باب الجمع بين الصلاتين.
"يجوز الجمع في سفر القصر" للأخبار الآتية "لا" في السفر "القصير" فلا يجوز "ولو للمكي"; لأن الجمع للسفر لا للنسك، والجمع يكون "بين الظهر، والعصر و" بين "المغرب، والعشاء في وقت إحداهما وتكون" المجموعة في وقت الأخرى "أداء" كالأخرى; لأن وقتيهما صارا واحدا وخرج بما ذكر الصبح مع غيرها، والعصر مع المغرب فلا جمع فيهما; لأنه لم يرد ويجوز جمع الجمعة، والعصر تقديما كما نقله الزركشي (١) واعتمده كجمعهما بالمطر بل أولى ويمتنع تأخيرا; لأن الجمعة لا يتأتى تأخيرها عن وقتها وتقدم في الحيض أن المتحيرة لا تجمع تقديما (٢) قال الزركشي ومثلها فاقد الطهورين (٣) وكل من لم تسقط صلاته بالتيمم ولو حذف بالتيمم كان أولى. "والأفضل التأخير" (٤) أي تأخير الأولى "إلى الثانية للسائر" وقت الأولى "ولمن
стр. 737
بات بمزدلفة و" الأفضل "التقديم" أي تقديم الثانية "إلى الأولى للنازل" في وقتها "والواقف بعرفة" روى الشيخان عن أنس أن النبي ﷺ "كان إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر، ثم نزل فجمع بينهما، فإن زاغت قبل أن يرتحل صلى الظهر، والعصر، ثم ركب" (١)، وعن ابن عمر قال "كان النبي ﷺ إذا جد به السير جمع بين المغرب، والعشاء" يعني في وقت العشاء، وعن أسامة "أنه ﷺ جمع بين المغرب، والعشاء بمزدلفة في وقت العشاء" وروى معاذ "أنه ﷺ كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل المغرب أخر المغرب حتى يصليها مع العشاء وإذا ارتحل بعد المغرب عجل العشاء فصلاها مع المغرب" رواه الترمذي وحسنه، والبيهقي وصححه (٢). وروى مسلم عن جابر أنه ﷺ "جمع بين الظهر، والعصر بعرفة في وقت الظهر" وروى الشيخان أنه "جمع بين المغرب، والعشاء في وقت العشاء" (٣)، والمراد بالسفر فيها الطويل كما دل عليه بعضها; ولأن ذلك إخراج عبادة عن وقتها فاختص بالطويل كالفطر قال الأذرعي: واستثني من أفضلية التقديم والتأخير فيما ذكر ما لو خشي من التأخير الفوات لبعد المنزل، أو خوف عدو، أو غيره، فالجمع تقديما أفضل، وما لو كان إذا جمع تقديما صلى جماعة، أو خلا عن حدثه الدائم، أو عن كشف عورته وإذا جمع تأخيرا كان بخلاف ذلك، أو بالعكس، فالجمع بالجماعة وبالخلو عما ذكر أفضل "فرع: وإذا جمع في وقت الأولى (٤) اشترط" ثلاثة شروط "تقديمها" على الثانية للاتباع
стр. 738
وقال ﷺ "صلوا كما رأيتموني أصلي" (١) ; ولأن الوقت لها، والثانية تبع فلا تتقدم على متبوعها فلو قدمها لم تصح، أو الأولى وبان فسادها فسدت الثانية أيضا لعدم الترتيب "وأن ينوي الجمع فيها" أي الأولى تمييزا للتقديم المشروع (٢) عن التقديم سهوا، أو عبثا "ولو" نواه "مع السلام وبعد نية الترك" كأن نوى الجمع، ثم نوى تركه ثم نواه; لأن الجمع ضم الثانية للأولى (٣) فيكفي سبق النية حالة الجمع ويفارق القصر بأنه لو تأخرت نيته عن الإحرام لتأدى جزء على التمام فيمتنع القصر قال في المجموع. قال المتولي ولو شرع في الظهر بالبلد في سفينة فسارت فنوى الجمع، فإن لم يشترط النية مع التحرم صح لوجود السفر وقتها وإلا فلا ويفرق بينها وبين حدوث المطر في أثناء الأولى حيث لا يجمع به كما سيأتي بأن السفر باختياره (٤) فنزل اختياره له في ذلك منزلته بخلاف المطر حتى لو لم يكن اختاره، فالوجه امتناع الجمع على أن ما قاله المتولي (٥) هنا ذكر مثله ثم، فعليه لا فرق "ويشترط أن يوالي بينهما"; لأن الجمع بجعلهما
стр. 739
كصلاة واحدة فوجب الولاء كركعات الصلاة; ولأنه ﷺ "لما جمع بين الصلاتين بنمرة، والى بينهما وترك الرواتب وأقام الصلاة بينهما" رواه الشيخان (١) ولولا اشتراط الولاء لما ترك الرواتب (٢). وقد يمنع بأنه تركها لكونها سنة لا شرطا ولو ترك لفظ يشترط كان أخصر "ولا يضر فصل يسير (٣) في العرف فللمتيمم الفصل" بينهما "به" أي بالتيمم "وبالطلب الخفيف وإقامة الصلاة" للاتباع في الأخيرة كما مر وقياسا عليه في الأوليين بجامع أن كلا منها فصل يسير لمصلحة الصلاة بل ولو لم يكن الفصل اليسير لمصلحتها لم يضر أما الطويل فيضر ولو بعذر كسهو وإغماء "وإن جمع وتذكر" بعد فراغه، أو في أثناء الثانية وطال الفصل بين سلام الأولى (٤)، والتذكر "ترك ركن من الأولى أعادهما" الأولى لترك الركن وتعذر التدارك بطول الفصل، والثانية لفقد الترتيب (٥) "وله الجمع" تقديما أو تأخيرا لوجود المرخص "أو" تذكر تركه "من الثانية". فإن كان "قبل طول الفصل تداركه وصحتا وإلا" أي، وإن كان بعد طوله "تعذر الجمع" لفقد الولاء بتخلل الباطلة فيلزمه إعادتها في وقتها "وإن لم يدر من أيهما هو" أي الركن
стр. 740
المتروك "لزمه إعادتهما" لاحتمال أنه من الأولى "وامتنع الجمع تقديما" لاحتمال أنه من الثانية فيطول الفصل بها وبالأولى المعادة بعدها فيعيد كلا منهما في وقتها أخذا بالأسوإ في الطرفين ولو شك بين الصلاتين في نية الجمع، ثم تذكر أنه نواه نقل الروياني عن والده أنه ليس له الجمع قال: وعندي أن له الجمع (١) قال الزركشي وهو الوجه إن تذكره عن قرب "وأما إن جمع في وقت الثانية (٢) فلا تشترط إلا نية التأخير (٣) للجمع في وقت الأولى" ما بقي قدر ركعة "فإن أخر" ها "حتى فات الأداء" أي وقته "بلا نية" للجمع "عصى وقضى" هذا ما في الروضة كأصلها عن الأصحاب وفي المجموع (٤) وغيره عنهم وتشترط هذه النية في وقت الأولى بحيث يبقى من وقتها ما يسعها، أو أكثر، فإن ضاق وقتها بحيث لا يسعها عصى وصارت قضاء وجزم البارزي وغيره بالأول وصححه ابن الرفعة وغيره، وهو المناسب لما مر من جواز قصر صلاة من سافر، وقد بقي من الوقت ما يسع ركعة ولا يضر فيه تحريم تأخيرها بحيث يخرج جزء منها عن وقتها ويمكن حمل كلام المجموع على كلام الروضة بأن يقال معنى ما يسعها أي يسعها أداء، فإن قلت بل كلامها (٥) محمول على كلامه ويكون مرادها الأداء الحقيقي، وهو الإتيان بجميع الصلاة في وقتها لا الأداء المجازي
стр. 741
الحاصل بتبعية ما بعد الوقت لما فيه قلت ينافيه (١) قوله إنها صارت قضاء وعلم من كلام المصنف (٢) أنه لا يشترط الترتيب ولا الولاء ولا نية الجمع في الأولى، وهو كذلك وفارق جمع التقديم أما في الأولى; فلأن الوقت هنا للثانية، والأولى تبع لها بخلافه ثم، وأما في الثانية; فلأن الأولى شبيهة بالفائتة لخروج وقتها; "ولأنه ﷺ صلى المغرب بمزدلفة، ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله، ثم أقيمت العشاء فصلاها" رواه الشيخان (٣) وأما في الثالثة فلما مر في الأولى; ولأن نية الجمع هنا تقدمت في وقت الأولى فاكتفي بها بخلاف جمع التقديم.
"فرع" لو "جمع تقديما ونوى الإقامة"، أو وصلت سفينته دار إقامته كما صرح به الأصل، أو شك في صيرورته مقيما "قبل الإحرام بالثانية بطل الجمع" لزوال سببه فيؤخرها لوقتها، والأولى صحيحة "أو في أثنائها" أي الثانية "لم يبطل" جمعه صيانة لصلاته عن البطلان بعد الانعقاد بخلاف القصر فإن وجوب الإتمام لا يبطل ما مضى من صلاته "وإن جمع في وقت الثانية ثم أقام في أثنائها"، أو قبل الإحرام بها المفهوم بالأولى "صارت الأولى قضاء"; لأنها تابعة للثانية (٤) في
стр. 742
الأداء للعذر، وقد زال قبل تمامها وفي المجموع إذا أقام في أثناء الثانية ينبغي أن تكون الأولى أداء بلا خلاف وما بحثه مخالف لإطلاقهم قال السبكي وتبعه الإسنوي وتعليلهم منطبق على تقديم الأولى فلو عكس وأقام في أثناء الظهر فقد وجد العذر في جميع المتبوعة وأول التابعة، وقياس ما مر في جمع التقديم أنها أداء على الأصح أي كما أفهمه تعليلهم وأجرى الطاووسي (١) الكلام على إطلاقه فقال وإنما اكتفي في جمع التقديم بدوام السفر إلى عقد الثانية ولم يكتف به في جمع التأخير بل شرط دوامه إلى تمامهما; لأن وقت الظهر ليس وقت العصر إلا في السفر (٢)، وقد وجد عند عقد الثانية فيحصل الجمع وأما وقت العصر فيجوز فيه الظهر بعذر السفر وغيره فلا ينصرف فيه الظهر إلى السفر إلا إذا وجد السفر فيهما وإلا جاز أن ينصرف إليه لوقوع بعضها فيه وأن ينصرف إلى غيره لوقوع بعضها في غيره الذي هو الأصل.
"فصل: المطر" ولو ضعيفا إن كان بحيث يبل الثياب "يبيح الجمع" لما يجمع بالسفر "في وقت الأولى" لخبر الصحيحين عن ابن عباس "صلى رسول الله ﷺ بالمدينة الظهر، والعصر جميعا، والمغرب، والعشاء جميعا" زاد مسلم "من غير خوف ولا سفر" (٣) قال الشافعي كمالك أرى ذلك في المطر قال في المجموع، وهذا التأويل مردود برواية مسلم "من غير خوف ولا مطر" قال وأجاب البيهقي بأن الأولى رواية الجمهور فهي أولى قال يعني. البيهقي، وقد روينا عن ابن عباس وابن عمر الجمع بالمطر، وهو يؤيد التأويل، وأجاب غيره بأن المراد ولا مطر (٤) كثير، أو لا مطر مستدام، فلعله انقطع في أثناء الثانية "لا" في وقت
стр. 743
"الثانية"; لأن استدامة المطر ليست إلى الجامع بخلاف السفر وإنما يباح الجمع بشروطه السابقة في جمعه بالسفر "لمن صلى" أي لمن أراد أن يصلي "جماعة في مكان" مقصود لها من مسجد، أو غيره فتعبيره بمكان أولى من تعبير أصله بمسجد "يتأذى في طريقه" إليه "بالمطر" لبعده كما قيد به الأصل كغيره "فلو صلى" ولو "جماعة في بيته"، أو في مكان للجماعة قريب "أو مشى في كن، أو صلوا فرادى في المسجد" أو نحوه "فلا جمع" لانتفاء التأذي. وأما جمعه ﷺ بالمطر مع أن بيوت أزواجه كانت بجنب المسجد فأجابوا عنه أن بيوتهن كانت مختلفة وأكثرها كان بعيدا فلعله حين جمع لم يكن بالقريب ويجاب أيضا بأن للإمام أن يجمع بالمأمومين (١)، وإن لم يتأذ بالمطر صرح به ابن أبي هريرة (٢) وغيره على أن جماعة منهم الأذرعي والزركشي أنكروا اشتراط البعد ونقلوا عن نص الأم أنه لا فرق بين القرب، والبعد وكلام المصنف يوافقه قال المحب الطبري ولمن خرج إلى المسجد قبل وجود المطر فاتفق وجوده، وهو في المسجد أن يجمع; لأنه لو لم يجمع لاحتاج إلى صلاة العصر أيضا، أي: أو العشاء في جماعة وفيه مشقة في رجوعه إلى بيته ثم عوده، أو في إقامته في المسجد، وكلام غيره يقتضيه (٣). "وإنما يشترط" في إباحة المطر الجمع زيادة على ما مر "وجود المطر (٤) في أول الصلاتين" ليقارن الجمع "وعند التحلل من الأولى" ليتصل بأول الثانية فيؤخذ منه اعتبار امتداده بينهما، وهو ظاهر ولا يضر انقطاعه فيما عدا ذلك لعسر انضباطه "والشفان كالمطر" فيما ذكر لتضمنه القدر المبيح "وهو" بفتح الشين المعجمة لا بضمها كما وقع في بعض نسخ الروضة ولا بكسرها كما وقع للقمولي وبتشديد الفاء "برد ريح فيه ندوة" أي بلل "وكذا ثلج وبرد يذوبان"
стр. 744
لما مر بخلاف ما إذا لم يذوبا لانتفاء التأذي نعم إن كان الثلج قطعا كبارا جاز الجمع به كما في الشامل وغيره وفي معناه البرد وبه صرح في الذخائر "فرع: يجمع العصر مع الجمعة في المطر، وإن لم يكن" موجودا "حال الخطبة"; لأنها ليست من الصلاة، وقد علم مما مر أنه لا جمع بغير السفر والمطر; كمرض وريح وظلمة وخوف ووحل، وهو المشهور; لأنه لم ينقل ولخبر المواقيت فلا يخالف إلا بصريح وحكى في المجموع عن جماعة من أصحابنا جوازه بالمذكورات قال: وهو قوي جدا في المرض، والوحل لخبر مسلم أنه ﷺ "جمع بالمدينة من غير خوف ولا مطر" واختاره في الروضة، لكنه فرضه في المرض وجرى عليه المصنف
"فرع" من "المختار جواز الجمع بالمرض" (١) قال في المهمات، وقد ظفرت بنقله عن الشافعي وعلى المشهور قال في المجموع وإنما لم يلحقوا الوحل بالمطر كما في عذر الجمعة، والجماعة; لأن تاركهما يأتي ببدلهما، والجامع يترك الوقت بلا بدل; ولأن العذر فيهما ليس مخصوصا بل كل ما تلحق به مشقة شديدة، والوحل منه، وعذر الجمع مضبوط بما جاءت به السنة ولم تجئ بالوحل وعلى المختار في المرض يستحب أن يراعي الأرفق بنفسه "فمن يحم" مثلا "في وقت الثانية قدمها" إلى الأولى "بشرائط جمع التقديم، أو في" وقت "الأولى أخرها" إلى الثانية، وأسقط في نسخة قوله بشرائط جمع التقديم وأثبت فيها بعد قوله أخرها ويشترط في التقديم وجود الحمى كالمطر أي فيشترط وجودها في أول الصلاتين وعند التحلل من الأولى وتلك النسخة أكثر فائدة "وإن جمع تقديما" بل أو تأخيرا في الظهر، والعصر "صلى سنة الظهر التي قبلها، ثم الفريضتين" الظهر، ثم العصر "ثم باقي السنن مرتبة" أي سنة الظهر التي بعدها، ثم سنة العصر "وفي المغرب، والعشاء يصلي الفريضتين، ثم السنن مرتبة" سنة المغرب، ثم سنة العشاء "ثم الوتر" وتحرير المسألة أنه إذا جمع الظهر، والعصر قدم سنة الظهر التي قبلها وله تأخيرها سواء أجمع تقديما أم تأخيرا وتوسيطها إن
стр. 745
جمع تأخيرا سواء أقدم الظهر أم العصر وأخر سنتها التي بعدها وله توسيطها إن جمع تأخيرا وقدم الظهر وأخر عنهما سنة العصر وله توسيطها وتقديمها إن جمع تأخيرا سواء أقدم الظهر أم العصر وإذا جمع المغرب والعشاء أخر سنتيهما، وله توسيط سنة المغرب إن جمع تأخيرا أو قدم المغرب، وتوسيط سنة العشاء إن جمع تأخيرا وقدم العشاء، وما سوى ذلك ممنوع. وعلى ما مر من أن للمغرب، والعشاء سنة مقدمة فلا يخفى الحكم مما تقرر في جمعي الظهر، والعصر، والأولى من ذلك كله ما تقرر في كلام المصنف "فرع" قد جمع في أصل الروضة ما يختص بالسفر الطويل وما لا يختص فقال: الرخص المتعلقة بالسفر الطويل أربع: القصر، والفطر، والمسح على الخف ثلاثة أيام، والجمع على الأظهر والذي يجوز في القصير أيضا أربع: ترك الجمعة وأكل الميتة وليس مختصا بالسفر، والتنفل على الراحلة على المشهور، والتيمم وإسقاط الفرض به على الصحيح فيهما. ولا يختص هذا بالسفر أيضا كما مر في باب التيمم نبه عليه الرافعي وزيد على ذلك صور منها ما لو سافر المودع ولم يجد المالك ولا وكيله ولا الحاكم ولا الأمين فله أخذها معه على الصحيح ومنها ما لو استصحب معه ضرة زوجته بقرعة فلا قضاء عليه ولا يختص بالطويل على الصحيح ووقع في المهمات تصحيح عكسه، وهو سهو نبه عليه الزركشي.
"فصل إذا بلغ السفر ثلاثة أيام (١)، فالقصر أفضل" للاتباع رواه الشيخان وخروجا من خلاف من أوجبه كأبي حنيفة ويخالف الصوم في السفر، وإن منعه أهل الظاهر; لأن محققي العلماء لا يقيمون لمذهبهم وزنا (٢)
стр. 746
قاله الإمام ولبقاء شغل الذمة إذا أفطر (١) "إلا لملاح يسافر" في البحر "بأهله ومن لا يزال مسافرا بلا وطن"، فالإتمام لهما أفضل خروجا من خلاف من أوجبه عليهما كالإمام أحمد وروعي فيهما خلافه دون خلاف أبي حنيفة (٢) لاعتضاده بالأصل "والغسل" للرجل "وترك الجمع أفضل من مسح الخف و" من "الجمع" لأصالتهما وفارقا القصر بأن الأول لم يؤت فيه بجنس الواجب، والثاني فيه إخلاء أحد الوقتين عن وظيفته بخلاف القصر فيهما نعم يستثنى منهما من وجد في نفسه كراهة ذلك كما سيأتي. ومن الثانية الحاج بعرفة ومزدلفة; لأن الجمع أرفق له في الدعاء في الأول وفي السير في الثاني ومن إذا جمع صلى جماعة أو خلا عن حدثه الدائم، أو كشف عورته (٣) "وكره ترك الترخص"
стр. 747
بالقصر، والجمع وسائر الرخص "لمن وجد في نفسه كراهته" أي كراهة الترخص فيكاد يكون رغبة عن السنة ويستمر ذلك إلى أن تزول عنه الكراهة ومثلها ما لو كان ممن يقتدى به، أو تركه شكا في جوازه، وهذه الأخيرة ذكرها في الروضة بالنسبة إلى مسح الخف.
"وإن نوى الكافر، أو الصبي مسافة القصر، ثم أسلم" الكافر "أو بلغ" الصبي "في أثنائها" أي المسافة "قصر في البقية منها" وما ذكره كالروضة في الصبي نقل عن الروياني وقضيته أنه لا يصح قصره قبل بلوغه. وهو ممنوع; لأنه من أهل القصر كما صرح به البغوي، والصواب صحته (١) منه، وقد قالوا لو جمع تقديما، ثم بلغ، والوقت باق لم يحتج إلى إعادتها نبه على ذلك الأذرعي والزركشي ولم ينبه عليه الإسنوي بل نبه على غيره فقال ما ذكر في الصبي متجه إن بعثه وليه، فإن سافر بغير إذنه فلا أثر لما قطعه قبل بلوغه، وإن سافر معه فيتجه أن يجيء فيه ما مر في غيره من التابعين "وإن نوى اثنان إقامة أربعة أيام وأحدهما حنفي يعتقد القصر فاقتدى به الآخر"، وهو لا يعتقده كشافعي "كره ويتم" صلاته "بعد سلامه" أي الحنفي; لأنه مقيم فعلم صحة صلاته. واستشكله في المهمات بأنه خارج عن القواعد لاعتقاده فساد صلاة إمامه. وقدمت في صفة الأئمة جوابه، ثم رأيت صاحب الاستقصاء تبعا للشيخ أبي حامد وغيره صوروا ذلك بما إذا لم يعلم (٢) أنه نوى القصر، فإن علم أنه نواه فمقتضى المذهب أنه لا تصح صلاته خلفه كمجتهدين اختلفا في القبلة فصلى أحدهما خلف الآخر "ولا قصر" تأكيد لما قبله.
стр. 748
كتاب صلاة الجمعة (١)
بضم الميم وإسكانها (٢) أو فتحها وحكي كسرها وكان يومها يسمى في الجاهلية يوم العروبة أي البين المعظم "وهي" أي صلاة الجمعة بشروطها "فرض عين" قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: من الآية ٩] أي فيه ﴿فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ (٣) [الجمعة: من الآية ٩] وقال ﷺ : "لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين" (٤) وقال: "رواح الجمعة واجب على كل محتلم" (٥) وقال: "الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا أربعة عبد مملوك أو امرأة أو صبي مريض" (٦) روى الأول مسلم والثاني النسائي بإسناد على شرط مسلم والثالث أبو داود بإسناد على شرط الشيخين وسيأتي أنها ركعتان وهي كغيرها من الخمس في الأركان والشروط والآداب وتختص بشروط لصحتها وشروط للزومها وبآداب وستأتي كلها.
стр. 749
"فيه" أي كتاب الجمعة ثلاثة أبواب
الأول في شروط صحتها،
وهي ستةالأول: وقت الظهر (١) للاتباع (٢) رواه الشيخان وما روياه عن سلمة بن الأكوع من قوله "كنا نصلي مع النبي ﷺ الجمعة ثم ننصرف وليس للحيطان ظل نستظل به" (٣) محمول على شدة التعجيل بعد الزوال جمعا بين الأخبار على أن هذا الخبر إنما ينفي ظلا يستظل به لا أصل الظل "فلا تصلى" الجمعة ولا يفعل شيء منها ولا من خطبتيها "في غيره" أي غير وقت ظهر يومها ولو جاز تقديم الخطبة لقدمها ﷺ لتقع الصلاة أول الوقت "بل إن لم يسع" الوقت "الواجب من الخطبتين والركعتين أو شكوا في بقائه" (٤) قبل الإحرام بها "تعين الإحرام بالظهر" لفوات الشرط وحكى الروياني وجهين فيما لو مد الركعة الأولى حتى تحقق أنه لم يبق ما يسع الثانية هل تنقلب ظهرا الآن أو عند خروج الوقت (٥) ورجح منهما الأول ونظائره مما لو أحرم بصلاة وكانت مدة الخوف تنقضي فيها أو حلف ليأكلن هذا الرغيف غدا فأكله في اليوم هل يحنث؟ ونحوهما يقتضي ترجيح الثاني لكن يفرق بأن باب الجمعة أحوط من ذلك.
"وإن شرعوا" فيها "في الوقت وخرج" وهم فيها فاتت إذ لا يجوز الابتداء بها بعده فتنقطع بخروجه (٦) كالحج وإلحاقا للدوام بالابتداء (٧) كدار الإقامة
стр. 750
و "أتموها ظهرا" وجوبا كما صرح به الأصل وغيره (١) ومال الأذرعي إلى أنهم إن شاءوا أتموها ظهرا أو إن شاءوا قلبوها نفلا واستأنفوا الظهر "ولو لم يجده والنية" للظهر; لأنهما صلاتا وقت واحد فجاز بناء أطولهما على أقصرهما كصلاة الحضر مع السفر "ويسر الإمام" بالقراءة من حينئذ
"ولو شكوا في خروجه" (٢) في أثنائها "لم يؤثر" فيتمونها جمعة; لأن الأصل بقاؤه ولو أخبرهم عدل بخروجه. قال الدارمي قال ابن المرزبان يحتمل فوتها (٣) قال وعندي خلافه إلا أن يعلموا نقله في المجموع والأوجه فوتها عملا بخبر العدل كما في غالب أبواب الفقه ومنه ما يأتي في هذا الباب في الشرط الثالث "وإن سلموا" منها "هم أو المسبوق التسليمة الأولى خارج الوقت عالمين" بخروجه "بطلت" صلاتهم وتعذر بناء الظهر عليها; لأنهم بخروجه لزمهم الإتمام فسلامهم كالسلام في أثناء الظهر عمدا "ولو قلبوها" قبل السلام "نفلا" فإنها تبطل كما لو قلبت الظهر نفلا "أو" سلموا "جاهلين" بخروجه "أتموها ظهرا" لعذرهم فإن قلت لم لم يحط عن المسبوق الوقت فيما يتداركه
стр. 751
لكونه تابعا للقوم كما حط عنه القدوة والعدد لذلك كما سيأتي قلنا; لأن اعتناء الشرع برعايته أكثر بدليل اختلاف قول الشافعي (١) ﵁ في الانفضاض المخل بالجماعة وعدم اختلافه في فوات الجمعة بوقوع شيء من صلاة الإمام خارج الوقت.
"وإن سلم" الأولى "الإمام وتسعة وثلاثون في الوقت و" سلمها "الباقون خارجه صحت جمعة الإمام ومن معه فقط" أي دون المسلمين خارجه فلا تصح جمعتهم وكذا جمعة المسلمين فيه لو نقصوا عن أربعين كأن سلم الإمام فيه وسلم من معه أو بعضهم خارجه واستشكل بطلان صلاة الإمام في هذه مع وجود الشروط في حقه بما نقله الشيخان عن البيان من أنهم إذا كانوا محدثين دونه صحت له وحده مع عدم انعقاد صلاتهم وأجيب بأن سلام المحدثين وقع في الوقت فتمت فيه صورة الصلاة بخلاف ما إذا خرج الوقت قبل السلام ويجاب أيضا بأنه في هذه مقصر بتأخير الصلاة إلى خروج بعضها عن الوقت بخلافه في تلك فإن فرض أنه لم يقصر بل سلم في الوقت فأخروا إلى أن خرج الوقت احتمل أن يكون الحكم كذلك إلحاقا للفرد النادر (٢) بالأعم الأغلب واحتمل أن يلتزم فيها صحة جمعته، وهو أوجه وبأن المحدث تصح جمعته في الجملة بأن لم يجد ماء ولا ترابا بخلافها خارج الوقت
"الشرط الثاني دار الإقامة" (٣) ; لأنها لم تقم في عصره ﷺ والخلفاء بعده إلا فيها "فلا تصح" الجمعة "إلا في أبنية مجتمعة" في العرف، وإن لم تكن
стр. 752
في مسجد والتصريح بمجتمعة من زيادته وبه صرح في المجموع "فإن انهدمت (١) وأقاموا لعمارتها لم يضر" انهدامها في صحة الجمعة، وإن لم يكونوا في مظال; لأنها وطنهم ولا تنعقد في غير بناء إلا في هذه، وهذا بخلاف ما لو نزلوا مكانا وأقاموا فيه ليعمروه قرية لا تصح جمعتهم فيه قبل البناء استصحابا للأصل في الحالين "وسواء" في الأبنية "البلاد والقرى والأسراب التي تتوطن والبناء بالخشب وغيره" كطين وقصب وسعف والأسراب جمع سرب بفتح السين والراء بيت في الأرض "لا" في "خيام ينتقل أهلها" من محالها شتاء أو غيره فلا تصح جمعتهم فيها "وكذا إذا لم ينتقلوا" (٢) بل استوطنوها دائما; لأنه ﷺ لم يأمر المقيمين حول المدينة بها فإنهم على أهبة المستوفزين "ويجوز إقامتها في فضاء" معدود من الأبنية المجتمعة بحيث "لا تقصر فيه الصلاة" كما في السكن الخارج عنها المعدود منها المفهوم من كلامه كغيره بالأولى بخلاف غير المعدود منها فمن أطلق المنع في السكن الخارج عنها أراد به هذا والسبكي لما لم يظهر له أن كلامهم يفهم ذلك قال كذا أطلقوه ومعناه إذا لم يعد السكن من القرية فإن عد منها ولو منفصلا عنها فينبغي صحتها فيه ففي الأم أن المسافر لا يقصر حتى يجاوز بيوتها ولا يكون بين يديه بيت منفرد ولا متصل قال الأذرعي، وهو حسن وأكثر أهل القرى يؤخرون المسجد عن جدار القرية قليلا صيانة له عن نجاسة البهائم وعدم انعقاد الجمعة فيه بعيد وقول القاضي أبي الطيب قال أصحابنا لو
стр. 753
بنى أهل البلدة مسجدهم خارجها لم يجز لهم إقامة الجمعة فيه لانفصاله عن البنيان محمول على انفصال (١) لا يعد به من القرية. ا هـ.
"الشرط الثالث أن لا يتقدمها ولا يقارنها جمعة في البلد"; لأنه ﷺ والخلفاء بعده لم يقيموا سوى جمعة واحدة; ولأن الاقتصار على واحدة أفضى إلى المقصود من إظهار شعار الاجتماع واتفاق الكلمة "نعم إذا كثر الناس وعسر اجتماعهم (٢) في مسجد" أو نحوه "فالتعدد جائز للحاجة" (٣) بحسبها; لأن الشافعي ﵁ دخل بغداد وأهلها يقيمون بها جمعتين وقيل ثلاثا فلم ينكر عليهم فحمله الأكثر على عسر الاجتماع قال الروياني ولا يحتمل مذهب الشافعي غيره وقال الصيمري وبه أفتى المزني بمصر وظاهر النص منع التعدد مطلقا وعليه اقتصر الشيخ أبو حامد ومتابعوه قال السبكي، وهو بعيد ثم انتصر له (٤) وصنف فيه وقال إنه الصحيح مذهبا ودليلا ونقله عن أكثر العلماء وأنكر نسبة الأول للأكثر وأطنب في ذلك فالاحتياط إذا صلى جمعة ببلد تعددت فيه الجمعة ولم يعلم سبق جمعته أن يعيدها ظهرا. "و" على الأول "إذا لم يعسر" اجتماعهم في مكان "وصلوا جمعتين فالصحيحة هي السابقة" للأخرى بالإحرام "ولو بانتهاء تكبيرة الإمام" له (٥) ; لأن به يتبين الانعقاد "لا ابتدائها" فلا عبرة بالسبق به ولا بالخطبة ولا بالسلام بل بما قلنا "وإن كان السلطان مع الأخرى (٦) وإذا" دخلت طائفة في الجمعة ثم "أخبروا بأنهم مسبوقون" بغيرهم "أتموها ظهرا" كما لو خرج الوقت وهم فيه لو استأنفوا
стр. 754
الظهر "والاستئناف أفضل" ليصح ظهرهم بالاتفاق ونبه بقوله تكبيرة الإمام على أنها المعتبرة دون تكبيرة من خلفه حتى لو أحرم إمام الجمعة ثم إمام آخر بها ثم اقتدى به تسعة وثلاثون ثم بالأول مثلهم صحت جمعة الأول إذ بإحرامه تعينت جمعته للسبق وامتنع على غيره افتتاح جمعة أخرى وبذلك صرح في المجموع "، وإن اقترنتا" بأن أحرما معا "بطلتا" لتدافعهما وليست إحداهما أولى من الأخرى "وتستأنف الجمعة" إن وسع الوقت "وكذا" تستأنف لو لم يعلم السبق لاحتمال المعية قال الإمام وحكم الأئمة بأنهم إذا أعادوا الجمعة برئت ذمتهم مشكل لاحتمال تقدم إحداهما فلا تصح أخرى فاليقين أن يقيموا جمعة ثم ظهرا قال في المجموع: وما قاله مستحب وإلا فالجمعة كافية في البراءة كما قالوه; لأن الأصل عدم وقوع جمعة مجزئة في حق كل طائفة قال غيره; ولأن السبق إذا لم يعلم أو يظن لم يؤثر احتماله; لأن النظر إلى علم المكلف أو ظنه لا إلى نفس الأمر
"فإن علم" السبق معينا "ثم نسي لزمهم الظهر" لالتباس الصحيحة بالفاسدة "وكذا" يلزمهم الظهر لذلك "إن لم يتعين" سبق كأن سمع مريضان أو مسافران خارجا المسجدين تكبيرتين متلاحقتين وجهلا السابقة فأخبراهم بالحال وظاهر أن العدل الواحد كاف في ذلك
"الشرط الرابع العدد (١) فلا تنعقد بأقل من أربعين" (٢) منهم الإمام
стр. 755
لخبر كعب بن مالك (١) كان أول من جمع بنا في المدينة أسعد بن زرارة قبل مقدم النبي ﷺ في نقيع الخضمات وكنا أربعين" (٢) رواه البيهقي وغيره وصححوه وروى البيهقي عن ابن مسعود "أنه ﷺ جمع بالمدينة وكانوا أربعين رجلا" قال في المجموع قال أصحابنا وجه الدلالة أن الأمة أجمعوا على اشتراط العدد والأصل الظهر فلا تصح الجمعة إلا بعدد ثبت فيه توقيف وقد ثبت جوازها بأربعين وثبت "صلوا كما رأيتموني أصلي" (٣) ولم تثبت صلاته لها بأقل من ذلك فلا تجوز بأقل منه، وأما خبر انفضاضهم فلم يبق إلا اثنا عشر فليس فيه أنه ابتدأها باثني عشر بل يحتمل عودهم أو عود غيرهم مع سماعهم أركان الخطبة وفي مسلم انفضوا في الخطبة وفي رواية للبخاري انفضوا في الصلاة، وهي محمولة على الخطبة جمعا بين الأخبار فلا تنعقد إلا بأربعين ولو أميين في درجة "لا" بأربعين "وفيهم أمي" واحد أو أكثر "لارتباط" صحة "صلاة بعضهم ببعض" فصار كاقتداء القارئ بالأمي "نقله الأذرعي عن" فتاوى "البغوي"، وهو من زيادة المصنف وظاهر أن محله إذا قصر الأمي في التعلم وإلا فتصح الجمعة إن كان الإمام قارئا ومعلوم مما مر في صفة الأئمة أن الأميين إذا لم يكونوا في درجة لا يصح اقتداء بعضهم ببعض قال البغوي ولو جهلوا كلهم الخطبة لم تجز الجمعة بخلاف ما إذا جهلها بعضهم; لأنها تشترط لصحتها
"فرع يشترط حضور أربعين" من المسلمين "ذكورا مكلفين أحرارا متوطنين" ببلد الجمعة (٤) أي "لا يظعنون شتاء ولا صيفا إلا لحاجة"
стр. 756
كتجارة وزيارة فلا تنعقد بالكفار والنساء والخناثى وغير المكلفين ومن فيهم رق لنقصهم ولا بغير المتوطنين كمن أقام على عزم عوده (١) إلى بلده بعد مدة ولو طويلة كالمتفقهة والتجار لعدم التوطن ولا بالمتوطنين خارج بلد الجمعة، وإن سمعوا النداء لعدم الإقامة ببلدها ومن ثم اشترط تقدم إحرام من تنعقد بهم (٢)
стр. 757
لتصح لغيرهم; لأنه تبع قاله البغوي ونقله في الكفاية عن القاضي ولا ينافيه صحتها له إذا كان إماما فيها مع تقدم إحرامه; لأن تقدم إحرام الإمام ضروري فاغتفر فيه ما لا يغتفر في غيره قال الأصحاب الناس في الجمعة ستة أقسام من تلزمه وتنعقد به، وهو من ذكر ولا عذر له ومن لا تلزمه ولا تنعقد به ولا تصح منه، وهو من به جنون أو إغماء أو كفر أصلي أي ومن به سكر، وإن لزمه القضاء ومن لا تلزمه ولا تنعقد به وتصح منه. وهو من فيه رق والمسافر والمقيم خارج البلد إذا لم يسمع النداء والصبي والأنثى والخنثى ومن لا تلزمه وتنعقد به، وهو من له عذر من أعذارها غير السفر ومن تلزمه ولا تصح منه، وهو المرتد ومن تلزمه وتصح منه ولا تنعقد به، وهو المقيم غير المتوطن والمتوطن خارج بلدها إذا سمع نداءها ويشترط حضور الأربعين "في أركان الخطبتين و" في "الجمعة" للاتباع وقال تعالى ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ [لأعراف: من الآية ٢٠٤] فسره كثير بالخطبة واحتجوا بأنها ذكر واجب في الجمعة كتكبيرة الإحرام
"و" يشترط "أن يسمعوها" أي أركان الخطبتين وإن لم يفهموها كما سيأتي، وهذا الشرط معلوم مما سيأتي في شروط الخطبة "وإن انفضوا" كلهم أو بعضهم "في أثناء الخطبة أو بينها وبين الصلاة أو في الركعة الأولى ثم عادوا ولم يطل فصل" في العرف "بني" على فعله كما لو تذكر بعد السلام قريبا ترك ركن ومعلوم مما مر أنه لو فاتهم ركن قبل العود لزم إعادته لهم بعده "وإلا" أي، وإن فقد شيء من ذلك "استأنف" لعدم سماعهم الخطبة أو لتبين انفراد الإمام في الأولى بانفضاضهم في الثانية وإن قصر الفصل فيها أو لترك الولاء الذي فعله النبي ﷺ والأئمة بعده والتقييد بالركعة الأولى وبقصر الفصل فيها من زيادته، وهو محمول على انفضاضهم مع عودهم قبل الركوع فيها مع تمكنهم من الفاتحة; لأنه بعد ذلك مضر مطلقا; لأن العدد معتبر في جميع الصلاة كما صرح به الأصل وغيره لكن ما أفهمه كلامه من أن طول الفصل حينئذ مضر ليس كذلك أخذا من قوله "ولو تبطأ المأمومون" بالإحرام عقب إحرام الإمام "وأدركوا ركوع" الركعة "الأولى مع الفاتحة صحت" جمعتهم "وإلا فلا" لإدراكهم الركوع والفاتحة معه في الأول دون الثاني وسبقه في الأول بالتكبير
стр. 758
والقيام كما لو يمنع إدراكهم الركعة لا يمنع انعقاد الجمعة والترجيح فيه من زيادته وجرى عليه الإمام والغزالي كما سيأتي وبه جزم القفال مرة وصاحب الأنوار (١) وقال البغوي إنه المذهب والذي في الأصل (٢) قال القفال تصح والجويني يشترط قصر الفصل بين تحرمه وتحرمهم والإمام يمكنهم من إتمام الفاتحة وصححه الغزالي انتهى
وإن "أتم بهم الجمعة"; لأنهم إذا لحقوا والعدد تام (٣) صار حكمهم واحدا فسقط عنهم سماع الخطبة "أو" انفضوا "قبل إحرامهم" به "استأنف الخطبة بهم" فلا تصح الجمعة بدونها، وإن قصر الفصل لانتفاء سماعهم ولحوقهم "وإن أحرم بهم فانفضوا إلا تسعة وثلاثين" به "فكملوا" أربعين "بخنثى فإن أحرم" به "بعد انفضاضهم لم تصح جمعتهم" للشك في تمام العدد المعتبر "وإلا صحت"; لأنا حكمنا بانعقادها وصحتها وشككنا في نقص العدد بتقدير أنوثته والأصل صحة الصلاة فلا نبطلها بالشك كما لو شك في الصلاة هل كان مسح رأسه أم لا فإنه يمضي في صلاته، وهذا من زيادته وذكره الشيخ أبو الحسن السلمي في كتاب الخناثى، وهو مقيد لقول غيره فإن كمل به العدد ثم بان رجلا
стр. 759
لزمهم الإعادة في الأصح
"الشرط الخامس الجماعة (١) ولا" الأولى قول أصله فلا "تصح" الجمعة "بالعدد فرادى" إذ لم ينقل فعلها كذلك واعلم أنه لا يلزم من اشتراط كل من العدد والجماعة اشتراط الآخر لانفكاك كل منهما عن الآخر أما العدد فلأنه قد يحضر أربعون من غير جماعة، وأما الجماعة فلأنها الارتباط الحاصل بين صلاتي الإمام والمأموم، وهو لا يستدعي عدد الأربعين قاله الرافعي "ولا يشترط حضور السلطان" الجمعة ولا إذنه فيها كسائر العبادات لكن يستحب استئذانه فيها "ويستحب أن لا يطول فصل بين إحرام العدد المعتبر وبين إحرام الإمام" خروجا من الخلاف السابق، وهذا من زيادته
"وإن كان الإمام زائدا على الأربعين جاز أن يكون مسافرا وعبدا محرما بصبح ومقصورة" ورباعية تامة لتمام العدد المعتبر (٢) "وكذا" يجوز لذلك أن يكون "صبيا ومتنفلا ومجهول الحدث" بأن تبين بعد الصلاة حدثه ولا يمنع من ذلك في الأخيرة حدثه; لأن حدثه لا يمنع الجماعة ولا نيل فضلها "وإلا" أي، وإن لم يكن الإمام زائدا على الأربعين "فلا" يجوز ذلك لانتفاء تمام العدد المعتبر "ولو بان الأربعون" الذين اقتدوا به "أو بعضهم" وذكره من زيادته "محدثين (٣) فلا جمعة لأحد" ممن أحدث منهم لذلك وتصح جمعة الإمام فيهما كما صرح به الصيمري والمتولي والروياني والقمولي ونقله الشيخان عن صاحب البيان (٤) وأقراه; لأنه لم يكلف العلم بطهارتهم بخلاف ما لو بانوا عبيدا أو نساء لسهولة الاطلاع على حالهم أما المتطهر منهم في الثانية فتصح جمعته تبعا للإمام كما صرح به المتولي (٥) والقمولي وصرح المتولي أيضا بأن صحة
стр. 760
صلاتهما لا تختص بما إذا زاد الإمام على الأربعين، وهو ظاهر إذ لا فرق بين الحالين واستشكال صحة صلاة الإمام بأن العدد شرط ولهذا شرطناه في عكسه فكيف تصح للإمام مع فوات الشرط يرد بأنه لم يفت بل وجد في حقه واحتمل فيه حدثهم; لأنه متبوع ويصح إحرامه منفردا فاغتفر له مع عذره ما لا يغتفر في غيره وإنما صحت للمتطهر المؤتم به في الثانية تبعا له والمصنف تبع في أنه لا جمعة لأحد الإسنوي (١) التابع لابن الرفعة
"فرع، وإن أدرك المسبوق (٢) ركوع الإمام في ثانية الجمعة" واستمر معه إلى أن سلم "أتى بركعة بعد سلامه جهرا" كالإمام وذكر الجهر من زيادته وقد ذكره ابن الصباغ ونقله الروياني عن نص الشافعي "وتمت جمعته" (٣) قال ﷺ : "من أدرك من صلاة الجمعة ركعة فقد أدرك الصلاة" (٤) وقال: "من أدرك من الجمعة ركعة فليصل إليها أخرى" (٥) رواهما الحاكم وقال في كل منهما إسناده صحيح على شرط الشيخين قال في المجموع وقوله فليصل هو بضم الياء وفتح الصاد وتشديد اللام وتقييد المصنف ما ذكره بقوله "إن صحت جمعة
стр. 761
الإمام" (١) من زيادته أخذه من قول الأذرعي لو خرج الإمام منها قبل السلام فلا جمعة للمأموم وإليه يرشد قول الشيخ يعني النووي بعد سلام الإمام، وهذا إذا لم يدرك مع الإمام ركعة لقول الإسنوي إنه لا يتقيد بذلك بل إذا أدرك معه ركعة وأتى بأخرى أدرك الجمعة، وإن خرج منها الإمام كما أن حدثه لا يمنع صحتها لمن خلفه كما مر وقولهم بعد سلام الإمام جرى على الغالب لا يقال الركعة الأخيرة إنما تحصل بالسلام; لأنا نمنعه فقد قال في الأم ومن أدرك ركعة من الجمعة بنى عليها ركعة أخرى وأجزأته الجمعة وإدراك الركعة أن يدرك الرجل قبل أن يرفع رأسه من الركعة فيركع معه ويسجد انتهى.
"ومن فارق الإمام" وقد أدرك معه الأولى "في الثانية وأتمها جمعة أجزأه" ذلك كما لو أحدث الإمام في الثانية "وإن" أدرك "الركعة كاملة" مع الإمام "في" ركعة "زائدة سهوا فكمصل" صلاة "أصلية" من جمعة أو غيرها "خلف محدث" فتصح إن لم يكن عالما بزيادتها بخلاف ما لو بان إمامه كافرا أو امرأة; لأنهما ليسا أهلا للإمامة بحال "ولو أدركه" المسبوق "بعد الركوع" للثانية "أحرم بجمعة" موافقة للإمام; ولأن اليأس منها لا يحصل إلا بالسلام إذ قد يتذكر إمامه ترك ركن فيأتي بركعة فيدرك الجمعة واستشكل بأنه لو بقي عليه ركعة فقام الإمام إلى خامسة لا تجوز له متابعته حملا على أنه تذكر ترك ركن ويجاب عنه بأن ما هنا محمول على ما إذا علم أنه ترك ركنا فقام ليأتي به فيتابعه وقوله "ندبا" (٢) من زيادته أي أحرم بالجمعة ندبا وعبارة الأنوار
стр. 762
جوازا وعبارة الأصل تقتضي الوجوب، وهو المعتمد الموافق لما يأتي في مسألة الزحام وآخر الباب الثاني "وأتمها ظهرا" سواء أكان عالما بالحال أم لا "وإن شك مدرك الركعة الثانية" مع الإمام "قبل السلام" أي سلام الإمام "هل سجد مع الإمام" أم لا "سجد وأتمها جمعة" لإدراكه معه ركعة "أو" شك في ذلك "بعد السلام أتمها ظهرا" وفاتته الجمعة لانتفاء ذلك فعلم من ذلك ما صرح به الأصل أنه لو أتى بركعته الثانية وعلم في تشهده ترك سجدة منها سجدها ثم تشهد وسجد للسهو، وهو مدرك للجمعة، وإن علمها من الأولى أو شك فاتت الجمعة وحصلت ركعة من الظهر.
"فصل، وإن بطلت" صلاة "للإمام أو أبطلها عمدا جمعة كانت أو غيرها بحدث أو غيره فاستخلف هو أو المأمومون قبل إتيانهم بركن" شخصا "صالحا للإمامة" بهم "مقتديا به قبل حدثه" ولو صبيا أو متنفلا "جاز"; لأن الصلاة بإمامين بالتعاقب جائزة كما أن أبا بكر كان إماما فدخل النبي ﷺ فاقتدى به أبو بكر والناس (١) وإذا جاز هذا فيمن لم تبطل صلاته ففيمن بطلت بالأولى لضرورته إلى الخروج منها واحتياجهم إلى إمام وصرح بقوله أو أبطلها عمدا مع دخوله فيما قبله إشارة لخلاف أبي حنيفة فيه إذ عنده أنه إذا تعمد الحدث بطلت صلاة القوم أيضا وخرج بالصالح غيره كالمرأة والخنثى لغير النساء، وهو معلوم مما مر في الجماعة "، وإن كان" الصالح "مسبوقا" فإنه يجوز استخلافه "إن عرف نظم صلاة الإمام ليجري عليه" أي على نظمها فيفعل ما كان يفعله; لأنه بالاقتداء به التزم ترتيب صلاته "فيقنت لهم الخليفة المسبوق في الصبح". ولو كان هو يصلي الظهر ويترك القنوت في الظهر ولو كان هو
стр. 763
يصلي الصبح "ويتشهد ويسجد بهم لسهو الإمام" الحاصل "قبل اقتدائه" به "وبعده" أما إذا لم يعرف نظم صلاة الإمام فلا يجوز استخلافه على ما أفهمه كلامه وأفتى به القاضي وقال في الروضة إنه أرجح القولين دليلا وفي المجموع إنه أقيسهما لكنه نقل فيهما الجواز (١) عن أبي علي السنجي وصححه في التحقيق قال في المجموع ونقله ابن المنذر عن نص الشافعي ونقله في المهمات عن جزم الصيمري أيضا وقال إنه الصحيح (٢) وعليه فيراقب القوم بعد الركعة فإن هموا بالقيام قام وإلا قعد (٣) "ثم حين يقوم" لإتمام صلاته "لهم مفارقته" ويسلمون أو يستخلفون من تمت صلاته ليسلم بهم "و" لهم "انتظاره ليسلم بهم" قال في المجموع، وهو أفضل ولهم ذلك في كل صلاة "لا في جمعة خشوا" بانتظارهم "فوات وقتها" فلا ينتظرونه لما فيه من فوات الجمعة والتصريح بهذا من زيادته (٤)
"ويقنت لنفسه" في ثانيته "ويعيد السجود" في آخر صلاته "لسهو إمامه ويسجدون لسهوه" الحاصل "بعد الاستخلاف" بل بعد البطلان "لا قبله"
стр. 764
تبعا له فيهما وإنما لم يسجد هو لسهوه قبله لتحمل إمامه له "وسهوهم بين" استخلاف "الخليفة و" بطلان صلاة "الإمام غير محمول عنهم" بل يسجد له الساهي آخر صلاته
"ويجوز في غير الجمعة استخلاف غير المقتدي في الأولى والثالثة (١) من الرباعية" لموافقة نظم صلاته نظم صلاتهم "لا" في "غيرهما" (٢) من الثانية والأخيرة; لأنه يحتاج إلى القيام ويحتاجون إلى القعود وقضية التعليل أنه لو كان موافقا لهم كأن حضر جماعة في ثانية منفردا أو أخيرته فاقتدوا به فيها ثم بطلت صلاته فاستخلف موافقا لهم جاز (٣)، وهو ظاهر وإطلاقهم المنع جروا فيه على الغالب قال في المجموع: ويجوز استخلاف اثنين وأكثر (٤) يصلي كل بطائفة والأولى الاقتصار على واحد ولو بطلت صلاة الخليفة جاز استخلاف ثالث وهكذا وعلى الجميع مراعاة ترتيب صلاة الإمام الأصلي "وخليفة الجمعة، وهو المقتدي" بإمامها (٥) قبل بطلان صلاته "إن استخلف في" الركعة "الأولى (٦) أتمها جمعة ولو لم يحضر الخطبة"; لأنه بالاقتداء صار في حكم حاضرها; ولأنه قد سمعها أربعون غيره وسماعهم كسماعه "أو" استخلف "في الثانية ولم يدرك معه الأولى أتمها وحده ظهرا" (٧) ; لأنه لم يدرك معه ركعة (٨).
стр. 765
وإن أدرك ركعة من الجمعة في جماعة ويخالف المأموم; لأنه إمام لا يمكن جعله تابعا وفارق إتمامها جمعة في الأولى مع أنه لم يدركها معه كلها (١) ; لأنه ثم أدركه في وقت كانت جمعة القوم موقوفة على الإمام فكان أقوى من الإدراك في الثانية وجاز له فيها الاستخلاف، وإن كان فيه فعل الظهر قبل فوت الجمعة لعذره بالاستخلاف بإشارة الإمام قاله الرافعي وقد يؤخذ منه أنه إذا استخلفه القوم أو تقدم بنفسه لا يجوز ذلك لكن إطلاقهم يخالفه (٢) ويوجه بأن التقدم مطلوب في الجملة فيعذر به أما إذا أدرك معه الأولى فيتمها جمعة وعلم من كلامه أنه لا يشترط في جواز استخلافه في الثانية اقتداؤه به في الأولى، وهو كذلك "فلو دخل مسبوق" في الجمعة "واقتدى به" أي بالخليفة "فيها" أي في الثانية "معهم أتم الجمعة"; لأنه أدرك ركعة مع من يراعي نظم صلاة الإمام بخلاف الخليفة.
"فإن استخلف في الجمعة غير المقتدي" بإمامها "بطلت صلاته" إذ لا يجوز إنشاء جمعة بعد أخرى ولا فعل الظهر قبل فوات الجمعة (٣) ولا يرد المسبوق; لأنه تابع لا منشئ وإذا بطلت جمعة وظهرا بقيت نفلا كما اقتضاه كلام أصل الروضة والمجموع وعليه اختصر شيخنا أبو عبد الله الحجازي كلام الروضة وظاهر أن محله إذا كان جاهلا بالحكم "و" بطلت "صلاتهم إن اقتدوا به" مع علمهم ببطلان صلاته نعم إن كان ممن لا تلزمه الجمعة ونوى غيرها صحت صلاته وحيث صحت صلاته ولو نفلا واقتدوا به فإن كان في الأولى لم تصح ظهرا لعدم فوت الجمعة ولا جمعة; لأنهم لم يدركوا منها ركعة مع الإمام مع استغنائهم عن الاقتداء به بتقديم واحد منهم أو في الثانية أتموها جمعة
стр. 766
"فرع لو استخلف" الإمام واحدا (١) "واستخلفوا" أي المأمومون آخر "فمن عينوه" للاستخلاف "أولى" ممن عينه; لأن الحظ في ذلك لهم "ولو تقدم واحد بنفسه جاز" ومقدمهم أولى منه إلا أن يكون راتبا فظاهر أنه أولى من مقدمهم ومن مقدم الإمام ولو قدم الإمام واحدا وتقدم آخر كان مقدم الإمام أولى "فإن لم يتقدم أحد وهم في" الركعة "الأولى من الجمعة لزمهم أن يستخلفوا" فيها واحدا منهم لتدرك بها الجمعة "أو" وهم "في الثانية وأتموها جمعة فرادى جاز" فلا يلزمهم الاستخلاف لإدراكهم مع الإمام ركعة كالمسبوق ولا يشكل بالانفضاض فيها; لأن البطلان به لنقص العدد لا لفقد الجماعة فلو استخلف فيها قال الإمام فلهم أن يتابعوه ولهم أن ينفردوا ولو اقتدى بعضهم وانفرد بعضهم جاز وذكر البغوي نحوه
"ولا تشترط نية الاقتداء" من القوم "بالخليفة" لتنزيله منزلة الأول في دوام الجماعة وكلامه كالحاوي ومن تبعه يقتضي أن ذلك جاز فيمن قدمه الإمام (٢) ومن قدمه القوم ومن تقدم بنفسه وكلام الشيخين وغيرهما يقتضي اختصاصه بالأول وبه أخذ الأذرعي فقال في الثاني إنه يلزمهم تجديد نية الاقتداء به وفي الثالث الوجه أنه يلزمهم تجديدها ولم أر في ذلك نصا
"فرع" لو "أحدث بعد الخطبة أو فيها فاستخلف من سمعها" أي واحدا ممن سمع أركانها "لا غيره جاز" كما في الصلاة وإنما لم يجز في غير السامع; لأنه إنما يصير من أهل الجمعة إذا دخل في الصلاة كما مر والسماع هنا كالاقتداء ثم وفي قوله من سمعها تغليب; لأن من استخلف فيها لم يسمعها بل سمع بعضها وبالسماع عبر الأصحاب وقضيته حقيقة السماع وعبارة الشامل حضر وسمع الخطبة وقال السبكي بعد نقله كلامهم وما احتجوا به وإذا تأملت هذا ظهر لك أن الشرط هنا حقيقة السماع ولا يكفي الحضور بخلاف المسألة
стр. 767
المتقدمة يعني مسألة استخلاف الإمام في الصلاة من اقتدى به قبل حدثه لكن قال في المجموع تبعا للعمراني مراد الأصحاب هنا بالسماع الحضور (١)، وإن لم يسمع وجرى عليه البارزي وابن الوردي وألحقا به مسألة المبادرة الآتية ثم ما ذكره المصنف كأصله في الحدث في الخطبة مخالف لما سيأتي له تبعا (٢) لاختيار الروضة في نظيره من الإغماء فيها من منع الاستخلاف بل صححه في المجموع في المحل المشار إليه في الإغماء وفي الحدث نفسه لاختلال الوعظ بذلك، وهو، وإن أشبه ما مر من منع البناء على أذان غيره فالأول أقيس إلحاقا للخطبة بالصلاة وسيأتي لذلك مزيد إيضاح
"وكره" الاستخلاف بعد الخطبة أو فيها إن اتسع الوقت فيتطهر ويستأنف أو يبني بشرطه خروجا من خلاف منع الاستخلاف، وهذا من زيادته "ولو أراد المسبوقون" أو من صلاته أطول من صلاة الإمام "أن يستخلفوا" من يتم بهم "لم يجز إلا في غير الجمعة" (٣) إذ لا مانع في غيرها بخلافها لما مر أنه لا تنشأ جمعة بعد أخرى وكأنهم أرادوا بالإنشاء ما يعم الحقيقي والمجازي إذ ليس فيما إذا كان الخليفة منهم إنشاء جمعة وإنما فيه ما يشبهه صورة على أن بعضهم قال بالجواز في هذه لذلك وما ذكر من الجواز في غير الجمعة هو ما اقتضاه كلام الشيخين في الجماعة لكنهما صححا هنا المنع وعللاه بأن الجماعة حصلت وهم إذا أتموها فرادى نالوا فضلها والأول هو ما صححه في التحقيق هناك وكذا في المجموع وقال فيه اعتمده ولا نغتر بما في الانتصار من تصحيح المنع (٤)
стр. 768
على أن تعليل المنع بما ذكر لا ينافي الجواز إذ للاقتداء فوائد أخر كتحمل السهو وتحمل السورة في الصلاة الجهرية ونيل فضل الجماعة الكامل "ولو بادر أربعون سمعوا الخطبة" (١) أي أركانها "وأحرموا بها" أي بالجمعة "انعقدت بهم"; لأنهم من أهلها بخلاف غيرهم.
"فصل وإذا زحم" المأموم "عن السجود في" الركعة "الأولى من الجمعة وأمكنه أن يسجد بهيئة التنكيس على ظهر إنسان" أو قدمه أو بهيمة أو غيرها "فعل" ذلك لزوما لتمكنه من سجود يجزئه وقد روى البيهقي بإسناد صحيح عن عمر ﵁ قال إذا اشتد الزحام فليسجد أحدكم على ظهر أخيه (٢) أي ولو بغير إذنه للحاجة مع أن الأمر فيه يسير قاله في المطلب "فلو امتنع" من ذلك "فمتخلف بلا عذر" وقد مر حكمه "وإذا لم يمكنه" ذلك "لم تجز له المفارقة" (٣) ; لأن الخروج من الجمعة قصدا مع توقع إدراكها لا وجه له كذا
стр. 769
نقله الشيخان عن الإمام وأقراه، وهو بحث له (١) حكى وجها، وأما منقوله ومنقول غيره كالصيدلاني القاضي والبغوي والخوارزمي فالجواز للعذر ونقله القاضي عن نص الشافعي نبه على ذلك في المهمات "ولا الإيماء" لقدرته على السجود وندرة هذا العذر وعدم دوامه. ويسن للإمام تطويل القراءة ليلحقه "فإن وجد فرجة" يتمكن من السجود فيها "فسجد وأدركه قائما قرأ قراءة المسبوق" إن كان مثله وإلا فقراءة الموافق "أو" أدركه "راكعا تابعه" في الركوع "وسقطت" عنه "القراءة" كالمسبوق "أو بعد الركوع تابعه" فيما هو فيه "وأتى بركعة بعد سلامه" لفواتها كالمسبوق "فإن سلم الإمام قبل تمام سجوده فاتته" الجمعة; لأنه لم تتم له ركعة قبل سلام الإمام فيتمها ظهرا بخلاف ما إذا رفع رأسه من السجود فسلم الإمام فيتمها جمعة "وإن ركع الإمام" في الثانية "قبل سجوده فلا يسجد بل يركع ويسجد معه" لخبر "وإذا ركع فاركعوا" (٢) "وفرضه الركوع الأول"; لأنه أتى به وقت الاعتداد بالركوع والثاني للمتابعة "فتكون الركعة ملفقة" من ركوع الأولى وسجود الثانية "وتجزئ" في إدراك الجمعة لخبر "من أدرك من الجمعة ركعة" (٣) السابق والتلفيق ليس بنقص في المعذور. "فإن لم يركع" معه "واشتغل بترتيب" صلاة "نفسه عامدا" عالما بأن واجبه المتابعة "بطلت صلاته" لتلاعبه "فإن أمكنه الإحرام بالجمعة لزمه" عبارة الأصل ويلزمه (٤) الإحرام بها إن أدرك الإمام في
стр. 770
الركوع فعدل عنها المصنف إلى ما قاله لقول الإسنوي إنها غير مستقيمة بل يلزمه ذلك ما لم يسلم الإمام إذ يحتمل أن الإمام قد نسي القراءة مثلا فيعود إليها "أو" اشتغل بذلك "جاهلا" أو ناسيا "لم يعتد بسجوده" لمخالفته به الإمام ولا تبطل به صلاته لعذره "فإن أدركه" بعد سجوده "في الركوع لزمه متابعته" فإن تابع فكما لو لم يسجد "وإن أدركه في السجود سجد معه" وحسب وتكون ركعته ملفقة ويدرك بها الجمعة "أو في التشهد تابعه وسجد بعد سلامه ولا جمعة له"; لأنه لم يدرك مع الإمام ركعة فيتمها ظهرا كما لو وجده قد سلم. "وإن" لم يتابعه فيما ذكر بل "مضى على ترتيب" صلاة "نفسه" بأن قام بعد السجود وقرأ وركع ورفع وسجد "لغا" ولا تبطل به صلاته لما مر "وعليه بعد سلام الإمام أن يتم الركعة بسجدتين ويتمها ظهرا" لما مر، وهذا ما قال في الأصل إنه مفهوم كلام الأكثرين ونقله في المجموع عن الجمهور ونقل الأصل عن الصيدلاني والإمام والغزالي إنه يحسب له السجود الثاني (١) فتكمل به الركعة وبه جزم في المنهاج (٢) وقال في المحرر إنه المنقول وبحث فيه في شرحيه بأنه إذا لم يحسب سجوده والإمام راكع لكون فرضه المتابعة وجب أن لا يحسب والإمام في ركن بعد الركوع وأجاب عنه السبكي (٣) والإسنوي بأنا إنما لم نحسب له سجوده (٤) والإمام راكع لإمكان متابعته بعد ذلك فيدرك الركعة بخلاف ما بعده فلو لم نحسبه له لفاتته الركعة ويكون ذلك عذرا في عدم
стр. 771
المتابعة وفي كلامهم شواهد لذلك (١) ولعله اعتمد في المجموع على ما في الروضة من أنه المفهوم من كلامهم لا أنهم صرحوا به قال السبكي فثبت أن ما في المنهاج هو الأصح من جهة الفقه وقال الإسنوي إنه المتجه قالا وصورة المسألة أن يستمر سهوه أو جهله إلى إتيانه بالسجود الثاني وإلا فعلى المفهوم من كلام الأكثرين تجب متابعة الإمام فيما هو فيه أي فإن أدرك معه السجود تمت ركعته.
"فرع فإن لم يتمكن" أي المزحوم من السجود "حتى سجد الإمام في" الركعة "الثانية سجد معه وحصلت له ركعة ملفقة" من ركوع الأولى وسجود الثانية فإن لم يتمكن إلا في السجدة الثانية سجد معه فيها ثم يحتمل أن يسجد الأخرى (٢) ; لأنهما كركن واحد وأن يجلس معه فإذا سلم بنى على صلاته ذكرهما الزركشي ثم قال والمتجه أنه ينتظره ساجدا حتى يسلم فيبني على صلاته; لأن الاحتمال الأول يؤدي إلى المخالفة والثاني إلى تطويل الركن القصير وأيده بما قدمته عن القاضي والبغوي أوائل صفة الأئمة وقدمت ثم إن المختار (٣) جواز تطويل الركن القصير في مثل ذلك وقد جوز الدارمي وغيره للمنفرد أن يقتدي في اعتداله بغيره قبل ركوعه ويتابعه
"فإن لم يتمكن" من السجود "حتى تشهد الإمام" سجد "فإن فرغ من السجود ولو بالرفع" منه "قبل سلامه" أي الإمام "وإن لم يعتدل حصلت له ركعة وأدرك الجمعة وإن رفع" منه "بعد سلامه فاتته" الجمعة "فيتمها
стр. 772
ظهرا" كذا نقله الرافعي عن التتمة وجزم به النووي وليس على وجهه فإنه إنما ذكره في التتمة تفريعا على القول بأنه يجري على ترتيب نفسه، وأما على القول بأنه يتابعه فلا يسجد بل يجلس معه ثم بعد سلامه يسجد سجدتين ويتمها ظهرا نبه على ذلك الأذرعي (١) وغيره "أما من أدرك معه الركعة الأولى وزحم عن السجود في الثانية فيتدارك" ما فاته "قبل السلام وبعده" بحسب إمكانه وتتم جمعته "فإن كان مسبوقا بالأولى" بأن لحقه في الثانية وزحم فيها "ولم يتدارك" السجود "قبل السلام" من الإمام "فاتته الجمعة"; لأنه لم يدرك معه ركعة "وسهوه في" حال "التخلف" عنه للزحمة "محمول" عنه; لأنه مقتد به حكما والتصريح بهذا هنا من زيادته "وإن زحم عن الركوع" في الأولى "ولم يتمكن" منه "إلا حال ركوع الثانية" ركع معه و "حسبت" أي الثانية "له غير ملفقة" لسقوط الأولى
"فرع ليست الجمعة ظهرا مقصورا"، وإن كان وقتها وتتدارك به "بل صلاة على حيالها" أي مستقلة; لأنه لا يغني عنها ولقول عمر ﵁ الجمعة ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم ﷺ وقد خاب من افترى" (٢) رواه الإمام أحمد وغيره وقال في المجموع إنه حسن "فإن عرض فيها ما يمنع وقوعها جمعة انقلبت ظهرا، وإن لم يقصد قلبها"; لأنهما فرض وقت واحد فتصح الظهر بنية الجمعة
"فرع التخلف لنسيان ومرض كالزحام" أي كالتخلف للعذر "و غير الجمعة في الزحام" ونحوه "كالجمعة" وإنما ذكروه فيها; لأنه فيها أكثر ولاختصاصها بأمور أخر (٣) كالتردد في حصولها بالركعة المطلقة والقدوة الحكمية
стр. 773
وفي بناء الظهر عليها عند تعذر إقامتها
"الشرط السادس تقديم خطبتين قبل الجمعة" للاتباع مع خبر "صلوا كما رأيتموني أصلي" بخلاف العيد فإن خطبتيه مؤخرتان للاتباع; ولأن خطبة الجمعة شرط والشرط مقدم على مشروطه; ولأن الجمعة إنما تؤدى جماعة فأخرت ليدركها المتأخر (١)، وهذا الشرط ذكره أيضا كأصله بعد من شروط الخطبة وما هنا أولى وعليه اقتصر في المنهاج كأصله.
"وأركان الخطبة" الشاملة للخطبتين "خمسة الأول حمد الله" تعالى للاتباع رواه مسلم "ويتعين لفظ "الله" "وحمده"" للاتباع وككلمتي التكبير كالحمد لله أو أحمد الله أو نحمد الله أو حمد الله ولله الحمد فخرج الحمد للرحمن والشكر لله ونحوهما
"الثاني الصلاة على النبي (٢) ﷺ "; لأن كل عبادة افتقرت إلى ذكر الله تعالى افتقرت إلى ذكر نبيه ﷺ كالأذان والصلاة "ويتعين صيغة صلاة" عليه كاللهم صل على محمد أو أصلي أو نصلي على محمد أو أحمد أو الرسول أو النبي أو الماحي أو العاقب أو الحاشر أو المبشر أو النذير فخرج رحم الله محمدا وصلى الله عليه وصلى الله على جبريل ونحوها
"الثالث الوصية بالتقوى" للاتباع رواه مسلم; ولأن معظم مقصود الخطبة الوصية "ولا يتعين لفظها" أي الوصية بالتقوى; لأن غرضها الوعظ، وهو حاصل بغير لفظها كأطيعوا الله كما سيأتي "وكل من ذلك" أي مما ذكر من الأركان الثلاثة "واجب في الخطبتين" أي في كل منهما لاتباع السلف والخلف. "ولا يكفي الاقتصار" في الوصية "على تحذير من غرور الدنيا" وزخرفها فقد يتواصى به منكرو المعاد "إلا بالحمل" الأولى بل لا بد من الحمل
стр. 774
"على الطاعة"، وهو مستلزم للحمل على المنع من المعصية الذي صرح به أصله فلم يحتج إلى التصريح به "ولو قال أطيعوا الله أو اتقوا الله كفى" لحصول الغرض والتصريح بقوله أو اتقوا الله من زيادته "الرابع الدعاء للمؤمنين بأخروي في" الخطبة "الثانية" لاتباع السلف والخلف; ولأن الدعاء يليق بالخواتم والمراد بالمؤمنين الجنس الشامل للمؤمنات وبهما عبر في الوسيط (١) وفي التنزيل: ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم: من الآية ١٢]
"وإن خص" بالدعاء "السامعين فقال رحمكم الله" أو يرحمكم الله "كفى" فيكفي فيه ما يقع عليه اسم الدعاء "الخامس قراءة آية" للاتباع رواه الشيخان سواء أكانت وعدا لهم أم وعيدا أم حكما أم قصة. قال في الأصل قال الإمام ولا يبعد الاكتفاء بشطر آية طويلة (٢) قال في المجموع والمشهور الجزم باشتراط آية، وهو ما أفهمه - كلام المصنف "مفهمة" لا كثم نظر أو ثم عبس "ولو في أحديهما"; لأن الثابت القراءة في الخطبة دون تعيين قال في المجموع ويسن جعلها في الأولى
стр. 775
"ويستحب قراءة ق في الخطبة الأولى" للاتباع رواه مسلم ولاشتمالها على أنواع المواعظ قال البندنيجي فإن أبى قرأ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً﴾ [الأحزاب: ٧٠] الآية قال الأذرعي وتكون القراءة بعد فراغ الأولى قال وفي استحباب المواظبة على قراءة ق شيء; لأنه ﷺ إنما قرأها أحيانا لاقتضاء الحال ذلك أو لعلمه برضا الحاضرين أو لعدم اشتغالهم وأجاب الزركشي بأن في مسلم أنه ﷺ كان يقرؤها في خطبته كل جمعة قال النووي فيه دليل على استحباب قراءة ق أو بعضها في خطبته كل جمعة، وأما اشتراط رضا الحاضرين فلا وجه له كما لم يشترطوه في قراءة الجمعة والمنافقين في الصلاة، وإن كانت السنة التخفيف
"ولو قرأ آية سجدة نزل وسجد" إن لم تكن فيه كلفة "فإن خشي من ذلك طول فصل سجد مكانه إن أمكن" وإلا تركه "ولا يجزئ آيات تشتمل على الأركان كلها"; لأن ذلك لا يسمى خطبة واستشكل هذا بأنه ليس لنا آية تشتمل على الصلاة منا على النبي ﷺ "وإن أتى ببعضها ضمن آية" كقوله ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (١) [فاطر: من الآية ١] ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ﴾ [النساء: من الآية ١] "لم يمتنع وأجزأه" ذلك "عنه" أي عن البعض دون القراءة لئلا يتداخلا "، وإن قصدهما" بآية "لم يجزه" ذلك "عنهما" بل عن القراءة فقط كما صرح به في المجموع والتصريح بقوله وأجزأه عنه وبقوله عنهما من زيادته
"فائدة" ذكرها القمولي اختلف السلف في جواز تضمين شيء من آي القرآن لغيره من الخطب والرسائل ونحوهما فكرهه جماعة; لأنه استعمال له في غير موضعه كقول بعض الأمراء وقد أهدى له بعض الملوك هدية ﴿بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾ [النمل: من الآية ٣٦] فقال له الرسول ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ﴾ [النمل: من الآية ٣٧] الآية ورخص بعضهم فيه في الخطب والمواعظ وقد أكثر من استعماله جماعة منهم ابن نباتة وابن الجوزي