للأول وجهان وليكونا مبنيين على أنه هل يجوز أن يكون في بلد قاضيان انتهى. قال الزركشي والراجح أنها ليست بعزل (١)، وقد ذكر في الروضة في الوكالة أنه لو وكل شخصا ثم وكل آخر فليس بعزل للأول قطعا مع أن تصرف الوكيل أضعف من تصرف القاضي، وقد سبق في فصل التولية عن ابن الرفعة انعزال الأول أما القاضي فله عزل خليفته (٢) بلا موجب بناء على انعزاله بموته قاله الماوردي والسبكي وخالف فيه البلقيني
"فرع لا ينعزل" القاضي "قبل بلوغ" خبر "عزله (٣) " من عدل (٤) لما في رد أقضيته من عظم الضرر (٥) بخلاف الوكيل كما مر في بابه (٦) نعم لو علم الخصم أنه معزول لم ينفذ حكمه له لعلمه أنه غير حاكم باطنا ذكره الماوردي (٧) قال البلقيني: ولو بلغه (٨) الخبر ولم يبلغ نوابه لا ينعزلون حتى يبلغهم الخبر وتبقى
стр. 5182
ولاية أصلهم مستمرة حكما، وإن لم ينفذ حكمه ويستحق ما رتب له على سد الوظيفة قال ولو بلغ النائب قبل أصله فالقياس أنه لا ينعزل وينفذ حكمه حتى يبلغ الأصل انتهى، وقد يتوقف فيه بما مر عن الماوردي "فإن علقه" أي عزله "بقراءة كتاب" كقوله إذا قرأت كتابي فأنت معزول "العزل" بقراءته "ولو قرئ عليه (١) "; لأن الغرض إعلامه بصورة الحال ولهذا ينعزل بمطالعته وفهم ما فيه
"وله عزل نفسه" كالوكيل فينعزل، وإن لم يعلم بعزله من ولاه إلا أن يكون متعينا فلا ينعزل "وينعزل بانعزاله خليفته (٢) ولو في" الأمر "العام" كما في الخاص كبيع على ميت أو غائب أو سماع شهادة في حادثة معينة سواء أذن له في أن يستخلف عن نفسه أم أطلق; لأن الغرض من استخلافه معاونته، وقد زالت فلا يشكل في حالة الإطلاق بنظيره من الوكالة إذ ليس الغرض ثم معاونة الوكيل بل النظر في حال الموكل فحمل الإطلاق على إرادته "لا قيم يتيم ووقف (٣) " فلا ينعزل بانعزال القاضي لئلا تختل مصالحهما فصار سبيله سبيل المتولي من جهة الولي والواقف (٤) "ولا من استخلفه" القاضي "بقول الإمام" له "استخلف عني بل لا ينعزل إن عزله"; لأنه نائب الإمام والأول سفير في توليته فكان كما لو نصب
стр. 5183
الإمام عنه بنفسه والتصريح ببل إلى آخر من زيادته هذا كله إذا لم يعين له من يستخلفه فإن عينه لم ينعزل بانعزاله مطلقا (١) ; لأنه قطع نظره بالتعيين وجعله سفيرا أشار إليه الماوردي والروياني وفيه نظر فيما إذا استخلفه عن نفسه ويؤيده ما يأتي عن الماوردي قال في الأصل: ولو نصب الإمام نائبا عن القاضي فقال السرخسي: لا ينعزل بموت القاضي وانعزاله; لأنه مأذون له من جهة الإمام وفيه احتمال (٢) انتهى وصرح الماوردي بما يوافق هذا الاحتمال "ولا ينعزل قاض ووال بموت الإمام (٣) " كما لا ينعزل بانعزاله بغير موته لشدة الضرر بتعطيل الحوادث; ولأن ما عقده الإمام إنما هو لغيره وهم المسلمون فلا يبطل بموته كما لا يبطل النكاح بموت الولي نعم لو ولاه الإمام (٤) للحكم بينه وبين خصمائه انعزل بذلك لزوال المعنى المقتضي لذلك قاله البلقيني
"فصل" لو "قال معزول كنت حكمت لفلان" بكذا (٥) "لم يقبل إلا ببينة"; لأنه حينئذ لا يقدر على الإنشاء (٦) نعم لو انعزل بالعمى قبل منه ذلك; لأنه إنما انعزل بالعمى فيما يحتاج إلى الإبصار وقوله حكمت بكذا لا يحتاج إلى ذلك قاله البلقيني (٧) "وترد شهادته" ولو مع آخر بحكمه "له" أي لفلان;
стр. 5184
لأنه يشهد على فعل نفسه ويخالف المرضعة; لأن فعلها (١) غير مقصود بالإثبات; ولأن شهادتها على فعلها لا تتضمن تزكيتها بخلاف القاضي فيهما
"فلو قال أشهد أن قاضيا حكم به" ولم يضف إلى نفسه "قبلت" شهادته "كالمرضعة" إذا شهدت كذلك "فلو علم القاضي أنه حكمه لم يقبل (٢) " نظرا لبقاء التهمة "وإن شهد أنه أقر بمجلس حكمه بكذا" أو أن هذا ملك فلان "قبل"; لأنه لم يشهد على فعل نفسه "فإن كان" القاضي "في غير محل ولايته فكالمعزول" في أنه لا ينفذ حكمه لعدم قدرته على الإنشاء ثم
"وإن قال، وهو في محل ولايته حكمت بطلاق نساء القرية (٣) " عبارة الأصل لو قال على سبيل الحكم نساء القرية طوالق من أزواجهن "قبل" قوله "بلا حجة" لقدرته على الإنشاء حينئذ بخلاف ما لو قاله على سبيل الإخبار (٤) فلا يقبل قوله كذا صرح به البغوي، وهو مقتضى كلام الأصل وينبغي أن يكون محله ما لو أسنده إلى ما قبل ولايته قال الأذرعي (٥) وما قالوه
стр. 5185
من قبول قوله ظاهر في القاضي المجتهد مطلقا أو في مذهب إمامه أما غيرهما ففي قبول قوله وقفة، وقد استخرت الله تعالى وأفتيت فيمن سئل من قضاة العصر عن مستند قضائه أنه يلزمه بيانه (١) ; لأنه قد يظن ما ليس بمستند مستندا كما هو كثير أو غالب قال ويشبه أن يكون محل ما ذكر (٢) في قرية أهلها محصورون أما في بلد كبير كبغداد فلا; لأنا نقطع ببطلان قوله وإلى ما قاله يشير تعبير المصنف كأصله بالقرية
"وإن قال المعزول" للأمين "أعطيتك المال" أيام قضائي لتحفظه "لفلان فقال الأمين بل" أعطيتنيه لأحفظه "لفلان فالقول قول المعزول (٣) " لكن هل يغرم الأمين لمن عينه هو قدر ذلك، فيه وجهان في تعليق القاضي أوجههما المنع (٤) "أو قال" له الأمين "لم تعطني" شيئا "بل هو لفلان فالقول قول الأمين"; لأن الأصل عدم الإعطاء
"فرع، وإن شهدا" أي اثنان "بحكم من حكم بشهادتهما جاز"; لأنهما الآن يشهدان على أن فعل القاضي
"فصل في جواز تتبع القاضي حكم من قبله" من القضاة الصالحين للقضاء "وجهان" أحدهما نعم واختاره الشيخ أبو حامد وثانيهما المنع; لأن الظاهر (٥) منه السداد وبه جزم المحاملي وصححه الفارقي وعزاه الماوردي إلى جمهور البصريين واقتضاه كلام الأصل في الباب الآتي
"فإن تظلم" شخص "عنده بمعزول أو نائبه سأله" عما يريد منه ولا يسارع إلى إحضاره فقد يقصد ابتذاله
стр. 5186
"فإن ادعى" بأن ذكر أنه يدعي "معاملة" أو إتلاف مال أو عينا أخذها بغصب أو نحوه "أحضره" وفصل خصومته منه "كغيره (١) وكذا" لو ادعى عليه "رشوة" بتثليث الراء "أو حكما بعبدين مثلا" أي بشهادة عبدين أو غيرهما ممن لا تقبل شهادته "وإن لم يتعرض للأخذ" أي لأخذ المال المحكوم به "منه فإن أقام على المعزول" بعد الدعوى عليه بينة أو أقر المعزول "حكم عليه وإلا صدق بيمينه" كسائر الأمناء إذا ادعى عليهم خيانة ولعموم خبر "البينة على المدعي واليمين على من أنكر" (٢) وقيل بلا يمين; لأنه أمين الشرع فيصان منصبه عن التحليف والابتذال بالمنازعات، وهذا صححه الرافعي قال الزركشي كغيره، وقد اختلف تصحيح النووي فيه والصواب الثاني فإنه المنصوص كما نقله القاضي شريح الروياني وغيره قال، وهذا فيمن عزل مع بقاء أهليته أما من ظهر فسقه وشاع جوره وخيانته فالظاهر أنه يحلف قطعا (٣)
"ولو قال" المتظلم "بقي على أمين المعزول شيء" بعد المحاسبة "فقال" الأمين "أخذته أجرة" لعملي "وقد اعتاد" أخذها بل أو لم يعتده "ففيه خلاف من عمل" لغيره "ولم يسم أجرة (٤) " هل يستحقها وعبارة الأصل فلو حوسب الأمين فبقي عليه شيء فقال أخذته أجرة عملي فصدقه المعزول لم ينفعه تصديقه بل يسترد منه ما يزيد على أجرة المثل وهل يصدق بيمينه في أجرة المثل فإن الظاهر أنه لم يعمل مجانا أو لا بل يكلف البينة (٥) بجريان ذكر
стр. 5187
الأجرة وجهان قال الإمام والخلاف مبني على أن من عمل لغيره ولم يسم أجرة هل يستحقها قال الأذرعي: وهذا البناء نقله ابن رشد عن بعض الأصحاب بعد قوله أن الوجهين في استحقاقه الأجرة كالوجهين فيما لو ادعى راكب الدابة إعارتها والمالك إجارتها وعلى التشبيه اقتصر الماوردي والروياني وقضيته الأخذ بترجيح الاستحقاق بخلاف البناء المذكور والتشبيه أقرب من البناء (١) وما قاله ظاهر مع أن الأجرة في مسألتنا مفروضة (٢) بخلافها في المنظر بها على أن الإمام لم يبن على تلك الخلاف في هذه، وإنما بنى عليها توجيه الوجه الأول فقال عقبه، وهذا يلتفت إلى أن من عمل لغيره إلخ ثم ذكر الوجه الثاني
"فرع لو ادعى" شخص "على قاض" باق على قضائه معاملة أو غيرها مما يتعلق بالحكم "حكم بينهما خليفته أو قاض آخر" فصلا للخصومة "أو" ادعى عليه "أنه جار عليه" في حكمه (٣) "أو على الشاهد أنه شهد عليه زورا لم يحلف" واحد منهما; لأنهما أمينان شرعا ولو فتح باب تحليفهما لتعطل القضاء (٤) وأداء الشهادة فلا تسمع دعواه عليه "ولم يفد" في ذلك "إلا البينة" فحينئذ تسمع دعواه عليه لخروجه عن إنابة الشرع ومحل عدم سماعها عليه إذا كان موثوقا به كما قاله الزركشي (٥)
стр. 5188
الباب الثاني: في جامع آداب القضاء
وفيه أطراف أربعة الأول: في آداب متفرقة
"منها أن يكتب (١) له الإمام (٢) " إذا ولاه القضاء في بلد كتاب العهد "بالولاية (٣) ويعظه" فيه ويذكر فيه ما يحتاج إلى القيام به، "لأنه ﷺ كتب لعمرو بن حزم لما بعثه إلى اليمن"، رواه أصحاب السنن (٤) "ولأن أبا بكر (٥) كتب لأنس لما بعثه إلى البحرين وختمه بخاتم رسول الله ﷺ "، رواه البخاري (٦)
"ويشهد" وجوبا "عليها" أي الولاية "للبعيد" من محلها عبارة الأصل فإن كان يبعثه إلى بلد آخر فإن كان بعيدا لا ينتشر الخبر إليه فليشهد "شاهدين (٧) يخرجان معه" يخبران بها وعند إشهادهما يقرآن الكتاب أو يقرؤه الإمام عليهما فإن قرأه غير الإمام فالأحوط أن ينظر الشاهدان فيه ولو أشهد ولم يكتب كفى فإن الاعتماد على الشهود "ولو استفاض" الخبر "كفى" عن الإشهاد (٨) ; لأن الاستفاضة آكد منه ولأنه لم ينقل عن رسول الله ﷺ ولا عن الخلفاء الإشهاد فلا يقبل في الولاية قول مدعيها فلو صدقه أهل البلد ففي وجوب طاعته وجهان وقياس ما مر في الوكالة عدم وجوبها لأن الإمام لو أنكر توليته كان القول قوله
стр. 5189
لكن قال الأذرعي (١) لعل وجوبها أشبه وفي الآثار والأخبار ما يعضده "ولا يعتمد الكتاب وحده" أي بلا إشهاد واستفاضة لإمكان تحريفه
"و" منها "أن يسأل قبل الدخول" للبلد الذي لا يعرف من فيه "عن" حال "من في البلد من العدول والعلماء" ليدخل على بصيرة بحال من فيه فيسأل عن ذلك قبل الخروج فإن تعسر ففي الطريق فإن تعسر فحين يدخل
"و" أن "يدخل" يوم "الاثنين" لأنه ﷺ دخل المدينة فيه "فإن تعسر فالخميس أو السبت" كذا عبر به في التنبيه وعبارة الروضة وإلا فالسبت (٢) ويستحب أن يدخل صبيحة اليوم (٣)
"و" أن يدخل "في عمامة سوداء" ففي مسلم أنه ﷺ دخل مكة يوم الفتح بها ولأنها أهيب له
"و" أن "ينزل وسط البلد" ليتساوى أهله في القرب منه قال الزركشي: وكأنه (٤) حيث اتسعت خطته والإنزال حيث تيسر قال وهذا إذا لم يكن فيه موضع يعتاد القضاة النزول فيه
"ثم" إذا دخل "إن شاء قرأ العهد فورا، وإن شاء واعد الناس ليوم" يحضرون فيه ليقرأه عليهم، وإن كان معه شهود شهدوا ثم انصرف إلى منزله وأن يبحث عن الشهود والمزكين سرا وعلانية والأحوط السر لأنه أعون له على اطلاعه على معرفة أحوالهم
"و" أن "يتسلم ديوان الحكم"، وهو ما كان عند القاضي قبله "من
стр. 5190
المحاضر"، وهي التي فيها ذكر ما جرى من غير حكم "والسجلات"، وهي ما يشمل على الحكم "وحجج الأيتام وأموالهم ونحو ذلك" من الحجج المودعة في الديوان كحجج الأوقاف; لأنها كانت في يد الأول بحكم الولاية وقد انتقلت الولاية إليه فيتسلمها ليحفظها على أربابها
"ثم" يبحث "عن المحبوسين" هل يستحقون الحبس أو لا وقدم على ما يأتي; لأن الحبس عذاب وقدم عليه ما مر لأنه أهم ويؤخذ منه ما جزم به البلقيني (١) أنه يقدم على البحث عنهم أيضا كل ما كان أهم منه كالنظر في المحاجير (٢) الجائعين الذين تحت نظره وما أشرف على الهلاك من الحيوان في التركات وغيرها وما أشرف من الأوقاف وأملاك محاجيره على السقوط بحيث يتعين الفور في تداركه
"و" أن "يكتب" في رقاع "أسماءهم وما حبس به" كل منهم "و" من حبس "له" فإن بعث إليهم أمينا ليكتب ذلك كفى وإن بعث أمينين فهو أحوط "فينادي" بأن يأمر قبل أن يجلس للبحث عنهم من ينادي ألا "من له حبيس فليحضر" يوم كذا فإذا جلس لذلك وحضر الناس صبت الرقاع بين يديه فيأخذ رقعة رقعة وينظر في الاسم المثبت فيها "ويحضر المحبوسين واحدا واحدا" بحسب ما أخذه من الرقاع فيسألهم بعد اجتماعهم مع خصومهم عن سبب حبسهم "فمن اعترف" منهم "بحق طولب" به "وإن أوفى" الحق أو ثبت إعساره كما ذكره الأصل (٣) "نودي عليه فلعل له غريما آخر. ثم" إذا لم يحضر له غريم "يطلق" من الحبس بلا يمين; لأن الأصل عدم غريم آخر "ولا يطالب بكفيل ومن لم يوف" الحق "ولم يثبت إعساره رد" إلى الحبس; لأنه يستحقه لو أنشئت المحاكمة عند هذا القاضي فاستمراره أولى "وإن قال حبست بكلب" مثلا "أتلفته أمضاه" أي حكم
المعزول، وإن كان لا يعتقد التغريم بذلك كالمنعزل (٤) ; لأن الاجتهاد لا ينقض بمثله "وإن قال ظلمت" بالحبس وأنكر خصمه "طولب خصمه بالبينة"
стр. 5191
أنه حبسه بحق "وصدق" هو "بيمينه" أنه حبس ظلما إن لم يقم خصمه بينة فيطلق من الحبس; لأن استمراره فيه معصية
"ولو كان" خصمه "غائبا" عن البلد "طولب بكفيل أو يرد" إلى الحبس وتبع في مطالبته بكفيل الروضة على القول بأنه لا يطلق من الحبس (١) والرافعي إنما فرعه على القول بأنه يطلق منه (٢) وترجيح رده إليه من زيادة المصنف وإذا رد إليه أو أطلق بكفيل "كتب لخصمه" ليحضر عاجلا (٣) فيلحن بحجته "فإن لم يحضر أطلق" كالمحبوس ظلما
"ومن قال لا أدري فيم حبست" أو لا خصم لي "نودي عليه" لطلب الخصم ثلاثة أيام كما في البحر وغيره "فإن لم يحضر له خصم حلف" على ما قاله; لأن الحبس بلا خصم خلاف الظاهر "وأطلق"، وإن حضر في هذا وما قبله فإن أقام بينة بالحق أو بأن القاضي حكم عليه بذلك فذاك وإلا أطلق بعد حلفه "وحال المناداة" عليه لطلب خصمه "يراقب ولا يحبس" ولا يطالب بكفيل "ومن حبس تعزيرا أطلقه" من الحبس; لأنه لا يدري أن من كان قبله هل كان يديم حبسه أو لا "أو يرده" إليه "إن رأى ذلك (٤) " بأن بانت عنده خيانته
"ثم" يبحث "عن الأوصياء (٥) " قال الماوردي ويبدأ هنا بمن شاء بلا قرعة
стр. 5192
بخلاف المحبوسين; لأن النظر فيهم لهم وفي هؤلاء عليهم "فينفذ" القاضي أي يقرر ما قضى لهم به "ومن عرف فسقه" منهم "انعزل" فينزع المال منه (١) "أو ضعفه" عن القيام بحفظ المال والتصرف فيه لكثرته أو لغيره "أعانه بآخر أو شك في عدالته قرره (٢) "; لأن الظاهر الأمانة وقيل ينزع المال منه حتى تثبت عدالته والترجيح من زيادته لكن رجح ابن أبي عصرون في الانتصار الثاني وجزم به في المرشد وقال الأذرعي وغيره إنه المختار لفساد الزمان وإن كان الأقرب إلى (٣) كلام الجمهور الأول
"ثم إن فرق" الوصي "الوصية، وهي لمعينين لم يبحث" عنه; لأنهم يطالبونه إن لم يكن أوصلهم قال الأذرعي: وهو ظاهر إن كانوا أهلا (٤) للمطالبة فإن كانوا محجورين فلا لا سيما إذا لم يكن لهم ولي غير القاضي. "أو لجهة عامة (٥)، وهو عدل أمضاه (٦) " أي تصرفه "وإلا" أي وإن لم يكن عدلا "ضمنه" أي ما فرقه "لتعديه (٧) " بتفريقه بلا ولاية صحيحة "وإن فرقها أجنبي لمعينين نفذ" تفريقه; لأن لهم أخذها بلا واسطة فلا يضمنه نعم قال البلقيني في الوصي لو فوض إلى اجتهاده التساوي والتفضيل وكان فاسقا فينبغي أن يضمنه (٨) ; لأنه
стр. 5193
تعدى بالتفريق بغير ولاية صحيحة فيأتي مثله في الأجنبي "أو لعامة" أي لجهة عامة "ضمن ثم يبحث عن أمناء (١) القاضي" المنصوبين على الأطفال وتفرقة الوصايا "فينعزل" وفي نسخة فيعزل "من فسق منهم" ويعين الضعيف بآخر كما يعلم من كلام الأصل "وله أن يعزل" الأمناء، وإن لم يتغير حالهم "ويعوض" عنهم بآخرين بخلاف الأوصياء; لأن الأمناء يولون من جهة القاضي بخلاف الأوصياء وأخروا عن الأوصياء; لأن التهمة فيهم أبعد; لأن ناصبهم القاضي، وهو لا ينصب إلا بعد ثبوت الأهلية عنده بخلاف الأوصياء
"ثم" يبحث "عن الأوقاف (٢) العامة" ومتوليها قال الماوردي والروياني وعن الخاصة; لأنها تؤول لمن لا يتعين من الفقراء والمساكين فينظر هل آلت إليهم وهل له ولاية على من تعين منهم لصغر أو نحوه "و" عن "اللقطة" التي لا يجوز تملكها للملتقط أو يجوز ولم يختر تملكها بعد الحول "و" عن "الضوال فتحفظ" هذه الأموال "في بيت المال مفردة" عن أمثالها "وله خلطها بمثلها" فإذا ظهر المالك غرم له من بيت المال وله بيعها وحفظ ثمنها لمصلحة مالكها وصرح به الأصل بالنسبة للقطة قال الأذرعي: وفي جواز خلطها نظر إذا لم تظهر فيه مصلحة لملاكها ولا دعت إليه حاجة "وقدم من كل نوع" مما ذكر "الأهم" فالأهم
"ويستخلف" فيما إذا عرضت حادثة "حال شغله بهذه" المهمات من ينظر في تلك الحادثة أو فيما هو فيه "ثم بعدما ذكر يرتب أمر الكتاب والمزكون والمترجمين" والمستمعين للحاجة إليهم وقد "كان له ﷺ كتاب منهم زيد بن ثابت" (٣)
стр. 5194
"ويشترط" في هذا الأدب "كون الكاتب مسلما" ذكرا حرا مكلفا "عدلا" في الشهادة لتؤمن خيانته "عارفا بكتب المحاضر" ونحوها لئلا يفسدها حافظا لئلا يغلط فلا يكفي الكافر ولا الأنثى ولا العبد ولا غير المكلف ولا الفاسق ولا غير العارف بما ذكر ولا غير الحافظ "ويستحب كونه فقيها" بما زاد (١) على ما يشترط من أحكام الكتابة "عفيفا عن الطمع (٢) " لئلا يستمال به "جيد الخط والضبط" للحروف لئلا يقع الغلط والاشتباه حاسبا للحاجة إليه في كتب المقاسم والمواريث فصيحا عالما بلغات الخصوم وافر العقل لئلا يخدع وذكر وفور العقل ذكره الأصل.
"و" أن "يجلس" كاتبه "بين يديه ليمليه" ما يريد "وليرى كتابه" أي ما يكتبه ولا يشترط تعدده كما أفهمه كلامه كأصله; لأنه لا يثبت شيئا بخلاف المترجمين ونحوهما ممن يأتي "ويشترط" في الترجمة في إسماع القاضي الأصم كلام الخصم "مترجمان (٣) ومسمعان بلفظ" أي مع لفظ "الشهادة" بأن يقول كل منهم أشهد أنه يقول كذا "و" مع "عدالتهما" في الشهادة وذلك; لأن المترجم والمسمع ينقلان إليه قولا لا يعرفه أو لا يسمعه فأشبها الشاهد ومن هنا يشترط انتفاء التهمة فلا يقبل ذلك من الولد والوالد إن تضمن حقا لهما ويجزئ منهما أي من المترجمين والمسمعين "في المال" أو حقه "رجل وامرأتان (٤) وفي غيره"
стр. 5195
كنكاح وعتق "رجلان ولو في زنا" كالشهادة على الإقرار به
"و" لو كانت الترجمة "عن شاهدين" فيكفي رجلان ولا يشترط أربعة كما في شهادة الفرع على الأصل "ولا يضرهما العمى (١) ; لأنهما يفسران اللفظ" وذلك "لا" يستدعي "معاينة" بخلاف الشهادة مع أن القاضي يرى من يترجم الأعمى كلامه ومثلهما في ذلك المسمعان "فإن كان الخصم أصم كفاه" في نقل كلام خصمه أو القاضي إليه "مسمع واحد"; لأنه إخبار محض لكن يشترط فيه الحرية على الأصح كهلال رمضان ولا يسلك به مسلك الروايات ذكره الأصل وكالأصم في ذلك من لا يعرف لغة خصمه أو القاضي.
"فرع للقاضي"، وإن وجد كفايته (٢) "أخذ كفايته وكفاية عياله" من نفقتهم "وكسوتهم" وغيرهما "مما يليق" بحالهم "من بيت المال (٣) " ليتفرغ للقضاء ولخبر "أيما عامل استعملناه وفرضنا له رزقا فما أصاب بعد رزقه فهو غلول" رواه أبو داود والحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين (٤) ولو حذف قوله وكسوتهم كان أولى (٥) "إلا أن تعين" للقضاء "ووجد كفاية" له ولعياله فلا يجوز له أخذ شيء; لأنه يؤدي فرضا تعين عليه (٦)، وهو واجد للكفاية "ويستحب
стр. 5196
تركه" أي الأخذ "لمكتف" لم يتعين ومحل جواز الأخذ للمكتفي (١) ولغيره إذا لم يوجد متطوع بالقضاء صالح له وإلا فلا يجوز صرح به الماوردي وغيره
"ولا يجوز عقد الإجارة على القضاء" لما مر في بابها "ولا" يجوز "أن يرزق" القاضي "من خاص مال الإمام أو غيره" من الآحاد فلا يجوز له قبوله (٢) وفارق نظيره في المؤذن بأن ذلك لا يورث فيه تهمة ولا ميلا; لأن عمله لا يختلف وفي المفتي بأن القاضي أجدر بالاحتياط منه واستشكل عدم جواز ذلك بأن الرافعي رجح في الكلام على الرشوة جوازه وأسقطه النووي ثم ويجاب بأن ما هناك في المحتاج (٣) وما هنا في غيره
"وأجرة الكاتب (٤) ولو كان القاضي وثمن الورق" الذي يكتب فيه المحاضر
стр. 5197
والسجلات ونحوهما "من بيت المال وإلا" بأن لم يكن في بيت المال شيء أو احتيج إليه لما هو أهم "فعلى" من له العمل من "المدعي" والمدعى عليه ذلك "إن شاء" كتابة ما جرى في خصومته وإلا فلا يجبر على ذلك لكن يعلمه القاضي أنه إذا لم يكتب ما جرى فقد ينسى شهادة الشهود وحكم نفسه "وللإمام أن يأخذ من بيت المال لنفسه ما يليق به من خيل وغلمان ودار واسعة ولا يلزمه الاقتصار" على ما اقتصر عليه ﷺ والخلفاء الراشدون "كالصحابة ﵃ لبعد العهد بزمن النبوة التي كانت سببا للنصر بالرعب" في القلوب فلو اقتصر اليوم على ذلك لم يطع وتعطلت الأمور "ويرزق" الإمام أيضا "منه" أي من بيت المال "كل من كان عمله (١) مصلحة عامة للمسلمين كالأمير والمفتي والمحتسب والمؤذن والإمام" للصلاة "ومعلم القرآن" وغيره من العلوم الشرعية "والقاسم والمقوم والمترجم وكتاب الصكوك" وقوله "ونحو ذلك" أي كالمسمعين والمزكين لا حاجة إليه قال الأذرعي: ولا خفاء (٢) أن محل ذلك إذا لم يجد متبرعا بذلك يحصل به الكفاية "وإن لم يكن في بيت المال شيء لم يعين" أي لم يندب له أن يعين "قاسما ولا كاتبا" ولا مقوما ولا مترجما ولا مسمعا ولا مزكيا كما أفاده كلام الأصل وذلك لئلا يغالوا بالأجرة
"و" من الآداب أن "يتخذ القاضي" للقضاء "مجلسا فسيحا" أي واسعا لئلا يتأذى بضيقه الحاضرون "نزها عما يؤذي" من حر وبرد وريح ونحوها فيجلس في الصيف حيث يليق وفي الشتاء وزمن الرياح كذلك قال في الأصل بارزا أي ظاهرا ليعرفه من يراه ويصل إليه كل أحد هذا إن اتحد الجنس فإن تعدد وحصل زحام اتخذ مجالس بعدد الأجناس فلو اجتمع رجال وخناثى ونساء اتخذ ثلاثة مجالس قاله ابن القاص "و" أن "يجلس على مرتفع" كدكة ليسهل عليه النظر إلى الناس وعليهم المطالبة "و" أن "يتميز" عن غيره "بفراش ووسادة" وإن كان مشهورا بالزهد والتواضع ليعرفه الناس وليكون أهيب للخصوم وأرفق به فلا يمل
стр. 5198
"و" أن "يستقبل" القبلة (١) ; لأنها أشرف المجالس كما رواه الحاكم وصححه "و" أن "لا يتكئ" بغير عذر "ويكره الحكم في المساجد (٢) " أي اتخاذها مجالس له صونا لها عن ارتفاع الأصوات (٣) واللغط الواقعين بمجلس الحكم عادة وقد يحتاج لإحضار المجانين والصغار والحيض والكفار وإقامة الحدود فيها أشد كراهة "لا" الحكم "فيما اتفق حال دخوله" لها أي وقت حضوره فيها الصلاة أو غيرها فلا يكره للاتباع رواه البخاري. ولا فيما إذا احتاج إليها لعذر من مطر أو غيره فلا يكره الجلوس فيها للحكم
"فإن جلس" له "فيه" أي في المسجد مع الكراهة أو دونها "منع الخصوم من الخوض فيه" بالمخاصمة والمشاتمة ونحوهما "ووقف غير الخصمين" السابقين لمجلس الحكم "خارجه" عبارة الأصل لم يمكن الخصوم من الاجتماع فيه والمشاتمة ونحوها بل يقعدون خارجه وينصب من يدخل عليه خصمين خصمين "ولا يقضي" أي يكره أن يقضي "في حال تغير الخلق (٤) بنحو غضب (٥) وجوع وامتلاء" أي شبع "مفرطين ومرض مؤلم وخوف مزعج وحزن وفرح شديدين ومدافعة خبث" وغلبة نعاس لخبر الصحيحين "لا يحكم أحد بين اثنين، وهو غضبان" (٦) ورواه
стр. 5199
ابن ماجه بلفظ "لا يقضي القاضي (١) " وفي صحيح أبي عوانة "لا يقضي القاضي، وهو غضبان مهموم ولا مصاب محزون ولا يقضي وهو جائع" قال في المطلب ولو فرق (٢) بين ما للاجتهاد فيه مجال وغيره لم يبعد نقله عنه وعن ابن عبد السلام (٣) الزركشي واعتمده واستثنى الإمام والبغوي وغيرهما الغضب لله تعالى واستغربه في البحر قال البلقيني والمعتمد الاستثناء; لأن الغضب لله يؤمن معه التعدي بخلاف الغضب لحظ النفس.
وقال الأذرعي: الراجح من حيث المعنى والموافق لإطلاق الأحاديث وكلام الشافعي والجمهور أنه لا فرق; لأن المحذور تشويش الفكر، وهو لا يختلف بذلك (٤) نعم تنتفي الكراهة إذا دعت الحاجة إلى الحكم في الحال وقد يتعين الحكم على الفور في صور كثيرة "فإن قضى" مع تغير خلقه "نفذ" قضاؤه لقضية الزبير المشهورة (٥) "ويكره" له إذا جلس للحكم "حاجب" أي نصبه "حيث لا زحمة" لخبر "من ولي من أمور الناس شيئا فاحتجب عنهم حجبه الله عنه يوم القيامة" رواه أبو داود والحاكم (٦) وصحح إسناده ورواه الطبراني بلفظ "أيما أمير احتجب عن الناس فأهمهم احتجب الله عنه يوم القيامة (٧) " فإن لم يجلس للحكم بأن كان في وقت خلواته أو كان ثم زحمة لم يكره نصبه (٨) والبواب، وهو من
стр. 5200
يقعد بالباب للإحراز كالحاجب فيما ذكر، وهو من يدخل على القاضي للاستئذان قال الماوردي أما من وظيفته ترتيب الخصوم والإعلام بمنازل الناس أي، وهو المسمى الآن بالنقيب فلا بأس باتخاذه وصرح القاضي أبو الطيب والبندنيجي وابن الصباغ باستحبابه (١)
"فصل ويشهد القاضي (٢) " وجوبا شاهدين "بإقرار" من المدعى عليه "لمن سأل" هـ ذلك "أو بحلف" من المدعي "بعد نكول" من المدعى عليه; لأنه قد ينكر بعد فلا يتمكن القاضي من الحكم عليه بما سبق لنسيان أو عزل أو غيرهما "أو بحلف مدعى عليه"، وهو السائل في هذه فيجيبه القاضي ليكون الإشهاد حجة له فلا يطالبه خصمه مرة أخرى ولو أقام بينة بما ادعاه وسأل القاضي الإشهاد عليه لزمه أيضا (٣) صرح به الأصل
"وإن سأله أحدهما كتب محضر بما جرى" ليحتج به إذا احتاج إليه "وثم" أي وعند القاضي "قرطاس من بيت المال أو أتى به السائل استحب أن يكتب له" ذلك (٤) "ولا يجب; لأن الحق يثبت بالشهود لا الكتاب" "ولأن النبي ﷺ
стр. 5201
ومن بعده من الأئمة كانوا يحكمون ولا يكتبون المحاضر والسجلات وقضية كلامه أنه إذا لم يكن عنده (١) قرطاس ولا أتى به السائل لم يستحب ذلك والظاهر استحبابه وعبارة الأصل لا تنافيه فإنه إنما نفى الوجوب فقط
"ويلزمه أن يحكم بما ثبت" عنده (٢) "إن سأل" فيه "فيقول حكمت له بكذا أو نفذت الحكم" به "أو ألزمت خصمه الحق" أو نحوها "ولا يجوز" له الحكم بذلك "قبل أن يسأل" نعم لو كان الحكم لمن لا يعبر عن نفسه لصغر أو جنون، وهو وليه فيظهر الجزم (٣) بأنه لا يتوقف على سؤال أحد قاله الأذرعي "ويستحب" إذا أراد الحكم "أن يعلم الخصم بأن الحكم توجه عليه" ليكون أطيب لقلبه وأبعد عن التهمة "وهل يحكم على ميت بإقراره حيا" عملا بالأصل الخالي عن المعارض وللإجماع على صحة الدعوى على الميت أو لا; لأن الميت ليس أهلا للالتزام "وجهان" صحح منهما الأذرعي والزركشي الأول (٤) "ولو قال ثبت عندي (٥) كذا" بالبينة العادلة "أو صح لم يكن حكما"; لأنه قد يراد به قبول
стр. 5202
الشهادة واقتضاء البينة صحة الدعوى فصار كقوله سمعت البينة وقبلتها; ولأن الحكم هو الإلزام والثبوت ليس بإلزام وكذا لو كتب على ظهر الكتاب الحكمي صح ورود هذا الكتاب علي فقبلته قبول مثله والتزمت العمل بموجبه لاحتمال أن المراد تصحيح الكتاب وإثبات الحجة ذكره الأصل في باب القضاء على الغائب ووقع في نسخ غير معتمدة ألزمت بدل التزمت وليس بصحيح
"ويشترط تعيين ما يحكم به ومن يحكم له لكن يجوز لمن ابتلي بظالم" يريد ما لا يجوز ويحتاج إلى ملاينته "أن يلاينه كما إذا عارض الظالم الداخل بينة خارج ببينة (١) فاسقة" وطلب الحكم بناء على ترجيح بينة الداخل "فله إن خافه أن يكتب" شيئا "موهما يدفعه به فيقول حكمت بمقتضى الشرع في معارضة بينة فلان الداخل وفلان الخارج وقررت المحكوم به في يد المحكوم له وسلطته عليه" ومكنته من التصرف فيه وقوله ولا يجوز إلخ ذكره الأصل في باب القضاء على الغائب إلا قوله ويستحب أن يعلم الخصم بأن الحكم توجه عليه فذكره هنا في الطرف الثالث.
"ثم إن القاضي إن سأل" الإشهاد بحكمه أو كتب سجل به "يلزمه الإشهاد بالحكم (٢) لا الكتب" به فلا يلزمه ولو في الديون المؤجلة والوقوف وأموال المصالح "كما سبق" في نظيره في كتب المحضر ويأتي في استحبابه التفصيل السابق ثم كما أفاده كلام الأصل "ويكتب" الكاتب "في المحضر حضور الخصمين عند القاضي ويصف الجميع" أي الثلاثة "بما يميزهم وكذا" يكتب "في السجل" ذلك "و" يكتب فيهما "دعوى المدعي وإقرار خصمه أو إنكاره وإحضاره الشهود ويسميهم" وقوله "ويكتب حليتهم" أي إذا احتاج إليها من زيادته وكأنه قاسه على كتب حلية الخصمين فكان حقه أن يفصل بين معرفته الشهود وعدمها كما يأتي في الخصمين "والنظر إلى المرأة في هذا" أي في كتب الحلية إذا كانت أحد الشهود أو الخصوم "كتحمل الشهادة" فيجوز إذا احتيج إلى إثبات حليتها "فإن كان" القاضي "يعرف الخصمين فكتب حليتهما" طولا وقصرا وسمرة وشقرة ونحوها
стр. 5203
"مستحب وإلا فلا بد منه ويكتب" مع ما ذكر "سماع الشهادة بسؤاله" أي المدعي "في مجلس حكم القاضي وثبوت عدالتهم" عنده "ويؤرخ" ما يكتبه "ويكتب" القاضي "على رأس المحضر علامته" من الحمدلة وغيرها.
"ويجوز إبهام الشاهدين فيكتب" وأحضر "عدلين" شهدا بما ادعاه "وإن اكتفى عن المحضر بكتبه على شاهدي الصك شهدا عندي بكذا وعلامته جاز" عبارة الأصل ولو كان مع المدعي كتاب فيه خط الشاهدين وكتب تحت خطهما شهدا عندي بذلك وأثبت علامته في رأس الكتاب واكتفى به عن المحضر جاز، وإن كتب المحضر وضمنه ذلك الكتاب جاز وعلى هذا قياس محضر يذكر فيه تحليف المدعى عليه أو المدعي بعد نكول المدعى عليه. ا هـ.
"وفي السجل يحكي" الكاتب "صورة الحال وأنه حكم بذلك" لفلان على فلان "وأنفذه بسؤال المحكوم له" وقد بين الأصل صورتي المحضر والسجل "ويجعل من المحاضر والسجلان نسختين لتبقى عنده" في ديوان الحكم "واحدة" للأمن من التزوير "مختومة معنونة باسم أصحابها" ويجعل الأخرى عند ذي الحق غير مختومة ليلقي بها الشهود والحاكم في بعض الأزمنة ويذكرهم لئلا ينسوا
"وتوضع" التي عند القاضي "في القمطر (١) "، وهو السفط (٢) الذي يجمع فيه المحاضر والسجلات ويكون "بين يديه" إلى آخر المجلس "ويختم عند قيامه. وهو ينظر ويحمل معه" إلى موضعه "ويجمع أسبوعا" بأن يدعو به في اليوم الثاني وينظر في الختم ويفك، وهو ينظر ويضع فيه كتب اليوم الثاني كما ذكر وهكذا يفعل حتى يمضي الأسبوع "ثم إن كثرت جعلها إضبارة" بهمزة مكسورة وضاد معجمة وباء موحدة وراء مهملة هي الربطة من الورق ويعبر عنها بالرزمة وبالحزمة تقول ضبرت الكتب أضبرها ضبرا إذا ضممت بعضها إلى بعض وجعلتها ربطة واحدة ويسمى أيضا كل شيء مجتمع ضبارة بكسر الضاد وجمعه ضبائر "ويكتب عليها خصومة أسبوع كذا ويؤرخ" بأن يكتب من شهر كذا من سنة كذا "وإلا" أي، وإن لم تكثر "جمعها في السنة" بأن يتركها حتى يمضي شهر ثم يعزلها فإذا مضت سنة يجمعها "ويكتب" عليها "خصومات سنة كذا" ليسهل الوقوف
стр. 5204
عليها عند الحاجة "ويحتاط في حفظها" بأن يجعلها بموضع لا يصله غيره "ويتولى الأخذ منها بنفسه" إذا احتاج إلى شيء منها وينظر أولا إلى ختمه وعلامته "و" يتولى "ردها مكانها"
ومن الآداب أن "يجمع" القاضي بمجلس الحكم "العلماء" الموافقين له والمخالفين "الأمناء للمشكلة" من المسائل ثم يخرج إليهم "ويشاورهم" في الحكم فيها عند تعارض الآراء (١) والمذاهب ليأخذ بالأرجح عنده من مجموع أدلتهم لقوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] ولخبر البيهقي وغيره "المستشير معان والمستشار مؤتمن (٢) " ; ولأنه أبعد من التهمة وأطيب للخصوم بخلاف الحكم المعلوم بنص أو إجماع أو قياس جلي ولا يشاور غير عالم ولا عالما غير أمين فإنه ربما يضله وإذا حضروا فإنما يذكرون ما عندهم إذا سألهم "ولا يبتدرون بالاعتراض عليه إلا فيما يجب نقضه" كما سيأتي
"و" أن "يؤدب من أساء" الأدب "بمجلسه" من الخصوم "بتكذيب شاهد وإظهار تعنت لخصم" كأن ادعى عليه وقال لي بينة وسأحضرها ثم فعل ذلك ثانيا وثالثا إيذاء وتعنتا "فيزجره" وينهاه "ثم" إن عاد "يهدده ثم" إن لم ينزجر "يعزره" بما يقتضيه اجتهاده من توبيخ وإغلاظ قول وضرب وحبس ونفي لينكف "فإن اجترأ على القاضي" كأن قال له أنت تجور أو تميل أو ظالم "فله تعزير" له "وعفو" عنه "وهو أولى إن لم يستضعف" أي لم يحمل على ضعفه وإلا فالتعزير أولى لئلا يتسلط عليه بأكثر من ذلك "ويكره له البيع والشراء" وسائر المعاملات
стр. 5205
"بنفسه (١) " في مجلس الحكم وغيره لئلا يشتغل قلبه عما هو بصدده ولأنه قد يحابي فيميل قلبه إلى من يحابيه إذا وقع بينه وبين غيره حكومة وربما خاف خصم معامله ميله إليه فلا يرفعه له واستثنى الزركشي معاملته (٢) مع إبعاضه لانتفاء المعنى إذ لا ينفذ حكمه لهم وما قاله لا يأتي مع التعليل الأول "لا توكيل له غير معروف" فلا يكره ذلك لانتفاء ما ذكر بخلاف وكيله المعروف وإذا عرف بأنه وكيله أبدله "فإن لم يجد" من يوكله "عقد" بنفسه "للضرورة فإن وقعت لمن عامله خصومة أناب" ندبا (٣) "غيره" في فصلها خوف الميل إليه "ويوكل في نحو" أمر "ضياعه" من نفقة عياله ونحوها كما يوكل في غير ذلك ليتفرغ قلبه
"فصل تحرم عليه الرشوة (٤) " أي قبولها، وهي ما يبذل له ليحكم بغير الحق أو ليمتنع من الحكم بالحق وذلك لخبر "لعن الله الراشي والمرتشي في الحكم" رواه ابن حبان وغيره (٥) وصححوه ولأن الحكم الذي يأخذ عليه المال إن كان بغير حق فأخذ المال في مقابلته حرام أو بحق فلا يجوز توقيفه على المال إن كان له رزق في بيت المال "ولمن لا رزق له" فيه ولا في غيره، وهو غير متعين للقضاء وكان عمله مما يقابل بالأجرة "أن يقول" للخصمين "لا أحكم بينكما إلا بأجرة" أو برزق بخلاف المتعين لا يجوز له ذلك ويفارق ما مر من جواز أخذه من بيت
стр. 5206
المال بأن بيت المال أوسع وفيه حق لكل مسلم ولا تهمة في أخذ الرزق منه بخلاف الأخذ من الخصوم وجزم بما قاله جماعات منهم الشيخ أبو حامد وابن الصباغ والجرجاني والروياني لكن قال الزركشي تبعا للسبكي ينبغي تحريم ذلك وبه صرح شريح الروياني في روضته وجعل ذلك وجها ضعيفا انتهى.
والأول أقرب (١) والثاني أحوط "ويأثم من أرشى" القاضي للخبر السابق "لا" من أرشاه "للوصول إلى حقه" حيث لا يصل إليه بدونها فلا يأثم، وإن حرم القبول كفداء الأسير "والمتوسط" بين المرتشي والراشي "كموكله" منهما فيما ذكر "ويحرم" عليه ولو في غير محل ولايته "هدية من له خصومة (٢) في الحال" عنده ولو عهدت منه قبل القضاء لخبر "هدايا العمال غلول" رواه البيهقي
стр. 5207
بإسناد حسن (١) وروي "هدايا العمال سحت" وروي "هدايا السلطان سحت" ولأنها تدعو إلى الميل إليه وينكسر بها قلب خصمه وما وقع في الروضة من أنها لا تحرم في غير محل ولايته سببه خلل وقع في نسخ الرافعي السقيمة
"وكذا" هدية "من لا خصومة له" عنده تحرم عليه في محل ولايته "إن لم يعهد منه" قبل القضاء لذلك; ولأن سببها العمل ظاهرا وفي الكفاية عن النهاية والبسيط أنها تكره له وعلى الأول "فلا يملكها" لو قبلها; لأنه قبول محرم "ويردها" على مالكها فإن تعذر وضعها في بيت المال واستثنى الأذرعي هدية إبعاضه (٢) إذ لا ينفذ حكمه لهم وقضية كلامهم أنه لو أرسلها إليه في محل ولايته ولم يدخل بها حرمت (٣) وذكر فيها الماوردي وجهين "وتحل" له ممن لا خصومة له "في غير" محل "ولايته" إذ ليس سببها العمل ظاهرا "ولا تحرم" عليه "ممن يعتاد" ها منه قبل القضاء "إن لم ترد على المعتاد (٤) " لذلك "و" لكن "الأولى" له "أن يرد" ها "أو يثيب" عليها "أو يضعها في بيت المال" إن قبلها; لأن ذلك أبعد
стр. 5208
عن التهمة "ولأنه ﷺ كان يقبلها ويثيب عليها" (١) أما إذا زادت على المعتاد فكما لو لم تعهد منه كذا في الأصل وقضيته تحريم الجميع لكن قال الروياني: نقلا عن المذهب (٢) إن كانت الزيادة من جنس الهدية جاز قبولها لدخولها في المألوف وإلا فلا وفي الذخائر ينبغي أن يقال إن لم تتميز الزيادة حرم قبول الجميع (٣) وإلا فالزائد فقط; لأنها حدثت بالولاية وصوبه الزركشي وجعله الإسنوي (٤) القياس فإن زاد في المعنى كأن أهدى من عادته قطنا حريرا فقد قالوا يحرم أيضا (٥) لكن هل يبطل في الجميع أم يصح منها بقدر قيمة المعتاد فيه نظر والأوجه الأول قاله الإسنوي والضيافة والهبة كالهدية، وظاهر أن الصدقة كذلك لكن قال السبكي: في الحلبيات (٦) للقاضي قبولها (٧) ممن ليست له عادة
"وليس له حضور وليمة أحد الخصمين (٨) حال الخصومة ولا" حضور "وليمتهما" ولو في غير محل الولاية لخوف الميل "ويجيب غيرهما استحبابا إن عم" المولم "النداء" لها "ولم تقطعه كثرة الولائم عن الحكم" بخلاف ما إذا قطعته عنه
стр. 5209
فيتركها في حق الجميع
"وله تخصيص إجابة من اعتاد" تخصيصه بها قبل الولاية "ويكره" له "حضور وليمة اتخذت له (١) " خاصة "أو للأغنياء ودعي فيهم" بخلاف ما لو اتخذت للجيران أو للعلماء، وهو منهم قال الأذرعي وما ذكر من كراهة حضوره لها فيما إذا اتخذت له أخذه الرافعي من التهذيب والذي اقتضاه كلام الجمهور أن ذلك كالهدية، وهو ما أورده الفوراني والإمام الغزالي "ولا يضيف" القاضي "أحد الخصمين فقط" أي دون الآخر لخبر "لا يضيف أحدكم أحد الخصمين إلا أن يكون خصمه معه" (٢) رواه البيهقي وضعفه (٣) لكن ذكر له متابعا ولا يلتحق بالقاضي فيما ذكر المفتي والواعظ ومعلم القرآن والعلم إذ ليس لهم أهلية الإلزام
"وله أن يشفع له و" أن "يزن عنه" ما عليه; لأنه ينفعهما "و" أن "يعود المرضى ويشهد الجنائز ويزور القادمين ولو" كانوا "متخاصمين"; لأن ذلك قربة قال في الأصل فإن لم يمكنه التعميم أتى بممكن كل نوع وخص من عرفه وقرب منه وفرقوا بينها وبين الولائم إذا كثرت بأن أظهر الأغراض فيها (٤) الثواب لا الإكرام وفي الولائم بالعكس قال الرافعي والنفس لا تكن إليه ولعدم إيضاحه قال القاضي أبو حامد يسوى أو يترك كإجابة الوليمة
стр. 5210
"فرع شهادة الزور من أكبر الكبائر"; "لأنه ﷺ جعلها منه"، رواه الشيخان (١) "وإنما تثبت" شهادة الزور "بإقراره" أي الشاهد "أو بتيقن" للقاضي منه "بأن شهد على رجل" أنه "زنى في بلد" يوم كذا وقد "رآه القاضي ذلك اليوم في غيره فيعزره بما يراه" من توبيخ وضرب وحبس ونحوها "ويشهره" بأن يأمر بالنداء عليه (٢) في سوقه أو قبيلته أو مسجده تحذيرا عنه وتأكيدا للزجر ولا يكفي إقامة البينة بأنه شهد زورا (٣) لاحتمال زورها وإنما يتصور إقامتها بالإقرار به
"فصل لا ينفذ قضاؤه لنفسه وفروعه وأصوله ومملوك" لهم (٤) "ومكاتب لهم ولا" لشركائهم "فيما لهم فيه شركة" لوجود التهمة (٥) ولو قال ومملوك لهم ولو مكاتبا كان أولى قال في المطلب ويظهر أن يكون المنع (٦) في قضائه للشريك في صورة يشارك فيها أحد الشريكين الآخر فيما يحصل له كما سيأتي في الشهادات وما
стр. 5211
قاله هو مرادهم "وينفذ" قضاؤه "عليهم" كما تنفذ شهادته عليهم وهذا من زيادته فيما عدا الفروع والأصول وقضية كلامه نفوذ قضائه على نفسه وقد قال الماوردي لو حكم على نفسه أخذنا به وهل هو إقرار أو حكم فيه وجهان (١) انتهى والأوجه أنه حكم "لا على بعض لبعض" لما فيه من قضائه لبعضه فأشبه بعضه مع الأجنبي "ويقضي له ولهؤلاء" إذا وقعت له أو لهم خصومة "نائبه"; لأنه حاكم "أو الإمام أو قاض آخر" لانتفاء التهمة
"ولا" يقضي "على عدو (٢) " له كالشهادة عليه "وفي" جواز "حكمه بشهادة ابن" له "لم يعدله شاهدان وجهان" أحدهما نعم (٣) ; لأن المقصود الخصم لا الشاهد والثاني لا قال ابن الرفعة، وهو الأرجح في البحر وغيره; لأنه يتضمن تعديله فإن عدله شاهدان حكم بشهادته وكابنه في ذلك سائر أبعاضه "وله استخلافه" أي بعضه; لأنه كنفسه وهل يجوز له تنفيذ حكمه (٤) وجهان حكاهما شريح الروياني عن جده قال وقيل يجوز قولا واحدا; لأنه لا تهمة فيه "و" له أن "يحكم ليتيم وصى به إليه (٥) "; لأن القاضي يلي أمر الأيتام كلهم، وإن لم يكن وصيا فلا تهمة وقيل ليس له ذلك كما لا يشهد له قال الزركشي
стр. 5212
وهو مقتضى نص الشافعي في المختصر وصرح الجمهور بترجيحه (١)
"فصل فيما ينقض من قضائه" أي القاضي "ولنقدم" عليه "قواعد" فنقول "المعتمد" فيما يقضي به القاضي ويفتي به المفتي "الكتاب والسنة والإجماع والقياس" وقد يقتصر على الكتاب والسنة ويقال الإجماع يصدر عن أحدهما والقياس يرد إلى أحدهما
"وليس قول الصحابي إن لم ينتشر" في الصحابة "حجة"; لأنه غير معصوم عن الخطأ فأشبه التابعي ولأن غيره يساويه في أدلة الاجتهاد فلا يكون قوله حجة على غيره "لكن يرجح به أحد القياسين" على الآخر وإذا تقرر أنه ليس بحجة "فاختلاف الصحابة" في شيء "كاختلاف" سائر "المجتهدين" فلا يكون قول واحد منهم حجة نعم إن لم يكن للقياس فيه مجال فهو حجة كما نص عليه الشافعي (٢) في اختلاف الحديث فقال: روي عن علي أنه صلى في ليلة ست ركعات في كل ركعة ست سجدات وقال لو ثبت ذلك عن علي لقلت به فإنه لا مجال للقياس فيه فالظاهر أنه فعله توقيفا انتهى. وذكر في المحصول أيضا أنه حجة ذكر ذلك الإسنوي
стр. 5213
"فإن انتشر قول صحابي (١) في الصحابة ووافقوه فإجماع حتى في حقه فلا يجوز له" كغيره "مخالفة الإجماع" وإن خالفوه فليس بإجماع ولا حجة "فإن سكتوا" بأن لم يصرحوا بموافقته ولا بمخالفته أو لم ينقل سكوت ولا قول "فحجة" سواء أكان القول مجرد فتوى أم حكما من إمام أو قاض; لأنهم لو خالفوه لاعترضوا عليه هذا "إن انقرضوا" وإلا فلا يكون حجة لاحتمال أن يخالفوه لأمر يبدو لهم
"والقياس جلي"، وهو ما قطع فيه بنفي تأثير الفارق بين الأصل والفرع أو بعد تأثيره "وغيره"، وهو ما لا يقطع فيه بذلك وسيأتي في كلامه الإشارة إلى ذلك "فالجلي كإلحاق الضرب بالتأفيف" في قوله تعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الاسراء: ٢٣] وما فوق الذرة بها في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] ومنه ما ورد النص فيه على العلة كخبر "إنما نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي من أجل الدافة (٢) عليكم" (٣) "وهو كالمنصوص" في أنه لا يحتمل إلا معنى واحدا "وغيره الجلي ما يحتمل الموافقة والمخالفة" للأصل فمنه ما العلة فيه مستنبطة كقياس الأرز على البر بعلة الطعم ومنه قياس الشبه، وهو أن تشبه الحادثة أصلين أما في الأوصاف بأن تشارك كل واحد من الأصلين في بعض المعاني والأوصاف الموجودة فيه، وأما في الأحكام كالعبد يشارك الحر في بعض الأحكام والمال في بعضها فيلحق بما المشاركة فيه أكثر
"والحق" الذي أمر المجتهد بإصابته "مع أحد المجتهدين في الفروع". قال صاحب الأنوار أو في الأصول "والآخر مخطئ مأجور لقصده" الصواب ولخبر الصحيحين "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر (٤) " "فقط" أي لا لاجتهاده أيضا; لأنه أفضى به إلى الخطأ وكأنه لم يسلك الطريق المأمور به "فإن بان للقاضي الخطأ في حكمه أو حكم غيره نظرت فإن خالف" فيه
стр. 5214
"قطعيا (١) كنص كتاب وسنة متواترة وإجماع (٢) أو ظنيا محكما" أي واضح الدلالة "كخبر الواحد أو القياس الجلي (٣) نقض (٤) " وجوبا "حكمه" أي حكم المخطئ بالإجماع في مخالفة الإجماع (٥) وبالقياس عليه في البقية "وعليه إعلام الخصمين بانتقاضه" في نفس الأمر وحاصل كلام أصله أنه يلزمه نقض حكمه وإعلام الخصمين بصورة الحال ليترافعا إليه فينقضه سواء أعلما أنه بان له الخطأ أم لا; لأنهما قد يتوهمان أنه لا ينقض الحكم، وإن بان له الخطأ لكن ذكر الغزالي في وسيطه (٦) والماوردي وغيره ما حاصله أنه ينقضه، وإن لم يرفع إليه قال الإسنوي: وهذا أوجه مما توهمه عبارة الكتاب وتأويلها متعين انتهى. ومن ثم عدل المصنف عن عبارة أصله إلى ما قاله وهو حسن والممنوع إنما هو تتبع قضاء غيره كما مر وفي تعبيرهم بنقض وانتقض مسامحة إذ المراد أن الحكم لم يصح من أصله (٧) نبه عليه ابن عبد السلام
"وإن بان له" الخطأ "بقياس خفي رجحه" أي رآه أرجح مما حكم به "اعتمده مستقبلا" أي فيما يستقبل من أخوات الحادثة "ولا ينقض به حكما"; لأن
стр. 5215
الظنون المتقاربة لا استقرار لها فلو نقض بعضها ببعض لما استمر حكم ولشق الأمر على الناس وعن عمر ﵁ أنه شرك الشقيق في المشركة بعد حكمه بحرمانه ولم ينقض الأول وقال ذاك على ما قضينا وهذا على ما نقضي.
"ولو قضى قاض بصحة نكاح المفقود زوجها بعد أربع سنين و" مدة "العدة أو بنفي خيار المجلس و" بنفي بيع "العرايا ومنع القصاص في المثقل" أي في القتل به "و" صحة "بيع أم الولد وصحة نكاح الشغار و" نكاح "المتعة وحرمة الرضاع بعد حولين" أو نحو ذلك كقتل مسلم بذمي وجريان التوارث بين المسلم والكافر "نقض" قضاؤه "كالقضاء باستحسان فاسد" وذلك لمخالفة القياس الجلي في عصمة النفوس في الرابعة وفي جعل المفقود ميتا مطلقا أو حيا كذلك في الأولى والحاكم المخالف جعله فيها ميتا في النكاح دون المال ولظهور الأخبار في خلاف حكمه في البقية وبعدها عن التأويلات التي عنده وقيل لا ينقض ذلك وصححه الروياني وكلام الروضة فيما عدا مسألة المفقود يميل إليه والأكثرون على الأول (١) كما يعلم من كلام الرافعي هنا واقتصر في كتاب أمهات الأولاد على نقله عن الروياني نفسه عن الأصحاب وصححه ابن الرفعة وجزم به صاحب الأنوار والاستحسان الفاسد أن يستحسن شيء لأمر هجس في النفس أو لعادة الناس من غير دليل أو على خلاف الدليل; لأنه يحرم متابعته وقد يستحسن الشيء بدليل يقوم عليه (٢) من كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس فيجب متابعته ولا ينقض، وهو ما احترز عنه المصنف كأصله بقوله فاسد "لا" إن قضى بصحة "النكاح بالأولى" أو بشهادة من لا تقبل شهادته كفاسق فلا ينقض قضاؤه كمعظم المسائل
стр. 5216
المختلف فيها والترجيح في هذه هنا وفي المسائل السابقة ما عدا مسألة المفقود من زيادته هذا كله في الصالح للقضاء
"وإن كان القاضي قبله ممن لا يصلح" للقضاء "نقض أحكامه" كلها "وإن أصاب" فيها; لأنها صدرت ممن لا ينفذ حكمه "قلت لعله" فيما إذا "لم يوله ذو شوكة (١) والله أعلم" فإن ولاه ذو شوكة بحيث ينفذ حكمه مع الجهل أو نحوه فلا ينقض ما أصاب فيه
"فرع" لو "كتب إليه بحكم لا ينقض ولم يعتقده" بل رأى غيره أصوب منه "أعرض عنه" ولا ينفذه كما لا ينقضه; لأن ذلك إعانة على ما يعتقد خطأه وهذا ما حكاه الأصل عن ابن كج عن النص ثم حكى عن السرخسي تصحيح عكسه قال وعليه العمل (٢) كما لو حكم بنفسه ثم تغير اجتهاده تغيرا لا يقتضي النقض وترافع خصماء الحادثة إليه فيها فإنه يمضي حكمه الأول، وإن أدى اجتهاده إلى أن غيره أصوب منه أما لو كتب إليه بحكم ينقض فيعرض عنه جزما وينقضه بطريقه "ولو استقضي مقلد" للضرورة "فحكم بمذهب غير من قلده لم ينقض (٣) " بناء على أن للمقلد تقليد من شاء
"فصل ينفذ حكم القاضي" الصادر منه فيما باطن الأمر فيه بخلاف ظاهره بأن ترتب على أصل كاذب "ظاهرا" لا باطنا "فلا" يحل "حراما ولا عكسه" فلو حكم بشهادة زور بظاهري العدالة لم يحصل بحكمه الحل باطنا سواء المال
стр. 5217
والنكاح وغيرهما لخبر الصحيحين "إنما أنا بشر (١) وإنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه إنما أقطع له قطعة من نار" (٢)
"وينتهض" حكمه المذكور "شبهة فلا يحد محكوم له بمزوجة" من غيره "وطئها" لشبهة الخلاف; لأن أبا حنيفة يجعلها منكوحة بالحكم (٣) فيكون وطؤه وطئا في نكاح مختلف في صحته وقيل يحد والتصريح بالترجيح من زيادته وعلى الثاني جماعة وجزم به (٤) صاحب الأنوار "وعليها الامتناع" منه "جهدها (٥) " فإن أكرهت فلا إثم عليها صرح به الأصل وحمله الإسنوي على ما إذا ربطت ووطئت لئلا يخالف ما مر في أوائل الجنايات من أن الزنا لا يباح بالإكراه وقد يجاب بأن ذاك محله إذا لم يتقدمه حكم بخلاف ما هنا.
"وللأول" فيما إذا حكم بطلاقها بشاهدي زور ثم تزوجت بثان "وطؤها (٦) " باطنا "لا إن وطئها الثاني ولو عالما" بالحال أو نكحها أحد الشاهدين ووطئها كما
стр. 5218
صرح به الأصل فليس للأول وطؤها "حتى تنقضي العدة" لشبهة الخلاف "مع أنه" أي وطؤه لها حيث أبيح له "مكروه"; لأنه يعرض نفسه للتهمة والحد وذكر الكراهة في وطئه بعد العدة من زيادته أما ما باطن الأمر فيه كظاهره بأن ترتب على أصل صادق فينفذ الحكم فيه باطنا أيضا قطعا إن كان في محل اتفاق المجتهدين وعلى الأصح عند البغوي (١) وغيره إن كان في محل اختلافهم، وإن كان الحكم لمن لا يعتقده كما سيأتي لتتفق الكلمة ويتم الانتفاع وقيل لا لتعارض الأدلة وقيل لا في حق من لا يعتقده (٢)
"ولو قضى حنفي لشافعي بشفعة الجوار" أو بالإرث بالرحم "حل له الأخذ" به وليس للقاضي منعه من الأخذ بذلك ولا من الدعوى به إذا أرادها اعتبارا بعقيدة الحاكم، ولأن ذلك مجتهد فيه والاجتهاد إلى القاضي لا إلى غيره "ولو شهد" شاهد "بما يعتقده القاضي لا الشاهد" كشافعي شهد عند حنفي بشفعة الجوار "قبلت" شهادته لذلك ولها حالان أحدهما أن يشهد بنفس الجوار، وهو جائز ثانيهما أن يشهد باستحقاق الآخذ (٣) بالشفعة أو بشفعة الجوار وينبغي
стр. 5219
عدم جوازه لاعتقاده خلافه كذا قاله الإسنوي
"فرع لو قال خصمان لقاض حكم بيننا فلان بكذا فانقضه واحكم بيننا لم يجبهما"; لأن الاجتهاد لا ينقض بمثله
стр. 5220
فصل: منثور مسائله
"يستحب" للقاضي "أن يبحث" أي يسأل "أصدقاءه" الأمناء "عن عيوب نفسه ليجتنبها وأن يركب" في مسيره "إلى مجلس" وفي نسخة موضع "حكمه و" أن "يسلم في طريقه على الناس وإذا دخل" عليهم "و" أن "يدعو بالتوفيق" والتسديد "إذا جلس للحكم و" أن "يقف عنده أمين ممسوح" ذكره لأجل النساء "يرتب الخصوم" وتعبيره بالمسموح أولى من تعبير أصله بالخصي "وله" أي للقاضي "تعيين وقت للحكم" فيه بحسب حاجة الناس ودعاويهم "وأن" وفي نسخة وينبغي أن "يسمع الدعوى في غيره" أي في غير الوقت المعين إذا اتفق حضور الخصمين "ويعذر" في عدم سماعها "لأكل ونحوه" كصلاة وحمام "ويستحب أن يتخذ درة" للتأديب "وسجنا" لأداء حق وتعزير ونحوهما كما اتخذهما عمر ﵁ (١) وقد "حبس النبي ﷺ رجلا في تهمة ثم خلى عنه"، رواه الترمذي وحسنه والحاكم وصحح إسناده (٢)