لكن الذي عليه الأصحاب استحبابها في الصحراء مطلقا (١) للاتباع (٢) والتعليل السابقين ويأتي بها "كصلاة العيد" للاتباع كما مر فينادى لها الصلاة جامعة ويصليها ركعتين ويكبر في أول الأولى سبعا وفي أول الثانية خمسا ويرفع يديه ويقف بين كل تكبيرتين مسبحا حامدا مهللا مكبرا ولا يخطب إن كان منفردا ويقرأ جهرا في الأولى ق وفي الثانية اقتربت أو سبح والغاشية قياسا لا نصا وما رواه الدارقطني عن ابن عباس "أنه ﷺ قرأ في الأولى ﴿سَبِّحِ﴾ وفي الثانية ﴿هَلْ أَتَاكَ﴾ " قال في المجموع ضعيف وقيل يقرأ في الثانية " ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً﴾ [نوح: من الآية ١] " ورده في المجموع باتفاق الأصحاب على أن الأفضل أن يقرأ فيها ما يقرأ في العيد قال وما قاله الشافعي من أنه إن قرأ في الثانية " ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً﴾ [نوح: من الآية ١] " كان حسنا معناه أنه مستحسن لا كراهة فيه وليس فيه أنه أفضل من اقتربت وحاصله أنها كالعيد "إلا أنها" بعد اختصاصها بالصحراء كما مر "لا تختص بوقت" لا بوقت صلاة العيد ولا بغيره بل جميع الليل والنهار وقت لها كما لا تختص بيوم; ولأنها ذات سبب فدارت مع سببها كصلاة الكسوف نعم وقتها المختار وقت صلاة العيد كما صرح به الماوردي (٣) وابن الصباغ للاتباع
"فصل ويخطب بعدها" أي الصلاة للاتباع رواه أبو داود بإسناد صحيح وسيأتي أنه يجوز أن يخطب قبلها "كالعيد" أي كخطبته في الأركان (٤) وغيرها "مبدلا التكبير" فيها "بالاستغفار فيقول أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه"; لأنه أليق بالحال ويبدل فيها أيضا ما يتعلق بالفطرة والأضحية بما يتعلق بالاستسقاء "ويكثر من الاستغفار فيها" حتى يكون هو أكثر
стр. 877
دعائه ومن قول ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً﴾ [نوح: ١٢] ولو قدم قوله فيها أو أخره كان أولى وأدخل الباء على المأخوذ، وهو متعين كما قدمته في صفة الصلاة قال في المجموع ويستحب أن يكثر من دعاء الكرب، وهو لا إله إلا الله العظيم الحليم لا إله إلا الله رب العرش العظيم لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض رب العرش الكريم وأن يقول اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار لحديثي الصحيحين فيهما "ويدعو في الخطبة الأولى" جهرا "ويقول" هذا لإفادته سنتين أولى من قول أصله فيقول "اللهم اسقنا غيثا إلى آخره، وهو مشهور" في الأصل وغيره أي مغيثا هنيئا مريئا مريعا (١) غدقا مجللا سحا طبقا دائما اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين اللهم إن العباد والبلاد من اللأواء والجهد والضنك ما لا نشكو إلا إليك اللهم أنبت لنا الزرع وأدر لنا الضرع واسقنا من بركات السماء وأنبت لنا من بركات الأرض اللهم ارفع عنا الجهد والجوع والعري واكشف عنا من البلاء ما لا يكشفه غيرك اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفارا فأرسل السماء علينا مدرارا قال في المجموع ومن الدعاء المستحب ما ثبت عن النبي ﷺ "اللهم اسقنا غيثا مغيثا نافعا غير ضار عاجلا غير آجل اللهم اسق عبادك وبهائمك وانشر رحمتك وأحيي بلدك الميت اللهم أنت الله لا إله إلا أنت الغني ونحن الفقراء أنزل علينا الغيث واجعل ما أنزلت لنا قوة وبلاغا إلى حين" (٢)
"ثم يستقبل القبلة" للدعاء "في أثناء الخطبة الثانية"، وهو نحو ثلثها (٣) كما قاله النووي في دقائقه فإن استقبل له في الأولى لم يعده في الثانية نقله في
стр. 878
البحر عن نص الأم "ويحول رداءه وينكسه" (١) بفتح أوله مخففا وبضمه مثقلا عند استقباله "فيجعل ما على كل جانب من الأيمن والأيسر و" من "الأعلى والأسفل على الآخر" فالأول تحويل والثاني تنكيس وروى البخاري "أنه ﷺ لما أراد أن يدعو في استسقائه استقبل القبلة وحول رداءه" (٢) زاد أحمد وحول الناس معه
وروى أبو داود بإسناد حسن "أنه حول رداءه فجعل عطافه الأيمن على عاتقه الأيسر وجعل عطافه الأيسر على عاتقه الأيمن" (٣) وروى هو أيضا والحاكم في صحيحه "أنه ﷺ استسقى وعليه خميصة سوداء فأراد أن يأخذ بأسفلها فيجعله أعلاها فلما ثقلت عليه قلبها على عاتقه" (٤) فهمه بذلك يدل على استحبابه وتركه للسبب المذكور ويحصل التحويل والتنكيس بجعل الطرف الأسفل الذي على شقه الأيسر على عاتقه الأيمن (٥) والطرف الأسفل الذي على شقه الأيمن على عاتقه الأيسر.
والحكمة فيهما التفاؤل بتغير الحال إلى الخصب (٦) والسعة قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: من الآية ١١] فيغيروا بواطنهم بالتوبة وظواهرهم بما ذكر فيغير الله ما بهم وروى الدارقطني عن جعفر بن محمد عن أبيه "أنه ﷺ حول رداءه ليتحول القحط وكان ﷺ يحب الفأل الحسن" (٧) رواه الشيخان عن أنس بلفظ "ويعجبني الفأل الكلمة الحسنة
стр. 879
والكلمة الطيبة" (١) وفي رواية لمسلم "وأحب الفأل الصالح" (٢)
ثم كل من التحويل والتنكيس على حدته لا يحصل إلا بقلب الظاهر إلى الباطن، وأما الجمع بينهما فلا يحصل مع ذلك لا كما وقع للإمام والغزالي فاختبره تجده صحيحا نبه على ذلك الرافعي وغيره "هذا في" الرداء "المربع أما المقور" وفي نسخة المدور "والمثلث فليس فيه إلا التحويل" بالاتفاق قال القمولي; لأنه لا يتهيأ فيه التنكيس وكذا الرداء الطويل ومراده كغيره أن ذلك متعسر لا متعذر وعبارة المصنف كأصله تقتضي تغاير المثلث وما قبله، وهو ظاهر ولهذا عبر جماعة بأو وقول المجموع قال الأصحاب إن كان مدورا ويقال له المقور والمثلث لم يستحب التنكيس يقتضي اتحادهما وليس مرادا "ويفعلون جلوسا بأرديتهم مثله" أي مثل ما فعل الخطيب; لأن القيام لا يليق بهم هنا وإنما فعل ذلك "تفاؤلا بتغير الحال" إلى ما تقدم ولما مر في رواية أحمد وقول المصنف جلوسا من زيادته ونقله الأذرعي عن بعض أصحابنا قال وفي التتمة إشارة إليه "ولا ينزعه" أي رداءه كل من الخطيب وغيره "إلا مع الثياب" بعد وصوله منزله; لأنه لم ينقل أنه ﷺ غير ردائه بعد التحويل وعبارة الأصل ويتركونها أي الأردية محولة إلى أن ينزعوا الثياب وعبارة المطلب ويدعون أرديتهم محولة حتى يرجعوا إلى منازلهم.
"ويبالغ"، وهو مستقبل القبلة "في الدعاء سرا وجهرا" قال تعالى ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً﴾ "ويسرون" به "إن أسر" ويؤمنون إن جهر ومشى في شرح الإرشاد على أنه يسر فقط في استقباله وتبع فيه قول الأذرعي والزركشي أنه الذي أورده الجمهور خلافا لما قاله الشيخان قال الماوردي ويختار أن يقرأ عقب دعائه قوله تعالى ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا﴾ [يونس: من الآية ٨٩] وقوله ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ﴾ [الانبياء:
стр. 880
٨٤] وقوله ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الانبياء: ٨٨] وما أشبهها من الآيات تفاؤلا بالإجابة "ويرفعون" كلهم "أيديهم" في الدعاء لما مر في صفة الصلاة قال الروياني ويكره رفع اليد النجسة (١) في الدعاء قال ويحتمل أن يقال لا يكره بحائل "قال العلماء: والسنة أن يشير بظهر كفيه إلى السماء في كل دعاء لرفع بلاء وببطنهما إن سأل شيئا" أي تحصيله "; لأنه ﷺ استسقى وأشار بظهر كفيه إلى السماء" (٢) رواه مسلم وقيس بالاستسقاء ما في معناه والحكمة أن القصد رفع البلاء بخلاف القاصد حصول شيء فيجعل بطن كفيه إلى السماء "وليكن من دعائه" عبارة أصله وليكن من دعائهم في هذه الحالة "اللهم أنت أمرتنا بدعائك إلى آخره" أي ووعدتنا إجابتك وقد دعوناك كما أمرتنا فأجبنا كما وعدتنا اللهم امنن علينا بمغفرة ما قارفناه وإجابتك في سقيانا وسعة رزقنا "ثم" بعد الدعاء "يقبل على الناس" بوجهه "ويحثهم على الطاعة ويصلي على النبي ﷺ ويقرأ ما تيسر" عبارة أصله آية وآيتين "ويدعو للمؤمنين والمؤمنات ويختم بالاستغفار" ويقول أستغفر الله لي ولكم
"وإن ترك الإمام الاستسقاء لم يتركه الناس" محافظة على السنة لكنهم لا يخرجون إلى الصحراء إذا كان الإمام أو نائبه بالبلد حتى يأذن لهم كما اقتضاه كلام الشافعي لخوف الفتنة نبه عليه الأذرعي وغيره (٣)
"وإن خطب قبل الصلاة أجزأه" للاتباع رواه أبو داود وغيره بأسانيد صحيحة وفي الصحيحين ما يدل له لكنه في حقنا خلاف الأفضل; لأن ما تقدم أكثر رواة ومعتضد بالقياس على خطبة العيد والكسوف "وإن تضرروا بكثرة المطر" بتثليث الكاف أو دام الغيم عليهم بلا مطر وانقطعت الشمس عنهم
стр. 881
وتضرروا به "سألوا الله" تعالى ندبا "رفعه فيقولوا" ما "قاله ﷺ لما شكي إليه ذلك اللهم حوالينا ولا علينا اللهم على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر" (١) رواه الشيخان "ولا تشرع لهذا صلاة" لعدم ورودها له لكن تقدم في الباب السابق أنها تسن لنحو الزلزلة في بيته منفردا وظاهر أن هذا نحوها فيحمل ذلك على أنه لا تشرع الهيئة المخصوصة
"ويستحب" لكل أحد "أن يبرز لأول مطر السنة كاشفا" الأولى قول الروضة ويكشف "ما عدا عورته" ليصيبه المطر روى مسلم عن أنس قال: "أصابنا مطر ونحن مع رسول الله ﷺ فحسر ثوبه حتى أصابه المطر فقلنا يا رسول الله لم صنعت هذا قال; لأنه حديث عهد بربه أي بتكوينه وتنزيله" (٢) ورواه الحاكم بلفظ "كان إذا مطرت السماء حسر ثوبه عن ظهره حتى يصيبه المطر" "وعن ابن عباس أنه سئل عن فعل ذلك فقال أوما قرأت ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكاً﴾ [قّ: من الآية ٩] " فأحب أن ينالني من بركته"
ويؤخذ من ذلك أنه لا فرق بين مطر أول السنة وغيره، وهو ظاهر لكنه في الأول الذي اقتصروا عليه آكد ثم رأيت الزركشي قال: وظاهر حديث رواه الحاكم فعله عند أول كل مطر ولكنه في الأول آكد
"و" أن "يغتسل في" ماء "الوادي إذا سال أو يتوضأ" منه وروى الشافعي في الأم أنه ﷺ كان إذا سال السيل قال أخر جوابنا إلى هذا الذي جعله الله طهورا فنتطهر منه ونحمد الله عليه، وهو صادق بالغسل والوضوء وتعبير المصنف كالروضة والمنهاج بأو يفيد استحباب أحدهما بالمنطوق وكليهما بمفهوم الأولى فهو أفضل كما جزم به في المجموع فقال يستحب أن يتوضأ منه ويغتسل فإن لم يجمعهما فليتوضأ قال في المهمات والمتجه الجمع ثم الاقتصار
стр. 882
على الغسل ثم على الوضوء قال وهل هما عبادتان (١) تشترط فيهما النية أو لا فيه نظر والمتجه الثاني إلا إن صادف وقت وضوء أو غسل; لأن الحكمة فيه هي الحكمة في كشف البدن ليناله أول مطر السنة وبركته
"و" أن "يسبح للرعد والبرق" روى مالك في الموطإ عن عبد الله بن الزبير أنه كان إذا سمع الرعد ترك الحديث وقال سبحان الذي يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته وعن ابن عباس كنا مع عمر في سفر فأصابنا رعد وبرق وبرد فقال لنا كعب من قال حين يسمع الرعد سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ثلاثا عوفي من ذلك فقلناه فعوفينا وقيس بالرعد البرق والمناسب أن يقول عنده سبحان من يريكم البرق خوفا وطمعا ونقل الشافعي في الأم عن الثقة عن مجاهد أن الرعد ملك والبرق أجنحته يسوق بها السحاب قال الإسنوي فيكون المسموع صوته (٢) أو صوت سوقه على اختلاف فيه وأطلق الرعد عليه مجازا وروي "أنه ﷺ قال بعث الله السحاب فنطقت أحسن النطق وضحكت أحسن الضحك فالرعد نطقها والبرق ضحكها"
"و" أن "لا يتبعه بصره" روى الشافعي في الأم عن عروة بن الزبير قال
стр. 883
إذا رأى أحدكم البرق أو الودق فلا يشير إليه والودق بالمهملة المطر وفيه زيادة المطر وزاد الماوردي الرعد فقال وكان السلف الصالح يكرهون الإشارة إلى الرعد والبرق ويقولون عند ذلك لا إله - - إلا الله وحده لا شريك له سبوح قدوس فيختار الاقتداء بهم في ذلك "وأن يقول في" حالة نزول "المطر اللهم صيبا" أي مطرا "نافعا" للاتباع رواه البخاري "وفي رواية" لابن ماجه "سيبا" بفتح السين وإسكان الياء أي عطاء "نافعا مرتين أو ثلاثا ويستحب" الأولى ما في أكثر نسخ الروضة فيستحب "الجمع بينهما" أي بين الروايتين وفي رواية لأبي داود وابن حبان صيبا هنيئا فيستحب الجمع بين الثلاث ووقع في المجموع نسبة هذه الرواية إلى البخاري وليست فيه
"ويكره سب الريح بل يسأل الله تعالى خيرها ويستعيذ من شرها كما ورد" في خبر مسلم كما مر قبيل الباب، وفي خبر أبي داود وغيره بإسناد حسن عن أبي هريرة "سمعت رسول الله ﷺ يقول الريح من روح الله تعالى أي رحمته أي رحمته لعباده تأتي بالرحمة وتأتي بالعذاب فإذا رأيتموها فلا تسبوها واسألوا الله خيرها واستعيذوا بالله من شرها"
"ويكره أن يقول" بعد المطر "مطرنا بنوء كذا" (١) بفتح النون وبالهمز أي بوقت النجم الفلاني على عادة العرب في إضافة الأمطار إلى الأنواء لإيهامه أن النوء ممطر حقيقة "بل" يقول مطرنا "بفضل الله ورحمته، وإن اعتقد أن النوء ممطر" حقيقة "فمرتد" روى الشيخان "عن زيد بن خالد الجهني قال صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح على أثر سحاب كانت من الليل فلما انصرف أقبل على الناس فقال أتدرون ماذا قال ربكم قالوا الله ورسوله أعلم قال قد أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب ومن قال مطرنا بنوء كذا فذلك كافر بي مؤمن
стр. 884
بالكوكب" (١) وأفاد تعليق الحكم بالباء أنه لو قال مطرنا في نوء كذا لم يكره، وهو ظاهر
"ويستحب الدعاء في" حال "المطر والشكر لله" تعالى "بعده" روى الشافعي خبر اطلبوا استجابة الدعاء عند التقاء الجيوش وإقامة الصلاة ونزول الغيث وروى البيهقي خبر تفتح أبواب السماء ويستجاب الدعاء في أربعة مواطن التقاء الصفوف وعند نزول الغيث وعند إقامة الصلاة وعند رؤية الكعبة".
وقول المصنف بعده من زيادته ولا حاجة إليه بل قد يوهم خلاف المراد وعبارة الأصل ويستحب الدعاء عند نزول المطر ويشكر الله تعالى عليه.
стр. 885
كتاب الجنائز
بفتح الجيم جمع جنازة بالفتح والكسر اسم للميت في النعش وقيل بالفتح اسم لذلك وبالكسر اسم للنعش (١) وعليه الميت وقيل عكسه وقيل هما لغتان فيهما فإن لم يكن عليه الميت فهو سرير ونعش، وهي من جنزه يجنزه إذا ستره ذكره ابن فارس وغيره وقال الأزهري لا يسمى جنازة حتى يشد الميت عليه مكفنا "يستحب الإكثار من ذكر الموت" (٢) المستلزم ذلك لاستحباب ذكره المصرح به في الأصل أيضا; لأن ذلك أزجر عن المعصية وأدعى إلى الطاعة وروى الترمذي بإسناد حسن "أنه ﷺ قال لأصحابه استحيوا من الله حق الحياء قالوا إنا نستحي يا نبي الله والحمد لله قال ليس كذلك ولكن من استحيا من الله حق الحياء فليحفظ الرأس وما وعى وليحفظ البطن وما حوى وليذكر الموت والبلى ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا ومن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء" (٣) وروى أيضا بإسناد صحيح خبر "أكثروا من ذكر هاذم اللذات" يعني الموت زاد ابن حبان "فإنه ما ذكره أحد في ضيق إلا وسعه (٤) ولا ذكره في سعة إلا ضيقها" وهاذم بالمعجمة أي قاطع، وأما بالمهملة فمعناه المزيل للشيء من أصله ذكره السهيلي قال في المجموع. قال الشيخ أبو حامد ويستحب الإكثار من ذكر حديث "استحيوا من الله حق الحياء" وتقدم تعريف الموت في باب الغسل "والاستعداد له بالتوبة ورد المظالم" إلى أهلها بأن يبادر إليهما لئلا يفجأه الموت المفوت لهما وظاهر كلامه
стр. 886
استحبابهما بل صرح به في شرح الإرشاد تبعا للقمولي والمعروف وجوبهما (١) وكلام أصله محتمل لكل منهما وصرح كأصله برد المظالم مع دخوله في التوبة لعظم أمره و لئلا يغفل عنه ولو عبر بالخروج منها كان أولى (٢) "و" ما ذكر "للمريض آكد" منه لغيره; لأنه إلى الموت أقرب "و" يستحب له أن يستعد لمرضه "بالصبر" عليه قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ولو حذف المصنف الباء كان أخصر وأولى وأوفق بقول أصله ويستحب له الصبر على المرض أي بترك الضجر منه "وترك الشكوى" فيه; لأنها ربما تشعر بعدم الرضا بالقضاء والتصريح بهذا من زيادته، وهو داخل في الصبر ولو تركه وذكر ما في الروضة من كراهة كثرة الشكوى كما ذكرها في شرح الإرشاد كان أولى وقد ذكرها في المجموع وقال فلو سأله طبيب أو قريب له أو صديق أو نحوه عن حاله فأخبره بالشدة التي هو فيها لا على صورة الجزع فلا بأس "و" ترك "الأنين" منه جهده لما مر قال في المجموع والصواب أنه لا يكره، وإن صرح بكراهته جماعة; لأنه لم يثبت فيه نهي مقصود بل في البخاري أن عائشة قالت وارأساه فقال النبي ﷺ : "بل أنا وارأساه" (٣) لكن الاشتغال بالتسبيح ونحوه أولى منه فهو خلاف الأولى ولعله مرادهم "ويستحب" له "التداوي" للأخبار الصحيحة كخبر البخاري "لكل داء دواء فإن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء" (٤) وخبر أبي داود وغيره "أن الأعراب قالوا يا رسول الله أنتداوى فقال تداووا فإن الله لم يضع داء إلا وضع له دواء غير الهرم" (٥) قال في
стр. 887
المجموع. فإن ترك التداوي توكلا ففضيلة ويفارق استحبابه وجوب أكل الميتة للمضطر وإساغة اللقمة بالخمر بأنا لا نقطع بإفادته بخلاف ذينك "ويكره أن يكره" المريض "عليه" أي على التداوي أي تناوله الدواء وكذا غيره من الطعام لما فيه من التشويش عليه قال في المجموع وحديث "لا تكرهوا مرضاكم على الطعام فإن الله يطعمهم ويسقيهم" (١) ضعيف ومن ثم لم يعبر فيه بكراهة بل باستحباب تركه قال فيه ويستحب له تعهد نفسه بتقليم الظفر وأخذ شعر الشارب والإبط والعانة ويستحب له أيضا الاستياك والاغتسال والتطيب ولبس الثياب الطاهرة "ويستحب" للمكلف "عيادة" مريض "مسلم وكذا ذمي قريب" للعائد "أو جار" له وفاء بصلة الرحم وحق الجوار والأصل في استحبابها خبر الصحيحين عن البراء بن عازب قال "أمرنا رسول الله ﷺ باتباع الجنائز وعيادة المريض" (٢) وخبر مسلم عن ثوبان أن رسول الله ﷺ قال: "إن المسلم إذا عاد أخاه المسلم لم يزل في خرفة الجنة حتى يرجع" (٣) وأراد بالمخرقة البستان يعني يستوجب الجنة ومخارقها وروى البخاري عن أنس قال "كان غلام يهودي يخدم النبي ﷺ فمرض فأتاه النبي ﷺ يعوده فقعد عند رأسه فقال له أسلم فنظر إلى أبيه، وهو عنده فقال له أطع أبا القاسم فأسلم فخرج النبي ﷺ وهو يقول الحمد لله الذي أنقذه من النار" (٤).
"و" تفعل العيادة "لغيرهما" أي لغير المسلم والذمي بنوعيه "جوازا" وفي عبارته في هذا وما قبله قصور سلم منه قول أصله ويستحب لغيره عيادته إن
стр. 888
كان مسلما فإن كان ذميا له قرابة أو جوار أو نحوهما أي كرجاء إسلام استحبت وإلا جازت قال في المجموع وسواء الرمد وغيره (١) وسواء الصديق والعدو ومن يعرفه ومن لا يعرفه لعموم الأخبار قال الأذرعي: والظاهر أن المعاهد والمستأمن كالذمي قال وفي استحباب عيادة أهل البدع المنكرة وأهل الفجور والمكوس إذا لم تكن قرابة ولا جوار ولا رجاء توبة نظر فإنا مأمورون بمهاجرتهم
"ولتكن" العيادة "غبا" فلا يواصلها كل يوم إلا أن يكون مغلوبا ومحل ذلك في غير القريب والصديق ونحوهما ممن يتأنس به المريض أو يتبرك به أو يشق عليه عدم رؤيته كل يوم أما هؤلاء فيواصلونها ما لم ينهوا أو يعلموا كراهته لذلك ذكر ذلك في المجموع وتستحب عيادته ولو في أول يوم من مرضه وقول الغزالي إنما يعاد بعد ثلاث لخبر ورد فيه رد بأنه موضوع (٢) "ويدعو له" وينصرف ويستحب في دعائه أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك سبع مرات لخبر "من عاد مريضا لم يحضر أجله فقال ذلك عنده عافاه الله من ذلك المرض" رواه الترمذي وحسنه (٣)
"ويخفف المكث" عنده بل تكره إطالته لما فيه من إضجاره ومنعه من بعض تصرفاته نعم إن فهم عنه الرغبة فيها فلا كراهة قاله الأذرعي "ويطيب" عائده "نفسه فإن خاف عليه" الموت "رغبة في التوبة والوصية" مع ما تقدم من الدعاء له "وتكره" عيادته "إن شقت عليه" قال في المجموع ويستحب لأهله وخادمه الرفق واحتماله والصبر عليه وكذا من قرب موته بسبب حد أو نحوه ويستحب للأجنبي أن يوصيهم بذلك وأن يحسن المريض
стр. 889
خلقه وأن يجتنب المنازعة في أمور الدنيا وأن يسترضي من له به علقة كزوجته وأولاده وغلمانه وجيرانه وأصدقائه وأن يتعهد نفسه بقراءة القرآن والذكر وحكايات الصالحين وأحوالهم عند الموت وأن يوصي أهله بالصبر عليه وبترك النوح عليه وإكثار البكاء ونحوهما مما جرت العادة به من البدع في الجنائز ويستحب طلب الدعاء منه ووعظه بعد عافيته وتذكيره الوفاء بما عاهد الله عليه من التوبة وغيرها من الخير وينبغي له هو المحافظة على ذلك قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً﴾ [الاسراء: من الآية ٣٤]
"فصل وآداب المحتضر"، وهو من حضرته أمارات الموت أي من آدابه "أن يستقبل به القبلة" للإجماع؛ ولأنه ﷺ لما قدم المدينة سأل عن البراء بن معرور فقالوا توفي في صفر وأوصى بثلثه لك وبأن يوجه للقبلة إذا احتضر فقال: "أصاب الفطرة وقد رددت ثلثه على ولده" ثم ذهب فصلى عليه وقال: "اللهم اغفر له وارحمه وأدخله جنتك وقد فعلت" رواه الحاكم وصححه "مضطجعا على" جنبه "الأيمن" كالموضوع في اللحد ثم الأيسر كما في المجموع; لأن ذلك أبلغ في الاستقبال من إلقائه على قفاه وقدم الأيمن لشرفه ولما روى الشيخان أنه ﷺ "كان إذا أوى إلى فراشه نام على شقه الأيمن" (١) وروى أحمد وأبو داود أن فاطمة بنت رسول الله ﷺ استقبلت عند موتها القبلة ثم توسدت يمينها "فإن لم يتفق" عبارة أصله فإن لم يمكن وضعه على جنبه لضيق المكان أو لغيره "ألقي على قفاه ووجهه وأخمصاه" بفتح الميم أشهر من كسرها وضمها "إلى القبلة" بأن يرفع رأسه قليلا; لأن ذلك هو الممكن. والأخمصان هما أسفل الرجلين وحقيقتهما المنخفض من أسفلهما قاله النووي في دقائقه "و" أن "يلقنه" الشهادة "غير الوارث" لئلا يتهمه باستعجال الإرث "ثم" إن لم يحضره غيره لقنه "أشفق الورثة" وفي المجموع ينبغي أن يقال (٢):
стр. 890
ولا يلقنه من يتهمه مطلقا ليعم الوارث والعدو والحاسد ونحوهم قال الأذرعي، وهو حسن إن كان ثم غيره (١) وإلا فالظاهر أنه يلقنه، وإن اتهمه ودليل التلقين خبر مسلم "لقنوا موتاكم لا إله إلا الله" قال في المجموع أي من قرب موته، وهو من باب تسمية الشيء باسم ما يصير إليه كقوله: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً﴾ وروى أبو داود بإسناد حسن والحاكم بإسناد صحيح أنه ﷺ قال: "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة" (٢) "فيذكر عنده الشهادة" (٣)، وهي لا إله إلا الله بأن يذكرها بين يديه ليتذكر أو يقول ذكر الله تعالى مبارك فنذكر الله جميعا سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر "بلا زيادة" عليها فلا تسن زيادة محمد رسول الله لظاهر الأخبار وقيل تسن زيادته; لأن المقصود بذلك التوحيد ورد بأن هذا موحد ويؤخذ منه ما بحثه الإسنوي أنه لو كان كافرا لقن الشهادتين (٤) وأمر بهما لخبر اليهودي السابق.
"و" أن "يذكرها" أي الشهادة "من عنده" أيضا، وهذا من زيادته وصرح به المتولي "و" أن "لا يأمره بها" بل يذكرها على الوجه الذي قدمته "و" أن "لا يلح" عليه فيها لئلا يضجر "فإن قالها لم تعد عليه حتى يتكلم" بغيرها من كلام الدنيا قاله الصيمري لكنه مخالف لظاهر كلامهم ولقول المصنف من زيادته على الروضة "ليكون آخر كلامه لا إله إلا الله" قال في المجموع قال الجمهور لا يزاد على مرة وقال جماعة منهم سليم الرازي والمحاملي وصاحب العدة يكررها عليه ثلاثا ولا يزاد عليها والتلقين مقدم على الاستقبال (٥) ذكره الماوردي قال الإسنوي: وهو متجه; لأنه أهم وقال ابن الفركاح إن أمكن جمعهما فعلا معا والإقدام التلقين; لأن النقل فيه أثبت
стр. 891
وكلامهم يشمل غير المكلف فيستحب تلقينه (١)، وهو قريب في المميز لكن قياس ما يأتي في تلقينه بعد دفنه أنه لا يستحب مطلقا. وفرق الزركشي بأن التلقين هنا للمصلحة وثم لئلا يفتن الميت في قبره، وهذا لا يفتن "و" أن "يقرأ عنده يس" لخبر "اقرءوا على موتاكم يس" (٢) رواه أبو داود وابن حبان وصححه وقال المراد به من حضره الموت يعني مقدماته; لأن الميت لا يقرأ عليه والحكمة في قراءتها أن أحوال القيامة والبعث مذكورة فيها فإذا قرئت عنده تجدد له ذكر تلك الأحوال وأخذ ابن الرفعة تبعا لبعضهم بظاهر الخبر فصحيح أنها إنما تقرأ بعد موته "قيل و" يقرأ عنده "الرعد" لقول جابر فإنها تهون عليه خروج روحه قال الجبلي ويستحب تجريعه ماء فإن العطش يغلب من شدة النزع فيخاف منه إزلال الشيطان إذ ورد أنه يأتي بماء زلال ويقول قل لا إله غيري حتى أسقيك نقله عند الإسنوي وأقره والأذرعي وقال إنه غريب (٣) حكما ودليلا "وليحسن" ندبا "ظنه بالله تعالى" (٤) لخبر مسلم
стр. 892
"لا يموتن أحدكم إلا، وهو يحسن الظن بالله تعالى" (١) أي يظن أنه يرحمه ويعفو عنه وخبر الصحيحين "قال الله تعالى أنا عند ظن عبدي بي" "ويحسنه له الحاضرون ويطمعوه في رحمته" تعالى ليحسن ظنه بربه. أما الصحيح فقيل الأولى له تغليب خوفه على رجائه والأظهر في المجموع استواؤهما (٢) إذ الغالب في القرآن ذكر الترغيب والترهيب معا كقوله ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ*وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ﴾ وفي الإحياء إن غلب عليه داء القنوط فالرجاء أولى أو داء أمن المكر فالخوف أولى "فإن مات فليغمض أرفق محارمه عينيه" لئلا يقبح منظره وروى مسلم "أنه ﷺ دخل على أبي سلمة وقد شق بصره فأغمضه ثم قال "إن الروح إذا قبض تبعه البصر فضج ناس من أهله فقال لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون ثم قال اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين واخلفه في عقبه في الغابرين واغفر لنا وله يا رب العالمين وأفسح له في قبره ونور له فيه" (٣) وقوله "تبعه البصر" أي ذهب أو شخص ناظرا إلى الروح أين تذهب وعلى الثاني اقتصر النووي وقبض أخرج من الجسد وشق بصره بفتح الشين وضم الراء شخص.
والروح جسم لطيف، وهو باق لا يفنى عند أهل السنة وقوله تعالى ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ تقديره عند موت أجسادها قال في المجموع ولم أر لأصحابنا كلاما فيما يقال حال إغماضه ويستحسن ما رواه البيهقي بإسناد صحيح عن بكر بن عبد الله المزني التابعي الجليل قال إذا أغمضت الميت فقل بسم
стр. 893
الله وعلى ملة رسول الله وإذا حملته فقل بسم الله ثم تسبح ما دمت تحمله "ويشد لحييه بعصابة عريضة يربطها فوق رأسه" حفظا لفمه عن الهوام وقبح منظره "ويلين مفاصله بالمد والرد" فيرد ساعده إلى عضده وساقه إلى فخذه وفخذه إلى بطنه ثم يمدها "و" يلين "أصابعه" تسهيلا لغسله وتكفينه فإن في البدن بعد مفارقة الروح بقية حرارة فإذا لينت المفاصل حينئذ لانت وإلا فلا يمكن تليينها بعد "وينزع" عنه "ثيابه" المخيطة "التي مات فيها" (١) بحيث لا يرى شيء من بدنه لئلا يسرع فساده (٢) "ويستره بثوب خفيف لا أكثر" لذلك ولخبر الصحيحين "أنه ﷺ سجي حين مات بثوب حبرة" (٣) هو بالإضافة وكسر الحاء المهملة وفتح الباء نوع من ثياب القطن تنسج باليمن "وسجي غطي" "ويجعل طرفيه تحت رأسه ورجليه" بأن يجعل أحدهما تحت رأسه والآخر تحت رجليه لئلا ينكشف وستر جميع البدن محله في غير المحرم كما يعلم مما سيأتي
"ويضع على بطنه" شيئا "ثقيلا كسيف ومرآة" ونحوهما من أنواع الحديد "ثم طين رطب" ثم ما تيسر لئلا ينتفخ وروى البيهقي أن أنسا أمر بوضع حديدة على بطن مولى له مات وقدر الشيخ أبو حامد ذلك بعشرين درهما (٤) قال الأذرعي وكأنه أقل ما يوضع وإلا فالسيف يزيد على ذلك والظاهر أن السيف ونحوه يوضع بطول الميت، وأن الموضوع يكون (٥) فوق الثوب كما جرت به العادة "ويصان المصحف عنه" ندبا احتراما له قال الإسنوي وينبغي أن يلحق
стр. 894
به كتب الحديث والعلم المحترم "ويرفعه على سرير ونحوه" مما هو مرتفع فلا يجعل على الأرض لئلا يتغير بندواتها ولا على فراش لئلا يحمى فيتغير قال في الكفاية فإن كانت الأرض صلبة جاز جعله عليها يعني من غير ارتكاب خلاف الأولى.
"ويستقبل به" القبلة "كالمحتضر" قال الأذرعي قد يفهم منه أنه يكون على جنبه والظاهر أن المراد هنا إلقاؤه (١) على قفاه ووجهه وأخمصاه إلى القبلة ويومئ إليه قولهم ويوضع على بطنه شيء ثقيل "والرجال بالرجال أولى" بما ذكر وكذا النساء بالنساء وعبارة الروضة ويتولاه الرجال من الرجال والنساء من النساء فإن تولاه الرجال من نساء المحارم أو النساء من رجال المحارم جاز قال الأذرعي وفيه إشارة إلى أنه لا يتولى ذلك الأجنبي من الأجنبية ولا بالعكس ولا يبعد جوازه لهما (٢) مع الغض وعدم المس انتهى ويومئ إليه زيادة المصنف لفظة أولى وكالمحرم فيما ذكر الزوجان بل أولى "ويبادر" بفتح الدال ندبا "بقضاء دينه (٣)، وإنفاذ وصيته إن تيسر" حالا تعجيلا للخير ولخبر "نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه" (٤) رواه الترمذي وحسنه (٥) قال في المجموع. والمراد بالنفس هنا الروح ومعلقة محبوسة عن مقامها الكريم فإن لم يتيسر حالا سأل وليه غرماءه أن يحللوه ويحتالوا به عليه نص عليه الشافعي والأصحاب واستشكل في المجموع البراءة بذلك ثم قال ويحتمل أنهم رأوا ذلك ميراثا للميت للحاجة والمصلحة وظاهر أن المبادرة تجب (٦) عند طلب ذي
стр. 895
الحق حقه (١) مع التمكن من التركة.
"ويكره تمني الموت" لضر في بدنه أو ضيق في دنياه "فإن كان متمنيا قال اللهم أمتني إن كان الممات خيرا لي" وذلك لخبر الصحيحين "لا يتمنين أحدكم الموت لضر أصابه فإن كان لا بد فاعلا فليقل اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي" (٢) وصرح في الروضة بالشق الأول أيضا "ولا يكره" تمنيه "لمن خشي فتنة في دينه" لمفهوم الخبر السابق بل قال الأذرعي إن النووي (٣) أفتى باستحبابه له قال في المجموع ويستحب طلب الموت ببلد شريف وحذف المصنف تقييد الروضة كراهة تمني الموت بضر نزل به يقتضي أنه ليس بقيد وليس كذلك; لأن الأدلة إنما وردت مقيدة بذلك لا يقال الكراهة بلا ضرر ومفهومة بالأولى; لأنا نمنع ذلك; لأن التمني مع الضر يشعر بعدم الرضا بالقضاء بخلافه بدونه. "ويستحب" لكل مكلف "أن يذكر الميت بخير" لخبر مسلم عن أم سلمة قالت قال رسول الله ﷺ : "إذا حضرتم المريض أو الميت" وفي رواية أبي داود وغيره الميت بلا شك "فقولوا خيرا فإن الملائكة يؤمنون" قالت فلما مات أبو سلمة أتيت النبي ﷺ فقلت يا رسول الله إن أبا سلمة قد مات قال: "قولي اللهم اغفر لي وله واعقبني منه عقبى حسنة فقلت فأعقبني الله من هو لي خير منه محمد ﷺ " (٤) وبين تعبير المصنف بما قاله وقول الروضة ويستحب للناس أن يقولوا عند الميت خيرا عموم من وجه "ويكره نفي الجاهلية" للنهي عنه رواه الترمذي وحسنه وصححه، وهو النداء بموت الشخص وذكر مآثره ومفاخره قال المتولي وغيره
стр. 896
وتكره مرثية الميت، وهي عد محاسنه للنهي عن المراثي. ا هـ. والوجه حمل تفسيرها بذلك على غير صيغة الندب الآتي بيانها وإلا فيلزم اتحادها معه وقد أطلقها الجوهري على عد محاسنه مع البكاء وعلى نظم الشعر فيه فيكره كل منهما لعموم النهي عن ذلك والأوجه حمل النهي عن ذلك على ما يظهر فيه تبرم أو على فعله مع الاجتماع له أو على الإكثار منه أو على ما يجدد الحزن دون ما عدا ذلك فما زال كثير من الصحابة وغيرهم من العلماء يفعلونه وقد قالت فاطمة بنت النبي ﷺ فيه:
ماذا على من شم تربة أحمد … أن لا يشم مدى الزمان غواليا
صبت علي مصائب لو أنها … صبت على الأيام عدن لياليا
"ولا بأس بالإعلام بموته" للصلاة وغيرها كذا في الروضة والمنهاج وصحح في المجموع أنه يستحب إذا قصد الإعلام لكثرة المصلين لما روى الشيخان "أنه ﷺ نعى لأصحابه النجاشي في اليوم الذي مات فيه، وأنه نعى جعفر بن أبي طالب وزيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة" (١) ولما روى البخاري أنه ﷺ قال في إنسان كان يقم المسجد أي يكنسه فمات فدفن ليلا: "أفلا كنتم آذنتموني به" وفي رواية "ما منعكم أن تعلموني" قالوا كان الليل والظلمة فكرهنا أن نشق عليك فأتى قبره فصلى عليه (٢). "ولأصدقائه" وأقاربه المفهومين بالأولى "تقبيل وجهه" روى أبو داود وغيره "أنه ﷺ قبل عثمان بن مظعون بعد موته" (٣) وصححه الترمذي وغيره وروى البخاري أن أبا بكر ﵁ قبل رسول الله ﷺ بعد موته بل
стр. 897
قال الروياني إن ذلك مستحب لهم وبحثه السبكي فقال ينبغي أن يكون ذلك لهم مستحبا ولغيرهم جائزا، وهو حسن مع أن الأخذ بظاهر كلامهم يقتضي عدم جواز التقبيل لغير هؤلاء وبه يشعر كلام المزني، وهو بعيد وسيأتي في النكاح والسير أنه لا بأس بتقبيل وجه الميت الصالح فيحتمل تقييد ما هنا بالصالح ويحتمل إطلاقه وتخصيص الصالح بغير القريب والصديق
стр. 898
باب بيان غسل الميت (١)
وما معه مما يأتي "غسله وتكفينه والصلاة عليه" (٢) وحمله "ودفنه" أي كل منها "فرض كفاية" للإجماع على ما حكاه الأصل والأمر به في الأخبار (٣) الصحيحة في غير الدفن وقاتل نفسه كغيره سواء في ذلك المسلم والذمي إلا في الغسل والصلاة فمحلهما في المسلم غير الشهيد كما يعلم مما سيأتي وهل المخاطب بذلك أقارب الميت ثم عند عجزهم أو غيبتهم الأجانب أو الكل مخاطبون بلا ترتيب فيه وجهان حكاهما الجيلي، وهو غريب والمشهور عموم الخطاب (٤) لكل من علم بموته "فيبادر به" ندبا إكراما له ولخبر الصحيحين "أسرعوا بالجنازة فإن تك صالحة فخير تقدمونها إليه، وإن تك سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم" وروى أبو داود أنه ﷺ لما عاد طلحة بن البراء وانصرف قال: "ما أرى طلحة إلا قد حدث فيه الموت فإذا مات فآذنوني به حتى أصلي عليه وعجلوا به فإنه لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهله" (٥) والصارف عن الوجوب الاحتياط للروح الشريفة لاحتمال الإغماء أو نحوه "وقد مات ﷺ يوم الاثنين ضحوة ودفن في جوف الليل من ليلة
стр. 899
الأربعاء" "إن تحقق موته وأمارته" أي منها "استرخاء قدم وامتداد جلدة وجه وميل أنف وانخلاع كف وانخفاض صدغ وتقلص خصية مع تدلي جلدتها ويترك" وجوبا "إن شك" في موته "حتى يتيقن بتغير ونحوه" (١)
"فصل وأقل الغسل (٢) استيعاب البدن" بالماء "مرة بعد إزالة النجس" (٣) عنه إن كان فلا تكفي لهما غسلة واحدة، وهذا مبني على ما صححه الرافعي في الحي من أن الغسلة لا تكفي عن الحدث والنجس وصحح النووي ثم أنها تكفيه وكأنه ترك الاستدراك هنا (٤) للعلم به مما هناك فيتحد الحكمان وكلام المجموع يلوح به حيث قال بعد ذكره اشتراط إزالة النجاسة أولا وقد مر بيانه في غسل الجنابة بل قد يقال إن ما هنا أولى بالاكتفاء; لأن القصد منه مجرد النظافة فكان ينبغي للمصنف حذف الاشتراط كما فعل في الإرشاد وما فرق به بعضهم من أن ما هنا محمول على نجاسة تمنع وصول الماء إلى العضو ومن أن ما هناك متعلق بنفسه فجاز إسقاطه وما هنا بغيره فامتنع إسقاطه لا يجدي لخروج الأول عن صورة المسألة والثاني عن المدرك، وهو أن الماء ما دام على المحل لا يحكم باستعماله كما مر بيانه فيكفي غسله لذلك مرة.
стр. 900
"وإن كان جنبا" أو حائضا كما سيأتي; لأن الطهارات تتداخل "ولو بلا نية"; لأن القصد من غسله النظافة، وهي لا تتوقف على نية; ولأنها إنما تشترط في سائر الأغسال على المغتسل لا الغاسل والميت ليس من أهلها
"و" لو كان الغسل "من كافر" بناء على الأصح من عدم اشتراط النية "ويغسل الغريق" فلا يكفي غرقه; لأنا مأمورون بغسل الميت فلا يسقط الفرض عنا إلا بفعلنا حتى لو شاهدنا الملائكة تغسله لم يسقط عنا بخلاف نظيره من الكفن; لأن المقصود منه الستر وقد حصل ومن الغسل التعبد بفعلنا له ولهذا ينبش للغسل لا للتكفين "وأكمله أن يقمص" أي يجعل عند إرادة غسله "في" قميص; لأنه أستر له "وقد غسل ﷺ في قميص" (١) رواه أبو داود وغيره بإسناد صحيح "بال" أي خلق قال في الأصل أو سخيف أي حتى لا يمنع وصول الماء إليه; لأن القوي يحبس الماء قال السبكي ويستحب أن يغطي وجهه بخرقة من أول ما يضعه على المغتسل ذكره المزني عن الشافعي
"ويغسل في خلوة" كما في الحياة; ولأنه قد يكون ببدنه ما يخفيه فيظهر (٢) "وللولي الدخول" إلى المغتسل "وإن لم" يغسل ولم "يعن" لحرصه على مصلحته "وقد تولى غسله ﷺ علي والفضل بن العباس وأسامة بن زيد يناول الماء والعباس واقف" ثم رواه ابن ماجه وغيره قال الزركشي ويجب تقييده بما إذا لم تكن (٣) بينهما عداوة وإلا فكالأجنبي والأفضل أن يكون تحت سقف; لأنه أستر نص عليه في الأم
"ويغسل على لوح أو سرير" هيئ لذلك لئلا يصيبه الرشاش "مستلقيا
стр. 901
كالمحتضر" (١) إذا استلقى في أنه يستقبل به القبلة; لأنها أشرف الجهات واستلقاؤه أمكن لغسله والتصريح بهذا من زيادته على الروضة "ويرفع منه ما يلي الرأس" لينحدر الماء عنه ولا يقف تحته "ويدخل" الغاسل "يده في الكم" إن كان واسعا "وإن ضاق فتح دخاريصه" ليدخل يده منه "فإن لم يجد قميصا أو لم يتأت غسله فيه" لضيقه "ستر ما بين سرته وركبته وحرم النظر إليه" أي إلى ما بينهما; لأنه عورة وإلى غيره إن كان بشهوة إلا في حق الزوجين حيث لا شهوة فجائز مطلقا إذ ليس شيء من أحدهما عورة في حق الآخر "وكره للغاسل نظر" شيء من "البدن" غير العورة "بغير حاجة" ولا شهوة; لأنه قد يكون ببدنه ما يخفيه والذي في المجموع أنه خلاف الأولى وقيل مكروه أما للحاجة كأن أراد معرفة المغسول من غيره فلا كراهة ولا خلاف الأولى. "ولا ينظر المعين" أي يكره له النظر إلى شيء من غير عورته "إلا لضرورة" لما مر قال الشيخ أبو حامد; ولأنه يستحب أن لا ينظر إلى بدن الحي فالميت أولى والمس فيما ذكر كالنظر كما قاله في المجموع وكالمعين فيما ذكر غيره ممن لم يذكر هذا كله في غير الصغير والصغيرة اللذين لا يشتهيان أما فيهما فيجوز النظر إلى جميع بدنهما إلا الفرج "ويغسل ببارد" لأنه يشد البدن بخلاف المسخن فإنه يرخيه "ما لم يحتج المسخن" أي إليه "لوسخ وبرد ونحوه" فإن احتيج إليه فهو أولى لكن لا يبالغ في تسخينه لئلا يسرع إليه الفساد قال الزركشي واستحب الصيمري والماوردي كونه مالحا على كونه عذبا قال الصيمري والمالح البارد أحب إلي من الحار العذب قال أعني الزركشي ولا ينبغي أن يغسل الميت بماء زمزم للخلاف في نجاسته بالموت "ويعده في إناء كبير" كالجب.
стр. 902
"ويبعده عن الرشاش" الحاصل من الغسل لتكون النفس أطيب إليه ولئلا يتأثر بالماء المستعمل ويعد معه إناءين آخرين صغيرا ومتوسطا فيعرف بالصغير من الكبير ويصبه في المتوسط ثم يغسله بالمتوسط قاله في المجموع
"فرع ويعد" الغاسل قبل الغسل "خرقتين نظيفتين" إحداهما للسوأتين والأخرى لباقي البدن صرح به الشيخ أبو حامد وغيره "ويجلسه" عند وضعه على المغتسل "برفق مائلا إلى ورائه" قليلا "ويسند ظهره إلى ركبته اليمنى ويده" اليمنى موضوعة "على كتفيه وإبهامها في نقرة قفاه كيلا يميل" رأسه "ويمر يده اليسرى على بطنه ويبالغ" في إمرارها "لتخرج" منه "الفضلات" ولاحتمال أن يخرج منه شيء بعد غسله أو بعد تكفينه فيفسد بدنه أو كفنه "والمجمرة" بكسر أولها أي المبخرة متقدة "فائحة" بالطيب كالعود "ويكثر المعين الصب" للماء "ليخفي الرائحة" مما يخرج قال في المجموع وفي البيان عن بعض أصحابنا أنه يستحب أن يبخر عند الميت من حين الموت; لأنه ربما ظهر منه شيء فتغلبه رائحة البخور "ثم يضعه مستلقيا" كما كان أولا
"ويغسل" وفي نسخة فيغسل "دبره ومذاكيره" جمعوا الذكر، وإن لم يكن متعددا باعتباره مع ما يتصل به بعد إطلاق اسمه على الكل فيغسل جميع ذلك "وعانته" كما يستنجي الحي "بخرقة منهما" أي من الخرقتين بعد لفها على يده اليسرى واللف هنا واجب لئلا يمس العورة "ثم يلقيها" لتغسل "ويغسل يده بالأشنان" (١) والماء بقيد زاده تبعا للرافعي بقوله "إن تلوثت" قال في الأصل كذا قال الجمهور أنه يغسل السوأتين معا بخرقة واحدة وفي النهاية والوسيط أنه يغسل كل سوأة بخرقة واحدة ولا شك أنه أبلغ في النظافة انتهى.
والجمهور رأوا أن الإسراع في هذا المحل والبعد عنه أولى "ثم يتعهد ما على بدنه من قذر" ونحوه فيغسله بخرقة يلفها على يده كذا قاله الإمام وظاهره أنها خرقة ثالثة وعلى ما مر عن الشيخ أبي حامد وغيره تكون الثانية فعليه كان الأولى للمصنف وأصله تأخير هذا عن قوله
стр. 903
"فرع ثم يلف الخرقة الأخرى على يده" أي اليسرى كما يقتضيه كلامهم وصرح به الخوارزمي وقال الإسنوي إنه متجه ويؤيده أن المتوضئ يزيل ما في أنفه بيساره قال لكن رأيت في نسخة معتبرة من المحرر التعبير باليمنى قامت وبها عبر القمولي في بحره وجواهره لكن لم أر ذلك في المحرر "ويسوكه بأصبعه" أي السبابة فيما يظهر (١) "مبلولة" بماء، وإنما سوكه باليسرى مع أن الحي يتسوك باليمنى خروجا من خلاف من قال بنجاسة الميت; ولأن القذر ثم لا يتصل باليد بخلافه هنا "ولا يفتح أسنانه" لخوف سبق الماء إلى جوفه فيسرع فساده "ثم ينظف بها" يعني بإصبعه الخنصر مبلولة بماء "منخريه" (٢) بأن يزيل ما فيهما من أذى "ثم يوضئه كالحي بمضمضة واستنشاق" للخبر الآتي ولا يكفي عنهما ما مر آنفا بل ذاك كالسواك وزيادة في التنظيف. قال الماوردي ولا يبالغ فيهما بخلاف الحي "ويميل فيهما رأسه لئلا يدخل الماء باطنه" قال في المجموع ويتبع بعود لين ما تحت أظفاره إن لم يقلمها وظاهر أذنيه وصماخيه انتهى والأولى أن يكون ذلك في أول غسلة بعد تليينها بالماء ليحصل لما تحتها تكرار الغسل ذكره السبكي بالنسبة إلى الأظفار قال الزركشي: وينبغي أن ينوي بالوضوء الوضوء المسنون (٣) كما في الغسل "ثم يغسل رأسه ثم لحيته بالسدر" روى الشيخان أنه ﷺ قال لغاسلات ابنته زينب ﵂: "ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها واغسلنها ثلاثا أو خمسا أو سبعا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك بماء وسدر واجعلن في الآخرة كافورا أو شيئا من كافور" (٤) وفي رواية للبيهقي "فإذا كان في آخر غسلة من الثلاث أو غيرها
стр. 904
فاجعلي فيه شيئا من كافور قالت أم عطية منهن فمشطناها ثلاثة قرون" (١) وفي رواية "فضفرنا ناصيتها وقرنيها ثلاثة قرون وألقيناها خلفها". وقوله "إن رأيتن" أي احتجتن "ومشطنا" بالتخفيف وكذا "ضفرنا" أي لوينا "وثلاثة قرون" أي ضفائر القرنين والناصية وقدم غسل الرأس على اللحية; لأنه لو عكس نزل الماء والسدر من رأسه إلى لحيته فيحتاج إلى غسلها ثانيا فالأول أرفق كما في الحي وعبارة الأصل بالسدر والخطمي والواو فيها بمعنى أو والمراد أو نحوهما لكن السدر أولى للنص عليه في الخبر السابق; ولأنه أمسك للبدن "ويسرحهما بمشط" للخبر السابق ولإزالة ما فيهما من سدر ووسخ كما في الحي "واسع الأسنان" لئلا ينتتف الشعر "برفق" ليقل الانتتاف أو لا ينتتف شيء "إن تلبدا" شرط لتسريحهما بواسع الأسنان ويحتمل أنه شرط لتسريحهما مطلقا كما هو ظاهر كلام المجموع (٢) والأول أوجه وقضية كلامهم تقديم تسريح (٣) الرأس على اللحية تبعا للغسل ونقله الزركشي عن بعضهم.
"فإن سقطت شعرة" من رأسه أو لحيته "ردها" إليه بأن يضعها في كفنه لتدفن معه كما سيأتي بزيادة وقال صاحب الأنوار يرد المنتف إلى وسط شعره وتعبير المصنف بالسقوط أعم من تعبير أصله بالانتتاف "ثم يغسل شقه الأيمن مما يلي الوجه" من عنقه إلى قدمه "ثم الأيسر كذلك ثم يحوله لجنبه الأيسر فيغسل شقه الأيمن مما يلي القفا" والظهر من كتفه إلى قدمه "ثم" يحوله "للأيمن فيغسل" شقه "الأيسر كذلك" وقيل شقه الأيمن من مقدمه ثم من ظهره ثم يغسل شقه الأيسر من مقدمه ثم من ظهره وكل سائغ والأول أولى، وهو ما نص عليه الشافعي والأكثرون صرح به الأصل "ولا يعيد غسل رأسه" الشامل هنا للحيته ووجهه لحصول الغرض بغسله أولا بل يبدأ بصفحة عنقه فما تحتها "ويحرم كبه على وجهه" احتراما له بخلافه في حق نفسه في الحياة
стр. 905
يكره ولا يحرم; لأن الحق له فله فعله هذا كله غسلة من غسلات التنظيف. ويستحب أن تكون "هذه الغسلة بالماء والسدر" قال في الأصل والخطمي أي تنظيفا قال السبكي: ولا وجه لتخصيص السدر بالأولى بل الوجه التكرير (١) به إلى أن يحصل النقاء على وفق الخبر والمعنى يقتضيه فإذا حصل النقاء وجب غسله بالماء الخالص وتسن بعدها ثانية وثالثة كغسل الحي فإن استعمل الخالص بعد كل غسلة من غسلات التنظيف كفاه ذلك عن استعماله بعد تمامها ويكون كل مرة من التنظيف واستعمال الماء الخالص بعده غسلة واحدة
وكلامه الأخير بيان لكلام الأصحاب الآتي في كلام المصنف كأصله، وأما كلامه الأول فقال ابنه في التوشيح: قد لا يجعل ذلك خلافا ويقال إنما خصصت الأولى بالذكر لحصول النقاء بها غالبا أي فيكون الآخر بيانا لكلامهم فيتخير الغاسل بين الكيفيتين "ثم" بعد فراغه من الغسلة المذكورة "يصب الماء" الخالص "من قرنه" أي جانب رأسه "إلى قدمه ويستحب" أن يكون "غسله ثلاثا فإن احتاج" إلى زيادة "زاد" بقدر الحاجة بخلاف طهارة الحي لا يزيد فيها على الثلاث; لأن طهارته محض تعبد. والقصد من طهارة الميت النظافة "ويكون" عدد الغسلات "وترا" للخبر السابق "وما دام السدر" أو نحوه "عليه والماء يتغير به فلا يحسب ذلك من الثلاث" كما في طهر الحي فيغسل بعد الغسلة المزيلة للسدر ونحوه ثلاثا بالماء الخالص متوالية في الكيفية الأولى ومتفرقة في الثانية كما تقرر "ويجعل في كل واحدة من" هذه "الثلاث" في غسل غير المحرم بقرينة ما سيأتي "كافور أو" هو "في الأخيرة آكد" للخبر السابق ولتقويته البدن ودفعه الهوام ويكره تركه كما نص عليه في الأم "و" ليكن بحيث "لا يفحش التعبير به" إن لم يكن صلبا "ثم يلين مفاصله بعد الغسل"; لأنها لانت بالماء فيتوخى بالتليين بقاء لينها "ثم يبالغ في تنشيطه" لئلا تبتل أكفانه فيسرع فساده وبهذا فارق غسل الحي ووضوءه حيث استحيوا ترك التنشيف فيهما. قال الأذرعي: وعد صاحب الخصال من السنن التشهد عند غسله
стр. 906
قال وكان مراده عند فراغه منه ويكون كالنائب عنه قال ويحسن أن يزيد اللهم اجعله من التوابين ومن المتطهرين أو يقول اجعلني وإياه انتهى وقياسه أن يأتي في الوضوء بذلك وبدعاء الأعضاء قال السبكي واستحب المزني إعادة الوضوء في كل غسلة (١)
"فرع وليتعهد" ندبا "مسح بطنه كل مرة أرفق مما قبلها فلو خرج" من الميت "بعد الغسل نجاسة" ولو من السبيلين وقبل التكفين "كفاه غسلها" من غير إعادة غسل أو غيره لسقوط الفرض بما جرى وحصول النظافة بإزالة الخارج كما لو أصابته نجاسة من غيره; ولأنه غير مكلف فلا ينتقض طهره وغسل النجاسة (٢) فيما ذكر واجب كما صرح به الأصل "ولا يجنب ميت" فلو وطئ أو خرج منه مني بعد غسله لم تجب إعادته وتعبيره بما قاله أعم من تعبير أصله بالوطء وعلم من كلامه أنه لا يحدث أيضا بالمس فيما إذا اختلف مع الماس ذكورة وأنوثة وبه صرح أصله في الميتة
"فصل الرجال أولى بغسل الرجل والنساء" أولى "بالمرأة" وسيأتي ترتيبهم "و" لكن "للرجل غسل زوجته" ولو كتابية (٣)
"وإن تزوج أختها" أو أربعا سواها; لأن حقوق النكاح لا تنقطع بالموت (٤) بدليل التوارث "وقال ﷺ لعائشة ما ضرك لو مت قبلي فغسلتك
стр. 907
وكفنتك وصليت عليك ودفنتك" (١) رواه النسائي وابن حبان وصححه
"ولها غسله" بالإجماع ولقول عائشة ﵂ "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسل رسول الله ﷺ إلا نساؤه" (٢) رواه أبو داود والحاكم وصححه على شرط مسلم "بلا مس" منها له في هذه ومنه لها فيما قبلها كأن يلف الغاسل منهما (٣) على يده خرقة "لئلا ينتقض الوضوء" يعني وضوء الغاسل "فقط". أما وضوء المغسول طهر مطلقا فلا ينتقض، وإن نقضنا طهر الملموس الحي; لأن الشرع أذن فيه للحاجة; ولأن الميت غير مكلف، وهذا ليس تكرار مع ما قدمه من لف الخرقة على يده الشامل لأحد الزوجين إذ ذاك بالنظر لكراهة اللمس، وهذا بالنظر لانتقاض الطهر به "وإن انقضت عدتها وتزوجت" كأن ولدت عقب موته ثم تزوجت فلها غسله; لأنه حق ثبت لها فلا يسقط كالميراث "لا مطلقة ولو رجعية" فليس لأحدهما غسل الآخر، وإن مات في العدة لتحريم النظر وفي معنى المطلقة المفسوخ نكاحها قال الأذرعي: والقياس في المعتدة عن وطء شبهة (٤) أن أحد الزوجين لا يغسل الآخر كما لا يغسل أمته المعتدة، وهو ظاهر ورد الزركشي له بأنهم جعلوها كالمكاتبة في جواز النظر لما عدا ما بين السرة والركبة منها فلا منع من الغسل يرد بأن الحق في المكاتبة لم يتعلق بأجنبي بخلافه في المعتدة.
"وله" أي للسيد "غسل" أمته حتى "مدبرته (٥) وأم ولده ومكاتبته"; لأنهن مملوكان له فأشبهن الزوجة بل أولى فإنه يملك الرقبة والبضع جميعا
стр. 908
وكتابة المكاتبة ترتفع بموتها "لا" غسل "أمته المزوجة والمعتدة والمستبرأة" لتحريم بضعهن عليه وكذا المشتركة والمبعضة بالأولى وقضية التعليل أن كل أمة تحرم عليه كوثنية ومجوسية كذلك، وهو ما بحثه البارزي لكن قال الإسنوي مقتضى إطلاق المنهاج جواز ذلك، وهو ظاهر مع موافقته على أنه لا يغسل المزوجة والمعتدة لكن لم يعلله بما مر بل بأنه لا يجوز له النظر إليهما ولا الخلوة بهما، وهو ممنوع فقد صرحوا في النكاح باشتراكهما مع الوثنية والمجوسية ونحوهما في جواز النظر لما عدا ما بين السرة والركبة المقتضي ذلك لجواز الخلوة بهن أيضا، وعليه قد يقال له لم جوزت له تغسيل الوثنية والمجوسية دون المزوجة والمعتدة ويجاب بأن الحق في هاتين تعلق بأجنبي بخلاف في الوثنية والمجوسية واعترض الإسنوي على ما ذكر في المستبرأة بأن الصواب خلافه; لأنها إن كانت مملوكة بالسبي فالأصح حل غير الوطء من التمتعات فغسلها أولى أو بغيره فلا يحرم عليه الخلوة بها ولا لمسها ولا النظر إليها بلا شهوة (١) كما ذكر في بابه فلا يمتنع عليه غسلها ويجاب بأن تحريم الغسل (٢) ليس لما قاله بل التحريم البضع كما صرح به في المجموع فالصواب أنها كالمعتدة بجامع تحريم البضع وتعلق الحق بأجنبي "وليس لأمته" ولو غير مزوجة ومعتدة ومستبرأة "ونحوها" كمدبرة وأم ولده ومكاتبته "غسله" لانتقال ملكه عنهن بإرث أو عتق ويفارق النكاح ببقاء حقوقه كما مر; ولأن المكاتبة كانت محرمة عليه
"ولرجال المحارم غسلها" أي المرأة وقضية كلام الغزالي تجويزه مع وجود النساء (٣)، وهو ظاهر بناء على أن الترتيب بينهما مستحب لا واجب وبه صرح
стр. 909
ابن جماعة شارح المفتاح قال الأذرعي والذي يقوى عندي وأكاد أجزم به أن الأكثرين عليه وأيده بأمور (١) ثم قال ولا شك في بعد تعصية الأب بغسل ابنته مع وجود أجنبية أو الأم ابنها مع وجود أجنبي وذكر البلقيني نحوه
"فرع لو مات رجل وليس هناك إلا أجنبية أو عكسه يمما" (٢) إلحاقا لفقد الغاسل بفقد الماء ويؤخذ منه أنه لا يزيل النجاسة أيضا إن كانت والأوجه خلافه (٣) ويفرق بأن إزالتها لا بدل لها بخلاف غسل الميت وبأن التيمم إنما يصح بعد إزالتها كما مر ولو قال يمم كان أولى; لأن العطف بأو "ولو حضر الميت" الذكر "كافر ومسلمة" أجنبية "غسله" الكافر; لأن له النظر إليه دونها "وصلت عليه" المسلمة "والصغير الذي لا يشتهى يغسله الفريقان" الرجال والنساء لحل النظر والمس له "والخنثى" المشكل "يغسله المحارم من كل" من الفريقين "فلو عدموا" أي محارمه وكان كبيرا يشتهى "يمم" كما لو لم يحضر الميتة إلا أجنبي، وهذا ظاهر كلام الأصل والذي صححه في المجموع ونقله عن اتفاق الأصحاب أن لكل من الفريقين تغسيله (٤) للحاجة واستصحابا بالحكم الصغير قال ويغسل فوق ثوب ويحتاط الغاسل في غض
стр. 910
البصر والمس ويفرق بينه وبين الأجنبي بأنه هنا يحتمل الاتحاد في جنس الذكورة أو الأنوثة بخلافه ثم ويفارق ذلك أخذهم فيه بالأحوط في النظر بأنه هنا محل حاجة (١)
"فصل الرجال يقدمون" في غسل الرجل "على الزوجة"; لأنهم به أليق وأقرب "وأولاهم بغسل الرجل أولاهم بالصلاة عليه" وسيأتي بيانه نعم الأفقه أولى من الأسن هنا وتعبيره بهذا مع ما يأتي ثم سالم من إيهام أن المولى والوالي كالأجانب بخلاف عبارة الأصل "ثم الرجال الأجانب"; لأنهم به أليق "ثم الزوجة"; لأن منظورها أكثر، وهذا يغني عن قوله الرجال يقدمون على الزوجة وكلامهم يشمل الزوجة الأمة
وذكر فيها ابن الأستاذ احتمالين أحدهما لا حق لها (٢) لبعدها عن المناصب والولايات ويدل له كلام ابن كج الآتي "ثم النساء المحارم" لوفور شفقتهن فإن استوت اثنتان منهن في القرب فكنظيره فيما ذكره لقوله "والأولى بغسل المرأة نساء القرابة"، وإن كن غير محارم كبنت عم; لأنهن أشفق من غيرهن "وأولاهن ذات رحم محرم"، وهي من لو قدرت ذكرا لم يحل له نكاحها كأم وبنت وبنت ابن وبنت بنت "وإن كانت حائضا" أو نحوها فإنها أولاهن.
قال في الروضة ولا كراهة في غسل الجنب والحائض قال الأذرعي وفيه مع الاغتناء بغيرهما نظر وقد صح أن الملائكة لا تدخل بيتا فيه جنب وحدث الحيض أغلظ
"فإن تساويا" أي اثنتان في المحرمية "فالتي في محل العصوبة" لو كانت ذكرا أولى "فالعمة أولى من الخالة" فإن استوتا قدمت القربى فالقربى فإن استوتا قدم بما يقدم به في الصلاة على الميت فإن استوتا في الجميع ولم تتشاحا فذاك وإلا أقرع بينهما فإن عدمت المحرمية" كبنت عم وبنت عمة وبنت
стр. 911
خال وبنت خالة "فالأقرب الأقرب" (١) أولى وكان الأولى أن يقول فالقربى فالقربى ثم ذات الولاء كما نص عليه الشافعي وجزم به في المجموع "ثم الأجنبيات"; لأنهن بالأنثى أليق قال الأذرعي ولم يذكروا محارم الرضاع ويشبه أن يقدمن (٢) على الأجنبيات. ا هـ. ومثله محارم المصاهرة (٣) ثم رأيت البلقيني بحثهما معا قال وعليه تقدم بنت عم بعيدة (٤) هي محرم من الرضاع (٥) على بنت عم أقرب منها بلا محرمية انتهى. وعلى ذلك ينبغي تقديم محارم الرضاع (٦) على محارم المصاهرة "ثم الزوج"; لأن منظوره أكثر (٧) "ثم رجال المحارم كترتيبهم في الصلاة" الآتي بيانه إلا فيما مر أما غير المحارم كابن العم فكالأجنبي لا حق له في ذلك، وإن كان له حق في الصلاة فتعبيره برجال المحارم أولى من تعبير أصله برجال القرابة "والمسلم الأجنبي أولى" بالمسلم "من الكافر والقاتل القريبين" لانقطاع الموالاة بين كل منهما وبين الميت فشرط كل من قدم أن يكون مسلما (٨)، وأن لا يكون قاتلا للميت ولو بحق كما في إرثه منه كما صرح به الأصل وكذا الكافر البعيد أولى (٩) بالكافر من
стр. 912
المسلم والقاتل القريبين كما صرح به القمولي في الأولى قال الزركشي: وينبغي أن يشترط (١) أن لا يكون بينهما عداوة بل هو أولى من القاتل بحق قال الأذرعي: وقضية كلام الرافعي أن الصبا والفسق لا يؤثران وفيه نظر; لأنه أمانة وليسا من أهلها وقد جزم الصيمري بأنه لا حق لهما في الصلاة فينبغي أن يكون هنا كذلك بل أولى; لأنهما لا يوثق بهما للخلوة غالبا بخلاف الصلاة قال وقضية إلحاق ما نحن فيه بالإرث أنه لا حق للعبد هنا أيضا. ويؤيده قول ابن كج والمملوك ليس بولي في الصلاة على الميت ولا في غيرها لنقصه بالرق انتهى وكالصبي فيما قاله المجنون "وللأقرب إيثار الأبعد" إن كان "من جنسه" بخلاف ما إذا لم يكن من جنسه فليس للرجال التفويض للنساء ولا عكسه كذا في الروضة ونقله الرافعي عن الجويني وغيره، وهو مبني على طريقة هؤلاء أعني الجويني وغيره من وجوب الترتيب المذكور أما على استحبابه، وهو ما قدمته عن جماعة فيجوز ذلك، وهو ما صرح به في المطلب ثم ساق كلام الجويني مساق الأوجه الضعيفة بل كلام ولده الإمام يشعر بأنه إنما هو رأي له فالمعتمد الجواز غايته أن المفوض ارتكب خلاف الأولى لتفويته حق الميت عليه بنقله إلى غير جنسه على أنه يمكن تقرير كلام الجويني ومن تبعه على ذلك بأن يقال خلاف الأولى قد يوصف بعدم الجواز من جهة إطلاق الجائز على مستوى الطرفين فإن قلت كلام الجويني يؤيده قول الروياني لا يجوز التوكيل في غسل الميت; لأنه فرض كفاية قلت لا; لأن القصد من التوكيل العمل عن الموكل بخلاف ما هنا على أن الأذرعي رد على الروياني فقال الأشبه جواز التوكيل فيه لجواز الاستئجار (٢) عليه وذكر القمولي نحوه.
وأما ما جمع به الزركشي بين ما هنا وما مر عن الغزالي في الفصل السابق
стр. 913
من أن ما هنا في التفويض بخلافه فيما مر (١) فلا يجدي فتأمله
"وأقارب الكافر (٢) الكفار أولى به" أي بتجهيزه من غسل ونحوه لقوله تعالى "والذين كفروا بعضهم أولياء بعض" فإن تركوه أو لم يوجدوا تولاه المسلم قال الأذرعي والظاهر أن المراد بالحرام الرقيق فلعل سيده المسلم أولى به وقد يتوقف فيما قاله وقول المصنف به أولى من قول أصله بغسله "ويجزئ لحائض" ونحوها "غسل واحد"; لأن الغسل الذي كان عليهما سقط بالموت.
"فصل ويكره التقليم" لأظفار الميت غير المحرم "وإزالة شعر الميت" المذكور كشعر إبطه وعانته ورأسه، وإن اعتاد إزالته حيا; لأن أجزاء الميت محترمة فلا تنتهك بذلك ولم يثبت فيه شيء بل ثبت الأمر بالإسراع المنافي لذلك; ولأن مصيره إلى البلى فصار "كما" لو كان أقلف "لا يختن" (٣)، وإن كان بالغا; لأنه جزء فلا يقطع كيده المستحقة في قطع سرقة أو قود ومحل كراهة إزالة الشعر إذا لم تدع إليها حاجة وإلا كأن لبد شعر رأسه (٤) حيا بصمغ أو نحوه بحيث لا يصل الماء إلى أصله إلا بإزالته وجبت كما صرح به الأذرعي في قوله (٥)
"ويحرم ذلك من المحرم" قبل تحلله الأول إبقاء لأثر الإحرام إلا أن يحتاج إلى إزالة الشعر فيأتي فيه ما مر "و" يحرم "تطييبه" (٦) لقوله ﷺ في المحرم الذي وقصته ناقته فمات "اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه ولا
стр. 914
تمسوه بطيب ولا تخمروا رأسه (١) فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا" (٢) رواه الشيخان. وحرمة التطييب معلومة مما سيأتي "لا المعتدة" المحدة فلا يحرم تطيبها; لأن تحريم الطيب عليها إنما كان للاحتراز عن الرجال وللتفجع على الزوج وقد زالا بالموت بخلافه في المحرم فإنه كان لحق الله تعالى ولا يزول بالموت "وكذا" يحرم "إلباس مخيط وستر رأس لرجل" محرم "و" ستر "وجه" وكف بقفاز "لامرأة" محرمة لما مر
"ولا بأس بالتجمير عند غسله" أي المحرم كما لا بأس بجلوسه عند العطار وما ذكروه من أنه يكره له أن يجلس عند العطار بقصد الرائحة لا يأتي هنا للحاجة إلى ذلك هنا بخلاف ما هناك وقضية كلامهم أنه لا يحلق رأسه إذا مات وبقي عليه الحلق ليأتي يوم القيامة محرما وما هو ظاهر لانقطاع تكليفه فلا يطلب منه حلق ولا يقوم غير به كما لو كان عليه طواف أو سعي "ومن طيبه" أي المحرم "أو ألبسه" أو قلم ظفره أو أزال شعره أو نحوها "عصى ولا فدية كمن قطع عضو ميت"; لأن أجزاءه غير مضمونة وقضية ذلك أنه لا فدية في حلق شعر الميت (٣) المحرم ولا في تقليم ظفره لكن قال البلقيني الذي أعتقده إيجابها على الفاعل كما لو حلق شعر نائم والأول أوجه; لأن النائم بصدد عوده إلى الفهم; ولهذا ذهب جماعة إلى تكليفه بخلاف الميت "ويصر في كفنه" (٤) أي الميت "ما ينتف من شعره أو قلم من ظفره ويدفن معه"
стр. 915
ومثله الساقط بلا نتف أو تقليم وقد وجد في نسخة بدل ينتف ينتتف بزيادة تاء.
"فرع، وإن كان بحيث لو غسل تهرى" لحرق أو نحوه "يمم" بدل الغسل لعسره وتعبيره بذلك أعم من قول أصله لو تحرق مسلم بحيث إلى آخره "وإن خيف" من غسله "إسراع فساد" له "بعد الدفن" لقروح كانت به أو نحوها "غسل" وجوبا; لأن الجميع صائر إلى البلى وتعبيره بذلك أعم من تعبير أصله بالقروح "وإن رأى الغاسل منه ما يعجبه" من استنارة وجه وطيب ريح ونحوهما "ذكره" ندبا "أو ما يكره" من سواد وجه ونتن ونحوهما "ستره" وجوبا لخبر "من غسل ميتا فكتم عليه غفر الله له أربعين مرة" (١) أي لو أذنبها رواه الحاكم وصححه على شرط مسلم ولخبر "اذكروا محاسن موتاكم وكفوا عن مساويهم" (٢) رواه الترمذي وضعفه "إلا لمصلحة" كأن كان الميت مبتدعا يظهر البدعة فلا يجب ستره بل يجوز التحدث به لينزجر الناس عنها والخبر خرج مخرج الغالب قال الأذرعي وينبغي أن يتحدث بذلك (٣) عن المستتر ببدعته عند المطلعين عليها المائلين إليها لعلهم ينزجرون بذلك قال والوجه أن يقال (٤) إذا رأى من المبتدع أمارة خبر يكتمها ولا يندب له ذكرها لئلا يغري ببدعته وضلالته بل لا يبعد إيجاب الكتمان (٥) عند ظن الإغراء بها والوقوع فيها بذلك "ويجعل" ندبا "شعر المرأة ثلاث ذوائب" وتلقى "خلفها" لخبر أم عطية السابق وكأنهم جروا على الغالب وإلا فظاهر أن الرجل (٦) إذا كان له شعر طويل كذلك. والذوائب جمع ذؤابة وكان أصله