البخاري (١) قال الروياني ويكره بيعها وإجارتها للخلاف ونازعه النووي في مجموعه وقال إنه خلاف الأولى; لأنه لم يرد فيه نهي مقصود (٢) قال الزركشي والأول هو المنصوص.
"وأما سواد العراق" من البلاد وهو من إضافة الجنس إلى بعضه; لأن السواد أزيد من العراق بخمسة وثلاثين فرسخا كما قاله الماوردي وسمي سوادا; لأنهم خرجوا من البادية فرأوا خضرة الزرع والأشجار الملتفة، والخضرة ترى من البعد سوادا فقالوا: ما هذا السواد ولأن بين اللونين متقاربا فيطلق اسم أحدهما على الآخر "ففتح" في زمن عمر ﵁ "عنوة" بفتح العين أي قهرا وغلبة; لأنه قسم بين الغانمين "وأرضى عمر عنه الغانمين" بعوض وبغيره واسترده "ووقفه" دونه بنية دوره علينا; لأنه خاف تعطل الجهاد باشتغالهم بعمارته لو تركه بأيديهم ولأنه لم يستحسن قطع من بعدهم عن رقبته ومنفعته "وأجره من أهله إجارة مؤبدة" بالخراج المضروب عليه على خلاف سائر الإجارات "وجوزت" كذلك "للمصلحة الكلية" قال العلماء; لأنه بالاسترداد رجع إلى حكم أموال الكفار وللإمام أن يفعل بالمصلحة الكلية في أموالهم ما لا يجوز مثله في أموالنا كما يأتي مثله في مسألة البدأة والرجعة وغيرهما.
"والخراج" المضروب عليه "أجرة" منجمة تؤدى كل سنة لمصالحنا
"وليس لأهل السواد بيعه ورهنه" وهبته لكونه صار وقفا "ولهم إجارته مدة معلومة لا مؤبدة" كسائر الإجارات وإنما خولف في إجارة عمر للمصلحة الكلية كما مر.
"ولا يجوز" لغير ساكنيه "إزعاجهم عنه" ويقول أنا أستغله وأعطي الخراج; لأنهم ملكوا بالإرث المنفعة بعقد بعض آبائهم مع عمر والإجارة لازمة لا
стр. 4937
تنفسخ بالموت.
"وأما دورهم" أي أبنيتها "فيجوز بيعها" إذ لم ينكره أحد ولهذا لا يؤخذ عليها خراج ولأن وقفها يفضي إلى خرابها نعم إن كانت آلتها من أجزاء الأرض (١) الموقوفة لم يجز بيعها قاله الأذرعي تفقها وعليه يحمل ما نقله البلقيني عن النص (٢) وقطع به من أن الموجود من الدور حال الفتح وقف لا يجوز بيعه.
"ثم ما فيها" أي أرض سواد العراق "من الأشجار ثمارها للمسلمين يبيعها الإمام ويصرفها" أي أثمانها وله أن لا يبيعها ويصرفها نفسها كما صرح به الأصل "مصارف الخراج ومصارفه مصالح المسلمين الأهم فالأهم" منها "ومنها أهل الفيء" أغنياؤهم وفقراؤهم.
"وحد السواد من عبادان" (٣) بالباء المشددة "إلى حديقة الموصل" بفتح الحاء والميم "طولا ومن" عذيب "القادسية إلى حلوان" بضم الحاء "عرضا" بإجماع أهل التاريخ "ما خلا البصرة" بفتح الباء أشهر من ضمها وكسرها فإنها وإن كانت داخلة في حد السواد فليس لها حكمه; لأنها حدثت بعد فتحه ووقفه فأحياها عثمان بن أبي العاص وعتبة بن غزوان في زمن عمر ﵃ سنة سبع عشرة ولم يعبد بها صنم قط "إلا الفرات شرقي دجلتها و" إلا "نهر الصراة غربيها" أي غربي دجلتها "وهو" أي حد السواد بالفراسخ "مائة وستون فرسخا طولا وثمانون عرضا" وبالجريب قولان أحدهما أنه اثنان وثلاثون ألف ألف جريب، وثانيهما ستة وثلاثون ألف ألف حكاهما الرافعي ثم قال ويمكن أن يرجع التفاوت إلى ما يقع الحد المذكور من السباخ والتلول والطرق ومجاري الأنهار ونحوها مما لا يزرع فكان بعضهم أخرجها عن الحساب.
"والخراج" أي قدره "في كل سنة" (٤) ما فرضه عثمان بن حنيف لما بعثه
стр. 4938
عمر ماسحا وهو "على جريب شعير درهمان و" جريب "حنطة أربعة و" جريب "شجر و" جريب قصب "سكر ستة و" جريب "نخل ثمانية و" جريب "كرم عشرة و" جريب "زيتون اثنا عشر درهما" والجريب عشر قصبات كل قصبة ستة أذرع بالهاشمي كل ذراع ست قبضات كل قبضة أربع أصابع فالجريب ساحة مربعة من الأرض بين كل جانبين منها ستون ذراعا هاشميا وقال في الأنوار الجريب ثلاثة آلاف وستمائة ذراع.
وأما مصر فقال الزركشي تبعا لابن الرفعة (١) وغيره: إنها فتحت عنوة وقيل فتحت صلحا ثم نكثوا ففتحها عمر ثانيا عنوة وفي وصية الشافعي في الأم ما يقتضي أنها فتحت صلحا.
وأما الشام (٢) فقال الأذرعي إنها فتحت صلحا كما صرح به الجوري وغيره ونقل الرافعي في كتاب الجزية عن الروياني وغيره أن مدتها فتحت صلحا وليس كذلك بل ذكر في كتاب الخراج أن كثيرا منها فتح عنوة.
"فرع إن رأى الإمام" اليوم "أن يقف أرض الغنيمة كما فعل عمر" ﵁ "جاز" وكذا سائر عقاراتها ومنقولاتها "إن رضي الغانمون" بذلك كنظيره فيما مر عن عمر ﵁ "لا قهرا" عليهم "وإن خشي أنها تشغلهم عن الجهاد"; لأنها ملكهم لكن يقهرهم على الخروج إلى الجهاد بحسب الحاجة وعلم من كلامه أنه لو امتنع بعضهم لم يقهره ويكون أحق بماله وبه صرح الأصل.
"ولا يرد شيء من الغنيمة إلى الكفار إلا برضا الغانمين"; لأنهم ملكوا أن يتملكوها.
стр. 4939
"الباب الثالث في الأمان" للكافر
والأصل فيه آية ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ [التوبة: ٦] وخبر الصحيحين "ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم فمن أخفر مسلما أي نقض عهده فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين" (١) والذمة العهد والأمان والحرمة والحق وأما الذمة في قولهم ثبت المال في ذمته وبرئت ذمته فلها معنى آخر بينته في البيع "لكل مسلم مكلف (٢) غير أسير ولا مكره حتى امرأة أو عبد" أو فاسق (٣) أو سفيه "أمان كافر وكافرة غير كافر أسير" سواء أكانا بدار الحرب أم لا "وأمان جماعة محصورين كقرية صغيرة" أي أهلها فخرج بالمسلم الكافر; لأنه متهم وليس أهلا للنظر لنا وبالمكلف غيره لإلغاء عبارته وبما بعده المكره والأسير أي المقيد أو المحبوس وإن لم يكن مكرها; لأنه مقهور بأيديهم لا يعرف وجه المصلحة ولأن وضع الأمان أن يأمن المؤمن وليس الأسير أمينا (٤) أما أسير الدار (٥) وهو المطلق ببلاد الكفر الممنوع من الخروج منها فيصح أمانه كما في التنبيه (٦) وغيره وعليه قال الماوردي إنما يكون مؤمنه آمنا (٧) منا بدار الحرب لا غير إلا أن يصرح بالأمان في غيرها وبغير الأسير الكافر الأسير; لأنه بالأسر ثبت فيه حق للمسلمين (٨) وقيده الماوردي (٩) بغير الذي أسره أما الذي أسره فإنه يؤمنه إذا
стр. 4940
كان باقيا في يده لم يقبضه الإمام كما يجوز قتله (١) وترجيح صحة الأمان للكافرة من زيادة المصنف وبها جزم الماوردي وغيره وصححها البلقيني وغيره وتبعية أمانهما لأمان السيد والرجل لا تمنع إفراد صحة العقد لهما وبالمحصورين غيرهم كأهل بلد أو ناحية فلا يؤمنهم الآحاد لئلا يتعطل الجهاد فيها بأمانهم (٢).
وقد بين ضابط ذلك بقوله "والشرط أن لا يؤدي" الأمان "إلى إبطال الجهاد في تلك الناحية"; لأن الجهاد شعار الدين والدعوة القهرية وهو من أعظم مكاسب المسلمين فلا يجوز أن يظهر بأمان الآحاد انسداده "و" لا إلى "تكليف حمل الزاد" والعلف فلو آمنا آحادا على طريق الغزاة واحتجنا إلى حمل ذلك ولو لا الأمان لأخذنا أطعمة الكفار لم يصح الأمان للضرر والتصريح بهذا من زيادته.
"فلو أمن كل واحد" منا واحدا أو "جماعة" منهم "وتعاقبوا صح أمانهم إلى ظهور الخلل" وإن أمنوهم معا بطل في الجميع.
"وقوله" أي المسلم وإن تعدد "كنت أمنته مقبول قبل الأسر لا بعده"; لأنه يملك أمانه قبل الأسر لا بعده نعم إن شهد له اثنان لم يشاركاه في الأخبار قبل منه.
"ولا ينقض أمان مسلم لكافر إلا لخوف خيانة" سيأتي ما يغني عن هذا مع زيادة.
"فصل وينعقد" الأمان "بالصريح كأجرتك وأمنتك وأنت مجاور" أنت "آمن ولا بأس عليك ولا تخف ولا تفزع ومترس بالعجمية" أي لا خوف عليك وإدخال الكاف على الأمثلة من زيادته "وبالكناية (٣) كانت على ما تحب وكن كيف شئت ونحوه" كالمذكور بقوله "وبكتابة" بالفوقانية "وبإرساله" أي المسلم
стр. 4941
المذكور مكلفا "ولو كافرا وبالتعليق بالغرر" كقوله إن جاء زيد فقد أمنتك لبناء الباب على التوسعة "وبإشارة مفهمة ولو من ناطق" لكن يعتبر في كونها كناية من الأخرس أن يختص بفهمها فطنون فإن فهمها كل أحد فصريح كما علم من الطلاق ولفظه ونحوه من زيادته ولا حاجة إليها.
"فإن أمنه" المسلم "في بلاد الإسلام أو بلد معين" ولو من دار الكفر "أمن فيه وفي طريقه إليه من دار الحرب لا" في "غيره".
"وإن أطلق" أمانه له "وهو وال" إماما كان أو نائبه بإقليم أو نحوه "ففي" أي فهو آمن في "محل ولايته (١) وإلا ففي موضع سكناه وفي الطريق إليه" من دار الحرب "ما لم يعدل" عنه بأكثر من قدر الحاجة.
"ويشترط" في صحة الأمان "علم الكافر" به "وكذا يشترط قبوله" له ولو بما يشعر به كما يأتي "ويجوز قتله قبل ذلك" أي قبل علمه وقبوله "ويكفي ما يشعر بالقبول كترك القتال" وكإشارة وتقدم استجارة منه وما ذكره من اعتبار القبول رجحه المنهاج (٢) تبعا لقول المحرر والأصل الظاهر اعتباره زاد الأصل وبه قطع الغزالي واكتفى البغوي بالسكوت وما قاله البغوي هو المنقول والأول إنما هو بحث للإمام وتبعه عليه الغزالي (٣) ذكره العلامة ابن النقيب وذكر نحوه البلقيني وغيره.
"فإن قبل" الكافر الأمان "وقال لا أؤمنك فهو رد" للأمان; لأن الأمان
стр. 4942
لا يختص بطرق.
"فإن أشار مسلم لكافر فظنه أمنه" بإشارته "فجاءنا وأنكر المسلم" أنه أمنه بها "أو أمنه صبي ونحوه" ممن لا يصح أمانه (١) "وظن صحته" أي الأمان "بلغناه مأمنه" ولا نغتاله لعذره (٢)، فإن قال في الأولى علمت أنه لم يرد الأمان وفي الثانية علمت أنه لا يصح أمانه لم يبلغ المأمن بل يجوز اغتياله إذ لا أمان له "فإن مات المشير قبل أن يبين فلا أمان ولا اغتيال" فيبلغ المأمن.
"فرع" ما مر من اعتبار صيغة الأمان هو فيما إذا دخل الكفار بلادنا بلا سبب أما "من دخل" إليها "رسولا أو لسماع القرآن" أو نحوه (٣) مما ينقاد به للحق إذا ظهر له "فهو آمن".
"لا" من دخل "لتجارة" فليس آمنا "فلو أخبره مسلم أنها" أي التجارة أي الدخول لها "أمان فإن صدقه بلغ المأمن" ولا يغتال وكذا لو سمع مسلما يقول: من دخل تاجرا فهو آمن فدخل وقال ظننت صحته وبه صور لأصل "وإلا" أي وإن لم يصدقه "اغتيل" وكذا يغتال إن لم يخبره مسلم وإن ظن أن الدخول لها أمان إذ لا مستند لظنه "وللإمام لا للآحاد جعلها" أي التجارة أي الدخول لها "أمانا" إن رأى في الدخول لها مصلحة كما صرح به الأصل، فإذا قال من دخل تاجرا فهو آمن جاز واتبع ومثله لا يصح من الآحاد.
"ومدته" أي الأمان "وإن أطلق أربعة أشهر" (٤) فيصح بخلاف في الهدنة فهذا كما قال الأذرعي مستثنى من قولهم الأمان كالهدنة; لأن بابه أوسع بدليل صحته من الآحاد بخلافها "ولو عقد بأكثر" منها "بطل الزائد" (٥) عليها أي بطل
стр. 4943
العقد فيه "فقط" أي لا فيما عداه تفريقا للصفقة وأما الزائد لضعفنا المنوط بنظر الإمام فكهو وفي الهدنة قال الزركشي (١) ومحل التقييد بمدة في الرجال أما النساء فلا يخفى أنه لا يحتاج فيهن لتقييده بمدة ونقل عن نص الأم ما يؤيده قال: وإنما منع الرجال من السنة لئلا يترك الجهاد والمرأة ليست من أهله "وبلغ بعدها" أي الأربعة أشهر "المأمن".
"ويبطل أمان متجسس وطليعة" إذ من شرط الأمان أن لا يتضرر به المسلمون "و" مع ذلك "يغتال" كل منهما; لأن دخول مثاله خيانة فعلم أن شرط الأمان انتفاء الضرر دون ظهور المصلحة وبه صرح الأصل لكن قال القاضي قال أصحابنا: إنما يجوز بالمصلحة قال البلقيني وهو الأرجح نظرا (٢).
"وللكفار" وفي نسخة وللكافر "نبذه" أي الأمان; لأنه جائز من قبلهم "لا لنا" وإن استشعرنا خيانة منهم; لأنه لازم من قبلنا.
"وللإمام نبذه للخيانة" أي لاستشعاره الخيانة منهم; لأن المهادنة تنبذ بذلك فأمان الآحاد أولى.
"فصل: تجب الهجرة" من دار الكفر (٣) إلى دار الإسلام "على مستطيع" لها "إن عجز عن إظهار دينه" لقوله تعالى ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النحل: ٢٨] الآية ولخبر أبي داود وغيره "أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين" (٤) سواء الرجل والمرأة وإن لم تجد محرما وكذا كل من أظهر
стр. 4944
حقا ببلدة من بلاد الإسلام ولم يقبل منه ولم يقدر على إظهاره (١) تلزمه الهجرة منها نقله الأذرعي وغيره عن صاحب المعتمد (٢) ونقله الزركشي عن البغوي أيضا واستثنى البلقيني من ذلك ما إذا كان في إقامته مصلحة للمسلمين فيجوز له الإقامة (٣)، فإن لم يستطع الهجرة فهو معذور إلى أن يستطيع، فإن فتح البلد قبل أن يهاجر سقط عنه الهجرة صرح به الأصل.
"وإن قدر" على إظهار دينه لكونه مطاعا في قومه أو لأن له عشيرة تحميه "ولم يخاف فتنة فيه استحب" له أن يهاجر لئلا يكثر سوادهم أو يميل إليهم أو يكيدوا له ولا يجب; لأنه ﷺ بعث عثمان يوم الحديبية إلى مكة (٤) ; لأن عشيرته بها فيقدر على إظهار دينه "لا إن رجا إسلام غيره" ثم فلا يستحب له أن يهاجر بل الأفضل أن يقيم.
ثم "فإن قدر على الاعتزال والامتناع" في دار الحرب مع كونه قادرا على إظهار دينه ولم يخف فتنة فيه "حرمت" أي الهجرة منها; لأن موضعه دار إسلام فلو هاجر لصار دار حرب نعم إن رجا نصرة المسلمين بهجرته فالأفضل أن يهاجر قاله الماوردي (٥) "وقاتلهم" (٦) على الإسلام "إن قدر" وإلا فلا.
"وعلى الأسير" ولو مخلى ولم يقدر على إظهار دينه "الهرب إن قدر" عليه لخلوصه به من قهر الأسر فوصف الأصل الأسير بالمقهور (٧) بيان لحقيقته لا لإخراج أسير غير مقهور وتقييدي بعدم قدرته على إظهار دينه هو ما جزم به المصنف في
стр. 4945
شرح الإرشاد (١) كالقمولي وغيره وقال الزركشي إنه قياس ما مر في الهجرة لكنه قال قبله سواء أمكنه (٢) إظهار دينه أم لا ونقله عن تصحيح الإمام (٣).
"وإن أطلقوه" من الأسر "بلا شرط فله اغتيالهم" قتلا وسبيا وأخذا للمال إذ لا أمان.
"وإن أطلقوه على أنه آمن" منهم "حرم" عليه "اغتيالهم" وإن لم يؤمنهم وكذا إن أمنهم وإن لم يؤمنوه كما نص عليه في الأم; لأن الأمان لا يختص بطرف واستثنى منه في الأم ما لو قالوا أمناك ولا أمان لنا عليك ولو تبعه قوم بعد خروجه فله قصدهم وقتلهم في الدفع بكل حال (٤) ذكره الأصل.
"أو" أطلقوه "بشرط أن لا يخرج عنهم وحلفوه مكرها" على ذلك "ولو بالطلاق خرج" وجوبا إن لم يمكنه إظهار دينه وحرم الوفاء بالشرط واليمين لا تبيح له الإقامة حيث حرمت "ولم يحنث" لعدم انعقاد يمينه "وإن حلف لهم ترغيبا" لهم ليثقوا به ولا يتهموه بالخروج "بلا شرط" منهم "ولو" كان حلفه "قبل الإطلاق حنث" بخروجه لانعقاد يمينه فإن كان ثم شرط بأن قالوا: لا نطلقك حتى تحلف أنك لا تخرج فحلف فأطلقوه فخرج لم يحنث كما لو أخذ اللصوص رجلا وقالوا: لا نتركك حتى تحلف أنك لا تخبر بمكاننا فحلف ثم أخبر بمكانهم لم يحنث; لأنه يمين إكراه وقوله من زيادته بلا شرط لا حاجة إليه بل قد يوهم خلاف المراد.
"ويحرم عليه اغتيالهم بعد" أي بعد إطلاقه; لأنهم أمنوه.
"وله" عند خروجه "أخذ مال مسلم" وجده عندهم "ليرده" عليه "ولو
стр. 4946
أمنهم عليه ولا يضمنه"; لأنه لم يكن مضمونا على الحربي الذي كان بيده بخلاف المغصوب إذا أخذه شخص من الغاصب ليرده إلى مالكه فإنه يضمنه; لأنه كان مضمونا على الغاصب فأديم حكمه وترجيح عدم الضمان من زيادته.
"فإن التزم" لهم قبل خروجه "مالا" فداء (١) "وهو مختار" لا مكره "أو أن يعود" إليهم بعد خروجه إلى دار الإسلام "حرم" عليه "العود" إليهم "واستحب" له "الوفاء بالمال" الذي التزمه ليعتمدوا الشرط في إطلاق الأسرى وإنما لم يجب; لأنه التزام بغير حق قال الروياني وغيره والمال المبعوث إليهم فداء لا يملكونه; لأنه مأخوذ بغير حق.
"وإن بايعهم لزم الثمن إن صح البيع" كما لو بايع مسلما "وإلا رد العين" عبارة الأصل ولو اشترى منهم (٢) الأسير شيئا ليبعث إليهم ثمنه أو اقترض فإن كان مختارا لزمه الوفاء أو مكرها فالمذهب أن العقد باطل ويجب رد العين كما لو أكره مسلم مسلما على الشراء قال ولو لم يجر لفظ بيع بل قالوا: خذ هذا وابعث إلينا كذا من المال فقال نعم فهو كالشراء مكره.
"وإن وكلوه ببيع شيء" لهم "بدارنا باعه ورد ثمنه" إليهم.
"فرع" لو "تبارزا" أي مسلم وكافر بإذن الإمام أو بدونه "بشرط عدم الإعانة" أي أن لا يعين المسلمون المسلم ولا الكفار الكافر إلى انقضاء القتال "أو" بغير شرط لكن "كان" عدم الإعانة "عادة فقتل" الكافر "المسلم أو ولى أحدهما" منهزما "أو أثخن الكافر قتلناه" جوازا; لأن الأمان كان لانقضاء القتال وقد انقضى وإن شرط أن لا يتعرض للمثخن وجب الوفاء بالشرط كما ذكره الأصل (٣).
"وإن شرط الأمان إلى دخوله الصف وفى" له "به" وجوبا.
"وإن فر المسلم" عنه فتبعه ليقتله "أو أثخن" أي أثخنه الكافر "منعناه" من قتله وقتلناه "وإن خالف الشرط" أي شرط تمكينه من إثخانه لنقضه الأمان في الأولى وانقطاع القتال في الثانية ولو شرط له التمكين من قتله فهو شرط باطل لما
стр. 4947
فيه من الضرر وهل يفسد به أصل الأمان (١) وجهان ذكره الأصل.
"وإن أعانه أصحابه (٢) قتلناهم" مطلقا "وقتلناه أيضا إن رضي" بإعانتهم له بأن استنجدهم أو لم يستنجدهم لكن لم يمنعهم بخلاف ما إذا لم يرض بأن منعهم فلم يمتنعوا وعلم من كلامه أنه لا يجوز قتله بدون ما ذكر بل يجب الوفاء بالشرط وبالعادة كما صرح به الأصل; لأن المبارزة عظيمة الوقع ولا تتم إلا بأن يأمن كل واحد منهما من غير قرنه أما إذا لم يشرط عدم الإعانة ولم تجر به عادة فيجوز قتله مطلقا.
"فصل" لو "عاقد الإمام علجا" وهو الكافر الغليظ الشديد سمي به لدفعه عن نفسه بقوته ومنه سمي العلاج علاجا لدفعه الداء "ليدل على قلعة" بإسكان اللام أشهر من فتحها "ولو كان الإمام" نازلا "تحتها وهو لا يدري" بها "بجارية معينة أو مبهمة منها لا من غيرها استحقها" وفاء بالشرط وصح ذلك مع إبهامها وعدم ملكها والقدرة على تسلميها للحاجة إليه رقيقة كانت أو حرة; لأنها ترق بالأسر هذا "إن فتحت" أي القلعة "بدلالته ولو في وقت آخر" كأن تركناها ثم عدنا إليها "ولو لم يظفر" منها "بغيرها" أي بغير الجارية بخلاف ما لو عاقده بجارية (٣) من غيرها فيعتبر في الصحة ما يعتبر فيها في سائر الجعالات وخرج بالعلج ما لو عاقد مسلما بما ذكر; لأن فيه أنواع غرر فلا يحتمل معه واحتملت مع الكافر; لأنه أعرف بأحوال قلعهم وطرقهم غالبا ولأن المسلم يتعين عليه فرض الجهاد والدلالة نوع منه فلا يجوز أخذ العوض عليه. كذا نقله الأصل عن تصحيح الإمام ثم نقل عن العراقيين جوازه (٤) واقتضى كلامه في باب الغنيمة تصحيحه (٥) وصححه البلقيني (٦) وغيره; لأن الحاجة قد تدعو إلى
стр. 4948
ذلك (١) وقد بسطت الكلام على ذلك في شرح البهجة واستشكل في المهمات الاستحقاق بدلالته تحت القلعة وقال الراجح بمقتضى ما ذكر في الجعالة من اشتراط التعب عدم الاستحقاق بدلالته تحت القلعة وقياسه على رد العبد من البلد واضح البطلان لما ذكرناه من الكلفة وأجاب عنه بعضهم بأن هذا مستثنى وبعضهم بأن هذا محمول (٢) على ما إذا حصل فيه تعب وظاهر كلام المصنف كالمنهاج وأصله (٣) أنه لا فرق بين القلعة المعينة والمبهمة بخلاف ظاهر قول أصله قلعة كذا قال الزركشي والظاهر اعتبار التعيين كما صوره به الجمهور; لأن غير المعينة يكثر فيها الغرر ولا حاجة حينئذ لكن في تعليق الشيخ أبي حامد أنه لا فرق ولعله محمول على ما إذا أبهم في قلاع محصورة "فإن لم تفتح أو فتحت بغير دلالته فلا شيء له" وإن لم يعلق الاستحقاق بالفتح أما في الأولى فلتعذر تسليم الجارية بدون الفتح فكأن الاستحقاق مقيد بالفتح وأما في الثانية فلأن الاستحقاق لا يثبت بمجرد دلالته بل بالفتح بها. وكذا الحكم لو فتحها طائفة أخرى ولو بدلالته لانتفاء معاقدته معها ذكره الأصل.
"وإن لم تكن المعينة فيها أو ماتت قبل اشتراطه" أي الإمام لإعطائها للعلج "فلا شيء" له لفقد المشروط "أو" ماتت "بعده" ولو قبل التمكن من تسليمها "وجبت قيمة من ماتت بعد الظفر" لتعذر تسليمها وقد حصلت في يد الإمام فكان التلف من ضمانه "لا" من ماتت "قبله" فلا شيء له لعدم القدرة عليها وقيل تجب له القيمة; لأن العقد تعلق بها وهي حاصلة لكن تعذر التسليم فصار كما لو قال من رد عبدي فله هذه الجارية فرده وقد ماتت يلزمه البدل. ورجحه البلقيني وقال: إنه المنصوص في الأم والمختصر وليس له نص يخالفه ولو
стр. 4949
هربت فهي كما لو ماتت وإذا وجبت قيمتها فلتجب "من حيث يكون الرضخ" أي من الأخماس الأربعة لا من أصل الغنيمة ولا من سهم المصالح "ولو أسلمت بعد الظفر دونه" أي العلج "أعطي قيمتها" لتعذر تسليمها له بالإسلام بناء على عدم جواز شراء الكافر مسلما لكن قال البلقيني هذا البناء مردود بل يستحقها قطعا; لأنه (١) استحقها بالظفر وقد كانت إذ ذاك كافرة فلا يرتفع ذلك بإسلامها كما لو ملكها ثم أسلمت لكن لا تسلم إليه بل يؤمر بإزالة ملكه عنها كما لو أسلم العبد الذي باعه المسلم للكافر قبل القبض لكن هناك يقبضه له الحاكم وهنا لا يحتاج إلى قبض وما ذكر الأول من أن الواجب قيمتها هو ما عليه الجمهور (٢) ونص عليه الشافعي في الأم (٣) ووقع في المنهاج كأصله أن الواجب أجرة لمثل أما لو أسلم العلج أيضا فتسلم إليه إلا أن يكون أسلم بعدها لانتقال حقه منها إلى قيمتها قاله الإمام والماوردي وغيرهما وهو ظاهر على البناء السابق وقد مر ما فيه "لا" إن أسلمت "قبل الظفر وهي حرة" فلا يعطى قيمتها; لأن إسلامها مطلقا يمنع تسليمها إليه كما يمتنع بيع المسلم للكافر وقبل الظفر يمتنع إرقاقها وما قاله من أنه لا يعطى قيمتها من تصرفه (٤). وكلام أصله يقتضي خلافه (٥) وهو ظاهر أما لو أسلمت قبل العقد فلا شيء له إن علم بذلك وبأنها قد فاتته; لأنه عمل متبرعا ذكره البلقيني وكلام غيره
стр. 4950
يقتضيه.
"والتعيين في" الجارية "المبهمة" فيما ذكر "إلى الإمام" ويجبر العلج على القبول; لأن المشروط جارية وهذه جارية كما أن للمسلم إليه أن يعين ما شاء بالصفة المشروطة ويجبر المستحق على القبول "فإن ماتت الجواري" (١) فيما إذا عاقده على مبهمة "بعد الظفر فقيمة جارية" منهن "يعينها" له "الإمام" كما يعين الجارية "هذا" كله "إن فتحت عنوة فإن فتحت صلحا ودخلت" أي الجارية المشروطة "في الأمان ولم يرضوا" أي أصحاب القلعة "بتسليمها" أي الجارية إليه "ولا" رضي "العلج بعوضها وأصروا" كلهم على عدم الرضا بذلك "نقضنا الصلح وبلغوا المأمن" بأن يردوا إلى القلعة ثم يستأنف القتال; لأنه صلح منع الوفاء بما شرطناه قبله.
"وإن رضوا" أي أصحاب القلعة بتسليم الجارية إليه بقيمتها "أعطوا قيمتها" وأمضى الصلح "وهل هي من بيت المال" أي سهم المصالح "أو من أصل الغنيمة" حقه أن يقول أو من حيث يكون الرضخ (٢) "وجهان" قال الزركشي أرجحهما الثاني أما إذا كانت خارجة عن الأمان بأن كان الصلح على أمان صاحب القلعة وأهله ولم تكن الجارية منهم فتسلم إلى العلج.
"فرع من دخل منهم دارنا بأمان" من الإمام "أو ذمة كان ما صحبه لا ما خلفه" بدار الحرب "من المال والولد (٣) في أمان ولو" لم يشرط دخولهما فيه
стр. 4951
أو كان ما صحبه من المال "وديعة حربي" آخر بخلاف ما خلفه (١) لا يدخل في الأمان إلا إن شرط الإمام (٢) دخوله فيه كما ذكره الأصل آخر الباب "وقاتله يأثم"; لأنه بالأمان عصم دمه "قال الإمام وعليه دية ذمي".
"وكذا" يكون ما معه مما ذكر في أمان "إن أمنه رجل" من الآحاد "في دارنا" أو في غيرها "واشترط ذلك" أي أن ما معه في أمان "وإلا" أي وإن لم يشترط ذلك "دخل" في الأمان "ما يحتاج إليه" مدة أمانه "من المال" الذي معه من ملبوس (٣) ومركوب ونفقة "فقط" أي دون الولد وما لا يحتاج إليه من المال للعرف الجاري بذلك ودون ما خلفه سواء أشرط دخوله أم لا بخلاف ما مر في أمان الإمام (٤) لقوته كما ذكره الأصل وبما قررته اندفع ما قيل أن في كلام الأصل تناقضا.
"وإن نقض" عهده "والتحق بدار الحرب" ومن أسباب النقض (٥) أن يعود ليتوطن ثم "فولده" الذي عندنا "باق على أمانه" وإن مات هو فإذا بلغ وقبل الجزية ترك وإلا بلغ المأمن "وكذا ماله" الذي عندنا باق على أمانه ما دام حيا "ولو دخل" دارنا "لأخذه ورجع لم يقتل" ولم يسب; لأن دخوله لأخذه يؤمنه كالدخول لرسالة هذا "إن لم يتمكن من أخذه دفعة" فإن تمكن من ذلك وأخذ شيئا منه ثم عاد ليأخذ الباقي فقد عرض نفسه للقتل والأسر فعليه إذا أخذ ماله أن يعجل في تحصيل غرضه ولا يعرج على غيره كما صرح به الأصل.
"وإذا مات" ولو "هناك" بقتل أو غيره "فهو" أي ماله "لوارثه" لا فيء; لأنه كان في أمان مدة حياته والأمان حق لازم يتعلق بالمال فينتقل بحقوقه
стр. 4952
إلى وارثه "الذمي فقط" أي دون الحربي بناء على الأصح من أنه لا توارث بين ذمي وحربي وعليه يقال لنا حربي يرثه ذمي "فإن فقد" وارثه "ففيء وكذا يكون" ماله "فيئا إذا سبي" واسترق "ومات رقيقا"; لأن الرقيق لا يورث "فإن عتق" كله أو بعضه فيما يظهر (١) "فله" أي فماله له بناء على أنه لو مات قبل استرقاقه كان ماله لوارثه.
"وتحرم أموال أهل الحرب على من أمنوه" منا فلو دخل مسلم دارهم بأمان فاقترض منهم شيئا أو سرق وعاد إلى دارنا لزمه رده إذ ليس له التعرض لهم إذا دخل بأمان.
"فصل" لو "حاصرنا قلعة" مثلا "فنزلوا" أي أهلها "على حكم الإمام أو رجل عدل" في الشهادة "عارف بمصالح الحرب جاز"; لأن بني قريظ نزلوا على حكم سعد بن معاذ رواه الشيخان (٢) ولأنه لا يجوز التعويل إلا على رأي من كان كذلك; لأنه ولاية حكم كالقضاء فخرج بذلك المرأة والكافر والفاسق والرقيق وغير المكلف وغير العارف بمصالح الحرب وحذف المصنف من الأصل التكليف والحرية والإسلام اكتفاء بالعدالة "ولا يضر العمى"; لأن المقصود هنا الرأي ويمكن الأعمى أن يبحث ويعرف ما فيه صلاح المسلمين فهو كالشهادة بالاستفاضة تصح من الأعمى ويجوز نزولهم على حكم أكثر من رجل كما يؤخذ مما يأتي وصرح به الأصل "وكذا" يجوز نزولهم على حكم "من يختاره الإمام" وحده أو مع من يتفقون عليه معه; لأنه لا يختار إلا من يصلح للحكم "لا" من يختاره "هم" فلا يجوز نزولهم على حكمه "حتى تشترط فيه الأوصاف" المذكورة بأن يشترطوها فيه.
"وكره تحكيم مصادقهم" أي من بينه وبينهم صداقة.
"ولو استنزلوا على قضاء الله تعالى فيهم" أي استنزلهم الإمام على أن ما يقضيه الله فيهم ينفذه "لم يجز لجهالهم به" لخبر مسلم عن بريدة أنه ﷺ قال له "وإن حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله تعالى فلا تنزلهم على حكم الله ولكن أنزلهم على حكمك فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا" (٣) قال
стр. 4953
في الأصل ولو استنزلهم على أن يحكم فيهم بكتاب الله تعالى كره; لأن هذا الحكم ليس منصوصا في كتاب الله تعالى فيحصل منه اختلاف هكذا ذكره الروياني انتهى.
"وإن حكم اثنان فاختلفا" في الحكم "ورضيا" أي الفريقان "معا بحكم أحدهما جاز" وإلا فلا وإن لم يختلفا فواضح "فإن مات المحكم" قبل الحكم سواء المحكم وحده أم مع غيره "أو لم يكن أهلا" للحكم "ردوا إلى القلعة" إلا أن يرضوا بحكم حاكم في الحال.
"وليحكم" المحكم "بمصلحة المسلمين من القتل والاسترقاق والمن والفداء" لعلو الإسلام على الشرك ويتخير فيمن يرق بالأسر كالنساء بين المن والإرقاق والفداء.
"فإن حكم بمحرم" أي بما يخالف الشرع "كقتل الذراري" والنساء "لم ينفذ" ولو حكم بقتل المقاتلة وسبي الذرية وأخذ الأموال جاز وتكون الأموال غنيمة أو باسترقاق من أسلم منهم وقتل من أقام منهم على الكفر أو باسترقاق من أسلم ومن أقام على الكفر جاز صرح بذلك الأصل وينفذ حكم المحكم على الإمام.
"وللإمام التخفيف من حكمه" (١) أي المحكم "لا التشديد" فيه فإذا حكم بالقتل (٢) أو بالفداء فله المن أو بالمن فليس له ما عداه "لكن لا يسترق إن حكم بالقتل"; لأن الاسترقاق يتضمن ذلا مؤبدا وقد يختار الإنسان القتل عليه "وكذا لا يمن إن استرق" أي حكم باسترقاقه "إلا برضا الغانمين"; لأنه صار مالا لهم بنفس الحكم والفداء لا يدخل في ملكهم قبل قبضه.
"ولو حكم" عليهم "بالجزية أو الفداء ألزموهما" أي ألزموا بقبولهما وإن لم يلزم به الأسير لرضاهم بحكمه أولا بخلافه "فإن امتنعوا" من القبول "فكأهل ذمة امتنعوا" من بذل الجزية.
"ومن أسلم" منهم "قبل الحكم" عليه "حقن دمه وماله وولده" ولم يجز استرقاقه بخلاف الأسير يسلم; لأنه صار في قبضة الإمام وثبت بالسبي حق
стр. 4954
الاسترقاق فيه وذكر الولد من زيادته.
"أو" أسلم "بعد الحكم" عليه "بالقتل خلي سبيله" فيمتنع قتله وإرقاقه وفداؤه; لأنهم لم ينزلوا هذا الشرط.
"أو" أسلم "بعد الحكم" عليه "بالرق" أي بالإرقاق "لا قبله استرق"; لأنهم نزلوا على حكم المحكم و قد حكم بإرقاقه والإسلام لا يمنع الإرقاق الذي كان جائزا بخلاف ما لو أسلم قبل الحكم عليه بإرقاقه وكلامه كأصله هنا يقتضي أن الحكم بالإرقاق لا يستلزم الرق عكس ما قدمه في قوله إلا برضا الغانمين والوجه ما قدمه ثم (١) وجرى عليهم في شرح الإرشاد فلو حذف قوله لا قبله وقال (٢) بدل استرق استمر رقه لوافق ذلك.
"فرع" لو "صالح زعيم" لقلعة أي سيد أهلها "على أمان مائة" (٣) منهم "فعد مائة غيره" أي غير نفسه "جاز" للإمام "قتله" لخروجه عن المائة، وقد اتفق مثله ذلك في محاصرة لأبي موسى الأشعري ﵁ وصحح الأمان المذكور وإن جهلت أعيانهم وصفاتهم للحاجة إليه.
"فصل فيه مسائل" تتعلق بكتاب السير "يسقط" عن الكافر "بالإسلام" أي إسلامه "حد الزنا" الذي لزمه لقوله تعالى ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] (٤) مع كون الحق له تعالى "لا كفارة
стр. 4955
يمين وظهار وقتل" فلا تسقط عنه بإسلامه كالدين.
"وعليه" بعد إسلامه "رد مال المسلم" الذي كان قد استولى عليه وإن أحرزه بدار الحرب; لأنه لا يملكه بالاستيلاء "فإن غنم" بأن غنمناه ولو "مع أموالهم رد" لمالكه "وإن خرج لواحد" بعد القسمة رده لمالكه و "غرم له" الإمام "من بيت المال" بدله "فإن فقد" بأن لم يكن فيه شيء أو كان ما هو أهم أو استولت عليه الظلمة "نقضت القسمة".
"فإن استولد الكافر جارية مسلم" ثم "وقعت في المغنم أخذها وولدها" مالكها وإن استولدها بعد إسلامه أخذ مالكها منه معها المهر وقيمة الولد عند انعقاده حرا بشبهة "ولا يلزمه" أي مالكها إذا أخذها "استبراؤها"; لأن ملكه لم يزل عنها "بل يستحب".
"وإن نكح حربي مسلمة" أو أصابها بلا نكاح فأولدها "ثم ظفرنا بهم لم يرق الولد" كأمه "للحكم بإسلامه" تبعا لها "ويلحق الناكح" أو المصيب "للشبهة".
"ويصدق" بيمينه "في دعوى الإسلام والذمة لدفع رق أسير غير" أي أسير وجد بغير "دار الحرب" بخلاف أسير وجد بدار الحرب.
"وإن غنمنا رقيقا مسلما اشتراه" كافر "مستأمن" أو غيره "من مسلم رد لبائعه ورد" بائعه "الثمن للمستأمن" لعدم صحة البيع.
"فرع" فداء الأسير مستحب للآحاد فلو "قال" شخص "للكافر بغير إذن الأسير أطلقه و" لك "علي ألف" مثلا فأطلقه "لزمه" الألف كما لو قال: أعتق أم ولدك بكذا ففعل "ولا رجوع" له عليه به "أو" قال له ذلك "بإذنه" فأطلقه "فله الرجوع" عليه به إذا غرمه "ولو لم يشترطه" أي الرجوع كقول المدين لغيره اقض ديني.
"فلو قال الأسير للكافر أطلقني بكذا أو قال له الكافر افتد نفسك بكذا فقبل لزمه" ما التزم قال في المهمات وهذا مخالف لما مر (١) من أنه لو
стр. 4956
التزم لهم مالا ليطلقوه لم يلزمه الوفاء به ومن أنهم لو قالوا له: خذ هذا وابعث لنا كذا من المال فقال نعم فهو كالشراء مكرها فلا يلزمه المال وقياسه أن يكون ما هنا كذلك انتهى ويجاب بأن ما مر في الأولى صورته أن يعاقده على أن يطلقه ليعود إليه أو يرد إليه مالا كما أفصح عنه الدارمي وهنا عاقده على رد المال عينا وأما الثانية فلا عقد فيها الحقيقة (١).
"ولو غنمه" أي ما فدى به الأسير "المسلمون رد للمفادي" ولا يكون غنيمة; لأنه لم يخرج عن ملكه.
"وإن أسروا مسلمة وأمكن أحدا تخليصها لزمه" ومثلها المسلم كما علم من أوائل كتاب السير قال الأذرعي والظاهر (٢) أن في معناها من مات عنها زوجها أو سيدها المسلم ثم أو أسلمت بنفسها وطلبت إنجاء نفسها منهم.
"وإن انقضت مدة" حربي "مستأمن وأمانة مختص ببلد بلغ مأمنه أو" وأمانة "عام" في جميع البلاد "لم يجب تبليغه" مأمنه; لأن ما يتصل من بلادنا ببلادهم من محل أمانة فلا يحتاج إلى مدة الانتقال من موضع الأمان.
стр. 4957
"كتاب عقد الجزية" للكفار
تطلق الجزية على العقد وعلى المال الملتزم به، وهي مأخوذة من المجازاة لكفنا عنهم وقيل من الجزاء بمعنى القضاء قال تعالى ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً﴾ [البقرة: ٤٨] أي لا تقضي ويقال جزيت ديني أي قضيته وجمعها جزى كقرية وقرى والعقود التي تفيد الكافر الأمن ثلاثة: أمان وهدنة وجزية; لأن التأمين إن تعلق بمحصور فهو الأمان وقد تقدم أو بغير محصور كأهل إقليم أو بلد فإن كان إلى غاية فهو الهدنة وستأتي أولا إلى غاية فهو الجزية وهما مختصان بالإمام بخلاف الأمان كما مر وقضيته أن تأمين الإمام غير محصورين لا يسمى أمانا، وإن الجزية لا تصح في محصورين وليس مرادا والأصل في الجزية قبل الإجماع قوله تعالى ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [التوبة: ٢٩] إلى قوله ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] وقد أخذ النبي ﷺ الجزية من مجوس هجر كما رواه البخاري (١) ومن أهل نجران كما رواه أبو داود (٢) ومن أهل أيلة كما رواه البيهقي (٣) وقال: إنه منقطع والمعنى في ذلك أن في أخذها معونة لنا وإهانة لهم وربما يحملهم ذلك على الإسلام.
"وفيه طرفان الأول في أركانها، وهي خمسة" عاقد وصيغة ومعقود له ومكان ومال معقود عليه "الأول العاقد، وهو الإمام أو نائبه (٤) وعليه الإجابة" لهم "إن طلبوا" عقدها "وأمن مكرهم" سواء أرأى فيها مصلحة أم لا لقوله تعالى ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩] وللأمر به في خبر مسلم (٥) بخلاف
стр. 4958
ما إذا لم يطلبوا أو خاف مكرهم فلا يجيبهم "فإن عقد" ها لهم "غيره" من الآحاد "لم يصح"; لأنها من الأمور الكلية فيحتاج إلى نظر واجتهاد فيما يتعلق بها من الصلاح والفساد "و" لكن "يبلغون المأمن ولا شيء عليه" أي على المعقود له، وإن أقام سنة فأكثر; لأن العقد لغو (١) ولو قال عليهم كان أنسب "ويكتب" الإمام أو نائبه "بعد العقد أسماءهم وأديانهم وحلاهم" هذا من زيادته هنا، وهو تكرار فقد ذكره كأصله مع زيادة آخر الكتاب
"الركن الثاني الصيغة" كسائر العقود، وهي "كأقررتكم (٢) أو أذنت لكم في الإقامة بدارنا" مثلا (٣) "على الانقياد للحكم" أي حكمنا الذي يعتقدون تحريمه كالزنا والسرقة (٤) دون غيره كشرب الخمر ونكاح المجوس المحارم "ويذكر" لهم في العقد "الجزية" أي التزامها وذلك; لأن الانقياد والجزية كالعوض عن التقرير فيجب ذكرهما كالثمن في البيع والأجرة في الإجارة وفسر إعطاء الجزية في الآية بالتزامها والصغار بالتزام أحكامنا قالوا وأشد الصغار على المرء أن يحكم عليه بما لا يعتقده ويضطر إلى احتماله.
"ويشترط تقديرها" كالثمن والأجرة "لا التعرض للكف" أي لكفهم "عن الله" تعالى "ورسوله" ﷺ "لدخوله في" ذكر "الانقياد ولا بد" في صحة العقد "من لفظ دال على القبول" كما في الإيجاب "كرضيت وقبلت" وقوله "ونحوه" (٥) من زيادته ولا حاجة إليه ويكتفي بالكناية مع النية وبإشارة الأخرس المفهمة وظاهر أنه يعتبر اتصال القبول بالإيجاب (٦) كالبيع لكن قال الأذرعي
стр. 4959
ويقرب (١) عدم اعتباره "ويلزم" العقد "بقوله" أي الكافر "قررني بكذا (٢) فقرره"; لأن الاستيجاب كالقبول (٣) "فإن عقدها مؤقتا" (٤) بوقت معلوم "أو" مجهول كأن "قال" أقررتكم "ما شئنا أو ما شاء الله" أو زيد أو ما أقركم الله "لم يصح"; لأن ذلك خلاف مقتضى العقد و; لأنه بدل الإسلام، وهو لا يصح مؤقتا، وأما قوله ﷺ "أقركم ما أقركم الله" (٥) فإنما جرى في المهادنة حين وادع يهود خيبر لا في عقد الذمة ولو قال ذلك غيره من الأئمة لم يصح; لأنه ﷺ يعلم ما عند الله بالوحي بخلاف غيره وقضية كلامهم أنه لا يشترط (٦) ذكر التأبيد بل يجوز الإطلاق، وهو يقتضي التأبيد "أو" قال أقررتكم "ما شئتم صح"; لأن لهم نبذ العقد متى شاءوا فليس فيه إلا التصريح بمقتضى العقد "بخلاف الهدنة" لا تصح بهذا اللفظ; لأنه يخرج عقدها عن موضوعه من كونه مؤقتا إلى ما يحتمل تأبيده المنافي لمقتضاه.
"فرع" لو "أقام من عقد له الإمام" أو نائبه الجزية بدارنا "سنة" فأكثر "بعقد فاسد سقط المسمى" لفساد العقد (٧) "ووجب لكل سنة دينار"; لأنه أقل الجزية "وبلغ المأمن أو" أقام كافر سنة فأكثر "بغير عقد فلا مال" (٨) عليه لما مضى بخلاف من سكن من الملتزمين للأحكام دارا غصبا كما سيأتي; لأن عماد الجزية القبول، وهذا الحربي لم يلتزم شيئا بخلاف الغاصب "وجاز" لنا "اغتياله"
стр. 4960
أي قتله غيلة "واسترقاقه وأخذ ماله" ويكون فيئا "والمن عليه بنفسه وماله وولده" بخلاف سبايا الحرب وأموالها; لأن الغانمين ملكوها فاشترط استرضاؤهم "ويلزم المال" أي الأجرة "من سكن" دارا "غصبا" كما تقرر "ومتى من عليه وبذل الجزية قبلت" منه وجوبا
"وإذا بذلها الأسير حرم قتله"; لأن بذلها يقتضي حقن الدم كما لو بذلها قبل الأسر "لا استرقاقه" (١) فلا يحرم; لأن الإسلام أعظم من قبول الجزية والإسلام بعد الأسر لا يمنع الاسترقاق فقبول الجزية أولى أن لا يمنع وماله مغنوم كما فهم بالأولى وصرح به الأصل
"فرع" لو "قال" من رأيناه في دارنا "دخلت لسماع كتاب الله أو بأمان مسلم أو لأداء رسالة ولو وعيدا" أي ولو في وعيد وتهديد "صدق" فلا يتعرض له سواء أكان معه كتاب أم لا; لأن الظاهر من حال الحربي أنه لا يدخل دارنا بغير أمان فقوله موافق للظاهر قال الزركشي (٢): وهذا إذا ادعى ذلك قبل أن يصير عندنا أسيرا وإلا لم يصدق إلا ببينة "وإن اتهم حلف" احتياطا (٣) وذكر تحليف من دخل لسماع كتاب الله أو بأمان مسلم من زيادته
"الركن الثالث المعقود له ويشترط (٤) فيه عقل وبلوغ وحرية وذكورة وكونه كتابيا" أو نحوه ممن يأتي
"فلا جزية على مجنون" مطبق جنونه; لأنها لحقن الدم، وهو محقونه "وطريانه" أي الجنون في أثناء العام على المعقود له "كموته" فيه وسيأتي حكمه "فلو تقطع" جنونه "لفق" زمنه "إن أمكن" كيوم ويوم أو ويومين فإذا تم زمن
стр. 4961
إفاقته عاما فأكثر أخذت منه الجزية اعتبارا للأزمنة المتفرقة بالأزمنة المجتمعة أما إذا لم يمكن التلفيق فالظاهر أنه يجري عليه أحكام المجنون (١) "ولا أثر ليسيره" أي زمن جنونه "كساعة من شهر" فتؤخذ منه الجزية، وكذا لا أثر ليسير زمن الإفاقة فيما يظهر (٢). "ولو أسر" من لم يجز معه عقد ولا أمان "حالة جنونه رق" فلا يقتل تغليبا لحكم الجنون بخلاف ما لو أسر حال إفاقته
"ولا جزية على صبي ورقيق ولو مبعضا" أو مكاتبا لما مر وقد كتب عمر ﵁ إلى أمراء الأجناد أن لا تأخذوا الجزية من النساء والصبيان رواه البيهقي بإسناد صحيح (٣) وروى أبو داود وغيره أنه ﷺ لما وجه معاذا إلى اليمن أمره أن يأخذ من كل حالم دينارا (٤) وروى "لا جزية على العبد"; ولأن العبد مال والمال لا جزية فيه ولا جزية على سيده بسببه ويفارق المبعض من تقطع جنونه بأن الجنون والإفاقة لم يجتمعا في وقت واحد بخلافه هنا
"فإن بلغ" الصبي (٥) "أو عتق" العبد وطلبنا منه الجزية فامتنع "ولم يبذلها بلغ المأمن" سواء أعتقه مسلم أو ذمي "وإن بذلها لم يكف عقد أب وسيد ولو كان" كل منهما "قد أدخله في عقد إذا بلغ" أو عتق كأن: قال قد التزمت هذا عني وعن ابني إذا بلغ أو عبدي إذا عتق وإذا لم يكف ذلك "فيعقد له" عقد مستأنف "ويساوم كغيره" لانقطاع التبعية بالكمال ولوجوب جزية أخرى وتقدم أن إعطاءها في الآية بمعنى التزامها "ويجعل" الإمام "حولهما" أي التابع والمتبوع "واحدا" ليسهل عليه أخذ الجزية "ويستوفي" المال "المنكسر"، وهو ما لزم التابع في بقية العام الذي اتفق الكمال في أثنائه إن رضي التابع بذلك "أو يؤخره إلى الحول الثاني" فيأخذه مع جزية المتبوع في آخره لئلا يختلف أواخر الأحوال "وإن شاء أفردهما بحول" فيأخذ ما لزم كلا منهما عند تمام حوله
стр. 4962
"ولو بلغ" الصبي "سفيها فعقد" (١) لنفسه "هو أو وليه بأكثر من دينار لم يصح"; لأن الحقن ممكن بدينار "أو بدينار صح"; لأن فيه مصلحة حقن الدم "وإن اختار" السفيه "إلحاقه" أي التحاقه "بالمأمن لم يمنعه الولي" (٢) ; لأن الحجر على ماله لا على نفسه "وإن صالح السفيه عن القصاص" (٣) الواجب عليه مستحقه "بأكثر من الدية لم يمنع" أي لم يمنعه الولي كما يشتري له الطعام في المخمصة بثمن غال صيانة لروحه "والفرق" بينه وبين منعه له من عقد الجزية بأكثر من دينار "أن صون الدم" في تلك "يحصل بالدينار" وصون الروح لا يحصل في هذه إلا بالزيادة
"وتعقد الذمة لامرأة وخنثى" طلبها بلا بذل جزية "ولا جزية عليهما" أما في المرأة فلما مر، وأما في الخنثى فلاحتمال أنه أنثى ويعلمهما الإمام بأنه لا جزية عليهما فإن رغبا في بذلها فهي هبة لا تلزم إلا بالقبض كما يعلم مما يأتي وصرح به الأصل هنا "ويشترط عليهما التزام الأحكام" وذكر العقد للخنثى مع اشتراط الالتزام عليه من زيادته
"وتسترق" المرأة "إن دخلت" دارنا "بلا أمان ونحوه" كطلب أمان "كالصبي" ونحوه "وكل ما يفعله فيهم" أي الكفار "حال القتال" من قتل واسترقاق وغيرهما "يفعله بمن دخل" دارنا "بلا أمان" ونحوه، وهذا علم مما مر
"ولو بان الخنثى" المعقود له (٤) الجزية "ذكرا طالبناه" بجزية المدة الماضية
стр. 4963
عملا بما في نفس الأمر بخلاف ما لو دخل حربي دارنا وبقي مدة ثم اطلعنا عليه لا نأخذ منه شيئا لما مضى كما مر إذ لم تعقد له الجزية.
"وإن حاصرنا قلعة" مثلا أي أهلها "فبذلوا الجزية عن النساء دون الرجال لم نصالحهم" فإن صالحناهم على ذلك فالصلح باطل "فإن لم يكن" فيها "إلا نساء وطلبن العقد بالجزية ففي قول تعقد لهن"; لأنهن يحتجن إلى صيانة أنفسهن عن الرق كما يحتاج الرجال إلى الصيانة عن القتل فعليه يشترط عليهن التزام الأحكام ولا يسترققن "ولا يلزمهن المال" أي الجزية "فإن بذلنها جاهلات" بلزومها "ردت عليهن"; لأنهن دفعنها على اعتقاد أنها واجبة "فإن علمن أنه لا يلزمهن" الأولى أنها لا تلزمهن فبذلنها "فهي هبة تلزم بالقبض بالإذن" والتصريح بالإذن من زيادته "وفي قول" لا تعقد لهن بل "يسبين"; لأن الجزية تؤخذ لقطع الحرب ولا حرب فيهن فإن عقد لهن لم يتعرض لهن حتى يرجعن إلى القلعة فإذا فتحنها سباهن والظاهر الأول (١) قال في الأصل: والقولان متفقان على أنه لا يقبل منهن جزية ولا يؤخذ أخذ التزام "فإن كان لهن" في القلعة "رجل وبذل الجزية" جاز و "عصمهن" من القتل وغيره قال في الأصل كذا أطلقه مطلقون وخصه الإمام والغزالي بما إذا كن من أهله، وهو حسن.
"فرع يدخل في" عقد "الذمة" للكافر "المال حتى العبد وكذا زوجة وطفل" ومجنون له وسائر ما يستحقه، وإن لم يشترط دخولهم اعتمادا على قرينة الحال; لأن صاحبها لا يأمن إذا لم يأمن عليها فبذله الجزية إنما هو لعصمتها فيحرم إتلافها، وعلى من أتلف شيئا منها غير الخمر والخنزير ونحوهما الضمان وسيأتي أنه
стр. 4964
لا يحرم إتلاف الخمر والخنزير إذا أظهرهما وكذا يدخل فيه "من اشترط" دخوله معه فيه "من نساء وصبيان ومجانين" وخناثى وأرقاء "لهم منه قرابة وعلقة ولو مصاهرة" بخلاف من لم يشترط دخوله منهم فليس له أن يستتبع من شاء منهم; لأنه يخرج عن الضبط واستشكل صاحب الوافي ذلك بأنه إذا كان الاستتباع إنما يحصل بالشرط فلا يتقيد بالأقارب ونحوهم قال ولعلهم أرادوا بالشرط (١) أن يقول بشرط دخول أتباعي في العقد ولا يعينهم، وهو الظاهر (٢) وإلا ففيه احتمال انتهى. نقله عنه الزركشي وأقره.
"فرع" لو "صالحناهم على أن يؤدوا الجزية من مالهم عن" ما ينسب إليهم من "النساء والصبيان" والمجانين سوى ما يؤدونه عن أنفسهم "جاز" وكأنهم قبلوا جزية كثيرة بخلاف ما لو صالحناهم على أن يؤدوها من مال المذكورين إلا النساء فإنهن إن أذن لهم فهم وكلاء عنهن وفي بذلهن لها ما مر.
"فصل لا تعقد" الجزية "إلا ليهودي أو نصراني" للآية السابقة "أو مجوسي"; لأنه ﷺ أخذ الجزية من المجوس وقال "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" (٣) ; ولأن لهم شبهة كتاب والأظهر أنه كان لهم كتاب فرفع.
"وكذا من زعم التمسك" تبعا لتمسك أبيه "بالزبور" أي بزبور داود "وصحف إبراهيم" ونحوهما "ولو لم يقيموا بينة" بتمسكهم بذلك فإنها تعقد لهم "وإن حرمت ذبيحتهم ومناكحتهم" لإطلاق الآية; ولأنها تعقد للمجوس مع الاختلاف في أصل كتابهم فلهؤلاء أولى وكما يحرم ذبائح هؤلاء ومناكحتهم يحرمان من المجوس كما هو معلوم من محله، وإنما حرما وحل عقد الجزية عملا بالاحتياط فيهما (٤) أما غير المذكورين ممن لا كتاب له ولا شبهة كتاب كعبدة الأوثان
стр. 4965
والملائكة والشمس فلا تعقد لهم الجزية (١).
"فرع تعقد" أيضا "لمن دخل أصله (٢) التهود والنصرانية" الأنسب والتنصر "ولو بعد التبديل" في دينه "لا" بعد "النسخ" له "ولو بعيسى" (٣) أي بشريعته فتعقد لأولاد من تهود أو تنصر قبل النسخ لدينه أو معه ولو بعد التبديل فيه، وإن لم يجتنبوا المبدل منه تغليبا لحقن الدم; ولأنهم أهل كتاب; ولأنهم، وإن بدلوا فمعلوم أنه بقي فيه ما لم يبدل فلا ينحط التمسك به عن شبهة كتاب المجوس ولا تعقد لأولاد من تهود أو تنصر بعد النسخ بشريعة نبينا أو تهود بعد بعثة عيسى كآبائهم; لأنهم تمسكوا بدين بطل وسقطت فضيلته "فإن شككنا" في دخولهم فيه أكان قبل النسخ أم بعده "أقررناهم" بالجزية تغليبا لحقن الدم "كالمجوس" وبه حكمت الصحابة في نصارى العرب.
"وتعقد لمن تولد بين كتابي ووثني" (٤)، وإن كان الكتابي أمه تغليبا لحقن الدم; لأن شبهة الكتاب موجودة وفي المناكحة والذبيحة غلبنا التحريم احتياطا.
стр. 4966
"لا لجاسوس" يخاف شره للضرر والجاسوس صاحب سر الشر كما أن الناموس صاحب سر الخير.
"فصل تعقد" الجزية "للصائبة والسامرة إن لم تكفرهم اليهود والنصارى" ولم يخالفوهم في أصول دينهم وإلا فلا تعقد لهم "وكذا" تعقد لهم "لو أشكل أمرهم، وإن ظفرنا بقوم وادعوا أو بعضهم التمسك" تبعا لتمسك آبائهم "بكتاب قبل النسخ والتبديل" الأنسب بما مر ولو بعد التبديل "صدقنا المدعين" دون غيرهم "وعقد لهم" الجزية; لأن دينهم لا يعرف إلا من جهتهم والتصريح بقبل النسخ من زيادته على الروضة "فإن شهد عدلان" ولو منهم بأن أسلم منهم اثنان وظهرت عدالتهما "بكذبهم فإن" كان قد "شرط" في العقد "قتالهم إن بان كذبهم اغتالهم وإلا" بأن لم يشرط ذلك "فوجهان": أحدهما: وهو قضية (١) كلام التهذيب والوسيط وغيرهما ونقله الأذرعي وغيره عن النص وقال الإمام إنه الظاهر كذلك لتلبيسهم علينا (٢) وثانيهما لا بل يلحقون بالمأمن.
"فرع إذا توثن نصراني بلغ المأمن" كما مر في موانع النكاح "ثم أطفالهم" أي المتوثنين "من" أمهم "النصرانية نصارى وكذا من" أمهم "الوثنية فتعقد" الجزية "لمن بلغ" منهم; لأنه ثبت له علقة التنصر فلا تزول بما يحدث بعد.
"فصل تجب الجزية على شيخ هرم وزمن وأجير وراهب وأعمى وفقير غير مكتسب ولو من أهل خيبر"; لأنها كأجرة الدار; ولأنها تؤخذ لحقن الدم وما قيل من أن عليا ﵁ كتب لأهل خيبر كتابا بإسقاطها عنهم قال ابن سريج: لم ينقله أحد من المسلمين "فيطالب" الفقير في صورته "إن أيسر" بها.
"الركن الرابع المكان القابل" للتقرير "فيمنع الكفار" ولو ذميين "الإقامة بالحجاز (٣)، وهو مكة والمدينة واليمامة ومخاليفها" بالمعجمة جمع مخلاف أي
стр. 4967
قراها "كالطائف" ووج "وخيبر وكذا الطرق الممتدة فيه" أي في الحجاز سواء أقاموا فيه بجزية أم لا لشرفه ولما روى البيهقي عن أبي عبيدة بن الجراح آخر ما تكلم به النبي ﷺ "أخرجوا اليهود من الحجاز" (١) ولخبر الصحيحين "أخرجوا المشركين من جزيرة العرب" (٢) وخبر مسلم "لأخرجنا اليهود والنصارى من جزيرة العرب" (٣) والمراد منها الحجاز المشتملة هي عليه; لأن عمر أجلاهم منه (٤) وأقرهم فيما عداه من اليمن ونجران وسمي ذلك حجازا; لأنه حجز بين نجد وتهامة "لا بحرا" (٥) أي يمنعون الإقامة بما ذكر لا ركوب بحر الحجاز; لأنه ليس موضع إقامة "ويمنعون من" الإقامة في "جزائره وسواحله المسكونة" بخلاف غير المسكونة على ما اقتضاه التقييد بالمسكونة لكن قال الأذرعي والزركشي: التقييد به تبع فيه الشيخان البغوي والصواب حذفه (٦) كما حذفه الشرح الصغير وغيره تبعا لنصوص الشافعي مع أنه لا يلائم ما رجحوه من المنع (٧) من الإقامة بالطرق الممتدة. والبغوي إنما قيد بذلك باعتبار الغالب.
"فإن دخل" الكافر الحجاز "بلا إذن" من الإمام "أخرج" منه "ويعزر إن علم بالتحريم" (٨) لدخوله بخلاف ما إذا جهله "ويؤذن" له جوازا من جهة الإمام "في دخول الحجاز غير حرم مكة" إن كان دخوله "للمصلحة" لنا "كأداء
стр. 4968
رسالة وعقد ذمة وهدنة وحمل" متاع "تجارة (١) يحتاج" إليه "وإلا" بأن لم يحتج إليه "اشترط" في الإذن له في الدخول "أخذ شيء منها" أي من متاعها "وقدره" أي المشروط منوط "برأي الإمام و" إذا دخله بالإذن "لا يقيم" فيه "أكثر من ثلاث" من الأيام "سوى يومي الدخول والخروج"; لأن الأكثر من ذلك مدة الإقامة، وهو ممنوع منها ثم سواء أدخل لمصلحة أم لا "ويشترط ذلك عليه عند الدخول ويوكل" غيره كمسلم "بقبض دينه" إن كان له ثم دين لا يمكن استيفاؤه في هذه المدة "وله إقامة ثلاثة" من الأيام وفي نسخة ثلاث "في كل قرية" (٢) حيث كان ينتقل من قرية إلى أخرى قال الزركشي تبعا لصاحب الوافي (٣) وينبغي أن يكون بين كل قريتين مسافة القصر وإلا فيمنع من ذلك; لأن ما دونها في حكم الإقامة. "ويمنع المرور بحرم مكة" ولو لمصلحة لقوله تعالى ﴿فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [التوبة: ٢٨] والمراد جميع الحرم (٤) لقوله تعالى ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ [التوبة: ٢٨] أي فقرا بمنعهم من الحرم وانقطاع ما كان لكم
стр. 4969
بقدومهم من المكاسب فسوف يغنيكم الله من فضله ومعلوم أن الجلب إنما يجلب إلى البلد لا إلى المسجد نفسه والمعنى في ذلك أنهم أخرجوا النبي ﷺ منه فعوقبوا بالمنع من دخوله بكل حال "ويخرج" واحد منا "إليه لسماع رسالة" و يبلغها للإمام "فإن قال لا أؤديها إلا مشافهة خرج إليه الإمام، وإن طلب" منا "المناظرة" ليسلم "خرج إليه من يناظره فإن بذل على دخوله" الحرم "ما لا لم يقبل" أي لم يجب إليه "فإن أجيب" فالعقد فاسد "و" إن "وصل المقصد أخرج وثبت المسمى" ويفارق الإجارة الفاسدة حيث يجب فيها أجرة المثل بأنه لا يقابل بعوض حتى يكون له مثل "أو" وصل "دونه" أي المقصد "فبالقسط" من المسمى يؤخذ وحرم مكة من طريق المدينة على ثلاثة أميال ومن طريق العراق والطائف على سبعة ومن طريق الجعرانة على تسعة ومن طريق جدة على عشرة كما قال بعضهم:
وللحرم التحديد من أرض طيبة … ثلاثة أميال إذا رمت إتقانه
وسبعة أميال عراق وطائف … وجدة عشر ثم تسع جعرانة
وزاد الشيخ كمال الدين الدميري:
ومن يمن سبع وكر زلها اهتدى … فلم يعد سيل الحل إذ جاء بنيانه
"ولا يجري هذا الحكم في حرم المدينة" لاختصاص حرم مكة بالنسك وثبت أنه ﷺ أدخل الكفار مسجده وكان ذلك بعد نزول براءة (١).
"وإن دفن" الكافر "في حرم مكة نبش" قبره وأخرج لأن بقاء جيفته فيه أشد من دخوله له حيا "ما لم يتهر" أي يتقطع فإن تهرى ترك.
"ولا ينقل المريض من الحجاز" (٢)، وإن أمكن نقله بلا مشقة "إلا من حرم مكة" فينقل منه (٣)، وإن خيف من النقل موته "ولا يلحق بذلك" فيما ذكر "حرم المدينة" لما مر "لكن يستحب" إلحاقه به فيه "ولا يدفن" الكافر "في الحجاز إن أمكن نقله قبل التغير" وإلا دفن فيه (٤) "فلو دفن" فيه "لم
стр. 4970
ينبش"، وإن لم يتغير وعليه قال الإمام: لا يبعد أن لا يرفع نفس قبره.
"ولا يدخل حربي سائر البلاد" أي باقيها "إلا بإذن" فيجوز دخوله ويجوز تقرير الكافر فيه بالجزية "ولا يؤذن له" أي للحربي في دخوله له "إلا" لحاجة كما فهمت بالأولى أو "لمصلحة" لنا "كرسالة وتجارة" وعقد ذمة أو هدنة; لأنه لا يؤمن أن يدخل لتجسس أو قتل مسلم أو نحوه مما يتولد منه فساد ولا ينافي هذا ما مر في الأمان من أن العبرة بنفي المضرة لا بوجود المصلحة; لأن الأمان هنا إنما هو لدخولهم بلادنا بخلافه ثم "ويقف" أي يمكث إذا دخل لما ذكر "بقدر لحاجة ولا يدخل مساجدها" أي بقية البلاد "إلا بإذن ويأذن له الآحاد" (١) كالإمام "ولو في دخوله الجامع لحاجة مسلم أو حاجته" هو "إليه ولسماع قرآن" وحديث وعلم "لا أكل" وشرب "ونوم ويعزر إن دخل" مسجدا "بلا إذن عالما بالتحريم"، وإن لم يشرط عليه أن لا يدخل بلا إذن "أو جاهلا فلا" يعزر لعذره "ويعرف" الحكم.
"وجلوس القاضي فيه إذن للكافر المخاصم" (٢) في الدخول "وللإمام إنزال وفدهم" أي القادمين من الكفار علينا "بمسجد ولو" كان الوافد "جنبا لا حائضا تلوث" المسجد "ولا صبيا ومجنونا" غير مميزين صيانة للمسجد عن القاذورات الحاصلة فيه بذلك "وغير المسجد أولى" بالإنزال فيه من المسجد وبعض هذه المسائل علم مع زيادة من باب شروط الصلاة "ولو سأل من لا يرجى إسلامه تعليم العلم منع" منه بخلاف من يرجى إسلامه كما في تعليمه القرآن "ولو علم نحوا أو شعرا" أو نحوهما "جاز"، وإن لم يرج إسلامه "ولا يمكن" إذا دخل لشيء مما مر "من إظهار خمر وخنزير" ولا يأذن له الإمام في حمل شيء منهما إلى دارنا.
"الركن الخامس المال وأقله دينار (٣) لكل سنة" عن كل واحد لما
стр. 4971
رواه الترمذي (١) وغيره عن معاذ أنه ﷺ لما وجهه إلى اليمن أمره أن يأخذ من كل حالم دينارا أو عدله من المعافر (٢) ثياب تكون باليمن وظاهر الخبر أن أقلها دينار أو ما قيمته دينار وبه أخذ البلقيني والمنصوص الذي عليه الأصحاب أن أقلها دينار، وعليه إذا عقد به جاز أن يعتاض عنه ما قيمته دينار، وإنما امتنع عقدها بما قيمته دينار; لأن قيمته قد تنقص عنه آخر المدة ومحل كون أقلها دينارا عند قوتنا وإلا فقد نقل الدارمي عن المذهب أنه يجوز عقدها بأقل من دينار نقله الأذرعي وقال إنه ظاهر متجه (٣).
"وتستحب المماكسة" (٤) أي المشاحة مع الكافر العاقل لنفسه أو لموكله في قدر الجزية حتى يزيد على دينار بل إذا أمكنه أن يعقد بأكثر منه لم يجز (٥) أن يعقد بدونه إلا لمصلحة ويسن أن يفاوت بينهم "فيعقد للغني بأربعة والمتوسط بدينارين" (٦) والفقير بدينار "فإن أبى" عقدها "إلا بدينار أجيب"; لأنه الواجب والمماكسة كما تكون في العقد تكون في الأخذ بل الأصحاب إنما صدروا
стр. 4972
به في الأخذ فقالوا (١) يستحب للإمام المماكسة حتى يأخذ من - الغني إلى آخره ويستثنى السفيه فلا يصح عقده ولا عقد الولي له بالزائد على الدينار خلافا للقاضي "فلو امتنع من" بذل "الزائد" على دينار "بعد العقد" به "فناقض" للعهد (٢) كما لو امتنع من أداء أصل الجزية فيبلغ المأمن كما سيأتي فعلم أنه يلزمه ما التزم كمن اشترى شيئا بأكثر من ثمن مثله "فإن بلغ المأمن وعاد باذلا للدينار" عبارة الأصل وعاد وطلب العقد بدينار "أجيب" كما لو طلبه أولا "فإن شرط وأطلق على كل فقير دينار و" كل "غني أربعة و" كل "متوسط دينار إن اعتبرت هذه الأحوال" أي الفقر والغنى والتوسط "وقت الأخذ" لا وقت طروها ولا وقت العقد وخرج بقوله من زيادته وأطلق أي الشرط ما لو قيد بأن قيدت الأحوال المذكورة بوقت فيتبع "والقول قول مدعي الفقر" أو التوسط منهم بيمينه إلا أن تقوم بينة بخلافه أو يعهد له مال وكذا من غاب وأسلم ثم حضر وقال أسلمت من وقت كذا كما نص عليه الشافعي في الأم.
"ولا تؤخذ" الجزية "في أثناء الحول بالقسط" اتباعا لسيرة الأولين "إلا ممن مات" (٣) أو أسلم أو استقال من العقد أو نبذه في أثناء الحول فيؤخذ بالقسط إذ
стр. 4973
وجوبها بالسكنى فإذا سكن بعض المدة وجب قسطه كالأجرة نعم إن لم يكن للميت وارث فتركته كلها فيء فلا معنى لأخذ الجزية منها ولو كان له وارث غير مستغرق أخذ من نصيبه ما يتعلق به من الجزية وسقطت حصة بيت المال وقضية كلامهم أنه لو حجر عليه بفلس في أثناء العام لا يؤخذ منه القسط حينئذ قال البلقيني، وهو الجاري على القواعد لكن نص في الأم على أخذه (١). (٢)
"فلو مات (٣) وعليه" مع الجزية "دين لآدمي" وضاق ماله عنهما "سوى بينهما"; لأن الجزية ليست بقربة حتى تكون كالزكاة; ولأن المغلب فيها حق الآدمي من جهة أنها أجرة.
"وليس للإمام طلب تعجيل الجزية" هذا علم من قوله ولا يؤخذ في أثناء الحول بالقسط.
"فصل فإن أقروا ببلدهم" (٤) بجزية "استحب" معها "اشتراط ضيافة من يمر بهم منا" (٥)، وإن لم يكن المار من أهل الفيء "لا على فقير"; لأنها تتكرر فلا يتيسر للفقير القيام بها والأصل في اشتراطها ما رواه البيهقي أنه ﷺ صالح أهل أيلة على ثلاثمائة دينار وكانوا ثلثمائة رجل وعلى ضيافة من يمر بهم من
стр. 4974
المسلمين (١) وروى الشيخان خبر "الضيافة ثلاثة أيام" (٢) "ويبين" لهم في العقد "أيام الضيافة" أي قدرها "في الحول" كمائة يوم فيه (٣) "ومدة الإقامة" كيوم أو ثلاثة لينتفي الغرر "ولا تزيد" مدتها أي لا تندب زيادتها "على الثلاث" للخبر السابق (٤) ; ولأن في الزيادة عليها مشقة فإن وقع توافق على زيادة جاز كما صرح به الإمام (٥) ونقل في الذخائر عن الأصحاب أنه يشترط عليهم تزويد الضيف كفاية يوم وليلة.
"ويبين" لهم "عدد الضيفان (٦) خيلا ورجلا" بفتح الراء وإسكان الجيم "كعشرين" ضيفا في العام من الفرسان كذا ومن الرجالة كذا "على الواحد" منهم "أو ألف" كذلك "على الجميع و" هم "يوزعونها" على أنفسهم "بقدر الجزية" أو يتحمل بعضهم عن بعض وإذا تفاوتوا في الجزية يستحب أن يفاوت بينهم في الضيافة فيجعل على الغني عشرين مثلا وعلى المتوسط عشرة ولا يفاوت بينهم في جنس الطعام; لأنه لو شرط على الغني أطعمة فاخرة أجحف به الضيفان "و" يبين لهم "جنس الطعام والأدم وقدرهما" بالنسبة "لكل واحد" منا كأن يقول لكل واحد كذا من خبز البر. وكذا من السمن أو غيرهما بحسب عادتهم "و" يبين "العلف" أي علف الدواب من تبن وحشيش وقت "لا قدره" أي لا يشترط بيانه "إلا الشعير" (٧) إن ذكره "فيقدره" وإطلاق العلف لا يقتضي الشعير فإن كان لواحد دواب ولم يعين عددا منها لم يعلف إلا واحدة نص عليه في الأم "ولا
стр. 4975
يلزمه" الأنسب يلزمهم "أجرة طبيب وحمام وثمن دواء و" يبين لهم "المنازل" أي منازل الضيفان "من فضول منازلهم" وبيوت الفقراء الذين لا ضيافة عليهم "والكنائس" ونحوها "الدافعة للحر والبرد" ويشترط عليهم تعلية الأبواب ليدخلها المسلمون ركبانا كما شرطه عمر على أهل الشام "ولا يخرجون" أي أرباب المنازل "من منازلهم"، وإن ضاقت "وهي" أي الضيافة "زيادة على الجزية" لا منها; لأنها مبنية على الإباحة والجزية على التمليك; ولهذا لا يجزئ فيها التغدية والتعشية كما في الكفارة "تلزم بالقبول" منهم "وإن اعتاض عنها" أي الضيافة "الإمام دراهم" أو دنانير وبها عبر الأصل "برضاهم جاز واختصت بأهل الفيء" كالأصل الذي هو الدينار ويفارق الضيافة بأن الحاجة إليها تقتضي التعميم، وإنما اعتبر رضاهم; لأن الضيافة قد تكون أهون عليهم.
"فرع لضيفهم حمل الطعام" من غير أكل بخلاف طعام الوليمة; لأنه مكرمة وما هنا معارضة "لا المطالبة بالعوض و" لا "طعام الغد ولا" طعام "الأمس" الذي لم يأتوا بطعامه بناء على أن الضيافة زائدة (١) على الجزية.
"وإن ازدحم الضيفان على المضيف" لهم "أو عكسه خير المزدحم عليه" فيخير المضيف في الأولى والضيف في الثانية "وإن كثرت الضيفان عليهم بدءوا بالسابق" (٢) لسبقه "وإلا" بأن تساووا "أقرع" بينهم وليكن للضيفان عريف يرتب أمرهم صرح به الأصل.
"فصل والجزية تؤخذ" ممن هي عليه "برفق كسائر الديون" (٣) ويكفي في الصغار المذكور في آية الجزية أن يجري عليهم الحكم بما لا يعتقدونه كما فسره الأصحاب بذلك وتفسيره بأن يجلس الآخذ ويقوم الذمي ويطأطئ رأسه ويحني ظهره ويضع الجزية في الميزان ويقبض الآخذ لحيته ويضرب لهزمتيه (٤) مردود (٥) بأن هذه الهيئة