"الباب الثاني في كيفية الجهاد" وما يتعلق به
"وفيه أطراف" أربعة
"الأول في قتال الكفار"
"ويكره الغزو بغير إذن الإمام أو نائبه" نادبا معه ولأنه أعرف من غيره بمصالح الجهاد ولا يحرم إذ ليس فيه أكثر من التغرير بالنفوس وهو جائز في الجهاد قال الأذرعي (٤) وينبغي تخصيص ذلك بالمتطوعة أما المرتزقة فلا يجوز لهم ذلك قطعا; لأنهم مرصودون لمهمات تعرض للإسلام يصرفهم فيها الإمام فهم بمنزلة الأجراء واستثنى البلقيني من اعتبار الإذن (٥) ما لو كان الذهاب للاستئذان يفوت المقصود أو عطل الإمام الغزو وأقبل هو وجنوده على الدنيا أو غلب على الظن أنه
стр. 4902
إن استؤذن لم يأذن.
"وإن بعث سرية سن" له "أن يؤمر عليهم أميرا و" (١) أن "يلزمهم طاعته ويوصيه بهم" لخبر أبي داود "إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم" (٢) ولخبر مسلم أنه ﷺ كان إذا أمر أميرا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا ثم قال "اغزوا بسم الله وفي سبيل الله وقاتلوا من كفر بالله" (٣).
"و" أن "يبايعهم أن لا يفروا" للاتباع رواه مسلم.
"و" أن "يخرجوا صبح" يوم "الخميس" (٤) ; لأنه ﷺ كان يحب أن يخرج فيه.
"و" أن "يبعث الطلائع" ويتجسس أخبار الكفار وأن يعقد الرايات.
"ويجعل لكل فريق راية وشعارا" حتى لا يقتل بعضهم بعضا بيانا.
"و" أن "يعبيهم" بالباء المشددة بعد العين "للقتال" بأن يدخل دار الحرب بتعبية الحرب; لأنه أحوط وأهيب.
"و" أن "يحرضهم" عليه وعلى الصبر والثبات.
"و" أن "يدعو عند اللقاء و" أن "يستنصر بالضعفاء".
"و" أن "يكبر بلا إسراف في رفع الصوت" وكل ذلك مشهور في سير النبي ﷺ .
"ويجب عرض الإسلام أولا" (٥) على الكفار بأن يدعوهم إليه "إن" علمنا أنه "لم تبلغهم الدعوة وإلا استحب".
"وجاز بياتهم" أي الإغارة عليهم ليلا بغير دعاء وإن كان فيهم النساء
стр. 4903
والذراري; لأنه ﷺ أغار على بني المصطلق (١)، وسئل عن المشركين يبيتون فيصاب من نسائهم وذراريهم فقال "هم منهم" رواهما الشيخان (٢) وأما خبر النهي عن قتلهم (٣) فمحمول على ما بعد السبي; لأنهم غنيمة.
"و" جاز "قتالهم حتى يسلموا أو يؤدي أهل الجزية الجزية" (٤) ويجوز مع ذلك أن تسبى نساء غير أهل الجزية وأن تغنم أموالهم حتى يسلموا كما سيأتي.
"وله الاستعانة" عليهم "بعبيد أذن لهم ومراهقين أقوياء" (٥) كذلك واستثنى البلقيني (٦) العبد الموصى بمنفعته لبيت المال والمكاتب كتابة صحيحة فلا يعتبر إذن سيدهما وفيما قاله في المكاتب وقفة والنساء والخناثى إن كانوا أحرارا فكالمراهقين في استئذان الأولياء أو أرقاء فكالعبيد في استئذان السادات وبذلك علم أنه يعتبر في الرقيق إذن سيده لا أصله وبه صرح الماوردي (٧) قال ويعتبر في المبعض إذن أصله بما فيه من الحرية وإذن سيده بما فيه من الرق.
"و" له الاستعانة "بكفار" (٨) ذميين أو مشركين "أمناهم" بأن عرفنا حسن
стр. 4904
رأيهم فينا "ونحن نقاوم الفريقين" أي المستعان بهم والمستعان عليهم لو اجتمعنا بأن لا يكثر العدد المستعان بهم (١) كثرة ظاهرة وبذلك يجمع بين الأخبار الدالة لذلك والأخبار الدالة للمنع، وظاهر كلامه جواز إحضار نسائهم (٢) وصبيانهم كالمسلمين وهو أحد قولين ذكرهما الأصل بلا ترجيح. ثانيهما لا إذ لا قتال منهم ولا رأي ولا يتبرك بحضورهم والراجح الجواز فقد نص عليه في الأم (٣) "ويتميزون" عنا "أو يختلطون" بنا "بحسب المصلحة" التي يراها الإمام.
"ويرد مخذل" عن الخروج في الجيش وهو من يخوف الناس كأن يقول عدونا كثير وخيولنا ضعيفة ولا طاقة لنا بهم "ومرجف" وهو من يكثر الأراجيف كأن يقول قتلت سرية كذا أو لحقهم مدد للعدو من جهة كذا أو لهم كمين في موضع كذا "وخائن" وهو من يتجسس لهم ويطلعهم على العورات بالمكاتبة والمراسلة و إنما كان ﷺ يخرج عبد الله بن أبي ابن سلول في الغزوات وهو رأس المنافقين مع ظهور التخذيل وغيره منه; لأن الصحابة كانوا أقوياء في الدين لا يبالون بالتخذيل ونحوه وأنه ﷺ كان يطلع بالوحي على أفعاله فلا يستضر بكيده "ويمنع" كل من الثلاثة من أخذ شيء من الغنيمة حتى سلب قتيله.
"فصل لا يصح" من أحد "استئجار مسلم للجهاد" (٤) ; لأنه يقع عنه
стр. 4905
وتقدم بيانه في الإجارة مع زيادة "ولو عبدا" (١) فإنه لا يصح استئجاره للجهاد بناء على الأصح من أنه لو دخل الكفار دارنا تعين على العبد الجهاد.
"وللإمام" ولو بنائبه "بذل الأهبة" ومنها السلاح "من بيت المال أو من مال نفسه وله" الأولى فله "ثواب عمله" أي إعانته لخبر الصحيحين "من جهز غازيا فقد غزا" (٢).
"وثواب الجهاد لمباشره" (٣) وكذا للآحاد بذل ذلك من مالهم ولهم ثواب إعانتهم وثواب الجهاد لمباشره ومحله في المسلم أما الكافر فلا بل يرجع فيه إلى رأي الإمام (٤) لاحتياجه إلى اجتهاد; لأن الكافر قد يخون وما ذكر محله إذا بذل ذلك (٥) لا على أن يكون الغزو للباذل وإلا لم يجز كما صرح به الروياني وغيره.
"وما يدفع إلى المرتزقة من الفيء" وإلى المتطوعة من الصدقات كما صرح به الأصل "ليس بأجرة" لهم "بل" هو "مرتبهم" وجهادهم واقع عنهم كما صرح به الأصل.
"ولو أجبر الإمام حرا على غسل" أو دفن "فقير" ميت "ولا بيت مال" ثم "فلا أجرة له" بخلاف ما لو أجبره غير الإمام أو كان غنيا أو كان ثم بيت مال كما مر في آخر الإجارة، وقوله حرا من تصرفه ولو عبر كأصله برجلا كان أولى وكان الحامل له على ذلك الاختصار في قوله "أو" أجبر حرا مسلما "على الجهاد فكذلك" أي فلا أجرة له وإن قاتل "إن تعين عليه" لما مر "وإلا فله أجرة الذهاب أو" أجبر عليه "عبدا فلسيده الأجرة" من حين ذهابه إلى عوده ليده.
"وللإمام لا لغيره استئجار كافر للجهاد (٦) ولو بأكثر من سهم" لراجل
стр. 4906
أو فارس; لأنه لا يقع عنه ولا يضر الجهل بأعمال القتال; لأنه يحتمل في معاملات الكفار لمصالح القتال ما لا يحتمل في غيره كما في مسألة العلج الآتية في باب الأمان وإنما لم يجز لغير الإمام استئجاره; لأنه يحتاج إلى نظر واجتهاد لكون الجهاد من المصالح العامة ويفارق صحة استئجاره في الأذان بأن الأجير ثم مسلم وهنا كافر لا تؤمن خيانته.
"والأجرة" الواجبة للكافر مسماة كانت أم أجرة المثل تؤدى "من سهم المصالح" من هذه الغنيمة أو غيرها لا من أصل الغنيمة ولا من أربعة أخماسها; لأنه يحضر للمصلحة; لأنه من أهل الجهاد "فإن أكرهه" الإمام عليه "أو استأجره بمجهول" كأن قال أرضيك أو أعطيك ما تستعين به "وقاتل وجبت" له "أجرة المثل" بخلاف ما إذا لم يقاتل كنظائره وقوله وقاتل بالنسبة للثانية من زيادته.
"وإن قهرهم" أي الكفار "على الخروج" للجهاد "ولم يقاتلوا فلا أجرة" لهم "لمدة وقوفهم" في الصف; لأنها في مقابلة العمل ولم يحصل ولأن منفعة الحر لا تضمن إلا بالتفويت وخرج بمدة وقوفهم مدة ذهابهم فلهم أجرتها "أو هربوا قبل الوقوف في الصف" أو خلى سبيلهم قبله "فلهم أجرة الذهاب فقط" وإن تعطلت منافعهم في الرجوع; لأنهم ينصرفون حينئذ كيف شاءوا ولا حبس ولا استئجار ولو حذف قوله فلا أجرة (١) لمدة وقوفهم ليكون جواب ما بعده جوابا للجميع كان أولى وأخصر.
стр. 4907
"وإن رضوا بالخروج ولم يعدهم" بشيء "رضخ لهم" من أربعة أخماس الغنيمة كما مر في بابها ويفارق الأجرة بأنه إذا حضر طائعا بلا مسمى فقد تشبه بالمجاهدين فجعل في الغنيمة معهم بخلاف ما إذا حضر بأجرة فإنها عوض محض ونظره مقصور عليها فجعلت فيما يختص بيد الإمام وتصرفه ولا يزاحمهم فيه الغانمون "لا إن خرجوا بلا إذن" من الإمام فلا شيء لهم; لأنهم ليسوا من أهل الذب عن الدين بل متهمون بالخيانة والميل إلى أهل دينهم سواء أنها هم عن الخروج أم لا بل له تقريرهم فيما نهاهم عنه إن رآه.
"فصل ويكره" لغاز "قتل قريب" له من الكفار لما فيه من قطع الرحم ولأنه قد تحمله الشفقة على الندم فيكون ذلك سببا لضعفه "و" قتل القريب "المحرم أشد" (١) كراهة من قتل غيره لقوله تعالى ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً﴾ [لقمان: ١٥] وقد منع النبي ﷺ أبا بكر يوم أحد عن قتل ابنه عبد الرحمن وأبا حذيفة بن عتبة يوم بدر عن قتل أبيه "لا إن سمعه يسب الله أو رسوله" (٢) ﷺ والمراد أن يذكره بسوء فلا يكره قتله تقديما لحق الله وحق رسوله; لأن أبا عبيدة بن الجراح قتل أباه حين سمعه يسب النبي ﷺ فلم ينكر عليه ﷺ ذلك.
"ويحرم قتل امرأة وخنثى وصبي ومجنون" من الكفار للنهي في خبر الصحيحين (٣) عن قتل النساء والصبيان وإلحاق الجنون بالصبي والخنثى بالمرأة لاحتمال أنوثة والمعنى في ذلك أنهم ليسوا من أهل القتال وربما يسترقون فيكونون قوة لنا "إلا إن قاتلوا" فيجوز قتلهم وإن أمكن دفعهم بغيره وفي معنى القتال سب المرأة والخنثى للمسلمين (٤).
стр. 4908
"ويقتل مراهق أنبت" الشعر "الخشن" على عانته; لأن إنباته دليل بلوغه كما مر في الحجر "لا إن ادعى استعجاله" بدواء "وحلف" أنه استعجله بذلك فلا يقتل بناء على أن الإنبات ليس بلوغا بل دليله "وحلفه" على ذلك "واجب" وإن تضمن حلف من يدعي الصبا "لظهور أمارة البلوغ" فلا يترك بمجرد دعواه.
"ويجوز قتل راهب" شيخ أو شاب "وأجير ومحترف وشيخ" ولو ضعيفا "وأعمى وزمن" ومقطوع اليد والرجل وإن لم يحضر والصف لعموم قوله تعالى ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] وصحح الترمذي خبر "اقتلوا شيوخ المشركين و استحيوا شرخهم" (١) أي مراهقيهم ولأنهم أحرار مكلفون فجاز قتلهم كغيرهم.
"ويقتل منهم ذو الرأي" وغيره فلو ذكر غيره كان أولى "وكذا السوقة" بضم السين وسكون الواو "لا الرسل" فلا يقتلون لجريان السنة بذلك.
"ويجوز حصارهم" في البلاد والقلاع والحصون وإن كان فيهم نساء وصبيان واحتمل أن يصيبهم.
"و" يجوز "إتلافهم بالماء والنار" قال تعالى ﴿وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وحاصر ﷺ أهل الطائف رواه الشيخان (٢) ونصب عليهم المنجنيق رواه البيهقي (٣) وقيس به ما في معناه مما يعم الإهلاك به نعم لو تحصنوا بحرم مكة لم يجز قتالهم (٤) بما يعم كما نص عليه في الأم وظاهر كلامهم أنه يجوز إتلافهم (٥) بما ذكر وإن قدرنا عليهم بدونه قال الزركشي وبه صرح البندنيجي لكن الظاهر خلافه (٦).
"و" يجوز "سبي نسائهم وذراريهم" بتشديد الياء وتخفيفها أي صغارهم
стр. 4909
ومجانينهم مع أن ذراريهم تشمل نساءهم أيضا كما صرح به ابن قرقول "وأخذ أموالهم".
"ولو كان فيهم" وهم بالبلدة أو القلعة أو نحوهما "مسلم كره" إتلافهم بالماء وما في معناه ولا يحرم لئلا يتعطل الجهاد لحبس مسلم فيهم ولأن المسلم قد لا يصاب ولأن الدار دار إباحة فلا يحرم القتال بكون المسلم فيها كما أن دارنا لا تحل بكون المشرك فيها "إلا" إن فعل ذلك "لضرورة" كخوف ضررنا أو لم يحصل فتح القلعة إلا به فلا يكره وإن علم أنه يصيب مسلما دفعا لضررنا ونكاية فيهم، وحفظ من معنا أولى من حفظ من معهم وإن هلك أحد ممن معهم رزق الشهادة "فإن أصابه" بما يعم أو بغيره "وقد علمه فيهم (١) وجبت دية وكفارة وإلا فكفارة" فقط وهذا حكاه الأصل عن الروياني والمعتمد عدم وجوب الدية (٢) كما تقرر ذلك في الجنايات.
"ومتى تترسوا" في القتال "بصبيانهم ونسائهم" ونحوهم "ولو في قلعة رميناهم" وإن لم تدع ضرورة إلى رميهم كما يجوز نصب المنجنيق على القلعة وإن كان يصيبهم ولئلا يتخذوا ذلك ذريعة إلى تعطيل الجهاد أو حيلة إلى استبقاء القلاع لهم وفي ذلك فساد عظيم وخالف في المنهاج كأصله (٣) فصحح أنه لا يجوز لنا رميهم عند عدم الضرورة; لأنه يؤدي إلى قتلهم بلا ضرورة وقد نهينا عن قتلهم.
"أو" تترسوا "بمسلم أو ذمي فلا" ترميهم إن لم تدع ضرورة إلى رميهم واحتمل الحال الإعراض عنهم صيانة للمسلمين وأهل الذمة وفارق النساء والصبيان بأن المسلم والذمي محقونا الدم لحرمة الدين والعهد فلم يجز رميهم بلا ضرورة، والنساء والصبيان حقنوا لحق الغانمين فجاز رميهم بلا ضرورة فلو رمى رام فقتل مسلما فحكمه معلوم مما مر في الجنايات "فلو دعت ضرورة" إلى ذلك بأن تترسوا في حال
стр. 4910
التحام القتال به وكانوا بحيث لو كففنا عنهم ظفروا بنا وكثرت نكايتهم "جاز" رميهم لما مر "وتوقيناه" أي المسلم أو الذمي بحسب الإمكان; لأن مفسدة الإعراض أكثر من مفسدة الإقدام ولا يبعد احتمال قتل طائفة للدفع عن بيضة الإسلام ومراعاة الأمور الكليات وكالذمي المستأمن (١) والعبد لكن حيث تجب دية تجب في العبد قيمته "فإن قتل مسلم" وقوله من زيادته "وعرف قاتله" ليس له كبير جدوى "وجبت الكفارة"; لأنه قتل معصوما "وكذا الدية إن علمه" القاتل "مسلما" إن كان يمكنه توقيه والرمي إلى غيره بخلاف ما إذا لم يعلمه مسلما وإن كان يعلم أن فيهم مسلما لشدة الضرورة "لا القصاص"; لأنه مع تجويز الرمي لا يجتمعان.
"وإن تترس" كافر "بترس مسلم" أو ركب فرسه "فرماه مسلم" فأتلفه "ضمنه إلا: إن اضطر" بأن لم يمكنه في الالتحام الدفع إلا بإصابته فلا يضمنه "في أحد الوجهين" وقطع المتولي بأنه يضمنه (٢) كما لو أتلف مال غيره عند الضرورة.
"فصل يحرم انهزام مائة رجل ولو" كانوا "سكارى عن مائتين" والمراد يحرم انهزام من عليه الجهاد من الصف إن كان الكفار مثلينا فأقل لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٦] وهو خبر بمعنى الأمر أي لتصبر مائة لمائتين وعليه يحمل قوله: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ [لأنفال: ٤٥].
"وإن خافوا الهلاك" بالثبات إذ الغزاة يقتلون ويقتلون وأما قوله: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] ففسرت التهلكة فيه بالكف عن الغزو (٣) وبحب المال وبالفرار من الزحف وبالخروج بغير نفقة (٤) والمعنى في وجوب الثبات للمثلين أن المسلم على إحدى الحسنيين إما أن يقتل فيدخل الجنة أو يسلم فيفوز بالأجر والغنيمة، والكافر يقاتل على الفوز بالدنيا "إلا متحرفين لقتال أو متحيزين إلى فئة ولو بعدت" فلا يحرم الانهزام قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ
стр. 4911
دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ﴾ [لأنفال: ١٦] (١) وعن عمر ﵁ أنا فئة لكل مسلم وكان بالمدينة وجنوده بالشام والعراق رواه الشافعي (٢) ولأن عزمه على العود إلى القتال لا يختلف بالقرب والبعد "والمتحرف من يخرج" من الصف "ليكمن" بموضع ويهجم "أو ينحرف إلى موضع أصلح للقتال" كأن يفر من مضيق ليتبعه العدو إلى متسع سهل للقتال أو ينصرف من مقابلة الشمس أو الريح إلى محل يسهل فيه القتال "والمتحيز من يقصد الاستنجاد بفئة" للقتال "سواء قلت أم كثرت بعدت أو قربت" هذا علم من قوله ولو بعدت قال في الأصل ومن عجز بمرض ونحوه أو لم يبق معه سلاح فله الانصراف وقدمه المصنف كأصله أيضا في الطرف الثاني من الباب السابق.
"ويستحب لمن فر" لعجز أو غيره مما مر "قصد التحيز" أو التحرف ليخرج عن صورة الفرار المحرم وهذا قدمه في العجز ثم من غير تصريح بالاستحباب، وعبارة الأصل ويستحب أن يولي منحرفا أو متحيزا.
"وليس لمتحيز بعد" في تحيزه إلى فئة "حق فيما يغنم بعده" أي بعد تحيزه لعدم نصرته بخلاف ما يغنم قبل تحيزه لبقائها وبخلاف المتحيز إلى فئة قريبة يشارك فيما غنم مطلقا لذلك فهو كالسرية القريبة تشارك الجيش فيما غنمه والمراد بالقريبة أن تكون بحيث يدرك غوثها المتحيز عنها عند الاستغاثة.
стр. 4912
"ولا يلزمه العود" ليقاتل "مع الفئة"; لأن عزمه العود لذلك رخص له الانصراف فلا حجر عليه بعد والجهاد لا يجب قضاؤه.
"ولو ذهب سلاحه وأمكنه الرمي بالحجارة لم ينصرف" عن الصف بخلاف ما إذا لم يمكنه الرمي بها.
"أو" ذهب "فرسه وهو لا يقدر على الترجل" أي على قتاله راجلا "انصرف" جوازا أو وجوبا على ما يأتي بيانه.
"وإن زادوا" أي الكفار "على الضعف ورجي الظفر" بأن ظنناه إن ثبتنا "استحب" لنا "الثبات ولو غلب" على ظننا "الهلاك بلا نكاية فيهم وجب" علينا "الفرار" لقوله تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] "أو بنكاية" فيهم "استحب" لنا الفرار.
"ويحرم انصراف مائة بطل" منا "عن مائتين وواحد" منهم "ضعفاء لا مائة ضعفاء منا عن مائة وتسعة وتسعين (١) بطلا" منهم (٢) نظرا للمعنى وإنما نراعي العدد عند تقارب الأوصاف وظاهر أن ذكر الواحد مثال (٣) والعبرة بأن يكون معنا من القوة ما يغلب به الظن أنا نقاوم من بإزائنا من العدو ونرجو الظفر به وبالعكس.
"وهل لرجالة عند الفرسان كالضعفاء عند الأبطال أو يستوون (٤)، فيه تردد" أخذه من بحث الروضة حيث نقل فيها عن الماوردي والروياني أنه تجوز الهزيمة من أكثر من المثلين وإن كان المسلمون فرسانا والكفار رجالة ويحرم من المثلين وإن كانوا بالعكس ثم قال وفيه نظر ويمكن تخريجه على الوجهين السابقين أي في الضعفاء مع الأبطال في أن الاعتبار بالمعنى أو بالعدد.
"فرع الثبات" إنما هو "مشروط في الجماعة فإن لقي مسلم" شخصين
стр. 4913
"مشركين جاز" له "الفرار" منهما "و لو طلبهما" هو ولم يطلباه.
"وإن تحصنت الجماعة قبل اللقاء في قلعة حتى يجيء" لهم "مدد جاز" أي لو قصد الكفار بلدا فتحصن أهله إلى أن يجدوا قوة ومددا لم يأثموا إنما الإثم على من فر بعد اللقاء.
"فصل المبارزة" للقتال وهي ظهور اثنين من الصفين للقتال "مباحة" (١) لنا; لأن عبد الله بن رواحة وابني عفراء ﵃ بارزوا يوم بدر ولم ينكر عليهم رسول الله ﷺ وفي الصحيحين عن قيس بن عبادة قال سمعت أبا ذر يقسم قسما أن ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩] نزلت في الذين بارزوا يوم بدر حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث وعتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة (٢).
"فإن طلبها كافر استحب لمن فيه قوة" بأن عرفها من نفسه "مبارزته" (٣) ; لأن في تركها حينئذ إضعافا لنا وتقوية لهم قال الماوردي ويعتبر في الاستحباب (٤) أن لا يدخل بقتله ضرر علينا بهزيمة تحصل لنا لكونه كبيرنا قال البلقيني وغيره وأن لا يكون (٥) عبدا ولا فرعا مأذونا لهما في الجهاد من غير تصريح بالإذن في البراز وإلا فيكره لهما ابتداء وإجابة ومثلهما فيما يظهر المدين (٦) "وكرهت" مبارزته "لغيره" أي لغير من فيه قوة; لأنه قد يحصل لنا به ضعف.
"ولو بارز" مسلم "بغير إذن الإمام كره"; لأن للإمام نظرا في تعيين الأبطال، وذكر الكراهة من زيادته.
"ويكره نقل رءوس الكفار" ونحوها من بلادهم "إلى بلادنا" لما روى البيهقي
стр. 4914
أن أبا بكر ﵁ أنكر على فاعله وقال لم يفعل في عهد النبي ﷺ وما روي من حمل رأس أبي جهل فقد تكلموا في ثبوته وبتقدير ثبوته إنما حمل من موضع إلى موضع لا من بلد إلى بلد وكأنهم فعلوه لينظر الناس إليه فيتحققوا موته واستثنى الماوردي والغزالي ما إذا كان فيه نكاية في الكفار قال في الأصل ولم يتعرض له الجمهور.
стр. 4915
"الطرف الثاني في سبيهم"
واسترقاقهم "يرق بالأسر نساء الكفار (١) وصبيانهم" ومجانينهم وخناثاهم "وعبيدهم" (٢) أي يصيرون به أرقاء لنا ويكونون كسائر أموال الغنيمة لأهل الخمس والباقي للغانمين; لأنه ﷺ كان يقسم السبي كما يقسم الأموال.
"ولا يقتلون" للنهي عن قتل النساء والصبيان والباقي في معناهما "فإن قتلهم الإمام" ولو لشرهم وقوتهم "ضمن" قيمتهم "للغانمين" (٣) كسائر الأموال، وذكر هذا في غير العبيد من زيادته.
"ويفعل (٤) في رجالهم" الكاملين إذا أسروا ما يراه "بالمصلحة" للإسلام والمسلمين لا (٥) بالتشهي "ويتوقف" في فعله ويحبسهم "حتى يظهر" له وجه المصلحة من أحد أمور أربعة "من قتل بالسيف لا تغريق ونحوه" كتحريق "ولا
стр. 4916
تمثيل" بهم "ومن من" عليهم بتخلية سبيلهم "وكذا استرقاق" (١) الأولى ومن استرقاق "وإن كانوا عربا" بفتح العين المهملة "أو وثنيين ومن فداء (٢) بمال" يؤخذ منهم "للغانمين أو برجال" أو نساء أو خناثى كما فهما بالأولى (٣) "منا" مأسورين معهم "وإن قلوا عنهم" كان فدي مشركين بمسلم "وبأسلحتنا" التي بأيديهم للاتباع في الأربعة وقال تعالى ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] وقال ﴿فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤] وقال ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ [محمد: ٤] أي بالاسترقاق وقولهم منا تبعا للنص جروا فيه على الغالب فإن أهل الذمة كذلك فيما يظهر خلافا لمن زعم خلافه (٤).
"ولا يرد أسلحتهم" التي بأيدينا عليهم "بمال" يبذلونه لنا كما لا يجوز أن نبيعهم السلاح "وهل يردها" لهم "بأسارى" منا كما تجوز المفاداة بهم ولأن ما تأخذه خير مما يبذله أو لا كما لا يردها بمال "وجهان" أوجههما الأول (٥).
"ومن استبد بقتل أسير عزر" لافتياته على الإمام ولا قود ولا دية (٦) ; لأنه لا أمان له وهو حر إلى أن يسترق ولذلك يجوز أن يخلي سبيله، والأموال لا ترد إليهم بعد الاغتنام "ولزمته القيمة إن كان قد استرق" قبل قتله، والتصريح بهذا من زيادته وتحرير ذلك ما قاله الماوردي أن الإمام إن حكم بقتله فلا
стр. 4917
شيء على قاتله سوى التعزير وإن أرقه ضمنه القاتل بقيمته ويكون غنيمة وإن من عليه فإن قتله قبل حصوله في مأمنه ضمن ديته لورثته أو بعده هدر دمه وإن فداه فإن قتله قبل قبض الإمام فداه ضمن ديته للغنيمة أو بعد قبضه وإطلاقه إلى مأمنه فلا ضمان عليه لعوده إلى ما كان عليه قبل أسره، وقضية هذا التعليل أن محل ذلك (١) إذا وصل إلى مأمنه وإلا فيضمن ديته لورثته وهو ظاهر.
"ويصح استرقاق بعض شخص" منهم قال الرافعي بناء على تبعيض الحرية في ولد الشريك المعسر بقدر حصته.
"وإن أسرنا صبيا منفردا" (٢) عن أبويه "رق" كما علم مما مر وذكره هنا من زيادته وهو يوهم أنه لا يرق إذا لم يكن منفردا وليس مرادا "وتبع السابي" في إسلامه "فإن قتله عبد اقتص منه" لمكافأته له، فإن وجب المال فهو قيمة عبد مسلم.
"وينفسخ نكاح من رق بالأسر" ولو بعد الدخول لعموم خبر "لا توطأ حامل حتى تضع" (٣) إذ لم يفرق فيه بين المنكوحة وغيرها ولزوال ملكه عن نفسه فعن زوجته أولى، وتعبيره بما قاله أعم من قول أصله وإن أسر صبي له زوجة انفسخ النكاح بأسره.
"وكذا" ينفسخ نكاح الأسير "إن استرق لا إن كان هو وزوجته رقيقين" فلا ينفسخ نكاحه إذ لم يحدث رق وإنما انتقل الملك من شخص إلى آخر وذلك لا يقطع النكاح كالبيع والهبة فلو كان أحدهما رقيقا والآخر حرا فيؤخذ من ذلك أنهما إن سبيا (٤) أو الحر وحده وأرقه الإمام فيما إذا كان زوجا كاملا انفسخ النكاح لحدوث الرق أو الرقيق وحده فلا لعدم حدوثه.
стр. 4918
"وإن أسلم" من الأسرى "رجل حر" مكلف "قبل اختيار" (١) من الإمام "فيه عصم دمه" من القتل لخبر الصحيحين "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها" (٢) "ولم يرق" بإسلامه كما علم مما مر "فيختار فيه الإمام ما سوى القتل" (٣) من إرقاق ومن فداء كما أن من عجز عن الإعتاق في كفارة اليمين يبقى مخيرا بين الإطعام والكسوة "لكن لا يفادي إلا من كان عزيزا في قومه" أو له فيهم عشيرة "ولا يخشى الفتنة في دينه" ولا في نفسه.
"أو" أسلم كافر مكلف "قبل الظفر به (٤) رجلا كان أو امرأة عصم نفسه وماله" لخبر السابق "و" عصم "ولده الصغير والمجنون" الحرين من السبي "وكذا الحمل" تبعا له فيهما "لا إن استرقت" أمه "قبل إسلام الأب" فلا يعصمه إسلامه أي لا يبطل رقه كالمنفصل وإن حكم بإسلامه.
"وكذا" يعصم إسلامه "ولد ابنه الصغير" وإن كان الابن حيا "ويحكم بإسلامه" أي ولد ابنه الصغير تبعا له والمجنون كالصغير ولو عبر بولد ولده كان أولى "ولا يعصم" إسلامه "زوجته" من السبي والاسترقاق ويفارق عتيقه بأن الولاء بعد ثبوته لا يرتفع وإن تراضيا; لأنه لحمة كلحمة النسب بخلاف النكاح فإنه يرتفع بأسباب منها حدوث الرق ويفارق أيضا ما لو بذل الجزية حيث يمتنع إرقاق زوجته وابنته البالغة بأن ما يمكن استقلال الشخص به لا يجعل فيه تابعا لغيره والبالغة تستقل بالإسلام ولا تستقل ببذل الجزية.
"وإن استرقت" ولو بعد الدخول "انقطع نكاحه" لزوال ملكها عن نفسها
стр. 4919
فزوال ملك الزوج عنها أولى كما مر ولامتناع نكاح المسلم الأمة الكافرة ابتداء ودواما وفي تعبيرهم هنا وفيما قبله باسترقت تجوز فإنها ترق بنفس الأسر فلو عبروا برقت كان أولى.
"ولا يعصم" إسلامه "ابنه" الأولى ولده "البالغ العاقل" لاستقلاله بالإسلام.
"وإن استأجر مسلم حربيا" رقيقا أو حرا "فاسترق أو داره فغنمت فله استيفاء مدته"; لأن منافع الأموال مملوكة ملكا تاما مضمونة باليد كأعيان الأموال وكما لا تغنم العين المملوكة للمسلم لا تغنم المنافع المملوكة له بخلاف منفعة البضع فإنها تستباح ولا تملك ملكا تاما ولهذا لا تضمن باليد.
"وتسترق زوجة الذمي الحربية (١) وعتيقه" الحربي; لأن الذمي لو التحق بدار الحرب استرق فزوجته وعتيقه أولى وفي قوله تسترق تجوز بالنسبة إلى الزوجة كما مر نظيره واستشكل ما ذكر بما قالوه من أن الحربي إذا عقدت له الجزية عصم نفسه وزوجته من الاسترقاق وأجيب بأن المراد ثم الزوجة الموجودة (٢) حين العقد ليتناول العقد لها على وجه التبعية وهنا الزوجة المتجددة بعد عقد الذمة لعدم تناوله لها أو يحمل ما هناك على ما إذا كانت زوجته داخلة تحت القدرة حين العقد وما هنا على ما إذا لم تكن كذلك.
"وكذا" تسترق "زوجة المسلم" الحربية وإن كانت حاملا عند إسلامه "لا عتيقه" (٣) كما في زوجة من أسلم وعتيقه وخالف في المنهاج كأصله فصحح (٤) عدم جواز استرقاق زوجته مع تصحيحه جوازه في زوجة من أسلم.
стр. 4920
"وإن نقض ذمي" عهده "فاسترق وملكه عتيقه ثم أعتقه فلكل" منهما "الولاء على الآخر" فولاء السيد لا يبطل باسترقاقه.
"وإن استرق حربي وعليه دين لمسلم أو ذمي" أو معاهد (١) "لا حربي لم يسقط" عنه; لأن شغل ذمته قد حصل ولم يوجد ما يسقطه بخلاف الحربي لعدم احترامه "وقضي من ماله المغنوم بعد الرق" فيقدم الدين على الغنيمة كما يقدم على الوصية وإن زال ملكه بالرق كما يقضى دين المرتد من ماله وإن قلنا بزوال ملكه ولأن الرق كالموت والحجر وكلاهما يعلق الدين بالمال "لا" من المغنوم "قبله" لانتقاله للغانمين.
"وكذا لو قارن" الغنم الرق (٢) لتعلق الغنيمة بالعين فيقدم على الدين كما يقدم حق المجني عليه على حق المرتهن "وإلا" أي وإن لم يوجد له مال يقضى منه دينه "صبر" رب الدين عليه "إلى العتق" واليسار فيطالبه به "فلو ملكه" أي الحربي المدين "الغريم سقط" عنه الدين وقيل لا يسقط والترجيح من زيادته وتعبيره بملكه أولى من قول أصله فلو كان الدين للسابي لاعتراض الإسنوي عليه بأن من أخذ من دار الحرب شيئا (٣) اختلاسا أو سرقة فالصحيح أنه غنيمة وعليه فلا يملك السابي من المسبي إلا أربعة أخماسه (٤) وحينئذ فلا يسقط الدين على الصحيح أي كله.
"وإن استرق" الحربي "وله دين على مسلم" أو ذمي "لم يسقط" بل هو باق في ذمة المدين "كوديعته" فيطالبه به سيده ما لم يعتق فيما يظهر "أو على حربي
стр. 4921
سقط" كما لو رق من هو عليه ولأنه قد زال ملكه وليس الحربي ملتزما حتى يطالب ومنه يؤخذ أن المعاهد مثله (١).
"وإن أسلم حربيان ولأحدهما على الآخر دين معاوضة" كبيع وقرض وعقد صداق "لم يسقط ولو سبق إسلام المديون" إسلام الدائن لالتزامه بعقد فاستديم حكمه كما في أحكام عقود أنكحتهم وكإسلامهما قبولهما الجزية أو الأمان كما صرح به الأصل "نعم" لا موقع لها والأولى وإن "كان" الدين "دين إتلاف سقط" إذ لا التزام ولا عقد يستدام والإتلاف نوع قهر ولأن إتلاف مال الحربي لا يزيد على إتلاف مال المسلم وهو لا يوجب الضمان على الحربي وكإسلامهما إسلام أحدهما وتقييد الأصل بإسلام المتلف لبيان محل الخلاف (٢) كما صرح به الأصل وفي تعبيره بسقط تسمح لاقتضاء أن الدين ثبت أولا فلو عبر كأصله بقوله لم يطالب كان أولى.
"وإن قهر مديون غريمه أو عبد سيده (٣) أو امرأة زوجها أو والد ولده وهما حربيان ملكه" وإن كان المقهور كاملا; لأن الدار دار إباحة واستيلاء بخلاف ما لو كانا بدار الإسلام بأمان; لأنها دار إنصاف قال الإمام ولم يعتبروا في القهر قصد الملك وعندي لا بد منه فقد يكون القهر للاستخدام وغيره ولا مميز "لكن ليس للأب" في الأخيرة "بيعه" لعتقه عليه "وبطل الدين" في الأولى "والرق" في الثانية "والنكاح" في الثالثة.
"وإن سبيت امرأة وولدها الصغير لم يفرق بينهما في القسمة" بل يقومان، فإن وافقت قيمتهما نصيب أحد الغانمين جعلا لواحد وإلا اشترك فيهما اثنان أو بيعا وجعل ثمنهما في المغنم "وقد سبق" بيان تحريم التفريق بينهما بالقسمة ونحوها مع زيادة "في البيع".
стр. 4922
"الطرف الثالث في إتلاف أموالهم"
من تخريب بناء وقطع شجر وغيرهما "للإمام" عبارة الأصل للمسلمين "إتلاف غير الحيوان منها" (١) لقوله تعالى ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحشر: ٢] ولخبر الصحيحين أنه ﷺ قطع نخل بني النضير وحرق عليهم فأنزل الله عليه ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا﴾ [الحشر: ٥] الآية (٢) وروى البيهقي أنه ﷺ قطع لأهل الطائف كروما (٣) سواء أتلفها لحاجة أو لا مغايظة لهم وتشديدا عليهم وقد قال تعالى ﴿وَلا يَطَأُونَ مَوْطِئاً يُغِيظُ الْكُفَّارَ﴾ [التوبة: ١٢٠] الآية "فإن ظن حصولها لنا كره" (٤) إتلافها حفظا لحق الغانمين ولا يحرم; لأنه قد يظن شيئا فيظهر خلافه عبارة المنهاج كأصله تبعا للشافعي ندب تركه وعبارة الرافعي الأولى تركه (٥)، فإن أريد بذلك الكراهة فلا خلاف أما الحيوان أي المحترم فيحرم إتلافه لحرمته وللنهي عن ذبح الحيوان لغير مأكلة.
"وإن غنمناها" بأن فتحنا دارهم قهرا أو صلحا على أن تكون لنا أو غنمنا أموالهم وانصرفنا "حرم" إتلافها; لأنها صارت غنيمة لنا وكذا إن فتحناها صلحا على أن تكون لهم "فإن خفنا استردادها وكانت غير حيوان جاز إتلافه" أي غير الحيوان لئلا يأخذوها فيتقووا بها "أو" كانت "حيوانا فلا" يجوز إتلافه لما مر "لكن يذبح" المأكول منه "للأكل" خاصة لمفهوم خبر النهي السابق.
"ويعقر" الحيوان "للحاجة" في القتال إلى عقره لدفعهم أو للظفر بهم "إن ركبوه لقتالنا أو خفنا أن يركبوه" للعذر ولأنه كالآلة للقتال.
стр. 4923
"وإن خفنا استرداد نسائهم وصبيانهم" ونحوهما منا "لم يقتلوا" لتأكد احترامهم.
"فرع ما حرم الانتفاع به من كتبهم الكفرية والمبدلة" والهجوية والفاحشية كما ذكرهما الأصل "لا التواريخ ونحوها" مما يحل الانتفاع به ككتب الطب والشعر واللغة "يمحى" بالغسل "إن أمكن" مع بقاء المكتوب فيه "وإلا مزق" وإنما نقره بأيدي أهل الذمة لاعتقادهم كما في الخمر وخرج بتمزيقه تحريقه فلا يجوز لما فيه من أسماء الله تعالى ولما فيه من تضييع المال; لأن للمزق قيمة وإن قلت (١) ولا يشكل بما رواه البخاري عن عثمان ﵁ أنه لما جمع القرآن جمع ما بأيدي الناس وأحرقه أو أمر بإحراقه ولم يخالفه غيره; لأن الفتنة التي تحصل بالانتشار هناك أشد منها هنا كما لا يخفى أما ما يحل الانتفاع به فهو باق بحاله "وأدخل" ما ذكر من المغسول والممزق "في الغنيمة" فيباع أو يقسم.
"وتتلف الخنازير والخمور لا أوانيها الثمينة" فلا تتلف بل تحمل فإن لم تكن ثمينة بأن لم تزد قيمتها على مؤنة حملها أتلفت قال الأذرعي ويشبه أن يكون (٢) محل إتلافها إذا لم يرغب أحد من الغانمين فيها ويتكلف حملها لنفسه فحينئذ تدفع إليه ولا تتلف وبين في المجموع في البيع أن الخنزير إن كان يعدو على الناس وجب إتلافه وإلا فوجهان ظاهر نص الشافعي أنه يتخير قال الزركشي بل ظاهره الوجوب أيضا (٣) وبه صرح الماوردي والروياني; لأن الخمر تراق وإن لم يكن فيها عدوى.
"وكلب الصيد والماشية" والزرع ونحوها يعطى "لمن أراده" من الغانمين أو أهل الخمس إن لم يتنازعوا فيه "فإن تنازعوا" فيه "وكانت" أي الكلاب "كثيرة" وأمكن قسمتها عددا "قسمت بالعدد" إذ لا قيمة لها حتى تقسم بالقيمة "وإلا فالقرعة" وهذا ما قاله الرافعي وتبعه النووي أنه المذهب الموجود في كتب العراقيين لكن أطلق الغزالي أن للإمام أن يخص بها من شاء وكذا نقله الإمام عن العراقيين واعترض ابن الرفعة الرافعي فيما نقله عنهم وقال: إن البندنيجي وابن الصباغ والماوردي قالوا: إن كان في الغانمين من يحل له اقتناء الكلب دفع إليه وإلا
стр. 4924
دفع إلى من هو محتاج إليه من أهل الخمس ونقل القاضي ذلك عن النص قال البندنيجي والماوردي فإن لم يكن في أهل الخمس من يحل له اقتناؤه ترك قال وما ذكره الرافعي لم أجده فيما وقفت عليه من كتب العراقيين بل قال في الشامل بعد حكايته ما تقدم عنهم أن أصحابنا لم يذكروا ما إذا تنازع فيها الغانمون وأبدى ما ذكره الرافعي احتمالا لنفسه (١) قال في الأصل وتقدم في الوصية أنه يعتبر قيمة الكلاب عند من يرى لها قيمة ويعتبر منافعها فيمكن مجيئه هنا قلت: الظاهر عدم مجيئه (٢) بقرينة قولهم: قسمت عددا وإلا فالقرعة ويفارق الوصية بأن بابها أوسع من باب الجهاد.
"الطرف الرابع في الاغتنام لو دخل" ولو بغير إذن الإمام "واحد أو جماعة" منا "دارهم مختفيا فسرق أو اختلس أو التقط من مالهم فهو غنيمة مخمسة" لا يختص به الآخذ تنزيلا لدخوله دارهم وتغريره بنفسه منزلة القتال "وإن أخذه على وجه السوم" ثم جحده أو هرب "فهو له" ولا يخمس وقولهم دخل دارهم لعله جرى على الغالب (٣) وإلا فلو أخذ من مالهم في دارنا ولا أمان لهم كان الحكم كذلك كما نبه عليه الأذرعي (٤).
"ومن قهر" منا "حربيا وأخذ ماله وهداياه فغنيمة" مخمسة لا يختص به الآخذ وقوله وهداياه من زيادته وكان المراد به هداياه المحمولة معه لغيره ولا حاجة إليه لدخوله فيما قبله.
"ولو قدم الكافر الهدية إلى الإمام أو غيره والحرب قائمة فهي غنيمة" لا يختص بها المهدى إليه; لأنه فعله خوفا بخلاف ما لو قدمها إليه والحرب غير قائمة.
"فرع" لو "احتمل كون اللقطة" الموجودة "بدارهم لمسلم عرفها" الآخذ
стр. 4925
وجوبا "قيل يوما أو يومين" ليصل إلى الأجناد "وقيل سنة" كسائر اللقطات وظاهر كلام الروياني وغيره ترجيحه "ثم" بعد تعريفه "يخمس غنيمة".
"والصيد" البري والبحري "والحشيش المباح" وسائر المباحات كالحطب والحجر أي كل منها ملك "لمن أخذه" من دار الحرب كدار الإسلام وإنما لم يكن غنيمة; لأنه لم يجر عليه ملك كافر "فإن ملكوه" أي الحربيون ولو ظاهرا كأن وجد الصيد موسوما أو مقرطا بأن جعل القرط في أذنه أو الحشيش مجزوزا أو الحجر مصنوعا "فغنيمة" فإن أمكن كونه لمسلم فهو كسائر اللقطات فيأتي فيه ما مر.
"ولو دخل صبي أو امرأة" أو مجنون أو خنثى منهم "بلادنا فأخذ" أي أخذه مسلم أو أخذ ضالة لحربي من بلادنا "كان" المأخوذ "فيئا"; لأنه مأخوذ بلا قتال ومؤنة.
"أو" دخلها "رجل" حربي فأخذه مسلم "فغنيمة"; لأن لأخذه مؤنة و "يتخير الإمام فيه" فإن استرقه كان الخمس لأهله والباقي لمن أخذه بخلاف الضالة لما مر.
"فصل للغانمين" قبل اختيار التملك وقبل رجوعهم لعمران دار الإسلام "التبسط (١) في الغنيمة" ولو بغير إذن الإمام "بأكل القوت والأدم والفاكهة" ونحوها مما يعتاد أكله للآدمي عموما كالشحم واللحم "والعلف" للدواب "شعيرا وتبنا" ونحوهما لخبر أبي داود الحاكم وقال صحيح على شرط البخاري عن عبد الله بن أبي أوفى قال أصبنا مع رسول الله ﷺ بخيبر طعاما فكان كل واحد منا يأخذ منه قدر كفايته (٢) وفي البخاري عن ابن عمر قال كنا نصيب في مغازينا العسل والعنب فنأكله ولا نرفعه (٣) والمعنى فيه عزته بدار الحرب غالبا لإحراز
стр. 4926
أهله له عنا فجعله الشارع مباحا ولأنه قد يفسد وقد يتعذر نقله وقد تزيد مؤنة نقله عليه سواء أكان معه طعام يكفيه أم لا لعموم الأخبار قال الإمام ولو وجد في دارهم سوقا (١) وتمكن من الشراء منه جاز التبسط أيضا إلحاقا لدارهم فيه بالسفر في الترخص وقضيته أنا لو جاهدناهم في دارنا امتنع التبسط ويجب حمله على محل (٢) لا يعز فيه الطعام لما سيأتي "ويتزودون منه" لقطع المسافة التي بين أيديهم ويكون كل من التبسط والتزود "بقدر الحاجة ولو" كانوا "أغنياء عنه" لإطلاق الأخبار ولأنه يشبه طعام الولائم وهو مباح مطلقا ولو أكل فوق حاجته لزمه قيمته كما صرح به الأصل قال الزركشي وكذا ينبغي أن يقال به في علف الدواب (٣) "لا" بأكل "الفانيد والسكر والأدوية" التي تندر الحاجة إليها لندور الحاجة إليها "ولا توقيح الدواب" بالقاف والحاء المهملة أي مسحها "بالدهن" المذاب أي المغلي كالمداواة "ولا إطعام البزاة ونحوها" كالصقور لعدم الحاجة إليها بخلاف الدواب قال الروياني فإن لم يقدر صاحبها على إطعامها بشراء أو غيره أرسلها وذبح ما يؤكل لحمه "ولا الانتفاع بمركوب وملبوس" من الغنيمة فلو خالف لزمته الأجرة كما تلزمه القيمة إذا أتلف بعض الأعيان.
"فإن احتاج" إلى الملبوس "لبرد أو حر لبسه الإمام" له إما "بالأجرة" مدة الحاجة ثم يرده إلى المغنم "أو حسبه عليه" من سهمه "كالأدوية" والفانيد والسكر (٤) المحتاج إليها فيعطي الإمام المريض المحتاج إليها قدر حاجته بقيمته أو يحسبه عليه من سهمه.
"وله القتال بالسلاح" بلا أجرة "للضرورة" إليه فيه "ويرده" إلى المغنم بعد زوالها، فإن لم يكن ضرورة لم يجز له استعماله ولو اضطر إلى ركوب المركوب في القتال فله ركوبه بلا أجرة فيما يظهر (٥) كالقتال بالسلاح.
"ولو ذبح" حيوانا "للأكل جاز" ولا تلزمه قيمته كتناول الأطعمة ودعوى
стр. 4927
الندور ممنوعة سواء الغنم وغيرها بخلاف ذبحه لغير الأكل (١) "ورد جلده" إلى المغنم "إلا ما يؤكل مع اللحم" فله أكله معه "فإن اتخذ منه شراكا" أو سقاء أو نحوه "فكالمغصوب" فيأثم بذلك ويلزمه رده بصنعته ولا أجرة له فيها بل إن نقص لزمه الأرش وإن استعمله لزمه الأجرة.
"ولا يتبسط مدد لحقوا" الجيش "بعد" أي بعد انقضاء الحرب ولو قبل حيازة الغنيمة (٢) كما لا يستحق منها شيئا ولأنهم معهم كغير الضيف مع الضيف وما قررته هو مقتضى ما في الرافعي (٣) ووقع في الروضة اعتبار بعدية حيازة الغنيمة أيضا والمعتمد خلافه.
"فإن ضيف بما فوق حاجته الغانمين جاز" وليس فيه إلا تحمل التعب عنهم "أو" ضيف به "غيرهم فكغاصب ضيف" غيره بما غصبه فيأثم به ويلزم الآكل ضمانه ويكون المضيف له طريقا في الضمان.
"ويعلف الرجل" جوازا ما معه من الدواب كما علم مما مر "ولو دابتين فأكثر" وإن لم يسهم إلا لفرس.
"وإذا دخلوا" أي المتبسطون "عمران دار الإسلام" ولم يعز الطعام "لا خرابه" الأولى خرابها "ردوا فضل الزاد" لزوال الحاجة وكون المأخوذ متعلق حق الجميع "إلى المغنم قبل القسمة وإلى الإمام بعدها فإن كثرت" بقية ما أخذ للتبسط "قسمت" كما قسمت الغنيمة "وإلا جعلت في سهم المصالح" قال الإمام ولا ريب أن إخراج الخمس منها ممكن وإنما هذا في الأربعة الأخماس وكدار الإسلام بلد أهل ذمة (٤) أو عهد لا يمتنعون من معاملتنا; لأنها وإن لم تكن مضافة إلى دار الإسلام فهي في قبضتنا بمثابتها فيما نحن فيه للتمكن من الشراء منهم نقله الأصل عن الإمام وأقره (٥).
стр. 4928
"فرع ليس لهم التصرف بالبيع ونحوه فيما تزودونه ومن المغنم"; لأنهم لا يملكونه بالأخذ وإنما أبيح لهم الأخذ والأكل كالضيف فليس لهم أن يأكلوا طعام أنفسهم ويصرفوا المأخوذ إلى حاجة أخرى كما لا يتصرف الضيف فيما قدم له إلا بالأكل.
"فلو أقرض" منه "غانم غانما" آخر "فله مطالبته" بعينه أو "بمثله من المغنم" ما لم يدخلوا دار الإسلام "لا من" خالص "ماله" وذلك; لأنه إذا أخذه صار أحق به ولم تزل يده عنه إلا ببدل وليس ذلك قرضا محققا; لأن الآخذ لا يملك المأخوذ حتى يملكه لغيره فلو رد عليه من ماله لم يأخذه; لأن غير المملوك لا يقابل بالمملوك وعليه "فإن نفد الطعام" أي فرغ "سقطت المطالبة" وإذا رد من المغنم صار الأول أحق به لحصوله في يده.
"أو دخلوا دار الإسلام" ولم يعز الطعام "رده المقترض إلى الإمام" لانقطاع حقوق الغانمين عن أطعمة المغنم "فإن بقي" بيده بعد دخوله دار الإسلام "عين المقترض رده إلى المغنم" بناء على أن فضل الزاد يجب رده إليه وهذه تعلم من التي قبلها على أن الذي في الأصل أن الأولى في رد المقرض بأن رد له المقترض ذلك قبل دخولهم دار الإسلام، والثانية في رد المقترض بأن لم يرده للمقرض قبل ذلك.
"وإن تبايعا" أي غانمان ما أخذاه "صاعا بصاع أو بصاعين فكتناول الضيفان باللقم" (١) أي فكإبدالهم لقمة بلقمة أو بلقمتين فلا يكون ربا; لأنه ليس بمعاوضة محققة وكل منهما أولى بما صار إليه "فيأكلانه ولا يتصرفان" فيه ببيع أو نحوه.
"فإن قل الطعام" المغنوم واستشعر الإمام الازدحام والتنازع فيه "خص الإمام به المحتاجين" إليه بقدر حاجاتهم وله أن يمنع غيرهم من مزاحمتهم.
стр. 4929
"فصل لا يملكون الغنيمة لا بالقسمة (١) والاختيار" للغنيمة أو لتملكها أي لا يملكونها إلا بأحد الأمرين فلو عبر بأو بل لو اقتصر على الاختيار كان أولى (٢) فقد قال في الأصل العبرة باختيار التملك لا بالقسمة وإنما اعتبرت القسمة لتضمنها اختيار التملك وأما قبل ذلك فإنما ملكوا أن يتملكوا كحق الشفعة كما قال "ولهم اختيار التملك بعد الحيازة"; لأنهم لو ملكوا لم يصح إعراضهم كمن احتطب.
"ولكل" منهم "الإعراض عن حقه" من الغنيمة قبل اختيار التملك "ولو بعد إفرازه له ما لم يقبله" أي ما أفرز له "أو" لم "يختر التملك" لما مر ولأن المقصود الأعظم من الجهاد إعلاء كلمة الله تعالى والذب عن الملة، والغنائم تابعة فمن أعرض عنها فقد جرد قصده للغرض الأعظم أما إذا قبل ما أفرز له أو اختار التملك (٣) فلا يصح إعراضه كما مر لاستقرار ملكه كسائر الأملاك وكما أن من اختار في العقود أحد الطرفين لا يعدل إلى الآخر وعلى هذا يحمل نص الشافعي وجماعة على أنهم يملكون حقوقهم بإقرار الإمام مع قبضهم لها وبدونه مع حضورهم.
"فإن وهب" بعضهم "نصيبه للغانمين" أي لباقيهم "وأراد الإسقاط" له "سقط أو" أراد "تمليكهم" إياه "فلا" يسقط; لأنه غير مملوك له ولأنه مجهول.
"ومن مات" منهم عن نصيبه "فوارثه كهو" فيه كسائر الحقوق فيملكه إن سبق اختيار التملك له وإلا فله طلبه والإعراض عنه كالشفعة.
"فلو أعرضوا جميعا جاز وصرف" الجميع "مصرف الخمس"; لأن المعنى المصحح للإعراض يشمل البعض والجميع.
"والسالب" أي مستحق السلب "وذو القربى" ولو واحدا "والسفيه لا
стр. 4930
يصح إعراضهم"; لأن السلب متعين لمستحقه بالنص كالوارث وكنصيبه بعد القسمة، وسهم ذوي القربى منحة أثبتها الله تعالى لهم بالقرابة بلا تعب وشهود وقعة كالإرث فليسوا كالغانمين الذين يقصدون بشهودهم محض الجهاد لإعلاء كلمة الله تعالى والسفيه محجور عليه وما ذكره من عدم صحة إعراضه نقله الأصل عن نفقة الإمام قال البلقيني وهذا إنما فرعه الإمام على أنه يملك بمجرد الاغتنام وبه صرح في البسيط فقال: والسفيه يلزم حقه على قولنا: يملك ولا يسقط بالإعراض إلا على قولنا: إنه لا يملك وتقدم أنه لا يملك إلا بالاختيار فيكون الأصح صحة إعراضه ولذا قال في المهمات: الراجح صحة إعراضه وقال الأذرعي: إنه مقتضى إطلاق الجمهور (١).
"وباقي أصحاب الخمس لا يتصور إعراضهم"; لأنهم غير معينين.
"والمعرض" من الغانمين "كالمعدوم" فيقسم المال خمسا وأربعة أخماس كما لو لم يكن إعراض فالإعراض إنما ترجع فائدته (٢) إلى باقي الغانمين دون أرباب الخمس.
"ويصح إعراض مفلس" محجور عليه; لأن اختيار التملك كالاكتساب، والمفلس لا يلزمه ذلك (٣) ولأن الإعراض يمحض جهاده للآخر فلا يمنع منه.
"لا" إعراض "عبد وصبي" عن الرضخ; لأن الحق فيما غنمه العبد لسيده
стр. 4931
وعبارة الصبي ملغاة "بل" الإعراض "للسيد"; لأنه المستحق نعم إن كان العبد مكاتبا (١) أو مأذونا له في التجارة وقد أحاطت به الديون فلا يظهر صحة إعراضه في حقهما ذكره الأذرعي (٢) وفي الثاني نظر "لا للولي" لعدم الحظ في إعراضه للمولى عليه فإن بلغ قبل اختياره التملك صح إعراضه.
"فرع" لو "سرق" من الغنيمة "غانم أو ولده أو والده أو عبده" أو سيده "قدر نصيبه" منها "رده" إليها "فإن تلف فبدله" يرده إليها "ولم يقطع" حرا كان أو عبدا; لأن له حقا فيها "وكذا" لو سرق "أكثر" من نصيبه يرده فإن تلف فبدله ولا يقطع وينبغي أن يسقط عنه قدر نصيبه (٣) إن كان الغانمون محصورين كما في المهر الآتي بيانه في الفرع الآتي "ولو بعد إفراز الخمس" سواء أسرق منه أم من الأخماس الأربعة وإن بلغ ما سرقه منها نصابا لذلك.
"أو" سرقه "أجنبي" غير كافر من الغنيمة "قبل إفراز الخمس أو من الخمس" بعد إفرازه وقبل إخراج خمسه أو من "خمسه" أي خمس الخمس بعد إفرازه "لم يقطع"; لأن فيه مالا لبيت المال وله فيه حق "أو من أربعة أخماس الغنيمة قطع"; لأنه لا حق له فيها "وكذا" لو سرق "من أربعة أخماس الخمس إن لم يكن من أهلها" أي أهل استحقاقها وإلا فلا يقطع.
"ومن غل" من الغنيمة شيئا وكان من الغانمين "عزر".
"فرع" لو "وطئ غانم جارية" من الغنيمة "قبل القسمة" وقبل "اختيار التملك" لو اقتصر على الثاني كان أولى وأخصر كما مر نظيره "فلا حد" عليه; لأن له فيها شبهة ملك وهذا الحكم ثابت بعد اختيار التملك أيضا كما فهم بالأولى "ويعزر عالم بالتحريم" لا جاهل به بأن قرب عهده بالإسلام أو نشأ ببادية بعيدة
стр. 4932
عن العلماء بل ينهى عنه ويعرف حكمه "ولزمه المهر" للشبهة كوطء الأب جارية ابنه "فإن أحبلها لم يثبت الاستيلاد" في حصته وإن كان موسرا لعدم الملك، فإن ملكها بعد بسهمه أو بسبب آخر ثبت الاستيلاد كما صححه في الروضة (١) وجزم به الرافعي في المعسر. "ولزمه أرش نقص الولادة" لحصة غيره لعدم ثبوت الاستيلاد لكن عدم ثبوته الذي جزم به المصنف هو ما رجحه في أصل الروضة ونقله الرافعي عن العراقيين وكثير من غيرهم، والذي رجحه في شرحيه ونقله عن النص ثبوته في حصته وإن كان معسرا لشبهة الملك وإن لم تكن ملكه كما في وطء الأب جارية ابنه بل أولى; لأن حق الغانم أقوى وعلى ما رجحه يسري الاستيلاد من حصة الموسر إلى الباقي فيلزمه قيمة حصة شركائه بخلاف المعسر ويدخل فيها أرش نقص الولادة وفي كلام الروضة هنا توهم نبه عليه في المهمات وقد أشرت إلى بعضه بما تقرر "ويسقط عنه حصته من المهر إن كانوا محصورين" بأن تيسر ضبطهم إذ لا معنى لأخذها منه وردها عليه حيث لا مشقة في معرفتها "وإلا" بأن لم يكونوا محصورين ولم يفرز الإمام الخمس لأربابه ولا عين شيئا أخذا مما يأتي "أخذ" المهر وضم إلى المغنم "وهو" أي نصيبه "يرجع إليه عند القسمة" ولا يكلف الإمام ضبطهم ومعرفة نصيبه لما فيه من المشقة قال الإمام: وليخص ما ذكروه بما إذا طابت نفسه بغرم الجميع، فإن قال أسقطوا نصيبي فلا بد من إجابته ويؤخذ
стр. 4933
المتيقن ويوقف المشكوك فيه قال في الروضة ظاهر كلامهم خلاف ما قاله (١) ويحتمل أخذ هذا القدر منه (٢) وإن كان يستحقه للمصلحة العامة والمشقة الظاهرة ولئلا يقدم بعض المستحقين في الإعطاء على بعض أي مع ارتكاب المشقة.
"ولو جعل الخمس" بأن أفرزه الإمام "لأربابه" وكان وطء الغانم بعد تملك الغانمين "وخرجت" أي الجارية "في" حصة "قوم هو" أي واطئها "منهم فهم شركاؤه" فيها "ولا يخفى حكمه" من أنه يغرم من المهر قسطهم "وإن كان قبل تملكهم فكما لو كانوا محصورين إلا أن المهر لا يخمس" هنا بل يوزع عليهم فيسقط عن الواطئ حصته منه ويلزمه حصة الباقين وما ذكر من أحكام المهر يأتي مثله في قيمة السراية كما ذكره الأصل.
"ولا يثبت فيها" أي الجارية "القسمة وهي حامل بحر إن جعلناها" أي القسمة "بيعا وهل تقوم عليه ويسلم القيمة" للإمام فيجعلها في المغنم; لأنه بالأحبال حال بين الغانمين وبينها (٣) بيعا وقسمة "أم تكون" الجارية "حصته إن احتمل" أي احتملتها حصته "أم تدخل في القسمة" وإن كانت حاملا بحر للضرورة "فيه خلاف" والأوجه الأول (٤). "فإن وضعت" حملها "فهو حر" نسيب للشبهة سواء أكان الواطئ موسرا أو معسرا هذا ما صححه الأصل هنا كالعراقيين وقيل إن كان معسرا فالحر منه قدر حصته فقط كإيلاده وهذا موافق لما قدمه كأصله في النكاح (٥) في الكلام على وطء الأب الأمة المشتركة بين ابنه وأجنبي قالا هنا والخلاف في تبعيض الحرية يجري في ولد الشريك المعسر فيكون الأصح أنه حر كله لكنه صحح في باب دية الجنين وباب الكتابة التبعيض (٦) وإنما ذكر المصنف وضع الولد مع أنه حر قبل وضعه ليرتب عليه قوله "ويلزمه قيمة الولد"; لأنه منع رقه بإحباله مع عدم تقويم الأم عليه "وحكمها" أي قيمة الولد "حكم المهر" وقيمة السراية فيما مر "وتجعل الأم في المغنم" فتخمس مع بقية المال "وإن وضعت قبل القسمة" وإلا خمست وحدها وقوله وهل تقوم إلى آخره
стр. 4934
مفرع على عدم ثبوت الاستيلاد ولو أولد امرأة بعضها حر بنكاح أو زنا فالذي استقر عليه جواب القاضي أنه كالأم حرية ورقا قال الإمام وهو الوجه (١) ; لأنه لا سبب لحريته إلا حرية الأم فيتقدر بها ذكره الأصل.
"وإن وطئ جارية الخمس بعد القسمة" عبارة الأصل بعد إفراز الخمس "غانم أو أجنبي حد كوطء جارية ببيت المال بخلاف سرقته; لأنه يستحق منه النفقة لا الإعفاف وإن وطئ الأجنبي" جارية "من الأخماس الأربعة حد إلا أن يكون له في الغانمين ولد" (٢) أو مكاتب.
"وإن أعتق عبدا من الغنيمة أو كان فيها من يعتق عليه لم يعتق" قبل اختياره التملك لعدم دخوله في ملكه وفارق ثبوت الاستيلاد على ما مر بقوة الاستيلاد بدليل نفوذ استيلاد المجنون واستيلاد الأب جارية ابنه دون إعتاقهما وبأن الوطء اختيار للتملك بدليل جعل وطء البائع في زمن الخيار فسخا بخلاف الإعتاق (٣) أما بعد اختياره التملك فيعتق عليه وينظر إلى يساره وإعساره في تقويم الباقي.
"فرع" لو "دخل مسلم دار الحرب منفردا وأسر أباه أو ابنه البالغ" العاقل "لم يعتق" منه شيء في الحال; لأنه لا يرق بالأسر "حتى يختار الإمام استرقاقه وحينئذ للسابي تملكه فإن تملكه عتق" عليه "أربعة أخماسه، فإن كان موسرا قوم عليه الخمس" لأهله وإن لم يتملكه لم يعتق شيء منه وكذا إذا لم يختر الإمام استرقاقه بأن اختار قتله أو فداءه أو المن عليه.
"وإن أسر أمه أو بنته البالغة رقت" بالأسر فلا حاجة إلى اختيار الإمام "فإن اختار" السابي "التملك فكما مر" في نظيره قبلها "وكذا ابنه" الأولى ولده "الصغير" إن أسره رق بالأسر وجرى فيه ما ذكر "إن كان رقيقا" لحربي كأن تزوج حربي أمة لحربي فأتت بولد أو قهر حربي ولد الحربي أو اشتراه منه ثم أسلم الأب في الثلاثة وهذا الشرط من زيادته ذكره تبعا للإسنوي لتصوير سبي الرجل ولده الصغير "لأن الصغير يتبع أباه في الإسلام" فلا يتصور منه سبيه فإذا كان رقيقا لحربي تصور منه ذلك.
стр. 4935
"وإن كان الغانمون قليلين وأخذوا" أي غنموا "من يعتق عليهم" جميعا "لم يتوقف عتقهم" له "إلا على اختيارهم" التملك.
"فصل" في حكم عقار الكفار "ويملك عقارهم بالاستيلاء" (١) عليه مع اختيار التملك كالمنقولات ولعموم الأدلة كقوله تعالى ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: من الآية ٤١] الآية وخرج بعقارهم مواتهم فلا يملك بالاستيلاء; لأنهم لم يملكوه إذ لا تملك إلا بالإحياء كما مر في بابه.
"أما مكة ففتحت صلحا" (٢) لا عنوة لقوله تعالى ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا (٣) لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ﴾ [الفتح: ٢٢] الآية يعني أهل مكة وقوله ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ [الفتح: ٢٤] وقوله ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ﴾ [الفتح: ٢٠] إلى قوله ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا﴾ [الفتح: ٢١] أي بالقهر قبل التي عجلها لهم، غنائم حنين والتي لم يقدروا عليها غنائم مكة ومن قال فتحت عنوة معناه أنه دخل مستعدا للقتال لو قوتل قاله الغزالي.
"فبيوتها ملك لأهلها" لا وقف فيصح بيعها إذ لم يزل الناس يتبايعونها ولقوله ﷺ "وهل ترك لنا عقيل من دار" (٤) يعني أنه باعها رواه
стр. 4936
البخاري (١) قال الروياني ويكره بيعها وإجارتها للخلاف ونازعه النووي في مجموعه وقال إنه خلاف الأولى; لأنه لم يرد فيه نهي مقصود (٢) قال الزركشي والأول هو المنصوص.
"وأما سواد العراق" من البلاد وهو من إضافة الجنس إلى بعضه; لأن السواد أزيد من العراق بخمسة وثلاثين فرسخا كما قاله الماوردي وسمي سوادا; لأنهم خرجوا من البادية فرأوا خضرة الزرع والأشجار الملتفة، والخضرة ترى من البعد سوادا فقالوا: ما هذا السواد ولأن بين اللونين متقاربا فيطلق اسم أحدهما على الآخر "ففتح" في زمن عمر ﵁ "عنوة" بفتح العين أي قهرا وغلبة; لأنه قسم بين الغانمين "وأرضى عمر عنه الغانمين" بعوض وبغيره واسترده "ووقفه" دونه بنية دوره علينا; لأنه خاف تعطل الجهاد باشتغالهم بعمارته لو تركه بأيديهم ولأنه لم يستحسن قطع من بعدهم عن رقبته ومنفعته "وأجره من أهله إجارة مؤبدة" بالخراج المضروب عليه على خلاف سائر الإجارات "وجوزت" كذلك "للمصلحة الكلية" قال العلماء; لأنه بالاسترداد رجع إلى حكم أموال الكفار وللإمام أن يفعل بالمصلحة الكلية في أموالهم ما لا يجوز مثله في أموالنا كما يأتي مثله في مسألة البدأة والرجعة وغيرهما.
"والخراج" المضروب عليه "أجرة" منجمة تؤدى كل سنة لمصالحنا
"وليس لأهل السواد بيعه ورهنه" وهبته لكونه صار وقفا "ولهم إجارته مدة معلومة لا مؤبدة" كسائر الإجارات وإنما خولف في إجارة عمر للمصلحة الكلية كما مر.
"ولا يجوز" لغير ساكنيه "إزعاجهم عنه" ويقول أنا أستغله وأعطي الخراج; لأنهم ملكوا بالإرث المنفعة بعقد بعض آبائهم مع عمر والإجارة لازمة لا
стр. 4937
تنفسخ بالموت.
"وأما دورهم" أي أبنيتها "فيجوز بيعها" إذ لم ينكره أحد ولهذا لا يؤخذ عليها خراج ولأن وقفها يفضي إلى خرابها نعم إن كانت آلتها من أجزاء الأرض (١) الموقوفة لم يجز بيعها قاله الأذرعي تفقها وعليه يحمل ما نقله البلقيني عن النص (٢) وقطع به من أن الموجود من الدور حال الفتح وقف لا يجوز بيعه.
"ثم ما فيها" أي أرض سواد العراق "من الأشجار ثمارها للمسلمين يبيعها الإمام ويصرفها" أي أثمانها وله أن لا يبيعها ويصرفها نفسها كما صرح به الأصل "مصارف الخراج ومصارفه مصالح المسلمين الأهم فالأهم" منها "ومنها أهل الفيء" أغنياؤهم وفقراؤهم.
"وحد السواد من عبادان" (٣) بالباء المشددة "إلى حديقة الموصل" بفتح الحاء والميم "طولا ومن" عذيب "القادسية إلى حلوان" بضم الحاء "عرضا" بإجماع أهل التاريخ "ما خلا البصرة" بفتح الباء أشهر من ضمها وكسرها فإنها وإن كانت داخلة في حد السواد فليس لها حكمه; لأنها حدثت بعد فتحه ووقفه فأحياها عثمان بن أبي العاص وعتبة بن غزوان في زمن عمر ﵃ سنة سبع عشرة ولم يعبد بها صنم قط "إلا الفرات شرقي دجلتها و" إلا "نهر الصراة غربيها" أي غربي دجلتها "وهو" أي حد السواد بالفراسخ "مائة وستون فرسخا طولا وثمانون عرضا" وبالجريب قولان أحدهما أنه اثنان وثلاثون ألف ألف جريب، وثانيهما ستة وثلاثون ألف ألف حكاهما الرافعي ثم قال ويمكن أن يرجع التفاوت إلى ما يقع الحد المذكور من السباخ والتلول والطرق ومجاري الأنهار ونحوها مما لا يزرع فكان بعضهم أخرجها عن الحساب.
"والخراج" أي قدره "في كل سنة" (٤) ما فرضه عثمان بن حنيف لما بعثه
стр. 4938
عمر ماسحا وهو "على جريب شعير درهمان و" جريب "حنطة أربعة و" جريب "شجر و" جريب قصب "سكر ستة و" جريب "نخل ثمانية و" جريب "كرم عشرة و" جريب "زيتون اثنا عشر درهما" والجريب عشر قصبات كل قصبة ستة أذرع بالهاشمي كل ذراع ست قبضات كل قبضة أربع أصابع فالجريب ساحة مربعة من الأرض بين كل جانبين منها ستون ذراعا هاشميا وقال في الأنوار الجريب ثلاثة آلاف وستمائة ذراع.
وأما مصر فقال الزركشي تبعا لابن الرفعة (١) وغيره: إنها فتحت عنوة وقيل فتحت صلحا ثم نكثوا ففتحها عمر ثانيا عنوة وفي وصية الشافعي في الأم ما يقتضي أنها فتحت صلحا.
وأما الشام (٢) فقال الأذرعي إنها فتحت صلحا كما صرح به الجوري وغيره ونقل الرافعي في كتاب الجزية عن الروياني وغيره أن مدتها فتحت صلحا وليس كذلك بل ذكر في كتاب الخراج أن كثيرا منها فتح عنوة.
"فرع إن رأى الإمام" اليوم "أن يقف أرض الغنيمة كما فعل عمر" ﵁ "جاز" وكذا سائر عقاراتها ومنقولاتها "إن رضي الغانمون" بذلك كنظيره فيما مر عن عمر ﵁ "لا قهرا" عليهم "وإن خشي أنها تشغلهم عن الجهاد"; لأنها ملكهم لكن يقهرهم على الخروج إلى الجهاد بحسب الحاجة وعلم من كلامه أنه لو امتنع بعضهم لم يقهره ويكون أحق بماله وبه صرح الأصل.
"ولا يرد شيء من الغنيمة إلى الكفار إلا برضا الغانمين"; لأنهم ملكوا أن يتملكوها.
стр. 4939
"الباب الثالث في الأمان" للكافر
والأصل فيه آية ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ [التوبة: ٦] وخبر الصحيحين "ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم فمن أخفر مسلما أي نقض عهده فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين" (١) والذمة العهد والأمان والحرمة والحق وأما الذمة في قولهم ثبت المال في ذمته وبرئت ذمته فلها معنى آخر بينته في البيع "لكل مسلم مكلف (٢) غير أسير ولا مكره حتى امرأة أو عبد" أو فاسق (٣) أو سفيه "أمان كافر وكافرة غير كافر أسير" سواء أكانا بدار الحرب أم لا "وأمان جماعة محصورين كقرية صغيرة" أي أهلها فخرج بالمسلم الكافر; لأنه متهم وليس أهلا للنظر لنا وبالمكلف غيره لإلغاء عبارته وبما بعده المكره والأسير أي المقيد أو المحبوس وإن لم يكن مكرها; لأنه مقهور بأيديهم لا يعرف وجه المصلحة ولأن وضع الأمان أن يأمن المؤمن وليس الأسير أمينا (٤) أما أسير الدار (٥) وهو المطلق ببلاد الكفر الممنوع من الخروج منها فيصح أمانه كما في التنبيه (٦) وغيره وعليه قال الماوردي إنما يكون مؤمنه آمنا (٧) منا بدار الحرب لا غير إلا أن يصرح بالأمان في غيرها وبغير الأسير الكافر الأسير; لأنه بالأسر ثبت فيه حق للمسلمين (٨) وقيده الماوردي (٩) بغير الذي أسره أما الذي أسره فإنه يؤمنه إذا
стр. 4940
كان باقيا في يده لم يقبضه الإمام كما يجوز قتله (١) وترجيح صحة الأمان للكافرة من زيادة المصنف وبها جزم الماوردي وغيره وصححها البلقيني وغيره وتبعية أمانهما لأمان السيد والرجل لا تمنع إفراد صحة العقد لهما وبالمحصورين غيرهم كأهل بلد أو ناحية فلا يؤمنهم الآحاد لئلا يتعطل الجهاد فيها بأمانهم (٢).
وقد بين ضابط ذلك بقوله "والشرط أن لا يؤدي" الأمان "إلى إبطال الجهاد في تلك الناحية"; لأن الجهاد شعار الدين والدعوة القهرية وهو من أعظم مكاسب المسلمين فلا يجوز أن يظهر بأمان الآحاد انسداده "و" لا إلى "تكليف حمل الزاد" والعلف فلو آمنا آحادا على طريق الغزاة واحتجنا إلى حمل ذلك ولو لا الأمان لأخذنا أطعمة الكفار لم يصح الأمان للضرر والتصريح بهذا من زيادته.
"فلو أمن كل واحد" منا واحدا أو "جماعة" منهم "وتعاقبوا صح أمانهم إلى ظهور الخلل" وإن أمنوهم معا بطل في الجميع.
"وقوله" أي المسلم وإن تعدد "كنت أمنته مقبول قبل الأسر لا بعده"; لأنه يملك أمانه قبل الأسر لا بعده نعم إن شهد له اثنان لم يشاركاه في الأخبار قبل منه.
"ولا ينقض أمان مسلم لكافر إلا لخوف خيانة" سيأتي ما يغني عن هذا مع زيادة.
"فصل وينعقد" الأمان "بالصريح كأجرتك وأمنتك وأنت مجاور" أنت "آمن ولا بأس عليك ولا تخف ولا تفزع ومترس بالعجمية" أي لا خوف عليك وإدخال الكاف على الأمثلة من زيادته "وبالكناية (٣) كانت على ما تحب وكن كيف شئت ونحوه" كالمذكور بقوله "وبكتابة" بالفوقانية "وبإرساله" أي المسلم