الفاتحة لا يقتدي بمن يصلي بالذكر فلو عجز إمامه في أثناء الصلاة عن القراءة لخرس فارقه بخلاف عجزه عن القيام لصحة اقتداء القائم بالقاعد بخلاف اقتداء القارئ بالأخرس قاله البغوي في فتاويه قال ولو لم يعلم بحدوث الخرس حتى فرغ من الصلاة أعاد; لأن حدوث الخرس نادر بخلاف حدوث الحدث "ولا بمن بان أنه ترك تكبيرة الإحرام لا النية، وإن سها" بترك التكبيرة; لأنها لا تخفى فينسب إلى تقصير بخلاف النية، والتصريح بهاتين تبعا للمجموع من زيادته
"ويصح اقتداء عاجز" عن الفاتحة، أو بعضها ويسمى أميا "بمثله (١) إن اتفقا" عجزا لاستوائهما نقصانا (٢) كالمرأتين ولا يشكل بمنع اقتداء فاقد الطهورين ونحوه بمثله لوجوب القضاء ثم بخلافه هنا "لا" اقتداء "قارئ أول الفاتحة" دون آخرها "بقارئ آخرها" دون أولها "وإن كثر" الآخر، ولا عكسه، ولا اقتداء قارئ أولها أو آخرها بقارئ وسطها، ولا عكسه الشامل لها كلام أصله "ولا ألثغ الراء" مثلا "بألثغ السين" كذلك لاختلافهما ولا أرت بأرت إن اختلفت رتتهما. الألثغ بالمثلثة من في لسانه لثغة بضم اللام، وهو من يبدل حرفا بآخر كأن يبدل السين بالمثلثة، أو الراء بالغين فيقول: "المثتقيم" "غيغ المغضوب "، والأرت بالمثناة من في لسانه رتة بضم الراء، وهو من يدغم في غير موضع الإدغام. وظاهر أن العبرة في الاتفاق (٣)، والاختلاف بالحرف المعجوز عنه فلو أبدل أحدهما السين تاء، والآخر زايا كانا متفقين ولو كانت لثغته يسيرة بأن يأتي بالحرف غير صاف لم يؤثر.
стр. 667
"وتكره" الصلاة "خلف التمتام، والفأفاء" (١) هذا مساو لكلام المنهاج وغيره، وعبارة الأصل، والمحرر وتكره إمامة التمتام، والفأفاء وكل صحيح "وهما المكرران الفاء، والتاء" ولا يختص الحكم بهما بل يجري في الوأواء، وهو من يكرر الواو وفي غيره ممن يكرر شيئا من سائر الحروف; للزيادة ولتطويل القراءة بتكرار الحرف ولنفرة الطباع من سماع كلامهم وصحت إمامتهم; لأنهم لا ينقصون شيئا بل يزيدون زيادة هم معذورون فيها، والفقهاء يعبرون بالتمتام والذي في الصحاح وغيره، وهو القياس التأتاء
"و" تكره "خلف لحان" كثرة اللحن المفادة بلحان ليست مرادة وفي نسخة لاحن، وهي الموافقة لتعبير أصله بمن يلحن لحنا "لا يغير المعنى" (٢) كرفع هاء لله ونصبه ويحرم تعمده "فإن غيره" كضم تاء أنعمت أو كسرها، فإن كان "لعجز فكالألثغ" فتصح صلاته وقدوة مثله به "أو لتقصير فقد سبق بيانه" في صفة الصلاة من أنه لا تصح صلاته فلا تصح القدوة به "وهذا" إنما يأتي "في الفاتحة"، أو بدلها "فقط" كما مر، فإن لحن في غير ذلك لحنا يغير المعنى كقوله "إن الله بريء من المشركين ورسوله" بجر اللام فإن كان قادرا عالما عامدا بطلت صلاته وإلا فتصح وتصح القدوة به; لأن ترك السورة جائز قال الإمام ولو قيل ليس لهذا اللاحن قراءة غير الفاتحة مما يلحن فيه لم يكن بعيدا; لأنه يتكلم بما ليس بقرآن بلا ضرورة وقواه السبكي قال: ومقتضاه البطلان في القادر، والعاجز.
"ولا يقتدي رجل بامرأة" لخبر البخاري "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة" (٣)
стр. 668
مع خبر ابن ماجه "لا تؤمن امرأة رجلا" (١) "ولا بخنثى" مشكل لاحتمال أنوثته "ولا خنثى" مشكل "بهما" أي بامرأة وبخنثى مشكل لاحتمال ذكورته مع تحقق أنوثة الإمام في الأولى مع احتمالها في الثانية "ولا تتبين الصحة إذا" خالف أحد من هؤلاء ما ذكر، ثم "بان الإمام رجلا، والمأموم امرأة" أو بانا رجلين، أو امرأتين لعدم صحة القدوة في الظاهر للتردد عندها (٢)، ويكره اقتداء خنثى بانت أنوثته بامرأة، ورجل بخنثى بانت ذكورته قاله الماوردي (٣) "وتقتدي المرأة بالجميع" أي بالرجل، والمرأة، والخنثى.
"فرع" لو "اقتدى بمن لا يقضي كمستحاضة غير متحيرة ومستجمر ومتيمم وعار ومضطجع ونحو ذلك" كماسح خف وقاعد ومستلق وموم (٤) بشروطها المعروفة في محالها "صح" لصحة صلاتهم من غير إعادة أما المتحيرة (٥) فلا تصح قدوة غيرها ولو متحيرة بها; لوجوب الإعادة عليها على ما مر في الحيض، والتصريح بالعاري من زيادته ولا حاجة لما زاده بقوله ونحو
стр. 669
ذلك للعلم به من الكاف الداخلة على المذكورات
"فرع إذا بان" للمأموم "في أثناء الصلاة" على خلاف ظنه "حدث إمامه، أو تنجسه" ولو بنجاسة خفية (١) "فارقه" وجوبا لعلمه ببطلان صلاة إمامه قال في المجموع ولا يغني عن المفارقة ترك المتابعة قطعا بل تبطل به صلاته; لأنه صلى بعض صلاته خلف من علم بطلان صلاته "أو" بأن ذلك "بعد غير الجمعة لم يقض" صلاته لانتفاء التقصير منه; ولما روى أبو داود وغيره من رواية أبي بكرة وقال البيهقي رواته ثقات أنه ﷺ "أحرم وأحرم الناس خلفه، ثم ذكر أنه جنب فأشار إليهم كما أنتم، ثم خرج واغتسل ورجع ورأسه يقطر ولم يأمرهم بالإعادة" (٢) ولا ينافيه خبر الصحيحين من رواية أبي هريرة أنه ﷺ "ذكر أنه جنب قبل أن يحرم"; لأنهما قضيتان قاله في المجموع، والخبران صحيحان وقضية كلامه كأصله أنه لا فرق في النجاسة بين الخفية، والظاهرة، وهو ما صححه في التحقيق; لأن الظاهر من جنس الخفية وقال الإسنوي إنه الصحيح المشهور وقضية كلام المنهاج كأصله أنه يجب القضاء في الظاهرة (٣) ; لأنه ينسب فيها إلى تقصير وجرى عليه الروياني وغيره وقال في المجموع إنه أقوى، وحمل فيه وفي تصحيحه كلام التنبيه عليه وبه أفتيت، والخفية ما تكون بباطن الثوب، والظاهرة ما تكون بظاهره فيجب فيها القضاء على الثاني نعم لو كانت بعمامته وأمكنه رؤيتها إذا قام، لكنه صلى جالسا لعجزه فلم تمكنه رؤيتها لم يقض; لأن فرضه الجلوس (٤) فلا تفريط منه ذكر ذلك الروياني قال الأذرعي (٥) وقضيته الفرق بين المقتدي الأعمى، والبصير أي حتى لا يجب القضاء على
стр. 670
الأعمى مطلقا (١) انتهى، فالأولى الضبط بما في الأنوار (٢) أن الظاهر ما تكون بحيث لو تأملها المأموم رآها، والخفية بخلافها "إلا إن علمه" محدثا، أو متنجسا "ونسي ولم يحتمل أنه توضأ" الأولى تطهر بأن لم يفترقا فيلزمه القضاء لتقصيره "وفي الجمعة تفصيل سيأتي" بيانه فيها من كون الإمام زائدا على الأربعين، أو لا "ويقضي إن بان" إمامه "امرأة، أو خنثى أو مجنونا، أو أميا، أو قادرا على القيام، أو كافرا ولو زنديقا ومرتدا" لتقصيره بترك البحث عنهم; لأنهم لا يخفون غالبا بخلاف ما لو بان محدثا كما مر ولنقص ما عدا القادر على القيام، وذكر حكم القادر من زيادته، والمنقول عن الصيمري وغيره خلافه، وهو قضية قوله كأصله في خطبة الجمعة لو خطب جالسا (٣) فبان قادرا فكمن بان جنبا "إلا إن اقتدى بمن أسلم، ثم قال بعد الفراغ كنت غير مسلم" أي لم أكن أسلمت حقيقة، أو أسلمت، ثم ارتددت فلا يلزمه القضاء; لأن إمامه كافر بذلك فلا يقبل خبره، وهذا قد نص عليه الشافعي بخلاف ما لو اقتدى بمن جهل إسلامه، أو شك فيه، ثم أخبره بكفره.
"فرع تصح" الصلاة "خلف مجهول" إسلامه، أو قراءته; لأن الأصل الإسلام (٤)، والظاهر من حال المسلم المصلي أنه يحسن القراءة "فإن أسر" هذا
стр. 671
"في جهرية أعاد" المأموم; لأن الظاهر أنه لو كان قارئا لجهر ويلزمه البحث عن حاله (١) كما نقله الإمام عن أئمتنا; لأن إسرار القراءة في الجهرية يخيل أنه لو كان يحسنها لجهر بها أما في السرية فلا إعادة عليه عملا بالظاهر ولا يلزمه البحث عن حاله كما لا يلزمه البحث عن طهارة الإمام (٢) نقله ابن الرفعة عن الأصحاب "لا إن قال" بعد سلامه من الجهرية "نسيت" الجهر (٣) وصدقه المأموم فلا تلزمه الإعادة (٤) "بل تستحب كمن جهل" من إمامه الذي له حالتا جنون وإفاقة، أو إسلام وردة "وقت جنونه أو ردته" فإنه لا يلزمه الإعادة بل تستحب
"وتصح خلف صبي مميز وعبد" ولو في نفل للاعتداد بصلاتهما وروى
стр. 672
البخاري أن عمرو بن سلمة بكسر اللام كان يؤم قومه على عهد رسول الله ﷺ وهو ابن ست، أو سبع سنين (١)، وأن عائشة كان يؤمها عبدها ذكوان (٢)
"و"، لكن "البالغ، والحر أولى" منهما، وإن اختصا بفضل من ورع، أو نحوه; لكمالهما وخروجا من خلاف من منع الاقتداء بالصبي ومن كره الاقتداء به وبالعبد قال في المجموع، فالعبد البالغ أولى من الحر الصبي ولو اجتمع عبد وحر وزاد بالفقه فهما سواء على الأصح بخلاف نظيره في صلاة الجنازة حيث صححوا فيها أولوية صلاة الحر; لأن القصد منها الدعاء، والشفاعة، والحر بهما أليق. وظاهر أن المبعض أولى من كامل الرق.
"فصل يقدم" في الإمامة "العدل على الفاسق وإن كان أفقه وأقرأ" (٣). لأنه لا يوثق به "بل تكره" الصلاة "خلف الفاسق" لذلك وإنما صحت لما رواه الشيخان أن ابن عمر كان يصلي خلف الحجاج قال الشافعي وكفى به فاسقا "و" خلف "المبتدع" الذي لا يكفر ببدعته أخذا مما يأتي كالفاسق بل أولى لملازمة اعتقاده في الصلاة بخلاف الفاسق "، والأعمى كالبصير" في الإمامة لتعارض فضيلتيهما; لأن الأعمى لا ينظر ما يشغله فهو أخشع، والبصير ينظر الخبث فهو أحفظ لتجنبه وخرج بقوله من زيادته "إن لم يبتذل" بالمعجمة ما إذا تبذل أي ترك الصيانة من المستقذرات كأن لبس ثياب البذلة، فإن البصير أولى منه نقله ابن كج بصيغة "قيل " (٤) عن النص ولا
стр. 673
حاجة إليه بل ذكره يوهم خلاف المراد; لأنه معلوم مما يأتي في نظافة الثوب، والبدن ولا يختص ذلك بتبذل الأعمى بل لو تبذل البصير كان الأعمى أولى منه قال الماوردي وإمامه الحر الأعمى أفضل من إمامه العبد البصير
"وتصح خلف مبتدع يقول بخلق القرآن" أو بغيره من البدع "ولا يكفر" به كذا أطلقه كثير من الأصحاب وقال في الروضة إنه الصحيح، أو الصواب فقد قال الشافعي ﵁ أقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية; لأنهم يرون الشهادة بالزور لموافقيهم ولم يزل السلف، والخلف على الصلاة خلف المعتزلة وغيرهم وإجراء أحكام المسلمين عليهم، وقد تأول لأجل ذلك البيهقي وغيره ما جاء عن الشافعي وغيره من تكفير القائل بخلق القرآن على كفران النعم ويستثنى من ذلك ما سيأتي في الشهادة من تكفير منكري العلم بالجزئيات وبالمعدوم وما في المجموع من تكفير من يصرح بالتجسيم (١) فلا يجوز الاقتداء بهم كسائر الكفار وما ذكره المصنف هنا علم من قوله فيما مر وتكره خلف المبتدع ولو ترك قوله يقول بخلق القرآن، أو ذكر معه ما ذكرته كان أولى
"والأفقه" في باب الصلاة "الأقرأ" أي الأكثر قرآنا "أولى" من غيره لفضله بزيادة الفقه، والقراءة "ثم الأفقه" أولى من الأقرإ; لأن افتقار الصلاة للفقه لا ينحصر بخلاف القرآن ولتقديمه ﷺ أبا بكر في الصلاة على غيره مع أنه ﷺ نص على أن غيره أقرأ منه "ثم الأقرأ" على الأورع; لأنها أشد احتياجا إليه من الورع ولخبر مسلم عن أبي مسعود البدري "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن
стр. 674
كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سنا" (١) وفي رواية سلمان "ولا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه" (٢) وظاهره تقديم الأقرإ على الأفقه كما هو وجه وأجاب عنه الشافعي بأن الصدر الأول كانوا يتفقهون مع القراءة فلا يوجد قارئ إلا، وهو فقيه (٣) قال النووي، لكن في قوله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة دليل على تقديم الأقرإ مطلقا انتهى، وقد يجاب بأنه قد علم أن المراد بالأقرإ في الخبر الأفقه في القرآن فإذا استووا في القرآن فقد استووا في فقهه فإذا زاد أحدهم بفقه السنة فهو أحق فلا دلالة في الخبر على تقديم الأقرإ مطلقا بل على تقديم الأقرإ الأفقه في القرآن على من دونه ولا نزاع فيه "ثم الأورع"، وهو "متقي" أي مجتنب "الشبهات" خوفا من الله تعالى، وهو "بعدهما" أي بعد الأفقه، والأقرإ ولا حاجة به لهذا بعد تعبيره بثم، وقوله: وهو متقي الشبهات أخذه من تفسير التحقيق، والمجموع الورع بأنه اجتناب الشبهات خوفا من الله تعالى وفسره الأصل بأنه زيادة على العدالة من حسن السيرة، والعفة "ثم" بعد الأورع "يقدم الأسن" (٤) على الأنسب للخبر السابق ولخبر الصحيحين عن مالك بن الحويرث "ليؤمكم أكبركم" (٥) ; ولأن فضيلة الأسن في ذاته، والأنسب في آبائه، وفضيلة الذات
стр. 675
أولى، والعبرة بالأسن "في الإسلام" لا بكبر السن "فيقدم شاب أسلم أمس على شيخ أسلم اليوم" لرواية مسلم السابقة فأقدمهم سلما بدل سنا "فإن أسلما معا، فالشيخ" مقدم على الشاب لعموم خبر مالك، وهذا من زيادة المصنف وذكره المحب الطبري قال البغوي ويقدم من أسلم بنفسه على من أسلم تبعا لأحد أبويه، وإن تأخر إسلامه; لأنه اكتسب الفضل لنفسه قال ابن الرفعة، وهو ظاهر إذا كان إسلامه قبل بلوغ من أسلم تبعا أما بعده فيظهر تقديم التابع ولو قيل بتساويهما حينئذ لم يبعد
"ثم" بعد الأسن "الأنسب فيقدم القرشي" على غيره لخبر مسلم "الناس تبع لقريش في هذا الشأن مسلمهم تبع لمسلمهم وكافرهم تبع لكافرهم" (١)، والمراد بهذا الشأن الإمامة الكبرى فقسنا عليها الصغرى. وعلى قريش كل من في نسبه شرف. ويعتبر بما تعتبر به الكفاءة كالعلماء، والصلحاء; فيقدم الهاشمي، والمطلبي، ثم سائر قريش "ثم العربي ثم العجمي" ويقدم ابن العالم أو الصالح على ابن غيره "ثم" بعد الأنسب "الأقدم هو أو أبوه"، وإن علا "هجرة" إلى النبي ﷺ أو إلى دار الإسلام، وقياس ما مر من تقديم من أسلم بنفسه على من أسلم تبعا تقديم من هاجر بنفسه (٢) على من هاجر أحد آبائه، وإن تأخرت هجرته وما ذكره من تقديم الورع على الثلاثة بعده هو ما أشعر بتصحيحه كلام الأصل، وهو ما في الحاوي الصغير ومتابعيه، لكن أخره في التنبيه عنها وارتضاه النووي في تصحيحه قال الإسنوي، وهو ظاهر ما في الشامل وغيره وبه صرح الروياني (٣) وما ذكره أيضا من تأخير الهجرة عن السن، والنسب هو ما أشعر بتصحيحه كلام الأصل أيضا، والذي في التحقيق واختاره في المجموع تقديمها عليهما (٤) لخبر أبي مسعود السابق. قال وأما خبر مالك فإنما كان خطابا له
стр. 676
ولرفقته وكانوا متساوين نسبا، وهجرة وإسلاما وظاهره أنهم كانوا متساوين أيضا في الفقه، والقراءة; لأنهم هاجروا إلى النبي ﷺ فأقاموا عنده عشرين ليلة، فالظاهر تساويهم في جميع الخصال إلا السن فلهذا قدمه "ثم الأنظف ثوبا وبدنا وصنعة" عن الأوساخ لإفضاء النظافة إلى استمالة القلوب وكثرة الجمع "ثم الأحسن صوتا" لميل القلب إلى الاقتداء به واستماع كلامه "ثم" الأحسن "صورة" لميل القلب إلى الاقتداء به كذا رتب الأصل عن المتولي وجزم به في الشرح الصغير والذي في التحقيق فإن استويا قدم بحسن الذكر (١)، ثم بنظافة الثوب (٢)، والبدن وطيب الصنعة وحسن الصوت، ثم الوجه وفي المجموع المختار (٣) تقديم أحسنهم ذكرا ثم صوتا ثم هيئة، فإن تساويا وتشاحا أقرع بينهما، والظاهر أن مراده بحسن الهيئة حسن الوجه ليوافق ما في التحقيق
"والمقيم أولى من المسافر" الذي يقصر; لأنه إذا أم أتموا كلهم فلا يختلفون وإذا أم القاصر اختلفوا، وهذا من زيادته وبه صرح في المجموع مع ما يعلم مما يأتي من أن هذا إذا لم يكن فيهم السلطان، أو نائبه، فإن كان فهو أحق، وإن كان مسافرا. قال: ومعروف الأب أولى من غيره; لأن إمامة غيره خلاف الأولى.
"فرع الساكن بحق" ولو مستعيرا "مقدم على هؤلاء" أي الأفقه، والأقرإ وغيرهما كما ذكره في الفصل السابق "وإن كان" الساكن "عبدا"; لاستحقاقه المنفعة ولخبر "لا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه" وفي لفظ لأبي داود "في بيته ولا سلطانه" (٤) بخلاف الساكن بلا حق كالغاصب "والمالك" للمنفعة ولو بدون الرقبة "أولى من المستعير" لملكه المنفعة، والرجوع فيها "لا" المالك للرقبة فقط فليس أولى "من المستأجر" بل المستأجر أولى منه لملكه المنفعة وما صدق به كلامه من تساويهما غير مراد ولو عبر بقوله لا من مالك المنفعة كان أولى ليشمل
стр. 677
غير المستأجر كالموصى له بالمنفعة، والموقوف عليه "والمكاتب" كتابة صحيحة، والمبعض "لا القن أولى من السيد فيما سكنه بحق"; لأنه المالك بخلاف القن فسيده أولى منه، وإن أذن له في التجارة، أو ملكه المسكن لرجوع فائدة السكنى إليه دون القن "ولا بد من إذن الشريكين" لغيرهما في تقدمه "و" من إذن "أحدهما لصاحبه" في ذلك وعبارة الأصل ولو حضر الشريكان، أو أحدهما، والمستعير من الآخر فلا يتقدم غيرهما إلا بإذنهما ولا أحدهما إلا بإذن الآخر "والحاضر منهما أحق" من غيره حيث يجوز انتفاعه بالجميع. وعلم من عبارة الأصل أن المستعيرين من الشريكين كالشريكين، فإن حضر الأربعة كفى إذن الشريكين "وإمام المسجد" الراتب "أحق من غيره"، وإن اختص غيره بفضيلة لخبر "لا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه"
"ويبعث له" ندبا إذا أبطأ ليحضر، أو يأذن في الإمامة "فإن خيف فوات أول الوقت وأمنت الفتنة" بتقديم غيره "أم غيره" بالقوم ندبا ليحوزوا فضيلة أول الوقت "وإلا" بأن خيف الفتنة "صلوا فرادى وندب لهم إعادة معه" إن حضر تطييبا لخاطره وتحصيلا لفضيلة الجماعة، ولا ينافي ذلك قول المجموع إذا خافوا الفتنة انتظروه، فإن خافوا فوت الوقت كله صلوا جماعة; لأن ما هنا فيما إذا خافوا فوت أول الوقت وأرادوا فضيلته. وما في المجموع فيما إذا خافوا فوت كله ولم يريدوا ذلك، ثم محل ذلك في مسجد غير مطروق وإلا فلا بأس أن يصلوا أول الوقت جماعة كما سيأتي آخر الباب "والوالي" في محل ولايته "أولى من الكل" أي كل من تقدم، وإن اختص بفضيلة، أو كان مالكا إذا رضي بإقامة الصلاة في ملكه لخبر "لا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه" ولعموم سلطنته مع أن تقدم غيره بحضرته بغير إذنه لا يليق ببذل الطاعة. وتقدم أن ابن عمر كان يصلي خلف الحجاج وقولي إذا رضي بإقامة الصلاة هو ما عبر به الإمام وغيره ونقله في المجموع عن الأصحاب وتعبيري في شرح البهجة تبعا للأصل بإقامة الجماعة يحمل على إقامة الصلاة إذ اعتبار ذلك بلا حمل إنما هو طريقة للماوردي على وجه آخر حيث قال: وليس لهم أن يجمعوا إلا بإذن المالك،
стр. 678
فإن أذن لأحدهم فهو أحق وإلا صلوا فرادى ولو كان المالك امرأة فلا حق لها في الإقامة إلا بالنساء، وإن كان مجنونا، أو صبيا استؤذن وليه فإن أذن لهم جمعوا وإلا صلوا فرادى قال القمولي وفيه نظر قال الأذرعي وغيره ومحل تقديم الوالي في غير من ولاه الإمام الأعظم، أو نائبه. أما من ولاه أحدهما في مسجد فهو أولى من والي البلد وقاضيه بلا شك، ويراعى في الولاة إذا اجتمعوا تفاوت الدرجة فيقدم "الأعلى، فالأعلى" منهم رعاية لمنصب الولاية "ومن قدمه المقدم بالمكان" وكان يصلح (١) للإمامة فهو "أولى" من غيره; لأن الحق فيها له فاختص بالتقدم، والتقديم أما المقدم بغير المكان كالأفقه، والأقرإ فلا يقدم مقدمه
"فصل للقدوة شروط" سبعة. "الأول لا يتقدم المأموم" على إمامه في الموقف; لأنه لم ينقل عن أحد من المقتدين بالنبي ﷺ ، والخلفاء الراشدين ولخبر الصحيحين "إنما جعل الإمام ليؤتم به" (٢) والائتمام الاتباع، والمتقدم غير تابع "فإن" وفي نسخة فإذا "تقدم" ولو في أثناء الصلاة "بطلت" صلاته كالتقدم بالتحرم قياسا للمكان على الزمان; ولأن ذلك أفحش من المخالف في الأفعال (٣) قال الزركشي واستثنى بعضهم (٤) صلاة شدة الخوف وبه صرح ابن أبي عصرون فقال: والجماعة أفضل، وإن تقدم بعضهم على بعض (٥)، لكن كلام الجمهور يخالفه انتهى. ولو شك في تقدمه عليه ففي المجموع الصحيح المنصوص في الأم (٦) تصح صلاته; لأن الأصل عدم المفسد وقيل: إن جاء
стр. 679
من خلف الإمام صحت; لأن الأصل عدم تقدمه، أو من قدامه لم تصح; لأن الأصل بقاء تقدمه قال في الكفاية (١)، وهذا أوجه ولا تضر مساواته له "والاعتبار" في التقدم وغيره للقائم "بالعقب"، وهو مؤخر القدم "لا الكعب" (٢) فلو تساويا في العقب وتقدمت أصابع المأموم لم يضر ولو تقدمت عقبه وتأخرت أصابعه ضر; لأن تقدم العقب يستلزم تقدم المنكب، والمراد ما يعتمد عليها فلو اعتمد على إحدى رجليه وقدم الأخرى (٣) على رجل الإمام لم يضر. "و" الاعتبار كما أفتى به البغوي "بالألية للقاعد، والجنب للمضطجع" (٤) هذا من زيادته وقوله وبالألية للقاعد يشمل الراكب، وهو ظاهر وما قيل: من أن
стр. 680
الأقرب فيه الاعتبار بما اعتبروا به في المسابقة ليس بصحيح إذ لا يلزم من تقدم إحدى الدابتين على الأخرى تقدم راكبها على راكب الأخرى
"وندب" للجماعة "أن يستديروا حول الكعبة" إن صلوا في المسجد الحرام ليحصل الاستقبال للجميع. قال الزركشي كذا ذكره الماوردي (١) والبغوي ولا دليل له من السنة، فالصواب تقييده بما إذا ضاق المسجد لكثرة الجمع كأيام الحجيج، وإلا فالأولى تركه، والوقوف خلف الإمام; لأنه المنقول عن فعل النبي ﷺ والصحابة "و" أن "يقف الإمام خلف المقام" أي مقام إبراهيم ﵊ اقتداء بفعله ﷺ وفعل الخلفاء الراشدين بعده "وإن قربوا" أي المؤتمون به "من الكعبة" بأن كانوا أقرب إليها منه "لا من جهته جاز" إذ لا يظهر بذلك مخالفة فاحشة; ولأن رعاية القرب، والبعد في غير جهته مما يشق بخلاف جهته فلو توجه للركن الذي فيه الحجر مثلا فجهته مجموع جهتي جانبيه كما مر في باب استقبال القبلة فلا يتقدم عليه المأموم المتوجه له ولا لإحدى جهتيه "ولو وقفا" أي الإمام، والمأموم "في الكعبة متقابلين، أو متدابرين" أو لا، ولا كأن توجها إلى جهة واحدة ولو إلى سقف الكعبة كما في صلاة المستلقي "جاز، وإن كان المأموم أقرب إلى الجدار" الذي استقبله من الإمام إلى ما استقبله لما مر "لا إن جعل ظهره إلى وجهه" (٢) فلا يجوز لتقدمه عليه في جهته ولو كان حينئذ بعضه إلى جهة الإمام وبعضه إلى غيرها فما المغلب قال الزركشي توقف فيه بعضهم وينبغي الإبطال تغليبا للمبطل "وكذا لو كان الإمام وحده خارجا" عن الكعبة، والمأموم داخلها "لا يوليه ظهره" لما مر "أو عكسه" بأن كان المأموم وحده خارجها "استقبل منها ما شاء" ولو ترك لفظة كذا كان أوضح "فرع يستحب أن يقف الذكر" ولو صبيا إذا لم يحضر غيره "عن يمين الإمام" لخبر الصحيحين عن ابن عباس "بت عند خالتي ميمونة فقام النبي ﷺ يصلي من الليل فقمت عن يساره فأخذ برأسي فأقامني عن يمينه" (٣)
стр. 681
"و" أن "يتأخر" عنه "قليلا" (١) استعمالا للأدب وإظهارا لرتبة الإمام على رتبة المأموم، فإن ساواه، أو وقف عن يساره، أو خلفه كره كما في المجموع (٢) "فإن جاء ذكر آخر أحرم عن يساره" ندبا "ثم يتقدم الإمام أو يتأخران حالة القيام" لا حالة غيره كالقعود، والسجود إذ لا يتأتى التقدم، والتأخر فيها إلا بعمل كثير، والظاهر أن الركوع كالقيام ويؤخذ من كلامه كغيره (٣) أن ذلك لا يندب للعاجزين عن القيام وأنه لا يندب إلا بعد إحرام الثاني. وبه صرح في المجموع لئلا يصير منفردا "وهما أولى" بالتأخر من الإمام بالتقدم لخبر مسلم عن جابر "قمت عن يسار رسول الله ﷺ فأخذ بيدي فأدارني عن يمينه، ثم جاء جبار بن صخر فقام عن يساره فأخذ بأيدينا جميعا فدفعنا حتى أقامنا خلفه" (٤) ; ولأن الإمام متبوع فلا ينتقل عن مكانه هذا "إن أمكن" التقدم، والتأخر، فإن لم يمكن إلا أحدهما لضيق المكان من أحد الجانبين فعل الممكن لتعينه طريقا في تحصيل السنة وظاهر أنه إذا لم يكن بيسار الإمام ما يسع الجائي الثاني يحرم خلفه ثم يتأخر إليه الأول كما يعلم مما سيأتي في الفصل الآتي "و" أن "يصطف الذكران" ولو غير بالغين سواء أتأخرا عنه فيما مر أم حضرا معه ابتداء "خلفه" بحيث لا يزيد ما بينه وبينهما على ثلاثة أذرع،. وكذا بين كل صفين فلو وقفا عن يمينه، أو يساره، أو أحدهما عن يمينه، والآخر عن يساره، أو أحدهما خلفه، والآخر بجنبه، أو خلف الأول كره كما في المجموع عن الشافعي "وإن صلى بامرأة" ولو محرما "وقفت خلفه"، وكذا النساء، أو برجل وامرأة وقف الرجل عن يمينه، والمرأة خلف الرجل، أو برجلين وامرأة وقفا خلفه، وهي خلفهما.
стр. 682
صرح به الأصل "أو برجل وامرأة وخنثى اصطفا" أي هو، والرجل صفا "وتخلف" أي الرجل عنه "قليلا و" وقف "الخنثى خلفهما، والمرأة خلفه" أي الخنثى.
"فإن كثروا" بأن كان من كل جنس جماعة "فالرجال" يقدمون لفضلهم "ثم الصبيان" (١) ; لأنهم من جنس الرجال، "ثم الخناثى" لاحتمال ذكورتهم، والتصريح بحكمهم من زيادته "ثم النساء"، والأصل في ذلك خبر "ليليني منكم أولو الأحلام، والنهى، ثم الذين يلونهم ثلاثا" رواه مسلم (٢) وروى البيهقي عن أبي مالك الأشعري قال "كان رسول الله ﷺ يليه في الصلاة الرجال، ثم الصبيان، ثم النساء" (٣)، لكنه ضعفه وقوله ليليني بياء مفتوحة بعد اللام وتشديد النون وبحذف الياء وتخفيف النون روايتان، والأحلام جمع حلم بالكسر، وهو التأني في الأمر، والنهى جمع نهية بالضم، وهو العقل قاله في المجموع وغيره وفي شرح مسلم النهى العقول وأولو الأحلام العقلاء وقيل البالغون فعلى القول الأول يكون اللفظان بمعنى ولاختلاف اللفظ عطف أحدهما على الآخر تأكيدا وعلى الثاني معناه البالغون العقلاء. ا هـ. قال الأذرعي وإنما تؤخر الصبيان (٤) عن الرجال إذا لم يسعهم صف الرجال، وإلا كمل بهم لا محالة.
"وهذا" كله "مستحب لا شرط" فلو خالفوا صحت صلاتهم مع الكراهة كما تقدم بعض ذلك ومحله أيضا في غير العراة البصراء بقرينة ما قدمه في شروط الصلاة مع ما له تعلق بما هنا "ولا يحول صبيان" حضروا أولا "لرجال" حضروا
стр. 683
ثانيا; لأنهم من جنسهم بخلاف الخناثى، والنساء، وهذا من زيادته وبه صرح القاضي.
"فصل يكره للمأموم الانفراد" (١) عن الصف لخبر البخاري عن أبي بكر أنه دخل والنبي ﷺ راكع فركع قبل أن يصل إلى الصف فذكر ذلك له ﷺ فقال: "زادك الله حرصا ولا تعد" (٢) وفي رواية أخرى لأبي داود وصححها ابن حبان "فركع دون الصف، ثم مشى إليه" (٣) ويؤخذ منه عدم لزوم الإعادة لعدم أمره بها وما رواه الترمذي وحسنه "أن النبي ﷺ رأى رجلا يصلي خلف الصف فأمره أن يعيد الصلاة" (٤) حملوه على الندب جمعا بين الدليلين على أن الشافعي ضعفه وكان يقول في القديم لو ثبت قلت به ومحل الكراهة عند اتحاد الجنس، فإن اختلف كامرأة ولا نساء، أو خنثى ولا خناثى فلا يكره ذلك بل يندب كما علم مما مر
"فإن وجد" في صف "سعة" ولو بأن لا يكون خلاء بل يكون بحيث لو دخل بينهم لوسعهم "اخترق الصف" الذي يليه فما فوقه "إليها" لتقصيرهم بتركها ولا يتقيد خرق الصفوف بصفين (٥) كما زعمه بعضهم وإنما يتقيد به تخطي
стр. 684
الرقاب الآتي بيانه في الجمعة كما نبهت على ذلك في شروط الصلاة "وإلا" أي وإن لم يجد سعة "أحرم، ثم جر" (١) في القيام "واحدا" من الصف "إليه" ليصطف معه (٢) خروجا من الخلاف قال الزركشي وغيره وينبغي (٣) أن يكون محله إذا جوز أن يوافقه وإلا فلا جر بل يمتنع لخوف الفتنة "وندب" لمجروره "مساعدته" بموافقته لينال فضل المعاونة على البر، والتقوى وفي مراسيل أبي داود "إن جاء فلم يجد أحدا فليختلج إليه رجلا من الصف فليقم معه فما أعظم أجر المختلج" وظاهر أنه لا يجر أحدا من الصف إذا كانا اثنين; لأنه يصير أحدهما منفردا ولهذا كان الجر فيما ذكر بعد الإحرام نعم إن أمكنه الخرق ليصطف مع الإمام، أو كان مكانه يسع أكثر من اثنين فينبغي أن يخرق في الأولى ويجرهما معه في الثانية
الشرط "الثاني أن يعلم المأموم أفعال الإمام" ليتمكن من متابعته بمشاهدته أو "بمشاهدة بعض الصفوف" لمن يرى "أو سماع صوته، أو" صوت "المبلغ لمن لا يرى" ولو لبعده عن الناس، أو لظلمة "أو" بهداية "ثقة بجنب أعمى أصم"، أو بصير أصم في ظلمة، أو نحوها وفي نسخة أعمى أو أصم، وهي الموافقة للأصل أي أعمى لا يسمع، أو أصم في ظلمة أو نحوها ووصفه الأخير بالثقة من زيادته ولا يختص به بل المبلغ كذلك كما نقله الجويني عن النص.
الشرط "الثالث أن يجمعهما" أي الإمام، والمأموم "موقف" إذ من
стр. 685
مقاصد الاقتداء اجتماع جمع في مكان كما عهد عليه الجماعات في العصر الخالية. ومبنى العبادات على رعاية الاتباع، ولاجتماعهما أربعة أحوال; لأنهما إما أن يكونا بمسجد أو بغيره في فضاء، أو بناء، أو يكون أحدهما بمسجد، والآخر بغيره، وقد أخذ في بيانها فقال "فإن كانا في مسجد صح الاقتداء، وإن بعدت مسافته واختلفت أبنية" منه كبئر وسطح ومنارة "تنفذ أبوابها إليه وإن أغلقت"; لأنه كله مبني للصلاة، فالمجتمعون فيه مجتمعون لإقامة الجماعة مؤدون لشعارها أما إذا لم تنفذ (١) أبوابها إليه فلا يعد الجامع لها مسجدا واحدا. وخالف فيه البلقيني وقال إنه ليس بمعتمد فعلى الأول يضر الشباك فلو وقف من ورائه بجدار المسجد ضر ووقع للإسنوي (٢) أنه لا يضر قال الحصني، وهو سهو، والمنقول في الرافعي أنه يضر أي أخذا من شرطه تنافذ أبنية المسجد
"والمساجد" المتلاصقة "التي" تنفذ "أبواب بعضها إلى بعض كالمسجد" الواحد في صحة الاقتداء، وإن بعدت المسافة واختلفت الأبنية وانفرد كل مسجد بإمام ومؤذن وجماعة "إلا إن حال" بينهما "نهر قديم" بأن حفر قبل حدوثها، فلا تكون كالمسجد الواحد بل كمسجد وغيره وسيأتي "لا" نهر "طارئ" بأن حفر بعد حدوثها فتكون كالمسجد الواحد فيعتبر قرب المسافة في الأول دون الثاني، وهذان إنما ذكرهما الأصل في المسجد الواحد ولا منافاة بل ما سلكه المصنف مأخوذ مما في الأصل وكالنهر الطريق. "وعلو المسجد كسفله" بضم أولهما وكسره فهما مسجد واحد كما شمله كلامه السابق "وكذا رحبته" (٣) معه بفتح
стр. 686
الحاء، وهي ما كان خارجه محجرا عليه لأجله قال في الأصل ولم يفرقوا بين أن يكون بينهما طريق أم لا وقال ابن كج، فإن انفصلت فكمسجد آخر وما قاله ابن كج استحسنه في الشرح الصغير، وهو قياس ما تقرر في حيلولة النهر القديم بين جانبي المسجد وحيلولة الطريق بين المسجدين قال الزركشي وقول المجموع: المذهب الأول فقد نص الشافعي، والأصحاب على صحة الاعتكاف فيها لا حجة فيه إذ لا نزاع في صحة الاعتكاف فيها وإنما النزاع في أنه إذا كان بينها وبين المسجد طريق يكونان كمسجد واحد أم لا. والأشبه لا، كما قاله ابن كج وعليه يحمل إطلاق غيره وتوقف الإسنوي فيما إذا لم ندر أوقفت مسجدا أم لا هل تكون مسجدا; لأن الظاهر أن لها حكم متبوعها أو لا; لأن الأصل عدم الوقف، والمتجه كما قال جماعة الأول. ومقتضى كلام الشيخين أنه لا خلاف فيه وخرج برحبته حريمه، وهو الموضع المتصل به المهيأ لمصلحته كانصباب الماء وطرح القمامات فيه فليس له حكمه قال الزركشي ويلزم الواقف تمييز الرحبة من الحريم بعلامة لتعطى حكم المسجد
"وإن كانا في غير المسجد اشترط في الفضاء" ولو محوطا، أو مسقفا مملوكا، أو مواتا، أو وقفا، أو مختلفا منها "أن لا يزيد ما بين الإمام ومن خلفه، أو" من "على" أحد "جانبيه ولا ما بين كل صفين"، أو شخصين ممن يصلي خلفه، أو بجانبه "على ثلاثمائة ذراع" بذراع الآدمي. وهو شبران "تقريبا" (١) فلا تضر زيادة ثلاثة أذرع (٢) كما في التهذيب وغيره ولا بلوغ ما بين الإمام، والأخير من صف (٣)، أو شخص فراسخ، وهذا التقدير مأخوذ من العرف وقيل ما بين الصفين في صلاة الخوف إذ سهام العرب لا تجاوز ذلك "ويشترط مع
стр. 687
ذلك في البناء" بأن كانا في بناءين، أو أحدهما في بناء، والآخر في فضاء "ولو" كان البناء "مدرسة ورباطا أن لا يحول" بينهما "حائل يمنع الاستطراق أو المشاهدة للإمام، أو لمن خلفه كمشبك، أو باب مردود"، أو جدار صفة شرقية (١)، أو غربية لمدرسة إذا كان الواقف فيها لا يرى الإمام ولا من خلفه إذ الحيلولة بذلك تمنع الاجتماع بخلاف حيلولة الشارع، والنهر كما سيأتي وما ذكره هو ما جرى عليه النووي كالعراقيين. وخالف الرافعي كالمراوزة فشرط فيما إذا صلى بجنبه اتصال المناكب بعضها ببعض بين البناءين بحيث لا يكون بينهما فرجة تسع واقفا وفيما إذا صلى خلفه أن لا يزيد ما بينهما على ثلاثة أذرع تقريبا، فالعبرة عند هؤلاء بالاتصال وعند الأولين بقرب المسافة "وكذا إن كان أحدهما خارج المسجد"، والأخر داخله "وبينهما باب" أي منفذ "أو كانا في بيتين من غير المسجد" وبينهما منفذ "اشترط" مع ما مر لصحة اقتداء من ليس في بناء الإمام ولم يشاهده ولا من يصلي معه في بنائه "أن يقف واحد" من المأمومين "بحذاء المنفذ" أي مقابله "يشاهد" الإمام، أو من معه في بنائه "فتصح صلاة من في البيت" الأولى من في المكان "الآخر تبعا له" أي لمن يشاهد ولا يضر الحائل بينهم وبين الإمام "ويصير" المشاهد "في حقهم كالإمام لا يحرمون قبله، لكن لو فارقهم بعد"، أو زال عن موقفه "لم يضر" صلاتهم إذ يغتفر في الدوام ما لا
стр. 688
يغتفر في الابتداء. وهذا من زيادته وذكره البغوي في فتاويه (١) وفيها ولو رد الريح الباب في أثناء الصلاة، فإن أمكنه فتحه حالا فتحه ودام على المتابعة وإلا فارقه ويجوز أن يقال انقطعت القدوة كما لو أحدث إمامه، وقد يستشكل هذا بعدم وجوب مفارقة البقية ويجاب بحمل الكلام فيه على ما إذا لم يعلم هو وحده انتقالات الإمام بعد رد الباب وبأنه مقصر بعدم إحكامه (٢) فتحه بخلاف البقية
"ومن تقدم عليه منهم بطلت صلاته" كما لو تقدم على إمامه "ولا يضر" في الاقتداء "حيلولة الشارع"، وإن كثر طروقه "و" لا "الماء، وإن احتاج" عابره "إلى سباحة"; لأنهما لم يعدا للحيلولة. ولو صلى فوق سطح مسجد وإمامه فوق سطح بيت، أو مسجد آخر منفصل مع قرب المسافة وليس بينهما حائل فقد يقال بعدم الصحة لاختلاف الأبنية وعدم الاتصال; لأن الهواء لا قرار له، والأقرب الصحة كما لو وقفا في بناءين على الأرض وحال بينهما شارع، أو نهر
"وإن كان الإمام، أو من على المنفذ أو المأموم" المحاذي له "في علو، والآخر في سفل وقدم الأعلى محاذ لرأس الأسفل"، وليس بينهما فرجة تسع واقفا إن صلى بجنبه ولا أكثر من ثلاثة أذرع إن صلى خلفه "لم يضر، فإن لم يحاذه" على الوجه المذكور "بطلت" صلاة المقتدي; لأنهما حينئذ لا يعدان مجتمعين في مكان واحد "بخلاف" ما لو كان ذلك في "المسجد" لما مر. "والاعتبار" في المحاذاة "بمعتدل القامة ويفرض القاعد" المعتدل "قائما"، والقصير، والطويل معتدلين وكلامه في العلو، والسفل جار على طريقة المراوزة، والجاري على طريقة العراقيين اشتراط قرب المسافة (٣) وكلام الأصل، والمجموع
стр. 689
دال عليه، وقد نبه عليه العراقي في تحريره، وكذا الأذرعي فقال وقضية إطلاق القول بأن البناءين كالفضاء يفهم الصحة، وإن لم تكن محاذاة على طريقة العراقيين وبه يشعر كلام الشاشي وغيره، والمراد بالعلو البناء ونحوه أما الجبل الذي يمكن صعوده فداخل في الفضاء; لأن الأرض فيها عال ومستو، فالمعتبر فيه القرب على الطريقتين، فالصلاة على الصفا، أو المروة، أو جبل أبي قبيس بصلاة الإمام في المسجد الحرام صحيحة، وإن كان أعلى منه صرح بذلك الجويني والعمراني وغيرهما. ونص عليه الشافعي وله نص آخر في أبي قبيس بالمنع حمل على ما إذا لم يمكن المرور إلى الإمام إلا بانعطاف من غير جهته، أو على ما إذا بعدت المسافة أو حالت أبنية هناك منعت الرؤية "ولو كانا في سفينتين" مكشوفتين "في البحر فكالفضاء" فيصح اقتداء أحدهما بالآخر بشرط أن لا يزيد ما بينهما على ثلاثمائة ذراع "وإن لم تشد إحداهما بالأخرى" وتكونان كدكتين في الفضاء "وإن كانتا مسقفتين"، أو إحداهما فقط "فكالبيتين في اشتراط" قدر "المسافة وعدم الحائل و" وجود "الواقف بالمنفذ" إن كان بينهما منفذ قال في الأصل، والسفينة التي فيها بيوت كالدار التي فيها بيوت، والسرادقات في الصحراء كسفينة مكشوفة، والخيام كالبيوت وترك المصنف ذلك لظهوره، أو للعلم به من كلامه. والسرادق يقال لما يمد فوق صحن الدار وللخباء ونحوه ولما يدار حول الخباء، وهو المراد هنا كما قاله في المهمات "ولو كان الإمام في المسجد، والمأموم خارجه اعتبرت المسافة من آخر المسجد" لا من آخر مصل فيه; لأن المسجد مبني للصلاة فلا يدخل في الحد الفاصل فلو كان المأموم في المسجد، والإمام خارجه اعتبرت المسافة من طرفه الذي يلي الإمام.
الشرط "الرابع نية الاقتداء"، أو الائتمام "أو الجماعة" بالإمام (١) ; لأن
стр. 690
التبعية عمل فافتقرت إلى نية إذ ليس للمرء إلا ما نوى "وينبغي" أي يجب إن أراد الاقتداء به ابتداء "أن يقرنها بتكبيرة الإحرام" كسائر ما ينويه من صفات الصلاة "وإلا" أي، وإن لم ينو ذلك "انعقدت" صلاته "منفردا" إلا في الجمعة فلا تنعقد أصلا لاشتراط الجماعة فيها
"فإن تابعه بلا نية، أو وهو شاك في النية" (١) المذكورة "نظرت، فإن ركع معه أو سجد" مثلا "بعد انتظار كثير" عرفا "بطلت" صلاته (٢) حتى لو عرض له الشك في التشهد الأخير لم يجز أن يقف سلامه على سلامه كما صرح به في الأصل; لأنه وقف صلاته على صلاة غيره من غير رابط بينهما "وإن وقع" ما ذكر من المتابعة "اتفاقا أو بانتظار يسير" عرفا "لم يضر"; لأنه في الأولى لا يسمى متابعة وفي الثانية مغتفر لقلته ولا يؤثر شكه فيما ذكر بعد السلام كما في التحقيق وغيره بخلاف الشك في أصل النية كما مر; لأنه شك في الانعقاد بخلافه هنا ويستثنى مما علم من أن الشك لا يبطل الصلاة بغير متابعة ما لو عرض في الجمعة فيبطلها إذا طال زمنه; لأن نية الجماعة فيها شرط "وتجب نية الاقتداء في الجمعة" (٣)، وإن لم تصح إلا بجماعة لما مر
"فرع لا يشترط" لصحة الاقتداء "تعيين الإمام، فإن التبس" عليه "بوقوفه في الصف" مثلا "فقال صليت خلف الإمام منهم"، أو الإمام الحاضر "صحت" صلاته إذ مقصود الجماعة لا يختلف بالتعيين وعدمه بل قال
стр. 691
الإمام وغيره الأولى أن لا يعينه; لأنه ربما إذا عينه بان خلافه فلا تصح صلاته وتصوير المصنف ذلك بالالتباس من زيادته (١)، وهو يوهم التقييد، وليس مرادا
"وإن عين رجلا" كزيد "واعتقد أنه الإمام فبان مأموما"، أو غير مصل أو اعتقد أنه زيد فبان عمرا، أو هو الذي في الأصل "لم تصح" صلاته لربطه صلاته بمن لم ينو الاقتداء به، وهو كمن عين الميت في صلاته عليه، أو نوى العتق عن كفارة ظهار فأخطأ فيها وقول الإسنوي (٢) بطلانها بمجرد الاقتداء غير مستقيم بل تصح صلاته منفردا; لأنه لا إمام له، ثم إن تابعه المتابعة المبطلة بطلت رد بأن فساد النية مفسد للصلاة كما لو اقتدى بمن شك في أنه مأموم وبأن ما يجب التعرض له فيها إذا عينه وأخطأ بطلت كما مر
"ولو عين من في المحراب" بأن علق القدوة بشخصه سواء أعبر عنه بمن في المحراب أم بزيد هذا أم بهذا الحاضر أم بهذا أم بالحاضر "وظنه زيدا فبان عمرا صحت" صلاته; لأن الخطأ لم يقع في الشخصين لعدم تأتيه فيه بل في الظن ولا عبرة بالظن البين خطؤه بخلاف ما لو نوى القدوة بالحاضر مثلا ولم يعلقها
стр. 692
بشخصه; لأن الحاضر صفة لزيد الذي ظنه وأخطأ فيه، والخطأ في الموصوف يستلزم الخطأ في الصفة فبان أنه اقتدى بغير الحاضر
"فرع يصح اقتداء مؤد بقاض ومفترض بمتنفل" (١) وبالعكس إذ لا يتغير نظم الصلاة باختلاف النية واحتج الشافعي ﵁ بخبر جابر وقال إنه ثابت كان معاذ يصلي مع النبي ﷺ العشاء، ثم ينطلق إلى قومه فيصليها بهم، هي له تطوع، ولهم مكتوبة، وهو في الصحيحين بدون "هي إلخ" (٢) وتعبير الأصل بالجواز أولى من تعبير المصنف بالصحة لاستلزامه لها بخلاف العكس ومع جواز ذلك يسن تركه خروجا من الخلاف.
"فرع لا يشترط" لصحة الاقتداء "نية الإمامة"، أو الجماعة من الإمام (٣)، وإن اقتدى به النساء فعن أنس أتيت النبي ﷺ وهو يصلي فوقفت خلفه، ثم جاء آخر حتى صرنا رهطا كثيرا فلما أحس بنا أوجز في صلاته، ثم قال: "إنما فعلت هذا لكم" رواه مسلم (٤) ; ولأن أفعاله غير مربوطة بغيره بخلاف أفعال المأموم فإذا لم يربطها بصلاة إمامه كان موقفا صلاته على صلاة من ليس إماما له، وهذا "في غير الجمعة" لاستقلاله "لكن لو تركها" أي نية الإمامة "لم يحز الفضيلة" (٥) أي فضيلة الجماعة إذ ليس للمرء من عمله إلا ما نوى كما مر فيستحب له أن يأتي بها ليحوز الفضيلة (٦) وتصح نيته لها مع تحرمه، وإن لم يكن إماما في الحال; لأنه سيصير إماما وبالصحة حينئذ صرح
стр. 693
الجويني (١) وقال الأذرعي إنه الوجه وقول العمراني هنا إنها لا تصح حينئذ غريب وإذا نوى في أثناء الصلاة حاز الفضيلة من حين النية ولا تنعطف نيته على ما قبلها "و" أما في الجمعة فيشترط أن يأتي بها فلو تركها "بطلت جمعته" لعدم استقلاله فيها سواء أكان من الأربعين أم زائدا عليهم نعم إن لم يكن من أهل الوجوب ونوى غير الجمعة لم يشترط ذلك
"فإن نوى" في غيرها "وعين المؤتم به فأخطأ لم يضر"; لأن غلطه في النية لا يزيد على تركها، وإن نوى فيها كذلك (٢) فأخطأ ضر; لأن ما يجب التعرض له يضر الخطأ فيه كما مر.
الشرط "الخامس توافق" نظم "الصلاتين (٣) في الأفعال الظاهرة" كالركوع، والسجود، وإن اختلفتا في عدد الركعات "فلو اقتدى في الظهر مثلا بمن يصلي الجنازة، أو الكسوف لم تصح" القدوة لتعذر المتابعة باختلاف فعلهما "إلا في ثاني قيام ثانية الكسوف" فتصح لعدم المخالفة بعدها، وهذا المستثنى من زيادته وذكره ابن الرفعة تفقها (٤) قال الإسنوي بعد نقله إياه عنه ولا إشكال في الصحة إذا اقتدى به في التشهد. قال ومنع الاقتداء بمن يصلي جنازة، أو كسوفا مشكل بل ينبغي أن يصح; لأن الاقتداء به في القيام لا مخالفة فيه، ثم إذا انتهى إلى الأفعال المخالفة، فإن فارقه استمرت الصحة وإلا بطلت كمن صلى في ثوب ترى عورته منه إذا ركع بل أولى فينبغي حمل كلامهم على ما
стр. 694
ذكرناه، ويجاب بأن المبطل ثم يعرض بعد الانعقاد (١)، وهنا موجود عنده، وهو اختلاف فعل الصلاتين الذي يتعذر معه المتابعة بعد الاقتداء قال البلقيني وسجود التلاوة، والشكر كصلاة الجنازة، والكسوف "وتصح الظهر" مثلا "خلف من يصلي الصبح، أو المغرب ويتخير" المصلي خلفه "في مفارقته" له "عند القنوت" في الصبح "والتشهد" في المغرب فإن شاء فارقه عند اشتغاله بهما وأتم صلاته، وإن شاء استمر وأتم صلاته بعد سلام إمامه. وهو أفضل كما في المجموع ولا يضر تطويله الاعتدال بمتابعة الإمام في القنوت إلحاقا له بالمسبوق "وكذا" تصح "الصبح خلف من يصلي الظهر"، أو نحوها كعكسه بجامع أنهما صلاتان متفقان في النظم "ثم الأفضل أن ينتظره" عند قيامه للثالثة "ليسلم معه" (٢) فهو أفضل من أن يفارقه ويسلم لغرض أداء السلام في الجماعة ولوروده في صلاة الخوف كما سيأتي وإن أمكنه القنوت في الثانية قنت وإلا فلا شيء عليه وله فراقه ليقنت كما يؤخذ ذلك مما قدمه أول الباب في مسألة الحنفي التارك للقنوت وبه صرح الأصل هنا
"فلو صلى المغرب خلف من يصلي الظهر"، أو نحوها "لزمه أن يفارقه في" الركعة "الرابعة" أي عند قيامه لها ويتشهد ويسلم فليس له انتظاره بخلاف المقتدي في الصبح بالظهر كما مر "لأنه يحدث" هنا "جلوسا لم يفعله الإمام" بخلافه في تلك فإنه وافقه فيه، ثم استدامه وعدل عن تعبير الأصل بالتشهد إلى تعبيره بالجلوس تنبيها على ما الكلام فيه من أن المضر إنما هو المخالفة في الأفعال ويؤخذ منه أنه لو جلس إمامه للاستراحة في هذه، أو للتشهد في تلك ولم يتشهد لا يلزمه مفارقته ويؤخذ من تعبير الأصل عكسه، والأول أقرب ويؤخذ من التعبيرين معا أنه لو ترك إمامه الجلوس (٣)، والتشهد في تلك لزمه مفارقته ويحتمل
стр. 695
عدم لزومها تنزيلا لمحل جلوسه وتشهده منزلتهما ويكون التعبير بهما جريا على الغالب "وتصح العشاء خلف من يصلي التراويح" (١) كما لو اقتدى في الظهر بالصبح فإذا سلم الإمام قام إلى باقي صلاته "والأولى أن يتم" ها "منفردا، فإن اقتدى به ناسيا" في ركعتين أخريين من التراويح "جاز" كمنفرد اقتدى في أثناء صلاته بغيره
"وتصح الصبح خلف من يصلي العيد، أو الاستسقاء وعكسه" لتوافقهما في نظم أفعالهما "والأولى أن لا يوافقه في التكبير" الزائد إن صلى الصبح خلف العيد، أو الاستسقاء "أو" في "تركه" إن عكس اعتبارا بصلاته فعلم أنه لا يضر موافقته في ذلك; لأن الأذكار لا يضر فعلها، وإن لم تندب ولا تركها، وإن ندبت.
الشرط "السادس الموافقة" للإمام في أفعال الصلاة "فإن ترك الإمام فرضا لم يتابعه" (٢) في تركه; لأنه إن تعمد فصلاته باطلة وإلا ففعله غير معتد به "أو" ترك "سنة أتى" هو "بها (٣) إن لم يفحش" تخلفه لها "كجلسة الاستراحة وقنوت يدرك معه" أي مع الإتيان به "السجدة الأولى"; لأن
стр. 696
ذلك تخلف يسير أما إذا فحش التخلف لها كسجود التلاوة، والتشهد الأول فلا يأتي بها لخبر "إنما جعل الإمام ليؤتم به" (١) فلو اشتغل به بطلت صلاته لعدوله عن فرض المتابعة إلى سنة ويخالف سجود السهو، والتسليمة الثانية; لأنه يفعله بعد فراغ الإمام واستشكل ما قاله بشيء مر مع جوابه في سجود السهو.
الشرط "السابع المتابعة" في أفعال الصلاة لا في أقوالها على الوجه الآتي "فينبغي أن لا يسبقه بالفعل ولا يقارنه" فيه "ولا يتأخر" عنه "إلى فراغه" منه لخبر مسلم "لا تبادروا الإمام، إذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا" وخبر الصحيحين "إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه فإذا كبر فكبروا وإذا ركع فاركعوا" (٢)
"فإن فعل" شيئا من ذلك بأن سبقه بركن فأقل (٣) أو قارنه، أو تأخر إلى فراغه "لم تبطل" صلاته; لأن ذلك يسير "وكره" كراهة تحريم في سبقه لخبر الصحيحين "أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار" (٤) وكراهة تنزيه في الآخرين لمخالفة الأخبار الآمرة بالمتابعة، وذكر الكراهة مع ما يأتي عقبها في غير المقارنة من زيادته، وفي نسخة: وإن قارنه كره فعليها لا زيادة "وفاته فضل الجماعة" لارتكابه المكروه. قال الزركشي ويجري ذلك في سائر المكروهات وضابطه أنه حيث فعل مكروها مع الجماعة من مخالفة مأمور به في الموافقة، والمتابعة كالانفراد عنهم (٥) فاته فضلها إذ المكروه لا ثواب
стр. 697
فيه مع أن صلاته جماعة إذ لا يلزم من انتفاء فضلها انتفاؤها (١)، وهل المراد بالمقارنة المفوتة لذلك المقارنة في جميع الأفعال، أو يكتفى بمقارنة البعض (٢) قال الزركشي: لم يتعرضوا له ويشبه أن المقارنة في ركن واحد لا تفوت ذلك; لأنه يجوز التقدم بركن وفي تعليله نظر "إلا في التكبيرة" أي تكبيرة الإحرام "فإنه إن قارنه فيها، أو" في "بعضها، أو شك" في أثنائها، أو بعدها ولم يتذكر عن قرب "هل قارنه" فيها أم لا، أو ظن التأخر فبان خلافه (٣) كما صرح به الأصل "لم تنعقد" صلاته (٤) لظاهر الأخبار; ولأنه نوى الاقتداء بغير مصل فيشترط تأخر جميع تكبيرته عن جميع تكبيرة الإمام، وفارق ذلك المقارنة في بقية الأركان بانتظام القدوة فيها لكون الإمام في الصلاة. وما ذكر من أن محل عدم انعقادها إذا لم يعتقد أن الإمام قد كبر وإلا فتنعقد فرادى وجه مردود بما مر آنفا من حكم الظن; إذ مثله حكم الاعتقاد بدليل ما مر في فرع لا يشترط تعيين الإمام
"ويستحب قبل التكبير" للإحرام "أن يأمرهم الإمام بتسوية الصفوف" كأن يقول استووا رحمكم الله، أو سووا صفوفكم لخبر الصحيحين "اعتدلوا في
стр. 698
صفوفكم وتراصوا فإني أراكم من ورائي" قال أنس راويه "فلقد رأيت أحدنا يلصق منكبه بمنكب صاحبه وقدمه بقدمه" ولخبر مسلم "كان يسوي صفوفنا كأنما يسوي بها القداح" (١)
"و" أن "يلتفت" لذلك "يمينا وشمالا"; لأنه أبلغ في الإعلام "وأن يقوموا بعد فراغ" المقيم من "الإقامة" فيشتغلوا بتسوية الصفوف لخبر مسلم "لتسون صفوفكم، أو ليخالفن الله بين وجوهكم" (٢) قال في المجموع. ويسن إذا كبر المسجد أن يأمر الإمام رجلا يأمرهم بتسويتها ويطوف عليهم أو ينادي فيهم ويسن لكل من حضر أن يأمر بذلك من يرى منه خللا في تسوية الصف فإنه من الأمر بالمعروف، والتعاون على البر، والتقوى، والمراد بتسويتها إتمام الأول، فالأول وسد الفرج وتحاذي القائمين فيها بحيث لا يتقدم صدر واحد ولا شيء منه على من هو بجنبه ولا يشرع في الصف الثاني حتى يتم الأول ولا يقف في صف حتى يتم ما قبله قال وخص الماوردي استحباب القيام عقب الفراغ من الإقامة بالشاب أما الشيخ البطيء فعند لفظ الإقامة، وليس دوام قيامه قياما (٣) قبل فراغها; لأنه لم يبتدئه
"ولو تخلف عن المتابعة بلا عذر كالاشتغال بالسورة" بعد الفاتحة "أو التسبيحات" في الركوع، والسجود "بركنين" فعليين وإن لم يكونا طويلين "لا بركن بطلت" (٤) صلاته لفحش المخالفة بلا عذر بخلاف التخلف بركن ولو طويلا، وهو المقصود في نفسه لا يؤثر ففي خبر معاوية "لا تبادروني بالركوع ولا بالسجود فمهما أسبقكم به إذا ركعت تدركوني به إذا رفعت" رواه ابن حبان
стр. 699
وصححه "والتخلف بركنين أن يتمهما الإمام، والمأموم فيما قبلهما كما لو ركع واعتدل، ثم هوى للسجود، والمأموم قائم" وقيل يعتبر ملابسة الإمام ركنا ثالثا. والترجيح من زيادته وبه صرح في التحقيق
"فإن كان" تخلفه "لعذر كإبطاء قراءة" (١) لعجز لا لوسوسة (٢) "واشتغال باستفتاح لزمه إتمام الفاتحة" إن كان موافقا (٣) "أو" شيء منها "قدر ما اشتغل به من دعاء الاستفتاح" إن كان مسبوقا، والأولى تأخير هذا عن بقية أحكام الموافق مما ذكره بقوله "ويسعى خلف الإمام على نظم صلاته" أي صلاة نفسه "ما لم يسبقه بأكثر من ثلاثة أركان مقصودة" في نفسها أي "طويلة" أخذا من صلاته ﷺ بعسفان فلا يعد منها القصير، وهو الاعتدال، والجلوس بين السجدتين كما مر في سجود السهو فيسعى خلفه إذا فرغ من قراءة ما لزمه قراءته قبل انتصاب الإمام من السجدة الثانية
"فإن سبقه بها" الأولى الموافق للأصل به أي بأكثر من الثلاثة المذكورة بأن لم يفرغ من قراءته إلا والإمام قائم عن السجود، أو جالس للتشهد "وافقه في" الركن "الرابع وقضى" أي أدى "ما فاته بتخلفه بعد سلامه" أي الإمام كالمسبوق. وهذه "كمسألة الزحام" الآتي بيانها في الجمعة "هذا" كله "في" المأموم "الموافق"، وهو من أدرك مع الإمام محل قراءة الفاتحة (٤) أما المسبوق،
стр. 700
وهو بخلافه فهو ما بينه بقوله "ولو ركع" الإمام "والمسبوق" الذي لم يشتغل بافتتاح وتعوذ "في أثناء الفاتحة تابعه" في الركوع ويسقط عنه بقيتها; لأنه لم يدرك غير ما قرأه "وأجزأه" كما لو أدركه في الركوع تسقط عنه الفاتحة ويركع معه ويجزئه "فإن تخلف" المسبوق بعد قراءة ما أدركه من الفاتحة "لإتمامها وفاته الركوع" معه وأدركه في الاعتدال "بطلت ركعته"; لأنه لم يتابعه في معظمها وفي نسخة لاشتغاله بالسورة، أو التسبيحات ففاته الركوع لغت ركعته "وتخلف بلا عذر" فقد ارتكب مكروها بطلت صلاته في وجه ضعيف، أما مسبوق اشتغل بافتتاح، أو تعوذ فيلزمه قراءة بقدرهما من الفاتحة كما مر لتقصيره بعدوله عن فرض إلى نفل قال الشيخان كالبغوي. وهو بتخلفه معذور لإلزامه بالقراءة وقال القاضي والمتولي غير معذور لتقصيره بما مر، فإن لم يدرك الإمام في الركوع فاتته الركعة ولا يركع; لأنه لا يحسب له بل يتابعه في هويه للسجود كما جزم به في التحقيق قال الفارقي وصورتها أن يظن أنه يدرك الإمام قبل سجوده وإلا فيتابعه قطعا ولا يقرأ وذكر مثله الروياني في حليته والغزالي في إحيائه، لكنه مخالف لنص الأم على أن صورتها أن يظن (١) أنه يدركه في ركوعه وإلا فيفارقه ويتم صلاته نبه عليه الأذرعي فعلى الأول ليس المراد بكونه معذورا أنه كبطيء القراءة مطلقا بل إنه لا كراهة ولا بطلان بتخلفه قطعا قال الأذرعي وقضية التعليل بتقصيره بما ذكر أنه إذا ظن إدراكه في الركوع فأتى بالافتتاح، والتعوذ فركع الإمام على خلاف العادة بأن قرأ الفاتحة وأعرض عن السنة التي قبلها والتي بعدها يركع معه، وإن لم يكن قرأ من الفاتحة شيئا ومقتضى إطلاق الشيخين وغيرهما أنه لا فرق انتهى. وهذا المقتضى هو المعتمد لبقاء محل القراءة ولا نسلم أن تقصيره بما ذكر منتف في ذلك ولا عبرة بالظن البين خطؤه
стр. 701
"ولو نسي" المأموم "الفاتحة أو شك في قراءتها، فإن ذكر" النسيان، الأولى ولو نسي الفاتحة، ثم ذكر أو شك في قراءتها، فإن كان "قبل أن يركع" مع الإمام "تخلف لقراءتها" لبقاء محلها "وله حكم بطيء القراءة" مع سريعها في أنه متخلف بعذر (١)، والقياس في المنتظر سكتة الإمام (٢) ليقرأ فيها الفاتحة فركع إمامه عقبها أنه كالناسي خلافا للزركشي في قوله بسقوط الفاتحة عنه "وإلا" بأن كان التذكر أو الشك بعد ركوعه معه "تابعه" ولا يعود لقراءتها (٣) لفوات محلها "وأتى بركعة بعد السلام" من الإمام قال الزركشي فلو تذكر في قيام الثانية أنه كان قد قرأها حسبت له تلك الركعة بخلاف ما لو كان منفردا، أو إماما فشك في ركوعه في القراءة فمضى، ثم تذكر في قيام الثانية أي مثلا أنه كان قد قرأها في الأولى فإن صلاته تبطل إذ لا اعتداد بفعله مع الشك انتهى.
ولو تعمد ترك الفاتحة حتى ركع الإمام قال ابن الرفعة قال القاضي، فالمذهب أنه يخرج نفسه من متابعته انتهى، والأوجه أنه يشتغل بقراءتها إلى أن يخاف أن يتخلف عنه بركنين فعليين فيخرج نفسه، ولو شك بعد قيام إمامه في أنه سجد معه أم لا سجد، ثم تابعه فلو قام معه، ثم شك في ذلك لم يعد للسجود كما أفتى بهما القاضي ولو سجد معه، ثم شك في أنه ركع معه أم لا لم
стр. 702
يعد للركوع قاله البلقيني تخريجا على الثانية ولو شك بعد فراغ إمامه من الركوع في أنه ركع معه أم لا عاد للركوع قلته تخريجا على الأولى وضابط ذلك أنه إن تيقن فوت محل المتروك لتلبسه مع الإمام بركن لم يعد له وإلا عاد "ومن الأعذار التخلف لزحام وخوف وسيأتي" كل منهما في محله وأولهما يغني عن قوله فيما مر كمسألة الزحام.
"وإن" سبق إمامه بدون ركن كأن "ركع، والإمام قائم لم تبطل صلاته ولو تعمد" سبقه به; لأنه يسير كعكسه "وله انتظاره" فيما سبقه به "والرجوع إليه أفضل" أي مستحب ليركع معه "إن تعمد السبق" (١) جبرا لما أخل به "وإلا" بأن سها به "تخير" بين الانتظار، والعود "فلو سبقه بركن بأن" الأولى كأن "ركع ورفع، والإمام قائم ووقف ينتظره" حتى رفع واجتمعا في الاعتدال "لم تبطل صلاته"، وإن حرم كما مر; لأنه يسير كعكسه "أو" سبقه "بركنين، فإن كان عامدا عالما" بالتحريم "بطلت صلاته" لفحش المخالفة "وإلا" بأن كان ناسيا، أو جاهلا "فالركعة" وحدها تبطل فيأتي بعد سلام الإمام بركعة قال في الأصل ولا يخفى (٢) بيان السبق بركنين من قياس ما ذكرناه في التخلف "و"، لكن "مثله العراقيون بأن ركع قبله فلما أراد أن يركع رفع، فلما أراد أن يرفع سجد" فلم يجتمعا في الركوع ولا في الاعتدال "وهو مخالف لما سبق" في التخلف "فيجوز أن يستويا" بأن يقدر مثل ذاك هنا، أو بالعكس "وأن يختص هذا بالتقدم لفحشه"، وهو الأولى; لأنه أفحش "ولو سبقه بالقراءة، والتشهد لم يضر" ولو في الجهرية إذ لا تظهر به مخالفة بخلاف سبقه بالسلام لارتكابه حرامين: التقدم بركن وقطع القدوة بغير نية "فرع، وإن أدرك" المسبوق "الإمام راكعا" وفي آخر محل قراءته "كبر للإحرام" تكبيرة "ثم" كبر "للهوي" للركوع أخرى كالموافق "فإن اقتصر" فيهما "على تكبيرة فإن نوى بها الإحرام فقط وأتمها قبل هويه انعقدت" صلاته ولا يضر ترك
стр. 703
تكبيرة الهوي; لأنها سنة وقوله وأتمها قبل هويه أعم من قول أصله وأتى بها من قيام "أو" نوى بها "الركوع" فقط "فلا" تنعقد لخلوها عن التحرم "ولو نواهما" بها "أو لم ينوهما" بها بأن نوى بها أحدهما بلا تعيين، أو لم ينو شيئا منهما "لم تنعقد" أيضا للتشريك في الأولى بين التحرم وبين ما لم يحصل معه بقصده كما لو تحرم بفرض ونفل بخلاف غسله للجنابة، والجمعة ونحوه ولتعارض قرينتي الافتتاح، والهوي في الثانية بشقيها فلا بد من قصد معين (١) لوجود الصارف "وفي هذه الصورة"، وهي ما إذا أدركه راكعا "وجبت نية التكبير" للتحرم ليمتاز عما عارضه من تكبير الركوع، والتصريح بهذا من زيادته.
"فرع تكره مفارقة الإمام بغير عذر" لمفارقته للجماعة المطلوبة وجوبا، أو ندبا مؤكدا، وهذا بخلاف ما إذا فارقه لعذر، وهذا من زيادته وبه صرح في المجموع "فإن فارقه" ولو بغير عذر "صحت صلاته" (٢) ; لأنا إن قلنا الجماعة سنة، فالسنن لا تلزم بالشروع إلا في الحج، والعمرة، أو فرض كفاية فكذلك إلا في الجهاد وصلاة الجنازة (٣)، والحج، والعمرة; ولأن الفرقة الأولى فارقت النبي
стр. 704
ﷺ في ذات الرقاع كما سيأتي وفي الصحيحين "أن معاذا صلى بأصحابه العشاء فطول بهم فتنحى من خلفه رجل وصلى وحده، ثم أتى النبي ﷺ فأخبره بذلك فغضب وأنكر على معاذ ولم ينكر على الرجل ولم يأمره بالإعادة".
قال في شرح مسلم كذا استدلوا به، وهو استدلال ضعيف إذ ليس في الخبر أنه فارقه وبنى بل في رواية أنه سلم ثم استأنفها فهو إنما يدل على جواز الإبطال لعذر وأجيب بأن هذه الرواية شاذة وبتقدير عدم شذوذها يجاب بأن الخبر يدل على المدعى أيضا; لأنه إذا دل على جواز إبطال أصل العبادة فعلى إبطال صفتها أولى، والتطويل وحده ليس بعذر لما يأتي، فالخبر صادق بالعذر وبغيره، لكن في رواية في الصحيحين "أن الرجل قال يا رسول الله إن معاذا افتتح سورة البقرة ونحن أصحاب نواضح نعمل بأيدينا فتأخرت وصليت" (١) واعلم أن القصة المذكورة جاءت في رواية لأبي داود، والنسائي أنها كانت في المغرب وفي روايات الصحيحين وغيرهما أن معاذا افتتح سورة البقرة وفي رواية للإمام أحمد أنها كانت في العشاء فقرأ اقتربت الساعة (٢) قال في المجموع فيجمع بين الروايات بأن تحمل على أنهما قضيتان لشخصين ولعل ذلك كان في ليلة واحدة فإن معاذا لا يفعله بعد النهي ويبعد أنه نسيه ورجح البيهقي رواية العشاء بأنها أصح، وهو كما قال: لكن الجمع أولى وجمع بعضهم بين رواية القراءة بالبقرة، والقراءة باقتربت بأنه قرأ بهذه في ركعة، وهذه في ركعة "ويعذر" في المفارقة "بما يعذر به في الجماعة وبترك الإمام سنة مقصودة كالقنوت"، والتشهد الأول "وكذا لو طول القراءة وبه" أي المأموم "ضعف، أو شغل"، وقد تجب المفارقة (٣) كأن رأى على ثوب إمامه نجسا لا يعفى عنه أو رأى خفه تخرق، أو علم أن مدته انقضت، أو نحو ذلك.
стр. 705
"فرع" لو "أقيمت الجماعة، وهو" أي: والمنفرد "يصلي" حاضرة "صبحا، أو رباعية"، أو ثلاثية كما صرح بها في الأصل "وقد قام" في غير الصبح "إلى" الركعة "الثالثة أتمها" أي أتم صلاته ندبا "ودخل في الجماعة وإلا" بأن كانت غير الصبح ولم يقم إلى الثالثة "قلبها نفلا واقتصر على ركعتين" (١)،
ثم دخل في الجماعة بل إن خشي فوت الجماعة لو تمم ركعتين استحب له قطع صلاته واستئنافها جماعة ذكره في المجموع وفيه عن المتولي أن محل ذلك أيضا إذا تحقق إتمامها في الوقت لو سلم من ركعتين، وإلا حرم السلام منهما; لأن مراعاة الوقت فرض، والجماعة سنة; فلا يجوز ترك الفرض لمراعاة السنة، وجزم بذلك في التحقيق (٢). والتعليل بأن الجماعة سنة جار على طريقه وفارق ما هنا ما في التيمم من أنه إذا رأى الماء في صلاته التي تسقط بالتيمم، فالأفضل قطعها ليتوضأ من غير قلبها نافلة بأن المنافي حصل ثم في الجملة، ولهذا حرم جماعة إتمامها بخلاف ما هنا
"ولا تقلب الفائتة" أي لا يجوز قلبها نفلا "ليصليها جماعة" في فائتة أخرى، أو حاضرة إذ لا تشرع فيها الجماعة حينئذ خروجا من خلاف العلماء، فإن كانت الجماعة في تلك الفائتة بعينها جاز ذلك، لكنه لا يندب نعم إن كان قضاء الفائتة فوريا، فالظاهر المنع ذكره الزركشي. "ويقلبها" أي الفائتة نفلا وجوبا "إن خشي فوات الحاضرة" ويشتغل بها كما مر قبيل الباب الخامس في شروط الصلاة "ويقطع النافلة" ندبا "إن خشي فوات الجماعة" (٣) وفواتها بسلام الإمام نعم إن رجا جماعة تقام عن قرب، والوقت متسع، فالأولى إتمام نافلته، ثم يفعل الفريضة في جماعة من أولها ذكره الزركشي، وهو معلوم مما نقله المصنف عن الروياني أوائل كتاب صلاة الجماعة "وإن نوى المنفرد الاقتداء