكم فليرده ما استطاع فإن أحدكم إذا تثاءب ضحك منه الشيطان" (٦) قال العلماء معناه أن العطاس سببه محمود وهو خفة الجسم التي تكون لقلة الأخلاط وتخفيف الغذاء وهو أمر مندوب إليه; لأنه يضعف الشهوة ويسهل الطاعة، والتثاؤب بضد ذلك

стр. 4900

"فإن غلب" هـ التثاؤب "ستر فمه" بيده (١) أو غيرها لخبر مسلم "إذا تثاءب أحدكم فليمسك بيده على فمه فإن الشيطان يدخل" (٢) سواء كان في صلاة أم لا والتقييد بالغلبة من زيادة المصنف. "وأن يلبي الداعي" أي المنادي له بأن يقول له لبيك وسعديك أو لبيك فقط "و" أن "يرحب بالقادم" عليه بأن يقول له مرحبا قال الأذرعي والذي يظهر (٣) تحريم تلبية الكافر والترحيب به ويبعد استحباب تلبية الفاسق والترحيب به أيضا "و" أن "يخبر أخاه بحبه له في الله" للأمر به في الأخبار الصحيحة "و" أن "يدعو لمن أحسن إليه" بأن يقول له جزاك الله خيرا أو حفظك الله أو نحوهما للأخبار المشهورة في ذلك قال في الأذكار ولا بأس بقوله للرجل الجليل في علمه أو صلاحه أو نحوهما جعلني الله فداك أو فداك أبي وأمي ونحوهما، ودلائله من الأحاديث الصحيحة كثيرة مشهورة.

стр. 4901

"الباب الثاني في كيفية الجهاد" وما يتعلق به "وفيه أطراف" أربعة "الأول في قتال الكفار" "ويكره الغزو بغير إذن الإمام أو نائبه" نادبا معه ولأنه أعرف من غيره بمصالح الجهاد ولا يحرم إذ ليس فيه أكثر من التغرير بالنفوس وهو جائز في الجهاد قال الأذرعي (٤) وينبغي تخصيص ذلك بالمتطوعة أما المرتزقة فلا يجوز لهم ذلك قطعا; لأنهم مرصودون لمهمات تعرض للإسلام يصرفهم فيها الإمام فهم بمنزلة الأجراء واستثنى البلقيني من اعتبار الإذن (٥) ما لو كان الذهاب للاستئذان يفوت المقصود أو عطل الإمام الغزو وأقبل هو وجنوده على الدنيا أو غلب على الظن أنه

стр. 4902

إن استؤذن لم يأذن. "وإن بعث سرية سن" له "أن يؤمر عليهم أميرا و" (١) أن "يلزمهم طاعته ويوصيه بهم" لخبر أبي داود "إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم" (٢) ولخبر مسلم أنه ﷺ كان إذا أمر أميرا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا ثم قال "اغزوا بسم الله وفي سبيل الله وقاتلوا من كفر بالله" (٣). "و" أن "يبايعهم أن لا يفروا" للاتباع رواه مسلم. "و" أن "يخرجوا صبح" يوم "الخميس" (٤) ; لأنه ﷺ كان يحب أن يخرج فيه. "و" أن "يبعث الطلائع" ويتجسس أخبار الكفار وأن يعقد الرايات. "ويجعل لكل فريق راية وشعارا" حتى لا يقتل بعضهم بعضا بيانا. "و" أن "يعبيهم" بالباء المشددة بعد العين "للقتال" بأن يدخل دار الحرب بتعبية الحرب; لأنه أحوط وأهيب. "و" أن "يحرضهم" عليه وعلى الصبر والثبات. "و" أن "يدعو عند اللقاء و" أن "يستنصر بالضعفاء". "و" أن "يكبر بلا إسراف في رفع الصوت" وكل ذلك مشهور في سير النبي ﷺ . "ويجب عرض الإسلام أولا" (٥) على الكفار بأن يدعوهم إليه "إن" علمنا أنه "لم تبلغهم الدعوة وإلا استحب". "وجاز بياتهم" أي الإغارة عليهم ليلا بغير دعاء وإن كان فيهم النساء

стр. 4903

والذراري; لأنه ﷺ أغار على بني المصطلق (١)، وسئل عن المشركين يبيتون فيصاب من نسائهم وذراريهم فقال "هم منهم" رواهما الشيخان (٢) وأما خبر النهي عن قتلهم (٣) فمحمول على ما بعد السبي; لأنهم غنيمة. "و" جاز "قتالهم حتى يسلموا أو يؤدي أهل الجزية الجزية" (٤) ويجوز مع ذلك أن تسبى نساء غير أهل الجزية وأن تغنم أموالهم حتى يسلموا كما سيأتي. "وله الاستعانة" عليهم "بعبيد أذن لهم ومراهقين أقوياء" (٥) كذلك واستثنى البلقيني (٦) العبد الموصى بمنفعته لبيت المال والمكاتب كتابة صحيحة فلا يعتبر إذن سيدهما وفيما قاله في المكاتب وقفة والنساء والخناثى إن كانوا أحرارا فكالمراهقين في استئذان الأولياء أو أرقاء فكالعبيد في استئذان السادات وبذلك علم أنه يعتبر في الرقيق إذن سيده لا أصله وبه صرح الماوردي (٧) قال ويعتبر في المبعض إذن أصله بما فيه من الحرية وإذن سيده بما فيه من الرق. "و" له الاستعانة "بكفار" (٨) ذميين أو مشركين "أمناهم" بأن عرفنا حسن

стр. 4904

رأيهم فينا "ونحن نقاوم الفريقين" أي المستعان بهم والمستعان عليهم لو اجتمعنا بأن لا يكثر العدد المستعان بهم (١) كثرة ظاهرة وبذلك يجمع بين الأخبار الدالة لذلك والأخبار الدالة للمنع، وظاهر كلامه جواز إحضار نسائهم (٢) وصبيانهم كالمسلمين وهو أحد قولين ذكرهما الأصل بلا ترجيح. ثانيهما لا إذ لا قتال منهم ولا رأي ولا يتبرك بحضورهم والراجح الجواز فقد نص عليه في الأم (٣) "ويتميزون" عنا "أو يختلطون" بنا "بحسب المصلحة" التي يراها الإمام. "ويرد مخذل" عن الخروج في الجيش وهو من يخوف الناس كأن يقول عدونا كثير وخيولنا ضعيفة ولا طاقة لنا بهم "ومرجف" وهو من يكثر الأراجيف كأن يقول قتلت سرية كذا أو لحقهم مدد للعدو من جهة كذا أو لهم كمين في موضع كذا "وخائن" وهو من يتجسس لهم ويطلعهم على العورات بالمكاتبة والمراسلة و إنما كان ﷺ يخرج عبد الله بن أبي ابن سلول في الغزوات وهو رأس المنافقين مع ظهور التخذيل وغيره منه; لأن الصحابة كانوا أقوياء في الدين لا يبالون بالتخذيل ونحوه وأنه ﷺ كان يطلع بالوحي على أفعاله فلا يستضر بكيده "ويمنع" كل من الثلاثة من أخذ شيء من الغنيمة حتى سلب قتيله. "فصل لا يصح" من أحد "استئجار مسلم للجهاد" (٤) ; لأنه يقع عنه

стр. 4905

وتقدم بيانه في الإجارة مع زيادة "ولو عبدا" (١) فإنه لا يصح استئجاره للجهاد بناء على الأصح من أنه لو دخل الكفار دارنا تعين على العبد الجهاد. "وللإمام" ولو بنائبه "بذل الأهبة" ومنها السلاح "من بيت المال أو من مال نفسه وله" الأولى فله "ثواب عمله" أي إعانته لخبر الصحيحين "من جهز غازيا فقد غزا" (٢). "وثواب الجهاد لمباشره" (٣) وكذا للآحاد بذل ذلك من مالهم ولهم ثواب إعانتهم وثواب الجهاد لمباشره ومحله في المسلم أما الكافر فلا بل يرجع فيه إلى رأي الإمام (٤) لاحتياجه إلى اجتهاد; لأن الكافر قد يخون وما ذكر محله إذا بذل ذلك (٥) لا على أن يكون الغزو للباذل وإلا لم يجز كما صرح به الروياني وغيره. "وما يدفع إلى المرتزقة من الفيء" وإلى المتطوعة من الصدقات كما صرح به الأصل "ليس بأجرة" لهم "بل" هو "مرتبهم" وجهادهم واقع عنهم كما صرح به الأصل. "ولو أجبر الإمام حرا على غسل" أو دفن "فقير" ميت "ولا بيت مال" ثم "فلا أجرة له" بخلاف ما لو أجبره غير الإمام أو كان غنيا أو كان ثم بيت مال كما مر في آخر الإجارة، وقوله حرا من تصرفه ولو عبر كأصله برجلا كان أولى وكان الحامل له على ذلك الاختصار في قوله "أو" أجبر حرا مسلما "على الجهاد فكذلك" أي فلا أجرة له وإن قاتل "إن تعين عليه" لما مر "وإلا فله أجرة الذهاب أو" أجبر عليه "عبدا فلسيده الأجرة" من حين ذهابه إلى عوده ليده. "وللإمام لا لغيره استئجار كافر للجهاد (٦) ولو بأكثر من سهم" لراجل
следующие страницы →