المختلف فيها والترجيح في هذه هنا وفي المسائل السابقة ما عدا مسألة المفقود من زيادته هذا كله في الصالح للقضاء
"وإن كان القاضي قبله ممن لا يصلح" للقضاء "نقض أحكامه" كلها "وإن أصاب" فيها; لأنها صدرت ممن لا ينفذ حكمه "قلت لعله" فيما إذا "لم يوله ذو شوكة (١) والله أعلم" فإن ولاه ذو شوكة بحيث ينفذ حكمه مع الجهل أو نحوه فلا ينقض ما أصاب فيه
"فرع" لو "كتب إليه بحكم لا ينقض ولم يعتقده" بل رأى غيره أصوب منه "أعرض عنه" ولا ينفذه كما لا ينقضه; لأن ذلك إعانة على ما يعتقد خطأه وهذا ما حكاه الأصل عن ابن كج عن النص ثم حكى عن السرخسي تصحيح عكسه قال وعليه العمل (٢) كما لو حكم بنفسه ثم تغير اجتهاده تغيرا لا يقتضي النقض وترافع خصماء الحادثة إليه فيها فإنه يمضي حكمه الأول، وإن أدى اجتهاده إلى أن غيره أصوب منه أما لو كتب إليه بحكم ينقض فيعرض عنه جزما وينقضه بطريقه "ولو استقضي مقلد" للضرورة "فحكم بمذهب غير من قلده لم ينقض (٣) " بناء على أن للمقلد تقليد من شاء
"فصل ينفذ حكم القاضي" الصادر منه فيما باطن الأمر فيه بخلاف ظاهره بأن ترتب على أصل كاذب "ظاهرا" لا باطنا "فلا" يحل "حراما ولا عكسه" فلو حكم بشهادة زور بظاهري العدالة لم يحصل بحكمه الحل باطنا سواء المال
стр. 5217
والنكاح وغيرهما لخبر الصحيحين "إنما أنا بشر (١) وإنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه إنما أقطع له قطعة من نار" (٢)
"وينتهض" حكمه المذكور "شبهة فلا يحد محكوم له بمزوجة" من غيره "وطئها" لشبهة الخلاف; لأن أبا حنيفة يجعلها منكوحة بالحكم (٣) فيكون وطؤه وطئا في نكاح مختلف في صحته وقيل يحد والتصريح بالترجيح من زيادته وعلى الثاني جماعة وجزم به (٤) صاحب الأنوار "وعليها الامتناع" منه "جهدها (٥) " فإن أكرهت فلا إثم عليها صرح به الأصل وحمله الإسنوي على ما إذا ربطت ووطئت لئلا يخالف ما مر في أوائل الجنايات من أن الزنا لا يباح بالإكراه وقد يجاب بأن ذاك محله إذا لم يتقدمه حكم بخلاف ما هنا.
"وللأول" فيما إذا حكم بطلاقها بشاهدي زور ثم تزوجت بثان "وطؤها (٦) " باطنا "لا إن وطئها الثاني ولو عالما" بالحال أو نكحها أحد الشاهدين ووطئها كما
стр. 5218
صرح به الأصل فليس للأول وطؤها "حتى تنقضي العدة" لشبهة الخلاف "مع أنه" أي وطؤه لها حيث أبيح له "مكروه"; لأنه يعرض نفسه للتهمة والحد وذكر الكراهة في وطئه بعد العدة من زيادته أما ما باطن الأمر فيه كظاهره بأن ترتب على أصل صادق فينفذ الحكم فيه باطنا أيضا قطعا إن كان في محل اتفاق المجتهدين وعلى الأصح عند البغوي (١) وغيره إن كان في محل اختلافهم، وإن كان الحكم لمن لا يعتقده كما سيأتي لتتفق الكلمة ويتم الانتفاع وقيل لا لتعارض الأدلة وقيل لا في حق من لا يعتقده (٢)
"ولو قضى حنفي لشافعي بشفعة الجوار" أو بالإرث بالرحم "حل له الأخذ" به وليس للقاضي منعه من الأخذ بذلك ولا من الدعوى به إذا أرادها اعتبارا بعقيدة الحاكم، ولأن ذلك مجتهد فيه والاجتهاد إلى القاضي لا إلى غيره "ولو شهد" شاهد "بما يعتقده القاضي لا الشاهد" كشافعي شهد عند حنفي بشفعة الجوار "قبلت" شهادته لذلك ولها حالان أحدهما أن يشهد بنفس الجوار، وهو جائز ثانيهما أن يشهد باستحقاق الآخذ (٣) بالشفعة أو بشفعة الجوار وينبغي
стр. 5219
عدم جوازه لاعتقاده خلافه كذا قاله الإسنوي
"فرع لو قال خصمان لقاض حكم بيننا فلان بكذا فانقضه واحكم بيننا لم يجبهما"; لأن الاجتهاد لا ينقض بمثله
стр. 5220
فصل: منثور مسائله
"يستحب" للقاضي "أن يبحث" أي يسأل "أصدقاءه" الأمناء "عن عيوب نفسه ليجتنبها وأن يركب" في مسيره "إلى مجلس" وفي نسخة موضع "حكمه و" أن "يسلم في طريقه على الناس وإذا دخل" عليهم "و" أن "يدعو بالتوفيق" والتسديد "إذا جلس للحكم و" أن "يقف عنده أمين ممسوح" ذكره لأجل النساء "يرتب الخصوم" وتعبيره بالمسموح أولى من تعبير أصله بالخصي "وله" أي للقاضي "تعيين وقت للحكم" فيه بحسب حاجة الناس ودعاويهم "وأن" وفي نسخة وينبغي أن "يسمع الدعوى في غيره" أي في غير الوقت المعين إذا اتفق حضور الخصمين "ويعذر" في عدم سماعها "لأكل ونحوه" كصلاة وحمام "ويستحب أن يتخذ درة" للتأديب "وسجنا" لأداء حق وتعزير ونحوهما كما اتخذهما عمر ﵁ (١) وقد "حبس النبي ﷺ رجلا في تهمة ثم خلى عنه"، رواه الترمذي وحسنه والحاكم وصحح إسناده (٢)
стр. 5221
"فرع" لو "خشي" القاضي "هرب خصم من حبسه فنقله إلى حبس الجرائم (١) جاز ولا يمنع" المحبوس "من الاستمتاع بنسائه" في الحبس "إن أمكن" فيه "فإن امتنعن" من ذلك "أجبرت أمته (٢) " عليه "لا زوجته" الحرة; لأنه لا يصلح للسكنى ولا الأمة "إلا إن رضي سيدها" بذلك فتجبر وما ذكره من عدم منع المحبوس مما ذكر خالفه في باب التفليس كما مر بيانه (٣) ثم "ويجاب الخصم إلى ملازمة خصمه" بدلا عن الحبس; لأنها أخف "فإن اختار الغريم الحبس على الملازمة وشق عليه بسببها العبادة أجيب" فيحبس بخلاف ما إذا لم يشق عليه ذلك "وهل يحبس مريض ومخدرة وابن سبيل" منعا لهم من الظلم "أو" لا يحبسون بل "يوكل بهم" ليترددوا ويتجملوا "وجهان" أقربهما الأول (٤)
"ويحبس الوكيل (٥) وأبو الطفل وقيمه في دين وجب بمعاملتهم لا غيرها ولا يحبس صبي و" لا "مجنون" لعدم تكليفهما "ولا مكاتب بالنجوم" أي بسببها; لأنها ليست بلازمة من جهته وكذا بغيرها في حق السيد "ولا عبد جان" جناية توجب مالا "ولا سيده" ليؤدي أو يبيع "بل يباع" عليه "إن" وجد راغب "و" امتنع "من بيع وفداء" له "وأجرة السجان على المحبوس" كما
стр. 5222
تجب أجرة الجلاد على المجلود "و" أجرة "الوكيل" أي الموكل بفتح الكاف وبه عبر الرافعي "على من وكل به" بضم الواو "إن تعذر بيت المال"
стр. 5223
"الطرف الثاني: في مستند قضائه، وهو الحجة وإقراره" أي المدعى عليه بالمدعي "في مجلس حكمه وكذا علمه (١) " أي القاضي بصدق المدعي "ولو في قصاص وحد قذف (٢) " سواء أعلمه في زمن ولايته ومكانها أم في غيرهما وسواء أكان في الواقعة بينة أم لا; لأنه يقضي بالبينة، وهي إنما تفيد ظنا فبالعلم أولى لكنه مكروه كما أشار إليه الشافعي في الأم فلو رام البينة نفيا للريبة كان أحسن قاله الغزالي في خلاصته. قال الزركشي وليس لنا من الحجج ما لا يلزم معه الحكم إلا هذا وذكر الماوردي والروياني أنه لا ينفذ إلا مع التصريح (٣) بأن مستنده علمه بذلك فيقول قد علمت أن له عليك ما ادعاه وحكمت عليك بعلمي فإن اقتصر على أحدهما لم ينفذ الحكم (٤) "لا" في "حد" وتعزير (٥) "لله" تعالى لندب الستر في أسبابها قال الأذرعي وإذا نفذنا أحكام القاضي الفاسق للضرورة
стр. 5224
كما مر فينبغي أن لا ينفذ قضاؤه بعلمه بلا خلاف (١) إذ لا ضرورة إلى تنفيذ هذه الجزئية النادرة مع فسقه الظاهر وعدم قبول شهادته بذلك قطعا.
"ولا يقضي" القاضي "بخلاف علمه (٢)، وإن قامت بينة" كأن علم إبراء المدعى عليه مما ادعاه المدعي وأقام به بينة فلا يقضى بها فيه بالإجماع ولا يقضى في هذه بعلمه أيضا كما صرح به الشاشي والماوردي والروياني "فإن قال القاضي" في محل ولايته "حكمت بكذا" أو ثبت عندي كذا أو نحوه "قبل قطعا، وإن كانت التهمة ممكنة" كما أن للقاضي أن يحكم بعلمه وإن كانت التهمة ممكنة "وإذا ذكر" وفي نسخة تذكر "حكما" له "بحجة" لأحد وطلب منه إمضاؤه "وجب عليه إمضاؤه (٣) " كما لو طلب منه الحكم به ابتداء "وليس هو" أي ما ذكر من
стр. 5225
القضاء بالعلم "حكما بعلم" أي يقين "وإنما هو مثل أن يرى القاضي رجلا يقرض رجلا (١) مالا أو يقر له به في غير مجلس حكمه" أو فيه قبل الدعوى فيحكم فيه بظنه أشار بذلك إلى ما صرح به الأصل من أن المراد بالعلم الظن المؤكد بقرينة تمثيلهم للقضاء به بما إذا ادعى عليه مالا وقد رآه القاضي أقرضه ذلك أو سمع المدعى عليه أقر بذلك إذ رؤية الإقراض وسماع الإقرار لا يفيد العلم بثبوت المحكوم به وقت القضاء فقول الإمام إنما يقضي بالعلم فيما يستيقنه لا ما يظنه اختيارا له أو يحمل قوله ما يستيقنه (٢) على ما يشمل الظن القوي وما بعده على مجرد الظن أما الإقرار بمجلس حكمه بعد الدعوى فالحكم به لا بالعلم كما علم مما مر أيضا نعم إن أقر عنده سرا فهو حكم بالعلم قاله في الأنوار. والأصل قدم هذه المسألة على مسألة ذكر الحاكم حكمه وهو أنسب لتعلق تلك بقوله "فإن لم يذكره لم يمضه ولو كان بسجل في حفظه" أي حرزه لاحتمال التزوير ومشابهة الخط; ولأن قضاءه
стр. 5226
فعله والرجوع إلى العلم هو الأصل في فعل الإنسان; ولهذا يأخذ عند الشك في عدد الركعات بالعلم "وكذا الشاهد" لا يشهد بمضمون خطه، وإن كان الكتاب محفوظا عنده وبعد احتمال التزوير ما لم يتذكره لذلك "بخلاف رواية الحديث (١) " فإنها تجوز للشخص اعتمادا على الخط المحفوظ عنده لعمل العلماء به سلفا وخلفا وقد يتساهل في الرواية بخلاف الشهادة; لأنها تقبل من العبد والمرأة ومن الفرع مع حضور الأصل بخلاف الشهادة; ولأن الراوي يقول حدثني فلان عن فلان أنه يروي كذا ولا يقول الشاهد حدثني فلان عن فلان أنه يشهد بكذا
"وتجوز الرواية" للشخص "بإجازة أرسلها" إليه "المحدث بخطه إن عرف" هو "خطه" اعتمادا على الخط فيقول أخبرني فلان كتابة أو في كتابه أو كتب إلي بكذا "ويصح أن يروي عنه بقوله أجزتك مروياتي" أو مسموعاتي أو نحوهما "بل" لو "قال أجزت المسلمين أو من أدرك زماني" أو كل أحد أو نحوه "صح لا" بقوله أجزت "أحد هؤلاء" الثلاثة مثلا مروياتي أو نحوها "أو" أجزتك أحد "هذه الكتب" للجهل بالمجاز له في الأولى وبالمجاز في الثانية "ولا" بقوله أجزت "من سيولد" لي مروياتي مثلا لعدم المجاز له وتصح الإجازة لغير المميز "وتكفي" الرواية "بكتابة ونية جائزة" كما تكفي بالقراءة عليه مع سكوته وإذا كتب الإجازة استحب أن يتلفظ بها وقوله "بلا لفظ" إيضاح
"فرع لو وجد" إنسان "بخط مورثه" أن له "دينا على شخص" أو أنه أدى لفلان كذا "وعرف أمانته (٢) فله الحلف" على استحقاقه أو أدائه اعتمادا على
стр. 5227
ذلك "وكذا" لو وجد "خط نفسه" بذلك "كما ذكره" الأصل في الدعاوى "واشترط" فيه "هنا أن يتذكر" ذلك "لإمكان اليقين" بخلافه في خط مورثه والأصح الأول (١) وفرقوا بين ذلك وبين القضاء والشهادة بأنهما يتعلقان بغير القاضي والشاهد وبأن خطرهما عظيم وعام بخلاف الحلف فإنه يتعلق بنفس الحالف ويباح بغالب الظن ولا يؤدي إلى ضرر عام وتعبيره بمورثه أولى من تعبير أصله بأبيه مع أن ذلك ليس بقيد (٢) بل خط مكاتبه الذي مات في أثناء الكتابة وخط مأذونه القن بعد موته وخط معامله في القراض وشريكه في التجارة كذلك عملا بالظن المؤكد وكذا الخط ليس بقيد بل الإخبار من عدل مثله "وينبغي" أي يستحب "للشاهد أن يثبت حلية مقر جهله والتاريخ وموضع تحمله" للشهادة "ونحو ذلك" كمن كان معه حينئذ ليستعين بها على التذكر عند الأداء.
"ولو شهدا" عنده "أنك حكمت بكذا" ولم يتذكر ذلك "لم يؤثر" أي لم يحكم بقولهما إلا أن يشهدا بالحق بعد تجديد دعوى، وذلك; لأن حكمه فعله والرجوع إلى اليقين هو الأصل في فعل الإنسان كما مر "بخلافه في الرواية بل يجوز" للراوي إذا نسيها أن يقول "أخبرني فلان عني" بكذا كما وقع لسهيل بن أبي صالح في روايته خبر القضاء بالشاهد واليمين عن أبيه عن أبي هريرة وسمعه منه ربيعة بن أبي عبد الرحمن ثم نسي سهيل ذلك فكان يرويه عنه فيقول حدثني ربيعة عني أني حدثته عن أبي عن أبي هريرة وذلك للمساهلة فيها كما مر وإذا لم يتذكر القاضي فحقه أن يتوقف ولا يقول لم أحكم صرح به الأصل "فإن توقف وشهدا" على حكمه "عند" قاض "غيره نفذ" بشهادتهما حكم الأول "ولو ثبت عنده توقفه لا" إن ثبت عنده ولو بعلمه "إنكاره" ذلك فلا ينفذه "وليس له" أي لأحد "أن يدعي عليه" أي على القاضي في محل ولايته "عند قاض" آخر "أنك حكمت لي" بكذا كما في نظيره في الشهادة.
"ولو كان معزولا أو في غير" محل "ولايته سمعت البينة" عليه بذلك "لا
стр. 5228
إقراره"; لأنه لا يقبل بعد عزله ولا في غير محل ولايته "ولا يحلف" سواء أكان في محل ولايته كما لا يحلف الشاهد إذا أنكر الشهادة أم في غيره بناء على أن اليمين المردودة كالإقرار من حيث إنه قد ينكل فيحلف المدعي قال في الأصل: ولك أن تقول سماع الدعوى على القاضي معزولا أو غيره بذلك ليس على قواعد الدعاوى الملزمة وإنما يقصد بها التدرع إلى إلزام الخصم فإن كان له بينة فليقمها في وجه الخصم وينبغي أن لا يسمع على القاضي بينة ولا يطالب بيمين كما لو ادعى على رجل أنك شاهدي انتهى "وهل له" أي لمدعي ذلك فيما إذا لم يتذكر القاضي حكمه "تحليف خصمه أنه لا يعلم حكمه" أو لا "وجهان" أصحهما في الأنوار الأول (١) وقال الأذرعي: إنه الأشبه ويؤيده ما سيأتي من قولهم كل من توجهت عليه دعوى لو أقر بمطلوبها لزمه حلف
стр. 5229
"الطرف الثالث: في التسوية بين الخصمين، وهي واجبة في الإكرام" لهما "و" جواب "السلام" عليهما "والنظر" إليهما "وغيره" من سائر أنواع الإكرام كاستماع وطلاقة وجه (١) وقيام لهما (٢) فلا يخص
стр. 5230
أحدهما بشيء (١) من ذلك، وإن اختص بفضيلة لئلا ينكسر قلب الآخر ويمنعه من إقامة حجته وروى أبو داود عن علي ﵁: أن النبي ﷺ لما بعثه قاضيا إلى اليمن قال له: "إذا جلس بين يديك الخصمان فلا تقض حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول فإنه أحرى أن يبين لك القضاء" (٢) وعطف ما بعد الإكرام عليه من عطف الخاص على العام
"فإن سلم" عليه "أحدهما انتظر الآخر (٣) أو قال له سلم ليجيبهما" معا إذا سلم وكأنهم احتملوا هذا الفصل لئلا يبطل معنى التسوية قال الزركشي: وحكى الماوردي فيه ثلاثة أوجه أحدها يرده على المسلم وحده في الحال ثانيهما بعد الحكم ثالثها يرده عليهما معا في الحال ولم يحك ما نقله الشيخان وجها بل عزاه لبعض الفقهاء يعني من غير أصحابنا. والمختار ما مال إليه الإمام من وجوب الرد عليه في الحال وبه جزم القاضي أبو الطيب وشريح الروياني وغيرهما وصححه
стр. 5231
الجرجاني وسبقه إلى نحو ذلك الإسنوي ثم قال (١) وما ذكره الشيخان هنا لا يوافق ما جزما به في السير من أن ابتداء السلام سنة كفاية (٢) وأجيب بأنهم ارتكبوا ذلك هنا حذرا من التخصيص وتوهم الميل ولا يرتفع الموكل عن الوكيل والخصم (٣) ; لأن الدعوى متعلقة به أيضا بدليل تحليفه إذا وجبت يمين حكاه ابن الرفعة عن الزبيلي وأقره قال الأذرعي وغيره وهو حسن والبلوى به عامة وقد رأينا من يوكل فرارا من التسوية بينه وبين خصمه
"ويرفع في المجلس" جوازا "مسلما على كافر" بأن يجلس مثلا المسلم أقرب إليه (٤) كما جلس علي ﵁ بجنب شريح في خصومة له مع يهودي وقال لو كان خصمي مسلما لجلست معه بين يديك ولكني سمعت النبي ﷺ يقول "لا تساووهم في المجلس" رواه البيهقي في سننه. ولأن الإسلام يعلو ولا يعلى قال في الأصل: ويشبه أن يجري ذلك في سائر وجوه الإكرام (٥) أي حتى في التقديم بالدعوى كما بحثه بعضهم (٦)،
стр. 5232
وهو ظاهر إن قلت الخصوم المسلمون (١) وإلا فالظاهر خلافه لكثرة ضرر التأخير
"وليقبل عليهما" بقلبه "وعليه السكينة بلا مزح" معهما أو مع أحدهما ولا تسار "ولا نهر ولا صياح" عليهما "ما لم يتركا أدبا" فإن تركا أدبا نهرهما وصاح عليهما ويندب أن يجلسا بين يديه ليتميزا وليكون استماعه لكل منهما أسهل وإذا جلسا تقاربا إلا أن يكونا رجلا وامرأة غير محرم فيتباعدان "ولا يتعنت شهودا" بأن يقول لهم لم تشهدون وما هذه الشهادة "ولا يلزمهم" بها ولا بمنعها "ولا يلقن أحدا" منهم ولا من الخصمين حجته "ولا يشكك" أحدا منهم وذكر منع إلزامه الشهود بالشهادة ومنع تشكيكه الخصمين من زيادته
"ولا يحمل" أحدا منهم "على الجراءة" كأن يجزئ المائل إلى النكول عن اليمين عليها أو إلى التوقف عن الشهادة عليها "لكن يرشد إلى الإنكار في حقوق" عبارة الأصل في حدود "الله تعالى" كما هو مبين في محله "ولو علم" المدعي والشاهد "كيف تصح الدعوى والشهادة جاز (٢) " لم يصحح الأصل شيئا في الأولى فالتصحيح فيها من زيادة المصنف لكن الذي عليه الأكثرون. ورجحه صاحب التنبيه وأقره عليه النووي وجزم به صاحب الأنوار وقال الروياني وغيره إنه المذهب عدم الجواز كما لا يجوز أن يعلمه احتجاجا ولما فيه من كسر قلب صاحبه وقد يفرق (٣) بينها وبين الثانية بأن الدعوى أصل والشهادة تبع
"ولا بأس أن يسأل" من المدعي "عن صفة الدراهم المدعاة" كأن يقول أهي صحيحة أم مكسرة "وندب" له "ندبهما" أي الخصمين بعد ظهور وجه الحكم "إلى صلح يرجى ويؤخر له الحكم يوما ويومين برضاهما" بخلاف ما إذا لم يرضيا والتصريح بندب ذلك من زيادته "وإذا وقفا" عبارة الأصل جلسا والمراد حضرا
стр. 5233
"بين يديه فله أن يسكت" حتى يتكلما "وأن يقول ليتكلم المدعي" منكما (١) لما فيه من إزالة هيبة القدوم قال في الأصل وأن يقول للمدعي إذا عرفه تكلم قال الزركشي: تبع فيه البغوي وابن شداد قال ابن الرفعة: والذي ذكره القاضي أبو الطيب وابن الصباغ وغيرهما أنه لا يقول ذلك قال أعني الزركشي وهو مقتضى إطلاق الجمهور; لأنه ميل وكان المصنف تركه لذلك "وهذا" القول صدوره "من الأمين" الواقف على رأسه "أولى ويطالب" جواز المدعى عليه "بجواب الدعوى"، وإن لم يسأله المدعي (٢) ; لأن المقصود فصل الخصومة وبذلك تنفصل
"فلو أقر" بالمدعى "أو حلف" المدعي اليمين "المردودة" عليه "ثبت" المدعى "بغير حكم (٣) بخلاف البينة"; لأن دلالة الإقرار ولو حكما على وجوب الحق جلية إذ الإنسان على نفسه بصيرة والبينة تحتاج إلى نظر واجتهاد وللمدعي بعد الإقرار أن يطلب من القاضي الحكم عليه فيحكم كأن يقول له اخرج من حقه أو كلفتك الخروج من حقه أو ألزمتك به.
"وإن أنكر سكت" القاضي "أو قال للمدعي ألك بينة" نعم إن جهل المدعي أن له إقامة البينة فلا يسكت بل يجب إعلامه بأن له ذلك كما أفهمه كلام المهذب
стр. 5234
وغيره وقال البلقيني: إن علم علمه بذلك (١) فالسكوت أولى، وإن شك فالقول أولى، وإن علم جهله به وجب إعلامه انتهى ولو عبر بالحجة بدل البينة كان أولى لشمولها الشاهد مع اليمين واليمين إذا كانت في جانب المدعي لكونه أمينا أو في قسامة أو في قذف الزوج زوجته فإن الحق يثبت بلعانه "فإن قال" لي بينة وأقامها فذاك، وإن قال "يحلف" خصمي ولو مع قوله لي بينة "حلف (٢) "; لأنه قد لا يحلف ويقر فيستغني المدعي عن إقامة البينة، وإن حلف أقامها وأظهر كذبه فله في طلب تحليفه مع وجود البينة غرض "ثم" بعد حلف خصمه "إن جاء ببينة" بأن جاء بشاهدين أو شاهد وامرأتين أو شاهد ويمين كما نقله الزركشي عن صاحب العدة وأقره "سمعت، وإن قال لا بينة لي أصلا (٣) " لا حاضرة ولا غائبة أو كل بينة أقيمها فهي باطلة أو كاذبة أو زور; لأنه ربما لم يعرف أو نسي ثم عرف أو تذكر "فلو قال شهودي فسقة" أو عبيد "فجاء بعدول وقد مضت مدة استبراء" أو عتق "قبلت (٤) " شهادتهم وإلا فلا
"فرع ويقدم" وجوبا "السابق (٥) " لمجلس الحكم إن جاءوا مترتبين وعرف
стр. 5235
السابق "والعبرة بالمدعي (١) " أي بسبقه لا بسبق المدعى عليه "فإن جهل" السابق "أو استووا" في مجيئهم "أقرع" بينهم (٢) وقدم من خرجت قرعته "فإن كثروا" وعسر الإقراع "كتب الرقاع" أي كتب فيها أسماءهم وصبت بين يدي القاضي ليأخذها واحدة واحدة "ويدعي من خرج اسمه" في كل مرة (٣) ويستحب أن يرتب ثقة يكتب أسماءهم يوم قضائه ليعرف ترتيبهم ولو قدم الأسبق غيره على نفسه جاز ذكر ذلك في الأصل "ولا يقدم سابق وقارع" أي من خرجت قرعته "إلا بدعوى" واحدة، وإن اتحد المدعى عليه دفعا للضرر عن الباقين (٤) فإن كان له دعوى أخرى انتظر فراغهم أو حضر في مجلس آخر
"ويستحب" له عند اجتماع الخصوم عنده "تقديم مسافرين (٥) مستوفزين" أي متهيئين للسفر وخائفين من انقطاعهم عن رفقتهم إن تأخروا عن المقيمين لئلا يتضرروا بالتخلف (٦) "و" تقديم "نساء" قال في الأصل إن رأى القاضي تقديمهن طلبا لسترهن "ولو" كان المسافرون والنساء "مدعى عليهم" فإنه يستحب تقديمهم كذا بحثه الأصل ومنعه البلقيني وقال بل هو مختص بالمدعين أي كنظيره السابق أول الفرع "بدعاو" أي بدعاويهم "إن كانت خفيفة" بحيث "لا تضر (٧) " بالمقيمين في الأولى وبالرجال في الثانية إضرارا بينا "فإن
стр. 5236
طالت فواحدة" يقدم بها من ذكر; لأنها مأذون فيها وقد يقنع بواحدة (١) ويؤخر الباقي إلى أن يحضر كذا رجحه في الروضة واعترضه الإسنوي بأن ما ذكره من التقديم بواحدة فقط ممنوع بل القياس على ما قاله أن يسمع في عدد لا يضر بالباقين كما لو لم يكن معه غيره أي من المسافرين أو النساء قال الأذرعي وهذا لا يكاد ينضبط هذا كله إن قل المسافرون أو النساء (٢) و إلا قدم بالسبق (٣) ثم بالقرعة كما في بعض كل منهما من بعضه الآخر صرح به الأصل ويقدم المسافر على المرأة المقيمة صرح به في الأنوار وما ذكره المصنف من استحباب تقديم النساء بدعاويهن إن كانت خفيفة وإلا فبواحدة من زيادته أخذه من مسألة المسافرين وظاهر أن الخناثى مثلهن (٤) وإذا قدمنا بواحدة فالظاهر أن المراد التقديم بالدعوى وجوابها وفصل الحكم فيها نعم إن تأخر الحكم لانتظار بينة أو تزكية أو نحوها سمع دعوى من بعده حتى يحضر هو ببينة فيشتغل حينئذ بإتمام حكومته إذ لا وجه لتعطيل الخصوم ذكره الأذرعي وغيره (٥)
стр. 5237
"وإن قال كل من الخصمين أنا المدعي فإن كان قد سبق أحدهما إلى الدعوى لم تقطع" دعواه بل على الآخر أن يجيب ثم يدعي إن شاء "وإلا ادعى من بعث" منهما "العون" خلف الآخر وكذا من أقام منهما بينة أنه أحضر الآخر ليدعي عليه كما فهم بالأولى وصرح به الأصل "وإن استووا أقرع" بينهم فمن خرجت قرعته ادعى "والمدرس والمفتي في فرض الكفاية" وفرض العين المفهوم بالأولى "يقدمان بالسبق" إن كان ثم سبق "أو بالقرعة" إن لم يكن سبق "وجوبا (١) " أما في غير الفرض فالتقديم بالمشيئة وما ذكره في المفتي مر مع زيادة في الباب الأول
стр. 5238
الطرف الرابع: في البحث عن حال الشهود وتزكيتهم
"لا يجوز" للقاضي "أن يتخذ شهودا معينين لا يقبل غيرهم (٢) " لما فيه من التضييق على الناس إذ قد يتحمل الشهادة غيرهم فإذا لم يقبل ضاع الحق ولإطلاق قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] "بل من عرف عدالته" وقد شهد عنده "قبله (٣) " ولم يحتج إلى تعديل (٤)، وإن طلبه الخصم "أو" عرف "فسقه رده" ولم يحتج إلى بحث "وإن جهله" أي جهل "استزكاه" هـ أي طلب تزكيته وجوبا وإن لم يطعن فيه الخصم; لأن الحكم بشهادته فيجب البحث عن شرطها كما لو طعن الخصم ولا يكتفي بأن الظاهر من حال المسلم العدالة أو من حال من بدارنا الإسلام ويكتفي بقول الشاهد أنا مسلم بخلاف قوله أنا حر; لأنه يستقل بالإسلام دون الحرية "ولو أقر الخصم بعدالتهما" الأنسب بعدالته بأن قال
стр. 5239
هو عدل لكنه أخطأ في شهادته (١) فإنه لا بد من الاستزكاء; لأنه حق لله تعالى; ولهذا لا يجوز الحكم بشهادة فاسق وإن رضي الخصم; لأن الحكم بشهادته يتضمن تعديله والتعديل لا يثبت بقول واحد "كقوله" للشاهد "قبل" أداء "الشهادة أنت عدل فيما تشهد به علي" فإنه لا بد فيه من الاستزكاء لذلك فقول الروضة تبعا لبعض نسخ الرافعي إنه تعديل للشاهد رد بأنه لا بد في التعديل من قوله أشهد أنه عدل فكيف يجعل ذلك تعديلا فلو صدقه فيما شهد به حكم بإقراره واستغنى عن البحث عن حال الشاهد "فلو قامت البينة" العادلة عليه "وأقر" وفي نسخة فأقر وعبارة الأصل ثم أقر بما شهدت به عليه "قبل الحكم" عليه "لا بعده فالحكم بالإقرار لا بالشهادة"; لأنه أقوى منها بخلاف ما لو أقر بعده فإن الحكم قد مضى مستندا إلى الشهادة وإن وقع إقراره قبل تسليم المال للمشهود له وما ذكره من أن الحكم بالإقرار فيما قاله هو ما نقله الأصل عن تصحيح الهروي (٢) وأقره، وهو يخالف ما قدمته عن الماوردي في باب الزنا من أن الأصح عنده اعتبارا سبقهما
"فصل ينبغي أن يكون له مزكون" وهم المرجوع إليهم ليبينوا حال الشهود "عقلاء" أي وأقر العقول لئلا يخدعوا "بريئون من الشحناء" والعصبية في النسب والمذهب خوفا من أن يحملهم ذلك على جرح عدل أو تزكية فاسق "وأن يخفيهم" لئلا يشتهروا في الناس بالتزكية ولئلا يستمالوا أو يتوقفوا عن جرح من يخاف شره "و" أن يكون له "أصحاب المسائل" الأولى مسائل "وهم رسله إليهم" أي إلى المزكين ليبحثوا ويسألوا وربما فسروا في لفظ الشافعي بالمزكين; لأنهم مسئولون وباحثون "ويكتب" وفي نسخة فيكتب ندبا إذا أراد البحث عن حال الشهود إلى المزكين "اسم الشاهد ويصفه بما يميزه" من كنية وولاء واسم أب وجد وحلية وحرفة ونحوها لئلا يشتبه بغيره "واسم المشهود له و" اسم المشهود "عليه" فقد يكون
стр. 5240
الشاهد بعض المشهود له أو عدو المشهود عليه.
"وكذا قدر المال (١) " المشهود به فقد يغلب على الظن صدق الشاهد في القليل دون الكثير فيكتب "لكل مزك نسخة" بذلك ويرسلها "على يد صاحب مسألة (٢) سرا" بأن يخفيها عن غير من أرسلها إليه وغير من أرسله إليه احتياطا لئلا يسعى المشهود له في التزكية والمشهود عليه في الجرح "فإن عاد إليه الرسل بجرح" من المزكين "توقف" عن الحكم "وكتمه" أي الجرح "وقال" للمدعي "زدني" في الشهود "أو" عادوا إليه "بتعديل دعا مزكيين ليشهدا" عنده به "مشيرين إليه ليأمن" بذلك "الغلط" من شخص إلى آخر فالحكم إنما يكون بقولهم لا بقول أرباب المسائل; لأنهم الأصل وأولئك رسل يشهدون على شهادة فلا تقبل مع حضور الأصل على ما يأتي "و" لكن "من نصب من أرباب المسائل حاكما في الجرح والتعديل كفى أن ينهى إليه" أي إلى القاضي "وحده" ذلك فلا يعتبر العدد; لأنه حاكم فالحكم مبني على قوله وكذا لو أمر القاضي صاحب المسألة بالبحث فبحث وشهد بما بحثه لكن يعتبر العدد; لأنه شاهد وما تقرر هو ما
стр. 5241
بحثه الأصل (١) رافعا به الخلاف في أن الحكم بقول المزكين أو بقول هؤلاء والذي نقله عن الأكثرين أنه بقول هؤلاء، وهو المعتمد. واعتذر ابن الصباغ (٢) عن كونه شهادة على شهادة مع حضور الأصل بالحاجة; لأن المزكين لا يكلفون الحضور (٣) "ويشترط فيه" أي فيمن نصب حاكما في الجرح والتعديل "علمه بذلك" واتصافه بسائر صفات القضاة الذين يتولون ذلك وعبارة الأصل تعتبر فيه صفات القضاة "وفي المزكي صفات الشهود مع العلم بموجب العدالة والجرح" أي بسببهما (٤) "وأن يكون المعدل خبيرا بالباطن (٥) " أي بباطن حال من يعدله بصحبة وجوار ومعاملة ونحوها فعن عمر ﵁ أن اثنين شهدا عنده فقال لهما: "إني لا أعرفكما ولا يضركما أني لا أعرفكما ائتيا بمن يعرفكما فأتيا برجل فقال له عمر: كيف تعرفهما؟ قال: بالصلاح والأمانة قال: هل كنت جارا لهما؟
стр. 5242
تعرف صباحهما ومساءهما ومدخلهما ومخرجهما؟ قال: لا، قال: هل عاملتهما بهذه الدراهم والدنانير التي تعرف بها أمانات الرجال؟ قال: لا، قال: هل صاحبتهما في السفر الذي يسفر عن أخلاق الرجال؟ قال: لا، قال: فأنت لا تعرفهما ائتيا بمن يعرفكما"، والمعنى فيه أن أسباب الفسق خفية غالبا فلا بد من معرفة المزكي حال من يزكيه وهذا كما في الشهادة بالإفلاس.
"و" أن "يعلم القاضي منه ذلك" أي أنه خبير بباطن الحال في كل تزكية خفية أي يبنى على الظاهر قال في الأصل: إلا إذا علم من عادته أنه لا يزكي إلا بعد الخبرة ولا يعتبر في خبرة الباطن التقادم في معرفتها لئلا يتضرر المتداعيان بالتأخير الطويل بل يكتفي "بشدة الفحص عن الشخص ولو غريبا يصل" المزكي بفحصه "إلى ذلك" أي كونه خبيرا بباطنه "فحين يغلب على ظنه عدالته باستفاضة" من جمع من أهل الخبرة بباطن حاله "شهد بها" إقامة لخبرتهم مقام خبرته كما أقيم في الجرح رؤيتهم مقام رؤيته
"ويعتمد" المزكي "في الجرح المعاينة" بأن يراه يزني أو يشرب الخمر أو نحو ذلك "والسماع بأن يسمعه يقذف" شخصا "أو يقر" على نفسه "بكبيرة" أو نحو ذلك وتعبيره بكبيرة أعم من تعبير أصله بزنا أو شرب خمر "وكذا إن سمع من غيره وتواتر أو استفاض" لحصول العلم أو الظن بذلك بخلاف ما لو سمع من عدد لا يحصل به تواتر ولا استفاضة لكنه يشهد على شهادتهم بشرطه.
"وليبين" في تجريحه غيره "سبب الجرح" من زنا أو سرقة أو نحوهما; لأن أسبابه مختلف فيها وقد يظن الشاهد (١) أن ما ليس بجرح عند القاضي جرحا ولا
стр. 5243
حاجة إلى بيان سبب التعديل (١) ; لأن أسبابه غير منحصرة قال الإسنوي: وليس المراد بعدم قبول الشهادة بالجرح من غير ذكر سببه أنها لا تقبل أصلا حتى تقدم عليها بينة التعديل بل المراد أنه يجب التوقيف عن العمل بها إلى بيان السبب كما ذكره النووي في شرح مسلم في جرح الراوي ولا فرق في ذلك بين الرواية والشهادة قال الأذرعي: وفي عدم الفرق وقفة للمتأمل وفي اشتراط ذكر ما يعتمده المزكي في الجرح من المعاينة والسماع وجهان أحدهما، وهو الأشهر نعم وثانيهما، وهو الأقيس لا (٢)، ذكر ذلك في الأصل وظاهر صنيع المصنف اعتماد الثاني
"فإن شهد بأنه زنا لم يجعل قاذفا (٣) "، وإن لم يوافقه غيره لعذره "لأنه مسئول" عن شهادته "والجواب منه فرض كفاية" أو عين وبذلك فارق ما لو شهد دون أربعة بالزنا فإنه يجعل قاذفا; لأنه مندوب إلى الستر فهو مقصر "ولا يجوز أن يزكي أحد الشاهدين الآخر (٤) " لقيامه بأحد الشطرين فلا يقوم بالآخر "ولا والده و (٥) " لا "ولده" كالحكم لهما "وإن جهل مزك زكى" فلو شهد
стр. 5244
اثنان وعدلهما آخران مجهولان وزكى الآخرين مزكيان للقاضي جاز.
"ولا يكفي" في ثبوت العدالة "رقعة مزك بالتزكية"; لأن الخط لا يعتمد في الشهادة كما مر "بل لا بد من شاهدين معها" إن كان القاضي يحكم بشهادة المزكين فإن ولي بعضهم الحكم بالجرح والتعديل فليكن كتابه ككتاب قاض إلى قاض والرسولان كشاهدين عليه "وأصحاب المسائل فروع فلا يشهدون إلا عند تعذر حضور المزكين" هذا جار على بحث الأصل السابق وقد عرفت ما فيه
"فرع يكفي في التعديل" أن يقول "أشهد أنه عدل" أو مرضي أو مقبول القول أو نحوها وإن لم يقل علي (١) ولي; لأنه أثبت العدالة التي اقتضاها قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] ولا يكفي قوله لا أعلم منه إلا خيرا; لأنه قد لا يعرف منه إلا الإسلام ولا قوله لا أعلم منه ما ترد به الشهادة; لأنه قد لا يعرف ما يوجب القبول أيضا.
"فصل يستحب" للقاضي "قبل التزكية أن يفرق شهودا ارتاب بهم" أو توهم غلطهم لخفة عقل وجدها فيهم "ويسألهم" أي كلا منهم "عن زمان التحمل" للشهادة عاما وشهرا ويوما وغدوة أو عشية "و" عن "مكانه" محلة وسكة ودارا أو صفة أو صححنا "و" عن "من حضر" معه من الشهود عبارة الأصل ويسأله أتحمل وحده أم مع غيره "و" عن "من كتب" شهادته معه "وبأي مداد كتبوا" عبارة الأصل وأنه كتب بحبر أو بمداد ونحو ذلك ليستدل على صدقهم (٢) إن اتفقت
стр. 5245
كلمتهم وإلا فيقف عن الحكم وإذا جاء به أحدهم لم يدعه يرجع إلى الباقين حتى يسألهم لئلا يخبرهم بجوابه "فإن امتنعوا من التفصيل (١) " ورأى أن يعظهم ويحذرهم عقوبة شهادة الزور "وعظهم" وحذرهم "فإن أصروا" على شهادتهم ولم يفصلوا "وجب" عليه "القضاء" إذا وجدت شروطه ولا عبرة بما يبقى من ريبة وإنما استحب له ذلك قبل التزكية لا بعدها; لأنه إن اطلع على عورة استغنى عن الاستزكاء والبحث عن حالهم وإلا فإن عرفهم بالعدالة قضى وإلا استزكى قال الأذرعي: وينبغي أن يفرقهم فجأة (٢) قبل أن يفهموا عنه ذلك فيحتالوا فيجعل كل واحد بمكان بمفرده كما صنع علي ﵁ "وإن لم يرتب" بهم ولا توهم غلطهم "فلا يفرقهم ولو طلب" منه "الخصم" تفريقهم; لأن فيه غضا منهم
"فصل تقدم بينة الجرح على بينة التعديل (٣) "، وإن كانت الثانية أكثر لزيادة علم الجارح "إلا إن شهدت الثانية بتوبته مما جرح به (٤) " فتقدم على الأولى; لأن معها حينئذ زيادة علم "ولو عدل" الشاهد في واقعة ثم شهد في أخرى "وطال" بينهما "زمن (٥) استبعده القاضي" باجتهاده "طلب تعديله ثانيا"; لأن طول الزمن يغير الأحوال بخلاف ما إذا لم يطل (٦) "ولو عدل في مال قليل فهل يعمل
стр. 5246
بذلك) أي بتعديله المذكور (في) شهادته بالمال (الكثير) بناء على أن العدالة لا تتجزأ أو لا بناء على أنها تتجزأ (وجهان) قال ابن أبي الدم المشهور من المذهب الأول (١) فمن قبل في درهم يقبل في ألف نقله عنه الأذرعي وأقره (ولو عدلوا عنده في غير محل ولايته لم يعمل بها) أي بشهادتهم إذا عاد إلى محل ولايته (إذ ليس هذا قضاء بعلم) بل ببينة فهو كما لو سمع البينة خارج ولايته وقيل يعمل بها إن جوزنا القضاء بالعلم والأول قول الأكثر والترجيح مع التعليل من زيادته وصوب الزركشي الثاني محتجا له بقول الأصل في الكلام على القضاء بالعلم وسواء ما علمه في زمن ولايته ومكانها وما علمه في غيرهما وما قاله مردود بما علل به المصنف (وتقبل شهادة الحسبة في الجرح والتعديل)؛ لأن البحث عن حال الشهود ومنع الحكم بشهادة الفاسق حق لله تعالى.
стр. 5247
الباب الثالث: في القضاء على الغائب
"وهو جائز" بشرطه الآتي لعموم الأدلة (١) ولقوله ﷺ لهند "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف (٢) "، وهو قضاء منه على زوجها (٣)، وهو غائب ولو كان فتوى لقال لك أن تأخذي أو لا بأس عليك أو نحوه ولم يقل خذي ولقول عمر في خطبته: "من كان له على الأسيفع دين فليأتنا غدا فإنا بايعوا ماله وقاسموه بين غرمائه" وكان غائبا; ولأن الغيبة ليست بأعظم من الصغر والموت في العجز عن الدفع فإذا جاز الحكم على الصغير والميت فليجز على الغائب أيضا "حتى في العقوبة" لآدمي كقصاص وحد قذف (٤) "لا" في العقوبة "لله" تعالى من حد أو تعزير لبنائها على المساهلة
стр. 5248
وفيه أطراف خمسة:
الأول: في الدعوى على الغائب
"ويشترط فيها على الغائب ما يشترط فيها على الحاضر من بيان المدعى"
стр. 5249
وقدره ونوعه "ووصفه وقوله إني مطالب بالمال" فلا يكفي الاقتصار على قوله لي عليه كذا كما سيأتي "و" يشترط "أن يكون له" أي للمدعي "بينة (١) " أو يعلم القاضي ذلك وإلا فلا فائدة للدعوى على الغائب.
"وينبغي أن يذكر" في دعواه عليه "جحوده"; لأن البينة شرط، وهي لا تقام على مقر فلو قال هو مقر لم تسمع دعواه (٢) على ما يأتي "و" لكن "لو لم يذكر جحودا ولا إقرارا سمعت"; لأنه قد لا يعلم جحوده ولا إقراره والبينة تسمع على الساكت فلتجعل غيبته كسكوته
"فإن ذكر إقراره" وأراد إقامة البينة "ليكتب له" الحاكم به إلى حاكم بلد الغائب "لم تسمع" لما مر (٣) "أو ليستوفي له" الحاكم حقه "من مال حاضر (٤) " للغائب "سمعت" ووفاه حقه فهذه مستثناة من عدم سماعها فيما لو قال هو مقر واستثنى البلقيني (٥) أيضا من لا يقبل إقراره لسفه أو نحوه (٦) فلا يمنع قوله، وهو
стр. 5250
مقر من سماعها وما لو قال هو مقر لكنه ممتنع وما لو كانت بينته شاهدة (١) بالإقرار فإنه يقول عند إرادة مطابقة دعواه بينته أقر فلان بكذا ولي به بينة
"ويستحب" للقاضي "نصب مسخر" بفتح الخاء المعجمة "ينكر" عن الغائب لتكون البينة على إنكار منكر والذي في الأصل أنه لا يلزمه ذلك; لأنه قد يكون مقرا فيكون إنكاره كذبا قال: ومقتضى هذا التوجيه أنه لا يجوز نصبه لكن الذي ذكره أبو الحسن العبادي وغيره أن القاضي مخير بين النصب وعدمه فذكر الاستحباب من زيادة المصنف وبه صرح صاحب الأنوار (٢) وقد يتوقف فيه
"فرع" لا تسمع الدعوى والبينة على الغائب بإسقاط حق (٣) له كما لو قال كان له علي ألف قضيته إياها أو أبرأني فيها ولي بينة به ولا آمن إن خرجت إليه أن يطالبني ويجحد القبض أو الإبراء فاسمع بينتي واكتب بذلك إلى قاضي بلده لم يجبه; لأن الدعوى بذلك والبينة لا تسمع إلا بعد المطالبة بالحق قال ابن الصلاح: وطريقه في ذلك أن يدعي إنسان أن رب الدين أحاله به فيعترف المدعى عليه بالدين لربه وبالحوالة ويدعي أنه أبرأه منه أو أقبضه فتسمع الدعوى بذلك والبينة، وإن كان رب الدين حاضرا بالبلد
стр. 5251
الطرف الثاني: في التحليف
"وبعد قيام البينة" وتعديلها "يحلف وجوبا" يمين الاستظهار "مدع على غائب وصبي ومجنون (١) وميت بلا وارث خاص أن ما ادعاه" عليه "باق في ذمته (٢) " يلزمه تسليمه (٣) "ما برئ من شيء منه" بطريق من الطرق احتياطا له إذ لو حضر أو كمل أو لم يمت لكان له أن يحلفه عليه فإن كان للميت وارث خاص اعتبر في الحلف طلب الوارث; لأن الحق له في التركة ومثله ما لو كان للصبي والمجنون نائب خاص وبه صرح صاحب المهذب والتهذيب وغيرهما كما نقله الزركشي وأقره ولا يشترط التعرض في اليمين لصدق الشهود بخلاف اليمين مع الشاهد لكمال الحجة هنا صرح به الأصل "فلو اقتصر" في حلفه "على أنه ثابت في ذمته يلزمه تسليمه كفى" وإنما اعتبر ذكر لزوم تسليمه; لأنه قد يكون ثابتا في ذمته ولا يلزمه تسليمه لتأجيل ونحوه "ولو ادعى قيم طفل على قيم طفل وأقام" بما ادعاه "بينة انتظر بلوغ المدعى له ليحلف (٤) " لتعذر تحليف غيره
стр. 5252
عنه ومثله المجنون والإفاقة كالبلوغ "ويقضى على الغائب بشاهد ويمينين أحدهما لتكميل الحجة والأخرى" بعدها "لنفي المسقط" من إبراء أو غيره ويسمى يمين الاستظهار كما مرت الإشارة إليه
"فرع" لو "ادعى وكيل غائب على غائب لم يحلف (١) "; لأن الوكيل لا يحلف يمين الاستظهار بحال "ويعطي الحق" الذي ادعاه (٢) أي يعطيه له القاضي "إن كان" للمدعى عليه "هناك مال (٣) " لأنه نائبه وأفهم كلامه كأصله أنه لا
стр. 5253
يعطيه إن لم يكن هناك مال والمتجه كما قال التاج السبكي (١) خلافه إن كان المال في محل عمله وقد يحمل قوله هناك على محل ولايته (٢) فيزول الإشكال "أو على حاضر فقال" له "أبرأني موكلك (٣) " الغائب عما ادعيته علي "لم يؤخر الحكم ليمينه" على نفي ذلك بعد حضوره; لأنه يؤدي إلى تعذر استيفاء الحقوق بالوكلاء "بل" يحكم عليه بالحق ثم "يثبت" هو "الإبراء أو يسلم" الحق عبارة الأصل بل عليه تسليم الحق ثم يثبت الإبراء
стр. 5254
"وكذا إن استحق عليه" أي على أحد "صبي مالا (١) " وادعاه وليه عليه "فادعى أنه أتلف عليه عينا" بدلها من جنس دينه وقدره فإنه يحكم عليه ويسلم الحق "ويحلف" له "الصبي إذا بلغ" عاقلا.
"ولو سأل" المدعى عليه "تحليف الوكيل" الذي ادعى عليه "أنه لم يعلم" أن موكله أبرأه (٢) من الحق "أجيب" إليه "وقال" صوابه قاله "الشيخ أبو حامد، وهو مخالف لما سبق" من أن الوكيل لا يحلف لكن قال الأذرعي: ما قاله الشيخ أبو حامد هو ما أورده العراقيون كما ذكره ابن الصلاح وغيره، وهو الصحيح الموافق لما مر في الوكالة من أن الوكيل يحلف على نفي العلم فيما لو ادعى البائع أن الموكل علم بالعيب ورضي به وذكر الزركشي نحوه وقال ففي البحر: أنه مذهب الشافعي; لأنه لو أقر به خرج من الوكالة والخصومة ولا يشكل بما سبق إذ لا يلزم من تحليفه هنا تحليفه ثم; لأن تحليفه هنا إنما جاء من جهة دعوى صحيحة يقتضي اعترافه بها سقوط مطالبته بخلاف يمين الاستظهار فإن حاصلها أن المال ثابت في ذمة الغائب أو الميت وهذا لا يتأتى من الوكيل
"ولو قال" شخص لآخر "أنت وكيله" أي فلان الغائب ولي عليه كذا وادعى عليك وأقيم به بينة "فأنكر" الوكالة "أو قال لا أعلم" أني وكيل "لم تقم عليه بينة" بأنه وكيله; لأن الوكالة حق له فكيف تقام بينة بها قبل دعواه وقوله فأنكر من زيادته وإذا علم أنه وكيل وأراد أن لا يخاصم فليعزل نفسه، وإن لم يعلم ذلك فينبغي أن يقول لا أعلم أني وكيل ولا يقول لست بوكيل فيكون مكذبا لبينة قد تقوم عليه بالوكالة صرح به الأصل وقضية كلام المصنف كأصله أنه
стр. 5255
لا يجب إقامة البينة (١) على الوكالة ويكفي اعتراف الخصم بها حتى لو صدقه سمعت دعواه عليه بلا بينة وبه أجاب البغوي في فتاويه ونقله عن القاضي. وجزم به الإمام وغيره لكن قال الماوردي والروياني: مذهب الشافعي أنه لا يسمع تخاصمهما إلا ببينة خلافا لابن سريج نقل ذلك الزركشي تبعا للأذرعي ثم قال والحاصل أنه إن كان قصد الوكيل (٢) إثبات الدين سمعت دعواه أو تسليم المال فلا; لأنه وإن ثبت الحق عليه لم يلزمه تسليمه إلا على وجه يبرئه منه انتهى وتقدم في باب الوكالة ما له تعلق بذلك