"ولو نسي" المأموم "الفاتحة أو شك في قراءتها، فإن ذكر" النسيان، الأولى ولو نسي الفاتحة، ثم ذكر أو شك في قراءتها، فإن كان "قبل أن يركع" مع الإمام "تخلف لقراءتها" لبقاء محلها "وله حكم بطيء القراءة" مع سريعها في أنه متخلف بعذر (١)، والقياس في المنتظر سكتة الإمام (٢) ليقرأ فيها الفاتحة فركع إمامه عقبها أنه كالناسي خلافا للزركشي في قوله بسقوط الفاتحة عنه "وإلا" بأن كان التذكر أو الشك بعد ركوعه معه "تابعه" ولا يعود لقراءتها (٣) لفوات محلها "وأتى بركعة بعد السلام" من الإمام قال الزركشي فلو تذكر في قيام الثانية أنه كان قد قرأها حسبت له تلك الركعة بخلاف ما لو كان منفردا، أو إماما فشك في ركوعه في القراءة فمضى، ثم تذكر في قيام الثانية أي مثلا أنه كان قد قرأها في الأولى فإن صلاته تبطل إذ لا اعتداد بفعله مع الشك انتهى.
ولو تعمد ترك الفاتحة حتى ركع الإمام قال ابن الرفعة قال القاضي، فالمذهب أنه يخرج نفسه من متابعته انتهى، والأوجه أنه يشتغل بقراءتها إلى أن يخاف أن يتخلف عنه بركنين فعليين فيخرج نفسه، ولو شك بعد قيام إمامه في أنه سجد معه أم لا سجد، ثم تابعه فلو قام معه، ثم شك في ذلك لم يعد للسجود كما أفتى بهما القاضي ولو سجد معه، ثم شك في أنه ركع معه أم لا لم
стр. 702
يعد للركوع قاله البلقيني تخريجا على الثانية ولو شك بعد فراغ إمامه من الركوع في أنه ركع معه أم لا عاد للركوع قلته تخريجا على الأولى وضابط ذلك أنه إن تيقن فوت محل المتروك لتلبسه مع الإمام بركن لم يعد له وإلا عاد "ومن الأعذار التخلف لزحام وخوف وسيأتي" كل منهما في محله وأولهما يغني عن قوله فيما مر كمسألة الزحام.
"وإن" سبق إمامه بدون ركن كأن "ركع، والإمام قائم لم تبطل صلاته ولو تعمد" سبقه به; لأنه يسير كعكسه "وله انتظاره" فيما سبقه به "والرجوع إليه أفضل" أي مستحب ليركع معه "إن تعمد السبق" (١) جبرا لما أخل به "وإلا" بأن سها به "تخير" بين الانتظار، والعود "فلو سبقه بركن بأن" الأولى كأن "ركع ورفع، والإمام قائم ووقف ينتظره" حتى رفع واجتمعا في الاعتدال "لم تبطل صلاته"، وإن حرم كما مر; لأنه يسير كعكسه "أو" سبقه "بركنين، فإن كان عامدا عالما" بالتحريم "بطلت صلاته" لفحش المخالفة "وإلا" بأن كان ناسيا، أو جاهلا "فالركعة" وحدها تبطل فيأتي بعد سلام الإمام بركعة قال في الأصل ولا يخفى (٢) بيان السبق بركنين من قياس ما ذكرناه في التخلف "و"، لكن "مثله العراقيون بأن ركع قبله فلما أراد أن يركع رفع، فلما أراد أن يرفع سجد" فلم يجتمعا في الركوع ولا في الاعتدال "وهو مخالف لما سبق" في التخلف "فيجوز أن يستويا" بأن يقدر مثل ذاك هنا، أو بالعكس "وأن يختص هذا بالتقدم لفحشه"، وهو الأولى; لأنه أفحش "ولو سبقه بالقراءة، والتشهد لم يضر" ولو في الجهرية إذ لا تظهر به مخالفة بخلاف سبقه بالسلام لارتكابه حرامين: التقدم بركن وقطع القدوة بغير نية "فرع، وإن أدرك" المسبوق "الإمام راكعا" وفي آخر محل قراءته "كبر للإحرام" تكبيرة "ثم" كبر "للهوي" للركوع أخرى كالموافق "فإن اقتصر" فيهما "على تكبيرة فإن نوى بها الإحرام فقط وأتمها قبل هويه انعقدت" صلاته ولا يضر ترك
стр. 703
تكبيرة الهوي; لأنها سنة وقوله وأتمها قبل هويه أعم من قول أصله وأتى بها من قيام "أو" نوى بها "الركوع" فقط "فلا" تنعقد لخلوها عن التحرم "ولو نواهما" بها "أو لم ينوهما" بها بأن نوى بها أحدهما بلا تعيين، أو لم ينو شيئا منهما "لم تنعقد" أيضا للتشريك في الأولى بين التحرم وبين ما لم يحصل معه بقصده كما لو تحرم بفرض ونفل بخلاف غسله للجنابة، والجمعة ونحوه ولتعارض قرينتي الافتتاح، والهوي في الثانية بشقيها فلا بد من قصد معين (١) لوجود الصارف "وفي هذه الصورة"، وهي ما إذا أدركه راكعا "وجبت نية التكبير" للتحرم ليمتاز عما عارضه من تكبير الركوع، والتصريح بهذا من زيادته.
"فرع تكره مفارقة الإمام بغير عذر" لمفارقته للجماعة المطلوبة وجوبا، أو ندبا مؤكدا، وهذا بخلاف ما إذا فارقه لعذر، وهذا من زيادته وبه صرح في المجموع "فإن فارقه" ولو بغير عذر "صحت صلاته" (٢) ; لأنا إن قلنا الجماعة سنة، فالسنن لا تلزم بالشروع إلا في الحج، والعمرة، أو فرض كفاية فكذلك إلا في الجهاد وصلاة الجنازة (٣)، والحج، والعمرة; ولأن الفرقة الأولى فارقت النبي
стр. 704
ﷺ في ذات الرقاع كما سيأتي وفي الصحيحين "أن معاذا صلى بأصحابه العشاء فطول بهم فتنحى من خلفه رجل وصلى وحده، ثم أتى النبي ﷺ فأخبره بذلك فغضب وأنكر على معاذ ولم ينكر على الرجل ولم يأمره بالإعادة".
قال في شرح مسلم كذا استدلوا به، وهو استدلال ضعيف إذ ليس في الخبر أنه فارقه وبنى بل في رواية أنه سلم ثم استأنفها فهو إنما يدل على جواز الإبطال لعذر وأجيب بأن هذه الرواية شاذة وبتقدير عدم شذوذها يجاب بأن الخبر يدل على المدعى أيضا; لأنه إذا دل على جواز إبطال أصل العبادة فعلى إبطال صفتها أولى، والتطويل وحده ليس بعذر لما يأتي، فالخبر صادق بالعذر وبغيره، لكن في رواية في الصحيحين "أن الرجل قال يا رسول الله إن معاذا افتتح سورة البقرة ونحن أصحاب نواضح نعمل بأيدينا فتأخرت وصليت" (١) واعلم أن القصة المذكورة جاءت في رواية لأبي داود، والنسائي أنها كانت في المغرب وفي روايات الصحيحين وغيرهما أن معاذا افتتح سورة البقرة وفي رواية للإمام أحمد أنها كانت في العشاء فقرأ اقتربت الساعة (٢) قال في المجموع فيجمع بين الروايات بأن تحمل على أنهما قضيتان لشخصين ولعل ذلك كان في ليلة واحدة فإن معاذا لا يفعله بعد النهي ويبعد أنه نسيه ورجح البيهقي رواية العشاء بأنها أصح، وهو كما قال: لكن الجمع أولى وجمع بعضهم بين رواية القراءة بالبقرة، والقراءة باقتربت بأنه قرأ بهذه في ركعة، وهذه في ركعة "ويعذر" في المفارقة "بما يعذر به في الجماعة وبترك الإمام سنة مقصودة كالقنوت"، والتشهد الأول "وكذا لو طول القراءة وبه" أي المأموم "ضعف، أو شغل"، وقد تجب المفارقة (٣) كأن رأى على ثوب إمامه نجسا لا يعفى عنه أو رأى خفه تخرق، أو علم أن مدته انقضت، أو نحو ذلك.
стр. 705
"فرع" لو "أقيمت الجماعة، وهو" أي: والمنفرد "يصلي" حاضرة "صبحا، أو رباعية"، أو ثلاثية كما صرح بها في الأصل "وقد قام" في غير الصبح "إلى" الركعة "الثالثة أتمها" أي أتم صلاته ندبا "ودخل في الجماعة وإلا" بأن كانت غير الصبح ولم يقم إلى الثالثة "قلبها نفلا واقتصر على ركعتين" (١)،
ثم دخل في الجماعة بل إن خشي فوت الجماعة لو تمم ركعتين استحب له قطع صلاته واستئنافها جماعة ذكره في المجموع وفيه عن المتولي أن محل ذلك أيضا إذا تحقق إتمامها في الوقت لو سلم من ركعتين، وإلا حرم السلام منهما; لأن مراعاة الوقت فرض، والجماعة سنة; فلا يجوز ترك الفرض لمراعاة السنة، وجزم بذلك في التحقيق (٢). والتعليل بأن الجماعة سنة جار على طريقه وفارق ما هنا ما في التيمم من أنه إذا رأى الماء في صلاته التي تسقط بالتيمم، فالأفضل قطعها ليتوضأ من غير قلبها نافلة بأن المنافي حصل ثم في الجملة، ولهذا حرم جماعة إتمامها بخلاف ما هنا
"ولا تقلب الفائتة" أي لا يجوز قلبها نفلا "ليصليها جماعة" في فائتة أخرى، أو حاضرة إذ لا تشرع فيها الجماعة حينئذ خروجا من خلاف العلماء، فإن كانت الجماعة في تلك الفائتة بعينها جاز ذلك، لكنه لا يندب نعم إن كان قضاء الفائتة فوريا، فالظاهر المنع ذكره الزركشي. "ويقلبها" أي الفائتة نفلا وجوبا "إن خشي فوات الحاضرة" ويشتغل بها كما مر قبيل الباب الخامس في شروط الصلاة "ويقطع النافلة" ندبا "إن خشي فوات الجماعة" (٣) وفواتها بسلام الإمام نعم إن رجا جماعة تقام عن قرب، والوقت متسع، فالأولى إتمام نافلته، ثم يفعل الفريضة في جماعة من أولها ذكره الزركشي، وهو معلوم مما نقله المصنف عن الروياني أوائل كتاب صلاة الجماعة "وإن نوى المنفرد الاقتداء
стр. 706
في أثنائها" أي صلاته "جاز"، وإن اختلفت ركعتهما لقصة أبي بكر المشهورة لما جاء النبي ﷺ إذ الإمام في حكم المنفرد "; ولأنه صلى بأصحابه، ثم تذكر في صلاته أنه جنب فأشار إليهم كما أنتم وخرج واغتسل وعاد ورأسه يقطر وتحرم بهم" رواه الدارقطني (١) وغيره معلوم أنهم أنشئوا اقتداء جديدا لانفرادهم بعد خروجه; ولأنه إذا جاز أن يكون المصلي بعد انفراده إماما فيجوز أن يكون بعده مأموما، لكنه مكروه كما في المجموع عن النص (٢) واتفاق الأصحاب "ويوافقه" بعد اقتدائه به "في جلوسه وقيامه" وغيرهما "حتى تتم صلاته، ثم يفارقه ويتم لنفسه، أو ينتظره" عبارته قاصرة عن المراد، فالأولى أن يقول كأصله وغيره بدل حتى إلى آخره، فإن فرغ الإمام أولا أتم لنفسه كمسبوق أو فرغ هو أو لا فارقه وسلم، أو انتظره "في التشهد ليسلم معه" وانتظاره أفضل على قياس ما مر في الاقتداء في الصبح بالظهر.
"فرع تدرك الركعة بإدراك الركوع المحسوب" (٣) للإمام، وإن قصر المأموم فلم يحرم حتى ركع إمامه لخبر أبي بكرة السابق في فصل يكره للمأموم الانفراد لخبر "من أدرك ركعة من الصلاة قبل أن يقيم الإمام صلبه فقد أدركها" رواه ابن حبان وصححه (٤) ولا تدرك الركعة في صلاة الخسوف (٥) بإدراكه الركوع معه إلا إذا أدركه في الركوع الأول من الركعة كما يعلم من بابها "ولو"
стр. 707
الأولى فلو "أدركه فيه، والإمام محدث (١)، أو في ركعة زائدة" قام إليها "سهوا"، أو نسي تسبيح الركوع واعتدل، ثم عاد إليه ظانا جوازه فأدركه فيه "لم يجزه" لعدم أهلية الإمام لتحمل القيام، والقراءة "فإن أتى معه" أي مع من لم يحسب ركوعه "بالركعة كاملة" بأن أدرك معه قراءة الفاتحة "أجزأه"; لأنه لم يتحمل عنه شيئا "لا إن علم بحدثه، أو سهوه ونسي" فلا يجزئه بل تلزمه الإعادة لتقصيره "وإن هوى المسبوق للركوع فرفع الإمام ولاقاه في حد أقل الركوع"، وهو بلوغ راحتيه ركبتيه "مطمئنا" أي المسبوق "أجزأه وإلا فلا ولو شك في الاكتفاء" أي في إدراك الحد المعتبر قبل ارتفاع الإمام "لم يكن مدركا" للركعة; لأن الأصل عدم إدراكه وإن كان الأصل أيضا بقاء الإمام فيه ورجح الأول بأن الحكم بإدراك ما قبل الركوع به رخصة فلا يصار إليه إلا بيقين قاله الرافعي وغيره ويؤخذ منه أنه لا يكتفى بغلبة الظن (٢) قال الزركشي وفيه نظر فإنا لا نشترط في صحة الاقتداء التيقن بل يكفي غلبة الظن كما في طهارة الإمام، وقد قال الفارقي إذا كان المأموم بحيث لا يرى الإمام، فالمعتبر أن يغلب على ظنه (٣) أنه أدرك الإمام في القدر المجزئ "كمن أدركه بعد الركوع" فإنه لا يكون مدركا للركعة "وعليه أن يتابعه في الفعل الذي أدركه فيه"، وإن لم يحسب له، وهذا يغني عن قوله فيما مر ويوافقه في جلوسه وقيامه مع زيادة.
"فرع لو أدركه في السجود" الأول، أو الثاني أو الجلوس بينهما "أو التشهد" الأول، أو الأخير "لم يكبر للهوي" إليه; لأنه لم يتابعه فيه ولا هو محسوب له بخلاف انتقاله معه بعد ذلك من ركن إلى آخر وبخلاف الركوع كما يعلم الثاني مما مر، والأول من قوله "وإن أدركه معتدلا فهوى معه كبر" للهوي وللانتقال بعده من ركن إلى آخر لمتابعة الإمام. "ويستحب موافقته في قراءة التشهد، والتسبيحات" للمتابعة "وتنتهي
стр. 708
القدوة" الكاملة "بالسلام" الثاني من الإمام لزوال الرابطة "فيلزم المسبوق المبادرة بالقيام" إذا لم يكن جلوسه موضع تشهده وأكد لزوم ذلك بقوله "ويحرم مكثه" فإن خالف بطلت صلاته وينبغي أن يغتفر قدر جلسة الاستراحة (١)، ثم رأيت الأذرعي (٢) أشار إليه.
"ولا يكبر" لقيامه; لأنه ليس محل تكبيره ولا متابعته "فإن كان" جلوسه معه "موضع تشهد" لو كان منفردا كأن أدركه في ثالثة الرباعية، أو ثانية المغرب "كبر ومكث إن شاء" كما لو كان منفردا "ويستحب للمسبوق" الأخصر أن يقول: "له"; لأن الكلام في المسبوق "انتظار التسليمة الثانية" فإنها من الصلاة بمعنى أنها من لواحقها لا من نفسها ولهذا لا تضر مقارنتها الحدث ذكره الرافعي في الجمعة فلا ينافي ما وقع له ولغيره في مواضع أنها ليست منها وبما تقرر علم أنه يجوز أن يقوم عقب الأولى
"فإن قام" بلا نية مفارقة "عامدا" عالما بالتحريم "قبل تمام الأولى بطلت صلاته" (٣) وما يأتي به مع الإمام فهو أول صلاته "وما يأتي به" بعده "فهو آخر صلاته يعيد فيه القنوت" وسجود السهو لخبر الصحيحين "ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا" (٤).
стр. 709
وإتمام الشيء إنما يكون بعد أوله (١). وأما خبر مسلم "صل ما أدركت واقض ما سبقك" (٢)، فالقضاء فيه بمعنى الأداء (٣) لبقاء وقت الفريضة وأيضا رواة الأول أكثر وأحفظ كما قاله البيهقي حتى قال أبو داود إن هذه الزيادة انفرد بها ابن عيينة
"ولو أدرك" معه "ركعتين من رباعية، ثم قام للركعتين" الأخيرتين "قرأ السورة فيهما لئلا تخلو منها صلاته"; ولأن إمامه لم يقرأها فيهما وفاته فضلها فيتداركها في الباقيتين كسورة الجمعة المتروكة في أولى الجمعة فإنه يقرؤها مع المنافقين في الثانية إذا كان المأمومون محصورين (٤) راضين وفارق ذلك عدم سنية الجهر فيهما بأن السنة فيهما الإسرار بخلاف القراءة لا نقول أنه يسن تركها بل لا يسن فعلها وبه فارق نظيره أيضا من صلاة العيد، وهو ما لو أدركه فيها في الثانية فإنه يكبر خمسا وإذا قام لثانيته كبر خمسا أيضا، ثم محل ما تقرر كما أفهمه تعليله إذا لم يقرأ السورة في أولييه فإن قرأها فيهما لسرعة قراءته وبطء قراءة الإمام، أو لكون الإمام قرأها فيهما لم يقرأها في الآخرتين قال الجويني وعلى هذا لو أدركه في ثانية الرباعية وتمكن من قراءة السورة في أولييه لا يقرأها في الباقي، وإن لم يتمكن منها في ثانيته وتمكن منها في ثالثته قرأها فيها، ثم لا يقرؤها في رابعته قال ولو فرط إمامه فلم يقرأ السورة، فإن قرأها هو حصل له فضلها، وإن لم يقرأها وود لو كان متمكنا لقرأها فلم يتمكن فله ثواب قراءتها
"والجماعة في الصبح" أي صبح الجمعة، ثم صبح غيرها "ثم العشاء، ثم العصر أفضل" روى الشيخان خبر "ولو يعلمون ما في العتمة، والصبح لأتوهما
стр. 710
ولو حبوا" (١) وروى مسلم خبر "من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما قام الليل كله" (٢)، لكن رواه الترمذي بلفظ "من صلى العشاء في جماعة كان كقيام نصف ليلة ومن صلى العشاء، والفجر في جماعة كان كقيام ليلة" (٣) وروى الطبراني وغيره خبر "ما من صلاة أفضل من صلاة الفجر يوم الجمعة في جماعة وما أحسب من شهدها منكم إلا مغفورا له" (٤) وفي فضائل الأوقات للبيهقي خبر "إن أفضل الصلاة عند الله تعالى صلاة الصبح يوم الجمعة في جماعة" قال الأذرعي وما ذكر ظاهر على المنصوص المشهور من أن الصلاة الوسطى هي الصبح أما إذا قلنا إنها العصر، وهو الحق فيشبه أن تكون الجماعة فيها أفضل من غيرها (٥) لتأكدها وعظم خطرها قال الزركشي وسكتوا عن الجماعة في الظهر، والمغرب فيحتمل التسوية بينهما ويحتمل تفضيل الظهر (٦) ; لأنها اختصت من بين سائر الصلوات ببدل، وهو الجمعة وبالإبراد ويحتمل تفضيل المغرب (٧) ; لأن الشرع لم يخفف فيها بالقصر.
"ويكره أن تقام جماعة في مسجد بغير إذن إمامه" الراتب قبله، أو بعده، أو معه خوف الفتنة "إلا إن كان" المسجد "مطروقا" فلا تكره إقامتها
стр. 711
فيه، وكذا لو لم يكن مطروقا، وليس له إمام راتب، أو له راتب وأذن في إقامتها كما أفهمه كلامه، أو لم يأذن وضاق المسجد عن الجميع ومحل الكراهة إذا لم يخف فوت الوقت كما مر بيانه في فرع الساكن بحق مقدم "وإن كرهه" أي الإمام "أكثر من نصف القوم لخلق" عبارة الروضة لأمر "مذموم شرعا" كوال ظالم وكمتغلب على إمامة الصلاة ولا يستحقها، أو لا يحترز من النجاسة أو يمحو هيئات الصلاة، أو يتعاطى معيشة مذمومة، أو يعاشر الفسقة، أو نحوهم "كرهت له الإمامة" (١). وإن نصبه لها الإمام الأعظم لخبر ابن ماجه بإسناد حسن "ثلاثة لا ترفع صلاتهم فوق رءوسهم شبرا رجل أم قوما وهم له كارهون، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، وأخوان متصارمان" والأكثر في حكم الكل "لا الاقتداء" منهم "به" فلا يكره، وهذا من زيادته وذكره في المجموع أما إذا كرهه دون الأكثر، أو الأكثر لا لأمر مذموم شرعا فلا تكره له الإمامة واستشكل ذلك بأنه إذا كانت الكراهة لأمر مذموم شرعا فلا فرق بين كراهة الأكثر وغيرهم وأجيب بأن صورة المسألة أن يختلفوا في أنه بصفة الكراهة أم لا فيعتبر قول الأكثر; لأنه من باب الرواية نعم إن كانت الكراهة لمعنى يفسق به كزنا أو شرب خمر كره له الإمامة وكره لغيره الاقتداء به ولا معنى للفرق بين الأكثر وغيره إلا أن يخشى من الترك فتنة، أو ضررا فلا يكره له الاقتداء وعليه يحمل اقتداء السلف بالحجاج وأمثاله كما نبه عليه الأذرعي، وهو يؤخذ مما مر في الباب. قال في المجموع ويكره أن يولي الإمام الأعظم على قوم رجلا يكرهه أكثرهم نص عليه الشافعي وصرح به صاحب الشامل، والتتمة
"فإن كرهوا حضوره المسجد" الذي في الروضة وغيرها، فإن كره أهل
стр. 712
المسجد حضور بعض المأمومين "لم يكره له الحضور"; لأن غيره لا يرتبط به. "ويكره أن يرتفع أحد موقفي الإمام (١)، والمأموم على الآخر"; لأن حذيفة أم الناس على دكان في المدائن فأخذ ابن مسعود بقميصه فجذبه فلما فرغ من صلاته قال ألم تعلم أنهم كانوا ينهون عن ذلك قال بلى قد ذكرت حين جذبتني رواه أبو داود والحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين (٢) وقيس بذلك عكسه (٣) "فإن احتاجه" أي الارتفاع "الإمام لتعليم الصلاة"، أو لغيره "أو المأموم لتبليغ تكبيرة الإمام"، أو لغيره "استحب" لتحصيل هذا المقصود. "وأفضل الصفوف" للرجال ولو مع غيرهم وللخناثى الخلص وللنساء كذلك "أولها" (٤)، وهو الذي يلي الإمام وإن تخلله منبر، أو نحوه "ثم الأقرب"، فالأقرب إليه "و" أفضلها "للنساء مع الرجال" أو الخناثى وللخناثى مع الرجال "آخرها"; لأن ذلك أليق وأستر ولخبر مسلم "خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها (٥) " ويستحب أن يعتمدوا يمين الإمام لخبر مسلم عن البراء "كنا إذا صلينا خلف النبي ﷺ أحببنا أن نكون عن يمينه يقبل علينا بوجهه (٦)، وأن يوسطوا الإمام ويكتنفوه من
стр. 713
جانبيه" لخبر أبي داود "وسطوا الإمام وسدوا الخلل" (١) قال الأذرعي، وقد يقال قضية قاعدة أن المحافظة على فضيلة تتعلق بنفس العبادة أولى مما يتعلق بمكانها أن الواقف في الصف الثاني بقرب الإمام يشاهد أفعاله ويسمع قراءته ويقفو أثره على الوجه المشروع أفضل حالا من الواقف في الصف الأول بعيدا عنه لا يعلم شيئا من ذلك وإنما يقتدي بصوت المبلغ قال، والظاهر أنه لو وقف صف على ظهر المسجد بحيث لو كان بأرضه لكان هو الصف الأول ووقف صف ثان وثالث وراء موقفه، لكن بأرض المسجد كانا أفضل منه وإن تقدم عليهما في الموقف، والأحاديث محمولة على الغالب.
стр. 714
كتاب صلاة المسافر
شرعت تخفيفا عليه لما يلحقه من تعب السفر، وهي نوعان القصر، والجمع وذكر فيه الجمع بالمطر للمقيم وأهمها القصر ولهذا بدأ المصنف كغيره به فقال "وله" أي للمسافر "القصر بالسفر الطويل (١) المباح" طاعة كان كسفر حج أو غيرها ولو مكروها كسفر تجارة (٢) وسفر منفرد، والأصل فيه مع ما يأتي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ (٣) [النساء: من الآية ١٠١] الآية قال يعلى بن أمية قلت لعمر إنما قال الله تعالى إن خفتم، وقد أمن الناس فقال عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله ﷺ فقال "صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته" رواه مسلم (٤)، والإتمام جائز كما يعلم مما يأتي فقد روى البيهقي بإسناد صحيح "عن عائشة ﵂ قالت يا رسول الله قصرت وأتممت وأفطرت وصمت قال أحسنت يا عائشة" (٥). وأما خبر "فرضت الصلاة ركعتين" (٦)
стр. 715
أي في السفر فمعناه لمن أراد الاقتصار عليهما جمعا بين الأدلة "لا" بالسفر "القصير"، أو المشكوك في طوله فلا يجوز فيه القصر "ولو في الخوف" لما سيأتي في بيان السفر الطويل ولا فرق في عدم القصر في الخوف بين الصبح وغيرها ولا في جوازه إلى ركعتين بين الخوف وغيره وأما خبر مسلم "فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة" (١) فأجيب عنه بأنه يصلي في الخوف ركعة مع الإمام وينفرد بأخرى ومحل القصر "إذا كان" السفر "إلى مقصد معلوم" فلا قصر للهائم، وهو الذي لا يدري أين يتوجه، وإن سلك طريقا ولا لراكب التعاسيف. وهو الذي لا يدري أين يتوجه ولا يسلك طريقا سواء أطال سفرهما أم لا، وقيل: هما بمعنى واحد، وهو المعنى الأول ونقل الإمام عن الصيدلاني أن الهائم عاص، أي: لأن إتعاب النفس بالسفر بلا غرض حرام كما سيأتي ومثله راكب التعاسيف بل أولى ويحصل ابتداء السفر من بلد له سور "بمفارقة سور البلد المختص به"، وإن تعدد كما قاله الإمام وغيره دون السور الجامع لبلاد متفرقة كما سيأتي ومن بلد له بعض سور، وهو صوب سفره بمفارقته "ولو لاصقه" من خارجه "بنيان" أي عمران "أو مقابر، أو احتوى على خراب ومزارع" فتكفي مفارقة ما ذكر ولا تشترط مفارقة هذه الأمور; لأن ما كان خارجه كالأولين (٢) لا يعد من البلد بخلاف ما كان داخله كالأخيرين. وإطلاق الشيخين في الصوم اشتراط مفارقة العمران حيث قالا وإذا نوى ليلا ثم سافر فله الفطر إن فارق العمران قبل الفجر وإلا فلا يحمل على ما إذا سافر من بلد لا سور لها ليوافق ما هنا ويحتمل بقاؤه على إطلاقه ويفرق بأنه ثم لم يأت للعبادة ببدل بخلافه هنا وكالسور فيما ذكر الخندق قاله الجيلي قال الأذرعي، وهل
стр. 716
للسور، المنهدم (١) حكم العامر فيه نظر قلت الأقرب أن له حكمه (٢) وسيأتي في كلامه (٣) قريبا ما يؤيده
"ولو لم يكن للبلد في صوب سفره سور" بأن سافر من بلد لا سور له، أو له بعض سور ولم يكن صوب سفره "اشترط مفارقة العمران"، وإن تخلله خراب، أو نهر، أو ميدان ليفارق موضع الإقامة "لا" مفارقة "خراب اندرس في طرف البلد"، أو بقيت بقايا حيطانه قائمة (٤) واتخذوه مزارع أو هجروه بالتحويط على العامر; لأنه ليس موضع إقامة. فإن لم يكن كذلك ففي الأصل عن الغزالي والبغوي أن الحكم كذلك لما ذكر، وعن العراقيين والجويني اشتراط مفارقته; لأنه يعد من البلد، وهو ما أفهمه كلام المصنف وصححه في المجموع (٥)، والأول قال الرافعي إنه الموافق للنص وجزم به النووي في المنهاج كالمحرر وقال الأذرعي الصحيح الأقرب إلى النصوص الاشتراط "ولا تشترط مجاوزة المزارع، والبساتين المحوطة" وغير المحوطة المفهومة بالأولى; لأنها لا تتخذ للإقامة
стр. 717
وعبارة الأصل ولا تشترط مجاوزة البساتين، والمزارع المتصلة بالبلد، وإن كانت محوطة.
"ولو كانت متصلة بالبلد وفيها دور يسكنها ملاكها" ولو "أحيانا" أي في بعض فصول السنة "اشترط" مجاوزتها (١) هذا ما في الروضة كالشرحين. وأطلق المنهاج كأصله عدم اشتراطها وقال في المجموع بعد نقله الأول عن الرافعي وفيه نظر ولم يتعرض له الجمهور، والظاهر أنه لا يشترط مجاوزتها; لأن ذلك لا يجعلها من البلد قال في المهمات وبه الفتوى "والقرية" فيما ذكر "كالبلد، والقريتان المتصلتان" فيه "كالقرية، وإن انفصلتا ولو يسيرا فبمجاوزة قريته" فلا يشترط مجاوزته الأخرى
"وإن جمع السور بلدين متقاربتين فلكل" منهما "حكمه" فلا تشترط مجاوزة السور كما فهم أيضا من قوله فيما مر سور البلد المختص به كما مرت الإشارة إليه، والقريتان في ذلك كالبلدين "ومن كان في برية فبأن يفارق بقعة رحله" التي هو فيها وتنسب إليه "، أو" في "ربوة، أو وهدة، أو واد" وسافر عرضه "فبأن يهبط" من الربوة "أو يصعد" من الوهدة "أو يفارق عرض الوادي إن اعتدلت" أي الثلاثة، فإن أفرطت سعتها فبأن يفارق منها ما يعد من منزله، أو من حلة هو منها كما لو سافر في طول الوادي ومحل اعتبار عرضه مفارقة عرضه فيما إذا اعتدل إذا كانت البيوت في جميع عرضه، فإن كانت في بعضه فبأن يفارقها نقله ابن الصباغ عن أصحابنا (٢) "و" من كان في خيام حي فبأن "يفارق خيام الحي ومرافقهم" الشاملة لقوله "ومعاطن إبلهم" ولمطرح الرماد وملعب الصبيان، والنادي ونحوها كالماء، والمحتطب إلا أن يتسعا بحيث لا يختصان بالنازلين، وذلك; لأنها من جملة موضع الإقامة فتعتبر مفارقتها "وإن تفرقت الخيام" فإنه لا بد من مفارقة ذلك "إن اتحدت المحلة"، وهي منزل القوم وعبر الشيخان وغيرهما بالحلة بترك الميم وكسر الحاء، وهي بيوت مجتمعة
стр. 718
قاله ابن مالك وكلاهما صحيح إذ معناهما في الحقيقة واحد واتحادها "باتحاد النادي" الذي يجتمعون فيه للسمر "واستعارة بعضهم من بعض"، والحلتان كالقريتين ويعتبر في سفر البحر المتصل ساحله بالبلد جري السفينة، أو الزورق إليها (١) قاله البغوي وأقره عليه ابن الرفعة وغيره، لكن في المجموع إذا صار خارج البلد ترخص، وإن كان ظهره ملصقا بالسور، وظاهر أن آخر عمران ما لا سور له كالسور، فيحتمل أن يقال سير البحر يخالف سير البر (٢) أو يمنع أن آخر العمران كالسور (٣) ويحمل كلام البغوي على ما لا سور له ويؤيد هذا أنه لو اتصلت قرية لا سور لها بأخرى كذلك كانتا كقرية بخلاف اتصال قرية لها سور بأخرى وبما تقرر علم أنه لا أثر لمجرد نية السفر لتعليق القصر في الآية بالضرب ويخالف نية الإقامة كما سيأتي; لأن الإقامة كالقنية في مال التجارة كذا فرق الرافعي تبعا لبعض المراوزة وقضيته كما قال الزركشي وغيره أنه لا يعتبر في نية الإقامة المكث، وليس كذلك كما سيأتي، فالمسألتان كما قال الجمهور مستويتان في أن مجرد النية لا يكفي فلا حاجة لفارق "فرع" لو "فارق البنيان"، أو غيره من الأمكنة التي شرط مفارقته لها "ثم رجع" إليها "من قريب" أي من دون مسافة القصر "لحاجة" كتطهر "أو نواه" أي الرجوع لها، وهو مستقل ماكث ولو بمكان لا يصلح للإقامة "فإن كانت وطنه صار مقيما" بابتداء رجوعه، أو بنيته فلا يترخص في إقامته ولا رجوعه (٤) إلى أن يفارق وطنه تغليبا للوطن وحكى
стр. 719
فيه في أصل الروضة وجها شاذا أنه يترخص إلى أن يصله قال البلقيني، وليس شاذا بل هو مذهب الشافعي المنصوص عليه صريحا في البويطي وغيره وعليه العراقيون، والأول إنما هو طريقة القفال وأتباعه، وهو خلاف المذهب المعتمد، وكذا قال غيره منهم الأذرعي فقال ليس شاذا بل هو المذهب الصحيح المنصوص، والأول إنما ذكره بعض المراوزة كالإمام والغزالي والبغوي "وإلا" أي: وإن لم يكن وطنه "ترخص وإن دخلها ولو كان قد أقام بها" لانتفاء الوطن فكانت كسائر المنازل أما إذا رجع، أو نوى الرجوع من بعيد لحاجة فيترخص إلى أن ينتهي سفره.
"فصل" فيما ينتهي به سفر المسافر وينقطع به ترخصه "ينتهي سفره ببلوغه مبدأ سفره" (١) وفي نسخة بمجاوزة مبدإ سفره أخذا بما قيل ينبغي أن لا ينتهي إلا بدخوله العمران كما لا يصير مسافرا إلا بخروجه منه، والمنقول الأول، والفرق أن الأصل الإقامة فلا تنقطع إلا بتحقيق السفر وتحققه بخروجه من ذلك، والسفر على خلاف الأصل فانقطع بمجرد الوصول، وإن لم يدخل فعلم أنه ينتهي بمجرد بلوغه مبدأ سفره "من وطنه، وإن كان مارا" به "في سفره" كأن خرج منه، ثم رجع من بعيد قاصدا المرور به من غير إقامة "لا بلد مقصده ولا بلد له فيها أهل" وعشيرة "لم ينو الإقامة بها" أي بكل منهما فلا ينتهي سفره بوصوله إليهما
стр. 720
بخلاف ما إذا نوى الإقامة بهما ينتهي سفره بذلك "وينتهي" سفره أيضا "بإقامة أربعة أيام" بلياليها "صحاح" أي غير يومي الدخول، والخروج; لأن في الأول الحط وفي الثاني الترحال. وهما من أشغال السفر "أو نيتها" أي نية الإقامة مطلقا، أو أربعة أيام صحاح من مستقل ماكث فينتهي سفره بها إن كان بمحل الإقامة بخلاف ما لو نوى إقامة ما دون الأربعة، وإن زاد على ثلاثة وأصل ذلك خبر الصحيحين "يقيم المهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثا" (١) وكان يحرم على المهاجرين الإقامة بمكة ومساكنة الكفار، فالترخيص في الثلاثة يدل على بقاء حكم السفر بخلاف الأربعة ومنع عمر أهل الذمة الإقامة في الحجاز، ثم أذن للتاجر منهم أن يقيم ثلاثة أيام رواه مالك بإسناد صحيح وفي معنى الثلاثة ما فوقها ودون الأربعة، وألحق بإقامة الأربعة نية إقامتها أما لو نوى الإقامة (٢)، وهو سائر فلا يؤثر; لأن سبب القصر السفر. وهو موجود حقيقة، وكذا لو نواها غير المستقل كالعبد ولو ماكثا كما سيأتي "أو" بالإقامة "لما" أي لأمر "لا يتنجز" وفي نسخة ينجز "دونها" أي دون الأربعة فينتهي سفره بها إن كان بمحل الإقامة مثل ما مر "وإن كان" الناوي، أو المقيم "ماكثا في مفازة" لا تصلح للإقامة "أو محاربا"، وإن كان قد يضطر للارتحال وما في الصحيحين عن أنس من قوله "خرجنا مع النبي ﷺ فقصر حتى أتى مكة فأقمنا بها عشرا فلم يزل يقصر حتى رجعنا" (٣) فأجابوا عنه بأنهم لم يقيموا بها عشرا فإنه ﷺ قدم مكة لأربع خلون من ذي الحجة فأقام بها غير يومي الدخول، والخروج إلى منى، ثم بات بمنى، ثم سار إلى عرفات ورجع فبات بمزدلفة، ثم سار إلى منى فقضى نسكه، ثم إلى مكة فطاف ثم رجع إلى منى فأقام بها ثلاثا يقصر، ثم نفر منها
стр. 721
بعد الزوال في ثالث أيام التشريق فنزل بالمحصب وطاف في ليلته للوداع، ثم رحل من مكة قبل صلاة الصبح فلم يقم أربعا في مكان واحد" "فلو نوى العبد، والزوجة، والجندي المثبت" (١) في الديوان "لا غيره" من المتطوعة "الإقامة ولم ينو" ها "المطاع" وهو السيد، والزوج، والأمير "فلهم القصر" لعدم استقلالهم فنيتهم كالعدم وقوله مثبت لا غيره زاده دفعا لاستشكال حكمه المذكور هنا بحكمه المذكور فيما يأتي وفارق المثبت غيره بأنه تحت قهر الأمير كالزوجة بخلاف غيره "وإن كان" المسافر بموضع "يتوقع الخروج" منه "يوما فيوما" إن حصلت حاجته "أو حبسه الريح في البحر" في موضع "قصر ثمانية عشر يوما" غير يومي الدخول، والخروج; لأنه ﷺ "أقامها بمكة (٢) عام الفتح لحرب هوازن يقصر الصلاة" رواه أبو داود، والترمذي وحسنه (٣)، وإن كان في سنده ضعيف; لأن له شواهد تجبره قاله شيخنا شيخ الإسلام الشهاب ابن حجر وروي خمسة عشر وسبعة عشر وتسعة عشر وعشرين رواها أبو داود وغيره إلا تسعة عشر. فالبخاري قال البيهقي: وهو أصح الروايات ومن ثم اختارها ابن الصلاح، والسبكي، وقد جمع الإمام وغيره (٤) بين الروايات ما عدا روايتي خمسة عشر وعشرين بأن راوي تسعة عشر عد يومي الدخول، والخروج وراوي سبعة عشر لم يعدهما وراوي ثمانية عشر عد أحدهما فقط وأما رواية خمسة عشر فضعيفة (٥)، ورواية عشرين وإن كانت صحيحة فشاذة كما قاله شيخنا المذكور
стр. 722
آنفا، وهذا الجمع يشكل على قولهم يقصر ثمانية عشر غير يومي الدخول، والخروج، وقد يجمع بينهما ما عدا روايتي خمسة عشر وسبعة عشر; لأن راوي عشرين عد اليومين وراوي ثمانية عشر لم يعدهما وراوي تسعة عشر عد أحدهما وبه يزول الإشكال ويجاب عن تقديمهم رواية ثمانية عشر على رواية سبعة عشر بما قام عندهم من الشواهد الجابرة وغيرها. "وإن كان" المتوقع، أو من حبسه الريح في البحر "غير محارب" كالمتفقه، والتاجر فإنه يقصر ثمانية عشر كالمحارب ولا يؤثر الفرق; لأن للحرب أثرا في تغيير صفة الصلاة; لأن الحرب ليست هي المرخصة وإنما المرخص السفر وكلاهما فيه سواء "ومتى فارق مكانه، ثم ردته الريح" إليه فأقام فيه "استأنف المدة"; لأن إقامته فيه إقامة جديدة فلا تضم إلى الأولى بل تعتبر مدتها وحدها، وهذا من زيادته وذكره في المجموع وقال فيه لو خرجوا وأقاموا بمكان ينتظرون رفقتهم، فإن نووا أنهم إن أتوا سافروا أجمعين وإلا رجعوا لم يقصروا لعدم جزمهم بالسفر، وإن نووا أنهم وإن لم يأتوا سافروا قصروا لجزمهم بالسفر
"تنبيه" قال الإسنوي ما رجحوه من أن القصر ثمانية عشر يحتمل اطراده في باقي الرخص (١) كالجمع، والفطر ويدل له تعبير الوجيز بالترخص ويحتمل اختصاصه بالقصر; لأنهم إذا منعوه فيما زاد على الثمانية عشر لعدم وروده مع أن أصله قد ورد، فالمنع فيما لم يرد بالكلية بطريق الأولى، وهذا أقوى (٢). قال
стр. 723
الزركشي وكأنه لم يستحضر فيها نقلا وحكي عن الشافعي وغيره ما حاصله الأول، ثم قال: فالصواب أنه يباح له سائر الرخص; لأن السفر منسحب عليه نعم يستثنى منه سقوط الفرض بالتيمم وتوجه القبلة في النافلة لما عرف في بابيهما.
"فصل السفر الطويل" (١) بالأميال "ثمانية وأربعون ميلا هاشمية"; لأن ابن عمر وابن عباس كانا يقصران ويفطران في أربعة برد علقه البخاري بصيغة الجزم وأسنده البيهقي بسند صحيح ومثله إنما يفعل. عن توقيف (٢) "غير الإياب" فلو قصد مكانا على مرحلة بنية أن لا يقيم فيه فلا قصر له ذهابا ولا إيابا وإن نالته مشقة مرحلتين متواليتين لما روى الشافعي بسند صحيح عن ابن عباس أنه سئل أنقصر الصلاة إلى عرفة فقال لا ولكن إلى عسفان وإلى جدة وإلى الطائف فقدره بالذهاب وحده; ولأن ذلك لا يسمى سفرا طويلا، والغالب في الرخص الاتباع "تحديدا" لا تقريبا لثبوت التقدير بالأميال عن الصحابة; ولأن القصر على خلاف الأصل فيحتاط فيه بتحقيق تقدير المسافة "ولو ظنا" بخلاف تقديري القلتين ومسافة الإمام والمأموم، والتصريح بقوله ولو ظنا من زيادته. وهو معلوم من قوله بعد، وإن شك فيه اجتهد وقال الأذرعي الظاهر أن
стр. 724
ذلك تقريب لا تحديد ونقله الإسنوي عن تصحيح النووي له في مواضع بعد أن صوب الأول، وهاشمية نسبة إلى بني هاشم لتقديرهم لها وقت خلافتهم بعد تقدير بني أمية لها لا إلى هاشم جد النبي ﷺ كما وقع للرافعي (١) وما تقرر من أنها ثمانية وأربعون ميلا هو الشائع ونص عليه الشافعي ونص أيضا على أنها ستة وأربعون وعلى أنها أربعون ولا منافاة فإنه أراد بالأول الجميع وبالثاني غير الأول والآخر، وبالثالث الأميال الأموية "وهو" أي السفر الطويل بالفراسخ "ستة عشر فرسخا، وهي أربعة برد، وهي سير يومين"، أو ليلتين، أو يوم وليلة "معتدلين" مع المعتاد من النزول، والاستراحة، والأكل، والصلاة ونحوها. وذلك مرحلتان بسير الأثقال ودبيب الأقدام فعلم أن البريد أربعة فراسخ، وأن الفرسخ ثلاثة أميال "والميل أربعة آلاف خطوة، والخطوة ثلاثة أقدام" فهو اثنا عشر ألف قدم وبالذراع ستة آلاف ذراع، والذراع أربع وعشرون أصبعا معترضات، والأصبع ست شعيرات معتدلات معترضات، والشعيرة ست شعيرات من شعر البرذون فمسافة القصر بالأقدام خمسمائة ألف وستة وسبعون ألفا، وبالأذرع مائتا ألف وثمانية وثمانون ألفا، وبالأصابع ستة آلاف ألف وتسعمائة ألف واثنا عشر ألفا، وبالشعيرات أحد وأربعون ألف ألف وأربعمائة ألف واثنان وسبعون ألفا، وبالشعرات مائتا ألف ألف وثمانية وأربعون ألف ألف وثمانمائة ألف واثنان وثلاثون ألفا "والمستحب أن لا يقصر لدون الثلاث" من الأيام، فالإتمام فيه أفضل; لأنه الأصل وخروجا من خلاف من أوجبه كأبي حنيفة بل قال الماوردي في الرضاع إنه يكره القصر، ونقله في النكاح عن الشافعي (٢) لكن قال الأذرعي إنه غريب ضعيف أما إذا كان
стр. 725
سفره ثلاثة أيام، فالقصر أفضل كما سيأتي "ويعتبر البحر" في المسافة المذكورة "بالبر" فيقصر فيه "وإن قطعه في ساعة" لشدة جري السفينة بالهواء كما يقصر لو قطع المسافة في البر في نصف يوم مثلا بالسعي "وإن شك فيه" أي في طول سفره "اجتهد" (١)، فإن ظهر له أنه القدر المعتبر قصر وإلا فلا وعليه حمل إطلاق الشافعي عدم القصر.
"فرع" لو "سلك" في سفره "أبعد الطريقين" لمقصده "ليبيح له" سلوكه "القصر فقط" بل أو لغير غرض كما في المجموع "لم يقصر" (٢) كما لو سلك الأقرب الذي هو دون مسافة القصر وطوله بالذهاب يمينا وشمالا "ويقصر إن كان له" في سلوكه "غرض" آخر ولو مع قصد إباحته لقصر كأمن وسهولة وزيارة وعبادة "ولو" كان الغرض "تنزها" بخلاف سفره لمجرد رؤية البلاد كما سيأتي، وفرق بأن القصد في هذا غير جازم بمقصد معلوم; لأن القاصد فيه كالهائم (٣) بخلافه في التنزه، والوجه أن يفرق بأن التنزه هنا ليس هو الحامل على السفر بل الحامل عليه غرض صحيح كسفر التجارة ولكنه سلك أبعد الطريقين للتنزه فيه بخلافه بمجرد رؤية البلاد فيما يأتي فإنه الحامل (٤) على السفر حتى لو لم يكن هو الحامل (٥)
стр. 726
عليه كان كالتنزه هنا، أو كان التنزه هو الحامل عليه كان كمجرد رؤية البلاد في تلك وأفاد بقوله ليبيح له القصر أن محل ذلك إذا كان سلوكه الأقرب لا يبيح له القصر فلو كان يبيحه له أيضا فسلك الأطول ولو لغرض القصر قصر في جميعه، وعبر بالقصر; لأن الكلام فيه، وإن كان تعبير الأصل بالترخص أعم ووقع له نظيره أيضا فيما يأتي "فرع" لو "نوى" في سفره "ذو السفر الطويل الرجوع وذو السفر القصير الزيادة في المسافة" بحيث يحصل بها مسافة القصر "ليس لهما الترخص حتى يكون من حيث نويا" أي من مكان نيتهما "إلى مقصدهما مسافة القصر ويفارقا مكانهما" لانقطاع سفرهما بالنية ويصيرا بالمفارقة مسافرين سفرا جديدا فلا يترخص الأول قبل المفارقة كما جزموا به، لكن مفهوم كلام الحاوي الصغير ومن تبعه أنه يقصر، وهو خلاف المنقول، والتصريح باشتراط المفارقة في الثانية من زيادته وصورة الأولى أن ينوي الرجوع لغير حاجة، أما لها ففيه تفصيل تقدم، وكنية الرجوع في ذلك التردد فيه نقله في المجموع عن البغوي وأقره "ولو نوى" قبل خروجه إلى سفر طويل "إقامة أربعة أيام في كل مرحلة لم يقصر" لانقطاع كل سفرة عن الأخرى.
"فصل: وإن لم يعلم مقصده كمسافر لغرض" من طلب غريم، أو آبق، أو نحوه "إن وجده رجع لم يقصر، وإن طال سفره" كما في الهائم إذ شرط القصر أن يعزم على قطع مسافة القصر "ويقصر بشرطه" أي القصر أي مسافته "إن ابتدأ الرجوع" سواء أوجد غرضه أم لا; لأن له حينئذ مقصدا معلوما، وإن علم أنه لا يجده قبل مرحلتين ترخص كما صرح به الأصل قال الزركشي، وهو موهم أنه يترخص مطلقا (١)، وليس كذلك بل في مرحلتين لا فيما زاد عليهما (٢) ; لأنه ليس له مقصد معلوم "فلو نوى" المسافر "المسافة" أي مسافة القصر "وفارق البلد، ثم عرضت هذه النية" أي نيته أنه إن وجد غرضه رجع "أو نية أن يقيم" في طريقه ولو "ببلد قريب" منه بأن يكون دون مسافة القصر
стр. 727
"أربعة أيام ترخص ما لم يجده" أي غرضه في الأولى "أو يدخل البلد" في الثانية; لأن سبب الرخصة قد انعقد فيستمر حكمه إلى أن يوجد ما غير النية إليه بخلاف ما إذا عرض ذلك قبل مفارقة البلد. لا يقال قياس ما قالوه من منع الترخص فيما لو نقل سفره المباح إلى معصية منعه فيما لو نوى أن يقيم ببلد قريب; لأنا نقول: نقله إلى معصية مناف للترخص بالكلية بخلاف ما نحن فيه "وإن لم يعرف العبد، والجندي، والزوجة، والأسير مقصد المطاع" في الثلاثة الأول "و" مقصد "الكفار" في الأخيرة "لم يقصروا" لانتفاء علمهم بطول السفر "فإن نووا مسافة القصر قصر" منهم "جندي تجوز له المفارقة" لمطاعه; لأنه ليس تحت قهره بخلاف البقية فنيتهم كالعدم (١) وزاد هنا لدفع الإشكال (٢) الذي أشرت إليه فيما مر التصريح بقوله تجوز له المفارقة كما زاد لدفعه ثم قوله المثبت كما مر بيانه "فإن ساروا معهم يومين قصروا"، وإن لم يقصر المتبوعون لتبين طول سفرهم. وذكر القصر لغير الأسير من زيادته وذكره في المجموع ولا ينافي ذلك ما مر من أن طالب الغريم، أو نحوه إذا لم يعرف مكانه لا يقصر، وإن طال سفره; لأن المسافة هنا معلومة في الجملة إذ المتبوع يعلمها بخلافها ثم. أما إذا عرفوا المقصد وكان على مرحلتين فلهم القصر "ولو علم الأسير أن سفره طويل ونوى الهرب إن وجد فرصة"، وهي بضم الفاء النهزة بضم النون
стр. 728
يقال انتهز فلان الفرصة أي اغتنمها وفاز بها قاله الجوهري "لم يقصر قبل مرحلتين" أما بعدهما فيقصر ولا أثر للنية لقطعه مسافة القصر فقول الأذرعي الوجه أنه لا يقصر مطلقا فيه نظر ومثل ذلك يأتي في الزوجة، والعبد إذا علما أن السفر طويل ونوت المرأة أنها متى تخلصت من زوجها بفراق رجعت، والعبد أنه متى عتق رجع فلا يترخصان قبل مرحلتين وبه صرح المتولي، لكنه لم يقيد بالقبلية بل قال لا يترخصان كالعبد الآبق وبحث الزركشي التقييد بها، وهو ظاهر وسبقه إليه الأذرعي وألحق بالزوجة، والعبد الجندي، وبالفراق النشوز، وبالعتق الإباق بأن نوى أنه متى أمكنه الإباق أبق.
"فصل" تقدم أنه لا يقصر إلا في سفر مباح، وقد أخذ في بيان مقابله فقال "المعصية بالسفر" كهرب عبد من سيده (١) "لا فيه" كشرب خمر في سفر حج "تمنع الترخص"; لأنه للإعانة فلا يعالج بالمعاصي (٢) "فإن سافر" أحد "بلا غرض صحيح" كمجرد رؤية البلاد "أو" سافر "ليسرق" أو يزني، أو يقتل بريئا، أو يتعب نفسه أو دابته بالركض بلا غرض "أو هرب عبد" من سيده "أو زوجة" من زوجها "أو غريم موسر" من غريمه، أو نحوها "لم يترخص بقصر و" لا "جمع و" "إفطار و" لا" راحلة" و" لا "مسح ثلاث" على خف "و" لا "سقوط جمعة و" لا "أكل ميتة" للاضطرار; لأنه تخفيف، وهو متمكن من دفع الهلاك بالتوبة، فإن لم يتب ومات كان عاصيا بتركه التوبة وبقتله نفسه. قال ابن الصلاح وإنما يجعل أكلها من رخص السفر حيث ينشأ الاضطرار منه في حق من كان بحيث لو أقام لم يضطر نقله عنه الأذرعي وأقره أما المقيم فيجوز له أكلها ولو عاصيا كما صرح به الأصل وفرق القفال كما نقله عنه في المجموع وأقره بأن أكلها في السفر سببه سفره (٣)، وهو معصية فكان كما لو جرح في سفر المعصية لم يجز
стр. 729
له التيمم لذلك الجرح مع أن الجريح الحاضر يجوز له التيمم وقضيته أن أكلها (١) إذا كان سببه الإقامة. وهي معصية كإقامة العبد المأمور بالسفر لا تجوز بخلاف ما إذا كان سببه إعواز الحلال، وإن كانت الإقامة معصية، وقضية كلام الأصحاب الجواز مطلقا (٢) وتقدم في مسح الخف أن المقيم يجوز له المسح وإن كان عاصيا بإقامته، وقد يؤخذ من التعداد في كلام المصنف أن العاصي بسفره يترخص بالتيمم، وهو كذلك عند فقد الماء على الصحيح في المجموع قال فيلزمه التيمم لحرمة الوقت، والإعادة لتقصيره بترك التوبة ويوافقه كلام الأصل في بابه "وإن أنشأ مسافر" في سفره المباح "قصد معصية به أتم" صلاته فلا يقصرها كما لو أنشأ السفر بهذا القصد، فإن تاب ترخص كما ذكره الرافعي في باب اللقطة "أو" "أنشأ" عاص به قصد مباح اعتبرت المسافة من حينئذ أي من حين قصد الإباحة فإن قصد مرحلتين ترخص وإلا فلا.
"فصل إنما يجوز القصر في رباعية (٣) مكتوبة، أما مؤداة، أو فائتة سفر بسفر" أي فيه ولو في سفر آخر فلا تقصر صبح ومغرب ومنذورة ونافلة ولا فائتة حضر; لأنه قد تعين فعلها أربعا (٤) فلم يجز نقصها كما في الحضر، ولا فائتة سفر في حضر; لأنه ليس محل قصر ويفارق ذلك فائتة الصحة حيث تقضى في المرض من قعود بأنه حالة ضرورة (٥) بخلاف السفر ولهذا يقعد لطرو المرض
стр. 730
ولا يقصر بعد الشروع في الصلاة في الحضر بطرو السفر، والتصريح بمكتوبة من زيادته "فإن شك هل فاتت في السفر" أو الحضر "أتم"; لأن الأصل الإتمام "ولو سافر، والباقي من الوقت ركعة" أي قدرها "قصر" الصلاة لكونها أداء "أو دونها فلا" لكونها فائتة حضر، فعلم بالأولى أنه لو مضى من الوقت قدر الفرض، ثم سافر قصر، وهو ما نص عليه الشافعي ونص فيما لو مضى منه قدر الفرض فحاضت أنها تقضي. وفرق الرافعي بأن الحيض مانع من الصلاة فإذا طرأ انحصر وقت الإمكان في حقها فيما أدركته فكأنها أدركت كل الوقت وبأن تأثيره إنما هو في الإسقاط الكلي، وهو مع إدراك وقت الوجوب بعيد بخلاف السفر فيهما.
"فرع للقصر شروط" أربعة "الأول لا يقتدي بمقيم، أو متم في جزء من صلاته" كأن أدركه في آخر صلاته أو أحدث هو عقب اقتدائه به لخبر الإمام أحمد بإسناد صحيح عن ابن عباس سئل ما بال المسافر يصلي ركعتين إذا انفرد وأربعا إذا ائتم بمقيم فقال تلك السنة ولو اقتصر المصنف كالروضة على متم أغنى عن ذكر المقيم لشموله له "فإن صلى الظهر خلف مسافر يصلي صبحا أتم"; لأنها تامة في نفسها ومثلها المغرب، والجمعة، والنافلة "ويقصر الظهر" مثلا "خلف من يقصر العصر"، أو غيرها "وإن شك في سفر إمامه أتم، وإن بان مسافرا قاصرا"; لأنه شرع مترددا فيما يسهل كشفه لظهور شعار المسافر، والمقيم "فإن علم، أو ظن سفره لا قصره فعلق صلاته بصلاته" بأن قال إن قصر قصرت وإلا أتممت "صح" إذ الظاهر من حال المسافر القصر (١) ولا يضر التعليق (٢) ; لأن الحكم معلق بصلاة إمامه، وإن جزم "وله حكمه" فإن أتم أتم، وإن قصر قصر عملا بما نواه، وإن لم يظهر له ما نواه أتم احتياطا كما يؤخذ من قوله "فإن أفسد" أي إمامه "صلاته"، أو فسدت "أتم إلا إن علم بنيته" القصر (٣) فله القصر
стр. 731
"فرع" لو "اقتدى" مسافر "بمتم" (١) ولو مسافرا "أتم، وإن فسدت صلاة الإمام"; لأنه التزم إتمامها بالاقتداء فلا تقصر بعده كفائتة الحضر "أو بان الإمام محدثا" أتم لذلك "وتنعقد" صلاته (٢) خلف المتم وتلغو نية القصر "بخلاف مقيم نوى القصر" لا تنعقد صلاته; لأنه ليس من أهل القصر، والمسافر من أهله (٣) فأشبه ما لو شرع في الصلاة بنية القصر، ثم نوى الإتمام، أو صار مقيما "وإن أفسدها"، أو فسدت بعد نية الاقتداء بمتم "وأعاد" ـها
стр. 732
"أتم" (١) لما مر و لو أدخل هذه في الأولى كما فعل الأصل كأن قال أتم وإن فسدت إحدى الصلاتين كان أحسن وأخصر "وإن اقتدى بمن ظنه مسافرا فبان مقيما محدثا، وبان الحدث أو لا، أو بانا معا قصر" إذ لا قدوة في الحقيقة وفي الظاهر ظنه مسافرا وبهذا فارق ما لو اقتدى بمن ظنه مسافرا، ثم فسدت صلاته بحدث ثم بان مقيما حيث يتم، وإن علم حدثه أو لا كما يعلم من قوله "وإلا" بأن عرضت الإقامة، أو الحدث ولم يظن مع عروضه أن الإمام نوى القصر أو بانت الإقامة، أو لا "فلا" يقصر لالتزامه الإتمام بالاقتداء. وهو في الأخيرة كما لو اقتدى بمن علمه مقيما، ثم بان حدثه وعلى هذا لو فقد الطهورين فشرع فيها بنية الإتمام ثم قدر على الطهارة قصر; لأن ما فعله ليس بحقيقة صلاة قال الأذرعي كذا ذكره المتولي (٢) وغيره وفيه نظر ولعل ما قالوه بناء على أنها ليست بصلاة شرعية تشبهها، والمذهب خلافه وكالمقيم فيما ذكر المسافر المتم فلو عبر بمتم لشملهما قال في المجموع ولو أحرم منفردا ولم ينو القصر، ثم فسدت صلاته لزمه الإتمام "وإن تبين حدث نفسه" سواء أصلى منفردا أم لا "أو أحرم" مؤتما "وقد علم حدث إمامه استأنف وقصر" لعدم انعقاد صلاته "وإن قضى في السفر صلاة حضر سافر في وقتها" بعدما شرع فيها، ثم خرج منها. "فإن خرج منها لتذكر حدث قصر" لعدم انعقادها "لا إن خرج" منها "لحدث حدث" فيها فلا يقصر لالتزامه إتمامها بانعقادها "فرع إذا" فسدت صلاته كأن "أحدث الإمام" القاصر "أو رعف" بفتح العين أفصح وأشهر من ضمها وكسرها "فاستخلف مقيما"، أو مسافرا متما من المقتدين، أو غيرهم "لزمهم الإتمام" (٣) ; لأنهم مقتدون بالخليفة حكما بدليل لحوقهم سهوه "دونه" أي
стр. 733
المستخلف فلا يلزمه الإتمام "إلا إن تطهر واقتدى به" أي بالخليفة فيلزمه الإتمام لذلك "فإن لم يستخلف" هو ولا المأمومون "أو استخلف مسافرا" قاصرا "أو استخلفوه" وكانوا قاصرين "قصروا" وقصر المستخلف ولو استخلف المتمون متما، والقاصرون قاصرا فلكل حكمه ولو أم قاصر بالنوعين أو بالمتمين سن له أن يقول بعد سلامه أتموا فإنا قوم سفر ذكره في المجموع الشرط "الثاني نية القصر" وجعل منها الإمام ما لو نوى الظهر مثلا ركعتين ولم ينو ترخصا والمتولي ما لو قال أؤدي صلاة السفر فلو أطلق لزمه الإتمام; لأنه الأصل. وتعتبر نية القصر "عند الإحرام" كأصل النية ولا يجب استدامتها بل الانفكاك عما يخالف الجزم بها "فإن نوى بعده" أي بعد إحرامه قاصرا "الإتمام أو تردد" في أنه يقطع نية القصر "أو شك هل نوى القصر"، أو لا "أتم"; لأنه المنوي في الأولى، والأصل في الأخيرتين "وإن تذكر" في الشك "في الحال" فإنه يتم بخلاف الشك في أصل النية إذ تذكر حالا لا يؤثر; لأن ما تأدى هنا محسوب لبقاء أصل النية فتأدى جزء على التمام فلزمه به الإتمام تغليبا للأصل بخلافه ثم، فإنه غير محسوب، لكنه عفي عنه لقلته "وإن أحرم" قاصرا "خلف من علمه"، أو ظنه "قاصرا فقام إلى الثالثة فشك في قيامه" هل هو متم، أو ساه "لزمه الإتمام". وإن بان أنه ساه كما لو شك في نية نفسه ويخالف ما لو شك في نية
стр. 734
إمامه ابتداء حيث لا يلزمه الإتمام كما مر; لأن النية لا يطلع عليها، ولا أمارة تشعر بالإتمام، وهنا القيام مشعر به "فإن علمه ساهيا لكونه حنفيا لا يرى الإتمام" أو لغير ذلك "لم يلزمه الإتمام وله" بعد علمه "انتظاره ومفارقته ويسجد" فيهما "للسهو" اللاحق له بسهو إمامه "فإن نوى الإتمام لم يجز" له "أن يأتم به" أي بالإمام في سهوه; لأنه غير محسوب له "كالمسبوق لا يأتم بمن علمه ساهيا بالقيام إلى خامسة، وإن قام المسافر" القاصر ولو منفردا "إلى ثالثة (١) بغير موجب للإتمام" من نيته أو نية إقامة، أو غير ذلك "عامدا" عالما بالتحريم "بطلت صلاته" كما لو قام المتم إلى ركعة زائدة "أو" قام إليها "ساهيا" أو جاهلا "لزمه العود" حين ذكره أو علمه "ويسجد للسهو" ويسلم "فلو بدا له" حين ذكره، أو علمه "أن يتم قعد، ثم قام" ناويا الإتمام; لأن النهوض واجب عليه، ونهوضه كان لغوا. "وإن لم يذكر" ذلك "حتى أتم أربعا، ثم نوى الإتمام لزمه أن يأتي بركعتين" وسجد للسهو (٢)، وإن لم ينو الإتمام سجد للسهو، وهو قاصر وركعتاه الزائدتان لغو. الشرط "الثالث دوام السفر" في الصلاة "فإن انتهت به السفينة إلى البلد" (٣) التي يقيم بها "أو سارت به منها، أو نوى الإقامة، أو شك هل نواها"، أو لا "أو هل هذه" البلدة التي انتهى إليها "بلده"، أو لا، وهو "في أثناء الصلاة" في الجميع "أتم" (٤) للشك في سبب الرخصة في الأخيرتين ولزواله في الأولى، والثالثة وتغليبا للحضر فيهما
стр. 735
أيضا وفي الثانية واستشكل تصوير الثانية فإنه إن نوى القصر لم تنعقد لتلاعبه أولا لزمه الإتمام (١) لا لتغليب الحضر بل لفوت شرط القصر، وهو نيته عند الإحرام وأجيب بأنه نوى القصر جاهلا بأن من شرطه سير السفينة وبأن مرادهم ما إذا أطلق في نيته فلم ينو القصر ولا الإتمام فيلزمه الإتمام لعلتين (٢): فقد نية القصر عند الإحرام، وتغليب الحضر. ويستدل به حينئذ في نظيره مع مسح الخف على أنه يمسح مسح مقيم خلافا لأبي حنيفة القائل بأنه يمسح مسح مسافر مع موافقته لنا على ما هنا. الشرط "الرابع العلم بجوازه" أي القصر "فلو قصر جاهلا (٣) بجوازه لم تصح صلاته" لتلاعبه، وكذا لو ظن أن الظهر مثلا ركعتان فنواها ركعتين
стр. 736
باب الجمع بين الصلاتين.
"يجوز الجمع في سفر القصر" للأخبار الآتية "لا" في السفر "القصير" فلا يجوز "ولو للمكي"; لأن الجمع للسفر لا للنسك، والجمع يكون "بين الظهر، والعصر و" بين "المغرب، والعشاء في وقت إحداهما وتكون" المجموعة في وقت الأخرى "أداء" كالأخرى; لأن وقتيهما صارا واحدا وخرج بما ذكر الصبح مع غيرها، والعصر مع المغرب فلا جمع فيهما; لأنه لم يرد ويجوز جمع الجمعة، والعصر تقديما كما نقله الزركشي (١) واعتمده كجمعهما بالمطر بل أولى ويمتنع تأخيرا; لأن الجمعة لا يتأتى تأخيرها عن وقتها وتقدم في الحيض أن المتحيرة لا تجمع تقديما (٢) قال الزركشي ومثلها فاقد الطهورين (٣) وكل من لم تسقط صلاته بالتيمم ولو حذف بالتيمم كان أولى. "والأفضل التأخير" (٤) أي تأخير الأولى "إلى الثانية للسائر" وقت الأولى "ولمن
стр. 737
بات بمزدلفة و" الأفضل "التقديم" أي تقديم الثانية "إلى الأولى للنازل" في وقتها "والواقف بعرفة" روى الشيخان عن أنس أن النبي ﷺ "كان إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر، ثم نزل فجمع بينهما، فإن زاغت قبل أن يرتحل صلى الظهر، والعصر، ثم ركب" (١)، وعن ابن عمر قال "كان النبي ﷺ إذا جد به السير جمع بين المغرب، والعشاء" يعني في وقت العشاء، وعن أسامة "أنه ﷺ جمع بين المغرب، والعشاء بمزدلفة في وقت العشاء" وروى معاذ "أنه ﷺ كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل المغرب أخر المغرب حتى يصليها مع العشاء وإذا ارتحل بعد المغرب عجل العشاء فصلاها مع المغرب" رواه الترمذي وحسنه، والبيهقي وصححه (٢). وروى مسلم عن جابر أنه ﷺ "جمع بين الظهر، والعصر بعرفة في وقت الظهر" وروى الشيخان أنه "جمع بين المغرب، والعشاء في وقت العشاء" (٣)، والمراد بالسفر فيها الطويل كما دل عليه بعضها; ولأن ذلك إخراج عبادة عن وقتها فاختص بالطويل كالفطر قال الأذرعي: واستثني من أفضلية التقديم والتأخير فيما ذكر ما لو خشي من التأخير الفوات لبعد المنزل، أو خوف عدو، أو غيره، فالجمع تقديما أفضل، وما لو كان إذا جمع تقديما صلى جماعة، أو خلا عن حدثه الدائم، أو عن كشف عورته وإذا جمع تأخيرا كان بخلاف ذلك، أو بالعكس، فالجمع بالجماعة وبالخلو عما ذكر أفضل "فرع: وإذا جمع في وقت الأولى (٤) اشترط" ثلاثة شروط "تقديمها" على الثانية للاتباع
стр. 738
وقال ﷺ "صلوا كما رأيتموني أصلي" (١) ; ولأن الوقت لها، والثانية تبع فلا تتقدم على متبوعها فلو قدمها لم تصح، أو الأولى وبان فسادها فسدت الثانية أيضا لعدم الترتيب "وأن ينوي الجمع فيها" أي الأولى تمييزا للتقديم المشروع (٢) عن التقديم سهوا، أو عبثا "ولو" نواه "مع السلام وبعد نية الترك" كأن نوى الجمع، ثم نوى تركه ثم نواه; لأن الجمع ضم الثانية للأولى (٣) فيكفي سبق النية حالة الجمع ويفارق القصر بأنه لو تأخرت نيته عن الإحرام لتأدى جزء على التمام فيمتنع القصر قال في المجموع. قال المتولي ولو شرع في الظهر بالبلد في سفينة فسارت فنوى الجمع، فإن لم يشترط النية مع التحرم صح لوجود السفر وقتها وإلا فلا ويفرق بينها وبين حدوث المطر في أثناء الأولى حيث لا يجمع به كما سيأتي بأن السفر باختياره (٤) فنزل اختياره له في ذلك منزلته بخلاف المطر حتى لو لم يكن اختاره، فالوجه امتناع الجمع على أن ما قاله المتولي (٥) هنا ذكر مثله ثم، فعليه لا فرق "ويشترط أن يوالي بينهما"; لأن الجمع بجعلهما
стр. 739
كصلاة واحدة فوجب الولاء كركعات الصلاة; ولأنه ﷺ "لما جمع بين الصلاتين بنمرة، والى بينهما وترك الرواتب وأقام الصلاة بينهما" رواه الشيخان (١) ولولا اشتراط الولاء لما ترك الرواتب (٢). وقد يمنع بأنه تركها لكونها سنة لا شرطا ولو ترك لفظ يشترط كان أخصر "ولا يضر فصل يسير (٣) في العرف فللمتيمم الفصل" بينهما "به" أي بالتيمم "وبالطلب الخفيف وإقامة الصلاة" للاتباع في الأخيرة كما مر وقياسا عليه في الأوليين بجامع أن كلا منها فصل يسير لمصلحة الصلاة بل ولو لم يكن الفصل اليسير لمصلحتها لم يضر أما الطويل فيضر ولو بعذر كسهو وإغماء "وإن جمع وتذكر" بعد فراغه، أو في أثناء الثانية وطال الفصل بين سلام الأولى (٤)، والتذكر "ترك ركن من الأولى أعادهما" الأولى لترك الركن وتعذر التدارك بطول الفصل، والثانية لفقد الترتيب (٥) "وله الجمع" تقديما أو تأخيرا لوجود المرخص "أو" تذكر تركه "من الثانية". فإن كان "قبل طول الفصل تداركه وصحتا وإلا" أي، وإن كان بعد طوله "تعذر الجمع" لفقد الولاء بتخلل الباطلة فيلزمه إعادتها في وقتها "وإن لم يدر من أيهما هو" أي الركن
стр. 740
المتروك "لزمه إعادتهما" لاحتمال أنه من الأولى "وامتنع الجمع تقديما" لاحتمال أنه من الثانية فيطول الفصل بها وبالأولى المعادة بعدها فيعيد كلا منهما في وقتها أخذا بالأسوإ في الطرفين ولو شك بين الصلاتين في نية الجمع، ثم تذكر أنه نواه نقل الروياني عن والده أنه ليس له الجمع قال: وعندي أن له الجمع (١) قال الزركشي وهو الوجه إن تذكره عن قرب "وأما إن جمع في وقت الثانية (٢) فلا تشترط إلا نية التأخير (٣) للجمع في وقت الأولى" ما بقي قدر ركعة "فإن أخر" ها "حتى فات الأداء" أي وقته "بلا نية" للجمع "عصى وقضى" هذا ما في الروضة كأصلها عن الأصحاب وفي المجموع (٤) وغيره عنهم وتشترط هذه النية في وقت الأولى بحيث يبقى من وقتها ما يسعها، أو أكثر، فإن ضاق وقتها بحيث لا يسعها عصى وصارت قضاء وجزم البارزي وغيره بالأول وصححه ابن الرفعة وغيره، وهو المناسب لما مر من جواز قصر صلاة من سافر، وقد بقي من الوقت ما يسع ركعة ولا يضر فيه تحريم تأخيرها بحيث يخرج جزء منها عن وقتها ويمكن حمل كلام المجموع على كلام الروضة بأن يقال معنى ما يسعها أي يسعها أداء، فإن قلت بل كلامها (٥) محمول على كلامه ويكون مرادها الأداء الحقيقي، وهو الإتيان بجميع الصلاة في وقتها لا الأداء المجازي