والغاشية.
"فرع يكره" لكل أحد "تخطي الرقاب" "لأنه ﷺ رأى رجلا يتخطى (١) رقاب الناس فقال له "اجلس فقد آذيت وأنيت أي تأخرت" (٢) رواه ابن حبان والحاكم وصححاه "إلا للإمام" (٣) إذا لم يبلغ المنبر أو المحراب إلا بالتخطي فلا يكره لاضطراره إليه "ومن لم يجد فرجة" بأن لم يبلغها "إلا بتخطي صف أو صفين" فلا يكره، وإن وجد غيرها لتقصير القوم بإخلاء الفرجة لكن يستحب له إن وجد غيرها أن لا يتخطى وذكر الكراهة والتقييد بصف أو صفين من زيادته وعبر عنه الشافعي وكثير منهم النووي في مجموعه برجل أو
стр. 807
رجلين فالمراد كما في التوشيح (١) وغيره اثنان مطلقا فقد يحصل تخطيهما من صف واحد لازدحام فإن أراد في التخطي عليهما ورجا أن يتقدموا إلى الفرجة إذا أقيمت الصلاة كره لكثرة الأذى وحيث قلنا بالكراهة فهي كراهة تنزيه وبه صرح في المجموع ونقل الشيخ أبو حامد عن نص الشافعي أنها كراهة تحريم واختاره في الروضة في الشهادات للأخبار الصحيحة ويفارق إباحة التخطي حيث قيدت بما ذكر إباحة خرق الصفوف حيث لم تقيد بذلك كما مر في شروط الصلاة وصفة الأئمة بأن في ترك خرقها إدخالا للنقص على صلاته وصلاتهم بخلاف تخطي الرقاب فإنه إذا صبر تقدموا عند إقامة الصفوف وتسويتها للصلاة فإنه يندب للإمام أن يأمر بتسويتها كما فعل ﷺ .
"ويحرم أن يقيم أحدا" ليجلس مكانه لخبر الصحيحين "لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه ولكن يقول تفسحوا أو توسعوا فإن قام الجالس باختياره وأجلس غيره فلا كراهة في جلوس غيره" (٢)، وأما هو فإن انتقل إلى مكان أقرب إلى الإمام أو مثله لم يكره وإلا كره إن لم يكن عذر; لأن الإيثار بالقرب مكروه، وأما قوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الحشر: من الآية ٩] فالمراد الإيثار في حظوظ النفوس
"ويجوز أن يبعث من يقعد له" في مكان "ليقوم عنه" إذا جاء هو "وإذا فرش لأحد ثوب" أو نحوه "فله" أي فلغيره "تنحيته" والصلاة مكانه "لا الجلوس عليه" بغير رضا صاحبه "ولا يرفعه" بيده أو غيرها "فيضمنه" أي لئلا يدخل في ضمانه
"وليشتغل" ندبا من حضر "قبل الخطبة بالذكر والتلاوة والصلاة على النبي ﷺ " لينال ثوابها في هذا الوقت العظيم "ويكثر منها" أي من الصلاة
стр. 808
"عليه" ﷺ "في يومها وليلتها" لخبر "إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة فأكثروا علي من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة علي" (١) رواه أبو داود وغيره بأسانيد صحيحة وخبر "أكثروا علي من الصلاة ليلة الجمعة ويوم الجمعة فمن صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا" (٢) رواه البيهقي بإسناد جيد وأفهم قول المصنف من زيادته عليه أن الإكثار خاص بالصلاة على النبي ﷺ وبه صرح الرافعي والنووي في مجموعه وغيرهما. وعبارة الروضة محتملة لذلك ولشموله الذكر والتلاوة أيضا (٣)
"ويقرأ فيهما" أي في يومها وليلتها "سورة الكهف" (٤) لخبر "من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين" (٥) رواه الحاكم وصحح إسناده ولخبره "من قرأ سورة الكهف ليلة الجمعة أضاء له ما بينه وبين البيت العتيق" (٦) رواه الدارمي والبيهقي (٧) ويسن الإكثار من قراءتها فيهما نقله الأذرعي عن الشافعي والأصحاب قال وقراءتها نهارا آكد والحكمة في قراءتها يوم
стр. 809
الجمعة أن الله تعالى ذكر فيها أهوال يوم القيامة والجمعة تشبهها لما فيها من اجتماع الخلق; ولأن القيامة تقوم يوم الجمعة كما ثبت في صحيح مسلم (١)
"وليكثر في يومها من الدعاء ليصادف ساعة الإجابة" (٢) "; لأنه ﷺ ذكر يوم الجمعة فقال فيه ساعة إجابة لا يوافقها عبد مسلم، وهو قائم يصلي يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه وأشار بيده يقللها" رواه الشيخان (٣) وسقط في بعض الروايات قائم يصلي وفي رواية لمسلم، وهي ساعة خفيفة والمراد بالصلاة انتظارها وبالقيام الملازمة
"وأرجاها من جلوس الخطيب إلى آخر الصلاة" "; لأنه ﷺ قال هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضى الصلاة" رواه مسلم قال في المجموع، وأما خبر يوم الجمعة ثنتا عشرة ساعة فيه ساعة لا يوجد مسلم يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر" (٤) فيحتمل أن هذه الساعة منتقلة تكون يوما في وقت ويوما في آخر كما هو المختار في ليلة القدر وليس المراد أنها مستغرقة للوقت المذكور بل المراد أنها لا تخرج عنه; لأنها لحظة لطيفة لما مر
"ولا يصل صلاتها بصلاة ويكفي فصل" بينهما "بكلام أو تحول" أو نحوه; لأن معاوية أنكر على من صلى سنة الجمعة في مقامها وقال له إذا صليت الجمعة فلا تصلها بصلاة حتى تخرج أو تتكلم فإن "رسول الله ﷺ أمرنا بذلك أن لا نوصل صلاة بصلاة حتى نخرج أو نتكلم" رواه (٥) مسلم (٦)
стр. 810
"فرع يكره لمن" تجب "عليه الجمعة" ولمن يعقد معه أخذا مما يأتي "البيع ونحوه" من سائر العقود والصنائع وغيرها مما فيه تشاغل عن السعي إلى الجمعة "بعد الزوال" وقبل الأذان الآتي والجلوس للخطبة لدخول وقت الوجوب نعم ينبغي كما قال الإسنوي أن لا يكره في بلد يؤخرون فيها تأخيرا كثيرا كمكة لما فيه من الضرر "وبأذان" المؤذن أي بشروعه فيه أمام "الخطبة وقد جلس" الخطيب "لها يحرم" البيع ونحوه لآية إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة وقيس بالبيع نحوه وما اقتضاه كلامه كغيره من نفي الكراهة قبل الزوال ونفي التحريم بعده وقبل الأذان والجلوس محمول كما قال ابن الرفعة على من لم يلزمه السعي حينئذ (١) وإلا فيحرم ذلك (٢) "ولا يبطل"; لأن النهي لا يختص به فلم يمنع صحته كالصلاة في أرض مغصوبة وتقييد الأذان بكونه بين يدي الخطيب; لأنه الذي كان في عهده ﷺ كما مر فانصرف النداء في الآية إليه "فلو تبايع مقيم ومسافر" الأولى قوله أصله اثنان أحدهما فرضه الجمعة دون الآخر "أثما جميعا" (٣) لارتكاب الأول النهي وإعانة الثاني له عليه ونص عليه الشافعي في الأم وما نص عليه أيضا من أن الإثم خاص بالأول حمل على إثم التفويت أما إثم المعاونة فعلى الثاني قال الأذرعي وغيره ويستثنى من تحريم البيع ما لو احتاج إلى ماء طهارته أو ما يواري عورته (٤) أو ما يقوته عند
стр. 811
اضطراره "ولو باع، وهو سائر إليها أو في الجامع جاز"; لأن المقصود أن لا يتأخر عن السعي إلى الجمعة "لكن يكره البيع" ونحوه من العقود "في المسجد" (١) ; لأنه ينزه عن ذلك.
"فرع لا بأس بحضور العجائز" (٢) الجمعة بل يستحب لهن ذلك "بإذن الأزواج وليحترزن من الطيب والزينة" أي يكرهان لهن لخبر مسلم "إذا شهدت إحداكن المسجد فلا تمس طيبا" (٣) وخبر أبي داود بإسناد صحيح "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله ولكن ليخرجن وهن تفلات" (٤) بفتح التاء وكسر الفاء أي تاركات للطيب والزينة ولخوف المفسدة فإن لم يحترزن من الطيب أو الزينة كره لهن الحضور وخرج - - بالعجوز أي غير المشتهاة الشابة والمشتهاة فيكره لهما الحضور كما مر في صلاة الجماعة بزيادة وبالإذن ما إذا كان لها زوج ولم يأذن لها فيحرم حضورها مطلقا وفي معنى الزوج السيد
"ويكره تشبيك الأصابع والعبث حال الذهاب والانتظار للصلاة" وفي نسخة للصلوات ولو غير جمعة لخبر مسلم "إن أحدكم في صلاة ما كان يعمد إلى الصلاة" (٥) قال في المجموع ولا يخالف ما رواه البخاري وغيره "أنه ﷺ شبك أصابعه في المسجد بعد ما سلم من الصلاة عن ركعتين في قصة ذي اليدين
стр. 812
وشبك في غيره" (١) ; لأن الكراهة إنما هي في حق المصلي وقاصد الصلاة، وهذا كان منه ﷺ بعدها في اعتقاده "ومن قعد في مكان الإمام أو" في "طريق الناس أمر بالقيام وكذا من قعد مستقبلا وجوههم والمكان ضيق" عليهم بخلاف الواسع
"وللمستمع" للخطيب "أن يرفع صوته بالصلاة على النبي ﷺ " عبارة الروضة أن يصلي على النبي ﷺ ويرفع بها صوته "إن قرأ الخطيب ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ الآية" قال الأذرعي وليس المراد الرفع البليغ كما يفعله بعض العوام فإنه لا أصل له بل بدعة منكرة وقضية كلام المصنف كالروضة إن ما قاله مباح مستوي الطرفين; لأنه، وإن كان مطلوبا فالاستماع كذلك (٢) ولك أن تقول لا نسلم أنه مطلوب هنا لمنعه من الاستماع فالأولى تركه بل صرح القاضي أبو الطيب بكراهته; لأنه يقطع الاستماع
стр. 813
كتاب صلاة الخوف
أي كيفيتها من حيث إنه يحتمل في الصلاة عنده ما لا يحتمل فيها عند غيره كما يأتي بيانه وقد جاءت في الأخبار على ستة عشر نوعا اختار الشافعي منها الأنواع الثلاثة الأول الآتية في الكتاب وذكر معها الرابع الآتي وجاء به وبالثالث القرآن والأصل فيها قوله تعالى ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ [النساء: من الآية ١٠٢] الآية والأخبار الآتية مع خبر "صلوا كما رأيتموني أصلي" واستمرت الصحابة على فعلها بعده ﷺ وادعى المزني نسخها لتركه ﷺ لها يوم الخندق وأجابوا عنه بتأخر نزولها عنه; لأنها نزلت سنة ست والخندق كان سنة أربع وقيل خمس وتجوز في الحضر كالسفر خلافا لمالك
"وهي أربعة أنواع"; لأنه إن اشتد الخوف فالرابع أولا والعدو في جهة القبلة فالثاني أو في غيرها فالآخران "الأول صلاة بطن نخل" مكان من نجد بأرض غطفان أي صلاته ﷺ به رواها الشيخان "وهي أن يجعل الإمام الناس فرقتين يصلي بكل" منهما "مرة تحرس الأخرى" بأن تقف في وجه العدو "وتكون" الصلاة "الثانية للإمام نافلة" لسقوط فرضه بالأولى "وهذه" الصلاة، وإن جازت في غير المخوف فهنا "إذا كان العدو في غير جهة القبلة" أو فيها ودونهم حائل أخذا مما سيأتي "وكثر المسلمون" (١) وقل عدوهم "وخافوا مكرهم" كهجومهم في الصلاة "استحبت" وقولهم يسن للمفترض أن لا يقتدي بالمتنفل ليخرج من خلاف أبي حنيفة محله في الأمن (٢) أو في غير الصلاة المعادة (٣) وسواء أكانت ركعتين أم ثلاثا أم أربعا
стр. 814
"النوع الثاني صلاة عسفان" بضم العين قرية بقرب خليص بينها وبين مكة أربعة برد سميت به; لأن السيول تعسفها أي صلاته ﷺ بها رواها مسلم "وهي" وفي نسخة، وهو "أن يصفهم" الإمام "صفين" و "يقرأ ويركع" ويعتدل "بهم" جميعا "ثم يسجد بإحداهما ويحرس الآخر حتى يقوم الإمام" من سجوده "ثم يسجدون" أي الآخرون "ويلحقونه" في قيامه "و" يفعل "في" الركعة "الثانية كذلك" أي يقرأ ويركع ويعتدل بهم جميعا ثم يسجد بإحداهما ويحرس الآخر "لكن يحرس" فيها "من سجد معه أولا" إلى أن يجلس فيسجدون "ويتشهد ويسلم بهم جميعا ولا حراسة في الركوع" كما علم مما مر لتمكن الراكع فيه منها بخلاف الساجد
"ويشترط في هذا النوع كثرة المسلمين" لتسجد طائفة وتحرس أخرى "وكون العدو في" جهة "القبلة" ليتمكن الحارسون من رؤيتهم فيأمنوا كيدهم وكونهم "غير مستترين" عن المسلمين "بشيء" يمنع رؤيتهم وعبارته كغيره في هذا صادقة بأن يسجد الصف الأول في الركعة الأولى والثاني في الثانية وكل منهما فيها بمكانه أو تحول مكان الآخر وبعكس ذلك فهي أربع كيفيات (١) وكلها جائزة إذا لم تكثر أفعالهم في التحول والذي في خبر مسلم سجود الأول في الأولى والثاني في الثانية مع التحول فيها كما سيأتي "وله أن يرتبهم صفوفا" ثم يحرس صفان ولا يشترط أن يحرس جميع من في الصف كما أفاده بقوله "فإن حرس بعض كل صف بالمناوبة جاز وكذا لو حرست طائفة" واحدة "في الركعتين" لحصول الغرض بكل ذلك مع قيام العذر "و" لكن "المناوبة أفضل"; لأنها الثابتة في الخبر والتصريح بهذا من زيادته
"فرع لو تقدم الصف الثاني" الذي حرس أولا "في" الركعة "الثانية ليسجد وتأخر الأول" الذي سجد أولا ليحرس "ولم يمشوا" أي كل منهم "أكثر من خطوتين كان أفضل"; لأنه الثابت في خبر مسلم ولجمعه بين تقدم
стр. 815
الأفضل، وهو الأول بسجوده مع الإمام وجبر الثاني بتحوله مكان الأول وينفذ كل واحد بين رجلين فإن مشى أحد أكثر من خطوتين بطلت صلاته كما علم في محله
النوع "الثالث صلاة ذات الرقاع" أي صلاته ﷺ بها رواها الشيخان، وهي مكان من نجد بأرض غطفان سمي بها; لأن الصحابة لفوا بأرجلهم الخرق لما تقرحت وقيل باسم شجرة هناك وقيل باسم جبل فيه بياض وحمرة وسواد يقال له الرقاع وقيل لترقيع صلاتهم فيها "وهي أفضل من صلاة بطن نخل" (١) للخروج من خلاف اقتداء المفترض بالمتنفل (٢) ; ولأنها أخف وأعدل بين الفرقتين والتعليل بالأول لا ينافي ما مر قبيل النوع الثاني; لأن الكلام هنا في الأفضلية وثم في الاستحباب
"فإن كانت" صلاة القوم "ركعتين" كصبح ومقصورة "وقفت إحدى الفرقتين في وجه العدو وانحاز" الإمام "بالأخرى إلى حيث لا يبلغهم سهام العدو" فيفتتح بهم الصلاة "وليصل بهم ركعة ويفارقونه" بالنية "عند قيامه إلى الثانية" منتصبا أو عقب رفعه من السجود كما يأتي بيانه "ويبقونها لأنفسهم ويخرجون" منها بالسلام "إلى وجه العدو ويستحب للإمام تخفيف الأولى" لاشتغال قلوبهم بما هم فيه.
"و" يستحب "لهم" كلهم "تخفيف الثانية" (٣) التي انفردوا بها لئلا يطول الانتظار "ويجيء الآخرون" بعد ذهاب أولئك إلى وجه العدو "والإمام
стр. 816
قائم" في الثانية "ويطيل القراءة" ندبا إلى لحوقهم، وهذا مراد الأصل بتطويل القيام "ويصلي بهم الثانية وحين يجلس للتشهد يقومون ويتمون الثانية وهم غير منفردين" عنه بل مقتدون به حكما "فينتظرهم ليسلم بهم" وهذه الكيفية رواها سهل بن أبي حثمة "ولو لم يتمها" أي الثانية "المقتدون" به "في الركعة الأولى بل ذهبوا ووقفوا تجاه العدو سكوتا في الصلاة وجاءت الفرقة الأخرى فصلى بهم ركعة وحين سلم ذهبوا إلى وجه العدو وجاءت تلك" الفرقة "إلى مكانهم" أي مكان صلاتهم "وأتموها لأنفسهم وذهبوا إلى العدو وجاءت تلك إلى مكانهم وأتموها جاز" وهذه الكيفية رواها ابن عمر وجاز ذلك مع كثرة الأفعال بلا ضرورة لصحة الخبر فيه مع عدم المعارض; لأن إحدى الروايتين كانت في يوم والأخرى في يوم آخر ودعوى النسخ باطلة لاحتياجه لمعرفة التاريخ وتعذر الجمع وليس هنا واحد منهما واعترض البلقيني على هذه الرواية بأنه ليس في رواية أحد ممن رواها أن فرقة من الفرقتين جاءت إلى مكانها ثم أتمت صلاتها وإليه أشار النووي في مجموعه "والأولى" من الكيفيتين هي "المختارة" لسلامتها من كثرة المخالفة; ولأنها أحوط لأمر الحرب فإنها أخف على الفرقتين
"وهذا النوع" بكيفيتيه "حيث يكون العدو في غير القبلة أو" فيها لكن "حال دونهم حائل" يمنع رؤيتهم لو هجموا "وهذه الأنواع" الثلاثة من حيث الجماعة واتحاد الإمام "مستحبة لا واجبة فلو صلوا فرادى أو انفردت طائفة عن الإمام" أو صلى الإمام ببعضهم كل الصلاة وبالباقين غيره "جاز" لكن فاتت المنفرد فضيلة الجماعة والتصريح باستحباب الأنواع الثلاثة من زيادته والذي في الأصل وإقامة الصلاة على الوجه المذكور أي في الثالث بكيفيتيه كما صرح به في المجموع ليست عزيمة قال في المجموع بل مندوبة ليحصل لكل طائفة حظ من الجماعة والوقوف قبالة العدو وتختص الأولى بفضيلة إدراك تكبيرة الإحرام والثانية بفضيلة السلام مع الإمام
"فرع تفارقه" الفرقة "الأولى" في النوع الثالث "حين تنتصب معه في
стр. 817
الثانية ويجوز" أن تفارق "بعد الرفع من السجود" والأول أولى ليستمر عليهم حكم الجماعة حالة النهوض "ويقرأ الإمام" في قيامه "ويتشهد" في جلوسه "في الانتظار" للفرقة الثانية هنا وفيما يأتي ولغيرها فيما يأتي; لأنه لو لم يقرأ ولم يتشهد فأما أن يسكت أو يأتي بغير قراءة وتشهد وكل خلاف السنة فيقرأ الفاتحة وسورة طويلة "وبعد مجيئهم يقرأ" ندبا من السورة "قدر الفاتحة و" (١) قدر "سورة قصيرة" ليحصل لهم قراءتهما "ويركع بهم فإن لم ينتظرهم وأدركوه في الركوع أدركوها" أي الركعة "كالمسبوق ولو صلى" الإمام الكيفية "المختارة من هذا النوع في الأمن صحت صلاة الإمام" بناء على الأصح من أن الانتظار بغير عذر لا يضر "و" صلاة "الطائفة الأولى" بناء على الأصح من أن المفارقة بغير عذر لا تضر "لا" صلاة "الثانية إن لم تفارقه حال القيام" منهم لانفرادهم بركعة وهم في القدوة ولا خوف بخلاف ما إذا فارقته حال القيام "ولا تصح في الأمن صلاة المأمومين في الكيفية الأخرى" قطعا وتصح صلاة الإمام
"فرع إذا صلى بهم المغرب" وفرقهم فرقتين، وهو أولى لئلا يزيد الانتظار على المنقول، وهو الانتظاران "فالأفضل أن يصلي بالأولى ركعتين" وبالثانية ركعة; لأن السابقة أحق بالتفضيل; ولأن في عكسه المفضول بل المكروه كما في الأم تكليف الثانية تشهدا زائدا واللائق بالحال التخفيف "و" أن "ينتظر الثانية في القيام" للثالثة "لا" في "التشهد" الأول; لأن القيام محل التطويل بخلاف التشهد الأول; ولأنه في الثانية ينتظر قائما فكذا هنا وله أن يصلي بكل فرقة ركعة نظير ما يأتي
"فرع، وإن كانت رباعية" وفرقهم فرقتين، وهو أولى لما مر "صلى بكل فرقة ركعتين" و "يتشهد بكل" منهما وينتظر الثانية في قيام الثالثة أو جلوس التشهد "والانتظار في القيام" للثالثة "أفضل" منه في جلوس التشهد كما مر "فإن فرقهم أربع فرق"، وهو جائز ولو بلا حاجة كما اقتضاه كلامه كالمنهاج
стр. 818
وصرح به في المجموع "فصلى" الأولى صلى "بالأولى ركعة ثم فارقته" عقب الرفع من السجود أو بعد انتصابه، وهو أولى كما مر "وأتمت وجاءت الثانية، وهو قائم" ينتظرها و "صلى بها ركعة وأتمت وانتظر الإمام الثالثة قائما، وهو أفضل أو متشهدا وهكذا" يفعل مثل ما فعل في الأوليين "إلى الرابعة فينتظرها في" جلوس "التشهد" الأخير "ويسلم بها وصحت صلاة الجميع" بناء على الأصح من أن الزيادة على انتظارين والمفارقة بلا عذر جائزان "فإن صلى بفرقة ركعة وبالثانية ثلاثا أو عكس" بأن صلى بفرقة ثلاثا وبالثانية ركعة "كره" قال المتولي; لأن الشرع ورد بالتسوية بين الفرقتين "وسجد الإمام والطائفة الثانية سجود السهو" للمخالفة بالانتظار في غير محله بخلاف الأولى لمفارقتها قبل الانتظار المقتضي للسجود "قال صاحب الشامل، وهذا يدل (١) على أنه إذا فرقهم أربع فرق سجدوا" أي الإمام وغير الفرقة الأولى سجود السهو "أيضا للمخالفة" بما ذكر
"فرع تصلى الجمعة" جوازا "في الخوف" حيث وقع ببلد "كصلاة عسفان وكذات الرقاع"، وإن قلنا إن الانفضاض فيها في غير الخوف مؤثر للحاجة إلى ذلك ولارتقاب الإمام مجيء الثانية "لا" كصلاة "بطن نخل" إذ لا تقام جمعة بعد أخرى وإقامتها هنا كإقامتها في الأمن "لكن يشترط" في صلاتها كذات الرقاع "أن يسمعوا خطبته ولو" سمع منهم "أربعون" فأكثر "من كل فرقة" كفى بخلاف ما لو خطب بفرقة وصلى بأخرى "فإن حدث نقص في الأربعين السامعين في الركعة الأولى في الصلاة بطلت أو في الثانية فلا" (٢) للحاجة مع سبق انعقادها (٣)
стр. 819
قال الزركشي (١) وهل يجب على الإمام انتظار الثانية; لأن الجمعة واجبة عليهم وإذا سلم فوت عليهم الواجب الأقرب نعم (٢) ; لأن تفويت الواجب لا يجوز على نفسه (٣) فكذا على غيره وقد يقال هذا يقتضي أنه إذا أحس بداخل في ركوع الثانية في الأمن يلزمه انتظاره ويجاب بأن الداخل مقصر بتأخيره وبأنه لم يكن في نفع المصلين كالفرقة الثانية هنا وتجهر الطائفة الأولى في الركعة الثانية; لأنهم منفردون ولا تجهر الثانية في الثانية; لأنهم مقتدون ويأتي ذلك في كل صلاة جهرية
"فرع" لو لم تمكنه الجمعة فصلى بهم الظهر ثم أمكنته الجمعة قال الصيدلاني لم تجب عليهم لكن تجب على من لم يصل معهم ولو أعاد لم أكرهه يقدم غيره ليخرج من الخلاف حكاه العمراني
"فرع يتحمل الإمام في" الكيفية "المختارة من صلاة ذات الرقاع سهو المأمومين" غير من يأتي لوجود القدوة الحسية أو الحكمية "لا سهو الطائفة الأولى في الركعة الثانية" فلا يتحمله لانقطاع قدوتها بالمفارقة (٤) "وسهوه في الأولى يلحق الكل" فيسجدون في آخر صلاتهم وإن لم يسجد الإمام "و" سهوه "في الثانية لا يلحق الأولين" لمفارقتهم له قبل سهوه ويلحق الآخرين وسكت كأصله عن حكم ما لو فرقهم ثلاثا أو أربعا أو صلى بهم الكيفية الأخرى لوضوحه مما ذكر
стр. 820
"فرع حمل السلاح" (١) كسيف ورمح وقوس ونشاب "في هذه الصلوات" وفي نسخة الصلاة أي صلاة الخوف "مستحب" يكره تركه لمن لا عذر له من مرض أو أذى من مطر أو غيره احتياطا "لا واجب"; لأن وضعه لا يفسد الصلاة فلا يجب حمله كسائر ما لا يفسد تركه وقياسا على صلاة الأمن وحملوا قوله تعالى ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: من الآية ١٠٢] على الندب; لأن الغالب السلامة ومحل ذلك في غير ما ذكره في قوله "ويحرم متنجس وبيضة" مثلا "تمنع مباشرة الجبهة" لما في ذلك من إبطال الصلاة "ويكره رمح" مثلا "يؤذيهم" بأن يكون بوسطهم هذا إن خف به الأذى وإلا فيحرم (٢) قاله الأذرعي (٣)
"فإن تعرض" المصلي "للهلاك" ظاهرا "بتركه" أي بترك حمل السلاح "وجب حمله أو وضعه بين يديه" إن كان "بحيث يسهل تناوله" كسهولة تناوله، وهو محمول إذ لو لم يجب لكان ذلك استسلاما للكفار وسواء أكان ذلك مانعا من صحة الصلاة أم لا لكن في حالة المنع يتعين الوضع "ولم تبطل بإلقائه" أي بتركه "صلاته" وإن قلنا بوجوب حمله كالصلاة في الدار المغصوبة "والترس والدرع ليس" كل منهما "بسلاح" (٤) يسن حمله بل يكره لكونه ثقيلا يشغل عن الصلاة كالجعبة كما نقله في المجموع عن الشيخ أبي حامد والبندنيجي فلا ينافي ذلك إطلاق القول بأنهما من السلاح إذ ليس كل سلاح يسن حمله في الصلاة
"ويكره كون الفرقة" المصلية والتي في وجه العدو "في" صلاة "ذات الرقاع أقل من ثلاثة" لقوله تعالى ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ مع قوله ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ فذكرهم بلفظ الجمع وأقله
стр. 821
ثلاثة فأقل الطائفة هنا ثلاثة، وإن كان أقلها لغة وشرعا واحدا "ويجوز" إيقاع ذلك "بواحد" هذا تصريح بما فهم وقضية كلامه كالروضة أن الكراهة لا تأتي في صلاتي بطن نخل وعسفان والوجه التسوية بين الثلاث (١) لشمول الدليل لها ودعوى النووي في الروضة (٢) أن الشافعي في المختصر عنى التقييد بذات الرقاع ممنوعة يظهر ذلك لمن رأى كلام المختصر لا جرم لم يذكره في المجموع حيث قال قال الشافعي في مختصر المزني: وأكره أن يصلي بأقل من طائفة وأن يحرسه أقل من طائفة هذا نصه واتفق عليه أصحابنا انتهى
النوع "الرابع صلاة شدة الخوف فإن التحم القتال" ولم يتمكنوا من تركه "أو اشتد الخوف ولم يأمنوا أن يركبوهم" لو ولوا أو انقسموا "فليس لهم تأخير الصلاة" عن وقتها "بل يصلون ركبانا ومشاة" قال تعالى ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً﴾ [البقرة: من الآية ٢٣٩]
"ولهم ترك الاستقبال للعجز" أي عند العجز عنه بسبب العدو للضرورة وقال ابن عمر في تفسير الآية مستقبلي القبلة وغير مستقبليها قال نافع لا أراه إلا مرفوعا رواه البخاري بل قال الشافعي أن ابن عمر رواه عن النبي ﷺ فلا يجب على الماشي كالراكب الاستقبال حتى في التحرم والركوع والسجود ولا وضع جبهته على الأرض لما في تكليفه ذلك من تعرضه للهلاك بخلاف نظيره في الماشي المتنفل في السفر كما مر ولو أمكنه الاستقبال بترك القيام لركوبه ركب; لأن الاستقبال آكد بدليل النفل "لا تركه لجماح دابة طال" زمنه كما في الأمن بخلاف ما قصر زمنه "ويصح اقتداؤهم" أي اقتداء بعضهم ببعض "وإن اختلفت الجهة" أو تقدموا على الإمام (٣) كما صرح به ابن الرفعة وغيره للضرورة
стр. 822
"والجماعة أفضل من انفرادهم" كما في الأمن لعموم الأخبار في فضيلة الجماعة "فإن عجزوا عن الركوع والسجود أومئوا بهما" للضرورة "و" أتوا "بالسجود أخفض من الركوع" ليتميزا
"ويبطلها" أي الصلاة "الصياح" إذ لا ضرورة إليه بل السكوت أهيب (١) وكذا يبطلها النطق بلا صياح كما نص عليه في الأم "ولو احتاجوا إلى الضرب" ونحوه "الكثير" (٢) المتوالي "جاز" ولا تبطل به الصلاة بخلاف ما إذا لم يحتاجوا إليه أما القليل أو الكثير غير المتوالي فمحتمل في غير الخوف نفيه أولى
"فرع يلقي" وجوبا "سلاحا تنجس" بما لا يعفى عنه حذرا من بطلان الصلاة وفي الأصل أو يجعله في قرابه (٣) تحت ركابه إلى أن يفرغ منها وكان المصنف حذفه لقول الروياني الظاهر بطلانها به; لأنه كان يمكنه طرحه في الحال لكن هذا مدفوع بقول الإمام ويغتفر الحمل في هذه الساعة; لأن في طرحه تعريضا لإضاعة المال وبما قاله فارق ذلك بطلانها فيما لو وقع على ثوب المصلي نجاسة ولم ينحها في الحال "إلا إن اضطر" عبارة الأصل احتاج إلى إمساكه فيمسكه لخوف الهلاك "ويقضي" لندور عذره، وهذا ما نقله الأصل عن الإمام عن الأصحاب ثم منع لهم أعني الإمام ندوره وقال هو عام في حق المقاتل فأشبه المستحاضة وخرج المسألة على القولين فيمن صلى في موضع نجس وقال هذه أولى بنفي القضاء للقتال الذي احتمل له الاستدبار وغيره قال
стр. 823
الرافعي: فجعل الأقيس عدم القضاء والأشهر وجوبه واقتصر في المحرر على الأقيس وتبعه النووي في منهاجه معبرا عنه بالأظهر وقال في المجموع: قبل نقله كلام الإمام ظاهر كلام الأصحاب القطع بالوجوب قال في المهمات: وهو ما نص عليه الشافعي ونقله أيضا ابن الرفعة عن القاضي وحينئذ فالفتوى عليه انتهى
"فرع يصلى العيد" الأصغر والأكبر "والكسوف" للشمس والقمر "في شدة الخوف" صلاتها; لأنه يخاف فوتهما ويخطب لهما إن أمكن "لا الاستسقاء فإنه لا يفوت" ومن ذلك يؤخذ أنها تشرع (١) في غير ذلك أيضا كسنة الفريضة والتراويح وأنها لا تشرع في الفائتة بعذر (٢) إلا إذا خيف فوتها بالموت
"فرع ليس للعاصي بالقتال كالبغاة" وقطاع الطريق "صلاتها" أي صلاة شدة الخوف; لأن الرخص لا تناط بالمعاصي "بل" إنما تجوز صلاتها "لأهل العدل ومن دفع عن نفسه وماله وحرمه ونفس غيره" وماله وحرمه وضاق وقت الصلاة كما صرح به ابن الرفعة (٣) وغيره "ولا يصليها عاص بفرار" لما مر بخلاف من أبيح له الفرار كأن زاد العدو على ضعفنا وسيأتي
"ولا" يصليها "طالب" لعدو منهزم منه "خاف فوت العدو" لو صلى متمكنا; لأنه لم يخف فوت ما هو حاصل بل محصل والرخص لا تتجاوز محالها "إلا إن خشي كرتهم" عليه "أو كمينا" أو انقطاعه عن رفقته كما صرح به الجرجاني فله أن يصليها; لأنه خائف
"فرع لو هرب" قد ضاق وقت الصلاة "من نحو سيل لا محيص عنه
стр. 824
أو سبع" كذلك أو غريم لإعسار قام به ولم تكن له بينة (١) ولم يصدقه المستحق "أو مقتص يرجو بسكون غضبه" بالهرب "عفوه صلاها" أي صلاة شدة الخوف "ويؤخرها" أي ويؤخر المحرم صلاته وجوبا "لخوف فوات الوقوف" (٢) لو صلى متمكنا ويقف خلافا للرافعي; لأن قضاء الحج صعب بخلاف الصلاة وقد عهدنا تأخيرها بما هو أسهل من مشقة الحج كتأخيرها للجمع (٣) "ولا يصليها" أي صلاة شدة الخوف; لأنه محصل لا خائف "تنبيه" لو أمكنه مع التأخير إدراك ركعة فيتجه القطع بالجواز للضرورة ذكره الإسنوي وغيره بل صرح به القاضي
"فرع" لو "رأوا سوادا" (٤) كإبل فظنوه عدوا أو كثيرا بأن ظنوا أنه أكثر من ضعفنا فصلوا صلاة شدة الخوف "فبان غيره" أي غير عدو أو قليلا "أو" بان كما ظنوا وقد صلوها لكن بان "دونه حائل" كخندق أو نار أو ماء أو بان أن بقربهم حصنا يمكنهم التحصن به "أو شكوا في" شيء من "ذلك" وقد صلوها "قضوا" لتفريطهم بخطئهم أو شكهم كما لو أخطئوا أو شكوا في الطهارة ومسألة الشك من زيادته ونص عليها الشافعي في المختصر "وكذا" يقضون بما مر "لو صلوا صلاة عسفان" أو ذات الرقاع على رواية ابن عمر وكذا الفرقة الثانية فيها
стр. 825
على رواية سهل "لا غيرها" من صلاة بطن نخل وصلاة الفرقة الأولى في ذات الرقاع على رواية سهل كما في الأمن "إلا" الأولى ولا "إن بان" بعد صلاتهم صلاة شدة الخوف ما رأوه "عدوا" كما ظنوه ولا حائل ولا حصن "و" لكن "نيتهم الصلح ونحوه" كالتجارة فلا قضاء إذ لا تفريط منهم; لأن النية لا اطلاع عليها بخلاف الخطأ فيما مر فإنهم مفرطون في تأمله، وهذا من زيادته وذكره في المجموع وغيره "ولو صلى" متمكنا "على الأرض فحدث الخوف الملجئ" لركوبه "ركب وبنى، وإن" لم يلجئه بل "ركب احتياطا أعاد" صلاته وجوبا "وإن أمن" المصلي، وهو راكب "نزل" حالا وجوبا "وبنى" وفرق الشافعي بأن النزول أقل عملا من الركوب واعترض المزني بأن ذلك يختلف بالفروسية والخفة وأجاب عنه الأصحاب بأن الشافعي اعتبر غالب عادة الناس وألحق به النادر وبأنه اعتبر حال كل منفرد أو لا ريب أن نزول كل فارس أخف من ركوبه، وإن كان أثقل من ركوب آخر ويجاب أيضا بأنه في الأولى فعل شيئا مستغنى عنه وخرج عن هيئة الصلاة المعتادة وفي الثانية فعل واجبا ودخل في الهيئة المعتادة ثم أنه إنما يبني فيها "إن لم يستدبر في نزوله" القبلة وإلا فيلزمه الاستئناف "وكره انحرافه" عنها في نزوله يمنة ويسرة ولا تبطل به صلاته "فإن أخر النزول" عن الأمن "بطلت" لتركه الواجب
стр. 826
باب ما يجوز لبسه للمحارب وغيره وما لا يجوز
"يحرم على غير المرأة والصبي" من الرجل والخنثى "لبس الحرير" ولو قزا "وما أكثر منه" (١) لخبر الصحيحين عن حذيفة (٢) "لا تلبسوا الحرير
стр. 827
ولا الديباج" وخبر البخاري عنه أيضا (١) "نهانا رسول الله ﷺ عن لبس الحرير والديباج وأن نجلس عليه" (٢) ولخبر أبي داود بإسناد صحيح "أنه ﷺ أخذ في يمينه قطعة حرير وفي شماله قطعة ذهب وقال هذان حرام على ذكور أمتي حلال لإناثهم" (٣). قال الإمام وكان فيه مع معنى الخيلاء أنه ثوب رفاهية وزينة وإبداء زي يليق بالنساء دون شهامة الرجال قال الرافعي، وهو حسن لكنه لا يقتضي التحريم عند الشافعي ففي الأم ولا أكره لبس اللؤلؤ للرجل إلا للأدب فإنه من زي النساء لا للتحريم انتهى ويجاب بأن المقتضي للتحريم في كلام الإمام متعدد، وهو منتف في كلام الشافعي وألحقوا بالرجل الخنثى احتياطا وسيأتي حكم ما خرج بالقيود المذكورة "لا إن استويا" أي الحرير وغيره "وزنا" فيما ركب منهما أو كان غير الحرير أكثر كما فهم بالأولى فلا يحرم; لأنه لا يسمى ثوب حرير (٤) و الأصل الحل وفي أبي داود بإسناد صحيح عن ابن عباس "إنما نهى النبي ﷺ عن الثوب المصمت من الحرير فأما العلم وسدى الثوب فلا بأس به" (٥) والمصمت الخالص والعلم الطراز ونحوه
стр. 828
"ولا أثر للظهور" خلافا للقفال في قوله إن ظهر الحرير في المركب حرم، وإن قل وزنه، وإن استتر لم يحرم وإن كثر وزنه "ويجوز" لمن ذكر لبس الحرير "لحاجة" الأنسب بكلام أصله لضرورة (١) "كمفاجأة" أي بغتة "حرب تمنع" لشدتها "البحث عن غيره" يعني طلب غير الحرير ولبسه وعبارة الأصل إذا لم يجد غيره "ولدفع حر وبرد" شديدين الأنسب بكلام أصله حذف اللام أو إبدالها كافا "وحكة" إن آذاه غيره كما شرطه ابن الرفعة "وقل" للحاجة (٢) ولأنه ﷺ أرخص لعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام في لبس الحرير لحكة كانت بهما (٣) وفي رواية في السفر لحكة أو وجع كان بهما وأرخص لهما في غزاة لبسه للقمل رواها الشيخان (٤) والمعنى يقتضي عدم تقييد ذلك بالسفر وإن ذكره الراوي حكاية للواقعة
"و" يجوز "لمحارب لبس ديباج لا يقي غيره وقايته" للضرورة
стр. 829
والديباج بكسر الدال وفتحها فارسي معرب أصله ديباه بالهاء وجمعه دبايج ودبابيج
"فرع يجوز" لمن ذكر "تطريف معتاد به" أي جعل طرف ثوبه مسجفا بالحرير بقدر العادة لخبر مسلم (١) عن أسماء بنت أبي بكر "أنه ﷺ كان له جبة يلبسها لها لبنة من ديباج وفرجاها مكفوفان بالديباج" واللبنة بكسر اللام وسكون الباء رقعة في جيب القميص أي طوقه وفي رواية لأبي داود - بإسناد صحيح (٢) "كان له جبة مكفوفة الجيب والكمين والفرجين بالديباج" والمكفوف الذي جعل له كفة بضم الكاف أي سجاف أما ما جاوز العادة فيحرم وفرق بين ذلك وبين اعتبار أربع أصابع فيما يأتي بأن التطريف محل حاجة وقد تمس الحاجة للزيادة على الأربع بخلاف ما يأتي فإنه مجرد زينة فيتقيد بالأربع قال ابن عبد السلام وكالتطريف طرفا العمامة إذا كان كل منهما قدر شبر وفرق بين كل أربع أصابع بمقدار قلم من كتان أو قطن وفيما قاله وقفة (٣) إلا أن يقال تتبعت العادة في العمائم فوجدت كذلك
"و" يجوز "تطريز وترقيع" به "لا يجاوز" كل منهما "أربع أصابع" مضمومة دون ما يجاوزها لخبر ابن عباس السابق مع خبر مسلم عن عمر "نهى رسول الله ﷺ عن لبس الحرير إلا موضع أصبع أو أصبعين أو ثلاث أو أربع" (٤) وظاهر أن شرط جوازهما (٥) أن لا تكثر محالهما بحيث يزيد الحرير على غيره وزنا لكن نقل الزركشي وغيره عن الحليمي أنه لا يزيد على طرازين كل طراز على كم
стр. 830
وأن كل طراز لا يزيد على إصبعين ليكون مجموعهما أربع أصابع قال السبكي والتطريز جعل الطراز مركبا على الثوب أما المطرز بالإبرة فالأقرب أنه كالمنسوج (١) حتى يكون مع الثوب كالمركب من حرير وغيره لا كالطراز وقال الأذرعي الظاهر أنه كالطراز وجزم به المصنف في شرح الإرشاد
"و" يجوز "حشو جبة" أو نحوها "به"; لأن الحشو ليس ثوبا منسوجا لا يعد صاحبه لابس حرير وبهذا فارق ما سيأتي من تحريم البطانة والمراد من المذكورات جواز لبسها قال الإمام وظاهر كلام الأئمة أن من لبس ثوبا ظهارته وبطانته قطن وفي وسطه حرير منسوج جاز قال وفيه نظر وعبارة ابن عبد السلام في مختصر النهاية جاز على الظاهر من كلامهم (٢) وفيه احتمال انتهى
ويؤيد ظاهر كلامهم (٣) حل استعمال إناء الذهب والفضة المغشي بنحاس وحل الجلوس على الحرير بحائل
"و" يجوز "خياطة" للثوب به ولبسه ولا يجيء فيه تفصيل المضبب; لأن الحرير أهون من الأواني ولهذا حل للنساء دونها قال في المجموع ويحل منه خيط السبحة قال الزركشي و يقاس به (٤) ليقة الدواة قال الفوراني ويجوز منه كيس المصحف (٥) للرجل وأفتى النووي (٦) بأنه لا يجوز له كتابة الصداق في ثوب حرير إذ لا يجوز له استعماله قال ولا يغتر بكثرة من يراه ولا ينكره
стр. 831
وقول الإسنوي المتجه خلافه (١) كخياطة أثواب الحرير للنساء مردود بأن الخياطة لا استعمال فيها بخلاف الكتابة، وأما اتخاذ أثواب الحرير بلا لبس (٢) فأفتى ابن عبد السلام بأنه حرام لكن إثمه دون إثم اللبس
"لا تبطين" بأن جعل بطانة الجبة أو نحوها حريرا فيحرم لبسها "ولا نسج درع بقليل ذهب" فيحرم ما نسج به أو زر بإزراره أو خيط به لكثرة الخيلاء فيه بخلاف ما خيط بالحرير وخرج بالذهب الفضة فيجوز تحلية آلة الحرب بها كما سيأتي في الزكاة
"فرع افتراش الحرير والتستر به وسائر" وجوه "الاستعمال كلبسه" فتحرم على من ذكر والتقييد في بعض الأخبار السابقة باللبس والجلوس جرى على الغالب فيحرم ما عداهما كما دل عليه بقية الأخبار "وللمرأة افتراشه" كلبسه لما مر في خبر "حل لإناثهم" "فإن فرش رجل" أو خنثى "عليه غيره" (٣) قال في المطلب ولو خفيفا مهلهل النسج "جلس" عليه جوازا كما يجوز جلوسه على مخدة محشوة به وعلى نجاسة بينه وبينها حائل (٤) وعلله في المطلب بأنه لا يسمى في العرف مستعملا له
"ولولي صبي ولو مميزا إلباسه إياه وتزيينه بالحلي" من ذهب أو
стр. 832
فضة وبالمصبوغ والحرير ولو في غير يوم العيد إذ ليس له شهامة تنافي خنوثة ذلك; و لأنه غير مكلف وألحق به الغزالي في الإحياء المجنون (١) "وكالحرير" فيما ذكر "مزعفر ومعصفر" للأخبار الدالة على ذلك; و لأنه من زي النساء وقول الشافعي يحرم على الرجل المزعفر دون المعصفر (٢) قال البيهقي فيه الصواب تحريم المعصفر عليه أيضا للأخبار الصحيحة التي لو بلغت الشافعي لقال بها وقد أوصانا بالعمل بالحديث الصحيح ذكر ذلك في الروضة وغيرها ونقل الزركشي عن البيهقي عن الشافعي نصا ثم قال وفيه أن للشافعي نصا يوافق النهي وأن محل النهي عن المعصفر إذا صبغ بعد النسج لا قبله قال وعليه يحمل اختلاف الأحاديث في ذلك
"ولا يكره" لمن ذكر "مصبوغ بغيرهما" أي بغير الزعفران والعصفر المفهومين من المزعفر والمعصفر سواء الأحمر والأصفر والأخضر وغيرها فعلم جواز ذلك وأنه يجوز لبس الكتان والقطن والصوف والخز، وإن كانت نفيسة غالية الأثمان; لأن نفاستها بالصنعة وبه صرح في الروضة وتقدم في الجمعة ما يعلم منه أن محل عدم الكراهة فيما صبغ قبل النسج وظاهر كلام الأكثرين جواز المصبوغ بالورس لكن نقل الزركشي عن القاضي أبي الطيب وابن الصباغ إلحاقه بالمزعفر
"ويكره" للرجال وغيرهم "تزيين البيوت" حتى مشاهد العلماء والصلحاء "بالثياب" لخبر مسلم "إن الله يأمرنا أن نلبس الجدران واللبن" (٣)
"ويحرم" تزيينها "بالحرير والمصور" لعموم الأخبار الواردة فيها نعم يجوز ستر الكعبة بالحرير كما سيأتي في زكاة الذهب والفضة و كذا المساجد على ما أفتى به الغزالي وكلام ابن عبد السلام في فتاويه يميل إليه لكن الأصح كما قال ابن
стр. 833
العماد عدم الجواز (١) فيها، وهو ما يقتضيه كلام المصنف كأصله (٢) في باب زكاة الذهب والفضة
"فرع يحرم إلباس جلد الكلب والخنزير غيرهما" إذ لا يجوز الانتفاع بالخنزير في حياته بحال وكذا بالكلب إلا في أغراض مخصوصة فبعد موتهما أولى أما إلباسه لهما فجائز (٣) لمساواته لهما في التغليظ ومثلهما فيما ذكر المتولد من أحدهما مع غيره "إلا لخوف على نفس" أو عضو "من حر وبرد" شديدين "و" فجأة "حرب و" قد "عدم غيره" مما يقوم مقامه فيجوز ذلك للضرورة وتعبيره بنفس أولى من تعبيره في نسخة كأصله بنفسه
"ولا يحرم جلد الميتة" قبل الدبغ "وسائر الأعيان النجسة" غير ما مر "إلا على" بمعنى في "بدن آدمي وشعره" (٤) وثوبه كما ذكره الأصل هنا والمصنف
стр. 834
في الشهادات لما عليه من التعبد في اجتناب النجاسة لإقامة العبادة بخلاف غيره والتصريح بالشعر من زيادته "ولو" كان النجس "مشط عاج كاف" فإنه يحرم استعماله والتصريح بهذا من زيادته على الروضة أخذه من كلام الرافعي في الكلام على وصل الشعر ومن كلام الإسنوي هنا فإنه رد به قول النووي في مجموعه المشهور للأصحاب أن استعمال العاج في الرأس واللحية حيث لا رطوبة يكره ولا يحرم فقال وما قاله غريب ووهم عجيب فإن هذا التفصيل إنما ذكره الأصحاب في وضع الشيء في الإناء منه فالتبس عليه ذلك بالاستعمال في البدن انتهى. وما قاله هو الغريب والوهم العجيب فقد نص على التفصيل المذكور في المشط والإناء الشافعي في البويطي وجزم به جمع منهم القاضي أبو الطيب والشيخ أبو علي الطبري والماوردي وكأنهم استثنوا العاج لشدة جفافه مع ظهور رونقه وجلد الآدمي، وإن كان طاهرا يحرم استعماله إلا لضرورة
"وله لبس" ثوب "متنجس" (١) ; لأن نجاسته عارضة سهلة الإزالة ولا يخفى تقييده (٢) في غير الضرورة بما إذا لم تكن ثم رطوبة وقيده الأصل بغير الصلاة ونحوها فحذفه المصنف لقول الإسنوي ما فهم منه من تحريم لبسه في الصلاة ممنوع; لأن التحريم إنما هو لكونه مشتغلا بعبادة فاسدة كما لو صلى محدثا فإنه آثم بفعله الفاسد لا بتركه الوضوء "و" له مع الكراهة "تسميد أرضه" بأن يجعل فيها السماد أي السرجين للحاجة إليه فقوله "يزيل" إيضاح قال الأذرعي وينبغي استثناء زبل ما نجاسته مغلظة
"و" له أيضا مع الكراهة "استصباح بدهن نجس" (٣) كما له ذلك
стр. 835
بالمتنجس لأنه ﷺ سئل عن فارة وقعت في سمن فقال: "إن كان جامدا فألقوها وما حولها، وإن كان مائعا فاستصبحوا به أو فانتفعوا به" رواه الطحطاوي وقال رجاله ثقات ومحله "في غير المسجد" (١) أما فيه فلا لما فيه من تنجيسه كذا جزم به من زيادته تبعا للأذرعي والزركشي (٢) لكن ميل الإسنوي إلى الجواز حيث قال وإطلاقهم يقتضي الجواز وسببه قلة الدخان ويمكن حمل الأول على الكثير فيوافق الثاني وقال الأذرعي: في توسطه بناء على ما قاله والأشبه أن يلحق بالمسجد (٣) المنزل المؤجر والمعار ونحوهما إذا طال زمن الاستصباح فيه بحيث يعلق الدخان بالسقف أو الجدار "لا ودك كلب وخنزير" وفرع أحدهما فلا يجوز الاستصباح به لغلظ نجاسته، وهذا من زيادته وبه صرح الفوراني والعمراني (٤)
"ويعفى عما يصيبك من دخان المصباح" (٥) لقلته فلا يمنع الاستصباح بما مر قال في المجموع ويجوز طلي السفن بشحم الميتة واتخاذ صابون من الزيت النجس (٦) وإطعام الميتة للكلاب والطيور وإطعام الطعام المتنجس للدواب
"فرع يكره" بغير عذر "المشي في نعل واحدة" أو نحوها كخف واحد لخبر الصحيحين "لا يمشي أحدكم في النعل الواحدة لينعلهما جميعا أو ليخلعهما
стр. 836
جميعا" (١) وفي رواية لمسلم "إذا انقطع شسع نعل أحدكم فلا يمش في الأخرى حتى يصلحها" (٢) والمعنى فيه أن مشيه يختل بذلك وقيل لما فيه من ترك العدل بين الرجلين والعدل مأمور به وقيس بالنعل نحوها "وإن انتعل قائما" (٣) للنهي عنه رواه أبو داود بإسناد حسن (٤) قال الخطابي والمعنى فيه خوف انقلابه
"ويستحب أن يبدأ باليمين في اللبس" للنعل ونحوه "واليسار في الخلع" كما علم من باب الوضوء ويسن له إذا جلس أن يخلع نعليه ونحوهما وأن يجعلهما وراءه بجنبه إلا لعذر كخوف عليهما لخبر ابن عباس "من السنة إذا جلس الرجل أن يخلع نعليه فيجعلهما بجنبه" (٥) رواه أبو داود بإسناد حسن
"ويباح" بلا كراهة "خاتم حديد ونحاس ورصاص" بفتح الراء (٦) لخبر الصحيحين "التمس ولو خاتما من حديد" (٧)، وأما خبر "ما لي أرى عليك حلية أهل النار" (٨) فسيأتي أنه ضعيف
"ويسن للرجل خاتم الفضة" أي لبسه في خنصر يمينه وفي خنصر يساره
стр. 837
للاتباع رواه الشيخان "و" لبسه "في اليمين أفضل"; لأنه زينة واليمين أشرف "ويجوز" لبسه "فيهما" معا بفص وبدونه والتصريح بهذا من زيادته وجعل الفص في باطن الكف أفضل للأخبار الصحيحة فيه ويجوز نقشه وإن كان فيه ذكر الله تعالى ففي الصحيحين "كان نقش خاتمه ﷺ محمد رسول الله" (١) ولا كراهة فيه قال ابن الرفعة وينبغي (٢) أن ينقص الخاتم عن مثقال لخبر أبي داود "أنه ﷺ قال لرجل وجده لابس خاتم حديد ما لي أرى عليك حلية أهل النار فطرحه فقال رسول الله من أي شيء اتخذه قال من ورق ولا تبلغه مثقالا" (٣) انتهى والخبر ضعفه النووي في شرحي المهذب ومسلم فينبغي الضبط بما لا يعد إسرافا في العرف كما اقتضاه كلامهم وصرح به الخوارزمي وغيره في الخلخال وقال أفتيت بذلك
"ويكره لبس الثياب الخشنة لغير غرض شرعي" نقله النووي عن المتولي والروياني واختار في المجموع ما اقتضاه كلام غيرهما من الاقتصار على أنه خلاف السنة
"ويحرم" على الرجل "إطالة العذبة طولا فاحشا وإنزال الثوب ونحوه (٤) عن الكعبين للخيلاء ويكره" ذلك "لغيرها" لخبر البخاري "من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة" فقال أبو بكر يا رسول الله إن إزاري يسترخي إلا أن أتعاهده فقال له: "إنك لست ممن يفعله خيلاء" (٥) ولخبر الصحيحين "ما استفل من الكعبين من الإزار ففي النار" (٦) ولخبر
стр. 838
"الإسبال في الإزار والقميص والعمامة من جر شيئا خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة" (١) رواه أبو داود وغيره بإسناد صحيح على ما في المجموع وحسن على ما في الروضة والتصريح بالطول الفاحش في العذبة من زيادة المصنف وبه صرح في المجموع والسنة أن تكون بين الكتفين كما أفتى به النووي للاتباع رواه مسلم وسيأتي ويسن تقصير الكم "; لأن كمه ﷺ كان إلى الرسغ" رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن ويجوز لبس العمامة بإرسال طرفها وبدونه ولا كراهة في واحد منهما ولم يصح في النهي عن ترك إرساله شيء وصح في إرخائه خبر مسلم عن عمرو بن حريث قال "كأني أنظر إلى رسول الله ﷺ وعليه عمامة سوداء قد أرخى طرفها بين كتفيه" (٢) أما المرأة فيجوز لها إرسال الثوب على الأرض لخبر "من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة فقالت أم سلمة فكيف يصنع النساء بذيولهن قال يرخين شبرا قالت إذن تنكشف أقدامهن قال فيرخينه ذراعا لا يزدن عليه" (٣) رواه أبو داود والترمذي وقال حديث صحيح ذكر ذلك في المجموع والأوجه أن ابتداء الذراع من الحد المستحب للرجال، وهو أنصاف الساقين لا من الكعبين ولا من أول ما يمس الأرض قال الزركشي وينبغي طي الثياب فقد روى الطبراني بأسانيد ضعاف خبر "اطووا ثيابكم ترجع إليها أرواحها فإن الشيطان إذا وجد الثوب مطويا لم يلبسه وإذا وجده منشورا لبسه" (٤) وخبر "إذا طويتم ثيابكم فاذكروا اسم الله لا يلبسها الجن بالليل وأنتم بالنهار فتبلى سريعا"
стр. 839
"تتمة" يجوز بلا كراهة لبس القميص والقباء والفرجية ونحوها مزرورا ومحلول الإزرار إذا لم تبد عورته ذكره في المجموع قال القمولي وينبغي اختصاص عدم كراهة لبس القباء بمن يعتاده أو لا يعتاده لكن لبسه تحت ثيابه أما إذا لبسه ظاهرا فينبغي أن يكره كلبس الفقيه القباء في بلادنا وقد تعرضوا له في باب الشهادات قال ابن عبد السلام وإفراط توسعة الثياب والأكمام بدعة وسرف وتضييع للمال ولا بأس بلبس شعار العلماء ليعرفوا بذلك فيسألوا فإني كنت محرما فأنكرت على جماعة محرمين لا يعرفونني ما أخلوا به من آداب الطواف فلم يقبلوا فلما لبست ثياب الفقهاء وأنكرت عليهم ذلك سمعوا وأطاعوا فإذا لبسها لمثل ذلك كان فيه أجر; لأنه سبب لامتثال أمر الله تعالى والانتهاء عما نهى الله عنه
стр. 840
كتاب صلاة العيدين
عيد الفطر (١) وعيد الأضحى والعيد مشتق من العود لتكرره كل عام وقيل لعود السرور بعوده وقيل لكثرة عوائد الله على عباده فيه وجمعه أعياد وإنما جمع بالياء، وإن كان أصله الواو للزومها في الواحد وقيل للفرق بينه وبين أعواد الخشب والأصل في صلاته قبل الإجماع قوله تعالى ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ ذكر أنه صلاة الأضحى وأن أول عيد صلاه النبي ﷺ عيد الفطر في السنة الثانية من الهجرة ولم يتركها "وهي سنة" (٢) لذلك; ولأنها ذات ركوع وسجود لا أذان لها كصلاة الاستسقاء والصارف عن الوجوب خبر الصحيحين "هل علي غيرها قال لا إلا أن تطوع" وحملوا نقل المزني عن الشافعي أن من وجب عليه حضور الجمعة وجب عليه حضور العيدين على التأكيد فلا إثم ولا قتال بتركها "لا للحاج بمنى" فلا تسن له كما ذكره في الروضة في باب الأضحية للاتباع قاله الماوردي (٣) وغيره ومحله في صلاتها جماعة أما صلاتها منفردين (٤) فسنة كما أشار إليه الرافعي في الأغسال المسنونة في الحج وصرح به القاضي واقتضاه كلام المتولي (٥) وما روي أنه ﷺ فعلها إن صح فمحمول على ذلك إذ لو فعلها جماعة في مثل هذا اليوم لاشتهر
"ولا تتوقف على شروط الجمعة" من اعتبار الجماعة والعدد وغيرهما; لأنها سنة كصلاة الاستسقاء "فيصليها" وفي نسخة فليصلها "المنفرد" والعبد والمرأة والخنثى والصبي "والمسافرون ويخطب" بهم "إمامهم لا المنفرد" فلا يخطب إذ الغرض من الخطبة تذكير الغير، وهو منتف في المنفرد
стр. 841
"ووقتها ما بين طلوع الشمس وزوالها" (١)، وإن كان فعلها عقب الطلوع مكروها (٢) ; لأن مبنى المواقيت على أنه إذا خرج وقت صلاة دخل وقت غيرها وبالعكس "و" لكن "الأفضل" إقامتها "من ارتفاعها قدر" (٣) وفي نسخة قيد "رمح" للاتباع وليخرج وقت الكراهة وللخروج من الخلاف
стр. 842
فصل وهي ركعتان بنية صلاة العيد
أي عيد الفطر أو الأضحى كما مر في صفة الصلاة هذا أقلها "والأكمل أن يصليها جماعة وأن يأتي بعد الإحرام والاستفتاح بسبع تكبيرات في الأولى وخمس بعد استوائه قائما في الثانية" للاتباع رواه الترمذي وحسنه والتصريح بقوله بعد استوائه قائما من زيادته "ولا يسجد" بتركها ولو "لسهوه بها" أي بتركها كالتعوذ وقراءة السورة ويكره تركها وترك شيء منها والزيادة فيها كما في المجموع عن نص الأم "ويجهر بها" للاتباع "ويرفع يديه" فيها "ويضعهما" بأن يضع اليمنى على اليسرى "تحت صدره بين كل تكبيرتين" من السبع والخمس كما في تكبيرة الإحرام ويأتي في إرسالهما ما مر ثم والتصريح بتحت صدره من زيادته "ويذكر الله" تعالى "بينهما" أي بين كل تكبيرتين لا قبل السبع والخمس ولا بعدهما "بالمأثور" أي المنقول "سرا قدر آية معتدلة" عملا بما عليه السلف والخلف; ولأن سائر التكبيرات المشروعة في الصلاة يعقبها ذكر مسنون فكذلك هذه التكبيرات فيقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر لأثر فيه رواه البيهقي عن ابن مسعود قولا وفعلا
стр. 843
بإسناد جيد; ولأنه لائق بالحال; ولأنه الباقيات الصالحات في قول ابن عباس وجماعة ولو زاد جاز قال في الأصل قال الصيدلاني عن بعض الأصحاب يقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد بيده الخير، وهو على كل شيء قدير قال ابن الصباغ: ولو قال ما اعتاده الناس الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليما كثيرا كان حسنا زاد في الروضة وقال المسعودي يقول سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك وجل ثناؤك ولا إله غيرك "ويصل التعوذ للقراءة بالتكبيرة السابعة" في الركعة الأولى "أو الخامسة" في الثانية "ثم يقرأ بعد الفاتحة ق في (١) الأولى واقتربت في الثانية جهرا (٢) أو سبح" في الأولى "والغاشية" في الثانية كذلك للاتباع رواه مسلم والمعنى أن فيها ذكر القيامة والحال شبيه بها لما فيه من حشر الناس كيوم الحشر "وإن شك في عدد التكبيرات أخذ بالأقل" كما في عدد الركعات "وإن كبر ثمانيا وشك هل نوى الإحرام في واحدة" منها "استأنف الصلاة"; لأن الأصل عدم ذلك "أو" شك "في أيها أحرم جعلها الأخيرة وأعادهن" احتياطا
"وإذا صلى خلف من يكبر ثلاثا أو ستا" مثلا "تابعه ولم يزد" (٣) عليها ندبا فيهما سواء اعتقد إمامه ذلك أم لا لخبر "إنما جعل الإمام ليؤتم به" (٤)
стр. 844
فلو ترك إمامه التكبيرات لم يأت بها كما علم من ذلك وصرح به الجبلي بل كلاهما يعلم من قوله
"فرع إذا نسي" المصلي يعني ترك "التكبير" المذكور ولو عمدا أو جهلا محله "فقرأ" الفاتحة أو شيئا منها "أو قرأ الإمام" ذلك "قبل أن يتم" هو أو المأموم التكبير "لم يعد إليه" التارك في الأولى "ولم يتم" هـ الإمام أو المأموم في الثانية للتلبس بفرض ولفوات محله بخلاف ما لو تركه وتعوذ ولم يقرأ فلو تدارك ذلك بعد الفاتحة سن له إعادتها أو بعد الركوع بأن ارتفع ليأتي به بطلت صلاته إن كان عالما كما علم من شروط الصلاة وصرح به الأصل هنا "وإذا أدركه" المأموم "في" الركعة "الثانية كبر معه خمسا وأتى في الثانية" أي ثانيته "بخمس" فقط; لأن في قضاء ذلك ترك سنة أخرى وبهذا فارق ندب قراءة الجمعة مع المنافقين في الثانية إذا تركها في الأولى كما مر في بابها مع ما يتعلق به وزاد على الأصل قوله "ولا يكبر في قضاء صلاة العيد"; لأن التكبير شعار للوقت وقد فات ذكره في الكفاية عن العجلي ويؤخذ من تعليله أنه يكبر في المقضية في الوقت بل كلام المجموع (١) يقتضي أنه يكبر مطلقا فيخالف ما ذكر
"فصل ثم" بعد الفراغ من الصلاة "يصعد الإمام المنبر" للاتباع رواه البخاري "بعد السلام" على من عنده، وهذا من زيادته "ويقبل على الناس" بوجهه "ويسلم" عليهم ويردون عليه "ثم يجلس" ليستريح ويتأهب الناس لاستماعه قال الخوارزمي يجلس بقدر الأذان أي في الجمعة "ويقوم" ويأتي "بخطبتين كالجمعة" أي كخطبتيها في الأركان والصفات (٢) "وإن خرج الوقت" التصريح
стр. 845
بهذا من زيادته "إلا أنه لا يجب القيام فيهما" (١) بل يندب تبعا لهما وللصلاة وقد "خطب ﷺ على راحلته يوم العيد" رواه النسائي بإسناد صحيح فيجوز أن يخطب قاعدا ومضطجعا مع القدرة على القيام واقتصاره على ما ذكر يفهم أنه يعتبر فيها بقية شروط خطبتي الجمعة من طهر وستر وغيرهما، وهو قضية كلام المتولي وغيره وصرح به الجرجاني لكن نقل البندنيجي عن النص جواز خطبتي العيد والخسوف والاستسقاء بلا طهر مع الكراهة جزم في المجموع بندب الجلوس بينهما وندب الوضوء لخطبتي غير الجمعة ومثله الستر فيؤخذ من ذلك أنه يعتبر فيهما أركان خطبتي الجمعة لا شروطهما كما أفاده قول الأصل والمنهاج أركانهما كهي في الجمعة لكن لا يخفى أنه يعتبر في أداء السنة الإسماع (٢) والسماع وكون الخطبة عربية
"ويستحب أن يعلمهم صدقة الفطر في عيده والأضحية في عيدها" أي أحكامهما للاتباع في بعضها في خبر الصحيحين; ولأن ذلك لائق بالحال وينبغي أن يفصل بين الخطبتين بالتكبير ويكثر منه في فصول الخطبة قاله السبكي
"و" يستحب "أن يستفتح الخطبة" الأولى "بتسع تكبيرات متواليات" أفراد "والثانية بسبع" كذلك لقول عبيد الله بن عبد الله (٣) بن عتبة بن مسعود أن ذلك من السنة رواه الشافعي والبيهقي قال في المجموع وإسناده ضعيف ومع ضعفه لا دلالة فيه على الصحيح; لأن عبيد الله تابعي وقول التابعي من السنة كذا موقوف على الصحيح فهو قول صحابي لم يثبت انتشاره فلا يحتج به على الصحيح "ولو تخلل ذكر" بين كل تكبيرتين "جاز والتكبيرات" المذكورة "مقدمة للخطبة لا منها" وافتتاح الشيء قد يكون ببعض مقدماته التي ليست