الكفار وثانيا بسبب القتال كان أولى "ولو" مات "بدابته" الأولى بدابة بالتنكير أي بسببها "و" بسبب "سلاحه أو سلاح مسلم" آخر "خطأ" أو تردى في وهدة "أو" مات و "جهل السبب" الذي مات به، وإن لم يكن به أثر دم; لأن الظاهر أن موته بسبب القتال وقوله خطأ إيضاح فإن ما خرج به علم من قوله بسبب القتال "فإن" جرح في القتال وقد "بقيت فيه" بعد انقضائه "حياة مستقرة فلا" أي فليس بشهيد "وإن قطع بموته" بذلك; لأنه عاش بعده فأشبه ما لو مات بغير سببه "ولا من مات فجأة فيه" أو بمرض "أو قتله أهل بغي (١) أو اغتيل" أي قتله غيلة مسلم مطلقا أو كافر في غير قتال "واسم الشهيد في الفقه مخصص بمن لا يغسل ولا يصلى عليه" ممن مات منا بالسبب المذكور "وأما في الأجر" في الآخرة "فكل مقتول ظلما شهيد" ذكر شهيد تأكيد "وكذا مبطون ومطعون وغريق وغريب" أي ماتوا بالبطن والطاعون والغرق والغربة "ومن مات عشقا أو بالطلق" أو بدار الحرب أو نحو ذلك فكلهم شهداء في الأجر خاصة فيجب غسلهم والصلاة عليهم; لأن الأصل وجوبهما، وإنما خالفناه في الميت بسبب القتال تعظيما لأمره وترغيبا فيه وبالجملة فالشهداء ثلاثة أقسام. شهيد في حكم الدنيا بمعنى أنه لا يغسل ولا يصلى عليه وفي حكم الآخرة بمعنى أن له ثوابا خاصا، وهو من قتل في قتال الكفار بسببه وقد قاتل لتكون كلمة الله هي العليا وشهيد في الآخرة دون الدنيا، وهو من قتل ظلما بغير ذلك والمبطون ونحوهما وشهيد في الدنيا دون الآخرة، وهو من قتل في قتال الكفار بسببه وقد غل من الغنيمة أو قتل مدبرا أو قاتل رياء أو نحوه واستثنى بعضهم من الغريب العاصي بغربته (٢) كالآبق والناشزة
стр. 947
ومن الغريق العاصي بركوبه البحر كمن ركبه لشرب الخمر قال الزركشي والظاهر أن هذا لا يمنع الشهادة قال، وأما الميت عشقا فشرطه العفة والكتمان (١) لخبر "من عشق فعف وكتم فمات مات شهيدا" وقد ضعف إسناده ومنهم من صوب وقفه على ابن عباس، وهو الأشبه ويجب أن يراد به من يتصور (٢) إباحة نكاحه لها شرعا ويتعذر الوصول إليها كزوجة الملك وإلا فعشق المرد معصية فكيف تحصل بها درجة الشهادة قال ويستثنى من الميتة بالطلق الحامل بزناها
"وأما قاطع الطريق" إذا استحق الصلب مع القتل "فيقتل ثم يغسل ويصلى عليه ثم يصلب مكفنا وتغسل" وجوبا "نجاسة شهيد" (٣) حصلت بغير سبب الشهادة "ولو أدى غسلها إلى غسل دمه" الحاصل بسبب الشهادة; لأنها ليست من أثر العبادة بخلاف ما كان بسببها من الدم فتحرم إزالته لإطلاق النهي عن غسل الشهيد; ولأنه أثر عبادة
"فائدة" سمي الشهيد المذكور شهيدا لمعان منها أن الله ورسوله شهدا له بالجنة ومنها أنه يبعث وله شاهد بقتله، وهو دمه; لأنه يبعث وجرحه يتفجر دما ومنها أن ملائكة الرحمة يشهدونه (٤) فيقبضون روحه
"فرع والأولى" في تكفين الشهيد "تكفينه في ثيابه الملطخة بالدم" لخبر
стр. 948
أبي داود بإسناد حسن "عن جابر قال رمي رجل بسهم في صدره أو حلقه فمات فأدرج في ثيابه كما هو ونحن مع النبي ﷺ " (١) والمراد ثيابه التي مات فيها واعتيد لبسها غالبا، وإن لم تكن ملطخة بالدم لكن الملطخة أولى ذكره في المجموع فالتقييد في كلام المصنف كأصله بالملطخة لبيان الأكمل وعلم بكونها أولى أنه لا يجب تكفينه فيها كسائر الموتى وفارق الغسل بإبقاء أثر الشهادة على البدن والصلاة عليه بإكرامه والإشعار باستغنائه عن الدعاء "فإن لم تكفه ثيابه تمم عليها" ندبا إن سترت العورة (٢) وإلا فوجوبا فتعبيره بذلك أولى من قول أصله فإن لم يكن ما عليه سابغا تمم (٣) ومن قول المجموع فإن لم يكن ما عليه كافيا للكفن الواجب وجب لتمامه "ولو أراد الورثة نزعها" وتكفينه في غيرها "نزعت" (٤) أي جاز نزعها وتكفينه في غيرها سواء أكان عليه أثر الشهادة أم لا وقضية كلامهم أنه لو أراد بعضهم ذلك وامتنع الباقون أجيب الممتنعون كما لو قال بعضهم فكفنه في ثوب وامتنع الباقون ويحتمل خلافه; لأن أصل التكفين واجب بخلاف تكفين الشهيد في ثيابه "وتنزع" ندبا كما صرح به الماوردي وغيره "آلة الحرب عنه" كدرع "و" كذا "الخف ونحوه" مما لا يعتاد لبسه غالبا كجلد وفروة وجبة محشوة كسائر الموتى، وفي أبي داود في قتلى أحد الأمر بنزع الحديد والجلود ودفنهم بدمائهم
стр. 949
وثيابهم وقضية كلامه أن الخف (١) ونحوه ليسا من آلة الحرب، وهو مخالف لكلامه في شرح الإرشاد والأمر قريب ومع ذلك فتعبيره بما قاله أعم من قول أصله، وأما الدرع والجلد والفراء والخفاف فتنزع
"فرع وأولى الناس بالصلاة على الميت" ولو امرأة من يأتي; لأنها من قضاء حق الميت كالتكفين والدفن "وإن أوصى" بها "لغيره"; لأنها حقه فلا تنفذ وصيته بإسقاطها كالإرث وما ورد من أن أبا بكر وصى أن يصلي عليه عمر فصلى، وأن عمر وصى أن يصلي عليه صهيب فصلى، وأن عائشة وصت أن يصلي عليها أبو هريرة فصلى، وأن ابن مسعود وصى أن يصلي عليه الزبير فصلى محمول على أن أولياءهم أجازوا الوصية فيقدم "الأب" وقوله "أو نائبه" من زيادته وكغير الأب أيضا نائبه "ثم أبوه، وإن علا ثم الابن ثم ابنه، وإن سفل" بتثليث الفاء وخالف ذلك ترتيب الإرث بأن معظم الغرض الدعاء للميت فقدم الأشفق; لأن دعاءه أقرب إلى الإجابة "ثم العصبات" النسبية أي بقيتهم "على ترتيب الإرث" في غير ابني عم أحدهما أخ لأم كما سيأتي فيقدم الأخ الشقيق ثم الأخ للأب ثم ابن الأخ الشقيق ثم ابن الأخ للأب وهكذا وسيأتي بعضه. "ويقدم مراهق" والمراد مميز "أجنبي على امرأة قريبة ولو اجتمع ابنا عم أحدهما أخ من أم قدم" هو لترجحه بأخوة الأم والأم، وإن لم يكن لها دخل في إمامة الرجال لها مدخل في الصلاة في الجملة; لأنها تصلي مأمومة ومنفردة وإمامة للنساء عند فقد الرجال فقدم بها "كما يقدم الأخ من الأبوين" على الأخ من الأب "ثم" بعد العصبات النسبية "المولى" فيقدم "المعتق ثم عصباته" فيقدم عصباته النسبية ثم معتقه ثم عصباته النسبية وهكذا وذكر لفظ المولى من زيادته ولا فائدة له غير الإجمال ثم التفصيل بما بعده "ثم السلطان" (٢) من زيادته وبه صرح الصيمري والمتولي "ثم الأرحام" أي ذوي الأرحام ويقدم "الأقرب فالأقرب فيقدم أبو الأم
стр. 950
ثم الأخ للأم ثم الخال ثم العم للأم" فالأخ من الأم هنا من ذوي الأرحام بخلافه في الإرث وقضية كلامه كأصله تأخير بني البنات عن هؤلاء لكن قدمهم في الذخائر (١) على الأخ للأم وبما تقرر علم أنه لا حق في الصلاة للزوج ولا للمرأة وظاهر أن محله إذا وجد مع الزوج غير الأجانب ومع المرأة ذكر وإلا فالزوج مقدم على الأجانب والمرأة تصلي وتقدم بترتيب الذكر. قال الأذرعي وفي تقديم السيد على أقارب الرقيق (٢) الأحرار نظر يلتفت إلى أن الرق هل ينقطع بالموت أم لا قال الإسنوي وقد سبق في الغسل أن شرط المقدم فيه أن لا يكون قاتلا والقياس هنا مثله قلت ونقله في الكفاية عن الأصحاب
"فرع" لو "استوى اثنان في درجة" كابنين وأخوين وكل منهما أهل للإمامة "قدم الأسن في الإسلام غير الفاسق والرقيق والمبتدع على الأفقه" منه عكس سائر الصلوات; لأن الغرض هنا الدعاء ودعاء الأسن أقرب إلى الإجابة (٣) وسائر الصلوات محتاجة إلى الفقه لوقوع الحوادث فيها أما الفاسق والمبتدع فلا حق لهما في الإمامة، وأما الرقيق فالأفقه مقدم عليه إلا أن يكون رقيقا فالأسن مقدم عليه قال في المجموع: فإن استويا في السن قدم الأفقه والأقرأ و الأورع بالترتيب السابق في سائر الصلوات وقضية كلامهم تقديم الفقيه على الأسن غير الفقيه، وهو ظاهر، وإن اقتضت العلة خلافه (٤) "ويقدم الحر" العدل "على رقيق" ولو "أقرب" وأفقه وأسن; لأنه أليق بالإمامة; لأنها ولاية "كالعم الحر" فإنه مقدم "على الأب الرقيق" مطلقا "وكذا" يقدم الحر العدل "على رقيق فقيه" كما يؤخذ مما قبله أيضا ويقدم
стр. 951
ثم الأخ للأم ثم الخال ثم العم للأم" فالأخ من الأم هنا من ذوي الأرحام بخلافه في الإرث وقضية كلامه كأصله تأخير بني البنات عن هؤلاء لكن قدمهم في الذخائر (١) على الأخ للأم وبما تقرر علم أنه لا حق في الصلاة للزوج ولا للمرأة وظاهر أن محله إذا وجد مع الزوج غير الأجانب ومع المرأة ذكر وإلا فالزوج مقدم على الأجانب والمرأة تصلي وتقدم بترتيب الذكر. قال الأذرعي وفي تقديم السيد على أقارب الرقيق (٢) الأحرار نظر يلتفت إلى أن الرق هل ينقطع بالموت أم لا قال الإسنوي وقد سبق في الغسل أن شرط المقدم فيه أن لا يكون قاتلا والقياس هنا مثله قلت ونقله في الكفاية عن الأصحاب
"فرع" لو "استوى اثنان في درجة" كابنين وأخوين وكل منهما أهل للإمامة "قدم الأسن في الإسلام غير الفاسق والرقيق والمبتدع على الأفقه" منه عكس سائر الصلوات; لأن الغرض هنا الدعاء ودعاء الأسن أقرب إلى الإجابة (٣) وسائر الصلوات محتاجة إلى الفقه لوقوع الحوادث فيها أما الفاسق والمبتدع فلا حق لهما في الإمامة، وأما الرقيق فالأفقه مقدم عليه إلا أن يكون رقيقا فالأسن مقدم عليه قال في المجموع: فإن استويا في السن قدم الأفقه والأقرأ و الأورع بالترتيب السابق في سائر الصلوات وقضية كلامهم تقديم الفقيه على الأسن غير الفقيه، وهو ظاهر، وإن اقتضت العلة خلافه (٤) "ويقدم الحر" العدل "على رقيق" ولو "أقرب" وأفقه وأسن; لأنه أليق بالإمامة; لأنها ولاية "كالعم الحر" فإنه مقدم "على الأب الرقيق" مطلقا "وكذا" يقدم الحر العدل "على رقيق فقيه" كما يؤخذ مما قبله أيضا ويقدم
стр. 952
فصل يقف الإمام والمنفرد ندبا عند رأس الذكر ولو صبيا
"وعند عجيزة غيره" من أنثى وخنثى للاتباع رواه في الأول أبو داود والترمذي وحسنه وفي الثاني في الأنثى الشيخان وقيس بها الخنثى والمعنى فيه محاولة سترهما وتعبيره بغيره أولى من اقتصار أصله على الأنثى لكن فيه تغليب; لأن العجيزة إنما تقال في المرأة وغيرها يقال فيه عجز كما يقال فيها أيضا قال بعض الغسيلي اليمن ولا يبعد أن يأتي هذا التفصيل (١) في الصلاة على القبر واستبعده الزركشي وعندي أنه ليس ببعيد بل هو حسن عملا بالسنة في الأصل "فإن
стр. 953
تقدم" المصلي "على الجنازة الحاضرة أو القبر لم تصح صلاته" كما في تقدم المأموم على إمامه (١) أما المتقدم على الغائبة فصلاته صحيحة للحاجة
"فرع فإن اجتمع جنائز ورضي الأولياء بواحد" معين منهم أو من غيرهم "فله" أي للواحد "جمعهم بصلاة واحدة" سواء أكانوا ذكورا أم إناثا أم ذكورا وإناثا لخبر البيهقي بإسناد حسن أن ابن عمر صلى على تسع جنائز رجال ونساء فجعل الرجال مما يليه والنساء مما يلي القبلة ولخبر أبي داود بإسناد صحيح "أن سعيد بن العاص صلي على زيد بن عمر بن الخطاب وأمه أم كلثوم بنت علي ﵃ فجعله مما يليه وجعلها مما يلي القبلة وفي القوم نحو ثمانين من الصحابة فقالوا هذه السنة"; ولأن مقصودها الدعاء ويمكن جمعها فيه "و" له "إفراد كل" بصلاة "وهو أولى"; لأنه أكثر عملا وأرجى للقبول، وليس هو تأخيرا كثيرا قال الرافعي وقد يقتضي الحال الجمع ويتعذر إفراد كل جنازة بصلاة أي كما لو خيف تغير بعضهم أو ضاق الوقت عن الدفن وهاتان الكيفيتان تأتيان أيضا فيما إذا لم تتعدد الأولياء كأن كان ولي الكل واحدا، وهو ظاهر وفرق بين أولوية الإفراد هنا وأولوية الجمع في اختلاط المسلمين بالكفار بأن الإفراد فيه تعظيم، وهو لا يلائم حال الشك في السبب المحرم للصلاة بخلافه هنا "فإن رضوا بغير معين منهم" أو تنازعوا في التقديم وثم جنازة سابقة "فولي السابقة" أولى ذكرا كان ميته أو لا، وإن كان ولي المتأخرة أفضل "ثم" إن لم يكن سابقة تقدم "بالقرعة" لما مر. ولك أن تقول لم لم يقدموا بالصفات
стр. 954
قبل الإقراع كما يأتي نظيره (١).
"فلو جمعهم" الإمام للصلاة "وضعوا بين يديه واحدا خلف واحد إلى جهة القبلة" ليحاذي الجميع سواء أجاءوا مرتبين أم معا ولم يختلف النوع "فإن جاءوا معا" واختلف النوع "قرب إلى الإمام الرجل ثم الطفل ثم الخنثى ثم المرأة" لما مر من الآثار ولئلا يتقدم ناقص على كامل ويحاذي برأس الرجل عجيزة المرأة وفارق ما ذكره الدفن حيث يقدم فيه الرجل إلى القبلة ثم من بعده بأن قرب الإمام مطلوب، وهو ممكن في الصلاة ففعل بخلافه في الدفن "وإن حضر خناثى" معا أو مرتبين "جعلوا صفا عن يمينه رأسا لرجل" أي رأس كل واحد عند رجل الآخر لئلا تتقدم أنثى على ذكر "فإن" وفي نسخة، وإن "اتحد النوع" بأن كان كل منهم ذكرا أو أنثى أو خناثى "قرب" إليه "أفضلهم ورعا وتقوى" ونحوهما مما يرغب في الصلاة عليه "وإن كان رقيقا" لزوال الرق بالموت كما مر "فإن استووا" ورضي الأولياء بتقديم واحد فذاك وإلا "أقرع" وقد صرح الأصل بالشقين معا فإن صلوا على كل واحد وحده والإمام واحد قدم من يخاف فساده ثم الأفضل قال الماوردي هذا إن تراضوا وإلا أقرع بين الفاضل وغيره واستشكله في الكفاية بالتقريب إلى الإمام ويجاب بأنه أخف من التقديم في الصلاة
"وإن تعاقبوا لم ينح سابق"، وإن كان مفضولا "إلا لأنوثة" فيه ولو محتملة فتنحى الأنثى للذكر ولو صبيا وللمشكل وينحى المشكل للذكر لئلا تتقدم أنثى على ذكر، وإنما لم ينح الصبي للرجل; لأنه قد يقف معه في الصف بخلاف الأنثى والخنثى وتعبيره بما ذكر أولى من اقتصار أصله على تنحية المرأة للذكر ومن لم يرض بصلاة غيره صلى على ميته ذكره الأصل
стр. 955
فصل وأركانها سبعة
"الأول النية" كغيرها ولخبر "إنما الأعمال بالنيات" (١) "ويجب قرنها بالتكبيرة الأولى" والتعرض للفرضية كما في غيرها ووجوب التعرض لها يؤخذ من قوله "ولو نوى الفرض من غير ذكر الكفاية أجزأ ولا يجب تعيين الميت" (٢) ولا معرفته كما صرح به الأصل "فيكفي قصد من صلى عليه الإمام" فالعبرة بنوع تمييز فلو صلى على جماعة كفى قصدهم، وإن لم يعرف عددهم قال الروياني فلو صلى (٣) على بعضهم ولم يعينه ثم صلى على الباقي كذلك لم تصح قال ولو اعتقد أنهم عشرة فبانوا أحد عشر أعاد الصلاة على الجميع; لأن فيهم من لم يصل عليه، وهو غير معين قال ولو اعتقد أنهم أحد عشر (٤) فبانوا عشرة فالأظهر الصحة "فإن عين وأخطأ" كأن صلى على زيد أو على الكبير أو الذكر من أولاده فبان عمرا أو الصغير أو الأنثى "بطلت" صلاته أي لم تصح إلا مع الإشارة كما مر بيانه في صفة الأئمة. وصرح في الروضة هنا بهذا المستثنى ولو أحرم الإمام بالصلاة على جنازة ثم حضرت أخرى وهم في الصلاة تركت حتى يفرغ ثم يصل على الثانية; لأنه لم ينوها أولا ذكره في المجموع "ويجب" على المأموم "نية الاقتداء" أو الائتمام أو الجماعة بالإمام كما مر في صفة الأئمة "الثاني القيام" فيها "ولا يسقط إلا بالعجز" عنه كما في غيرها (٥)
стр. 956
"الثالث التكبيرات الأربع" (١) منها تكبيرة الإحرام للاتباع رواه الشيخان وعد الغزالي كل تكبيرة ركنا ولا خلاف في المعنى "فلو كبر هو" أي المأموم "أو إمامه خمسا" ولو عمدا "لم تبطل" صلاته للاتباع رواه مسلم; ولأنها لا تخل بالصلاة وقضية العلة وكلام جماعة منهم الروياني أن الزائد على الخمس لا يبطل أيضا، وهو كذلك لكن الأربع أولى لتقرر الأمر عليها من النبي ﷺ وأصحابه وتشبيه التكبيرة بالركعة فيما يأتي محله بقرينة المقام في المتابعة حفظا لتأكدها نعم لو زاد على الأربع عمدا معتقدا للبطلان بطلت (٢) ذكره الأذرعي (٣). "و" لو زاد الإمام عليها وقلنا لا تبطل "لم يتابعه" المأموم أي لا تسن له متابعته (٤) في الزائد لعدم سنة للإمام وعلى هذا التفسير جرى السبكي وقال الإسنوي: الظاهر أن الخلاف إنما هو في الوجوب لأجل المتابعة ويحتمل أنه في الاستحباب وقول الزركشي الصواب أنه في الجواز ممنوع "وله انتظاره" ليسلم معه بل هو الأولى لتأكد المتابعة وله أن يسلم في الحال "ولا سجود لسهوها" أي للسهو في صلاة الجنازة إذ لا مدخل للسجود فيها "الرابع السلام بعدها" أي التكبيرات "كغيرها" في جميع ما مر في صفة الصلاة ولخبر النسائي الآتي وقوله بعدها كغيرها من زيادته والثاني مغن عن الأول "الخامس قراءة الفاتحة" لخبر البخاري "أن ابن عباس قرأ بها في صلاة الجنازة وقال لتعلموا
стр. 957
أنها سنة" وفي رواية "قرأ بأم القرآن فجهر بها وقال إنما جهرت لتعلموا أنها سنة" ولعموم خبر "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" (١) "بعد" التكبيرة "الأولى" (٢) لخبر النسائي بإسناد على شرط الصحيحين "عن أبي أمامة الأنصاري قال السنة في صلاة الجنازة أن يقرأ في التكبيرة الأولى بأم القرآن مخافتة ثم يكبر ثلاثا والتسليم عند الآخرة" (٣) "ويجوز تأخيرها إلى" التكبيرة "الثانية" كذا ذكره الشيخان عن حكاية الروياني وغيره له عن النص بعد نقلهما المنع عن الغزالي وجزم به في المنهاج والمجموع ولم يخص الثانية فقال قلت تجزئ الفاتحة بعد غير الأولى وعليه مع ما قالوه من تعين الصلاة في الثانية والدعاء في الثالثة يلزم خلو الأولى عن ذكر (٤) والجمع بين ركنين في تكبيرة واحدة والذي قاله الجمهور تعين الفاتحة في الأولى وبه جزم النووي في التبيان، وهو ظاهر نصين نقلهما في المجموع وقوله فيه تبعا لجماعة أن المراد بهما الأولوية ليجمع بينهما وبين قوله في الأم وأحب إذا كبر على الجنازة أن يقرأ بأم القرآن بعد التكبيرة الأولى إنما يلزم لو لم يكن في قوله في الأم واجب إلى آخره سنة، وهو ممنوع إذ تتمته ثم يكبر ثم يصلي على النبي ﷺ ويستغفر للمؤمنين والمؤمنات ثم يخلص الدعاء للميت فأحب متعلق بمجموع ذلك الذي منه الاستغفار للمؤمنين والمؤمنات، وهو مسنون ومن هذا فيما أظن نقل الروياني عن
стр. 958
النص أنها تجزئ بعد الثانية ولم ينقله عن نص صريح كما يوهمه كلام الشيخين فالفتوى على ما في التبيان وفاقا للنصين والجمهور ولخبر النسائي السابق والمدرك هنا الاتباع ولا خفاء أن تعينها في الأولى أولى من تعين الدعاء في الثالثة قال الأذرعي: وظاهر نصوص الشافعي والأكثرين تعينها في الأولى، وهو المختار نعم لو نسيها فيها فهل يكفي تداركها في الثانية أو تلغو الثانية فيقرؤها ثم يكبر عن الثانية فيه نظر. ا هـ. والقياس الثاني وكالفاتحة فيما ذكر عند العجز عنها بدلها "السادس الصلاة على النبي ﷺ " لما رواه الحاكم وصححه على شرط الشيخين "عن أبي أمامة أن رجالا من أصحاب النبي ﷺ أخبروه أن الصلاة عليه ﷺ في صلاة الجنازة من السنة" (١) "بعد" التكبيرة "الثانية" لفعل السلف والخلف (٢) أما الصلاة على الآل فلا تجب فيها كغيرها وأولى لبنائها على التخفيف "السابع أدنى الدعاء للميت" بخصوصه (٣) نحو اللهم ارحمه أو اللهم اغفر له لخبر أبي داود والبيهقي وابن حبان "إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء" (٤) ; ولأنه المقصود الأعظم من الصلاة فلا يكفي الدعاء للمؤمنين والمؤمنات "بعد" التكبيرة "الثالثة" لفعل السلف والخلف ولا يجب بعد الرابعة ذكر كما علم من كلامه. "ويسن رفع اليدين لكل تكبيرة" من الأربع حذو منكبيه "ووضعهما بعدها" أي بعد كل تكبيرة "تحت الصدر" كما
стр. 959
في غيرها "وترك الاستفتاح (١) والسورة" لطولهما والأولى قدمها في صفة الصلاة وقدمت ثم ما له بالمسألتين تعلق "وأن يتعوذ" قبل القراءة; لأنه من سننها كالتأمين ولا تطويل فيه وحذف سن التأمين، وإن ذكره الأصل هنا اكتفاء بما قدمه في صفة الصلاة من أنه سنة القراءة الفاتحة وذكر كالروضة ثم أنه تحسن زيادة رب العالمين "و" أن "يسر ولو ليلا" لخبر أبي أمامة السابق وكثالثة المغرب بجامع عدم مشروعية السورة وما تقدم في خبر ابن عباس من أنه جهر بالقراءة يجاب عنه بأن خبر أبي أمامة أصح منه وقوله فيه إنما جهرت لتعلموا أنها سنة قال في المجموع يعني لتعلموا أن القراءة مأمور بها وكلام المصنف في الإسرار يشمل التعوذ والقراءة والأدعية (٢) فهو أولى من قول أصله ويسر بالقراءة واتفقوا على أنه يجهر بالتكبيرات والسلام "وأن يحمد الله" تعالى "و" أن "يصلي على الآل" مع الصلاة على النبي ﷺ "و" أن "يدعو للمؤمنين والمؤمنات" كل منها "في الثانية و" أن "يرتبها" أي الثالثة هكذا وذكر استحباب الصلاة على الآل من زيادته. وصرح به القمولي "و" أن "يكثر الدعاء للميت بعد الثالثة فيقول" الأولى قول أصله ويقول "اللهم هذا عبدك إلى آخره" وبقيته كما في الأصل وابن عبديك خرج من روح الدنيا وسعتها بفتح أولهما أي نسيم ريحها واتساعها ومحبوبه وأحبائه فيها أي ما يحبه ومن يحبه إلى ظلمة القبر وما هو لاقيه أي من الأهوال كان يشهد أن لا إله إلا أنت، وأن محمدا عبدك ورسولك وأنت أعلم به اللهم إنه نزل بك أي
стр. 960
هو ضيفك وأنت أكرم الأكرمين وضيف الكرام لا يضام وأنت خير منزول به وأصبح فقيرا إلى رحمتك وأنت غني عن عذابه وقد جئناك راغبين إليك شفعاء له اللهم إن كان محسنا فزد في إحسانه، وإن كان مسيئا فتجاوز عنه ولقه (١) أي أعطه برحمتك رضاك وقه فتنة القبر وعذابه وأفسح له في قبره وجاف الأرض عن جنبيه ولقه برحمتك الأمن من عذابك حتى تبعثه إلى جنتك يا أرحم الراحمين جمع الشافعي ﵁ ذلك من الأخبار واستحسنه الأصحاب ووجد في نسخ من الروضة ومحبوبها وكذا هو في المجموع. والمشهور في قوله ومحبوبه وأحبائه الجر ويجوز رفعه يجعل الواو للحال "وإن كانت" أي الجنازة "امرأة قال" "أمتك وأنت" ما يعود إليها "وإن ذكر بقصد الشخص جاز" أي لم يضر كما عبر به في الروضة، وإن كان خنثى قال الإسنوي فالمتجه التعبير بالمملوك ونحوه (٢) قال فإن لم يكن للميت أب بأن كان ولد زنا فالقياس أن يقول فيه (٣) وابن أمتك. ا هـ. والقياس أنه إذا صلى على جمع معا يأتي فيه بما يناسبه (٤) "ويزيد" ندبا "قبل ذلك اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان" لأنه ﷺ صلى على جنازة فقال: "اللهم اغفر لحينا وميتنا" (٥) إلى آخره رواه من طريق أبي هريرة أبو داود والترمذي والحاكم وصححاه زاد غير الترمذي "اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضلنا بعده" وندب تقديم هذا على ما
стр. 961
قبله من زيادته. وجزم به في المحرر والمنهاج، وإنما قدم عليه لثبوت لفظه بخلاف ذلك فإن الشافعي التقطه من أخبار بعضه باللفظ وبعضه بالمعنى وفي مسلم عن عوف بن مالك قال صلى النبي ﷺ على جنازة فقال: "اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه وأكرم نزله ووسع مدخله واغسله بالماء والثلج والبرد ونقه من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس وأبدله دارا خيرا من داره وأهلا خيرا من أهله وزوجا خيرا من زوجه وأدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر وفتنته ومن عذاب النار" (١)، وهذا أصح دعاء الجنازة كما في الروضة عن الحفاظ وفي الباب أخبار أخر فإن جمع بين الثلاثة فظاهر أن الأفضل تقديم الأخير وصدق قوله فيه وأبدله زوجا خيرا من زوجه فيمن لا زوجة له وفي المرأة إذا قلنا بأنها مع زوجها في الآخرة (٢) بأن يراد في الأول ما يعم الفعلي والتقديري وفي الثاني ما يعم إبدال الذات وإبدال الهيئة
"فإن كان الميت صغيرا (٣) اقتصر على هذا" أي الثاني في كلامه "وزاد" عليه ندبا "اللهم اجعله فرطا لأبويه" أي سابقا مهيئا مصالحهما في الآخرة "وسلفا وذخرا" بالذال المعجمة "وعظة" أي موعظة "واعتبارا وشفيعا وثقل به موازينهما وأفرغ الصبر على قلوبهما ولا تفتنهما بعده ولا تحرمهما" بفتح التاء وضمها "أجره" أي أجر الصلاة عليه أو أجر المصيبة به; لأن ذلك مناسب للحال. ويشهد للدعاء لهما ما في خبر المغيرة السابق والسقط يصلى عليه ويدعى لوالديه بالعافية والرحمة وظاهر أن محله في المسلمين فإن كان أحدهما مسلما خصه بالدعاء (٤) ذكره الأذرعي قال الإسنوي وسواء فيما قالوه مات في حياة أبويه أم لا لكن قال الزركشي (٥) محله في الأبوين
стр. 962
الحيين (١) المسلمين فإن لم يكونا كذلك أتى بما يقتضيه الحال قال الأذرعي فلو جهل إسلامهما (٢) فكالمسلمين بناء على الغالب والدار. ا هـ. والقياس أنه يؤنث (٣) فيما إذا كان الميت صغيرة "وأن يقول بعد" التكبيرة "الرابعة اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده" أي بالابتلاء بالمعاصي وفي التنبيه وغيره واغفر لنا وله وقد تقدم الأولان في خبر أبي هريرة "و" أن "يطولها" أي الرابعة أي بعدها "بالدعاء له" لثبوته عنه ﷺ (٤) كما في الروضة رواه الحاكم وصححه "فرع" لو خشي تغير الميت أو انفجاره لو أتى بالسنن فالقياس الاقتصار على الأركان (٥) قاله الأذرعي
"فرع" لو "أدركه المسبوق في أثنائها" أي صلاة الجنازة "كبر وأتى بالقراءة والذكر بترتيب نفسه" كغيرها ولخبر "ما أدركتم فصلوا" (٦) "فإن كبر الإمام قبل قراءة الفاتحة" أي قراءة المسبوق لها "أو في أثنائها تابعه" في تكبيرة "ويتحملها" أي كلها (٧) أو بقيتها "عنه" كما لو ركع قبل قراءتها أو في أثنائها في سائر الصلوات فلا ينتظر تكبيرة الإمام المستقبلة (٨) وتقدم في نظير الثانية ثم إنه إن اشتغل بافتتاح أو تعوذ تخلف وقرأ بقدره وإلا تابعه ولم يذكره الشيخان هنا قال في الكفاية ولا شك في جريانه هنا بناء على
стр. 963
ندب التعوذ (١) والافتتاح وبه صرح الفوراني "ويتدارك" وجوبا في الواجب وندبا في المندوب "ما فاته" منها مع الإمام "من تكبير (٢) وذكر بعد السلام" لما مر.
"ويستحب أن لا ترفع" الجنازة "حتى يتم المسبوق" ما فاته "فإن رفعت لم يضر"، وإن حولت عن القبلة بخلاف ابتداء عقد الصلاة لا يحتمل فيه ذلك والجنازة حاضرة; لأنه يحتمل في الدوام ما لا يحتمل في الابتداء قاله في المجموع وقضيته أن الموافق كالمسبوق في ذلك ولو أحرم على جنازة يمشي بها وصلى عليها جاز بشرط أن لا يكون (٣) بينهما أكثر من ثلاثمائة ذراع كما سيأتي وأن يكون محاذيا لها (٤) كالمأموم مع الإمام ولا يضر المشي بها كما لو أحرم الإمام في سرير وحمله إنسان ومشى به فإنه يجوز كما تجوز الصلاة خلفه، وهو في سفينة سائرة قاله ابن العماد (٥)
"فرع لو تخلف المأموم عنه بتكبيرة" بأن لم يكبرها "حتى شرع" الإمام "في الأخرى بلا عذر بطلت صلاته" إذ الاقتداء هنا إنما يظهر في التكبيرات، وهو تخلف فاحش يشبه التخلف بركعة وقضية تقييده كأصله بالشروع في
стр. 964
الأخرى عدم بطلانها (١) فيما لو لم يكبر الرابعة (٢) حتى سلم الإمام قال في المهمات ويتأيد بأنه لا يجب فيها ذكر فليست كالركعة بخلاف ما قبلها (٣) فإن كان ثم عذر كبطء قراءة أو نسيان (٤) فلا تبطل بتخلفه بتكبيرة فقط بل بتكبيرتين (٥) على ما اقتضاه كلامهم والظاهر أنه لو تقدم (٦) على إمامه بتكبيرة عمدا لم يضر، وإن نزلوها منزلة الركعة
стр. 965
فصل شرطها
أي الصلاة على الميت "تقدم الغسل أو التيمم" له بشرطه; لأنه المنقول عنه ﷺ وعن أصحابه; ولأن الصلاة عليه كصلاة نفسه وقد قدم هذا في التيمم بالنسبة للغسل والتصريح بالتيمم من زيادته قال الجرجاني فإن وجد الماء بعد التيمم وقبل الدفن فوجهان أحدهما لا يجب غسله كما لو وجد بعد الدفن وأصحهما يجب للقدرة عليه قبل الدفن وتقدم هذا عن غير الجرجاني مع تقييده بالحضر في باب التيمم
"فلو وقع في بئر (١) أو انهدم عليه مكان" ومات "وتعذر إخراجه" وغسله "لم يصل عليه" كذا نقله الأصل والمجموع عن المتولي وجزم به
стр. 966
المنهاج (١) لكن قال الأذرعي كالسبكي القياس الظاهر أنه يصلى عليه ونقله عن الدارمي والخوارزمي (٢) وعن حكاية الجويني له عن النص. وقال الزركشي أنه الصواب نقلا ودليلا وجرى عليه المصنف في شرح الإرشاد "وتكره" الصلاة عليه "قبل التكفين" لكنها تصح واستشكلت صحتها بعدم صحتها قبل التطهر مع أن التعليلين السابقين موجودان هنا ويجاب بأن التكفين أوسع بابا من الغسل بدليل أن القبر ينبش للغسل لا للتكفين، وأن من صلى بلا طهر لعجزه عما يتطهر به تلزمه الإعادة بخلاف من صلى مكشوف العورة لعجزه عما يسترها به "ويشترط أن لا يكون بينه" أي الإمام "وبينها" أي الجنازة في غير المسجد مسافة "فوق ثلثمائة ذراع تقريبا" وأن يجمعهما مكان واحد تنزيلا للجنازة منزلة الإمام، وسائر الأحكام السابقة في الإمام والمأموم في سائر الصلوات يأتي هنا "وتستحب" فيها "الجماعة" لخبر مسلم "ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلا لا يشركون بالله شيئا إلا شفعهم الله فيه" (٣) ولخبر مالك بن هبيرة "ما من مسلم يموت فيصلي عليه ثلاثة صفوف من المسلمين إلا أوجب" رواه أبو داود والترمذي وحسنه والحاكم وصححه على شرط مسلم (٤) ومعنى أوجب غفر له كما رواه الحاكم كذلك، وإنما صلت الصحابة على النبي ﷺ أفرادا كما رواه البيهقي وغيره قال الشافعي لعظم أمره وتنافسهم في أن لا يتولى الإمامة في الصلاة عليه أحد وقال غيره; لأنه لم يكن قد تعين إمام يؤم القوم فلو تقدم واحد في الصلاة لصار مقدما في كل
стр. 967
شيء وتعين للخلافة.
"ويسقط الفرض" فيها "بواحد" لحصول الغرض بصلاته; ولأن الجماعة لا تشترط فكذا العدد كغيرها والتصريح بالترجيح من زيادته ورجحه النووي في منهاجه كأصله "ولو صبيا مميزا" مع وجود الرجال; لأنه من جنسهم; ولأنه يصلح أن يكون إماما لهم وفارق ذلك عدم سقوط الفرض به في رد السلام بأن السلام شرع في الأصل للإعلام بأن كلا منهما سالم من الآخر وآمن منه وأمان الصبي لا يصح بخلاف صلاته "لا بامرأة" مع وجود رجل ولو صبيا; لأنه أكمل منها ودعاؤه إلى الإجابة أقرب; ولأن في ذلك استهانة بالميت فإن قلت كيف لا يسقط بالمرأة مع وجود الصبي مع أنها المخاطبة به دونه قلت قد يخاطب الشخص بشيء ويتوقف فعله على شيء آخر لا سيما فيما يسقط عنه الشيء بفعل غيره لكن كلامه في شرح الإرشاد يقتضي أنه يسقط بها حيث قال ولو صلى على الميت ذكر ولو صبيا مميزا سقط به الفرض عمن حضر من الرجال على الأصح لكنه، وإن سقط به الفرض لا يسقط حضوره الفرض عن النساء كما يسقطه الرجال; لأنه غير مخاطب فيجزئ صلاتهن حينئذ انتهى، وهو الأوجه
"فإن بان حدث الإمام والمأموم لا أحدهما" فقط "لغت" صلاتهما فتجب إعادتها بخلافها في أحدهما لحصول الغرض وكان الأولى تأخير هذه عن قوله "فإن لم يكن" مع وجود المرأة "رجال" أي واحد منهم "لزمتها" أي الصلاة فتصلي للضرورة ويسقط الفرض ولو حضر الرجل بعد لم تلزمه الإعادة وصلاتها وصلاة الصبي مع الرجل أو بعده تقع نفلا; لأن الفرض لا يتوجه عليهما وقد يقال إذا وقعت من الصبي نفلا (١) فكيف يسقط الفرض بها ويجاب بأنه لا بعد في ذلك كما لو صلى صلاة من الخمس ثم بلغ في الوقت "والخنثى" فيما ذكر "كالمرأة" وقضيته أنهما إذا اجتمعا سقط الفرض بصلاة كل
стр. 968
منهما عن الآخر، وهو ظاهر في صلاته (١) دون صلاتها لاحتمال ذكورته ولهذا قال في شرح الإرشاد وإذا صلى سقط الفرض عنه وعن النساء وإذا صلت المرأة سقط الفرض عن النساء، وأما عن الخنثى فقياس المذهب (٢) يأبى ذلك "وصلاتهن فرادى أفضل" منها جماعة، وإن كان الميت أنثى وتعبيره بذلك أولى من قول أصله فإن لم يكن رجل صلين منفردات قال في المجموع بعد نقله ذلك عن الشافعي والأصحاب وفيه نظر وينبغي أن تسن لهن الجماعة كما في غيرها وعليه جماعة من السلف
стр. 969
فصل تجوز الصلاة على الغائب عن البلد
ولو دون مسافة القصر وفي غير جهة القبلة والمصلي مستقبلها "; لأنه ﷺ صلى على النجاشي بالمدينة (١) يوم موته بالحبشة" (٢) رواه الشيخان وذلك في رجب سنة تسع قال ابن القطان لكنها لا تسقط الفرض (٣) قال الزركشي ووجهه أن فيه إزراء وتهاونا بالميت لكن الأقرب السقوط لحصول الغرض وظاهر أن محله إذا علم
стр. 970
الحاضرون قال الأذرعي وينبغي أنها لا تجوز على الغائب حتى يعلم أو يظن أنه قد غسل إلا أن يقال تقديم الغسل شرط عند الإمكان فقط على ما مر أو يقال ينوي الصلاة عليه إن كان قد غسل فيعلق النية "لا" على الغائب "فيها" أي البلد، وإن كبرت لتيسر الحضور وشبهوه بالقضاء على من بالبلد مع إمكان إحضاره فلو كان الميت خارج السور (١) قريبا منه فهو كداخله نقله الزركشي عن صاحب الوافي (٢) وأقره ولو تعذر على من في البلد الحضور لحبس أو مرض ففيه احتمال ذكره ابن أبي الدم وجزم في موضع بالجواز (٣) للمحبوس. "و" تجوز "على قبر غير النبي (٤) ﷺ بعد الدفن" سواء أدفن قبلها أم بعدها "; لأنه ﷺ صلى على قبر امرأة أو رجل كان يقم المسجد وعلى قبر مسكينة يقال لها أم محجن دفنت ليلا" روى الأول الشيخان (٥)
والثاني النسائي بإسناد صحيح (٦) أما الصلاة على قبور الأنبياء صلى الله عليهم وسلم فلا تجوز واحتج له بخبر الصحيحين "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" (٧) وبأنا لم نكن أهلا للفرض وقت موتهم، وإنما تجوز
стр. 971
الصلاة على قبور غيرهم وعلى الغائب عن البلد "لمن كان من أهل فرض الصلاة عليه يوم موته" (١) أي وقته قالوا; لأن غيره متنفل وهذه لا يتنفل بها قال الزركشي (٢) معناه أنها لا تفعل مرة بعد أخرى (٣) وقال في المجموع معناه أنه لا يجوز الابتداء بصورتها من غير جنازة بخلاف صلاة الظهر (٤) يؤتي بصورتها ابتداء بلا سبب ثم قال لكن ما قالوه ينتقض بصلاة النساء مع الرجال فإنها لهن نافلة، وهي صحيحة ولو أعيدت الصلاة وقعت نافلة (٥). وقال القاضي فرضا كصلاة الطائفة الثانية قال وقضية اعتبار كونه من أهل الفرض يوم الموت منع الكافر (٦) والحائض يومئذ وصرح به المتولي، وهو ظاهر كلام الأصحاب ورأى الإمام إلحاقهما بالمحدث وتبعه في الوسيط قال في المهمات واعتبار الموت يقتضي أنه لو بلغ أو أفاق بعد الموت وقبل الغسل لم يعتبر ذلك والصواب خلافه (٧) ; لأنه لو لم يكن ثم غيره لزمته الصلاة اتفاقا وكذا لو كان ثم غيره فترك الجميع فإنهم يأثمون بل لو زال المانع بعد الغسل أو بعد الصلاة عليه وأدرك زمنا يمكن فيه الصلاة كان كذلك (٨) "ولا يستحب إعادتها قط" (٩) يعني أبدا كان الأولى ترك قط أو إبدالها مطلقا أي
стр. 972
سواء أصلى منفردا أم جماعة أعادها في جماعة أو منفردا حضرت الجماعة قبل الدفن أو بعده; لأن المعاد نفل وهذه لا يتنفل بها (١) كما مر قال وفي المهمات وفي التعبير المذكور قصور فإن الإعادة خلاف الأولى ولا يلزم من نفي الاستحباب أولوية الترك لجواز التساوي ولهذا عبر في المجموع بقوله لا تستحب له الإعادة بل يستحب تركها وأجيب بمنع عدم لزوم أولوية الترك بل يلزم في العبادات; لأن كونها عبادة يستلزم كونها مطلوبة إيجابا أو ندبا. أما الإباحة والعبادة فلا يجتمعان "ولمن حضر بعد الجماعة" الذين صلوا "أن يقيموا" الصلاة "جماعة أخرى" وفرادى كما صرح به الأصل فلو ذكره المصنف أو حذف جماعة أخرى كان أولى وبكل حال فالأولى أن تؤخر الصلاة إلى بعد دفنه نقله الماوردي عن النص "وينوون الفرض" وتقع صلاتهم فرضا كالأولين كما صرح به الأصل; لأنه لا يتنفل بها كما مر قال في المجموع والساقط بالأولى عن الباقين خرج الفرض لا هو وقد يكون ابتداء الشيء غير فرض وبالدخول فيه يصير فرضا كحج التطوع وأحد خصال الواجب المخير وما قاله جواب عما يقال إنه إذا سقط الحرج سقط الفرض وقد أوضحه السبكي فقال: فرض الكفاية إذا لم يتم به المقصود (٢) بل تتجدد مصلحته بتكرر الفاعلين كتعلم العلم وحفظ القرآن وصلاة الجنازة إذ مقصودها الشفاعة لا يسقط بفعل البعض، وإن سقط الحرج وليس كل فرض يؤثم بتركه مطلقا "وإن
стр. 973
دفن قبل الصلاة" عليه "أثموا" أي الدافنون والراضون بدفنه قبلها لوجوب تقديمها عليه "وصلوا على القبر"; لأنه لا ينبش للصلاة عليه كما سيأتي. "ولا تكره" الصلاة عليه "في المسجد بل هي" فيه "أفضل" منها في غيره "; لأنه ﷺ صلى فيه على ابني بيضاء سهيل وأخيه" (١) رواه مسلم; ولأن المسجد أشرف من غيره، وأما خبر "من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء له" (٢) فضعيف والذي في الأصول المعتمدة فلا شيء عليه ولو صح وجب حمله على هذا جمعا بين الروايات وقد جاء مثله في القرآن كقوله: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ أو على نقصان الأجر; لأن المصلى عليها في المسجد ينصرف عنها غالبا ومن يصلى عليها في الصحراء يحضر دفنها غالبا فيكون التقدير فلا أجر كامل له كقوله ﷺ "لا صلاة بحضرة طعام" (٣) "ويستحب" في الصلاة عليه "ثلاثة صفوف فأكثر" (٤) لخبر مالك بن هبيرة السابق قال الزركشي قال بعضهم والثلاثة بمنزلة الصف الواحد في الأفضلية، وإنما لم يجعل الأول أفضل محافظة على مقصود الشارع من الثلاثة. "فلو" الأولى ولو "صلى" الإمام "على حاضر والمأموم على غائب أو عكسه أو" صلى إنسان "على حاضر وغائب جاز"; لأن اختلاف النية في ذلك لا يضر والأخير من زيادته وأفهم كلامه بالأولى جواز اختلافهما في المصلى عليه مع الاتفاق في الحضرة والغيبة "وإن حضرت الجنازة لم ينتظر"
стр. 974
أحد لخبر "أسرعوا بالجنازة" (١) "إلا الولي" قال في الروضة فلا بأس بانتظاره أي عن قرب "ما لم يخف تغير" للميت واستثنى مع ذلك الزركشي (٢) وغيره ما إذا كانوا دون أربعين فينتظر تكملتهم عن قرب; لأن هذا العدد مطلوب فيها قال، وهذا كما أن الجماعة لا تؤخر عن أول الوقت إذا حضرت وتؤخر إن لم تحضر وفي مسلم عن ابن عباس أنه كان يؤخر للأربعين قيل وحكمته أنه لم يجتمع أربعون إلا كان لله فيهم ولي ولا يؤخر بعد صلاة من يسقط الفرض به ليصلي عليه من لم يصل "وتصح" الصلاة "على من مات وغسل اليوم من المسلمين"، وإن لم يعرف عددهم قال في المجموع، وهو حسن مستحب.
стр. 975
باب الدفن للميت
"وهو في المقبرة أفضل" منه في غيرها للاتباع ولنيل دعاء الطارقين وفي أفضل مقبرة بالبلد أولى، وإنما دفن ﷺ في بيته لاختلاف الصحابة في مدفنه; ولأنهم خافوا من دفنه في بعض المقابر التنازع فيه فتطلب كل قبيلة دفنه عندهم; ولأن من خواص الأنبياء أنهم يدفنون حيث يموتون واستثنى الأذرعي (١) وغيره أيضا الشهيد فيستحب دفنه حيث قتل لخبر فيه; ولأن مضجعه يشهد له; ولأن بعضه، وهو ما سال من دمه قد صار فيه قال ولو كانت المقبرة مغصوبة أو سبلها ظالم اشتراها بمال خبيث أو نحوهما أو كان أهلها أهل بدعة أو فسق أو كانت تربتها فاسدة لملوحة أو نحوها أو كان نقل الميت إليها يؤدي لانفجاره فالأفضل اجتنابها قلت بل يجب في بعض ذلك، وفي فتاوى القفال أن الدفن في البيت مكروه قال الأذرعي: إلا أن تدعو إليه
стр. 976
حاجة أو مصلحة كما مر على أن المشهور أنه خلاف الأولى لا مكروه فلو قال بعض الورثة يدفن في ملكه وقال الباقون: في المقبرة المسبلة "فيجاب طالبها"; لأن ملكه قد انتقل إليهم وبعضهم غير راض بدفنه فيه فلو تنازعوا في مقبرتين ولم يكن الميت أوصى بشيء. قال ابن الأستاذ: إن كان الميت رجلا فينبغي أن يجاب المقدم في الصلاة والغسل فإن استووا أقرع، وإن كان امرأة أجيب القريب دون الزوج.
قال الأذرعي: والظاهر أن محله عند التساوي، وإلا فيجب أن ينظر (١) إلى ما هو الأصلح للميت فيجاب الداعي إليه كما لو كانت إحداهما أقرب أو أصلح أو مجاورة لا خيار والأخرى بالضد بل لو اتفقوا على خلاف الأصلح ينبغي للحاكم الاعتراض عليهم فيه نظرا للميت (٢) ويؤيده ما مر فيما لو اتفقوا على تكفينه في ثوب واحد
"فإن دفنه بعض الورثة في أرض نفسه (٣) لم ينقل" لهتك حرمته، وليس في إبقائه إبطال حق غيره "وقبله" أي قبل دفنه في أرض بعضهم "لهم" أي لبقيتهم "الامتناع" من دفنه فيها لما فيه من المنة عليهم فيجابون لدفنه في المقبرة المسبلة، وهذا بخلاف ما لو قال بعضهم يكفن من مالي وقال الباقون: من الأكفان المسبلة حيث يجاب الأول; لأن عادة الناس جرت بالدفن في المقابر المسبلة من غير أن يلحقهم عار بخلاف الأكفان المسبلة وقوله وقبله لهم الامتناع معلوم من قوله فيجاب طالبها، وإن كان المدفن ثم من التركة وهنا من غيرها "أو" دفنه بعضهم "في أرض التركة فللباقين لا للمشتري منهم نقله والأولى" لهم "تركه" فنقله خلاف الأولى لهتك حرمته والمراد كراهته كما عبر بها في المجموع ونقلها عن الأصحاب أما لو دفنوه في ملكه ثم باعوه فليس
стр. 977
للمشتري نقله لسبق حقهم فقوله منهم أي من الورثة لا من الباقين (١) "وله" أي للمشتري "الخيار" في فسخ البيع "إن جهل" الحال "وهو" أي المدفن "له" أي للمشتري ينتفع به "إن بلي" الميت أو اتفق نقله
"فرع" قال الزركشي وغيره لو مات رقيق وتنازع قريبه وسيده في مقبرتين متساويتين ففي المجاب منهما احتمالان بناء على أن الرق هل يزول بالموت (٢) وقد مر "وأقل الواجب" في المدفن "حفرة (٣) تصون جسمه عن السباع" (٤) غالبا "ورائحته" قال الرافعي والغرض من ذكرهما إن كانا متلازمين بيان فائدة الدفن وإلا فبيان وجوب رعايتهما فلا يكفي أحدهما وظاهر أنهما ليسا بمتلازمين كالفساقي التي لا تكتم الرائحة مع منعها الوحش فلا يكفي الدفن فيها وقد قال السبكي في الاكتفاء بالفساقي نظرا; لأنها ليست معدة لكتم الرائحة; ولأنها ليست على هيئة الدفن المعهود شرعا قال وقد أطلقوا تحريم إدخال ميت على ميت لما فيه من هتك حرمة الأول وظهور رائحته فيجب إنكار ذلك
"والأكمل" في الدفن "قبر واسع" (٥) لقوله ﷺ في قتلى أحد "أسفروا وأوسعوا وأعمقوا" رواه الترمذي وقال حسن صحيح (٦) ويستحب أن يكون
стр. 978
ارتفاعه "قدر قامة وبسطة" من رجل معتدل لهما بأن يقوم باسطا يديه مرفوعتين; لأن عمر أوصى بذلك ولأنه أبلغ في المقصود "وهما أربعة أذرع ونصف" خلافا للرافعي في قوله (١) أنهما ثلاثة ونصف "فرع ثم" بعد حفر القبر "يحفر" ندبا "اللحد" بفتح اللام وضمها يقال لحدت للميت وألحدت له "في جانبه القبلي مائلا عن الاستواء إلى" عبارة الأصل من "أسفله" قدر ما يوضع فيه الميت "ويوسع" من زيادته أي يوسع اللحد ندبا بالعموم الخبر السابق ويتأكد ذلك عند رأسه ورجليه للأمر به في خبر صحيح في أبي داود "فإن كانت" أرض القبر "رخوة" بكسر الراء أفصح وأشهر من فتحها وضمها "شق في وسطه" كالنهر والأرض الرخوة هي التي تنهار ولا تتماسك "وبنى" عبارة الرافعي أو بنى "جانبيه وسقفه" بلبن أو خشب أو غيرهما ويرفع السقف قليلا بحيث لا يمس الميت "واللحد في" الأرض "الصلبة أفضل" من الشق بفتح الشين "لقول سعد بن أبي وقاص في مرض موته ألحدوا لي لحدا وانصبوا علي اللبن نصبا كما فعل برسول الله ﷺ " (٢) رواه مسلم أما في الرخوة فالشق أفضل خشية الانهيار
"فرع يوضع الميت" ندبا بحيث يكون رأسه "عند رجل القبر" أي مؤخره الذي سيصير عند رجل الميت "ويسل من جهة رأسه برفق" لما رواه أبو داود بإسناد صحيح "أن عبد الله بن يزيد الخطمي الصحابي صلى على جنازة الحارث
стр. 979
ثم أدخله القبر من قبل رجل القبر وقال هذا من السنة" (١)، (٢) ولما رواه الشافعي بإسناد صحيح "أن النبي ﷺ سل من قبل رأسه سلا" (٣) وما قيل أنه أدخل من قبل القبلة ضعيف كما قاله البيهقي وغيره، وإن حسنه الترمذي (٤) مع أنه لا يمكن إدخاله من قبل القبلة; لأن شق قبره لاصق بالجدار ولحده تحت الجدار فلا موضع هناك يوضع فيه قاله الشافعي وأصحابه كما نقله في المجموع "وينزله اللحد" أو غيره "أولاهم بالصلاة عليه" (٥) فلا ينزله إلا الرجال متى وجدوا، وإن كان الميت امرأة بخلاف النساء لضعفهن عن ذلك غالبا ولخبر البخاري "أنه ﷺ أمر أبا طلحة أن ينزل في قبر بنت له ﷺ واسمها أم كلثوم". ومعلوم أنه كان لها محارم من النساء كفاطمة وغيرها نعم يندب لهن كما في المجموع أن يلين حمل المرأة من مغتسلها إلى النعش وتسليمها إلى من في القبر وحل ثيابها فيه "لكن الزوج أحق" من غيره، وإن لم يكن له حق في الصلاة; لأن منظوره أكثر "ثم الأفقه" بالدفن "القريب" أحق من غيره حتى من الأقرب وإلا سن عكس ما مر فيهما في الصلاة; لأن المقصود منها الدعاء، وهذا من زيادته دفع به وروده على إطلاق قولهم وينزله أولاهم بالصلاة
стр. 980
عليه، وفي نسخة بعد القريب على الأقرب أي يقدم الأفقه القريب على الأقرب ولو أسن "ثم الأقرب فالأقرب من المحارم" فيقدم الأب ثم أبوه، وإن علا ثم الابن ثم ابنه، وإن نزل ثم الأخ الشقيق ثم الأخ للأب ثم ابن الأخ الشقيق ثم ابن الأخ للأب ثم العم الشقيق ثم العم للأب ثم أبو الأم ثم الأخ منها ثم الخال ثم العم منها على ما تقدم ثم "ثم عبيدها" (١) أي الميتة; لأنهم كالمحارم في النظر ونحوه واستشكل بأن الأمة لا تغسل سيدها لانقطاع الملك، وهو بعينه موجود هنا وأجيب باختلاف البابين إذ الرجل ثم يتأخر. وهنا يتقدم حتى إن الرجل الأجنبي يتقدم هنا على المرأة وعبد الميتة أولى منه ويشبه أن يتقدم على عبيدها (٢) محارم الرضاع ومحارم المصاهرة (٣) "ثم الخصيان" الأجانب لضعف شهوتهم ولو قال ثم الممسوخون ثم المجبوبون ثم الخصيان كان أولى للتفاوت بضعف الشهوة "ثم العصبة" الذين لا محرمية لهم كبني العم بترتيبهم في الصلاة "ثم ذوو الرحم" وفي نسخة ذوو الأرحام "الذين لا محرمية لهم" كبني الخال وبني العمة فقوله الذين لا محرمية لهم صفة للعصبة ولذوي الرحم وذكر العصبة من زيادته "ثم صالح الأجانب" لخبر أبي طلحة السابق إذ لم يكن ثم محرم غير النبي ﷺ ولعله كان له عذر في نزول قبرها وكذا زوجها قاله في المجموع ثم النساء بترتيبهن السابق في الغسل والخناثى كالنساء قال الإمام ولا أرى تقديم ذوي الأرحام محتوما بخلاف المحارم; لأنهم كالأجانب في وجوب الاحتجاب عنهم ذكره الأصل ولعله أراد به ليس حتما في تأدية السنة بخلاف الجمهور يرونه حتما فيها على ما اقتضاه كلامهم من أن الترتيب مستحب لا
стр. 981
واجب (١) قال الأذرعي والمتبادر من كلامهم أنه لا حق للسيد في الدفن والوجه أنه في الأمة التي تحل له كالزوج، وأما غيرها فهل يكون معها كالأجنبي أو لا فيه نظر والأقرب نعم (٢) إلا أن يكون بينهما محرمية، وأما العبد فهو أحق بدفنه من الأجانب حتما
"فرع يستحب أن يكون عددهم" أي الدافنين "وعدد الغاسلين وترا" ثلاثة فأكثر بحسب الحاجة "; لأنه ﷺ دفنه علي والعباس والفضل" رواه ابن حبان في صحيحه ورواه أبو داود بدون العباس وزيادة عبد الرحمن بن عوف وأسامة ونزل معهم خامس وفي رواية للبيهقي علي والعباس وأسامة وفي أخرى له علي والفضل وقثم بن العباس وشقران مولى رسول الله ﷺ ونزل معهم خامس "; ولأنه ﷺ قد تولى غسله علي والفضل بن العباس وأسامة" (٣) كما مر في باب غسل الميت "ويجزئ كاف" لدفنه وغسله ولو واحدا أو شفعا لحصول الغرض به ولك أن تدخل الواحد في قوله وترا ودليل استحبابه في الدفن عند الاكتفاء به الاتباع رواه أبو داود وخبر أبي طلحة السابق
"و" يستحب "أن يدخله" القبر "والقبر مستور" عبارة الأصل ويستحب أن يستر القبر عند الدفن بثوب رجلا كان أو امرأة أي; لأنه أستر لما عساه أن ينكشف مما كان يجب ستره "و" ستره "للمرأة آكد" منه لغيرها كما في الحياة وظاهر أنه للخنثى آكد منه للرجل "قائلا" مدخله "بسم الله" وبالله "وعلى ملة" أو سنة "رسول الله" ﷺ للاتباع رواه أبو داود والترمذي وحسنه (٤)
стр. 982
"و" أن "يدعو له بالمأثور". وهو كما في الأصل عن الشافعي اللهم أسلمه إليك الأشحاء من ولده وأهله وقرابته وإخوانه وفارقه من كان يحب قربه وخرج من سعة الدنيا والحياة إلى ظلمة القبر وضيقه ونزل بك وأنت خير منزول به إن عاقبته فبذنبه، وإن عفوت عنه فأهل العفو أنت أنت غني عن عذابه، وهو فقير إلى رحمتك اللهم تقبل حسنته واغفر سيئته وأعذه من عذاب القبر واجمع له برحمتك الأمن من عذابك واكفه كل هول دون الجنة اللهم واخلفه في تركته في الغابرين وارفعه في عليين وعد عليه بفضل رحمتك يا أرحم الراحمين فإن كان الميت أنثى أنث ضمائره كما علم زيادة مما مر والظاهر أخذا مما مر في الصلاة على الصغير أن محل هذا الذكر المأثور في غير الصغير "ثم يضجعه" ندبا "على جنبه الأيمن" اتباعا للسلف والخلف وكما في الاضطجاع عند النوم "ويسند ظهره بلبنة" طاهرة "ونحوها" خوفا "من السقوط" أي استلقائه "ويدني من جدار اللحد" فيسند إليه وجهه ورجلاه ويجعل في باقيه بعض التجافي فيكون قريبا من هيئة الراكع خوفا من انكبابه ولو أخر قوله من السقوط إلى هنا كان أنسب ليكون المعنى خوفا من استلقائه وانكبابه. "والاستقبال به" القبلة "واجب" تنزيلا له منزلة المصلي "فإن دفن مستدبرا" يعني غير مستقبل لها فيشمل الاستلقاء المصرح به في الأصل "نبش" ووجه للقبلة وجوبا "إن لم يتغير" (١) وإلا فلا ينبش ومحله في الاستلقاء كما قال الأذرعي إذا جعل عرض القبر مما يلي القبلة كالعادة وإلا فقد قال المتولي يستحب جعل عرض القبر مما يلي القبلة فإن جعل طوله إليها بحيث إذا وضع فيه الميت تكون رجلاه إلى القبلة فإن فعل لضيق مكان لم يكره وإلا كره لكن إذا دفن على هذا الوجه لا ينبش وظاهر كلامه أن الكراهة فيما ذكره للتنزيه (٢) وتعقبه الأذرعي فقال: وينبغي تحريم جعل القبر كذلك بلا ضرورة; لأنه يؤدي إلى انتهاك حرمته وسب صاحبه لاعتقاد أنه من اليهود أو
стр. 983
النصارى فإن هذا شعارهم وفي كون ما قاله موجبا للتحريم نظر "لا إن وضع على يساره" بفتح الياء وكسرها فلا ينبش "وذلك" أي وضعه على يساره "مكروه". وهو مراد النووي في مجموعه بقوله إنه خلاف الأفضل كما سبق في المصلي مضطجعا فإن الذي سبق له ثم إنما هو الكراهة "ولو اختلط مسلمون بكفار أو ماتت كافرة" ولو حربية أو مرتدة "وفي بطنها جنين مسلم" ميت "قبروا فيما بين مقابر المسلمين والكفار" وجوبا لئلا يدفن الكفار في مقابر المسلمين وعكسه روى البيهقي عن واثلة بن الأسقع ﵁ أنه فعل ذلك بنصرانية في بطنها مسلم (١) وما رواه عن عمر أنه أمر بدفنها في مقابر المسلمين (٢) معارض بذلك مع أنه ضعيف وتعبير المصنف بالكافرة أولى من تعبير أصله بالذمية لما مر "واستدبروا بالمرأة" القبلة وجوبا "ليستقبل" ها "الجنين"; لأن وجهه إلى ظهر أمه وصورة المسألة كما قاله الإسنوي (٣) إذا نفخ فيه الروح فإن كان قبله دفنت أمه كيف شاء أهلها; لأن دفنه حينئذ لا يجب فاستقباله أولى كما علم ذلك من قول الإمام وغيره إن وقت التخلق هو وقت نفخ الروح مع نقله عن الأصحاب أن من لم يتخطط لا يجب تكفينه ولا دفنه. وما رد به ذلك من أن المتجه أنه لا فرق بدليل أنه لا يجوز إلقاء النطفة بدواء أو غيره، وأنه لو وجب على الحامل قود وجب التأخير إلى وضعه، وإن ظننا عدم نفخ الروح فيه مردود بعد تسليم الحكم في الأولى من هاتين بأن الظاهر في حمل الحياة وفي حمل الميتة فلم يراعوا حرمته في الاستقبال كما لو يراعوها في التكفين والدفن "وحكى عن النص أن أهل دينها يتولون غسلها ودفنها"; لأنها المقصود بذلك
"فرع يرفع رأس الميت" ندبا "بنحو لبنة" طاهرة ككوم تراب "ويفضى بخده" الأيمن "مكشوفا إليها" الأولى إليه أي إلى نحو اللبنة "أولى التراب"
стр. 984
مبالغة في الاستكانة والامتهان رجاء الرحمة وقوله من زيادته مكشوفا إيضاح "ويكره" أن يوضع تحته "مخدة" بكسر الميم "وفرش" قالوا; لأنه إضاعة مال وأجابوا عما في خبر ابن عباس من أنه جعل في قبره ﷺ قطيفة حمراء بأنه لم يكن برضا جملة الصحابة ولا علمهم، وإنما فعله شقران مولى النبي ﷺ كراهة أن تلبس بعده (١) وروى البيهقي عن ابن عباس أنه كره وضع ثوب تحت الميت (٢) بقبره مع أن القطيفة أخرجت قبل إهالة التراب على ما قاله في الاستيعاب ولو سلم أنها لم تخرج ففي الدارقطني قال وكيع هذا خاص به ﷺ . "و" يكره "صندوق" أي جعل الميت فيه "ولا تنفذ وصيته بذلك" أي بما ذكر من المكروهات الثلاثة أو بشيء منه فقوله بذلك أولى من قول أصله به "فإن احتيج الصندوق" أي إليه "لنداوة ونحوها" كرخاوة في الأرض فلا كراهة فإن وصى به "نفذت" وصيته قال الأذرعي واستثنى الشافعي والأصحاب أيضا ما إذا كان في تهرية بحريق أو لدغ بحيث لا يضبطه إلا الصندوق قال ويستثنى امرأة لا محرم لها كما قاله المتولي وغيره لئلا يمسها الأجانب عند الدفن قلت فيه نظر قال ويظهر أن يلحق بذلك (٣) الأرض المسبعة بحيث لا يصونه من نبشها إلا الصندوق "وهو" أي الصندوق المحتاج إليه "من رأس المال" كالكفن; ولأنه من مصالح دفنه الواجب (٤) "فرع ثم" بعد فراغه مما مر "يبنى اللحد" ندبا "باللبن والطين" أو نحوهما لقول سعد فيما مر وانصبوا على اللبن نصبا; ولأن ذلك أبلغ في صيانة الميت عن النبش ونقل النووي في شرح مسلم أن "اللبنات التي وضعت في قبره ﷺ تسع" "وتسد فرجه" أي اللحد بكسر اللبن مع الطين أو بالإذخر ونحوه مما يمنع التراب والهوام وفي بعض نسخ الأصل بدل الإذخر الآجر قال الزركشي وغيره الشافعي والجمهور بل صرح الصيمري بكراهة قلت وجرى عليه القمولي
стр. 985
قال; لأنه يكره وضع شيء مسته النار في القبر ومثله يجري في إسناد ظهره ورفع رأسه وبناء لحده أو نحوه واعلم أن عبارة الأصل وغيره ينصب اللبن على فتح اللحد وتسد الفرج بقطع اللبن مع الطين أو بالإذخر ونحوه "ثم" بعد ذلك "يحثي" ندبا "كل من دنا" (١) عبارة الشافعي في الأم من على شفير القبر "ثلاث حثيات" من ترابه بيديه جميعا وليكن قبل رأسه وذلك للاتباع رواه ابن ماجه بإسناد جيد كما قاله البيهقي ولما فيه من المشاركة في هذا الفرض يقال حثى يحثي حثيا وحثيات وحتى يحثو حثوا وحثوات والأول أفصح "ويقول ندبا في الأولى ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ﴾ وفي الثانية ﴿وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ وفي الثالثة ﴿وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ " رواه الإمام أحمد (٢) قال المحب الطبري ويستحب أيضا أن يقول في الأولى اللهم لقنه عند المسألة حجته وفي الثانية اللهم افتح أبواب السماء لروحه وفي الثالثة اللهم جاف الأرض عن جنبيه "ثم يدفن بالمساحي" إسراعا بتكميل الدفن، وإنما كان ذلك بعد الحثي; لأنه أبعد عن وقوع اللبنات وعن تأذي الحاضرين بالغبار والمساحي بفتح الميم جمع مسحاة بكسرها; لأنها آلة يمسح بها الأرض ولا تكون إلا من حديد بخلاف المجرفة قاله الجوهري والمراد هنا هي أو ما في معناها
"فرع المستحب أن لا يزاد القبر على ترابه" الذي خرج منه لئلا يعظم شخصه "وأن يرفع قدر شبر" تقريبا ليعرف فيزار ويحترم كقبره ﷺ كما رواه ابن حبان في صحيحه فإن لم يرتفع ترابه شبرا فالأوجه أن يزاد (٣) قال الأذرعي: وقد تدعو الحاجة إلى الزيادة كأن سفته الريح قبل إتمام حفره أو كانت الأرض قليلة التراب لكثرة الحجارة "وتسطيحه أفضل من تسنيمه" كقبره ﷺ وقبر صاحبيه فإنها كانت كذلك روى أبو داود بإسناد صحيح أن القاسم بن محمد قال دخلت على عائشة فقلت لها اكشفي لي عن قبر النبي ﷺ وصاحبيه فكشفت