واجب (١) قال الأذرعي والمتبادر من كلامهم أنه لا حق للسيد في الدفن والوجه أنه في الأمة التي تحل له كالزوج، وأما غيرها فهل يكون معها كالأجنبي أو لا فيه نظر والأقرب نعم (٢) إلا أن يكون بينهما محرمية، وأما العبد فهو أحق بدفنه من الأجانب حتما
"فرع يستحب أن يكون عددهم" أي الدافنين "وعدد الغاسلين وترا" ثلاثة فأكثر بحسب الحاجة "; لأنه ﷺ دفنه علي والعباس والفضل" رواه ابن حبان في صحيحه ورواه أبو داود بدون العباس وزيادة عبد الرحمن بن عوف وأسامة ونزل معهم خامس وفي رواية للبيهقي علي والعباس وأسامة وفي أخرى له علي والفضل وقثم بن العباس وشقران مولى رسول الله ﷺ ونزل معهم خامس "; ولأنه ﷺ قد تولى غسله علي والفضل بن العباس وأسامة" (٣) كما مر في باب غسل الميت "ويجزئ كاف" لدفنه وغسله ولو واحدا أو شفعا لحصول الغرض به ولك أن تدخل الواحد في قوله وترا ودليل استحبابه في الدفن عند الاكتفاء به الاتباع رواه أبو داود وخبر أبي طلحة السابق
"و" يستحب "أن يدخله" القبر "والقبر مستور" عبارة الأصل ويستحب أن يستر القبر عند الدفن بثوب رجلا كان أو امرأة أي; لأنه أستر لما عساه أن ينكشف مما كان يجب ستره "و" ستره "للمرأة آكد" منه لغيرها كما في الحياة وظاهر أنه للخنثى آكد منه للرجل "قائلا" مدخله "بسم الله" وبالله "وعلى ملة" أو سنة "رسول الله" ﷺ للاتباع رواه أبو داود والترمذي وحسنه (٤)
стр. 982
"و" أن "يدعو له بالمأثور". وهو كما في الأصل عن الشافعي اللهم أسلمه إليك الأشحاء من ولده وأهله وقرابته وإخوانه وفارقه من كان يحب قربه وخرج من سعة الدنيا والحياة إلى ظلمة القبر وضيقه ونزل بك وأنت خير منزول به إن عاقبته فبذنبه، وإن عفوت عنه فأهل العفو أنت أنت غني عن عذابه، وهو فقير إلى رحمتك اللهم تقبل حسنته واغفر سيئته وأعذه من عذاب القبر واجمع له برحمتك الأمن من عذابك واكفه كل هول دون الجنة اللهم واخلفه في تركته في الغابرين وارفعه في عليين وعد عليه بفضل رحمتك يا أرحم الراحمين فإن كان الميت أنثى أنث ضمائره كما علم زيادة مما مر والظاهر أخذا مما مر في الصلاة على الصغير أن محل هذا الذكر المأثور في غير الصغير "ثم يضجعه" ندبا "على جنبه الأيمن" اتباعا للسلف والخلف وكما في الاضطجاع عند النوم "ويسند ظهره بلبنة" طاهرة "ونحوها" خوفا "من السقوط" أي استلقائه "ويدني من جدار اللحد" فيسند إليه وجهه ورجلاه ويجعل في باقيه بعض التجافي فيكون قريبا من هيئة الراكع خوفا من انكبابه ولو أخر قوله من السقوط إلى هنا كان أنسب ليكون المعنى خوفا من استلقائه وانكبابه. "والاستقبال به" القبلة "واجب" تنزيلا له منزلة المصلي "فإن دفن مستدبرا" يعني غير مستقبل لها فيشمل الاستلقاء المصرح به في الأصل "نبش" ووجه للقبلة وجوبا "إن لم يتغير" (١) وإلا فلا ينبش ومحله في الاستلقاء كما قال الأذرعي إذا جعل عرض القبر مما يلي القبلة كالعادة وإلا فقد قال المتولي يستحب جعل عرض القبر مما يلي القبلة فإن جعل طوله إليها بحيث إذا وضع فيه الميت تكون رجلاه إلى القبلة فإن فعل لضيق مكان لم يكره وإلا كره لكن إذا دفن على هذا الوجه لا ينبش وظاهر كلامه أن الكراهة فيما ذكره للتنزيه (٢) وتعقبه الأذرعي فقال: وينبغي تحريم جعل القبر كذلك بلا ضرورة; لأنه يؤدي إلى انتهاك حرمته وسب صاحبه لاعتقاد أنه من اليهود أو
стр. 983
النصارى فإن هذا شعارهم وفي كون ما قاله موجبا للتحريم نظر "لا إن وضع على يساره" بفتح الياء وكسرها فلا ينبش "وذلك" أي وضعه على يساره "مكروه". وهو مراد النووي في مجموعه بقوله إنه خلاف الأفضل كما سبق في المصلي مضطجعا فإن الذي سبق له ثم إنما هو الكراهة "ولو اختلط مسلمون بكفار أو ماتت كافرة" ولو حربية أو مرتدة "وفي بطنها جنين مسلم" ميت "قبروا فيما بين مقابر المسلمين والكفار" وجوبا لئلا يدفن الكفار في مقابر المسلمين وعكسه روى البيهقي عن واثلة بن الأسقع ﵁ أنه فعل ذلك بنصرانية في بطنها مسلم (١) وما رواه عن عمر أنه أمر بدفنها في مقابر المسلمين (٢) معارض بذلك مع أنه ضعيف وتعبير المصنف بالكافرة أولى من تعبير أصله بالذمية لما مر "واستدبروا بالمرأة" القبلة وجوبا "ليستقبل" ها "الجنين"; لأن وجهه إلى ظهر أمه وصورة المسألة كما قاله الإسنوي (٣) إذا نفخ فيه الروح فإن كان قبله دفنت أمه كيف شاء أهلها; لأن دفنه حينئذ لا يجب فاستقباله أولى كما علم ذلك من قول الإمام وغيره إن وقت التخلق هو وقت نفخ الروح مع نقله عن الأصحاب أن من لم يتخطط لا يجب تكفينه ولا دفنه. وما رد به ذلك من أن المتجه أنه لا فرق بدليل أنه لا يجوز إلقاء النطفة بدواء أو غيره، وأنه لو وجب على الحامل قود وجب التأخير إلى وضعه، وإن ظننا عدم نفخ الروح فيه مردود بعد تسليم الحكم في الأولى من هاتين بأن الظاهر في حمل الحياة وفي حمل الميتة فلم يراعوا حرمته في الاستقبال كما لو يراعوها في التكفين والدفن "وحكى عن النص أن أهل دينها يتولون غسلها ودفنها"; لأنها المقصود بذلك
"فرع يرفع رأس الميت" ندبا "بنحو لبنة" طاهرة ككوم تراب "ويفضى بخده" الأيمن "مكشوفا إليها" الأولى إليه أي إلى نحو اللبنة "أولى التراب"
стр. 984
مبالغة في الاستكانة والامتهان رجاء الرحمة وقوله من زيادته مكشوفا إيضاح "ويكره" أن يوضع تحته "مخدة" بكسر الميم "وفرش" قالوا; لأنه إضاعة مال وأجابوا عما في خبر ابن عباس من أنه جعل في قبره ﷺ قطيفة حمراء بأنه لم يكن برضا جملة الصحابة ولا علمهم، وإنما فعله شقران مولى النبي ﷺ كراهة أن تلبس بعده (١) وروى البيهقي عن ابن عباس أنه كره وضع ثوب تحت الميت (٢) بقبره مع أن القطيفة أخرجت قبل إهالة التراب على ما قاله في الاستيعاب ولو سلم أنها لم تخرج ففي الدارقطني قال وكيع هذا خاص به ﷺ . "و" يكره "صندوق" أي جعل الميت فيه "ولا تنفذ وصيته بذلك" أي بما ذكر من المكروهات الثلاثة أو بشيء منه فقوله بذلك أولى من قول أصله به "فإن احتيج الصندوق" أي إليه "لنداوة ونحوها" كرخاوة في الأرض فلا كراهة فإن وصى به "نفذت" وصيته قال الأذرعي واستثنى الشافعي والأصحاب أيضا ما إذا كان في تهرية بحريق أو لدغ بحيث لا يضبطه إلا الصندوق قال ويستثنى امرأة لا محرم لها كما قاله المتولي وغيره لئلا يمسها الأجانب عند الدفن قلت فيه نظر قال ويظهر أن يلحق بذلك (٣) الأرض المسبعة بحيث لا يصونه من نبشها إلا الصندوق "وهو" أي الصندوق المحتاج إليه "من رأس المال" كالكفن; ولأنه من مصالح دفنه الواجب (٤) "فرع ثم" بعد فراغه مما مر "يبنى اللحد" ندبا "باللبن والطين" أو نحوهما لقول سعد فيما مر وانصبوا على اللبن نصبا; ولأن ذلك أبلغ في صيانة الميت عن النبش ونقل النووي في شرح مسلم أن "اللبنات التي وضعت في قبره ﷺ تسع" "وتسد فرجه" أي اللحد بكسر اللبن مع الطين أو بالإذخر ونحوه مما يمنع التراب والهوام وفي بعض نسخ الأصل بدل الإذخر الآجر قال الزركشي وغيره الشافعي والجمهور بل صرح الصيمري بكراهة قلت وجرى عليه القمولي
стр. 985
قال; لأنه يكره وضع شيء مسته النار في القبر ومثله يجري في إسناد ظهره ورفع رأسه وبناء لحده أو نحوه واعلم أن عبارة الأصل وغيره ينصب اللبن على فتح اللحد وتسد الفرج بقطع اللبن مع الطين أو بالإذخر ونحوه "ثم" بعد ذلك "يحثي" ندبا "كل من دنا" (١) عبارة الشافعي في الأم من على شفير القبر "ثلاث حثيات" من ترابه بيديه جميعا وليكن قبل رأسه وذلك للاتباع رواه ابن ماجه بإسناد جيد كما قاله البيهقي ولما فيه من المشاركة في هذا الفرض يقال حثى يحثي حثيا وحثيات وحتى يحثو حثوا وحثوات والأول أفصح "ويقول ندبا في الأولى ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ﴾ وفي الثانية ﴿وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ وفي الثالثة ﴿وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ " رواه الإمام أحمد (٢) قال المحب الطبري ويستحب أيضا أن يقول في الأولى اللهم لقنه عند المسألة حجته وفي الثانية اللهم افتح أبواب السماء لروحه وفي الثالثة اللهم جاف الأرض عن جنبيه "ثم يدفن بالمساحي" إسراعا بتكميل الدفن، وإنما كان ذلك بعد الحثي; لأنه أبعد عن وقوع اللبنات وعن تأذي الحاضرين بالغبار والمساحي بفتح الميم جمع مسحاة بكسرها; لأنها آلة يمسح بها الأرض ولا تكون إلا من حديد بخلاف المجرفة قاله الجوهري والمراد هنا هي أو ما في معناها
"فرع المستحب أن لا يزاد القبر على ترابه" الذي خرج منه لئلا يعظم شخصه "وأن يرفع قدر شبر" تقريبا ليعرف فيزار ويحترم كقبره ﷺ كما رواه ابن حبان في صحيحه فإن لم يرتفع ترابه شبرا فالأوجه أن يزاد (٣) قال الأذرعي: وقد تدعو الحاجة إلى الزيادة كأن سفته الريح قبل إتمام حفره أو كانت الأرض قليلة التراب لكثرة الحجارة "وتسطيحه أفضل من تسنيمه" كقبره ﷺ وقبر صاحبيه فإنها كانت كذلك روى أبو داود بإسناد صحيح أن القاسم بن محمد قال دخلت على عائشة فقلت لها اكشفي لي عن قبر النبي ﷺ وصاحبيه فكشفت
стр. 986
عن ثلاثة ولا مشرفة ولا لاطئة مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء أي لا مرتفعة كثيرا ولا لاصقة بالأرض (١) كما بينه آخر الخبر يقال لطئ بكسر الطاء ولطا بفتحها أي لصق ولا يؤثر أفضلية التسطيح كونه صار شعار الروافض; لأن السنة لا تترك بموافقة أهل البدع فيها ولا يخالف ذلك قول علي ﵁: "أمرني رسول الله ﷺ أن لا تدع قبرا مشرفا إلا سويته" (٢) ; لأنه لم يرد تسويته بالأرض. وإنما أراد تسطيحه جمعا بين الأخبار نقله في المجموع عن الأصحاب
"فإن دفن" مسلم "في بلد الكفار أخفي قبره" صيانة له عنهم وألحق به الأذرعي (٣) الأمكنة التي يخاف نبشها لسرقة كفنه أو لعداوة أو نحوهما "ويكره تجصيص" أي تبييض القبر بالجص أي الجبس ويقال هو النورة البيضاء "وكتابة وبناء عليه" قال جابر: "نهى رسول الله ﷺ أن يجصص القبر، وإن يبنى عليه (٤) وأن يقعد" رواه مسلم (٥) زاد الترمذي "وأن يكتب عليه وأن يوطأ" وقال حسن صحيح (٦) وسواء في البناء القبة أم غيرها وسواء في المكتوب اسم صاحبه أم غيره في لوح عند رأسه أم في غيره قاله في المجموع وكما يكره البناء عليه يكره بناؤه ففي رواية صحيحة نهى أن يبنى القبر "بل يهدم"
стр. 987
البناء الذي بني "في" المقبرة "المسبلة" (١) بخلاف ما إذا بني في ملكه. وصرح في المجموع وغيره بتحريم البناء فيها (٢) وفي كلام المصنف كأصله إشارة إليه (٣) قال الأذرعي ويقرب إلحاق الموات بالمسبلة (٤) ; لأن فيه تضييقا على المسلمين بما لا مصلحة ولا غرض شرعي فيه بخلاف الإحياء "ولا بأس بتطيينه"; لأنه ليس للزينة بخلاف التجصيص وقيل لا يطين والترجيح من زيادته، وهو مقتضى كلام الرافعي وصرح بتصحيحه في المجموع ونقله الترمذي عن الشافعي "ومشي" أي ولا بأس بمشي "متنعل بمقبرة" لخبر الصحيحين "العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه حتى يسمع قرع نعالهم أتاه ملكان" (٥) الحديث وأجابوا عن خبر أبي داود "أنه ﷺ قال لرجل: رآه يمشي في القبور بنعلين يا صاحب السبتيتين ويحك ألق سبتيتيك فخلعهما" (٦) بأنه كرههما لمعنى فيهما; لأن النعال السبتية هي المدبوغة بالقرظ، وهي لباس أهل الترفه والتنعم فنهى عنهما لما فيهما من الخيلاء فأحب أن يكون دخوله المقابر على زي التواضع
стр. 988
ولباس أهل الخشوع وبأنه يحتمل أنه كان فيهما نجاسة والنهي على التقديرين للتنزيه لما مر أنه قضاء الحاجة عند القبور "ويستحب أن يرش" القبر (١) "بالماء" لئلا ينسفه الريح; ولأنه ﷺ فعل ذلك بقبر ابنه رواه الشافعي وسيأتي وبقبر سعد رواه ابن ماجه وأمر به في قبر عثمان بن مظعون رواه البزار وسعد هذا هو ابن معاذ ويستحب أن يكون الماء طاهرا طهورا باردا تفاؤلا بأن الله يبرد مضجعه قاله الأذرعي و "وأن يوضع عليه حصى" روى الشافعي "أنه ﷺ رش على قبر ابنه إبراهيم ووضع عليه حصباء"، وهي بالمد وبالموحدة الحصى الصغار، وهو حديث مرسل مروي بإسناد ضعيف "و" يوضع "عند رأسه صخرة أو خشبة" أو نحوهما روى أبو داود بإسناد جيد أنه ﷺ وضع حجرا أي صخرة عند رأس عثمان بن مظعون وقال: "أتعلم بها قبر أخي وأدفن إليه من مات من أهلي" (٢) قال الماوردي ويوضع ذلك عند رجليه (٣) أيضا "ويكره رشه" أي قبر "بماء ورد" ونحوه وأن يطلى بالخلوق قالوا; لأنه إسراف وإضاعة مال قال الأذرعي والظاهر كراهة رشه بالنجس أو تحريمه (٤) "و" يكره "ضرب مظلة عليه" بكسر الميم; لأن عمر ﵁ رأى مظلة على قبر فأمر برفعها وقال دعوه يظله عمله ويكره استلامه وتقبيله
стр. 989
فصل يحصل من الأجر بالصلاة عليه
المسبوقة بالحضور معه "قيراط و" يحصل منه "بها والحضور" معه "إلى تمام الدفن لا المواراة" فقط "قيراطان" لخبر الصحيحين "من شهد الجنازة حتى يصلي عليها فله قيراط ومن شهدها حتى
стр. 990
تدفن" وفي رواية للبخاري "حتى يفرغ من دفنها فله قيراطان قيل وما القيراطان قال مثل الجبلين العظيمين" (١) ولمسلم "أصغرهما مثل أحد" (٢) وعلى ذلك تحمل رواية لمسلم "حتى توضع في اللحد" وهل ذلك بقيراط الصلاة (٣) أو بدونه فيكون ثلاثة قراريط فيه احتمال لكن في صحيح البخاري في كتاب الأيمان التصريح بالأول ويشهد للثاني ما رواه الطبراني مرفوعا "من تبع جنازة حتى يقضى دفنها كتب له ثلاثة قراريط" ونظيره ما لو قال إن ولدت فأنت طالق طلقة أو ذكرا فطلقتين فولدت ذكرا وقع ثلاث ذكر ذلك الزركشي وبالأول صرح ابن الصباغ وغيره ولو تعددت الجنائز واتحدت الصلاة عليها دفعة واحدة هل يتعدد القيراط بتعددها أو لا نظرا لاتحاد الصلاة قال الأذرعي: الظاهر التعدد (٤) وبه أجاب قاضي حماة البارزي (٥) وبما قررته علم أنه لو صلى عليه ثم حضر وحده ومكث حتى دفن لم يحصل له القيراط الثاني، وهو ما صرح به في المجموع وغيره لكن له أجر في الجملة
"فرع يستحب" لمن حضر دفن الميت أو عقبه "أن يقف على القبر بعد
стр. 991
الدفن ويستغفر" الله ويدعو "له"; لأنه ﷺ كان إذا فرغ من دفن الرجل يقف عليه ويقول استغفروا لأخيكم واسألوا الله له التثبيت فإنه الآن يسأل" رواه أبو داود وغيره بإسناد جيد كما في المجموع (١) ولأن عمرو بن العاص قال حين حضرته الوفاة فإذا دفنتموني فشنوا علي التراب شنا ثم أقيموا حول قبري قدر ما تنحر جزور ويقسم لحمها حتى أستأنس بكم وأعلم ماذا أرجع به رسل ربي رواه مسلم (٢) وقوله شنوا روي بالمهملة وبالمعجمة قال في المجموع عن الأصحاب ويستحب أن يقرأ عنده شيء من القرآن، وإن ختموا القرآن كان أفضل "وأن يلقن الميت" لقوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وأحوج ما يكون العبد إلى التذكير في هذه الحالة "بعد الدفن (٣) بالمأثور" أي المنقول، وهو كما في الأصل يا عبد الله بن أمة الله اذكر ما خرجت عليه من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وأن الجنة حق، وأن النار حق، وأن البعث حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأنك رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد ﷺ نبيا وبالقرآن إماما وبالكعبة قبلة وبالمؤمنين إخوانا. رواه الطبراني بلفظ "إذا مات أحد من إخوانكم فسويتم التراب على قبره فليقم أحدكم على رأس
стр. 992
قبره ليقل (١) يا فلان بن فلانة فإنه يسمعه ولا يجيب ثم يقول يا فلان بن فلانة فإنه يستوي قاعدا ثم يقول يا فلان بن فلانة فإنه يقول أرشدنا رحمك الله ولكن لا تشعرون فليقل اذكر ما خرجت عليه من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وأنك رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا وبالقرآن إماما فإن منكرا ونكيرا يأخذ كل واحد (٢) منهما بيد صاحبه ويقول انطلق بنا ما يقعدنا عند من لقن حجته فقال رجل يا رسول الله فإن لم يعرف أمه قال فلينسبه إلى أمه حواء يا فلان بن حواء" قال النووي: وهو ضعيف لكن أحاديث الفضائل يتسامح فيها عند أهل العلم وقد اعتضد هذا الحديث بشواهد من الأحاديث الصحيحة كحديث "اسألوا الله له التثبيت" ووصية عمرو بن العاص السابقة قال بعضهم وقوله ﷺ "لقنوا موتاكم لا إله إلا الله" (٣) دليل عليه; لأن حقيقة الميت من مات أما قبل الموت أي، وهو ما جرى عليه الأصحاب كما مر فمجاز. وأنكر بعضهم قوله يا ابن أمة الله; لأن المشهور أن الناس يدعون يوم القيامة بآبائهم كما نبه عليه البخاري في صحيحه وظاهر أن محله في غير المنفي وولد الزنا على أنه في المجموع خير فقال يقال يا فلان بن فلان أو يا عبد الله بن أمة الله وأبدل ما خرجت عليه بالعهد الذي خرجت عليه والشهادة المذكور بقوله شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله والأمر قريب قال الزركشي قال صاحب الاستقصاء: ويسن إعادة التلقين ثلاثا قلت، وهو قياس التلقين عند الموت. ا هـ. قال القمولي قال العلماء
стр. 993
ولا يعارض التلقين قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ وقوله: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ ; لأنه ﷺ نادى أهل القليب وأسمعهم وقال ما أنتم بأسمع منهم لكنهم لا يستطيعون جوابا" (١). وقال في الميت: "إنه ليسمع قرع نعالكم" (٢)، وهذا يكون في وقت دون وقت "وأن يقف" عبارة الروضة نقلا عن الأصحاب ويقعد "الملقن عند رأس القبر" لوروده في الخبر السابق; ولأنه أقرب إلى سماع الميت التلقين ينبغي أن يتولى التلقين أهل الدين والصلاح من أقربائه فإن لم يكونوا فمن غيرهم ذكره الأذرعي "ولا يلقن طفل" ولو مراهقا "ونحوه" (٣) كمجنون لم يتقدمه تكليف كما قيد به الأذرعي; لأنهما لا يفتنان في قبريهما أما خبر "أنه ﷺ لقن ابنه إبراهيم" فغريب. "وليفرد كل ميت بقبر" حالة الاختيار للاتباع ذكره في المجموع قال إنه صحيح عبارة الأصل المستحب في حال الاختيار أن يدفن كل ميت في قبر. ا هـ. فلو جمع اثنان في قبر واتحد الجنس كرجلين وامرأتين كره عند الماوردي وحرم عند السرخسي (٤) ونقله عنه النووي في مجموعه مقتصرا عليه وعقبه بقوله وعبارة الأكثرين لا يدفن اثنان في قبر قال السبكي لكن الأصح الكراهة (٥) أو نفي الاستحباب. أما التحريم فلا دليل عليه. ا هـ. وما قاله
стр. 994
الماوردي أوفق لكلام الأصل السابق من كلام المجموع وكلام المصنف يميل إلى التحريم بقرينة تعبيره بالجواز في قوله "فإن كثروا وعسر" إفراد كل ميت بقبر "جاز الجمع" بين الاثنين والثلاثة وأكثر في قبر بحسب الضرورة وكذا في ثوب وذلك للاتباع في قتلى أحد رواه البخاري (١) "ويقدم الأفضل إلى القبلة" "; لأنه ﷺ كان يسأل في قتلى أحد عن أكثرهم قرآنا فيقدمه إلى اللحد" (٢) "لا فرع" فلا يقدم "على أصله من جنسه" فيقدم الأب على الابن، وإن كان أفضل منه لحرمة الأبوة وتقدم الأم على البنت، وإن كانت أفضل منها وتعبيره بالأصل أولى من تعبير أصله بالأب والأم "ولا" يقدم "أنثى على ذكر" فيقدم الابن على أمه لفضيلة الذكورة، وهذا تصريح بما علم مما قبله على أنه ساقط من بعض النسخ "و" يقدم "الرجل على الصبي" والصبي على الخنثى والخنثى على المرأة كما صرح به الأصل ويمكن إدخاله في قول المصنف ولا أنثى على ذكر بأن يقال ولو احتمالا والظاهر أن ما مر في الصلاة (٣) على الميت من أنهم إذا تساووا في الفضيلة يقرع بينهم، وأنهم إذا ترتبوا لا ينحى لما سبق، وإن كان مفضولا إلا ما استثني يأتي هنا، وأن ما ذكر هنا من استثناء الأب والأم يأتي هناك وقد يفرق بأن المدة هنا مؤيدة بخلافها وبأن القصد (٤) من الصلاة الدعاء والأفضل أولى به "ولا يجمع" في قبر "رجل وامرأة إلا لضرورة" فيحرم عند عدمها كما في الحياة ومحله إذا لم تكن بينهما محرمية أو زوجية وإلا فيجوز الجمع صرح به ابن الصباغ وغيره كما قاله ابن يونس قال الإسنوي، وهو متجه والذي في المجموع أنه لا فرق فقال إنه حرام حتى في الأم
стр. 995
مع ولدها والقياس أن الصغير (١) الذي لم يبلغ حد الشهوة كالمحرم بل أولى، وأن الخنثى مع الخنثى (٢) أو غيره كالأنثى مع الذكر "ويحجز بين الميتين بتراب" ندبا فيما يظهر (٣) من كلامهم وبه جزم المصنف في شرح الإرشاد (٤) "ولو اتحد الجنس"
стр. 996
فصل يكره الجلوس والاستناد والوطء للقبر
أي الجلوس والوطء عليه والاستناد له توقيرا للميت (١)، وأما الجلوس في خبر مسلم "لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه حتى تخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر" ففسره رواية أبي هريرة بالجلوس للبول والغائط ورواه ابن وهب أيضا في مسنده بلفظ "من جلس على قبر يبول عليه أو يتغوط" اكتفى المصنف بالإسناد عن الاتكاء المصرح به في الأصل "إلا لحاجة بأن حال" القبر "دون من يزوره" ولو أجنبيا بأن لا يصل إليه إلا بوطئه فلا كراهة فيه وفهم منه بالأولى عدم كراهة الوطء لضرورة الدفن ونقله في الشامل عن النص وتعبير المصنف بمن يزوره أعم من تعبير أصله بقبر ميته قال الأذرعي ولا خفاء أن المراد قبر المسلم لا قبر الحربي والمرتد ونحوهما وفي قبر الذمي ونحوه نظر والظاهر أنه لا حرمة له في نفسه (٢) لكن ينبغي اجتنابه (٣) لأجل كف الأذى عن أحيائهم إذا وجدوا ولا شك في كراهة المكث في مقابرهم
"فرع تستحب زيارة القبور" أي قبور المسلمين (٤) "للرجل" لخبر مسلم
стр. 997
"كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكر الآخرة" (١)
"وتكره للمرأة" (٢) لجزعها، وإنما لم تحرم عليها "لقول عائشة قلت كيف أقول يا رسول الله تعني إذا زرت القبور قال قولي السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون" (٣) رواه مسلم، وأما خبر "لعن الله زورات القبور" (٤) فمحمول على ما إذا كانت زيارتهن للتعديد والبكاء والنوح على ما جرت به عادتهن "إلا قبر النبي ﷺ " فلا تكره لها زيارته بل تندب كما يعلم من باب الحج، وهذا من زيادته هنا وينبغي كما قال ابن الرفعة والقمولي أن تكون قبور سائر الأنبياء (٥) والأولياء كذلك "ويقول الزائر" ندبا "سلام عليكم (٦) دار قوم مؤمنين إلى آخره"، وهو كما في الأصل، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم (٧) وفي هذا الاستثناء أقوال قيل هو على عادة المتكلم لتحسين الكلام وقيل هو على بابه راجع إلى اللحوق في هذا
стр. 998
المكان وقيل غير ذلك (١). قال في المجموع: والصحيح أنه للتبرك وامتثال قوله تعالى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ وما ذكره المصنف كأصله من تنكير السلام رواه الإمام أحمد والمشهور ما في المجموع وغيره تعريفه للاتباع رواه مسلم وغيره قال القاضي والمتولي يقول وعليكم السلام ولا يقول السلام عليكم; لأنهم ليسوا أهلا للخطاب "ولقوله ﷺ لمن قال له عليك السلام أن عليك السلام تحية الموتى إذا لقي الرجل أخاه المسلم فليقل السلام عليكم" رواه الترمذي وصححه (٢) والصحيح ما مر وأجيب عن الخبر بأنه إخبار عن عادتهم لا تعليم لهم وبأن أخبارنا أصح وأكثر وقولهم ليسوا أهلا للخطاب ممنوع فقد روى ابن عبد البر بإسناد حسن "ما من أحد يمر بقبر أخيه المؤمن يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا عرفه ورد عليه¬ السلام" (٣).
"و" يستحب "أن يدنو منه دنوه منه حيا" (٤) عند زيارته نعم لو كانت عادته معه البعد وقد أوصى بالقرب منه قرب منه; لأنه حقه كما لو أذن في الحياة قاله الزركشي (٥) "وأن يقرأ" عنده ما تيسر من القرآن "ثم يدعو" له بعد توجهه إلى القبلة قال النووي ويستحب الإكثار من الزيارة وأن يكثر الوقوف عند قبور أهل الخير والفضل "والأجر له" أي للقارئ "والميت كالحاضر ترجى له الرحمة" والبركة وسيأتي في الإجارة ما يوضحه.
стр. 999
"فرع يحرم نبش القبر قبل البلى (١) عند أهل الخبرة" بتلك الأرض لهتك حرمة الميت "فإن بلي الميت" بأن انمحق جسمه وعظمه وصار ترابا "جاز" (٢) نبش قبره ودفن غيره فيه "وحرم" حينئذ "تجديده" بأن يستوي ترابه عليه ويعمر عمارة قبر جديد "في" مقبرة "مسبلة"; لأنه يوهم الناس أنه جديد فيمتنعون من الدفن فيه واستثنى بعضهم ما لو كان المدفون صحابيا أو ممن اشتهرت ولايته فلا يجوز نبشه عند الانمحاق قال الزركشي (٣)، وهو حسن (٤) ويؤيده ما في الوصايا أنه تجوز الوصية بعمارة قبور الأنبياء والصالحين لما فيه من إحياء الزيارة والتبرك والمراد بعمارتها حفظها من الدراسة لا تجديد بنائها لما مر "وإن وقع في القبر خاتم ونحوه" أي أو نحوه مما يتمول، وإن قل "نبش" ورد; لأن تركه فيه إضاعة مال وقيده في المهذب بطلب مالكه له قال في المجموع ولم يوافقه وعليه ورد بموافقة صاحبي الانتصار والاستقصاء له (٥). ويجاب بأن موافقتهما لا تنافي ما قاله وعلى الإطلاق يفارق ما يأتي في الابتلاع وفي التكفين والدفن في المغصوب بأن الأول فيه بشاعة بشق جوف الميت والأخيرين ضروريان للميت فاحتيط لها بالطلب بخلاف هذا "أو ابتلع مال غيره" وطلبه صاحبه كما في الأصل "ولم يضمنه" أي مثله أو قيمته "أحد من الورثة" أو غيرهم "نبش وشق جوفه" ورد لما مر وتعبيره بأحد أعم من تعبير أصله بالورثة والتقييد بعدم الضمان نقله الأصل عن صاحب العدة ونقل عن القاضي أبي الطيب أنه لا ينبش بحال ويجب الغرم في تركته قال في
стр. 1000
المجموع والتقييد غريب والمشهور للأصحاب إطلاق الشق من غير تقييد قال الزركشي: وفيما قاله نظر فقد حكى صاحب البحر الاستثناء عن الأصحاب وقال لا خلاف فيه (١) "لا" إن ابتلع مال "نفسه" فلا ينبش ولا يشق لاستهلاكه ماله في حياته "ولو كفن في مغصوب أو دفن فيه وشح مالكه" به على الميت مع أن المستحب له أن لا يشح به كما ذكره الأصل بل يكره أن يشح به كما نقله الماوردي وغيره عن النص "أو" دفن "في مسيل" أي مكان لحقه بعد الدفن فيه سيل "أو" في أرض ذات "نداوة". وهذا قد يغني عما قبله "نبش" ليؤخذ الكفن في الأولى ولينقل في البقية وقضية تقييده بشح المالك في الأوليين أنه لا يجوز النبش قبل طلبه، وهو ما جزم به ابن الأستاذ قال الزركشي وغيره إلا أن يكون محجورا عليه (٢) أو ممن يحتاط له ومحل النبش أيضا في الكفن المغصوب إذا وجد ما يكفن فيه (٣) الميت وإلا فلا يجوز النبش كما اقتضاه كلام الشيخ أبي حامد وغيره بناء على أنا إذا لم نجد إلا ثوبا يؤخذ من مالكه قهرا ولا يدفن عريانا، وهو ما في البحر وغيره، وهو الأصح قاله الأذرعي وينبش أيضا فيما لو قال إن ولدت ذكرا فأنت طالق طلقة أو أنثى فطلقتين فولدت ميتا ودفن ولم يعلم كما يأتي في الطلاق أو شهدا على شخصه ثم دفن واشتدت الحاجة ولم تتغير صورته على ما ذكره الغزالي في الشهادات (٤) أو دفنت امرأة وفي جوفها جنين ترجى حياته بأن يكون له ستة أشهر فأكثر تداركا للواجب; لأنه يجب شق جوفها قبل الدفن الكافر بالحرم كما سيأتي في الجزية أو تداعياه فينبش لتلحقه القافة (٥) بأحدهما على ما اقتضاه
стр. 1001
كلامهم. ويجب تقييده بما إذا لم تتغير صورته (١) كما قاله البغوي وتقدم أنه إذا دفن لغير القبلة ولم يتغير ينبش قال البغوي: ولو كفنه أحد الورثة من التركة وأسرف فعليه غرم حصة بقية الورثة فلو قال أخرجوا الميت وخذوه لم يلزمهم ذلك، وليس لهم نبش الميت إذا كان الكفن مرتفع القيمة، وإن زاد في العدد فلهم النبش وإخراج الزائد قال الأذرعي والظاهر أن المراد الزائد على الثلاث (٢) "لا" إن دفن "بلا كفن أو في حرير" فلا ينبش لحصول الستر في الأولى بالتراب فهو أولى من هتك حرمته بالنبش، وأما في الثانية; فلأن الحرمة في الحرير حق الله تعالى "وشرط" وفي نسخة ويشترط "عدم التغير" للميت "في النبش للغسل" (٣) أو التيمم فإن تغير وخشي فساده حرم النبش لتعذر تظهيره فسقط كما يسقط وضوء الحي عند تعذره.
"فرع" لو "مات في سفينة وأمكن" من هناك دفنه لكونهم قرب البر ولا مانع "لزمهم" التأخير ليدفنوه فيه "وإلا جعل بعد الصلاة" عليه "بين لوحين لئلا ينتفخ وألقي لينبذه البحر إلى من" لعله "يدفنه، وإن" لم يجعل بين لوحين بل "ثقل بشيء لينزل" إلى القرار "لم يأثموا"، وإن كان أهل البر مسلمين فيجب عليهم قبل إلقائه في البحر بين لوحين أو مثقلا بشيء غسله وتكفينه والصلاة عليه وعبارة الروضة وإذا ألقوه بين لوحين أو في البحر وجب عليهم
стр. 1002
قبل ذلك غسله وتكفينه والصلاة عليه بلا خلاف "وتستحب المجاورة بين الأقارب" ونحوهم لخبر ابن مظعون السابق; ولأنه أسهل على الزائر قال في المجموع: قال البندنيجي: ويستحب أن يقدم الأب إلى القبلة ثم الأسن فالأسن. ا هـ. ولو قيل هنا بما قيل به في التقديم (١) إلى القبلة في القبر كان أقرب
"ومن سبق إلى" محل من "مكان مسبل فهو أولى بالحفر فيه" لخبر "منى مناخ من سبق" رواه أبو داود وغيره بأسانيد جيدة وحسنه الترمذي (٢) فإن جاءوا معا أقرع بينهم كما في المجموع ونص عليه في الأم وتقدم أنه يحرم نبش قبر الميت ودفن غيره فيه قبل البلى "فإن حفر فوجد عظام ميت" (٣) أي شيئا منها قبل تمام الحفر "وجب رد ترابه عليه. وإن وجدها بعد تمام الحفر جعلها في جانب" من القبر "وجاز" لمشقة استئناف قبر "دفنه" أي الآخر "معه" ونقلوه عن النص كما في الروضة وغيرها قال بعضهم وهذا النص يدل على أنه لا يحرم دفن اثنين في قبر لغير ضرورة خلافا للسرخسي وقد مر "ومن مات أقاربه" أو جماعة منهم "دفعة" وأمكنه دفن كل في قبر "بدأ بدفن" الأولى بتجهيز "من يخشى تغيره ثم بأبيه"; لأنه أكثر حرمة "ثم أمة"; لأن لها رحما "ثم الأقرب ويقدم الأكبر" سنا "من أخويه" مثلا قال الأذرعي وغيره وفي تقديم الأكبر مطلقا نظر إذا كان الأصغر أتقى وأعلم وأورع فإن استويا
стр. 1003
أقرع بينهما "ويقرع بين زوجيته" إذ لا مزية ومثلهما فيما يظهر عبداه وأمتاه.
"ولا يدفن مسلم مع كفار" أي في مقبرتهم "ولا عكسه" أي لا يجوز ذلك بالاتفاق كما قاله القاضي مجلي لما فيه من التعرض للعن المسلم وتأذيه بمواضع الغضب وقوع المسلم في الاستغفار للكافر "ويستحب الدفن نهارا" (١) لسهولة الاجتماع والوضع في القبر نعم إن خشي تغيره فلا يستحب تأخيره ليدفن نهارا قال الأذرعي وغيره بل ينبغي وجوب المبادرة به (٢) "ولا يكره ليلا"; لأنه ﷺ اطلع على ذلك ولم ينكره رواه البخاري (٣) "ورأى ناس نارا في المقبرة فأتوها فإذا رسول الله ﷺ في القبر وإذا هو يقول ناولوني صاحبكم وإذا هو الرجل الذي كان يرفع صوته بالذكر" رواه أبو داود بإسناد على شرط الشيخين (٤)، وأما خبر مسلم "زجر النبي ﷺ أن يقبر الرجل بالليل حتى يصلى عليه إلا أن يضطر إنسان إلى ذلك" (٥) فالنهي فيه إنما هو عن دفنه
стр. 1004
قبل الصلاة عليه. "ولا" يكره "في الأوقات المكروهة" (١) بالإجماع كما نقله الشيخ أبو حامد والماوردي وغيرهما هذا "إن لم يتحرها" وإلا كره (٢) وعليه حمل خبر مسلم "عن عقبة ثلاث ساعات نهانا رسول الله ﷺ عن الصلاة فيها، وإن نقبر فيها موتانا وذكر وقت طلوع الشمس واستوائها وغروبها" (٣) وظاهره اختصاص ذلك بالأوقات المتعلقة بالزمان دون المتعلقة بالفعل وجرى عليه الإسنوي قال وكلام الأصحاب والحديث والمعنى يدل لذلك وقال الزركشي (٤): الصواب التعميم (٥) ونقبر بضم الباء وكسرها أي بدفن "ويكره المبيت في المقبرة" لما فيه من الوحشة "ويحرم حمله من بلد إلى بلد" آخر (٦) ليدفن فيه، وإن لم يتغير لما فيه من تأخير دفنه المأمور بتعجيله وتعريضه لهتك حرمته قال الإسنوي: وتعبيرهم بالبلد لا يمكن الأخذ بظاهره، فإن الصحراء كذلك وحينئذ فينتظم منها مع البلد أربع مسائل، وهي النقل من بلد إلى بلد ومن صحراء إلى صحراء، ومن بلد إلى صحراء والعكس ولا شك في جوازه بالبلدين (٧) المتصلين أو المتقاربين لا سيما والعادة جارية بالدفن خارج البلد
стр. 1005
ولعل العبرة (١) في كل بلد بمسافة مقبرتها "إلا من بقرب" مكان "من الأماكن الثلاثة" مكة والمدينة وبيت المقدس فيختار أن ينتقل إليه لفضل الدفن فيه والمعتبر في القرب بمسافة لا يتغير فيها الميت قبل وصوله والمراد بمكة جميع الحرم لا نفس البلد قال الزركشي (٢): أخذا من كلام المحب الطبري وغيره ولا ينبغي التخصيص بالثلاثة بل لو كان بقربه مقابر أهل الصلاح والخير فالحكم كذلك; لأن الشخص يقصد الجار الحسن قال وينبغي استثناء الشهيد لخبر جابر قال "أمر النبي ﷺ بقتلى أحد أن يردوا إلى مصارعهم وكانوا نقلوا إلى المدينة" رواه الترمذي وصححه (٣). ا هـ. ولو تعارض القرب من الأماكن المذكورة ودفنه بين أهله فالظاهر أن الأول أولى (٤) "فإن وصى به" أي بحمله إلى بلد آخر غير الأماكن المذكورة "لم تنفذ وصيته" به; لأنه حرام "وإن رجيت حياة جنين ميتة (٥) شق جوفها" وجوبا "في القبر" ندبا فيما يظهر "وأخرج" منه ذلك; لأن مصلحة إخراجه (٦) أعظم من مفسدة انتهاك حرمتها والتقييد بالقبر من زيادته ونقله ابن الأستاذ عن الأصحاب ووجهه أن الشق فيه أستر وأكثر احتراما وأقل كلفة قال الروياني وعندي أنه يشق قبله أي وجوبا; لأنه ربما يموت بضيق النفس "وإن لم ترج" حياته (٧) "لم تدفن" هي "حتى يموت" هو "ولو مر مسافرون بميت أو مات أحدهم" وكان الميت فيهما بمحل لا يمر به أحد إلا نادرا "فتركوه" بلا تجهيز "أثموا" لتفويتهم الواجب
стр. 1006
"وعوقبوا" أي عاقبهم الإمام لذلك "إلا إن خافوا" عدوا أو نحوه لو اشتغلوا بتجهيزه فلا يأثمون بتركه ولا يعاقبون للضرورة لكن يختار أن يواروه ما أمكنهم صرح به في الروضة والتصريح باستثناء الخوف ويذكر العقوبة في مسألة المرور من زيادته وقوله خافوا أعم من قول الروضة خافوا عدوا "وإن كان" الميت المذكور "بجنب قرية أو" طريق "جادة" أي تسلكه المارة كثيرا "فمسيئون" بترك تجهيزه ولا "لا يعاقبون" وعلى من بقربه من المسلمين دفنه صرح به في الروضة وبذلك علم إن أساء تجيء لغير التحريم ومنه خبر "فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء" (١) وقد استعمله المصنف كأصله في التحريم في باب الجمعة وتقدم تحريره ثم "فإن وجدوه مكفنا محنطا دفنوه; لأن الظاهر أنه صلى عليه ومن شاء" الصلاة عليه "صلى بعد دفنه" على قبره; لأن المبادرة إلى دفنه بعد الصلاة الأولى عليه أهم.
стр. 1007
باب التعزية
"وهي سنة" وفي نسخة سنة مؤكدة; لأنه ﷺ مر على امرأة تبكي على صبي لها فقال لها اتقى الله واصبري ثم قال إنما الصبر أي الكامل عند الصدمة الأولى" رواه الشيخان (١) ولما رواه ابن ماجه والبيهقي بإسناد حسن "ما من مسلم يعزي أخاه بمصيبة إلا كساه الله من حلل الكرامة يوم القيامة" (٢) "ويكره الجلوس لها" بأن يجتمع أهل الميت بمكان ليأتيهم الناس للتعزية; لأنه محدث، وهو بدعة; ولأنه يجدد الحزن ويكلف المعزى، وأما ما ثبت "عن عائشة من أنه ﷺ لما جاءه قتل زيد بن حارثة وجعفر
стр. 1008
وابن رواحة جلس في المسجد يعرف في وجهه الحزن" (١) فلا نسلم أن جلوسه كان لأجل أن يأتيه الناس ليعزوه "ويعزى كل أهل الميت" (٢) ولو صبيانا ونساء "لا أجنبي شابة" فلا يعزيها إلا محارمها وزوجها وكذا من ألحق بهم (٣) في جواز النظر فيما يظهر وصرح ابن خيران بأنه يستحب التعزية بالمملوك. قال الزركشي: والمستحب أنه يعزي (٤) بكل من يحصل له عليه وجد كما ذكره الحسن البصري حتى بالزوجة والصديق وتعبيرهم بالأهل جرى على الغالب "وتأخيرها" أي التعزية "حتى يدفن الميت أولى" منها قبله لاشتغالهم قبله بتجهيزه ولشدة حزنهم حينئذ بالمفارقة "إلا إن أفرط جزعهم" فيختار تقديمها ليصيرهم "ولا تعزية بعد ثلاث" من الأيام "تقريبا" أي تكره بعدها إذ ا لغرض منها تسكين قلب المصاب والغالب سكونه فيها فلا يجدد حزنه وقد جعلها النبي ﷺ نهاية الحزن بقوله "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاثة أيام إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا" رواه البخاري (٥) ومن هنا كان ابتداء الثلاث من الموت كما هو ظاهر كلام المصنف كأصله وبه صرح جمع (٦) منهم القاضي أبو الطيب والبندنيجي وابن الصباغ والماوردي وابن أبي الدم والغزالي في خلاصته والقول بأنه من الدفن مفرع على أن ابتداء التعزية
стр. 1009
منه أيضا لا من الموت كما أفصح به الخوارزمي فقول النووي في مجموعه وغيره. قال أصحابنا وقتها من الموت إلى الدفن وبعده بثلاثة أيام مراده به ما قلنا بقرينة قوله بعده قد ذكرنا أن مذهبنا استحبابها قبل الدفن وبعده ثلاثة أيام وبه قال أحمد انتهى. والذي قلناه هو قول أحمد كما اقتضاه كلام المستوعب وغيره للحنابلة وقول المصنف من زيادته "لا تحديدا" تأكيد "إلا لغيبة معز أو معزى" فتبقى التعزية له إلى قدومه قال المحب الطبري (١) والظاهر امتدادها بعده ثلاثة أيام (٢) ويلحق بالغيبة المرض (٣) وعدم العلم كما قاله المصنف في شرح الإرشاد (٤) "والتعزية" لغة التصبير لمن أصيب بالتعزية عليه وشرعا "هي الحمل على الصبر بالوغد (٥) بالأجر والتحذير" عن الوزر بالجزع "و" أن "يدعو" عبارة أصله والدعاء "للميت والمصاب (٦) ففي تعزية كافر بمسلم وعكسه يخص المسلم بالدعاء الأخروي" فيقول في تعزية المسلم بالمسلم عظم الله أجرك (٧) وأحسن عزاءك بالمد أي جعل صبرك حسنا وغفر لميتك ويستحب أن يبدأ قبله بما ورد من تعزية الخضر أهل بيت رسول الله ﷺ بموته (٨) إن في الله عزاء من كل مصيبة وخلفا من كل
стр. 1010
هالك ودركا من كل فائت فبالله فثقوا وإياه فارجوا فإن المصاب من حرم الثواب ويقول في تعزية الكافر بالمسلم غفر الله لميتك وأحسن عزاءك وفي تعزية المسلم بالكافر (١) أعظم الله أجرك وأخلف عليك وألهمك الصبر أو جبر مصيبتك أو نحوه ومحل قوله وأخلف إذا كان الميت ولدا أو نحوه ممن يخلف بدله فإن كان أبا أو نحوه فيقول خلف عليك أي كان الله خليفة عليك نقله الشيخ أبو حامد عن الشافعي "وفي" تعزية "ذمي بذمي" (٢) يعزي "بنحو أخلف الله عليك ولا نقص عددك" بالنصب والرفع; لأن ذلك ينفعنا في الدنيا بكثرة الجزية وفي الآخرة بالفداء من النار قال في المجموع: وهو مشكل; لأنه دعاء بدوام الكفر فالمختار تركه منعه ابن النقيب بأنه ليس فيه ما يقتضي البقاء على الكفر قال ولا يحتاج إلى تأويله بتكثير الجزية انتهى. وفائدة التعليلين السابقين تظهر في تعزية الحربي بالحربي فيعزى على التعليل بالفداء دون التعليل بتكثير الجزية لكن أطلق الجيلي أنه لا يعزى (٣)، وهو قضية كلام المصنف كأصله والشيخ أبي حامد بمعنى أنه تكره تعزيته، وهو الظاهر إلا أن يرجى إسلامه فينبغي ندبها (٤) أخذا من كلام السبكي الآتي، وعبر الأصل في تعزية الذمي بالذمي بجوازها، وفي المجموع بعدم ندبها قال في المهمات: وكلام جماعة منهم صاحب التنبيه كالصريح في ندبها وكلام المصنف يوافقه وذكر نحوا من زيادته قال السبكي: وينبغي أن لا تندب (٥) تعزية الذمي بالذمي أو بالمسلم إلا إذا رجي إسلامه تأليفا على الإسلام، وإنما قدم في التعزية الدعاء للمصاب; لأنه المخاطب وليوافق قوله ﷺ "اللهم اغفر لحينا
стр. 1011
وميتنا" (١) حيث بدأ بالحي وخولف في تعزية الكافر بالمسلم تقديما للمسلم.
стр. 1012
فصل يستحب لجيران أهل الميت
ولو أجانب "وأقاربه الأباعد"، وإن كانوا بغير بلد الميت "أن يصنعوا لأهله" الأقارب "طعاما يكفيهم يومهم وليلتهم" عقب معرفتهم بالموت لخبر "اصنعوا لآل جعفر طعاما فقد جاءهم ما يشغلهم" رواه الترمذي وحسنه (١) ; ولأنه بر ومعروف قال الإسنوي: والتعبير باليوم والليلة واضح إذا مات في أوائل اليوم فلو مات في آخره فقياسه أن يضم إلى ذلك (٢) الليلة الثانية أيضا لا سيما إذا تأخر الدفن عن تلك الليلة وذكر في الأنوار مع جيران أهل الميت معارفهم "ويلحون" الأولى حذف النون ليكون المعنى وأن يلحوا "عليهم في الأكل" (٣) منه لئلا يضعفوا بتركه "ويحرم صنعه لمن ينوح"; لأنه أعانه على معصية
"ويكره لأهله" أي الميت "طعام" أي صنع طعام "يجمعون عليه الناس" أخذ كصاحب الأنوار الكراهة من تعبير الروضة والمجموع بأن ذلك بدعة غير مستحب واستدل له في المجموع بقول جرير بن عبد الله كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعهم الطعام بعد دفنه من النياحة رواه الإمام أحمد وابن ماجه بإسناد صحيح (٤) وليس في رواية ابن ماجه "بعد دفنه"، وهذا ظاهر في
стр. 1013
التحريم (١) فضلا عن الكراهة والبدعة الصادقة بكل منهما قال في المجموع: وأما الذبح والعقر عند القبر فمذموم لخبر "لا عقر في الإسلام" رواه أبو داود والترمذي وقال حسن صحيح (٢)
стр. 1014
فصل البكاء على الميت جائز قبل الموت (٣) وبعده
ولو بعد الدفن; لأنه ﷺ "بكى على ولده إبراهيم قبل موته وقال: إن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون وبكى على قبر بنت له وزار قبر أمه فبكى وأبكى من حوله" روى الأول الشيخان (٤) والثاني البخاري والثالث مسلم (٥) "و" لكنه "قبله" أي الموت "أولى" قال الإسنوي ومقتضاه طلب البكاء وبه صرح القاضي ونقله في المهمات عن ابن الصباغ ونظر فيه قال الزركشي والظاهر أن المراد (٦) أنه بالجواز; لأنه بعد الموت يكون أسفا على ما فات ومقتضاه أيضا أنه بعد الموت خلاف الأولى ونقله في المجموع عن الجمهور لكنه نقل في الأذكار عن الشافعي والأصحاب أنه مكروه لخبر "فإذا وجبت فلا تبكين باكية قالوا وما الوجوب يا رسول الله قال الموت" رواه الشافعي وغيره بأسانيد صحيحة (٧). قال السبكي:
стр. 1015
وينبغي أن يقال إن كان البكاء (١) لرقة على الميت وما يخشى عليه من عذاب الله وأهوال يوم القيامة فلا يكره ولا يكون خلاف الأولى، وإن كان للجزع وعدم التسليم للقضاء فيكره أو يحرم قال الزركشي: هذا كله في البكاء بصوت أما مجرد دمع العين فلا منع منه واستثنى الروياني ما إذا غلبه البكاء فلا يدخل تحت النهي; لأنه مما لا يملكه البشر "والندب"، وهو كما في الأصل عد محاسن الميت بنحو الصيغة الآتية وقيل عدها مع البكاء كما حكاه النووي في أذكاره وجزم به في مجموعه كأن يقال واكهفاه واجبلاه واسنداه واكريماه "حرام" لما سيأتي وللإجماع كما في المجموع عن جماعة قال فيه وجاء في الإباحة ما يشبه الندب وليس منه، وهو خبر البخاري عن أنس لما ثقل رسول الله ﷺ جعل يتغشاه الكرب فقالت فاطمة وا أبتاه فقال: "ليس على أبيك كرب بعد اليوم" فلما مات قالت: يا أبتاه (٢) جنة الفردوس مأواه يا أبتاه إلى جبريل ننعاه" (٣) "وكذا" يحرم "النوح"، وهو رفع الصوت بالندب قاله في المجموع وقيده غيره بالكلام المسجع وتقدمت هذه بدليلها في جمل الجنائز فهي مكروهة
"و" يحرم "ضرب الخد ونشر الشعر" ونحوهما كتسويد الوجه (٤) وإلقاء الرماد على الرأس ورفع الصوت بإفراط في البكاء لما مر ثم ولخبر الشيخين "ليس منا من ضرب الخدود (٥) وشق الجيوب ودعا بدعوى
стр. 1016
الجاهلية" (١) "ولا يعذب به" أي بشيء من ذلك "ميت لم يوص به" قال تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ بخلاف ما إذا أوصى به كقول طرفة بن العبد:
إذا مت فانعيني بما أنا أهله … وشقي علي الجيب يا ابنة معبد
وعليه حمل الجمهور خبر الصحيحين "إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه" (٢) وفي رواية "الميت يعذب بما نيح عليه" وفي رواية "ما نيح عليه" (٣) قال الرافعي: ولك أن تقول ذنب الميت الأمر بذلك فلا يختلف عذابه بامتثالهم وعدمه وأجيب بأن الذنب على السبب يعظم بوجود المسبب وشاهده خبر "من سن سنة سيئة" (٤) ومنهم من حمله على تعذيبه (٥) بما يبكون به عليه من جرائمه كالقتل وشن الغارات فإنهم كانوا ينوحون على الميت بها ويعدونها فخرا وقال القاضي: يجوز أن يكون الله قدر العفو عنه إن لم يبكوا عليه فإن بكوا وندبوا عذب بذنبه لفوات الشرط وقال الشيخ أبو حامد: الأصح أنه محمول على الكافر وغيره من أصحاب الذنوب
стр. 1017
باب تارك الصلاة (١) المفروضة على الأعيان أصالة جحدا أو غيره
وقدمه الجمهور على الجنائز قال الرافعي ولعله أليق "فالجاحد لوجوبها"، وإن أتى بها "مرتد" (٢) لإنكاره ما هو معلوم من الدين بالضرورة وتعبيره بذلك أولى من تعبير أصله بتركها جحدا "إلا جاهل" نفى ذلك "لقرب عهد" بالإسلام أو نحوه ممن يجوز أن يخفى عليه ذلك فليس مرتدا بل يعرف الوجوب فإن أصر على الجحد صار مرتدا والجحود إنكار ما اعترف به المنكر فخرج به الجاهل لقرب عهده بالإسلام أو نحوه كنشئه ببادية بعيدة عن العلماء فلا حاجة للاستثناء المذكور مع أنه قاصر عن تمام الغرض وجاهل مرفوع بالابتداء وخبره محذوف كما قيل به في قوله تعالى ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيل﴾ على قراءة الرفع وفي نسخة لا جاهل، وهي أحسن "وسيأتي حكم المرتد" في بابه "ومن تركها غير جاحد (٣) بلا عذر ولو صلاة واحدة أو جمعة (٤) ولو قال" في الجمعة "أصليها ظهرا أو" ترك "وضوء لها" أي للصلاة المفروضة "لا" لا كفرا. قالوا أما في ترك الصلاة; فلأنه تعالى أمر بقتل المشركين ثم قال ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ وقال ﷺ "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا
стр. 1018
رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك (١) فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله" (٢) رواه الشيخان وقال: "خمس صلوات كتبهن الله على العباد فمن جاء بهن كان عند الله عهد أن يدخله الجنة ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذبه" رواه أبو داود وصححه ابن حبان وغيره (٣) فلو كفر لم يدخل تحت المشيئة، وأما خبر مسلم "بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة" (٤) فمحمول على تركها جحدا أو على التغليظ أو المراد بين ما يوجبه الكفر من وجوب القتل جمعا بين الأدلة، وأما الوضوء; فلأنه ترك للصلاة، وإنما قتل بترك الجمعة، وإن قال أصليها ظهرا لتركها بلا قضاء إذ الظهر ليس قضاء عنها، ويقاس بالوضوء الأركان وسائر الشروط وصرح في البيان ببعضها فقال لو صلى عريانا مع قدرته على السترة أو الفريضة قاعدا بلا عذر قتل. ومحله فيما لا خلاف فيه أو فيه خلاف رواه خلاف القوي ففي فتاوى القفال لو ترك فاقد الطهورين الصلاة متعمدا أو مس شافعي الذكر أو لمس المرأة أو توضأ ولم ينو وصلى متعمدا لا يقتل; لأن جواز صلاته مختلف فيه، وإنما يقتل بترك الصلاة "إذا أخرجها عن وقت الضرورة" فيما له وقت ضرورة بأن يجمع مع
стр. 1019
الثانية في وقتها فلا يقتل بترك الظهر حتى تغرب الشمس ولا بترك المغرب حتى يطلع الفجر ويقتل في الصبح بطلوع الشمس وفي العصر بغروبها وفي العشاء بطلوع الفجر فيطالب بأدائها إذا ضاق وقتها ويتوعد بالقتل إن أخرجها عن الوقت فإن أصر وأخرج استوجب القتل فقول الروضة يقتل بتركها إذا ضاق وقتها محمول على مقدمات القتل بقرينة كلامها بعد وما قيل من أنه لا يقتل بل يعزر ويحبس حتى يصلي كترك الصوم والزكاة والحج ولخبر "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة" (١) ; ولأنه لا يقتل بترك القضاء مردود بأن القياس متروك بالنصوص والخبر عام مخصوص بما ذكرنا. وقتله خارج الوقت إنما هو للترك بلا عذر على أنا نمنع أنه لا يقتل لترك القضاء مطلقا كما يعلم مما يأتي، وإنما يقتل "بعد الاستتابة"; لأنه ليس أسوأ حالا من المرتد فإن تاب وإلا قتل (٢) وقضية كلامه كأصله والمجموع أن استتابته واجبة كالمرتد لكن صحح في التحقيق ندبها (٣) وعليه فرق الإسنوي بأن الردة تخلد في النار فوجب إنقاذه منها بخلاف ترك الصلاة (٤) تكفي استتابته "في الحال"; لأن
стр. 1020
تأخيرها يفوت صلوات وقيل يمهل ثلاثة أيام والقولان في الندب وقيل في الوجوب كما صرح به الأصل "ثم" بعد قتله "له حكم المسلمين" فيجهز ويصلى عليه ويدفن ولو قتله في مدة الاستتابة أو قبلها إنسان (١) أثم ولا ضمان عليه كقاتل المرتد ولو جن أو سكر قبل فعل الصلاة لم يقتل فإن قتل وجب القود بخلاف نظيره في المرتد لا قود على قاتله لقيام الكفر ذكره في المجموع قال الأذرعي: وما ذكره من وجوب القود على من قتله في جنونه أو سكره كله فيما إذا لم يكن قد توجه (٢) عليه القتل وعائد بالترك ا هـ. وفي ذلك دلالة على أن الاستتابة واجبة أما تارك المنذورة المؤقتة فلا يقتل; لأنه الذي أوجبها على نفسه وفيه احتمال للشيخ أبي إسحاق
"فرع" إذا "قال" حين إرادة قتله "صليت في بيتي أو تركتها بعذر إما صحيح" في الواقع "كنسيان" ونوم وإغماء "أو باطل ككان" أي كقوله كان "على نجاسة" أو تركها للبرد أو عدم الماء عبارة الروضة، وإن ترك الصلاة وقال تركتها ناسيا أو للبرد أو لعدم الماء (٣) أو لنجاسة كانت علي أو نحوها من الأعذار صحيحة كانت أو باطلة "يعذر" بذلك "ولا نقتله; لأنه لم يتحقق" منه "تعمد تأخيرها" عن الوقت بغير عذر "ولا بد من أن نأمره بها بعد ذكر العذر" وجوبا في العذر الباطل وندبا في الصحيح فيما يظهر (٤) بأن نقول له صل فإن امتنع لم يقتل لذلك "وإن قال تعمدت تركها بلا عذر