← Фикх шафии

Фикх шафии · id 30130

أسنى المطالب في شرح روض الطالب - ط العلمية

زكريا الأنصاري

Полный текст (5 775 стр.). Показаны 4971–5010 · переход к 4976.

стр. 4971

رواه الترمذي (١) وغيره عن معاذ أنه ﷺ لما وجهه إلى اليمن أمره أن يأخذ من كل حالم دينارا أو عدله من المعافر (٢) ثياب تكون باليمن وظاهر الخبر أن أقلها دينار أو ما قيمته دينار وبه أخذ البلقيني والمنصوص الذي عليه الأصحاب أن أقلها دينار، وعليه إذا عقد به جاز أن يعتاض عنه ما قيمته دينار، وإنما امتنع عقدها بما قيمته دينار; لأن قيمته قد تنقص عنه آخر المدة ومحل كون أقلها دينارا عند قوتنا وإلا فقد نقل الدارمي عن المذهب أنه يجوز عقدها بأقل من دينار نقله الأذرعي وقال إنه ظاهر متجه (٣). "وتستحب المماكسة" (٤) أي المشاحة مع الكافر العاقل لنفسه أو لموكله في قدر الجزية حتى يزيد على دينار بل إذا أمكنه أن يعقد بأكثر منه لم يجز (٥) أن يعقد بدونه إلا لمصلحة ويسن أن يفاوت بينهم "فيعقد للغني بأربعة والمتوسط بدينارين" (٦) والفقير بدينار "فإن أبى" عقدها "إلا بدينار أجيب"; لأنه الواجب والمماكسة كما تكون في العقد تكون في الأخذ بل الأصحاب إنما صدروا

стр. 4972

به في الأخذ فقالوا (١) يستحب للإمام المماكسة حتى يأخذ من - الغني إلى آخره ويستثنى السفيه فلا يصح عقده ولا عقد الولي له بالزائد على الدينار خلافا للقاضي "فلو امتنع من" بذل "الزائد" على دينار "بعد العقد" به "فناقض" للعهد (٢) كما لو امتنع من أداء أصل الجزية فيبلغ المأمن كما سيأتي فعلم أنه يلزمه ما التزم كمن اشترى شيئا بأكثر من ثمن مثله "فإن بلغ المأمن وعاد باذلا للدينار" عبارة الأصل وعاد وطلب العقد بدينار "أجيب" كما لو طلبه أولا "فإن شرط وأطلق على كل فقير دينار و" كل "غني أربعة و" كل "متوسط دينار إن اعتبرت هذه الأحوال" أي الفقر والغنى والتوسط "وقت الأخذ" لا وقت طروها ولا وقت العقد وخرج بقوله من زيادته وأطلق أي الشرط ما لو قيد بأن قيدت الأحوال المذكورة بوقت فيتبع "والقول قول مدعي الفقر" أو التوسط منهم بيمينه إلا أن تقوم بينة بخلافه أو يعهد له مال وكذا من غاب وأسلم ثم حضر وقال أسلمت من وقت كذا كما نص عليه الشافعي في الأم. "ولا تؤخذ" الجزية "في أثناء الحول بالقسط" اتباعا لسيرة الأولين "إلا ممن مات" (٣) أو أسلم أو استقال من العقد أو نبذه في أثناء الحول فيؤخذ بالقسط إذ

стр. 4973

وجوبها بالسكنى فإذا سكن بعض المدة وجب قسطه كالأجرة نعم إن لم يكن للميت وارث فتركته كلها فيء فلا معنى لأخذ الجزية منها ولو كان له وارث غير مستغرق أخذ من نصيبه ما يتعلق به من الجزية وسقطت حصة بيت المال وقضية كلامهم أنه لو حجر عليه بفلس في أثناء العام لا يؤخذ منه القسط حينئذ قال البلقيني، وهو الجاري على القواعد لكن نص في الأم على أخذه (١). (٢) "فلو مات (٣) وعليه" مع الجزية "دين لآدمي" وضاق ماله عنهما "سوى بينهما"; لأن الجزية ليست بقربة حتى تكون كالزكاة; ولأن المغلب فيها حق الآدمي من جهة أنها أجرة. "وليس للإمام طلب تعجيل الجزية" هذا علم من قوله ولا يؤخذ في أثناء الحول بالقسط. "فصل فإن أقروا ببلدهم" (٤) بجزية "استحب" معها "اشتراط ضيافة من يمر بهم منا" (٥)، وإن لم يكن المار من أهل الفيء "لا على فقير"; لأنها تتكرر فلا يتيسر للفقير القيام بها والأصل في اشتراطها ما رواه البيهقي أنه ﷺ صالح أهل أيلة على ثلاثمائة دينار وكانوا ثلثمائة رجل وعلى ضيافة من يمر بهم من

стр. 4974

المسلمين (١) وروى الشيخان خبر "الضيافة ثلاثة أيام" (٢) "ويبين" لهم في العقد "أيام الضيافة" أي قدرها "في الحول" كمائة يوم فيه (٣) "ومدة الإقامة" كيوم أو ثلاثة لينتفي الغرر "ولا تزيد" مدتها أي لا تندب زيادتها "على الثلاث" للخبر السابق (٤) ; ولأن في الزيادة عليها مشقة فإن وقع توافق على زيادة جاز كما صرح به الإمام (٥) ونقل في الذخائر عن الأصحاب أنه يشترط عليهم تزويد الضيف كفاية يوم وليلة. "ويبين" لهم "عدد الضيفان (٦) خيلا ورجلا" بفتح الراء وإسكان الجيم "كعشرين" ضيفا في العام من الفرسان كذا ومن الرجالة كذا "على الواحد" منهم "أو ألف" كذلك "على الجميع و" هم "يوزعونها" على أنفسهم "بقدر الجزية" أو يتحمل بعضهم عن بعض وإذا تفاوتوا في الجزية يستحب أن يفاوت بينهم في الضيافة فيجعل على الغني عشرين مثلا وعلى المتوسط عشرة ولا يفاوت بينهم في جنس الطعام; لأنه لو شرط على الغني أطعمة فاخرة أجحف به الضيفان "و" يبين لهم "جنس الطعام والأدم وقدرهما" بالنسبة "لكل واحد" منا كأن يقول لكل واحد كذا من خبز البر. وكذا من السمن أو غيرهما بحسب عادتهم "و" يبين "العلف" أي علف الدواب من تبن وحشيش وقت "لا قدره" أي لا يشترط بيانه "إلا الشعير" (٧) إن ذكره "فيقدره" وإطلاق العلف لا يقتضي الشعير فإن كان لواحد دواب ولم يعين عددا منها لم يعلف إلا واحدة نص عليه في الأم "ولا

стр. 4975

يلزمه" الأنسب يلزمهم "أجرة طبيب وحمام وثمن دواء و" يبين لهم "المنازل" أي منازل الضيفان "من فضول منازلهم" وبيوت الفقراء الذين لا ضيافة عليهم "والكنائس" ونحوها "الدافعة للحر والبرد" ويشترط عليهم تعلية الأبواب ليدخلها المسلمون ركبانا كما شرطه عمر على أهل الشام "ولا يخرجون" أي أرباب المنازل "من منازلهم"، وإن ضاقت "وهي" أي الضيافة "زيادة على الجزية" لا منها; لأنها مبنية على الإباحة والجزية على التمليك; ولهذا لا يجزئ فيها التغدية والتعشية كما في الكفارة "تلزم بالقبول" منهم "وإن اعتاض عنها" أي الضيافة "الإمام دراهم" أو دنانير وبها عبر الأصل "برضاهم جاز واختصت بأهل الفيء" كالأصل الذي هو الدينار ويفارق الضيافة بأن الحاجة إليها تقتضي التعميم، وإنما اعتبر رضاهم; لأن الضيافة قد تكون أهون عليهم. "فرع لضيفهم حمل الطعام" من غير أكل بخلاف طعام الوليمة; لأنه مكرمة وما هنا معارضة "لا المطالبة بالعوض و" لا "طعام الغد ولا" طعام "الأمس" الذي لم يأتوا بطعامه بناء على أن الضيافة زائدة (١) على الجزية. "وإن ازدحم الضيفان على المضيف" لهم "أو عكسه خير المزدحم عليه" فيخير المضيف في الأولى والضيف في الثانية "وإن كثرت الضيفان عليهم بدءوا بالسابق" (٢) لسبقه "وإلا" بأن تساووا "أقرع" بينهم وليكن للضيفان عريف يرتب أمرهم صرح به الأصل. "فصل والجزية تؤخذ" ممن هي عليه "برفق كسائر الديون" (٣) ويكفي في الصغار المذكور في آية الجزية أن يجري عليهم الحكم بما لا يعتقدونه كما فسره الأصحاب بذلك وتفسيره بأن يجلس الآخذ ويقوم الذمي ويطأطئ رأسه ويحني ظهره ويضع الجزية في الميزان ويقبض الآخذ لحيته ويضرب لهزمتيه (٤) مردود (٥) بأن هذه الهيئة

стр. 4976

باطلة (١) ودعوى استحبابها أو وجوبها أشد خطأ ولم ينقل أن النبي ﷺ (٢) ولا أحدا من الخلفاء الراشدين فعل شيئا منها "فله توكيل مسلم في أدائها وتضمينه" لها "والحوالة" بها "عليه" بناء على أن الهيئة المذكورة غير واجبة. "فصل" لو "طلب قوم" ممن يعقد لهم الجزية عرب أو عجم "أن يؤدون الجزية باسم الزكاة" لا باسم الجزية "وقد عرفوها" حكما وشرطا "و" أن "يضعف" عليهم "أجيبوا" (٣) إلى ذلك إن رآه الإمام وسقط عنهم الإهانة واسم الجزية اقتداء بعمر ﵁ في نصارى العرب لما قالوا له نحن عرب لا نؤدي ما تؤديه العجم فخذ منا ما يأخذ بعضكم من بعض يعنون لزكاة ولم ينكر عليه فيه أحد فكان إجماعا وعقد لهم الذمة مؤبدا فليس لأحد نقض ما فعله هذا "إن تيقنا وفاءها بدينار" وإلا فلا يجابوا "ولو اقتضى" إجابتهم "تسليم بعض" منهم "عن بعض" ما التزموه فإنهم يجابون ولبعضهم أن يلتزم عن نفسه وعن غيره وغرضنا تحصيل دينار عن كل رأس "فيقول الإمام" في صورة العقد "جعلت عليكم ضعف الصدقة أو صالحتكم عليه" أو نحوه "وهي" أي الأموال المأخوذة باسم الزكاة "جزية" حقيقة، وإن بدل اسمها "تصرف مصرف الفيء" فعن عمر أنه قال هؤلاء حمقى أبوا الاسم ورضوا بالمعنى. "ولا تؤخذ من مال صبي ومجنون وامرأة" وخنثى بخلاف الفقير "فإن وفى قدر الزكاة" بلا تضعيف "أو نصفها" أن نصفها "بالدينار يقينا لا ظنا كفى أخذه" (٤) فلو كثروا وعسر عددهم لمعرفة الوفاء بالدينار لم يجز الأخذ بغلبة الظن بل يشترط تحقق أخذ دينار عن كل رأس ولا يتعين تضعيفها ولا تنصيفها فيجوز تربيعها وتخميسها ونحوهما على ما يرونه بالشرط المذكور "ولو شرط الضعف" للزكاة "وكثر" أي زاد على دينار "وبذلوا الدينار" بأن سألوا إسقاط الزائد وإعادة اسم الجزية "أجيبوا"; لأن الزيادة أثبتت لتغيير الاسم فإذا رضوا بالاسم وجب إسقاطها (٥)

стр. 4977

"وإن قل" الضعف "عن الدينار زاد في التضعيف حتى يستوفيه". "فرع تضعف الماشية" أي الزكاة المأخوذة منها كما علم مما مر "فيؤخذ من خمس من الإبل شاتان" ومن أربعين من الغنم شاتان ومن ثلاثين من البقر تبيعان ومن عشرين دينارا دينار ومن مائتي درهم عشرة دراهم ومما سقي بلا مؤنة الخمس ومما سقي بمؤنة العشر ومن الركاز خمسان وهكذا "ولا يضعف الجبران لو أخذناه" أو أعطيناه لئلا يكثر التضعيف (١) ; ولأنه على خلاف القياس فيقتصر به على مورد النص فلو ملك ستا وثلاثين بعيرا ولم يكن فيها بنتا لبون أخرج بنتي مخاض مع إعطاء الجبران أو حقتين مع أخذه فيعطي في النزول مع كل واحدة (٢) شاتين أو عشرين درهما ويأخذ في الصعود مع كل واحدة مثل ذلك "ويعطى" الإمام "الجبران من الفيء" كما يصرفه إذا أخذه إلى الفيء "ولا يأخذها من دون النصاب" بالقسط كشاة من عشرين ونصف شاة من عشر; لأن الأثر إنما ورد فيما يلزم المسلم وهل يعتبر النصاب كل الحول أو آخره وجهان في الكفاية قياس باب الزكاة ترجيح الأول (٣) وقياس اعتبار الغنى والفقر والتوسط آخر الحول في هذا الباب ترجيح الثاني "ويؤخذ من مائتين" من الإبل "ثمان حقاق أو عشر بنات لبون ولا" يفرق فلا "يأخذ أربع حقاق (٤) وخمس بنات لبون" كما لا يفرق في الزكاة "قلت وفيه نظر إذ لا تشقيص" هنا بخلاف ما هناك. "فصل لا يؤخذ شيء من حربي دخل" دارنا "رسولا أو بتجارة نضطر" نحن "إليها" أو لسماع كلام الله تعالى; لأن له الدخول بلا إذن "فإن لم نضطر" إليها "واشترط عليهم الإمام" أخذ شيء "ولو أكثر من عشرها جاز" كما فعله عمر ﵁ بخلاف ما إذا لم يشترط عليهم; لأنهم لم يلتزموا ويجتهد الإمام في الزائد على العشر كما في زيادة الجزية على دينار "ويجوز" له أن يشترط عليهم

стр. 4978

"دونه" أي العشر "و" أن يشترط عليهم أخذ شيء "في نوع" من تجاراتهم "أكثر من نوع" آخر "ولو أعفاهم" عن الأخذ "جاز"; لأن الحاجة قد تدعو إليه لاتساع المكاسب وغيره. "فإن شرط" عليهم "عشر الثمن" أي ثمن ما بيع من تجاراتهم "أمهلوا إلى البيع" بخلاف ما لو شرط أن يأخذ من تجاراتهم "والمأخوذ" أي ما يؤخذ "في الحول" لا يؤخذ إلا "مرة ولو ترددوا" إلى بلادهم كالجزية "ولا يؤخذ" شيء "من تجارة ذمي ولا ذمية اتجرت إلا إن شرط" عليهما "مع الجزية" اقتداء بعمر ﵁ سواء أكانا بالحجاز أم بغيره ولا حاجة لقوله اتجرت "ولا" يؤخذ شيء "من غير متجر" دخل بأمان، وإن دخل الحجاز "ويكتب لمن أخذ منه" براءة "حتى لا يطالب" مرة "أخرى" قبل الحول. "فصل" لو "صالحناهم وأبقينا أرضهم على ملكهم وضربنا عليها خراجا" يؤدونه "كل سنة" عن كل جريب كذا "يفي" ذلك الخراج "بالجزية" عن كل واحد منهم "جاز" فالمأخوذ جزية تصرف مصرف الفيء فلا يؤخذ من أرض صبي ولا مجنون ولا امرأة ولا خنثى "ويؤخذ" الخراج منهم "وإن لم تزرع" أي الأرض أو باعوها أو وهبوها "ما لم يسلموا"; لأنه جزية كما مر "وإن اشتراها مسلم أو استأجرها فعليه الثمن" في الأولى "والأجرة" في الثانية "والخراج" باق "على البائع" والمؤجر. "ويؤخذ منهم" الخراج "في موات يذبون عنه لا غيره" أي لا في موات لا يذبون عنه "وإن أحيوه إلا بشرط" بأن شرط عليهم أن يؤخذ ذلك عما يحيونه "وإن ضربناه على أن الأرض لنا" ويسكنونها ويؤدون كل سنة عن كل جريب كذا "فهو" أي المأخوذ منهم "أجرة"; لأن ذلك عقد إجارة فلا يسقط بإسلامهم ولا يشترط فيه أن يبلغ دينارا "والجزية باقية" فتجب مع الأجرة. "ولا يجوز لهم بيعها" أي الأرض ولا هبتها ولهم إجارتها; لأن المستأجر يؤجر، "ويؤخذ" ذلك "من أرض النساء والصبيان وغيرهم" ممن لا جزية عليه; لأنه أجرة.

стр. 4979

"الطرف الثاني في أحكام عقد الذمة فيلزمنا" بعد عقدها لهم "الكف

стр. 4980

عن أنفسهم وأموالهم"; لأنهم إنما بذلوا الجزية لعصمتهما (١) وروى أبو داود خبر "ألا من ظلم معاهدا أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة" (٢) "ولو غصبت لهم خمر" وخنزير ونحوهما "ردت" إليهم لعموم خبر "على اليد ما أخذت حتى تؤديه" (٣) "ويعصي متلفها إلا إن أظهروها" فلا يعصي "ولا يضمن"، وإن لم يظهروها "وتراق" الخمر "على مسلم اشتراها" منهم وقبضها "ولا ثمن" عليه لهم; لأنهم تعدوا بإخراجها إليه "ولو قضى" الذمي "دين مسلم" كان له عليه "بثمن خمر" أو نحوه "حرم" على المسلم "قبوله إن علم" (٤) أنه ثمن ذلك; لأنه حرام في عقيدته "وإلا لزمه القبول" وما اقتضاه كلامه كأصله في نكاح المشرك (٥) من أنه لا يحرم قبوله مع العلم ممنوع "ويلزمنا الذب عنهم" (٦) لعصمتهم "لا" إن كانوا مقيمين "في دار الحرب" وليس معهم مسلم إذ لا يلزمنا الذب عنها بخلاف دارنا "إلا أن شرط" الذب عنهم ثم "أو انفردوا عنا" ببلد "مجاورين لنا" فيلزمنا ذلك لالتزامنا إياه في الأولى، وإن كره لنا طلبه وإلحاقا لهم في الثانية بباقي العصمة "وإن عقدت" أي الذمة "بشرط أن لا

стр. 4981

نذب عنهم من يمر بنا" ممن يقصدهم بسوء من أهل الحرب "وهم مجاورون لنا" أو أن لا نذب عنهم وهم معنا كما فهم بالأولى وصرح به الأصل "فسد العقد" لتضمنه تمكين الكفار منا بخلاف ما لو شرط أن لا نذب عنهم من لا يمر بنا أو من يمر بنا وهم غير مجاورين لنا (١) "ويجب علينا وعلى من هادناه غرم" بدل "ما أتلفناه" أي نحن ومن هادناه "عليهم" أي على أهل الذمة للعصمة في الجانبين نعم إن كان إتلاف من هادناه بعد نقضه العهد فلا غرم عليه; لأنه حربي، وهذا يعلم مما يأتي "فإن لم نذب عنهم فلا جزية" لمدة عدم الذب كما لا يجب أجرة الدار إذا لم يوجد التمكين من الانتفاع بها "فإن ظفر الإمام بمن أغار عليهم" وأخذ أموالهم "رد" عليهم "ما وجدوه من أموالهم ولا يضمنون" أي المغيرون على أهل الذمة "ما أتلفوه إن كانوا حربيين" كما لو أتلفوا مالنا "فصل ويمنعون" (٢) وجوبا هنا وفيما يأتي "من إحداث كنيسة وبيعة

стр. 4982

وصومعة" (١) للرهبان ونحوها "في بلد أحدث في دار الإسلام" كبغداد والكوفة والبصرة "أو" بلد "أسلم أهله" كالمدينة واليمن; لأن كلا منها صار ملكا لنا; ولأن إحداثها معصية فلا يجوز في دارنا "فإن وجدت كنائس" مثلا فيما ذكر "جهل أصلها بقيت لاحتمال أنها كانت في قرية" أو برية "فاتصل بها عمران ما أحدث" منا بخلاف ما لو علم إحداث شيء منها بعد بنائها "وإن شرط حداثها" (٢) في بلادنا "فسد العقد" لفساد الشرط. "ومن بنى منهم دارا لأبناء السبيل منا ومنهم لم يمنع" لانتفاء المعصية "فإن خصص الذميين" بها "فوجهان" أحدهما وبه جزم صاحب الشامل (٣) كذلك كما لو وقف عليهم والثاني المنع; لأنهم إذا انفردوا بسكناها صارت ككنائسهم "ولو فتحنا بلدا عنوة نقضنا كنائسهم القائمة"; لأنا قد ملكناها بالاستيلاء فيمتنع إبقاؤها كنائس "ولم نبق لهم شيئا من متعبداتهم" لذلك فعلم أنه لا يجوز لهم بناء شيء من ذلك كما صرح به الأصل (٤). "أو" فتحناه "صلحا على أن الأرض لنا" ويسكنونها بخراج "وشرطوا إبقاء الكنائس" مثلا لهم "أو إحداثها مكنوا" (٥) من ذلك وكأنهم استثنوها وقوله مكنوا أولى من قول الأصل جاز; لأن الجواز حكم شرعي ولم يرد الشرع بجواز ذلك، وإنما المراد عدم المنع نبه عليه السبكي (٦) "وإلا" أي، وإن لم يشرطوا ذلك "منعوا ولو من إبقائها" كما يمنعون

стр. 4983

من إحداثها; لأن إطلاق اللفظ يقتضي أن البلد كله صار لنا "أو" فتحناه صلحا "على أن الأرض لهم" يؤدون خراجها "لم يمنعوا من الكنائس" (١) ونحوها "ولو أحدثوها"; لأن الملك والدار لهم "ولا" يمنعون "من إظهار شعائرهم" كخمر وخنزير وأعيادهم وضرب ناقوسهم "ويمنعون من التجسس" أي إيواء الجاسوس "وتبليغ الأخبار" وسائر ما نتضرر به في ديارهم "ولهم عمارة" أي ترميم "كنائس جوزنا إبقاءها" إذا استهدمت (٢) ; لأنها مبقاة فترمم بما تهدم لا بآلات من جديد كذا قاله السبكي (٣) والذي قاله ابن يونس في شرح الوجيز واقتضى كلامه الاتفاق عليه (٤) أنها ترمم بآلات جديدة قال في الأصل ولا يجب إخفاؤها فيجوز تطيينها من داخل وخارج "لا إحداثها; لأن العمارة" المذكورة "ليست بإحداث" هذا التعليل من زيادته وفيه إيهام أنه تعليل للأخير لكن لا يخفى المراد. "فلو انهدمت" أي الكنائس المبقاة ولو بهدمهم لها تعديا خلافا للفارقي "أعادوها" هذا يغني عما قبله "وليس لهم توسيعها"; لأن الزيادة في حكم كنيسة محدثة متصلة بالأولى "ويمنعون من إظهار الناقوس" هذا سيأتي وعبارة الأصل ويمنعون من ضرب الناقوس في الكنيسة كما يمنعون من إظهار الخمر "لا في بلدهم"

стр. 4984

قال في الأصل قال الإمام: وأما ناووس المجوس فلست أرى فيه ما يوجب المنع، وإنما هو محوط وبيوت تجمع فيها المجوس جيفهم وليس كالبيع والكنائس فإنها تتعلق بالشعار. "ويمنع الذمي" وجوبا من "تطويل بنائه (١) على" بناء "جاره المسلم"، وإن لم يشرط عليهم في العقد (٢) لخبر "الإسلام يعلو ولا يعلى" (٣) وليتميز البناءان ولئلا يطلع على عوراتنا هذا "إن لم ينفردوا بقرية" فإن انفردوا بها جاز تطويل بنائهم والتقييد بهذا لا يناسب المقيد إذ لا جار لهم من المسلمين حينئذ مع أنه معلوم من التقييد بالجار فلو قال لا إن انفردوا بقرية بل وأخره إلى قوله لا

стр. 4985

عال كان أولى "وإن رضي الجار" بذلك فإنه يمنع منه; لأن المنع منه لحق الدين لا لمحض حق الجار سواء أكان بناء المسلم معتدلا أم في غاية الانخفاض قال البلقيني (١) ومحل المنع إذا كان بناء المسلم مما يعتاد في السكنى فلو كان قصيرا لا يعتاد فيها; لأنه لم يتم بناؤه أو لأنه هدمه (٢) إلى أن صار كذلك لم يمنع الذمي من بناء جداره على أقل مما يعتاد في السكنى لئلا يتعطل عليه حقها الذي عطله المسلم باختياره أو تعطل عليه بإعساره قال الجرجاني والمراد بالجار (٣) أهل محلته دون جميع البلد قال الزركشي، وهو ظاهر. "وكذا" يمنع من "المساواة" لما مر "فيهدم" ما يحصل به التطويل والمساواة "لا عال اشتراه" مثلا ولم يكن مستحق الهدم "أو بنوه قبل أن تملك بلادهم" فلا يهدم; لأنه وضع بحق لكن يمنع طلوع سطحه إلا بعد تحجيره (٤) بخلاف المسلم; لأنه مأمون ويمنع صبيانهم من الإشراف على المسلم بخلاف صبياننا حكاه في الكفاية عن الماوردي (٥) فإن انهدم البناء المذكور امتنع العلو والمساواة كما صرح به الأصل قال الزركشي: ولو استأجر دارا عالية لم يمنع من سكناها بلا خلاف قاله في المرشد وهل يجري مثله (٦) فيما لو ملك دارا لها روشن حيث قلنا لا يشرع له الروشن أي، وهو الأصح أو لا يجري; لأن التعلية من فوق الملك والروشن لحق الإسلام، وقد زاد فيه نظر (٧) انتهى.

стр. 4986

"و" يمنعون "من ركوب الخيل" (١) إن لم ينفردوا; لأن فيه عزا "فإن انفردوا" ببلدة أو قرية في غير دارنا "فوجهان" أحدهما يمنعون خوفا من أن يتقووا به علينا وثانيهما لا يمنعون كإظهار الخمر قال الأذرعي، وهو الأقرب إلى النص (٢) قال ولو استعنا بهم في حرب حيث يجوز فالظاهر تمكينهم من ركوبها (٣) من القتال "لا" من ركوب "البغال ولو نفيسة"; لأنها في نفسها خسيسة (٤) "و" لا من ركوب الحمر ولو نفيسة لذلك. "وكذا البراذين الخسيسة" بخلاف النفيسة "ويركبونها عرضا" بأن يجعلوا أرجلهم من جانب واحد قال في الأصل ويحسن (٥) أن يتوسط فيفرق بين أن يركبوا إلى مسافة قريبة من البلد أو إلى بعيدة فيمنعون في الحضر ويركبونها "بالأكف لا السرج وبالركاب الخشب" لا الحديد ونحوه تمييزا لهم عنا ليعطى كل حقه "ويمنعون من حمل السلاح" مطلقا "و" من "اللجم المزينة بالتبرين" أي الذهب والفضة قال الزركشي في الأولى: ولعله محمول على الحضر ونحوه (٦) دون الأسفار المخوفة والطويلة "هذا" كله "في الرجال لا" في "النساء والصبيان" ونحوهما فلا يمنعون من ذلك إذ لا صغار عليهم كما لا جزية عليهم حكاه الأصل عن ابن كج وأقره وتوقف فيه الزركشي وقال الأشبه خلافه; لأنهم صححوا أن النساء يؤمرن بالغيار والزنار والتمييز في الحمام قال وما حكي عن ابن كج وجه ضعيف

стр. 4987

انتهى. ويجاب بأن ما استند إليه كالضروري لحصول التمييز به بخلاف ما هنا قال ابن الصلاح: وينبغي منعهم (١) من خدمة الملوك والأمراء كما يمنعون من ركوب الخيل. "فرع ويلجأ في الزحمة إلى أضيق الطرق (٢) ولا يصدر في مجلس فيه مسلمون" بحيث لا يقع في وهدة ولا يصدمه جدار لخبر الصحيحين "لا تبدءوا اليهود ولا النصارى بالسلام وإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه فإن خلت الطرق عن الزحمة فلا حرج ولا يوقر" (٣) كما صرح به الأصل. "ولا يصدر (٤) في مجلس فيه مسلمون" إهانة له (٥) "وتحرم موادته" (٦) لقوله تعالى ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] الآية ولا ينافي هذا ما مر في الوليمة من أنه تكره مخالطته; لأن المخالطة ترجع إلى الظاهر والموادة إلى الميل القلبي. "فصل وعليهم ولو نساء" في دارنا (٧) "لبس الغيار" بكسر المعجمة، وإن لم يشرط عليهم "وهو أن يخيط" كل منهم "بموضع لا يعتاد" (٨) الخياطة عليه

стр. 4988

كالكتف "على ثوبه الظاهر لونا يخالفه" أي يخيط عليه ما يخالف لونه "ويلبسه" وذلك للتمييز; ولأن عمر ﵁ صالحهم على تغيير زيهم بمحضر من الصحابة كما رواه البيهقي، وإنما لم يفعله النبي ﷺ بيهود المدينة ونصارى نجران; لأنهم كانوا قليلين معروفين فلما كثروا في زمن الصحابة وخافوا من التباسهم بالمسلمين احتاجوا إلى تمييز قال في الأصل: وإلقاء منديل ونحوه كالخياطة واستبعده ابن الرفعة (١). "والأولى باليهود الأصفر (٢) وبالنصارى الأزرق" قال في الأصل أو الأكهب ويقال له الرمادي "وبالمجوس الأحمر" قال في الأصل أو الأسود قال البلقيني: وما ذكر من الأولى لا دليل عليه انتهى ويكتفى عن الخياطة بالعمامة كما عليه العمل (٣) الآن "ويشد" كل منهم "زنارا" بضم الزاي "وهو خيط غليظ" يشد به وسطه "فوق الثياب" لما مر قال الماوردي ويستوي فيه سائر الألوان قال في الأصل وليس لهم إبداله بمنطقة ومنديل ونحوهما "والجمع بينهما" أي الغبار والزنار "أولى" مبالغة في شهرتهم. "ومن لبس منهم قلنسوة يميزها" عن قلانسنا "بذؤابة" بالمعجمة أي علامة "فيها فإن دخلوا حماما به مسلمون أو" كانوا في غيره "متجردين" عن ثيابهم بحضرة مسلمين "تميزوا" عنهم "بجلاجل في أعناقهم أو خواتم حديد أو رصاص" لا ذهب وفضة لما مر "ويجزون نواصيهم" كما أمر به عمر ﵁ "ولا يرسلون الضفائر" كما يفعله الأشراف والأجناد "وتجعل المرأة خفيها لونين" كأن تجعل أحدهما أسود والآخر أبيض قال في الأصل ولا يشترط التمييز بكل هذه الوجوه بل يكفي بعضها. "وللمسلمات دخول الحمام بلا ضرورة ويكره بلا حاجة" كما مر ذلك في الغسل مع دليله "ويمنعن" بنون التوكيد "الذميات دخوله مع المسلمات" (٤) قال

стр. 4989

الرافعي; لأنهن أجنبيات في الدين وتقدم في النكاح ما له بهذا تعلق. "ولو لبس الذمي الحرير أو تعمم أو طيلس لم يمنع" كما لم يمنع (١) من رفيع القطن والكتان "وعليهم الانقياد لحكمنا" الذي يعتقدون تحريمه كالزنا والسرقة فإذا فعلوه أجرينا عليهم حكم الله تعالى فيه كما مر. "و" عليهم "الإعانة" لنا "بلا تضرر" منهم إذا استعنا بهم "والكف عن إظهار اعتقادهم" المنكر كاعتقادهم "في المسيح وعزير" صلى الله وسلم عليهما "و" مثل "التثليث" أي قولهم الله ثالث ثلاثة. "ويمنعون" في دارنا "من إظهار الخمر (٢) والناقوس والخنزير وأعيادهم وقراءة كتبهم" لما فيه من إظهار شعائر الكفر "و" من "إظهار دفن موتاهم والنوح" واللطم "و" من "إسقاء مسلم خمرا" أو إطعامه خنزيرا "و" من "رفع أصواتهم على المسلمين و" من "استبذالهم إياهم في المهن" أي الخدمة "بأجرة وغيرها" سواء أشرط ذلك في العقد عليهم أم لا. "فإن أظهروا شيئا من ذلك عزروا ولم ينتقض" به "عهدهم ولو شرط" عليهم "نقضه" أي انتقاضه "به"; لأنا لا نتضرر به; ولأنهم يتدينون به بخلاف القتال ونحوه مما يأتي وحملوا الشرط المذكور على تخويفهم وذكر التعزير في إظهار دفن موتاهم وما عطف عليه وعدم انتقاض عهدهم بذلك من زيادته.

стр. 4990

"فإن قاتلوا" المسلمين "بلا شبهة (١) أو منعوا الجزية أو الانقياد للحكم" بمعنى امتناعهم منه بالقوة والعدة لا بالهرب "انتقض عهدهم"، وإن لم يشرط عليهم الانتقاض بذلك ولا الامتناع منه لمخالفتهم مقتضى العقد بخلاف ما إذا قاتلوا لشبهة (٢) كما مر في البغاة قال في الأصل في الثانية كذا قاله الأصحاب وخصه الإمام بالقادر (٣) أما العاجز إذا استمهل فلا ينتقض عهده بذلك قال ولا يبعد أخذ الجزية من الموسر الممتنع قهرا ولا ينتقض عهده كسائر الديون ويخص قولهم بالمتغلب المقاتل انتهى وظاهر أن كلام الإمام الأول مفهوم من تعبير الأصحاب بالمنع. "ولو نكح مسلمة" ووطئها "أو زنى بها" (٤) مع علمه بإسلامها "أو قتل" مسلما (٥) "قتلا يوجب القصاص"، وإن لم نوجبه عليه كذمي حر قتل عبدا مسلما (٦) "أو قطع طريقا" على مسلم "أو تجسس للكفار" أي لأجلهم بأن تطلع على عوراتنا ونقلها إليهم أو آوى جاسوسا لهم "أو دعا" مسلما "إلى دينه" أو

стр. 4991

فتنه عن دينه "أو قذف مسلما أو سب الله أو رسوله (١) أو الإسلام" أو القرآن "جهرا" أو نحوها "مما لا يتدينون به فإن شرط انتقاض العهد به انتقض وإلا فلا" (٢) ينتقض لمخالفته الشرط في الأول (٣) دون الثاني، وهذا ما صححه المنهاج كأصله (٤) والشرح الصغير ونقله الزركشي وغيره عن نص الشافعي ووقع في أصل الروضة (٥) تصحيح أنه لا انتقاض بذلك مطلقا; لأنه لا يخل بمقصود العقد وعلى الأول لو نكح كافرة ثم أسلمت بعد الدخول فوطئها في العدة لم ينتقض عهده فقد يسلم فيستمر نكاحه قال البلقيني والقياس أن لواطه (٦) بمسلم كزناه بمسلمة وسواء انتقض عهده أم لا يقام عليه موجب ما فعله من حد أو تعزير كما صرح به الأصل أما ما يتدينون به كقولهم القرآن ليس من عند الله فلا انتقاض به مطلقا "فلو شرط" عليه "ذلك" أي الانتقاض به "ثم قتل بمسلم أو بزناه" حالة كونه "محصنا بمسلمة صار ماله فيئا"; لأنه حربي مقتول وماله تحت أيدينا لا يمكن صرفه لأقاربه الذميين لعدم التوارث ولا للحربيين; لأنا إذا قدرنا على مالهم أخذناه فيئا أو غنيمة وشرط الغنيمة هنا ليس موجودا وقيل لا يصير فيئا والترجيح من زيادته وبه صرح البلقيني (٧).

стр. 4992

"فرع إذا نقض الذمي العهد بقتاله" لنا "قتل" ولا يبلغ المأمن لقوله تعالى ﴿فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١] ; ولأنه لا وجه لإبلاغه مأمنه مع نصبه القتال "أو" انتقض عهده "بغيره ولم يسأل تجديد العهد فللإمام الخيرة فيه من قتل (١) وغيره" من استرقاق ومن وفداء ولا يلزمه أن يلحقه بما منه; لأنه كافر لا أمان له كالحربي وقوله ولم يسأل تجديد العهد من زيادته هنا وأخرج ما لو سأل ذلك فتجب إجابته ويفارق ما ذكر من أمنه صبي حيث يلحق بمأمنه بأن ذلك يعتقد لنفسه أمانا، وهذا فعل باختياره ما أوجب الانتقاض واستشكل ما ذكر بما ذكروه من أن الداخل دارنا بهدنة أو أمان يلحق بمأمنه إذا انتقض عهده مع أن حق الذمي آكد منه وأجيب بأن الذمي (٢) ملتزم لأحكامنا وبالانتقاض زال التزامه لها بخلاف ذاك فإنه ليس ملتزما لها وقضية الأمان رده إلى مأمنه. "و" إذا انتقض أمان رجل "لم ينتقض أمان نسائه وصبيانه"; لأنه قد ثبت لهم الأمان ولم يوجد منهم خيانة ناقضة فلا يجوز سبيهم ولا إرقاقهم ويجوز تقريرهم في دارنا "فإن طلبوا دار الحرب بلغن" أي النساء مأمنهن "دون الصبيان حتى يبلغوا أو يطلبهم مستحق الحضانة" إذ لا حكم لاختيارهم قبل ذلك; ولأنهم بعد البلوغ بصدد أن تعقد لهم الجزية فلا يفوت ذلك علينا فإن بلغوا وبذلوا الجزية فذاك وإلا ألحقوا بدار الحرب وكالنساء الخناثى وكالصبيان المجانين والإفاقة كالبلوغ. "ولو نبذ ذمي" إلينا "العهد وسأل إبلاغه المأمن أجبناه"; لأنه لم تبد منه خيانة "ويكتب الإمام" بعد عقد الذمة "اسم من عقد له ودينه وحليته" قال

стр. 4993

في الأصل فيتعرض لسنه أهو شيخ أم شاب "ويصف أعضاءه الظاهرة" من وجهه ولحيته وجبهته وحاجبيه وعينيه وشفتيه وأنفه وأسنانه وآثار وجهه إن كان فيه آثار "ولونه" من سمرة وشقرة وغيرهما "ويجعل لكل" من طوائفهم "عريفا مسلما يضبطهم ويعرف" الإمام الأولى ليعرف "بمن مات أو أسلم" أو بلغ منهم "أو دخل فيهم، وأما من يحضرهم لأدائها" أي ليؤدي كل منهم الجزية "أو ليشتكي إليه" أي الإمام "ممن تعدى" عليهم منا أو منهم "فيجوز" جعله عريفا لذلك "ولو" كان "كافرا"، وإنما اشترط إسلامه في الغرض الأول; لأن الكافر لا يعتمد خبره.

стр. 4994

"كتاب عقد الهدنة" "وتسمى الموادعة والمعاهدة" والمسالمة والمهادنة لغة المصالحة وشرعا مصالحة أهل الحرب على ترك القتال مدة معينة بعوض أو غيره، وهي مشتقة من الهدون، وهو السكون تقول هدنت الرجل وأهدنته إذا سكنته وهدن هو سكن والأصل فيها قبل الإجماع قوله تعالى ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ١] الآية وقوله ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ [الأنفال: ٦١] الآية ومهادنته ﷺ قريشا عام الحديبية كما رواه الشيخان، وهي جائزة لا واجبة. "وفيه طرفان الأول في شروطها فيشترط" لها أربعة شروط "أن يتولاها الإمام أو نائبه" إن كانت للكفار مطلقا أو لأهل إقليم كالهند والروم; لأنها من الأمور العظام لما فيها من ترك الجهاد على الإطلاق أو في جهة ولما فيها من الأخطار; ولأنه لا بد فيها من رعاية مصلحتنا فاللائق تفويضها للإمام أو نائبه "وللوالي" بإقليم "مهادنة بعض من في ولايته" (١) لتفويض مصلحة الإقليم إليه (٢) وقضية كلامه كأصله أنه لا يهادن جميع أهل الإقليم وبه صرح الفوراني لكن صرح العمراني بأن له ذلك (٣) "فإن عقد" ها "غيره" أي غير من ذكر فدخل قوم ممن هادنهم دارنا لم قدرت لكن "بلغوا المأمن"; لأنهم دخلوا على اعتقاد صحة أمانه "وأن يكون للمسلمين فيها مصلحة" كقلتهم أو قلة مالهم أو توقع إسلامهم باختلاطهم بهم أو الطمع في قبولهم الجزية بلا قتال، وإنفاق مال فإن لم يكن لهم فيها مصلحة لم يهادنوا بل يقاتلوا إلى أن يسلموا أو يبذلوا الجزية إن كانوا من أهلها قال تعالى ﴿فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ [آل عمران: ٣٥].

стр. 4995

"ولو طلبوها لم تلزمنا إجابتهم فيجتهد الإمام" وجوبا "في الأصلح" (١) من الإجابة والترك "وأن يخلوا" عقد الهدنة "عن كل شرط فاسد" كسائر العقود وذلك "كالعقد على أن يترك لهم" العاقد "مسلما" أسيرا "أو ماله (٢) أو يرد" إليهم "من جاءت" إلينا منهم "مسلمة" ولو أمة أو كان لها عشيرة "أو على أن يعطوا جزية أقل من دينار أو" أن "يعطيهم مالا" ولم تدع ضرورة إليه أو على أن يقيموا بالحجاز أو يدخلوا الحرم أو يظهروا الخمور في دارنا قال تعالى ﴿فَلا تَهِنُوا﴾ [آل عمران: ٣٥] الآية وفي ذلك إهانة ينبو عنها الإسلام وروى أبو داود في قصة الحديبية أنه جاءت نسوة مؤمنات مهاجرات فنزل قوله تعالى ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠] إلى قوله ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠] فامتنع ﷺ من ردهن; ولأنه لا يؤمن أن يفتن المسلمة زوجها الكافر أو تزوج كافرا وسواء أجاءت مسلمة أو أسلمت بعد ما جاءت وخرج بالمسلم وماله الكافر وماله فيجوز شرط تركهما وبالمسلمة الكافرة والمسلم فيجوز شرط ردهما - كما سيأتي بيانه. "فلو دعت ضرورة" إلى إعطائهم مالا كأن خفنا منهم الاصطلام لإحاطتهم بنا أو كانوا يعذبون أسرانا "وجب إعطاؤهم" ذلك للضرورة واستشكل بأنه مخالف (٣) لما في السير من ندب فك الأسرى وأجيب بحمل ندب ما هناك على عدم تعذيب الأسرى أو خوف (٤) اصطلامهم وهل العقد في هذه الحالة صحيح قال الأذرعي عبارة كثير تفهم صحته، وهو بعيد والظاهر بطلانه (٥)، وهو قضية كلام الجمهور "ولم يملكوه" أي ما أعطي لهم لأخذهم له بغير حق "ويشترط أن لا يزيد" في عقد

стр. 4996

الهدنة "على أربعة أشهر (١) إن كان بالمسلمين قوة"; لأنه تعالى أمر بقتل المشركين مطلقا وأذن في الهدنة أربعة أشهر بقوله ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة: ٢] قال الشافعي وكان ذلك في أقوى ما كان ﵊ عند منصرفه من تبوك وروي أيضا أنه ﷺ هادن صفوان بن أمية يوم الفتح أربعة أشهر فأسلم قبل مضيها "وعلى عشر سنين إن كان" بالمسلمين "ضعف" (٢) ; لأنه ﷺ هادن قريشا في الحديبية على وضع الحرب عشر سنين رواه أبو داود ولو احتيج إلى زيادة على العشر عقد على عشر ثم عشر قبل أن تنقضي الأولى جزم به الفوراني وغيره. ولا يجوز في عقد واحد (٣) كما شمله قوله "ومتى زاد" العاقد "على الجائز" من أربعة أشهر عند قوتنا أو عشر سنين عند ضعفنا "بطل الزائد" أي العقد فيه "فقط" أي دونه في المزيد عليه تفريقا للصفقة قال الماوردي: هذا بالنسبة إلى أنفسهم أما أموالهم فيجوز العقد لها مؤبدا (٤) واستثنى البلقيني (٥) المهادنة مع النساء فإنها تجوز من غير تقييد بمدة من المدتين السابقتين. "فإن انقضت" أي العشر "والضعف" بنا "مستمر استؤنف عقد" جديد "وتتم المدة إن استقوينا" فيها عملا بما وقع عليه العقد "فلو هادن مطلقا" عن ذكر المدة "بطل العقد" (٦) ولا يحمل على المدة المشروعة; لأن الإطلاق يقتضي التأبيد، وهو لا يجوز لمنافاته مقصوده من المصلحة "أو قال" هادنتكم "ما شاء فلان" مثير "العدل منا ذي رأي صح" العقد فإذا نقضها انتقضت، وليس له أن

стр. 4997

يشاء أكثر من أربعة أشهر عند قوتنا ولا أكثر من عشر سنين عند ضعفنا (١) "لا لرجل منهم"; لأن الكافر لا يحكم علينا ولا لفاسق ولا لمن لا رأي له "فإن قال" هادنتكم "ما شاء الله لم يجز" أي لم يحل ولم يصح للجهالة، وأما قوله ﷺ هادنتكم ما شاء الله; فلأنه يعلم ما عند الله بالوحي دون غيره "ولو دخل" إلينا "بأمان لسماع كلام الله فاستمع في مجالس يحصل فيها البيان" التام "بلغ المأمن ولا يمهل أربعة أشهر" لحصول غرضه.

стр. 4998

"الطرف الثاني في أحكامها فبالعقد" الفاسد لها "نبلغهم المأمن" وننذرهم إن كانوا بدارنا ويجوز قتالهم بعد ذلك، وإن كانوا بدارهم جاز قتالهم بلا إنذار "وبالصحيح يكف عنهم" الأذى منا ومن أهل الذمة "إلى انقضاء المدة أو" إلى أن "ينقضوها" أي الهدنة بأن يصدر منهم ما يقتضي الانتقاض (٢) قال تعالى ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ [التوبة: ٤] وقال ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ [التوبة: ٧] "ولا يلزمنا دفع الحربيين عنهم (٣) ولا" منع "بعضهم من بعض"; لأن مقصود الهدنة الكف لا الحفظ بخلاف الذمة "فإن أخذ الحربيون مالهم" بغير حق "وظفرنا به رددناه" إليهم لزوما، وإن لم يلزمنا استنقاذه كما نرده على المسلمين والذميين. "ولا ينتقض العهد بموت الإمام وعزله" فيلزم الإمام بعده إمضاؤه. "ولا" ينتقض "بتبين فسادها" أي الهدنة "بالاجتهاد بل بالنص أو الإجماع". "وينبغي" للإمام إذا عقد الهدنة "أن يكتب بها" كتابا "ويشهد عليها" فيه ليعمل به من بعده قال الأذرعي: والمتبادر من ذلك الاستحباب (٤) ويشبه أن يجب ليرجع إليه عند التنازع في شروطها "ولا بأس أن يقول" فيها "لكم ذمة الله وذمة رسوله ﵊" "وذمتي". "فإن أخذوا مالا أو سبوا" الله أو القرآن أو "رسول الله" ﷺ أو قاتلوا

стр. 4999

المسلمين "أو آووا عينا" عليهم أو قتلوا مسلما (١) "أو تجسسوا" كأن كاتبوا أهل الحرب "جميعا" في الصور كلها "أو" فعل "بعضهم" شيئا من ذلك "وسكت الباقون عنه انتقض" العهد "ولو لم يعلموه نقضا" ولم يحكم حاكم بنقضه لإتيانهم بما يخل بالعقد (٢) "وبيتوا في بلادهم بلا إنذار"، وإن لم يعلموا أن ما أتوا به ناقضا لآية ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢] ولصيرورتهم حينئذ كما كانوا قبل المهادنة "والنازل بنا" أي بدارنا بأمان أو هدنة "نبلغه المأمن" ولا نغتاله قبل وصوله المأمن "فإن أنكره عليهم الباقون" فيما مر بقول أو فعل بأن اعتزلوهم أو بعثوا إلى الإمام بأنا مقيمون على العهد لم ينتقض عهدهم، وإن كانوا أتباعا (٣) ثم "نظرت فإن تميزوا عنهم بيتناهم" أي منتقضي العهد "وإلا أنذرناهم" أي الباقين "ليتميزوا" عنهم "أو يسلموهم إلينا فإن أبوا" ذلك "مع القدرة" عليه "فناقضون" للعهد "بخلاف عقد الذمة" فنقضه من البعض ليس نقضا من الباقين بحال لقوته "والقول قول منكر النقض" بيمينه; لأن الأصل عدمه "ولو" أي وكل ما "اختلف في كونه ناقضا في الجزية نقض هنا قطعا" لضعف هذا وقوة ذاك وتأكده بالجزية. "فرع لو استشعر الإمام خيانتهم بأمارات" تدل عليها "لا" بمجرد "توهم لم ينتقض" عهدهم "بل ينبذ" إليهم جوازا "العهد" قال تعالى ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ﴾ [الأنفال: ٥٨] بخلاف عقد الذمة لا ينبذ بذلك; لأنه عقد معاوضة (٤) مؤبد; ولأن أهلها في قبضتنا فيسهل التدارك عند ظهور الخيانة; ولأن

стр. 5000

المغلب فيه جانبهم ولهذا تجب الإجابة إليه بخلاف عقد الهدنة وجروا في التعليل الثاني على الغالب من كون أهل الذمة ببلادنا وأهل الهدنة ببلادهم واعتبر ابن الرفعة في جواز النبذ (١) بالخوف حكم الحاكم به; لأنه يحتاج إلى نظر واجتهاد ورده الزركشي (٢) "وينذرهم" بعد نبذ عهدهم "ويبلغهم مأمنهم" (٣) قبل قتالهم إن كانوا بدارنا وفاء بالعهد; ولأن العقد لازم قبل ذلك "وهو" أي مأمنهم "دار الحرب" وتبليغهم إياه يكون "بالكف" للأذى منا ومن أهل الذمة "عنهم بعد استيفاء حق الآدمي منهم" إن كان. "فرع" يجب على الذين هادنهم الإمام الكف عن قبيح القول والعمل في حقنا وبذل الجميل منهما فلو "نقصوا المسلمين من الكرامة" لهم "أو الإمام من التعظيم" له بعد أن كانوا يكرمونهم ويعظمونه "سألهم" عن سبب ذلك "فإن لم يقيموا حجة" أي عذرا "ولم ينتهوا نقض العهد وأنذرهم" قبل نقضه، وإن أقاموا عذرا يقبل مثله قبله. "فصل" لو "صالح" الإمام الكفار أي هادنهم "بشرط رد من جاء" نا "منهم مسلما صح" (٤) فيجب الوفاء به لقوله تعالى ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾ [الاسراء: ٣٤] "ولم يجز" بذلك "رد المرأة (٥) المسلمة" إذ لا يؤمن أن يصيبها زوجها الكافر أو

стр. 5001

تزوج بكافر; ولأنها عاجزة عن الهرب منهم وأقرب إلى الافتتان وقد قال تعالى ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ﴾ [الممتحنة: ١٠] الآية "فإن صرح بشرط ردها لم يصح" لذلك "ويفسد به العقد" لفساد الشرط ومثلها الخنثى فيما يظهر (١) "فإن جاءت" إلينا "مسلمة" أو أسلمت بعد مجيئها "وطالب الزوج بمهرها" لارتفاع نكاحها بإسلامها قبل الدخول أو بعده "لم نعطه" له أي لم يجب علينا إعطاؤه له (٢)، وأما قوله تعالى ﴿وَآتُوهُمْ﴾ أي الأزواج ﴿مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١٠] أي من المهور فهو، وإن كان ظاهرا في وجوب الغرم محتمل لندبه الصادق بعدم الوجوب الموافق للأصل ورجحوه على الوجوب لما قام عندهم في ذلك، وأما غرمه ﷺ لهم المهر; فلأنه كان قد شرط لهم رد من جاءتنا مسلمة ثم نسخ ذلك بقوله فلا ترجعوهن إلى الكفار فغرم حينئذ لامتناع ردها بعد شرطه. "وإن أسلمت" أي وصفت الإسلام "من لم تزل مجنونة فإن أفاقت رددناها له" لعدم صحة إسلامها وزوال ضعفها والتقييد بالإفاقة من زيادته وذكره الأذرعي وغيره للاحتراز عما إذا لم تفق فلا ترد أخذا مما يأتي في المجنون "وكذا إن جاءت عاقلة، وهي كافرة" سواء أطلبها في الصورتين زوجها أم محارمها "لا إن أسلمت" قبل مجيئها أو بعده "ثم جنت" أو جنت ثم أسلمت بعد إفاقتها "وكذا إن شككنا" في أنها أسلمت قبل جنونها أو بعده فإنها "لا ترد" ولا نعطيه مهرها. "ولو جاءت صبية مميزة تصف الإسلام لم نردها"; لأنا، وإن لم نصحح إسلامها نتوقعه فيحتاط لحرمة الكلمة "إلا إن بلغت ووصفت الكفر" فنردها. "ولو هاجر" قبل الهدنة أو بعدها "العبد أو الأمة ولو مستولدة ومكاتبة ثم أسلم" كل منهما "عتق"; لأنه إذا جاء قاهرا لسيده ملك نفسه بالقهر فيعتق; ولأن الهدنة لا توجب أمان بعضهم من بعض فبالاستيلاء على نفسه ملكها "أو أسلم ثم هاجر قبل الهدنة فكذا" يعتق لوقوع قهره حال الإباحة "أو بعدها فلا"

стр. 5002

يعتق; لأن أموالهم محظورة حينئذ فلا يملكها المسلم بالاستيلاء "ولا يرد" إلى سيده; لأنه جاء مسلما مراغما له والظاهر أنه يسترقه ويهينه ولا عشيرة له تحميه "بل يعتقه السيد فإن لم يفعل باعه الإمام" عليه "لمسلم أو اشتراه للمسلمين" عبارة الأصل أو دفع قيمته "من بيت المال وأعتقه عنهم ولهم ولاؤه" واعلم أن هجرته إلينا ليست شرطا في عتقه بل الشرط فيه أن يغلب على نفسه قبل الإسلام إن كانت هدنة ومطلقا إن لم تكن فلو هرب إلى مأمن ثم أسلم ولو بعد الهدنة أو أسلم ثم هرب قبلها عتق، وإن لم يهاجر فلو مات قبل هجرته مات حرا يرث ويورث، وإنما ذكروا هجرته; لأن بها يعلم عتقه غالبا. "وأما المكاتبة فتبقى مكاتبة إن لم تعتق فإن أدت" نجوم الكتابة "عتقت" بها "وولاؤها لسيدها، وإن عجزت ورقت وقد أدت شيئا" من النجوم "بعد الإسلام لا قبله حسب" ما أدته "من قيمتها" الواجبة له "فإن وفى بها أو زاد" عليها "عتقت"; لأنه استوفى حقه "وولاؤها للمسلمين" ولا يرد عليها من بيت المال; لأنها كالمتبرعة عنهم به ولفوزها بالعتق في مقابلته "ولا يسترجع" من سيدها "الفاضل" أي الزائد "وإن نقص" عنها "وفى من بيت المال". "ولا يرد صبي و" (١) لا "مجنون" لضعفهما ولهذا لا يجوز الصلح بشرط ردهما "حتى يبلغ" الصبي "أو يفيق المجنون ويصف" كل منهما "الكفر" أو لم يصف شيئا فيما يظهر (٢) فإن وصف الإسلام لم يرد (٣). "وإن جاء" منهم "حر بالغ" عاقل "مسلم والرد مشروط" علينا "نظرت

стр. 5003

فإن لم تكن له عشيرة تحميه لم يرد وإلا رد إن طلبته عشيرته"، وإن عجز عنهم كما رد النبي ﷺ أبا جندل ﵁ على أبيه سهيل بن عمرو، ورواه البخاري; ولأن الظاهر أنهم يحمونه، وأما كونهم أنفسهم يؤذونه بالتقييد ونحوه فلا عبرة به; لأنهم يفعلونه تأديبا في زعمهم "لا" إن طلبه "غيرهم" فلا يرد "إلا إن كان المطلوب يقهرهم" وينفلت منهم فيرد وعليه حمل رد النبي ﷺ أبا بصير لما جاء في طلبه رجلان فقتل أحدهما في الطريق وأفلت الآخر رواه البخاري أما إذا لم يطلبه أحد فلا يرد وخرج بقوله من زيادته والرد مشروط ما إذا لم يشرط فلا يجب الرد مطلقا "ولا يلزم المطلوب الرجوع" (١) إليهم "بل له قتل طالبه" دفعا عن نفسه ودينه ولذلك لم ينكر النبي ﷺ على أبي بصير امتناعه وقتل طالبه. "ولنا التعريض له به" (٢) أي بقتله لما روى أحمد في مسنده أن عمر قال لأبي جندل: حين رد إلى أبيه أن دم الكافر عند الله كدم الكلب يعرض له بقتل أبيه; ولأن الإمام إنما التزم بالهدنة أن يمتنع عنهم ويمنع الذين يعادونهم، وهم المسلمون يومئذ فأما من أسلم بعد فلم يشرط على نفسه شيئا ولا تناوله شرط الإمام; لأنه لم يكن في قبضته وخرج بالتعريض التصريح فيمتنع نعم من أسلم منهم (٣) بعد الهدنة له أن يصرح بذلك كما يقتضيه كلامهم; لأنه لم يشرط على نفسه أمانا لهم ولا تناوله شرط الإمام قاله الزركشي "ولا يمنع الإقامة" عندنا "بل يؤمر بها ندبا سرا" بأن يقول له الإمام سرا لا ترجع، وإن رجعت فاهرب إن قدرت قال في الأصل: ويقول للطالب لا أمنعك منه إن قدرت عليه ولا أعينك إن لم تقدر "ومعنى الرد له التخلية بينه وبينهم" كما في رد الوديعة لا إجباره على الرجوع إذ لا يجوز إجبار المسلم على الإقامة بدار الحرب "فلو شرط في العقد أن يبعث به الإمام" إليهم (٤)

стр. 5004

"لم يصح" إلا أن يراد بالبعث الرد بالمعنى السابق فظاهر أنه يصح والترجيح من زيادته وعبارة الأصل ولو شرط الإمام في الهدنة أن يبعث إليهم من جاءه مسلما فمن الأصحاب من قال: يجب الوفاء بشرطه ومقتضى هذا أن لا يعتبر الطلب ونقل الروياني عن النص أنه يفسد العقد بهذا الشرط (١) وذكر أنهم لو طلبوا من جاءنا منهم، وهو مقيم على كفره مكناهم منه وأنهم لو كانوا شرطوا أن تقوم برده عليهم وفينا بالشرط انتهى بزيادة. "فصل" لو "عقدت" أي الهدنة "بشرط أن يردوا من جاءهم" منا "مرتدا صح" ولزمهم الوفاء به سواء أكان رجلا أم امرأة حرا أو رقيقا "فإن امتنعوا من رده فناقضون" للعهد لمخالفتهم الشرط "أو" عقدت "على أن لا يردوه جاز (٢) ولو" كان المرتد "امرأة" فلا يلزمهم رده لأنه ﷺ ; شرط ذلك في مهادنة قريش حيث قال لسهيل بن عمرو وقد جاء رسولا منهم من جاءنا منكم مسلما رددناه ومن جاءكم منا فسحقا سحقا ومثله ما لو أطلق العقد كما فهم بالأولى وصرح به الأصل "ويغرمون" فيها "مهرها" أي المرتدة قال البلقيني: وهو عجيب; لأن الردة تقتضي انفساخ النكاح قبل الدخول وتوقفه على انقضاء العدة بعده فإلزامهم المهر مع انفساخ النكاح أو إشرافه على الانفساخ لا وجه له (٣). "وكذا" يغرمون "قيمة رقيق" ارتد دون الحر "فإن عاد" الرقيق المرتد إلينا بعد أخذنا قيمته "رددناها" عليهم بخلاف نظيره في المهر قال في الأصل: لأن

стр. 5005

الرقيق بدفع القيمة يصير ملكا لهم والنساء لا يصرن زوجات قال: ويغرم الإمام لزوج المرتدة ما أنفق من صداقها; لأنا بعقد الهدنة حلنا بينه وبينها ولولاه لقاتلناهم حتى يردوها ويشبه أن يكون الغرم لزوجها مفرعا (١) على الغرم لزوج المسلمة المهاجرة ولم أره مصرحا به، وقد يشعر كلام الغزالي بخلافه انتهى. وقوله يصير ملكا لهم جار على مقتضى كلامه في البيع من صحة بيعه للكافر لكن الصحيح في المجموع خلافه كما مر ثم وجرى عليه المصنف ثم.

стр. 5006

كتاب المسابقة على الخيل والسهام ونحوهما فالمسابقة تعم المفاضلة (١) قال الأزهري: النضال في الرمي والرهان في الخيل والسباق فيهما "وهي لقصد الجهاد سنة" (٢) للرجال للإجماع لقوله تعالى ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] الآية وفسر النبي ﷺ القوة فيها بالرمي كما رواه مسلم (٣) وخبر ابن عمر قال أجرى النبي ﷺ ما ضمر من الخيل من الحفياء إلى ثنية الوداع وما لم يضمر من الثنية إلى مسجد بني زريق قال سفيان من الحفياء إلى ثنية الوداع خمسة أميال أو ستة ومن ثنية الوداع إلى مسجد بني زريق ميل (٤) وخبر أنس كانت العضباء ناقة رسول الله ﷺ لا تسبق فجاء أعرابي على قعود له فسبقها فشق ذلك على المسلمين فقال رسول الله ﷺ إن حقا على الله أن لا يرفع شيئا من هذه الدنيا إلا وضعه (٥) وخبر سلمة بن الأكوع خرج النبي ﷺ على قوم من أسلم يتناضلون فقال "رموا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميا" رواها البخاري (٦) وخبر "لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل"

стр. 5007

رواه الترمذي وحسنه وابن حبان وصححه (١) يروى سبق بسكون الموحدة مصدرا وبفتحها المال الذي يدفع إلى السابق (٢) قال في الروضة: ويكره لمن علم الرمي تركه كراهة شديدة ففي صحيح مسلم عن عقبة بن عامر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال من علم الرمي ثم تركه فليس منا أو قد عصى (٣).

стр. 5008

"وفيه بابان" "الأول في السبق وفيه طرفان" "الأول في شروطه، وهي عشرة الأول أن يكون المعقود عليه عدة للقتال"; لأن المقصود منه التأهب للقتال وبهذا قال الصيمري: لا يجوز السبق والرمي من النساء; لأنهن لسن أهلا للحرب (٤) قال الزركشي وغيره: ومراده أنه لا يجوز إلا بعوض مطلقا (٥) فقد روى أبو داود بإسناد صحيح أن عائشة سابقت النبي ﷺ (٦). "والأصل" في السبق "الخيل والإبل المركوبة" (٧) لخبر الترمذي السابق (٨) ; ولأنها التي يقاتل عليها غالبا وتصلح للكر والفر بصفة الكمال ويفارق ذلك عدم استحقاق راكب الإبل السهم الزائد بأن استحقاقه منوط بزيادة المنفعة، وهي في الخيل من الانعطاف والالتواء وسرعة الإقدام أكثر منها في الإبل وخرج بالمركوبة

стр. 5009

غيرها كالصغيرة وعبارة الروضة قال الدارمي: والذي تجوز المسابقة عليه من الخيل قيل الذي يسهم له، وهو الجذع أو الثني وقيل، وإن كان صغيرا فالتقييد بالمركوبة في الإبل وترجيح اعتباره في الخيل من زيادة المصنف (١). "ويجوز" السبق "على الفيل والبغل والحمار (٢) والرمي بأنواع القسي والسهام" ولو بمسلات وإبر لخبر الترمذي السابق (٣) "وكذا المزاريق"، وهي الرماح القصيرة "والزانات" بالزاي والنون، وهي التي لها رأس دقيق وحديدتها عريضة تكون مع الديلم وهم جيل من الناس كما في الصحاح وذلك; لأنها أسلحة يرمي بها ويبتغي بها الإصابة كالسهام "ورمي الحجر باليد والمقلاع والمنجنيق"; لأنه ينفع في الحرب بخلاف إشالته باليد ويسمى العلاج وبخلاف المرامات بأن يرمي كل واحد الحجر أو السهم إلى الآخر وتسمى المداحاة; لأنهما لا ينفعان في الحرب "والتردد بالسيوف والرماح" للخبر السابق (٤) ; ولأنه ينفع في الحرب ويحتاج إلى معرفة وحذق. "وأما المسابقة على الأقدام والسباحة" في الماء "والزوارق والبقر" ونحوها كالكلاب "والطيور والصراع (٥) والمشابكة" باليد وكل ما ينفع في الحرب كلعب شطرنج وخاتم وكرة صولجان ورمي ببندق (٦) ووقوف على رجل ومعرفة ما في يد من شفع ووتر "فيجوز بلا عوض"; لأنه ﷺ تسابق هو وعائشة على

стр. 5010

الأقدام (١) وقيس به البقية أما بعوض فلا يجوز; لأنها ليست من آلات القتال; ولأن الزوارق سبقها بالملاح لا بمن يقاتل فيها والتجويز بلا عوض في البقر والترجيح في المشابكة من زيادته "لا" على "مناطحة الكباش ومهارشة الديكة" فلا تجوز مطلقا; لأنها سفه وكذا على الغطس في الماء إلا إن جرت عادة بالاستعانة به في الحرب فكالسباحة. الشرط "الثاني معرفة الموقف" الذي يجريان منه "والغاية" التي يجريان إليها لخبر ابن عمر السابق (٢) "وتساويهما فيهما" فلو شرطا تقدم موقف أحدهما أو تقدم غايته لم يجز; لأن القصد معرفة فروسية الفارس وجودة سير الفرس ولا يعرف ذلك مع تفاوت المسافة لاحتمال أن السبق حينئذ لقصر المسافة لا لحذق الفارس ولا لفراهة الفرس "فلو أهملا الغاية وشرط أن المال لمن سبق" منهما "أو عينا الغاية وقالا إن اتفق السبق في وسط الميدان لواحد" منا "كان فائزا بالسبق لم يصح" أما في الأولى; فلأنهما قد يديمان السير حرصا على المال فيتعبان وتهلك الدابة ولتفاوت الأغراض باختلاف الدواب في قوة السير في الابتداء وبعده فتعينت المعرفة لقطع النزاع كما في الثمن والأجرة، وأما في الثانية; فلأنا لو اعتبرنا السبق في خلال الميدان لاعتبرناه بلا غاية معينة; ولأن الفرس قد يسبق ثم يسبق والعبرة بآخر الميدان "ولو قالوا" الأنسب قالا بعد أن عينا غاية السبق "إلى هذه" الغاية "فإن تساويا" فيه "فإلى غاية" أخرى "بعدها متفق عليها" بينهم "جاز" لحصول المعرفة بذلك. الشرط "الثالث" فيما إذا عقد بعوض "المال" فلا يصح بغيره ككلب "وشرطه أن يكون معلوما" (٣) كالثمن هذا مكرر فإنه ذكره في الشرط التاسع "وأن يحصل
следующие страницы →