الطرف الثاني: في التحليف
"وبعد قيام البينة" وتعديلها "يحلف وجوبا" يمين الاستظهار "مدع على غائب وصبي ومجنون (١) وميت بلا وارث خاص أن ما ادعاه" عليه "باق في ذمته (٢) " يلزمه تسليمه (٣) "ما برئ من شيء منه" بطريق من الطرق احتياطا له إذ لو حضر أو كمل أو لم يمت لكان له أن يحلفه عليه فإن كان للميت وارث خاص اعتبر في الحلف طلب الوارث; لأن الحق له في التركة ومثله ما لو كان للصبي والمجنون نائب خاص وبه صرح صاحب المهذب والتهذيب وغيرهما كما نقله الزركشي وأقره ولا يشترط التعرض في اليمين لصدق الشهود بخلاف اليمين مع الشاهد لكمال الحجة هنا صرح به الأصل "فلو اقتصر" في حلفه "على أنه ثابت في ذمته يلزمه تسليمه كفى" وإنما اعتبر ذكر لزوم تسليمه; لأنه قد يكون ثابتا في ذمته ولا يلزمه تسليمه لتأجيل ونحوه "ولو ادعى قيم طفل على قيم طفل وأقام" بما ادعاه "بينة انتظر بلوغ المدعى له ليحلف (٤) " لتعذر تحليف غيره
стр. 5252
عنه ومثله المجنون والإفاقة كالبلوغ "ويقضى على الغائب بشاهد ويمينين أحدهما لتكميل الحجة والأخرى" بعدها "لنفي المسقط" من إبراء أو غيره ويسمى يمين الاستظهار كما مرت الإشارة إليه
"فرع" لو "ادعى وكيل غائب على غائب لم يحلف (١) "; لأن الوكيل لا يحلف يمين الاستظهار بحال "ويعطي الحق" الذي ادعاه (٢) أي يعطيه له القاضي "إن كان" للمدعى عليه "هناك مال (٣) " لأنه نائبه وأفهم كلامه كأصله أنه لا
стр. 5253
يعطيه إن لم يكن هناك مال والمتجه كما قال التاج السبكي (١) خلافه إن كان المال في محل عمله وقد يحمل قوله هناك على محل ولايته (٢) فيزول الإشكال "أو على حاضر فقال" له "أبرأني موكلك (٣) " الغائب عما ادعيته علي "لم يؤخر الحكم ليمينه" على نفي ذلك بعد حضوره; لأنه يؤدي إلى تعذر استيفاء الحقوق بالوكلاء "بل" يحكم عليه بالحق ثم "يثبت" هو "الإبراء أو يسلم" الحق عبارة الأصل بل عليه تسليم الحق ثم يثبت الإبراء
стр. 5254
"وكذا إن استحق عليه" أي على أحد "صبي مالا (١) " وادعاه وليه عليه "فادعى أنه أتلف عليه عينا" بدلها من جنس دينه وقدره فإنه يحكم عليه ويسلم الحق "ويحلف" له "الصبي إذا بلغ" عاقلا.
"ولو سأل" المدعى عليه "تحليف الوكيل" الذي ادعى عليه "أنه لم يعلم" أن موكله أبرأه (٢) من الحق "أجيب" إليه "وقال" صوابه قاله "الشيخ أبو حامد، وهو مخالف لما سبق" من أن الوكيل لا يحلف لكن قال الأذرعي: ما قاله الشيخ أبو حامد هو ما أورده العراقيون كما ذكره ابن الصلاح وغيره، وهو الصحيح الموافق لما مر في الوكالة من أن الوكيل يحلف على نفي العلم فيما لو ادعى البائع أن الموكل علم بالعيب ورضي به وذكر الزركشي نحوه وقال ففي البحر: أنه مذهب الشافعي; لأنه لو أقر به خرج من الوكالة والخصومة ولا يشكل بما سبق إذ لا يلزم من تحليفه هنا تحليفه ثم; لأن تحليفه هنا إنما جاء من جهة دعوى صحيحة يقتضي اعترافه بها سقوط مطالبته بخلاف يمين الاستظهار فإن حاصلها أن المال ثابت في ذمة الغائب أو الميت وهذا لا يتأتى من الوكيل
"ولو قال" شخص لآخر "أنت وكيله" أي فلان الغائب ولي عليه كذا وادعى عليك وأقيم به بينة "فأنكر" الوكالة "أو قال لا أعلم" أني وكيل "لم تقم عليه بينة" بأنه وكيله; لأن الوكالة حق له فكيف تقام بينة بها قبل دعواه وقوله فأنكر من زيادته وإذا علم أنه وكيل وأراد أن لا يخاصم فليعزل نفسه، وإن لم يعلم ذلك فينبغي أن يقول لا أعلم أني وكيل ولا يقول لست بوكيل فيكون مكذبا لبينة قد تقوم عليه بالوكالة صرح به الأصل وقضية كلام المصنف كأصله أنه
стр. 5255
لا يجب إقامة البينة (١) على الوكالة ويكفي اعتراف الخصم بها حتى لو صدقه سمعت دعواه عليه بلا بينة وبه أجاب البغوي في فتاويه ونقله عن القاضي. وجزم به الإمام وغيره لكن قال الماوردي والروياني: مذهب الشافعي أنه لا يسمع تخاصمهما إلا ببينة خلافا لابن سريج نقل ذلك الزركشي تبعا للأذرعي ثم قال والحاصل أنه إن كان قصد الوكيل (٢) إثبات الدين سمعت دعواه أو تسليم المال فلا; لأنه وإن ثبت الحق عليه لم يلزمه تسليمه إلا على وجه يبرئه منه انتهى وتقدم في باب الوكالة ما له تعلق بذلك
стр. 5256
الطرف الثالث: في كتاب القاضي إلى القاضي
"يجوز" للقاضي "أن يسمع البينة" على الغائب "وينهي (١) " الأمر إلى قاضي بلده ليحكم ويستوفي "وأن يحكم" عليه بالحق "وينهي" الأمر إلى قاضي بلده ليستوفي منه إن لم يكن له مال حاضر يوفى عنه منه "لا ما حكم فيه بعلمه (٢) " فلا ينهى الأمر فيه إلى قاضي بلد الغائب عبارة الأصل، وهل يجوز أن يكتب بعلم
стр. 5257
نفسه ليقضي به المكتوب إليه قال في العدة: لا يجوز، وإن جوزنا القضاء بالعلم (١) ; لأنه ما لم يحكم به هو كالشاهد والشهادة لا تتأدى بالكتابة وفي أمالي السرخسي جوازه ويقضي به المكتوب إليه إذا جوزنا القضاء بالعلم; لأن إخباره عن علمه إخبار عن قيام الحجة فليكن كإخباره عن قيام البينة قال الإسنوي: وبما قاله في العدة جزم صاحب البحر وقال البلقيني: الأصح ما في أمالي السرخسي وقضية كلام الأصل أنه لو حكم (٢) بعلمه جاز له الإنهاء فما قاله المصنف عكس ما اقتضاه كلام أصله ولعله سبق قلم
"فإن حكم على غائب وسأل إنهاء" الحكم "إلى قاضي بلده (٣) يلزمه الإشهاد بحكمه. والأولى أن يكتب له" بذلك كتابا أولا ثم يشهد "ويقول" فيه "بعد ذكر البينة" المسبوقة بالدعوى أي بعد ذكره حضر فلان وادعى على فلان الغائب المقيم ببلد كذا بكذا وأقام عليه بينة و "حلف المدعي وحكمت له بالمال وسأل أن أكتب له" إليك بذلك "فكتبت له" وأشهدت به "ويجوز أن يقول" فيه حكمت "بشاهدين"، وإن "لم يصفهما بعدالة و" لا "غيرها فحكمه بها" أي بشهادتهما "تعديل" لهما "وأن يقول" حكمت بكذا "بحجة أوجبت الحكم (٤) " فقد يحكم بشاهد ويمين أو بعلمه فعلم أنه لا يجب تسمية شهود الحكم ولا شهود الحق ولا ذكر أصل الشهادة فيهما "وليقرأ الكتاب" الذي كتبه على الشهود ويقرأ بين يديه عليهم ويقول اشهدوا علي بما فيه أو على حكمي المبين فيه قال في الأصل وفي الشامل لو اقتصر بعد القراءة على قوله هذا كتابي إلى فلان أجزأ لكن حكاه في الشرح الصغير بصيغة قيل والأحوط أن ينظر الشاهد أن وقت القراءة عليهما في
стр. 5258
الكتاب "فلو لم يقرأه" عليهما وجهلا ما فيه "وأشهدهما على ما أن فيه حكمه" أو أنه قضى بمضمونه "لم يكف حتى يفصل" لهما "ما حكم به" ولا يكفي أيضا ما فهم بالأولى وصرح به الأصل أن يشهدهما على أن هذا كتابه أو ما فيه خطه; لأن الشيء قد يكتب من غير قصد تحقيقه "ولو حكم بحضورهما ولم يشهدهما فلهما الشهادة بحكمه".
والحاصل أن إنشاء الحكم بحضورهما لا يحتاج فيه إلى قوله اشهدا علي بخلاف قراءة الكتاب لا بد فيه من قوله اشهدا علي بما فيه إلا ما مر عن الشامل "والمكتوب إليه يطلب" وجوبا "تزكية الشهود الحاملين للكتاب ولا يكفي تعديل الكاتب إياهم"; لأنه تعديل قبل أداء الشهادة ولأنه كتعديل المدعي شهوده; ولأن الكتاب إنما يثبت بقولهم فلو ثبت به عدالتهم لثبتت بقولهم والشاهد لا يزكي نفسه
"ولو قال رجل" لآخر "يستحق فلان علي ما في هذه القبالة وأنا عالم به جاز أن يشهد عليه بما فيها إن حفظها"، وإن لم يفصله له; لأنه يقر على نفسه والإقرار بالمجهول صحيح بخلاف القاضي فإنه مخبر عن نفسه بما يضر غيره فالاحتياط فيه أهم وهذا ما صححه الغزالي (١) وجزم الصيمري بالمنع (٢) حتى يقرأه ويحيط بما فيه وذكر أنه مذهب الشافعي وأبي حنيفة والترجيح من زيادة المصنف قال في الأصل: ويشبه أن يكون الخلاف في أنه هل يشهد أنه أقر بمضمون القبالة مفصلا أما الشهادة بأنه أقر بما فيها مبهما فينبغي أن تقبل قطعا (٣) كسائر الأقارير المبهمة
"ويستحب" للقاضي "ختم الكتاب" حفظا لما فيه وإكراما للمكتوب إليه "وكان ﷺ يرسل كتبه غير مختومة فامتنع بعضهم من قبولها إلا مختومة فاتخذ خاتما ونقش عليه "محمد رسول الله" فصار ختم الكتب سنة متبعة وإنما كانوا لا يقرءون
стр. 5259
كتابا إلا مختوما خوفا من كشف أسرارهم وإضاعة تدبيرهم.
"و" أن "يترك معهما" نسخة "أخرى" غير مختومة "يطالعانها" عند الحاجة "و" أن "يذكر في الكتاب نقش الختم (١) " أي الخاتم الذي يختم به "وأن يثبت اسمه واسم المكتوب إليه في العنوان أيضا" كما يثبتهما في باطن الكتاب "فإن أنكر الخصم" الحق بعد أن أحضره المكتوب إليه "شهدا" عنده "بأن هذا كتاب القاضي فلان وختمه وحكم بما فيه لفلان على هذا وقرأه علينا"، وإن لم يقولا وأشهدنا به فلا يكفي ذكرهما الكتاب والختم من غير تعرض لحكمه، وإن أقر به استوفاه منه
"فرع التعويل على" شهادة "الشهود فلو شهدوا بخلاف ما في الكتاب (٢) " أو بعد أن ضاع أو انمحى أو انكسر الختم كما فهمت بالأولى "عمل بشهادتهم"; لأن الاعتماد كما مر عليها لا على الكتاب والكتاب تذكرة مندوب إليه جرى رسم القضاة به "ويشهد به" أي بما فيه "رجلان ولو في مال" أو زنا أو هلال رمضان وتجوز شهادتهم قبل فض الكتاب وبعده سواء فضه القاضي أم غيره لكن الأدب والاحتياط أن يشهدوا بعد فض القاضي له وقراءتهم الكتاب
"فرع لو كتب إلى" قاض "معين" بحكم أو سماع بينة "فشهدوا عند غيره جاز"، وإن لم يكتب وإلى كل من يصل إليه من القضاة اعتمادا على الشهادة "سواء عاش الكاتب والمكتوب إليه أو ماتا"; لأنهم يشهدون بما تحملوه عن الكاتب ومحل ذلك في موت الكاتب إذا لم يكن الحاكم الثاني نائبا عنه فإن كان نائبا عنه تعذر ذلك (٣) وكالموت العزل والانعزال بجنون وإغماء وخرس ونحوها "ولو فسق الكاتب أو ارتد" ثم وصل الكتاب إلى الثاني "أمضى حكمه"; لأن ذلك لا يؤثر في الحكم السابق "لا إن كان" الإنهاء "إنهاء" سماع "بينة" فلا يقبلها
стр. 5260
ولا يحكم بها كما لو فسق الشاهد أو ارتد قبل الحكم; ولأن شهادتهما مشبهة بالشهادة على الشهادة وشهادة الفرع لا تقبل بعد فسق الأصل (١) أو ردته، وهذا التفصيل أجراه المصنف في شرح الإرشاد في غير الفسق والردة مما مر أيضا، وهو خلاف ما في الأصل (٢)
"فرع ينبغي" أي يندب "أن يكتب القاضي في الكتاب اسم المحكوم له و" المحكوم "عليه و" أن "يصفهما بما يميزان به" من كنية وولاء واسم أب وجد وحلية وحرفة ونحوها ليسهل التمييز "فإن شهدا على الموصوف (٣) " بالصفات المذكورة في الكتاب "فأنكر الاسم والنسب" ولم يكن معروفا بذلك "فالقول قوله بيمينه" أنه ليس الموصوف لموافقته الأصل وعلى المدعي بينة بأن هذا المكتوب اسمه ونسبه فإن لم تكن بينة ونكل عن اليمين حلف المدعي واستحق أما إذا شهدا على عينه أن القاضي الكاتب حكم عليه فيستوفى منه "فلو قال" لا أحلف على أني لست الموصوف بل "أحلف" على "أنه لا يلزمني" شيء "لم يقبل" منه
стр. 5261
بل يلزمه التعرض لما أنكره (١) وقيل يقبل والترجيح من زيادته على الروضة، وهو مقتضى كلام الرافعي في الشرح الكبير وصرح به في الصغير (٢) قال ولو اقتصر في الجواب على أنه لا يلزمني شيء كفاه وحلف عليه "فإن قال هو اسمي ولست الخصم فإن لم يوجد هناك مشارك" له في الاسم والصفات "يعاصر المحكوم عليه" الذي قاله غيره المحكوم له (٣) "حكم عليه"; لأن الظاهر أنه المحكوم عليه (٤).
"فإن وجد"، وهو "ميت" بعد الحكم مطلقا أو قبله "وقد عاصره وقع الإشكال" بخلاف ما إذا لم يعاصره واعتبرت معاصرته له لتمكن معاملته (٥) له ونازع البلقيني في اعتبار المعاصرة لاحتمال كون الدين على ميت لم يعاصره بمعاملة مع مورثه مثلا قال، وإنما المدار على إمكان صدور المدعى به مع الميت "أو حاضرا حضر فإن أنكر" الحق (٦) "كتب" الحاكم الثاني "إلى الأول" بما وقع من
стр. 5262
الإشكال "ليأخذ من الشهود ما يدرأ" أي يدفع "الإشكال فيه (١) " أي المحكوم عليه، وإن اعترف بالحق طولب به وخلص الأول (٢) هذا كله إذا أثبت القاضي اسم المحكوم عليه ونسبه وصفته كما مر "أما لو حكم على محمد بن أحمد مثلا لم يصح; لأنه حكم على مبهم (٣)، وإن اعترف بذلك الاسم رجل وأنه المحكوم عليه ولم يقر" بالحق "لم يلزمه" ذلك الحكم لبطلانه في نفسه فإن أقر بالحق لزمه
ولما فرغ من الإنهاء بالمكاتبة شرع في الإنهاء بالمشافهة فقال "فإن شافه قاض قاضيا بالحكم والمنهى" له "في غير محل ولايته (٤) لم يحكم" الثاني، وإن كان في محل ولايته; لأن إخباره في غير محل ولايته كإخباره بعد عزله "أو عكسه" بأن كان المنهى في محل ولايته والمنهى إليه في غيره. "فله الحكم إذا رجع ولايته" أي إليها أي محلها "وهو حكم بعلمه فإن كانا في محل ولايتهما كان تناديا من الطرفين" بأن كان كل منهما في طرف محل ولايته ونادى الحاكم الأول الثاني وأخبره بما حكم "أو كانا قاضي بلد أو أنهى إليه نائبه في البلد وعكسه" بأن أنهى إليه منيبه "أو خرج القاضي إلى قرية له فيها نائب فأخبر أحدهما الآخر" بحكمه "أمضاه"; لأنه أبلغ من الشهادة والكتاب ولأن القرية في الأخيرة محل ولايتهما "ولو دخل النائب" بلد منيبه "فأنهى" إليه "حكمه لم يقبل"; لأن المنهى في غير محل ولايته "أو أنهى إليه القاضي" حكمه "نفذه" إذا عاد إلى محل ولايته "وكان حكما بعلم".
"فرع له أن يشافه بالحكم واليا غير قاض ليستوفي" الحق ممن لزمه "ولو ممن هو في غير" محل "ولايته"; لأن سماع الولي مشافهة كشهادة الشهود عند القاضي واختار الإمام خلاف ذلك قال; لأنه ليس إليه سماع قول القاضي كما
стр. 5263
ليس إليه سماع البينة "ولا يكتب إليه إلا إن فوض إليه" من الإمام "نظر القضاء" أي تولية من يراه صالحا للقضاء "وهو صالح له" فله مكاتبته كما يجوز مكاتبة الإمام الأعظم قال في الأصل وإنما لم يكاتبه فيما عدا هذا; لأن الكتاب إنما يثبت بالبينة ومنصب سماعها يختص بالقضاء لكنه خالف فيه في الروضة فصحح فيها قبيل الباب الرابع في الشاهد واليمين أن ذلك لا يختص بالقضاة نبه عليه الإسنوي
"فصل، وإن لم يحكم وأنهى سماع الحجة" المسبوقة بالدعوى "إلى قاض آخر مشافهة" له به "لم يجز" له الحكم به بناء على أن إنهاء سماعها نقل لها كنقل الفرع شهادة الأصل فكما لا يحكم بالفرع مع حضور الأصل لا يجوز الحكم بذلك ويؤخذ منه أنه لو غاب الشهود عن بلد القاضي لمسافة يجوز فيها الشهادة على الشهادة جاز الحكم بذلك، وهو ظاهر (١) "أو مكاتبة جاز" الحكم به "حيث" تكون المسافة بين القاضيين بحيث "يسمع" فيها "الشهادة على الشهادة" بخلاف الكتاب بالحكم يجوز ولو مع القرب (٢) ; لأن الحكم قد تم ولم يبق إلا الاستيفاء بخلاف سماع الحجة (٣) إذ يسهل إحضارها مع القرب ويسمى كتاب سماعها كتاب نقل الشهادة وكتاب الثبت أي تثبيت الحجة "بخلاف ما لو قال لنائبه اسمع البينة" بعد الدعوى "وانهها إلي" ففعل "فإن الأشبه الجواز" أي جواز حكم منيبه بذلك;
стр. 5264
لأن تجويز النيابة للاستعانة بالنائب، وهو يقتضي الاعتداد بسماعه بخلاف سماع القاضي المستقل ومقابل الأشبه عدم الجواز كإنهاء أحد القاضيين في البلد إلى الآخر لإمكان حضور الشهود عنده "وليبين" القاضي الكاتب "الحجة" أهي بينة أو شاهد ويمين أو يمين مردودة ليعرفها المكتوب إليه فقد لا يرى بعض ذلك حجة "ويسمي له الشهود ليبحث عنهم". والأولى أن يبحث عن حالهم ويعدلهم (١) ; لأن أهل بلدهم أعرف بهم فإن لم يفعل فعلى الثاني البحث والتعديل وإذا عدلهم الأول فليس للثاني إعادة التعديل قال الأذرعي وينبغي أن يكون محله (٢) في القاضي الموافق في المذهب في التعديل لا المخالف وفي نسخة وليبحث بالواو
"فلو عدلهم" الكاتب "وسكت عن تسميتهم كفى" كما في الحكم ولا حاجة هنا إلى تحليف المدعي كما صرح به الأصل "وللخصم تجريحها" أي الحجة والأولى تجريحهم "ويمهل له" أي لتجريحهم أي لإقامة البينة به "ثلاثا" من الأيام فأقل بحسب الحاجة إذا استمهل له; لأنها مدة يسيرة لا يعظم ضرر المدعي بتأخير الحكم فيها وبالمدعى عليه حاجة إليها وكذا لو قال أبرأتني أو قضيت الحق واستمهل ليقيم البينة عليه "لا" إن استمهل "ليذهب إلى الكاتب ويجرحهم عنده" أو ليأتي من بلده ببينة أخرى دافعة فلا يمهل "بل يسلم المال" للمدعي قال الإسنوي (٣) ويظهر أن محله إذا توقف على أكثر من ثلاثة أيام وكلام الروياني يدل عليه (٤)
стр. 5265
ويحتمل المنع مطلقا سدا للباب "فإن أقام دافعا استرد" ما سلمه (١) "فلو سأل" الخصم "والكاتب بالحكم تحليفه" أي المدعي "أنه ما استوفى" منه الحق أو أنه ما أبرأه منه "فهل يجاب" إليه. كما لو ادعى عنده ابتداء أو لا; لأن الكاتب حلفه "وجهان" أرجحهما في الأنوار الثاني (٢) ونقله ابن الرفعة عن القاضي أبي الطيب والماوردي والبندنيجي وغيرهم نعم إن ادعى إيقاع ذلك بعد الحكم فله تحليفه بلا شك "أو" سأل تحليفه "أنه لا يعلم عداوة الشهود (٣) له أجيب" إليه بخلاف ما لو سأل تحليفه أنه لا عداوة بينه وبينهم كما صرح به الماوردي والروياني ومن هنا زاد المصنف يعلم على قول أصله أو لا عداوة بينه وبين الشهود "أو" تحليفه "أنهم عدول لم يجب" بل يكفي تعديل الحاكم إياهم بخلاف ما لو سأل تحليفه أنه لا يعلم فسقهم (٤) كما سيأتي في الدعاوى
стр. 5266
الطرف الرابع: في الحكم بالشيء الغائب على غائب (١)
"وهذا في الأعيان"; لأنها التي تتصف بالغيبة والحضور "أما الدين ونحو النكاح والطلاق" من رجعة وإثبات وكالة ونحوهما "فلا يوصف بغيبة ولا حضور" لا في الدعوى بها ولا في غيرها "ثم العين" المدعاة "الغائبة عن البلد إن كانت مما تعرف" بأن يؤمن اشتباهها "كالعقار" المعروف ويعتمد فيه ما ذكره بقوله "فيعرفه" المدعي "بذكر البقعة والسكة والحدود الأربعة (٢) " على ما يأتي
стр. 5267
في الدعاوى "وكالعبد والفرس" المعروفين "بالشهرة سمعت الدعوى والبينة ويحكم بها" قال في الأصل ولا يجب ذكر القيمة على الأصح لحصول التمييز دونه وتركه المصنف للعلم به مما يأتي في الدعاوى (١).
"وما لا شهرة له" كغير المعروف من العبيد والدواب "تسمع فيه الأوصاف" أي الدعوى به اعتمادا على الأوصاف "أيضا لإقامة البينة" للحاجة إليها كما في العقار وكما تسمع على الخصم الغائب اعتمادا على الصفة "لا للحكم (٢) "; لأنه مع خطر الاشتباه والجهالة بعيد "فيصفها" أي العين الغائبة "المدعى" بها "بصفات السلم وبالقيمة" على الوجه الذي ذكره بقوله "قالوا والركن في" تعريف "المثليات الوصف (٣) " أي ذكره "وذكر القيمة مستحب وفي ذوات القيم" الأمر "بالعكس" أي الركن في تعريفها ذكر القيمة وذكر الوصف مستحب وعليه يحمل كلام المنهاج وما ذكره في الدعاوى من وجوب وصف العين بصفة السلم دون قيمتها مثلية كانت أو متقومة هو في عين حاضرة بالبلد يمكن إحضارها مجلس الحكم فلا ينافي ما هنا كما أشاروا إليه بتعبيرهم هنا بالمبالغة (٤) في الوصف وثم
стр. 5268
بوصف السلم والمصنف كبعضهم توهم أن العين في البابين واحدة فعبر هنا بما عبروا به ثم من اعتبار وصفها بصفات السلم (١) "ويكتب" القاضي "بذلك" أي بما جرى عنده من قيام البينة "إلى قاضي بلد العين فإن لم يوجد" ثم "عين أخرى بتلك الصفات" المذكورة "بعث" المكتوب إليه "بالعين إلي القاضي الكاتب ليشهدوا" أي الشهود عنده "على عينها" ويبعثها له "على يد المدعي" لا الخصم لما في بعثه من المشقة.
"ويؤخذ منه كفيل ببدنة (٢) " لا بقيمتها احتياطا للمدعى عليه "ويختم على العين" عند تسليمها له "بختم لازم لئلا تبدل" بما لا يستريب الشهود في أنها له "فإن كان" المدعى به "عبدا جعل في عنقه قلادة وختم عليها والختم مستحب والكفيل واجب أو" كان "جارية" لا يحل للمدعي الخلوة بها "فكذلك" الحكم "لكن يبعث بها على يد أمين (٣) " في الرفقة لا على يد المدعي "فإن شهدوا بعينها" أي العين المبعوث بها إلى الكاتب عنده "حكم بها للمدعي وسلمها إليه" فله الرجوع على الخصم بمؤنة الإحضار "وكتب بذلك ليبرأ الكفيل" عبارة الأصل وكتب إبراء الكفيل "وإن لم يشهدوا" بعينها "فعلى المدعي مؤنة الرد (٤) " والإحضار لها إلى الخصم لتعديه "وأجرة العين" لمدة الحيلولة (٥) "وتسامحوا" أي الأصحاب "في أجرة ما أحضر في البلد" لزمن الإحضار والرد فلم
стр. 5269
يوجبوها للخصم، وإن لم يثبت ذلك للمدعي; لأن مثل ذلك يتسامح به توفيرا لمجلس القاضي ومراعاة للمصلحة في ترك المضايقة مع عدم زيادة الضرر بخلاف الغائب عن البلد ولا يجب للخصم أجرة منفعته، وإن أحضره من غير البلد للمسامحة بمثله ولأن منفعة الحر لا تضمن بالفوات أما إذا وجدت عين أخرى بتلك الصفات فقد صار القضاء مبهما وانقطعت المطالبة في الحال كما مر في المحكوم عليه صرح به الأصل.
"وأما إن كانت العين في البلد (١) وإحضارها متيسر فإنها تحضر (٢) لتقوم البينة على عينها" إذ بذلك يتوصل المدعي إلى حقه فوجب إحضارها كما يجب على الخصم الحضور عند الطلب "ولا تسمع" البينة "على الأوصاف (٣) " كما في
стр. 5270
الخصم الغائب عن المجلس في البلد لعدم الحاجة إلى ذلك بخلافه في الغائب عن البلد "وأما العقار فيوصف ويحدد" في الدعوى وتقام عليه البينة بتلك الحدود إذ لا يتيسر إحضاره "وقد تكفي شهرته" عن تحديده "ويحكم به" للمدعي كما مر نظيره في الغائب عن البلد "وكذا العبد" مثلا "المشهور" للناس "لا يحتاج إلى إحضاره" كما مر في العقار "وكذا إن عرفه القاضي" وحكم بعلمه "بناء على جواز حكمه بعلمه فإن كانت" حجته التي يحكم بها "بينة أحضر" لتشاهده البينة بناء على أنها لا تسمع بالصفة وتبع في هذه أصله حيث نقل عن الغزالي أنه يحكم بالعبد الذي يعرفه القاضي بلا إحضار ثم اعترضه بأن هذا بعيد فيما إذا جهل وصفه وقامت به بينة; لأنها لا تسمع بالصفة لكن أجاب عنه ابن الرفعة (١) بأن الممنوع (٢) إنما هو الشهادة بوصف لا يحصل للقاضي به معرفة الموصوف معه دون ما إذا حصلت به كما هنا (٣) "وما تعسر إحضاره لثقل" فيه "أو إثبات" له "في جدار" أو أرض وضر قلعه "وصفه المدعي" إن أمكن وصفه.
"ثم يأتيه القاضي أو نائبه لتقع الشهادة على عينه" فإن لم يمكن وصفه حضر القاضي أو نائبه للدعوى على عينه "وكذا إذا عرف الشهود العقار دون الحدود يحضره" هو "أو نائبه" لتقع الشهادة على عينه "فإن وافقت الحدود" ما ذكره المدعي "في الدعوى حكم له" وإلا فلا "وإن أنكر المدعى عليه العين" المدعاة بأن أنكر اشتمال يده عليها "وحلف فله" أي للمدعي "أن يدعي عليه قيمتها فلعلها
стр. 5271
بلغت، وإن نكل" عن اليمين "وحلف المدعي أو قامت بينة" حين أنكر (١) "ولم يحضر العين حبس" لإحضارها "فإن ادعى التلف" لها "صدق بيمينه (٢) "، وإن كان على خلاف قوله الأول "لئلا يخلد عليه الحبس" مع إمكان صدقه "ويسلم القيمة" عنها "فإن غصبه عينا أو أعطاه" إياها "ليبيعها" فطالبه بها "فجحدها ولم يدر أباقية هي" فيطالبه بها "أم لا" فيطالبه بقيمتها في الصورتين أو بثمنها إن باعها في الثانية "فقال" في دعواه عليه بها "ادعى عليه عينا يلزمه ردها (٣) إلا إن كانت باقية أو قيمتها إن تلفت أو ثمنها إن باعها (٤) سمعت" دعواه وإن كانت مترددة للحاجة وقيد ابن الرفعة تبعا للغزالي (٥) الثانية بما إذا أعطاها له ليبيعها بأكثر من قيمتها، وفيه نظر فيما إذا أعطاها له ليبيعها بدون قيمتها.
"فإن" أقر بشيء فذاك، وإن "أنكر حلف" يمينا "أنه لا يلزمه رد العين ولا قيمتها ولا ثمنها فإن نكل" عن اليمين وردها على المدعي "فقيل يحلف كما ادعى" أي على التردد "وقيل يشترط التعيين" في حلفه والأوجه الأول (٦)، وهذا ذكره الأصل في أوائل الدعاوى وظاهر أن ما ذكره من الدعوى بالقيمة محله في المتقوم (٧) أما المثلي فيدعي فيه بالمثل ويرتب عليه حكمه "ومن أثبت" أي أقام بينة "بعبد موصوف ثم مات العبد فله قيمته بتلك الصفة"
"فرع لو كان الخصم حاضرا والعين غائبة" عن البلد "سمع" القاضي "البينة ولا يحكم" بها كما لو كان الخصم غائبا أيضا "بل يأمره" أي المدعى عليه
стр. 5272
"بإحضارها إلى مجلسه" ليشهد الشهود على عينها كما يفعله القاضي المكتوب إليه عند غيبة الخصم "فإن أحضرت ولم يشهدوا" بها "للمدعي لزمه مؤنة الإحضار" والرد "وأجرة المثل" لمدة الحيلولة كما مر فيما إذا كان الخصم غائبا أيضا
стр. 5273
الطرف الخامس: في المحكوم عليه
"لو ادعى" شخص "على غائب في البلد يمكن إحضاره" مجلس الحكم (١) "لم يجز (٢) " أي الدعوى عليه أي سماعها بل ولا سماع البينة ولا الحكم عليه لسهولة إحضاره وليأمن الحاكم خطأ البينة فيه (٣) ; ولأن أمر القضاء مبني على الفصل بأقرب الطرق ولو أحضر ربما أقر فيغني عن سماع البينة والنظر فيها "وكذا" لا يجوز على من "على مسافة العدوى (٤) " الآتي بيانها في الطرف الثالث من الباب الثالث من أبواب الشهادات; لأنه في حكم الحاضر "فإن تعزر" كل منهما "أو اختفى سمعت (٥) " عليه لتعذر الوصول إليه وإلا اتخذ الناس ذلك ذريعة إلى إبطال الحقوق "وهل يحلف له" المدعي يمين الاستظهار "كالغائب" أو لا لقدرته على الحضور "وجهان" صحح منهما البلقيني الأول (٦) ; لأن هذا احتياط للقضاء فلا يمنع منه ذلك وجزم صاحب العدة والماوردي والروياني بالثاني وصححه
стр. 5274
الأذرعي وإلى ترجيحه أشار المصنف (١) كأصله بقوله "وقوى المنع قدرته على الحضور" فلا عذر له بخلاف الغائب "فإن كان له أو الغائب وكيل" نصبه بنفسه "فهل يحتاج حضوره" يعني طلبه "في تحليف الخصم" أي فهل يحتاج في تحليف المدعي إذا قلنا به إلى طلب الوكيل; لأن الاحتياط حينئذ من وظيفة الوكيل أولا كالموكل (٢) "فيه تردد (٣) " أي احتمالان لأبي العباس الروياني قال ابن الرفعة (٤) والمشهور الأول
"فصل من استعدى القاضي على خصم (٥) " من أعدى يعدي أي يزيل العدوان أي من طلب من القاضي إحضار خصم له "في البلد يمكن إحضاره أحضره" وجوبا (٦) إلى مجلسه ولو كان من ذوي المروآت "فيبعث إليه بختم من
стр. 5275
طين رطب" أو غيره مما يعتاد بدفعه إلى المدعي ليعرضه عليه وليكن مكتوبا عليه أجاب القاضي فلانا وقد هجر هذا في هذه الأعصار فالأولى ما اعتيد (١) من الكتابة في كاغد "أو" يبعث إليه "بأحد أعوانه (٢) " المرتبين على بابه "وأجرتهم" أي أعوانه "على الطالب إن لم يرزقوا من بيت المال" وقضية كلامه كالمنهاج وأصله التخيير (٣) بين الأمرين وعبارة الأصل ثم الإحضار قد يكون بختم طين رطب أو غيره وقد يكون بشخص من الأعوان المرتبين على بابه فإن بعث بالختم فلم يجب بعث إليه العون انتهى وينبغي أن تكون مؤنة من أحضره (٤) عند امتناعه من الحضور ببعث الختم على المطلوب أخذا مما ذكر في قوله "فإن ثبت" عنده "امتناعه" من الحضور "بلا عذر" أو سوء أدبه بكسر الختم ونحوه ولو بقول العون الثقة "أحضره أعوان السلطان (٥) وعليه" حينئذ "مؤنتهم لامتناعه ثم
стр. 5276
يعزره بما رأى (١) " من ضرب أو حبس أو غيره وله العفو عن تعزيره إن رآه. "فإن اختفى نودي" بإذن القاضي "على بابه" أي باب داره أنه "إن لم يحضر إلى الثلاثة" من الأيام "سمر بابه" أو ختم عليه "فإن لم يحضر" بعد الثلاث "وطلب الخصم تسميره" أو ختمه "أجابه" إليه "إن تقرر عنده أنها داره" ولا يرفع المسمار أو الختم إلا بعد فراغ الحكم ثم محل التسمير أو الختم إذا كان لا يأويها غيره وإلا فلا سبيل إلى ذلك ولا إلى إخراج من فيها فيما يظهر قاله الأذرعي (٢) "فإن عرف موضعه بعث" إليه نساء أو صبيانا أو خصيانا قال في الأصل على هذا الترتيب أي فيقدم النساء ثم الصبيان ثم الخصيان "يهجمون" الدار ويفتشون "عليه" قال ابن القاص وغيره: ويبعث معهم عدلين من الرجال فإذا دخلوها وقف الرجال في الصحن وأخذ غيرهم في التفتيش قالوا ولا هجوم في الحدود إلا في قاطع الطريق قال الماوردي وإذا تعذر حضوره بعد هذه الأحوال حكم القاضي بالبينة وهل يجعل امتناعه كالنكول في رد اليمين؟ الأشبه نعم (٣) لكن لا يحكم عليه بذلك إلا بعد إعادة النداء على بابه ثانيا بأنه يحكم عليه بالنكول فإذا امتنع من الحضور بعد النداء الثاني حكم بنكوله "وإن امتنع" من الحضور "لعذر كخوف ظالم أو حبسه ومرض بعث إليه نائبه" ليحكم بينه وبين خصمه "أو وكل المعذور" من يخاصم عنه.
"ويبعث" إليه القاضي "من يحلفه" إن وجب تحليفه قال في المهمات ويظهر (٤) أن هذا في غير معروف النسب أو لم يكن عليه بينة وإلا سمع الدعوى والبينة وحكم عليه; لأن المرض كالغيبة في سماع شهادة الفرع فكذا في الحكم عليه قال: وقد صرح بذلك البغوي "وأما إن كان" الخصم "خارج البلد، وهو في
стр. 5277
محل ولايته" أي القاضي "وثم نائب" عنه "كتب إليه بسماع البينة" أي بأنه سمعها "ولم يحضره" لما في إحضاره من المشقة مع وجود الحاكم ثم وظاهر أن محل ذلك إذا كان (١) فوق مسافة العدوى لما مر أن الكتاب بسماع البينة لا يقبل في مسافة العدوى "وكذا إن لم يكن" له نائب "وهناك من يتوسط بينهما بصلح ونحوه" وكان من أهل الخبرة والمروءة والعقل فيكتب إليه أنه يتوسط ويصلح بينهما ولا يحضره للاستغناء عن إحضاره وقوله ونحوه من زيادته "وإلا" بأن لم يكن هنا من يتوسط بينهما "أحضره ولو بعدت المسافة (٢) "; لأن عمر ﵁ استدعى المغيرة بن شعبة من البصرة إلى المدينة ولئلا يتخذ السفر طريقا لإبطال الحقوق والتصريح بالترجيح من زيادته وعليه جرى جمع من المتأخرين تبعا للعراقيين وصحح في المنهاج كأصله (٣) ما نقله الأصل عن الإمام أنه لا يحضره إلا إذا كان بمسافة العدوى فأقل "ولكن بعد البحث عن جهة دعواه لئلا يتعبه فيما لا يلزمه" كذمي أراد مطالبة مسلم بضمان خمر بخلاف الحاضر بالبلد لا يحتاج إلى البحث في إحضاره إذ ليس عليه في الحضور مشقة شديدة ولا مؤنة أما إذا كان في غير محل ولايته فليس له أن يحضره (٤) إذ لا ولاية له عليه.
"وكذا المرأة" غير المخدرة بقرينة ما يأتي يحضرها القاضي "وعليه أن يبعث
стр. 5278
إليها محرما (١) " لها "أو نسوة ثقات لتخرج معهم بشرط أمن الطريق" كما في الحج ونقل الزركشي عن نص الشافعي (٢) أنه يكتفى بالمرأة الواحدة وترجيح اشتراط أمن الطريق من زيادة المصنف وبه جزم في الأنوار
"فصل ويستوفي" أي القاضي "لمن أثبت دينا على غائب (٣) من ماله" الحاضر أو الغائب في محل ولايته إذا طلبه المدعي "ولا يطالبه" القاضي "بكفيل" وإن احتمل أن يكون للغائب دافع; لأن الحكم قد تم والأصل عدم الدافع "ولا يحكم على الغائب" في عقوبة "لله" تعالى "ويحكم بها للآدمي" كما مر أول الباب أيضا فكتب القاضي بعد حكمه إلى قاضي بلد الغائب ليأخذه بالعقوبة
"فصل يلغو الحكم ببينة" إذا "تخلل بينهما عزل" للحاكم بأن سمع البينة فعزل ثم ولي ثانيا لبطلان السماع بالعزل بل تجب الاستعادة (٤) "لا خروج" له "عن محل ولايته" قبل الحكم فلا يلغو حكمه بالسماع الأول بعد عوده إلى محلها لبقاء ولايته وإنما فقد شرط نفوذ الحكم ولهذا لا يحتاج إلى تولية جديدة "وإن سمعت"
стр. 5279
بينة "على غائب فقدم أو" على "صبي فبلغ (١) " عاقلا ولم يحكم بها "لم تعد (٢) " أي لم يجب استعادتها بخلاف شهود الأصل إذا حضروا بعد ما شهد شهود الفرع قبل الحكم لا يقضى بشهادتهم; لأنهم بدل ولا حكم للبدل مع وجود الأصل "ومكن" الغائب بعد قدومه والصبي بعد بلوغه عاقلا "من الجرح" للبينة وغيره مما يمنع شهادتها عليه كعداوة "فإن قدم" الغائب (٣) "أو بلغ" الصبي (٤) عاقلا "وقد حكم" بالبينة "فهو على حجته (٥) " في إقامتها بالأداء أو الإبراء وجرح الشهود قال الأذرعي والظاهر (٦) أنه لا عبرة ببلوغ الصبي سفيها لدوام الحجر عليه كما لو بلغ مجنونا "فإن أثبت" أي أقام بينة "بفسق الشاهد أرخ" فسقه بيوم الشهادة أو بما قبله ولم يمض زمن الاستبراء "لأن الفسق يحدث" فلو أطلق احتمل حدوثه بعد الحكم وتعبيره بأرخ أعم من تعبير أصله بأرخ بيوم الشهادة
"فصل المخدرة (٧)، وهي من لا تصير متبذلة في الخروج للحاجات" المتكررة كشراء خبز وقطن وبيع غزل بأن لم تخرج أصلا لا لضرورة أو لم تخرج إلا قليلا لحاجة كعزاء وزيارة وحمام "لا تكلف الحضور (٨) " إلى مجلس الحكم "كالمريض" قالوا لقوله ﷺ في قصة العسيف "واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها" (٩) فتوكل أو "يبعث"
стр. 5280
القاضي "إليها (١) " نائبه "فتجيب من وراء الستر إن اعترف الخصم أنها هي أو شهد اثنان من محارمها أنها هي وإلا تلففت" بملحفة "وخرجت" من الستر إلى مجلس الحكم ولو اختلفا في التخدير ففي فتاوى القاضي أن عليها البينة وقال الماوردي والروياني (٢) إن كانت من قوم الأغلب من حال نسائهم التخدير صدقت بيمينها وإلا صدق بيمينه أي حيث لا بينة (٣) لها واستثنى مع المخدرة من استؤجر على عينه وكان حضوره يعطل حق المستأجر أخذا من فتوى الغزالي بعدم حبسه وتكلف المخدرة حضور الجامع للتحليف إذا اقتضى الحال التغليظ عليها "وغير المعذور إن وكل لم يكلف الحضور إلا للتحليف".
"فصل لا يزوج القاضي امرأة في غير" محل "ولايته (٤)، وإن حضر
стр. 5281
الخاطب ورضيت (١) "; لأن الولاية عليها لا تتعلق بذلك بخلاف ما لو حكم لحاضر على غائب; لأن المدعي حاضر والحكم يتعلق به "ولو كان ليتيم مال غائب" عن محل ولاية قاضي بلده "تولى قاضي بلد المال حفظه" وتعهده; لأن الولاية عليه ترتبط بماله "ولا يتصرف فيه للتجارة" والاستمناء ولا ينصب قيما لهما "بل ذلك لقاضي بلد اليتيم"; لأنه وليه في النكاح فكذا في المال وهذا نقله الأصل عن الغزالي وأقره وجزم به البغوي والخوارزمي وغيرهما ورجحه ابن الرفعة وغيره قال الأذرعي وعليه فلقاضي بلده العدل (٢) الأمين أن يطلب من قاضي بلد ماله إحضاره إليه عند أمن الطريق وظهور المصلحة له فيه ليتجر له فيه ثم أو يشتري له به عقارا ويجب على قاضي بلد المال إسعافه بذلك وكاليتيم المجنون والمحجور عليه بسفه
"قوله قال الناشري" سألت عن وقف في بلد على قراءة على قبر في بلدة أخرى ولكل بلد قاض واقتضى الأمر أن يكون النظر للقاضي فهل يكون قاضي بلد الوقف أو قاضي بلد الميت فأجبت بأن قاضي بلد الميت هو الناظر قياسا على هذه المسألة وجعلت الميت كالمحجور عليه ويظهر الحاكم ظهورا كليا إذا كان الموقوف عليه حيا
"وللقاضي إقراض مال الغائب من ثقة ليحفظه بالذمة" أي فيها "و" له "بيع حيوانه لخوف هلاكه ونحوه" كغصبه سواء فيه مال اليتيم الغائب وغيره كما صرح به الأصل وقوله ونحوه من زيادته "و" له "تأجيره" أي إجارته وفي نسخة ويؤجره "إن أمن عليه"; لأن المنافع تفوت بمضي الوقت قال الأذرعي وينبغي أن يقتصر في الإجارة (٣) على أقل زمن يستأجر فيه ذلك الشيء إذا أمكن لتوقع قدوم الغائب وحاجته إلى الانتفاع به قال القفال وإذا باع شيئا (٤) للمصلحة أو أجره بأجرة مثله ثم قدم الغائب فليس له الفسخ كالصبي إذا بلغ ولأن ما فعله القاضي كان بنيابة شرعية "ومال من لا ترجى معرفته له" أي للقاضي "بيعه وصرفه" أي صرف ثمنه "في المصالح وله حفظه" قال الأذرعي والأحوط في هذه (٥) الأعصار صرفه في المصالح لا حفظه; لأنه يعرضه للنهب ومد أيدي الظلمة إليه
стр. 5282
فصل في مسائل منثورة
"ينفذ كتاب قاضي البغاة" أي يقبل ككتاب قاضي أهل العدل "وللقاضي أن يشهد في محل ولايته على كتاب حكم كتبه في غير محل ولايته لا عكسه" أي ليس له أن يشهد في غير محل ولايته على كتاب حكم كتبه في محل ولايته والحكم كالإشهاد بخلاف الكتابة لا بأس بها ومثلها الإذن إذا لم يتضمن حكما (١) كأن أذن، وهو في غير محل ولايته في الإفراج عن خصم محبوس في محلها بسؤال خصمه
"وقول المحكوم عليه" الموكل في الخصومة "كنت عزلت وكيلي" قبل قيام البينة "لا يبطل الحكم"; لأن القضاء على الغائب جائز "بخلاف المحكوم له" إذا قال ذلك يبطل الحكم "لأن القضاء للغائب باطل وليس لمن تحمل إشهاده بكتاب حكم" أرسله به القاضي الكاتب إلى قاضي بلد الغائب "وخرج به أن يتخلف" في الطريق عن القاضي المقصود "إلا أن أشهد على شهادته" بأن أشهد على نفسه شاهدين يحضران بالكتاب ويشهدان به عند القاضي المقصود "أو شهد به عند قاض" فيمضيه
"ويكتب" به "له" أي للقاضي المقصود "فإن لم يجد" قاضيا ولا شهودا "وطلب أجرة" لخروجه إلى القاضي المقصود "لم يعط غير النفقة وكراء الدابة بخلاف سؤاله ذلك" أي الأجرة "قبل الخروج" من بلد القاضي الكاتب فيعطاها، وإن زادت على ما ذكر "فإنه لا يكلف الخروج" والقناعة بذلك; لأن القاضي يتمكن من إشهاد غيره وهنا لتحمل مضطر إليه
"وإن استوفى المكتوب إليه الحق من الخصم وسأله" الخصم "الإشهاد" على المدعي "بذلك أجابه" وجوبا "ولا يلزمه أن يكتب له" كتابا بقبضه; لأن الحاكم إنما يطالب بإلزام ما حكم به وثبت عنده "ولا أن يعطيه ما كتب به إليه (٢) " يعني الكتاب الذي ثبت به الحق "كما لا يلزم من استوفى من غريمه"
стр. 5283
ما له عليه بحجة أو من باع غيره شيئا له به حجة "أن يعطيه الحجة"; لأنها غالبا تكون ملكه ولأنه قد يظهر استحقاق فيحتاج إليها.
стр. 5284
كتاب القسمة
هي تمييز الحصص بعضها من بعض والأصل فيها قبل الإجماع قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ [النساء: ٨] الآية وخبر "الشفعة فيما لم يقسم" (١) "وكان ﷺ يقسم الغنائم بين أربابها" (٢) رواهما الشيخان والحاجة داعية إليها فقد يتبرم الشريك من المشاركة أو يقصد الاستبداد بالتصرف
"وتصح" القسمة "من الشركاء" بأنفسهم ومنصوبهم "بالتراضي"; لأن الحق لهم "ومن نصبوه لها وكيل لهم (٣) " فلا يشترط فيه الشروط الآتية (٤) في منصوب الإمام وتصح من الإمام ومنصوبه كما يعلم مما يأتي ولو وكل بعضهم واحدا منهم أن يقسم عنه قال في الاستقصاء إن وكله (٥) على أن يفرز لكل منهم نصيبه لم يجز; لأن على الوكيل أن يحتاط لموكله وفي هذا لا يمكنه; لأنه يحتاط لنفسه، وإن وكله على أن يكون نصيب الوكيل والموكل جزءا واحدا جاز; لأنه يحتاط
стр. 5285
لنفسه ولموكله "وعلى الإمام إن كان في بيت المال سعة (١) " ولم يجد متبرعا "نصب قاسم فأكثر" في كل بلد "بحسب الحاجة ويرزقون" حينئذ "من بيت المال" من سهم المصالح; لأن ذلك من المصالح العامة "إن كان" فيه سعة هذا من زيادته ولا حاجة إليه لعلمه مما قبله بل المسألة كلها تقدمت في كتاب القضاء "وإلا" بأن لم يكن فيه سعة أو وجد متبرعا "فلا ينصب" قاسما "إلا لمن سأل" نصبه وهذا الاستثناء من زيادته "وأجرته" حينئذ إذا لم ينصبه الإمام أو نصبه بسؤالهم "عليهم (٢) " سواء طلبوا كلهم القسمة أم بعضهم; لأن العمل لهم "ولا يعين قاسما" إذا لم يسأله أحد "لئلا يغالي في الأجرة" ولئلا يواطئه بعضهم فيحيف بل يدع الناس ليستأجروا من شاءوا ومنعه من التعيين قال القاضي على جهة التحريم والفوراني على جهة الكراهة (٣) والأوجه الأول
"والشرط فيمن ينصبه وكذا" في "من حكموه أن يكون حرا عدلا ذكرا"; لأنه يلزم كالحاكم وحذف من كلام أصله مكلفا للاستغناء عنه بالعدل "يعرف الحساب والمساحة"; لأنها آلة القسمة كما أن الفقه آلة القضاء ولا بد أن يكون ضابطا سميعا بصيرا (٤) قال الماوردي وغيره عفيفا عن الطمع واقتضاه كلام
стр. 5286
الأم "لا" أن يعرف "التقويم" وقيل يشترط ذلك; لأن في أنواع القسمة ما يحتاج إليه والترجيح من زيادته وبه صرح الإسنوي (١) قال فقد جزم باستحبابه القاضيان البندنيجي وأبو الطيب وابن الصباغ وغيرهم وحينئذ فإن لم يكن عارفا رجع إلى إخبار عدلين عند الحاجة إلى ذلك ورد البلقيني ذلك وقال المعتمد اشتراط ذلك في قسمتي التعديل والرد والأول أوجه (٢)
"ويجزئ" أي يكفي إذا لم يكن في القسمة تقويم (٣) "قاسم في كل بلد" كالوزان والكيال من جهة استناده إلى عمل محسوس هذا "إن كفى" والأزيد بقدر الحاجة هذا من زيادته ولا حاجة إليه للعلم به مما مر "فإن كان فيها تقويم فلا بد من اثنين (٤) " لاشتراط العدد في المقوم; لأن ذلك شهادة بالقيمة "وللإمام جعل القاسم حاكما في التقويم فيعمل" فيه "بقول عدلين (٥) " ويقسم بنفسه "وللقاضي الحكم في التقويم بعلمه" كما يحكم به في غيره
"فرع أجرة القاسم" التي استأجره الشركاء بها وأطلقوها موزعة "على قدر الحصص (٦) " لا على
стр. 5287
عدد رءوسهم (١) "وإن كانت" أي الإجارة "فاسدة أو" القسمة "بغير عقد" بأن اقتصروا على نصبه لها وقلنا الأجرة واجبة "أو بإخبار من القاضي" ولو من منصوبه; لأنها من مؤن الملك كالنفقة "وإن قدر" له "كل" منهم "لنفسه" أي عليها "أجرة جاز" فله على كل منهم ما التزمه سواء كان مساويا لأجرة مثل حصته أم لا "وليستأجروا بعقد واحد" كأن يقولوا استأجرناك لتقسم بيننا كذا بدينار على فلان ودينارين على فلان "أو يوكلوا من يعقد" لهم كذلك "فلو انفرد كل" منهم "بعقد" لإفراز نصيبه "وترتبوا (٢) " أو لم يترتبوا فيما يظهر (٣) "لم يصح إلا برضا الباقين" فيصح ذلك بل يصح أن يعقد أحدهم ويكون حينئذ أصيلا ووكيلا ولا حاجة حينئذ إلى عقد الباقين وإنما لم يصح بدون رضاهم; لأن ذلك يقتضي التصرف في ملك غيره بغير إذنه نعم له ذلك في قسمة الإجبار بأمر الحاكم وقيل يصح فيما قاله، وإن لم يرض الباقون; لأن كلا عقد لنفسه والترجيح من زيادته وجزم به في الأنوار (٤) لكن قال الإسنوي وغيره المعروف الصحة قال في الكفاية وبه جزم الماوردي والبندنيجي وابن الصباغ وغيرهم وعليه نص الشافعي "وتجب الأجرة في مال الصبي (٥)، وإن لم يكن له" في القسمة "غبطة"; لأن
стр. 5288
الإجابة إليها واجبة والأجرة من المؤن التابعة لها "وعلى الولي طلب القسمة له حيث" كان له فيها "غبطة" وإلا فلا يطلبها، وإن طلبها الشريك أجيب، وإن لم يكن للصبي فيها غبطة وكالصبي المجنون والمحجور عليه بسفه
"فصل يمنعون من قسمة عين تتلف" منفعتها "بها كجوهرة (١) " وثوب نفيسين وزوجي خف ومصراعي باب; لأنها سفه والتقييد بالنفاسة ذكره الأصل وغيره وتركه المصنف تبعا للتنبيه وعليه اعتمد العراقي (٢) "وإن نقصها كسيف يكسر لم يجبهم" إليها الإمام لذلك "ولم يمنعهم" من قسمتها بأنفسهم كما لو هدموا الجدار واقتسموا نقضه واستشكل هذا بعدم إجابة الإمام إليه ويجاب بأن فعل الإمام يصان عن مثل ذلك; لأنه ملزم بخلاف المالك "وكذا" لا يجيبهم ولا يمنعهم من قسمة "ما يبطل مقصوده" بها "كحمام صغير" لا ينقسم لما فيها من الضرر وذكر عدم منعهم منها من زيادته "فإن انقسم" بأن أمكن جعله حمامين (٣) "أجابهم" إليها وأجبر الممتنع "ولو احتاج إلى إحداث بئر أو مستوقد" لانتفاء الضرر مع تيسر تدارك ما احتيج إليه من ذلك (٤) بأمر قريب "ولو كان نصيب
стр. 5289
أحد الشريكين في الدار" المشتركة بينهما "العشر و" هو "لا يكفيه مسكنا" لو قسمت "فلصاحبه لا له طلب القسمة" ويجبر عليها (١) إن طلبها صاحبه وذلك "لأن طلبه" لها "تعنت" وتضييع لماله وصاحبه معذور; لأنه ينتفع بحصته وضرر صاحب العشر نشأ من قلة نصيبه لا من مجرد القسمة
"وإن كان نصفها لواحد ونصف" آخر "لخمسة فطلب صاحب النصف القسمة" أجيب وحينئذ "فلكل منهم" أي من الخمسة "القسمة تبعا له"، وإن كان العشر الذي لكل منهم لا يصلح مسكنا له; لأن في القسمة فائدة لبعض الشركاء "ولو بقي حقهم" أي الخمسة "مشاعا ثم طلب واحد منهم القسمة لم يجبروا" أي الباقون عليها; لأنها تضر الجميع "وإن طلب أولا الخمسة إفراز نصيبهم مشاعا أو كانت" أي الدار "لعشرة فطلب خمسة منهم إفراز نصيبهم مشاعا أجيبوا" إليه; لأنهم ينتفعون بنصيبهم كما كانوا ينتفعون به قبل القسمة ولم يعتبروا مطلق الانتفاع لعظم التفاوت بين أجناس المنافع.
стр. 5290
فصل القسمة الجائزة أنواع ثلاثة (١)
"أحدها: القسمة بالإجزاء" وتسمى قسمة المتشابهات" وقسمة الإفراز، وهي التي لا يحتاج فيها إلى رد ولا إلى تقويم "كالمثليات" من حبوب ودراهم وأدهان ونحوها "وأرض مستوية الأجزاء ودار متفقة الأبنية (٢) فقسمتها قسمة إجبار" إذ الممتنع منها يجبر عليها، وإن كانت الأنصباء متفاوتة إذ لا ضرر عليه فيها "فتعدل السهام" في المكيل كيلا والموزون وزنا والمذروع ذرعا "بعدد الأنصباء إن استوت" كالإثلاث لزيد وعمرو وبكر "ويكتب الأسماء" لتخرج على الأجزاء "أو الأجزاء مميزة بالحدود أو الجهة ونحوها" لتخرج على الأسماء "في رقاع وتجعل في بنادق صغار مستوية" وزنا وشكلا من طين مجفف أو شمع أو نحوه وذلك لئلا تسبق اليد لإخراج الكبيرة وتردد الجويني في وجوب التسوية ورجح الإمام والغزالي عدمه (٣) وقوله صغار من زيادته وليس بقيد ونقل الأصل في باب العتق (٤) عن الصيدلاني أنه لا يجوز الإقراع بأشياء مختلفة كدواة وقلم وحصاة. ثم