الأم "لا" أن يعرف "التقويم" وقيل يشترط ذلك; لأن في أنواع القسمة ما يحتاج إليه والترجيح من زيادته وبه صرح الإسنوي (١) قال فقد جزم باستحبابه القاضيان البندنيجي وأبو الطيب وابن الصباغ وغيرهم وحينئذ فإن لم يكن عارفا رجع إلى إخبار عدلين عند الحاجة إلى ذلك ورد البلقيني ذلك وقال المعتمد اشتراط ذلك في قسمتي التعديل والرد والأول أوجه (٢)
"ويجزئ" أي يكفي إذا لم يكن في القسمة تقويم (٣) "قاسم في كل بلد" كالوزان والكيال من جهة استناده إلى عمل محسوس هذا "إن كفى" والأزيد بقدر الحاجة هذا من زيادته ولا حاجة إليه للعلم به مما مر "فإن كان فيها تقويم فلا بد من اثنين (٤) " لاشتراط العدد في المقوم; لأن ذلك شهادة بالقيمة "وللإمام جعل القاسم حاكما في التقويم فيعمل" فيه "بقول عدلين (٥) " ويقسم بنفسه "وللقاضي الحكم في التقويم بعلمه" كما يحكم به في غيره
"فرع أجرة القاسم" التي استأجره الشركاء بها وأطلقوها موزعة "على قدر الحصص (٦) " لا على
стр. 5287
عدد رءوسهم (١) "وإن كانت" أي الإجارة "فاسدة أو" القسمة "بغير عقد" بأن اقتصروا على نصبه لها وقلنا الأجرة واجبة "أو بإخبار من القاضي" ولو من منصوبه; لأنها من مؤن الملك كالنفقة "وإن قدر" له "كل" منهم "لنفسه" أي عليها "أجرة جاز" فله على كل منهم ما التزمه سواء كان مساويا لأجرة مثل حصته أم لا "وليستأجروا بعقد واحد" كأن يقولوا استأجرناك لتقسم بيننا كذا بدينار على فلان ودينارين على فلان "أو يوكلوا من يعقد" لهم كذلك "فلو انفرد كل" منهم "بعقد" لإفراز نصيبه "وترتبوا (٢) " أو لم يترتبوا فيما يظهر (٣) "لم يصح إلا برضا الباقين" فيصح ذلك بل يصح أن يعقد أحدهم ويكون حينئذ أصيلا ووكيلا ولا حاجة حينئذ إلى عقد الباقين وإنما لم يصح بدون رضاهم; لأن ذلك يقتضي التصرف في ملك غيره بغير إذنه نعم له ذلك في قسمة الإجبار بأمر الحاكم وقيل يصح فيما قاله، وإن لم يرض الباقون; لأن كلا عقد لنفسه والترجيح من زيادته وجزم به في الأنوار (٤) لكن قال الإسنوي وغيره المعروف الصحة قال في الكفاية وبه جزم الماوردي والبندنيجي وابن الصباغ وغيرهم وعليه نص الشافعي "وتجب الأجرة في مال الصبي (٥)، وإن لم يكن له" في القسمة "غبطة"; لأن
стр. 5288
الإجابة إليها واجبة والأجرة من المؤن التابعة لها "وعلى الولي طلب القسمة له حيث" كان له فيها "غبطة" وإلا فلا يطلبها، وإن طلبها الشريك أجيب، وإن لم يكن للصبي فيها غبطة وكالصبي المجنون والمحجور عليه بسفه
"فصل يمنعون من قسمة عين تتلف" منفعتها "بها كجوهرة (١) " وثوب نفيسين وزوجي خف ومصراعي باب; لأنها سفه والتقييد بالنفاسة ذكره الأصل وغيره وتركه المصنف تبعا للتنبيه وعليه اعتمد العراقي (٢) "وإن نقصها كسيف يكسر لم يجبهم" إليها الإمام لذلك "ولم يمنعهم" من قسمتها بأنفسهم كما لو هدموا الجدار واقتسموا نقضه واستشكل هذا بعدم إجابة الإمام إليه ويجاب بأن فعل الإمام يصان عن مثل ذلك; لأنه ملزم بخلاف المالك "وكذا" لا يجيبهم ولا يمنعهم من قسمة "ما يبطل مقصوده" بها "كحمام صغير" لا ينقسم لما فيها من الضرر وذكر عدم منعهم منها من زيادته "فإن انقسم" بأن أمكن جعله حمامين (٣) "أجابهم" إليها وأجبر الممتنع "ولو احتاج إلى إحداث بئر أو مستوقد" لانتفاء الضرر مع تيسر تدارك ما احتيج إليه من ذلك (٤) بأمر قريب "ولو كان نصيب
стр. 5289
أحد الشريكين في الدار" المشتركة بينهما "العشر و" هو "لا يكفيه مسكنا" لو قسمت "فلصاحبه لا له طلب القسمة" ويجبر عليها (١) إن طلبها صاحبه وذلك "لأن طلبه" لها "تعنت" وتضييع لماله وصاحبه معذور; لأنه ينتفع بحصته وضرر صاحب العشر نشأ من قلة نصيبه لا من مجرد القسمة
"وإن كان نصفها لواحد ونصف" آخر "لخمسة فطلب صاحب النصف القسمة" أجيب وحينئذ "فلكل منهم" أي من الخمسة "القسمة تبعا له"، وإن كان العشر الذي لكل منهم لا يصلح مسكنا له; لأن في القسمة فائدة لبعض الشركاء "ولو بقي حقهم" أي الخمسة "مشاعا ثم طلب واحد منهم القسمة لم يجبروا" أي الباقون عليها; لأنها تضر الجميع "وإن طلب أولا الخمسة إفراز نصيبهم مشاعا أو كانت" أي الدار "لعشرة فطلب خمسة منهم إفراز نصيبهم مشاعا أجيبوا" إليه; لأنهم ينتفعون بنصيبهم كما كانوا ينتفعون به قبل القسمة ولم يعتبروا مطلق الانتفاع لعظم التفاوت بين أجناس المنافع.
стр. 5290
فصل القسمة الجائزة أنواع ثلاثة (١)
"أحدها: القسمة بالإجزاء" وتسمى قسمة المتشابهات" وقسمة الإفراز، وهي التي لا يحتاج فيها إلى رد ولا إلى تقويم "كالمثليات" من حبوب ودراهم وأدهان ونحوها "وأرض مستوية الأجزاء ودار متفقة الأبنية (٢) فقسمتها قسمة إجبار" إذ الممتنع منها يجبر عليها، وإن كانت الأنصباء متفاوتة إذ لا ضرر عليه فيها "فتعدل السهام" في المكيل كيلا والموزون وزنا والمذروع ذرعا "بعدد الأنصباء إن استوت" كالإثلاث لزيد وعمرو وبكر "ويكتب الأسماء" لتخرج على الأجزاء "أو الأجزاء مميزة بالحدود أو الجهة ونحوها" لتخرج على الأسماء "في رقاع وتجعل في بنادق صغار مستوية" وزنا وشكلا من طين مجفف أو شمع أو نحوه وذلك لئلا تسبق اليد لإخراج الكبيرة وتردد الجويني في وجوب التسوية ورجح الإمام والغزالي عدمه (٣) وقوله صغار من زيادته وليس بقيد ونقل الأصل في باب العتق (٤) عن الصيدلاني أنه لا يجوز الإقراع بأشياء مختلفة كدواة وقلم وحصاة. ثم
стр. 5291
قال وفيه وقفة إذ لا حيف بذلك مع الجهل بالحال وأيده الرافعي بكلام الشافعي والإمام "وتعطى" الرقاع المدرجة في البنادق "من لم يحضر" الكتابة والإدراج بأن تجعل في حجره أو نحوه (١) وذلك لبعده عن التهمة إذ القصد سترها عن المخرج حتى لا يتوجه إليه تهمة ومن ثم يستحب كونه قليل الفطنة لتبعد الحيلة "وصبي ونحوه" كعجمي "أولى" بذلك من غيره; لأنه أبعد عن التهمة "وتعيين من يبدأ به" من الأسماء أو الأجزاء مفوض "إلى" نظر "القاسم" حسما للنزاع فيقف أولا على أي طرف شاء ويسمي أي شريك شاء أو أي جزء شاء
"ويأمره" أي القاسم من يخرج الرقاع "إن كتب فيها الأسماء بالوضع" لرقعة "على الجزء الأول" فمن خرج اسمه أخذه "ثم" لأخرى على "ما يليه" إن كانوا أكثر من اثنين فمن خرج اسمه من البقية أخذه "أو" إن كتب "الأجزاء فبالوضع" أي فيأمره بوضع رقعة "على زيد ثم" أخرى على "عمرو" إن كانوا أكثر من اثنين "فإن كانوا ثلاثة تعين الثالث للثالث" بلا وضع، وإن كانوا أكثر من ثلاثة زيد في الوضع لما عدا الأخير على ما يعلم مما يأتي أو اثنين تعين الثاني للثاني بلا وضع قال الزركشي واختار الشافعي هذه الطريقة أي كتابة الأجزاء في الإقراع; لأنها أحوط.
"وإن اختلفت الأنصباء كنصف وسدس وثلث" في أرض "جزئت" أي الأرض على أقل السهام، وهو السدس; لأنه يتأدى به القليل والكثير بخلاف ما لو جزئت على الأكثر فتجعل "ستة أجزاء" ويقسم كما مر ويحترز عن تفريق حصة واحدة كما يعلم مما يأتي
"والأولى" في الكتابة حينئذ "أن يكتب الأسماء" في رقاع كما سيأتي "ويخرج على الأجزاء"; لأنه لو عكس فقد يخرج الجزاء الرابع (٢) لصاحب النصف فيتنازعون في أنه يأخذ معه السهمين قبله أو بعده أو يخرج الثاني أو الخامس لصاحب السدس فيفرق ملك أحد شريكيه وإنما كان ما قاله أولى لا واجبا; لأن
стр. 5292
التنازع قد يمنع بما سيأتي وباتباع نظر القاسم كما فيمن يبدأ به من الأسماء أو الأجزاء "ويجعل" أي يكتب "الأسماء في ثلاث رقاع" ويخرج رقعة على الجزاء الأول "فإن خرج الأول لصاحب السدس أخذه ثم إن خرج الثاني" الذي خرجت عليه الرقعة الثانية "لصاحب الثلث أخذه وما يليه"، وهو الثالث "وتعين الباقي لصاحب النصف، وإن خرج" الأول "لصاحب النصف أخذ الثلاثة الأولى ثم إن خرج الرابع لصاحب الثلث أخذه وما يليه"، وهو الخامس "وتعين الباقي لصاحب السدس" وإن خرج الرابع لصاحب السدس أخذه وتعين الباقي لصاحب الثلث، وإن خرج الأول لصاحب الثلث لم يخف الحكم
"ويجوز كتب الأسماء في ست رقاع" اسم صاحب النصف في ثلاث وصاحب الثلث في ثنتين وصاحب السدس في واحدة. ويخرج على ما ذكر "ولا فائدة فيه" زائدة على الطريق الأول "إلا سرعة خروج اسم صاحب الأكثر" وذلك لا يوجب حيفا لتساوي السهام فجاز ذلك أيضا بل قال الزركشي إنه المختار المنصوص وصححه ابن يونس; لأن لصاحب النصف والثلث مزية بكثرة الملك فكان لهما مزية بكثرة الرقاع "فإن كتبت الأجزاء فلا بد من" إثباتها في "ست رقاع لصاحب النصف ثلاث رقاع و" لصاحب "الثلث ثنتان" ويمكن الاحتراز عن التفريق بأن لا يبدأ بصاحب السدس; لأن التفريق إنما جاء من قبله "فإن بدأ باسم صاحب النصف فخرج له الأول أخذ الثلاثة ولاء، وإن خرج له الثاني أخذه وما قبله وما بعده" ولو قال فكذلك كان أخصر قال الإسنوي وإعطاؤه ما قبله وما بعده تحكم (١) فلم لا أعطي السهمان مما بعده ويتعين الأول لصاحب السدس والباقي لصاحب الثلث وقد ذكر الرافعي نظير هذا في أمثلة أو يقال لا يتعين هذا بل يتبع نظر القاسم كما قاله الرافعي أيضا في نظائر له (٢) "أو" خرج له "الثالث" ففي الأصل عن الجويني يتوقف فيه ويخرج لصاحب الثلث فإن خرج له الأول أو الثاني أخذهما وأخذ صاحب النصف الثالث واللذين بعده أو الخامس
стр. 5293
أخذه مع ما بعده قال وأهمل باقي الاحتمالات ثم بحث هو ما جزم به المصنف من أنه إن خرج له الثالث "أخذه مع اللذين قبله" ثم يخرج باسم الآخرين "أو الرابع أخذه مع اللذين قبله. ويتعين الأول لصاحب السدس والأخيرين" الوجه والأخيران "لصاحب الثلث أو الخامس أخذه مع اللذين قبله وتعين السادس لصاحب السدس" والأولان لصاحب الثلث قال الإسنوي وما ذكره في الصور الثلاث تحكم بلا دليل إذ يقال له لم لا قلت (١) في الأولى أخذه مع الثاني والرابع ويتعين الأول لصاحب السدس والأخيران لصاحب الثلث أو أخذه مع اثنين بعده ويتعين الأخير لصاحب السدس والأولان لصاحب الثلث ولم لا قلت في الثانية أخذه مع الثالث والخامس ويتعين الأخير لصاحب السدس والأولان لصاحب الثلث ولم لا قلت في الثالثة أخذه مع الرابع والسادس ثم يقرع بين الأخيرين لا سيما وهذا الطريق يؤدي (٢) إلى الإقراع بين الكل بخلاف ما ذكره هو
"أو" خرج له "السادس أخذه مع اللذين قبله ثم" بعد ذلك "يخرج رقعة أخرى باسم أحدهما" أي أحد الآخرين "ولا يخفى الحكم" فإنه إن بدأ منهما باسم صاحب الثلث فخرج له الأول أو الثاني أخذهما وتعين الثالث للآخر أو الثالث أخذه مع ما قبله وتعين الأول للآخر أو بصاحب السدس فخرج له الأول أو الثالث أخذه وتعين الثاني والثالث للآخر، وإن خرج له الثاني لم يعطه للتفريق "، وإن بدأ بصاحب السدس أو بصاحب الثلث يبني على هذا القياس" فإن خرج لصاحب السدس الأول أو السادس أخذه ثم يخرج باسم أحد الآخرين أو الثالث أو الرابع أخذه وتعين الأولان في الأولى والأخيران في الثانية لصاحب الثلث والبقية لصاحب النصف أو الثاني أو الخامس لم يعطه للتفريق. وهذا المحترز عنه بقولهم ويمكن الاحتراز عن التفريق بأن لا يبدأ بصاحب السدس، وإن خرج لصاحب الثلث الأول أو الثاني أخذهما أو الخامس أو السادس فكذلك ثم يخرج باسم أحد الآخرين، وإن خرج له الثالث أخذه مع الثاني وتعين الأول لصاحب السدس
стр. 5294
والثلاثة الأخيرة لصاحب النصف أو الرابع أخذه مع الخامس وتعين السادس لصاحب السدس والثلاثة الأول لصاحب النصف وقد ذكر الرافعي هنا طريقة أخرى حذفها في الروضة لطولها ثم القرعة على الوجه السابق لا تختص بقسمة الإجزاء وكما تجوز بالرقاع المدرجة في البنادق تجوز بالأقلام والعصا والحصى ونحوها صرح بذلك الأصل
"فصل" تنقض "قسمة الإجبار للغلط" وللحيف بأن ادعاه أحد الشركاء وبينه وأقام به بينة كما سيأتي وهذا كما لو قامت بينة بجور القاضي أو كذب الشهود "ومن ادعاه منهم مجملا" بأن لم يبينه "لم يلتفت إليه فإن بين لم يحلف القاسم" الذي نصبه القاضي كما لا يحلف القاضي أنه لم يظلم والشاهد أنه لم يكذب "بل يمسحها" أي العين المشتركة "قاسمان" حاذقان ويعرفان الحال "ويشهدان" وتنقض القسمة قال في الأصل وألحق السرخسي بشهادتهما ما إذا عرف أنه يستحق ألف ذراع ومسح ما أخذه فإذا هو سبعمائة ذراع انتهى وظاهر أن الشاهد والمرأتين (١) والشاهد واليمين وعلم الحاكم وإقرار الخصم ويمين الرد كالشاهدين خلافا لجماعة وستأتي الأخيرة في كلامه
"وله" إذا ادعاه وبينه ولم يقم حجة "تحليف" بقية "الشركاء"; لأن من ادعى على خصمه ما لو أقر به لنفعه فأنكر كان له تحليفه "ومن نكل" منهم عن اليمين "نقضت" أي القسمة "في حقه" دون حق غيره من الحالفين "إن حلف خصمه" كما لو أقر "وليس عليهم" أي بقيتهم "البينة بصحتها" أي القسمة. وإن قال المدعي إن القاسم لا يحسن القسمة والمساحة والحساب; لأن الظاهر صحتها "وإن اعترف به القاسم لم تنقض" أي القسمة "إن كذبوه" أو سكتوا كما أفاده كلام الأصل "ورد الأجرة" لاعترافه بما يقتضي عدم استحقاقه لها، وإن صدقوه نقضت القسمة (٢) "كالقاضي يعترف بالغلط (٣) " أو الحيف في الحكم "إن
стр. 5295
صدقه الخصم" المحكوم له "رد المال" المحكوم به إلى المحكوم عليه "وإلا" فلا و "غرم القاضي" للمحكوم عليه بدل ما حكم به
"وأما قسمة التراضي" بأن نصب الشريكان قاسما قسم بينهما أو اقتسما بأنفسهما "فإن تراضيا بعد القسمة، وهي قسمة إفراز" وادعى أحدهما غلطا أو حيفا "نقضت إن ثبت الغلط" أو الحيف إذ لا إفراز مع التفاوت وحلف الخصم إن لم يثبت ذلك كما صرح به الأصل "أو" وهي قسمة "بيع فلا (١) " تنقض ولا أثر للغلط أو الحيف، وإن تحقق كما لا أثر للغبن بعد البيع والشراء لرضا صاحب الحق بتركه ثم لا يخفى أن كلام المصنف كأصله إنما هو في قسمة المتشابهات فلو قال كأصله بدل، وهي قسمة إفراز وبيع وقلنا إنها قسمة إفراز أو بيع كان أولى مع أنه ماش على أنها بيع على ما يأتي تحريره فكان الأولى أن يقول فإن تراضيا بعد
стр. 5296
القسمة لم تنقض، وإن ثبت الغلط وكأنه أراد بقوله أو بيع (١) فلا بيان حكم ذلك في النوعين الآتيين وعليه فكان ينبغي تأخير هذا الفصل عن الأنواع الثلاثة
"فصل" لو "ظهر" أي حدث برد بعيب أو بترد في بئر حفرت عدوانا أو نحوه "بعد القسمة" للتركة بين الورثة "دين، وهي إفراز بيعت الأنصباء في الدين إن لم يوفوا" الدين فالقسمة باطلة، وإن وفوه فصحيحة كما جزم به البغوي وغيره ونقله الإمام عن العراقيين "أو"، وهي "بيع بطلت" وبيعت الأنصباء إن لم يوفوا الدين وإلا صحت; لأنها كانت جائزة لهم ظاهرا (٢) و يأتي في عبارته ما قدمته قبيل الفصل فعلى كون كلامه في المتشابهات لو قال ظهر بعد القسمة دين بطلت إن لم يوفوا السلم من ذلك ولكان أوضح وأخصر (٣)
"وإن استحق" بعد القسمة "بعض مشاع" من المقسوم كثلث "بطلت" في الجميع لعدم حصول مقصود القسمة، وهو التمييز ولظهور انفراد بعض الشركاء بالقسمة "ومقتضى ما في الأصل" أي الروضة "الصحة" ما ذكره من البطلان تبع فيه الإسنوي (٤)، وهو جار على طريقته في أن العقد إذا جمع بين حلال وحرام لا يصح لرجوع الشافعي إليه آخرا كما مر بيانه في باب تفريق الصفقة، وأما ما ذكره من أن مقتضى كلام الروضة الصحة فوهم بل الذي فيها أنها تبطل في المستحق وفي الباقي طريقان أصحهما قولان بلا ترجيح وفاته بيان الراجح مما ذكره الرافعي في شرحيه والمحرر وتبعه هو في المنهاج من أن في الباقي قولي تفريق الصفقة فيكون الأظهر صحة القسمة فيه (٥) وثبوت الخيار "أو" بعض "معين واستويا" أي الشريكان "فيه صحت" في الباقي; لأن كلا منهما وصل إلى حقه "وإلا" أي، وإن
стр. 5297
لم يستويا فيه بأن اختص أحدهما به أو أصاب أحدهما منه أكثر "بطلت (١) " في الجميع; لأن ما يبقى لكل لا يكون قدر حقه بل يحتاج أحدهما إلى الرجوع على الآخر وتعود الإشاعة نعم لو وقع في الغنيمة عين (٢) لمسلم أخذها منه الكفار ولم يعلم بها إلا بعد القسمة ردت لصاحبها وعوض عنها من وقعت في نصيبه من خمس الخمس ولا تبطل القسمة كما أوضحوه في بابه
"أو ظهرت" بعد قسمة التركة "وصية مرسلة" في الذمة "فكدين" ظهر على التركة "أو" وصية "بجزء شائع أو معين فكالمستحق" في حكمه السابق ثم ظهور الدين والاستحقاق ودعوى الغلط لا تختص بقسمة المتشابهات على ما يفهمه كلامه بل تعم أنواع القسمة كما صرح به الأصل
стр. 5298
النوع الثاني: قسمة التعديل بالقيمة
"فيما لا يتعدد كأرض تختلف قيمة أجزائها" باختلافها في قوة الإنبات والقرب من الماء وفي أن بعضها يسقى بالنهر وبعضها بالناضح "فيكون مثلا قيمة ثلثها لجودته كقيمة ثلثيها فتجزأ" الأرض "على أقل الأنصباء" إن اختلفت كنصف وثلث وسدس فتجزأ ستة أسهم "بالقيمة لا المساحة"; لأنه يتأدى به القليل والكثير كما مر "وتوزع أجرة القاسم على قدر مساحة المأخوذ لا" مساحة "النصيب"; لأن العمل في الكثير أكثر "فهذا" الأولى وهذا أي النوع "قسمة بالإجبار (١) ";
стр. 5299
لأنه إذا طلبها أحدهما أجبر عليها الممتنع (١) إلحاقا للتساوي في القيمة بالتساوي في الإجزاء هذا "إذا لم يمكن قسمة الجيد وحده والرديء وحده" وإلا فلا إجبار كما لو كانا شريكين في أرضين يمكن قسمة كل واحدة بالإجزاء لا يجوز الإجبار في قسمتها على التعديل "وكذا بستان بعضه عنب وبعضه نخل ودار بعضها آجر وبعضها خشب وطين" ونحوهما مما اختلفت قيمته لاختلاف الجنس يجري فيه الإجبار إذا لم يمكن قسمة كل جنس وحده إلحاقا لذلك بما اختلفت قيمته (٢) لاختلاف صفته
"وأما المتعدد فما لا ينقسم آحاده كدكاكين" صغار "متلاصقة" وتسمى عضائد "فتقسم أعيانها إجبارا (٣) " للحاجة وكالخان المشتمل على بيوت ومساكن "فإن انقسمت الدور أو الدكاكين المتعددة" المتساوية القيمة وطلب أحد الشركاء القسمة بأن يجعل لكل منهم دار أو دكان "فلا إجبار (٤) " سواء تجاورت الدور والدكاكين أم تباعدت لشدة اختلاف الأغراض باختلاف المحال والأبنية كالجنسين
"وأما الأراضي فلا إجبار فيها إلا إن تلاصقت واتحد الشرب والطريق" فيجبر فيها فمحل عدم الإجبار فيها إذا تفرقت أو تلاصقت ولم يتحد المشرب والطريق "والمتعدد" إن كان "من نوع واحد كعبيد وثياب وشجر إن أمكن التسوية" فيها بين الشركاء "ولو بالقيمة" كما لو أمكنت بالعدد والقيمة "أجبر"
стр. 5300
الممتنع "عليها" أي على قسمتها أعيانا "كثلاثة أعبد بين اثنين قيمة أحدها" الأولى أحدهم "مائة و" قيمة "الآخرين مائة" وكثلاثة أعبد متساوية القيمة بين ثلاثة وذلك لقلة اختلاف الأغراض فيها عند إمكان التسوية عدد أو قيمة بخلاف الدور وإلحاقا للتسوية في القيمة بالتسوية في العدد والقيمة عند عدم إمكانها. وما ذكره (١) فيها هو مقتضى كلام الأصل لكن قال ابن الرفعة الصحيح عند العراقيين، وهو الذي أورده الأكثرون منع الإجبار فيها "بخلاف عبدين" بين اثنين "قيمة ثلثي أحدهما يعدل قيمة ثلثه مع الآخر" كأن ساوت قيمة الأول ثلثمائة والثاني مائة فلا إجبار في قسمتهما (٢) "لعدم ارتفاع الشركة" بالكلية.
"وإن اختلفت الأنواع" والأجناس المفهومة بالأولى كعبدين تركي وهندي وكعبد وثوب "فلا إجبار" في قسمتها "ولو اختلطت" وتعذر التمييز كتمر جيد ورديء لشدة اختلاف الأغراض باختلافها "واللبن إن استوت قوالبه فمتشابهات" أي فقسمته قسمة المتشابهات "وإن اختلفت فالتعديل" أي فقسمته قسمة تعديل فيأتي فيها الإجبار "ويجبر" الممتنع "على قسمة علو وسفل" من دار "أمكن" قسمتها "لا" على "قسمة أحدهما" فقط; لأنهما قد يقتسمان الآخر بعد ذلك فيقع ما يحاذي نصيب هذا لذاك "أو" على "جعله لواحد والآخر لآخر"; لأن العلو تابع والسفل متبوع فلا يجعل أحد النصيبين تابعا والآخر متبوعا; ولأن العلو مع السفل كدارين متلاصقين; لأن كلا منهما يصلح سكنا وقال في الأصل: ويجوز أن يقال إن لم تمكن القسمة علوا وسفلا فجعل العلو لأحدهما والسفل للآخر من جملة قسمة التعديل قال الأذرعي: وفيه نظر (٣) ; لأن شأن قسمة التعديل
стр. 5301
انقطاع العلقة من الجانبين وهنا منتف فإن صاحب العلو لو أراد البناء عليه نازعه صاحب السفل وصاحب السفل لو أراد الحفر تحت بنائه نازعه صاحب العلو
стр. 5302
النوع الثالث: قسمة الرد
"بأن يكون في أحد جانبي الأرض بئر أو شجر" أو بيت "تتعذر قسمته" وليس في الجانب الآخر ما يعادله إلا بضم شيء إليه من خارج فيرد من يأخذه بالقسمة قسط قيمته فإن كانت ألفا وله النصف رد خمسمائة "وكل ما لا يمكن تعديله إلا برد فلا إجبار (١) " فيه; لأن فيه تمليكا لما لا شركة فيه فكان كغير المشترك فلو كان بينهما عبدان قيمة أحدهما مائة والآخر خمسمائة واقتسما على أن يرد آخذ النفيس مائتين ليستويا فلا إجبار "ولو تراضيا بأن يأخذ أحدهما النفيس ويرد" على الآخر ذلك "جاز"، وإن لم يحكما القرعة (٢) "، وهي" أي قسمة الرد "بيع (٣) وكذا قسمة التعديل وإن أجبر عليها" كما مر وذلك; لأنه لما انفرد
стр. 5303
كل من الشريكين ببعض المشترك بينهما صار كأنه باع ما كان له (١) بما كان للآخر وإنما دخل الثانية الإجبار للحاجة كما يبيع الحاكم مال المديون جبرا "وقسمة الإجزاء إفراز" للحق لا بيع قالوا; لأنها لو كانت بيعا لما دخلها الإجبار ولما جاز الاعتماد على القرعة (٢) ومعنى كونها إفرازا (٣) أن القرعة تبين أن ما خرج لكل من الشريكين كان ملكه "وقيل بيع فيما لا يملكه من نصيب صاحبه" إفراز فيما كان يملكه هو قبل القسمة لما علم مما مر وإنما دخلها الإجبار للحاجة "فما صار في يد كل واحد" منهما "نصفه مبيع ونصفه مفرز باق على ملكه" وهذا القول جزم به تبعا لتصحيح أصله له في بابي زكاة المعشرات والربا، وهو قوي (٤) قال في الأصل: ثم قيل القولان فيما إذا جرت القسمة إجبارا فإن جرت بالتراضي فبيع قطعا وقيل القولان في الحالين قال البغوي: والأصح الطريق الأول قال الإسنوي: هذا غلط على البغوي فإنه صحح في تهذيبه الطريق الثاني لكنه انعكس على الرافعي قال الأذرعي: وفي بعض نسخ الرافعي (٥) الأصح الثاني، وهو الصواب
"فرع وحيث قلنا القسمة بيع" فاقتسما ربويا "اشترط في الربوي التقابض في المجلس وامتنعت في الرطب والعنب وما عقدت النار أجزاءه" كما علم من باب الربا وقوله "ونحوه" أي كل من المذكورات من زيادته وقوله "وإن قلنا" هي "إفراز جاز لهم" أي الشركاء "ذلك" يغني عن قوله "ويقسم الرطب والعنب في الإفراز" أي على القول بأن القسمة إفراز "ولو" كانت قسمتهما "على الشجر"
стр. 5304
خرصا "لا غيرهما" من سائر الثمار فلا يقسم "على الشجر"; لأن الخرص لا يدخله "وتقسم الأرض مزروعة وحدها ولو إجبارا" سواء كان الزرع بذرا بعد أم قصيلا أم حبا مشتدا; لأنه في الأرض بمنزلة القماش في الدار بخلاف البناء والشجر; لأن للزرع أمدا بخلافهما "أو مع الزرع قصيلا بتراض" من الشركاء; لأن الزرع حينئذ معلوم مشاهد وأفهم قوله بتراض أنه لا إجبار في ذلك وصرح به الأصل نقلا عن جمع قال ولم يوجهوه بمقنع "لا" الزرع "وحده ولا معها، وهو بذر" بعد "أو بعد بدو صلاحه" فلا يقسم.
"وإن جعلناها إفرازا" كما لو جعلناها بيعا; لأنها في الأولى قسمة مجهول وفي الآخرتين على الأول قسمة مجهول ومعلوم وعلى الثاني بيع طعام وأرض بطعام وأرض "وتصح الإقالة في قسمة هي بيع لا إفراز" وقوله "بل تلغو" إيضاح "وتصحح" القسمة "في مملوك عن وقف إن قلنا هي إفراز لا" إن قلنا هي بيع مطلقا أو إفراز "وفيها رد من المالك" فلا تصح أما في الأول فلامتناع بيع الوقف، وأما في الثاني فلأن المالك يأخذ بإزاء ملكه جزءا من الوقف فعلم أنه إنما تصح (١) فيما إذا لم يكن فيها رد أو كان فيها رد من أرباب الوقف "ولغت" على القولين "قسمة وقف فقط" أي لا عن ملك بأن قسم بين أربابه لما فيها من تغيير شرط الواقف قال البلقيني هذا إذا صدر الوقف من واحد على سبيل واحد فإن صدر من اثنين فقد جزم الماوردي بجواز القسمة كما تجوز قسمة الوقف مع الملك وذلك راجح من جهة المعنى وأفتيت به انتهى وكلامه متدافع فيما إذا صدر من واحد على سبيلين أو عكسه. والأقرب في الأول (٢) بمقتضى ما قاله الجواز وفي
стр. 5305
الثاني عدمه "ويشترط في غير" قسمة "الإجبار"، وهي القسمة الواقعة بالتراضي من قسمة الرد وغيرها، وإن تولاها منصوب الحاكم "التراضي قبل القرعة"، وهو ظاهر "وبعدها" أما في قسمة الرد فلأنها بيع، وهو لا يحصل بالقرعة فاشترط التراضي بعدها كما اشترط قبلها، وأما في غيرها مما يقع بالتراضي فقياسا عليها بجامع اشتراط التراضي قبلها فإن لم يحكما القرعة كأن اتفقا على أن يأخذ أحدهما أحد الجانبين والآخر الآخر أو يأخذ أحدهما الخسيس والآخر النفيس ويرد زائد القيمة فلا حاجة إلى تراض ثان أما قسمة الإجبار فلا يعتبر فيها الرضا لا قبل القرعة ولا بعدها "ويكفي" في التراضي بالقسمة بعد خروج القرعة "رضينا بها (١) ونحوه" كرضينا بما أخرجته القرعة (٢) وبما جرى; لأن الرضا أمر خفي فنيط بأمر ظاهر يدل عليه ولا يكفي مجرد رضيت "ولا يشترط" في القسمة "بيع ولا تمليك" أي التلفظ بهما، وإن كانت بيعا
"فصل تقسم المنافع" بين الشريكين كما تقسم الأعيان "مهايأة (٣) " أي مناوبة مياومة "ومشاهرة ومسانهة" ويقال مساناة ومسانية "وعلى أن يسكن أو يزرع هذا مكانا" من المشترك "وهذا مكانا" آخر منه "لكن لا إجبار في المنقسم وغيره" من الأعيان التي طلبت قسمة منافعها فلا تقسم إلا بالتوافق; لأن المهايأة تعجل حق أحدهما وتؤخر حق الآخر بخلاف قسمة الأعيان ولأن انفراد أحدهما بالمنفعة مع الاشتراك في العين لا يكون إلا بمعاوضة والمعاوضة بعيدة عن الإجبار قال البلقيني وهذا في المنافع (٤) المملوكة بحق الملك في العين أما المملوكة بإجارة أو وصية فيجبر على قسمتها. وإن لم تكن العين قابلة للقسمة إذ
стр. 5306
لا حق للشركة في العين قال ويدل للإجبار في ذلك ما ذكروه في كراء العقب (١) وهو مع ذلك معترف بأن ما قاله مناف لما يأتي فيما إذا استأجر أرضا
"فإن تراضيا بالمهايأة وتنازعا في البداءة" بأحدهما "أقرع" بينهما ولكل منهما الرجوع عن المهايأة بناء على أنه لا إجبار فيها "فإن رجع أحدهما" عنها "بعد استيفاء المدة أو بعضها لزم المستوفي" للآخر "نصف أجرة المثل لما استوفى كما إذا تلفت" أي العين المستوفي أحدهما منفعتها فإنه يلزم المستوفى نصف أجرة المثل "فإن تمانعا" أي تنازعا في المهايأة "وأصرا" على ذلك "أجرها" أي العين "القاضي لهما" بمعنى عليهما ووزع الأجرة عليهما بقدر حصتهما وينبغي له أن يقتصر على أقل مدة تؤجر تلك العين فيها عادة إذ قد يتفقان عن قرب قاله الأذرعي (٢)
"ولا يبيعها عليهما"; لأنهما كاملان ولا حق لغيرهما فيها "وكذا الحكم لو استأجرا أرضا" مثلا "في المهايأة والنزاع وتأجير" أي إجارة "القاضي لهما" بمعنى عليهما فيه زيادة على ما في الأصل وعبارته ولو استأجرا أرضا وطلب أحدهما المهايأة وامتنع الآخر فينبغي أن يعود الخلاف في الإجبار.
"وإن اقتسماها بالتراضي ثم ظهر عيب بنصيب أحدهما فله بل لهما" الموافق لكلام الأصل بل للآخر "الفسخ" للقسمة وثبوت الفسخ للآخر نقله الأصل عن بحث القاضي، وهو بعيد وكلامه آخر الباب يقتضي المنع وهو ظاهر "وإن جرت المهايأة في عبد" مثلا "مشترك" بينهما "فقد بينا في" باب "اللقطة بأن" الباء زائدة أي أن "الأكساب النادرة كاللقطة والهبة ونحوهما" كالوصية "تدخل في المهايأة" كالأكساب العامة ولا حاجة لقوله ونحوهما "وكذا" يدخل فيها
стр. 5307
"المؤن النادرة كأجرة الطبيب والحجام" كالمؤن العامة فتكون الأكساب لذي النوبة والمؤن عليه إلا أرش الجناية كما مر في اللقطة "ويراعى في الكسوة قدر المهايأة فتجب عليهما إن كانت مياومة".
"فرع لا تجوز المهايأة في ثمر الشجر" ليكون لهذا عاما ولهذا عاما "و" لا في "لبن الشاة" ليحلب هذا يوما وهذا يوما; لأن ذلك ربوي مجهول "وطريق من أراد ذلك أن يبيح كل" منهما "لصاحبه مدة" واغتفر الجهل لضرورة الشركة مع تسامح الناس في ذلك
"فصل ليس للقاضي (١) أن يجيب" جماعة "إلى قسمة" شيء "مشترك" بينهم "حتى يثبتوا" أي يقيموا "عنده" بينة "بالملك لهم"; لأنه قد يكون في
стр. 5308
أيديهم بإجارة أو إعارة فإذا قسمه بينهم فقد يدعون الملك محتجين بقسمة القاضي (١) قال البلقيني وخرج من هذا أن القاضي (٢) لا يحكم بالموجب بمجرد اعتراف العاقدين بالبيع ولا بمجرد إقامة البينة عليهما بما صدر منهما; لأن المعنى الذي قيل هنا يأتي هناك (٣) والأوجه خلاف ما قاله; لأن معنى الحكم بالموجب أنه إن ثبت الملك صح فكأنه حكم بصحة الصيغة واعترض ابن سريج على إجابة القاضي لهم إذا أثبتوا عنده الملك بأن البينة إنما تقام وتسمع على خصم ولا خصم هنا وأجاب ابن أبي هريرة بأن القسمة تتضمن الحكم لهم بالملك وقد يكون لهم خصم غائب فيسمع البينة ليحكم لهم عليه قال ابن الرفعة وفي الجواب نظر وخرج بإثبات الملك إثبات اليد; لأن القاضي لم يستفد به شيئا غير الذي عرفه وإثبات الابتياع أو نحوه; لأن يد البائع أو نحوه كيدهم "سواء" في عدم إجابته لهم "اتفقوا" على طلب القسمة "أو تنازعوا" فيه "ويقبل" في إثبات الملك "شاهد وامرأتان" كما يقبل فيه شاهدان قاله ابن كج "لا شاهد ويمين; لأن اليمين" إنما "شرعت لترد" على الخصم "عند النكول ولا مرد لها" هنا لعدم وجود الخصم وقيل يقبل ذلك أيضا والترجيح من زيادته لكن قال الأذرعي جزم الدارمي: بالثاني واقتضاه كلام غيره، وهو الأشبه وقال الزركشي: إنه الصواب (٤)
"فصل قول القاسم في قسمة الإجبار حال ولايته قسمت كقول القاضي"، وهو في محل ولايته "حكمت" فيقبل "وإلا لم يقبل بل لا تسمع
стр. 5309
شهادته لأحد الشريكين"، وإن لم يطلب أجرة وظاهر أن محله (١) إذا ذكر فعله "ولو" تقاسما ثم "تنازعا" في بيت أو قطعة من الأرض "وقال كل منهما هذا" من نصيبي "ولا بينة" لهما أو لكل منهما بينة "تحالفا وفسخت" أي القسمة كالمتبايعين "قال الشيخ أبو حامد" فإن اختص أحدهما باليد فيما تنازعا فيه "حلف ذو اليد"; لأن الآخر اعترف له بها وادعى أنه غصبه منه "ولمن اطلع" منهما "على عيب في نصيبه أن يفسخ" القسمة كالبيع "ولا تصح قسمة الديون" المشتركة "في الذمم"; لأنها إما بيع دين بدين أو إفراز ما في الذمة وكلاهما ممتنع وإنما امتنع إفراز ما في الذمة لعدم قبضه وعلى هذا لو تراضيا على أن يكون ما في ذمة زيد لأحدهما وما في ذمة عمرو للآخر لم يختص أحد منهما بما قبضه
стр. 5310
كتاب الشهادات
الأصل فيها آيات كقوله تعالى: ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ [البقرة: ٢٨٣] وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وأخبار (١) كخبر الصحيحين "ليس لك إلا شاهداك أو يمينه (٢) " وخبر أنه ﷺ سأل عن الشهادة فقال للسائل: "ترى الشمس؟ " قال: نعم فقال: "على مثلها فاشهد أو دع" رواه البيهقي والحاكم وصحح إسناده (٣)
стр. 5311
وفيه ستة أبواب الأول: في أهلية الشهادة وشرط الشاهد
أي شروطه ثمانية "إسلام" فلا يقبل من كافر "ولو على كافر" لآية: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] وقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] والكافر ليس من رجالنا وليس بعدل ومعنى قوله تعالى: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] أي من غير عشيرتكم
"وتكليف" فلا يقبل من غير مكلف كالإقرار بل أولى "وحرية (١) كاملة" فلا تقبل ممن فيه رق كسائر الولايات إذ في الشهادات نفوذ قول على الغير وهو
стр. 5312
نوع ولاية ولأنه مشتغل بخدمة سيده فلا يتفرغ لتحمل الشهادة ولا لأدائها
"وعدالة" فلا تقبل من فاسق لآية ﴿وَاسْتَشْهِدُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] ولقوله: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] والفاسق ليس بمرضي ولقوله: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (١) [الحجرات: ٦]
"ومروءة (٢) ونطق (٣) وعدم تهمة" فلا تقبل ممن لا مروءة له (٤) ولا نطق ولا ممن يتهم كما سيأتي بيانها في كلامه والأصل سالم من تكرار هذه الثلاثة "وكذا عدم حجر بسفه قاله الصيمري (٥) " فلا يقبل من المحجور عليه بسفه لأنه متهم
стр. 5313
شرط العدالة
"وشرط العدالة اجتناب الكبائر (١) " أي كل منها "وعدم الإصرار على الصغائر (٢) " ولو على نوع كما سيأتي وفسر جماعة الكبيرة بأنها ما لحق صاحبها
стр. 5314
وعيد شديد (١) بنص كتاب أو سنة "فعدوا من الكبائر القتل" أي عمدا بغير حق أو شبه عمد بخلاف الخطأ "والزنا" بالزاي روى الشيخان عن ابن عمر قال: قال رجل: أي الذنب أكبر عند الله؟ قال: "أن تدعو لله ندا وهو خلقك"، قال: ثم أي؟ قال: "أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك"، قال: ثم أي؟ قال: "أن تزني بحليلة جارك"، فأنزل الله تصديقها: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨] الآية
"واللواط" لأنه مضيع لماء النسل (٢) في فرج محرم كالزنا زاد البغوي وإتيان البهائم "وشرب الخمر وإن قل" ولم يسكر والمسكر ولو بغير الخمر قال ﷺ : "إن على الله عهدا لمن شرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال"، قالوا: يا رسول الله وما طينة الخبال؟ قال: "عرق أهل النار" رواه مسلم (٣) أما شرب ما لا يسكر لقلته من غير الخمر فصغيرة "والسرقة" قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] نعم سرقة الشيء القليل صغيرة قال الحليمي إلا إذا كان (٤) المسروق منه مسكينا لا غنى به عن ذلك فيكون كبيرة "والقذف (٥) " زاد شريح الروياني الباطل قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٢٣] الآية نعم قال الحليمي قذف الصغيرة والمملوكة والحرة المتهتكة من الصغائر لأن الإيذاء في قذفهن دونه في الحرة الكبيرة المستترة وقال ابن عبد السلام قذف
стр. 5315
المحصن في خلوة (١) بحيث لا يسمعه إلا الله والحفظة ليس بكبيرة موجبة للحد (٢) لانتفاء المفسدة أما قذف الرجل زوجته إذا أتت بولد يعلم أنه ليس منه فمباح وكذا جرح الراوي والشاهد بالزنا إذا علم بل هو واجب
"وشهادة الزور" لأنه ﷺ عدها في خبر من الكبائر (٣) وفي خبر من أكبر الكبائر (٤) رواهما الشيخان
"وغصب المال (٥) " لخبر مسلم "من اقتطع شبرا من الأرض ظلما طوقه الله تعالى إياه يوم القيامة من سبع أرضين (٦) " وقيده جماعة بما يبلغ قيمته ربع مثقال كما يقطع به في السرقة وخرج بغصب المال غصب غيره كغصب كلب فصغيرة.
стр. 5316
"والفرار من الزحف" لأنه ﷺ عده من السبع الموبقات (١) أي المهلكات رواه الشيخان (٢) نعم يجب إذا زاد العدو على مثليه وعلم أنه إذا ثبت يقتل من غير نكاية في العدو لانتفاء إعزاز الدين بثبوته
"وأكل الربا" لآية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ [البقرة: ٢٧٨] ولأنه ﷺ عده من السبع الموبقات في الخبر السابق "و" أكل "مال اليتيم" قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى﴾ [النساء: ١٠] الآية وقد عده ﷺ من السبع الموبقات في الخبر السابق
"وعقوق الوالدين" لأنه ﷺ عده في خبر من الكبائر وفي آخر من أكبر الكبائر رواهما الشيخان وأما خبرهما "الخالة بمنزلة الأم (٣) " وخبر البخاري "عم الرجل صنو أبيه (٤) " فلا بد لأن على أنهما كالوالدين في العقوق
"والكذب على رسول الله ﷺ عمدا" الخبر "من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار (٥) " رواه الشيخان أما الكذب على غيره فصغيرة
"وكتمان الشهادة بلا عذر" قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] بخلافه بعذر "والإفطار في رمضان عدوانا" لأن صومه من أركان الإسلام ففطره يؤذن بقلة اكتراث مرتكبه بالدين بخلاف الإفطار فيه بعذر
"واليمين الفاجرة" لخبر الصحيحين "من حلف على مال امرئ مسلم بغير
стр. 5317
حق لقي الله وهو عليه غضبان (١) " وخبر مسلم "من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم الله عليه الجنة"، فقال له رجل: وإن كان شيئا يسيرا يا رسول الله؟ قال: "وإن كان قضيبا من أراك (٢) "
"وقطع الرحم (٣) " لخبر الصحيحين "لا يدخل الجنة قاطع (٤) " قال سفيان بن عيينة في رواية يعني قاطع رحم
"والخيانة في كيل أو وزن" لغير الشيء التافه قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: ١] الآية والكيل يشمل الذرع عرفا أما للتافه فصغيرة
"وتقديم الصلاة أو تأخيرها عن وقتها بلا عذر" لخبر الترمذي "من جمع بين صلاتين من غير عذر فقد أتى بابا من أبواب الكبائر (٥) " وأولى بذلك تركها بخلاف ذلك بعذر كسفر
"وضرب مسلم بغير حق" لخبر مسلم "صنفان من أمتي من أهل النار لم أرهما قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس ونساء كاسيات عاريات (٦) " إلى آخره قال الأذرعي وفي التقييد بالمسلم نظر لا سيما إن كان للمضروب رحم وقرابة ولا يخفى أن الكلام فيمن له ذمة أو عهد معتبر قال وأطلق الحليمي أن الخدشة والضربة والضربتين من الصغائر وقد يفصل بين مضروب ومضروب من حيث القوة وضدها والشرف والدناءة.
стр. 5318
"وسب الصحابة (١) " لخبر الصحيحين "لا تسبوا أصحابي (٢) فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه (٣) " ولخبر مسلم عن أبي سعيد الخدري أنه كان بين خالد بن الوليد وعبد الرحمن بن عوف شيء فسبه خالد فقال ﷺ : "لا تسبوا أحدا من أصحابي فإن أحدكم لو أنفق" إلى آخره الخطاب للصحابة السابين نزلهم لسبهم الذي لا يليق بهم منزلة غيرهم حيث علل بما ذكره أما سب غير الصحابة فصغيرة وخبر الصحيحين "سباب المسلم فسوق (٤) " معناه تكرار السب بحيث يغلب على طاعاته
"وأخذ الرشوة" لما مر في باب آداب القضاء "والدياثة" بالمثلثة لخبر "ثلاثة لا يدخلون الجنة العاق والديه والديوث ورجلة النساء" رواه الذهبي وصحح إسناده (٥) "والقيادة" قياس على الدياثة وتقدم تفسيرهما في الطلاق "والسعاية عند السلطان" وهي أن يذهب إليه ليتكلم عنده في غيره بما يؤذيه به وفي نهاية ابن الأثير خبر الساعي مثلث أي مهلك بسعايته نفسه والمسعى به وإليه.
"ومنع الزكاة" لخبر الصحيحين "ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار فأحمي عليها في نار جهنم
стр. 5319
فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره (١) " إلى آخره
"وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع القدرة" عليهما لآية ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ﴾ [المائدة: ٧٨] وينبغي تقييد المنكر بالكبيرة (٢)
"والسحر" لأنه ﷺ عده من السبع الموبقات في الخبر السابق "ونسيان القرآن (٣) " لخبر الترمذي "عرضت علي ذنوب أمتي فلم أر ذنبا أعظم من سورة أو آية أوتيها رجل ثم نسيها" (٤) قال في الروضة لكن في إسناده ضعف وتكلم فيه الترمذي "وإحراق حيوان" إذ لا يعذب بالنار إلا خالقها "وامتناعها" أي المرأة "من زوجها بلا سبب" لخبر الصحيحين "إذا باتت المرأة هاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح (٥) "
"واليأس من رحمة الله" قال الله : ﴿إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧] "وأمن مكره" تعالى بالاسترسال في المعاصي والاتكال على العفو قال تعالى: ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩] "والظهار" قال تعالى فيه: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً﴾ [المجادلة: ٢] أي حيث شبهوا الزوجة بالأم في التحريم "وأكل لحم
стр. 5320
خنزير وميتة بلا عذر" قال تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً﴾ [الأنعام: ١٤٥] الآية.
"ونميمة" وهي نقل بعض كلام الناس إلى بعض على وجه الإفساد بينهم لخبر الصحيحين "لا يدخل الجنة نمام (١) " أما نقل الكلام نصيحة للمنقول إليه فواجب كما في قوله تعالى حكاية ﴿يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ [القصص: ٢٠]
"والوقع في أهل العلم وحملة القرآن" لشدة احترامهم وهذا مستثنى من قولهم الغيبة صغيرة قال في الأصل وللتوقف مجال في بعض المذكورات كقطع الرحم وترك الأمر بالمعروف على إطلاقهم ونسيان القرآن وإحراق الحيوان وقد أشار الغزالي في الإحياء إلى مثل هذا التوقف انتهى
وليست الكبائر منحصرة فيما ذكر كما أشار إليه في أولها وأما خبر الصحيحين "الكبائر الإشراك بالله والسحر وعقوق الوالدين وقتل النفس"، زاد البخاري "واليمين الغموس ومسلم بدلها وقول الزور (٢) " وخبرهما "اجتنبوا السبع الموبقات الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل مال اليتيم وأكل الربا والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات (٣) " فمحمولان (٤) على بيان المحتاج إليه منها وقت ذكره.
وقد قال ابن عباس: "هي إلى السبعين" أقرب وسعيد بن جبير: "هي إلى السبعمائة أقرب"، يعني باعتبار أصناف أنواعها "وقيل: إن الكبيرة (٥) هي المعصية الموجبة للحد وذكر في الأصل أنهم إلى ترجيح هذا أميل (٦) وأن الذي ذكرناه أولا هو الموافق لما ذكروه عند تفصيل الكبائر" أي لأنهم عدوا الربا
стр. 5321
وأكل مال اليتيم وشهادة الزور ونحوها من الكبائر ولا حد فيها وقال الإمام هي كل جريمة (١) تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين (٢) والمراد بها بقرينة التعاريف المذكورة غير الكبائر الاعتقادية التي هي البدع فإن الراجح قبول شهادة أهلها ما لم نكفرهم كما سيأتي بيانه
"ومن الصغائر (٣) " جمع صغيرة وهي كل ذنب ليس بكبيرة. "النظر المحرم وغيبة" للمسر فسقه "واستماعها" بخلاف المعلن لا تحرم غيبته بما أعلن به كما مر في النكاح وبخلاف غير الفاسق فينبغي أن تكون غيبته كبيرة وجرى عليه المصنف كأصله في الوقوع في أهل العلم وحملة القرآن كما مر وعلى ذلك يحمل ما ورد فيها من الوعيد الشديد في الكتاب والسنة وما نقله القرطبي وغيره من الإجماع على أنها كبيرة وهذا التفصيل أحسن من إطلاق صاحب العدة أنها صغيرة وإن نقله الأصل عنه وأقره وجرى عليه المصنف وقوله واستماعها أخص من قول الأصل والسكوت عليها لأنه قد يعلمها ولا يسمعها "وكذب لا حد فيه ولا ضرر" وقد لا يكون صغيرة (٤) كإن كذب في شعره بمدح وإطراء وأمكن حمله على المبالغة فإنه جائز لأن غرض الشاعر إظهار الصنعة لا التحقيق كما سيأتي ذلك وخرج بنفي الحد والضرر ما لو وجدا أو أحدهما مع الكذب فيصير كبيرة لكنه مع الضرر ليس كبيرة مطلقا بل قد يكون كبيرة كالكذب على الأنبياء وقد لا يكون بل الموافق لتعريف الكبيرة بأنها المعصية الموجبة للحد أنه ليس كبيرة مطلقا "وإشراف على بيوت الناس وهجر مسلم فوق ثلاث" من الأيام بلا سبب يقتضي ذلك كما مر في باب الشقاق. وأفهم كلامهم جوازه في الثلاث بلا سبب قال الأذرعي وفيه نظر
стр. 5322
"وكثرة خصومات" وإن كان مكثرها محقا "لا إن راعى حق الشرع" فيها فليست صغيرة "وضحك في الصلاة ونياحة وشق جيب لمصيبة وتبختر" في المشي قال الأذرعي ولم أر عد هذه الثلاثة من الصغائر إلا لصاحب العدة والأخبار الصحيحة تقتضي أنها من الكبائر "وجلوس بين فساق إيناسا لهم وإدخال مجانين ونجاسة وكذا إدخال صبيان يغلب تنجيسهم المسجد وإلا" أي وإن لم يغلب تنجيس الصبيان له "كره" ومثلهم في هذا المجانين وعلى عدم الغلبة يحمل إطلاق المجموع الكراهة في إدخالهما المسجد ولا ينافي تحريم إدخالهما إياه ما مر من جواز إدخالهم المسجد الحرام ليحرم عنهم أولياؤهم ويطوفوا بهم إذ لا يلزم من تجويز الإدخال لحاجة العبادة الجواز لغير حاجة "وإمامة من" أي قوم "يكرهونه لعيب فيه" تقدم في صفة الأئمة أنها مكروهة (١) "واستعمال نجس في بدن أو ثوب لغير حاجة" كما مر في باب ما يجوز لبسه والثوب ذكره الأصل ثم والمصنف هنا كما مر التنبيه عليه ثم
"والتغوط مستقبلا" القبلة بشرطه السابق في باب الاستنجاء "و" التغوط "في الطريق" تقدم ثم إنه مكروه مع ما فيه "وما أشبه ذلك مما لا يجوز حتى كشف العورة" ولو "في خلوة لغير حاجة" ومن ذلك القبلة للصائم التي تحرم شهوته والوصال في الصوم والاستمناء ومباشرة الأجنبية (٢) بغير جماع وقد ذكر الأصل هنا أمثلة كثيرة وبالجملة "فالإصرار على الصغائر ولو على نوع منها يسقط الشهادة" بشرط ذكره في قوله. "قال الجمهور من غلبت طاعته معاصيه كان عدلا وعكسه" وهو من غلبت معاصيه طاعته فاسق فلا تقبل شهادته ومثله ما إذا استويا (٣)
стр. 5323
"فرع يكره الشطرنج" أي اللعب به وهو بكسر أوله وفتحه معجما ومهملا وأنكر بعضهم فتحه واحتج لإباحة (١) اللعب به بأن الأصل الإباحة وبأن فيه تدبير الحروب وللكراهة بأن صرف العمر إلى ما لا يجدي وبأن عليا ﵁ مر بقوم يلعبون به فقال ما هذه التماثيل (٢) التي أنتم لها عاكفون "فإن اقترن به قمار" بأن شرط المال من الجانبين (٣) "أو فحش" أو لعب مع معتقد التحريم (٤) "أو تأخير الصلاة عن الوقت عمدا وكذا" تأخيرها عنه "سهوا للعب به" بأن شغله اللعب به حتى خروج الوقت وهو غافل "وتكرر (٥) " ذلك منه "فحرام" لما اقترن به (٦) بخلاف ما إذا لم يتكرر ويفارق حكم السهو مع التكرر هنا ما لو ترك الصلاة ساهيا مرارا بأنه هنا شغل نفسه بما فاتت به الصلاة قال في
стр. 5324
الأصل كذا ذكروه وفيه إشكال لما فيه من تعصية الغافل ثم قياسه الطرد في شغل النفس بغيره من المباحات (١) وما استشكل به أجاب عنه الشافعي ﵁ بأن في ذلك استخفافا من حيث إنه عاد إلى ما علم إنه يورثه الغفلة نقله الإسنوي (٢) وأما القياس المذكور فأجيب عنه بأن شغل النفس بالمباح يفجؤها ولا قدرة على دفعه بخلافه هنا وبأن ما شغلها به هنا مكروه وثم مباح "فإن خرج أحدهما المال لمن غلب" أي ليبذله إن غلب ويمسكه إن غلب أو أخرجه غيرهما "فليس بقمار (٣) بل مسابقة فاسدة" لأنه مسابقة على غير آلة فقال وهي مع ذلك حرام أيضا لكونه من باب تعاطي العقود الفاسدة
"والنرد" (٤) وفي نسخة واللعب بالنرد "حرام" لخبر "من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله" رواه أبو داود والحاكم وصححه (٥) وفي خبر مسلم "فكأنما غمس يده في لحم خنزير ودمه (٦) " أي وذلك حرام وفارق اللعب بالشطرنج بأن التعويل فيه على ما يخرجه الكعبان أي الحصى ونحوه فهو كالأزلام وفي الشطرنج على الفكر والتأمل وإنه ينفع في تدبير الحرب
стр. 5325
"وهو صغيرة والحزة (١) " بفتح الحاء المهملة وبالزاي وهي قطعة خشب يحفر فيها حفر في ثلاثة أسطر يجعل فيها حصى صغار يلعب بها وتسمى بالمنقلة وقد تسمى بالأربعة عشر "والفرق (٢) " بفتح القاف والراء ويقال بكسر القاف وإسكان الراء وهو أن يخط في الأرض خط مربع ويجعل في وسطه خطان كالصليب ويجعل على رءوس الخطوط حصى صغار يلعب بها "كالنرد" في تحريم اللعب به (٣) وقيل كالشطرنج والترجيح من زيادته وكلام الرافعي يميل إلى ترجيح الثاني حيث قال بعد حكاية الوجهين ويشبه أن يقال ما يعتمد فيه على إخراج الكعبين فكالنرد أو على الفكر فكالشطرنج قال الإسنوي وهذا يؤخذ منه ترجيح الجواز فيهما لأن كلا منهما يعتمد فيه على الفكر لا على شيء يرمى
"فرع اتخاذ الحمام" للبيض أو الفرخ أو الأنس أو حمل الكتب "مباح ويكره اللعب به (٤) " بالتطيير والمسابقة ولا ترد به الشهادة "فإن انضم إليه قمار"