← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 30133

الدرة في الحج والعمرة

يحيى الحجوري

Полный текст (604 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الْكَلَامِ الْمُخِلِّ بِالدِّينِ وَالتَّوْحِيدِ لَا يَجُوزُ إِقْرَارُ شَيْءٍ مِنْهُ وَلَا تَرْكُهُ. وَنَرْجُو اللَّهَ لَنَا وَلِمَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ أَمْرَنَا، وَلِإِخْوَانِنَا الْمُسْلِمِينَ التَّوْفِيقَ إِلَى مَا يُرْضِيهِ فِي حَرَمِهِ، وَسَائِرِ بِلَادِهِ، إِنَّهُ قَرِيبٌ مُجِيبٌ. اهـ. وسرد ابن القيم ﵀، الكبائر في «إعلام الموقعين» (٥/ ٤٥٩)، فقال: وَسُئِلَ ﷺ عَنْ الْكَبَائِرِ، فَقَالَ: «الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَوْلُ الزُّورِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ، وَالْفِرَارُ يَوْمَ الزَّحْفِ، وَيَمِينُ الْغَمُوسِ، وَقَتْلُ الْإِنْسَانِ وَلَدَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَطْعَمَ مِنْهُ، وَالزِّنَا بِحَلِيلَةِ جَارِهِ، وَالسِّحْرُ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ» وَهَذَا مَجْمُوعٌ مِنْ أَحَادِيثَ. ثم سرد الكبائر، وقصدنا منها ما سيأتي من ذكر تصوير ذوات الأرواح؛ ولكن أعجبني سردها، واختصارها، فرأيت من المفيد ذكر جلها هنا، بما فيها ما أردنا ذكره. قال: وَمِنْ الْكَبَائِرِ: تَرْكُ الصَّلَاةِ، وَمَنْعُ الزَّكَاةِ، وَتَرْكُ الْحَجِّ مَعَ الِاسْتِطَاعَةِ، وَالْإِفْطَارُ فِي رَمَضَانَ بِغَيْرِ عُذْرٍ، وَشُرْبُ الْخَمْرِ، وَالسَّرِقَةُ، وَالزِّنَا، وَاللِّوَاطُ، وَالْحُكْمُ بِخِلَافِ الْحَقِّ، وَأَخْذُ الرِّشَا عَلَى الْأَحْكَامِ، وَالْكَذِبُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَالْقَوْلُ عَلَى اللَّهِ بِلَا عِلْمٍ فِي أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ وَأَحْكَامِهِ، وَجُحُودُ مَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ وَوَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ، وَاعْتِقَادُ أَنَّ كَلَامَهُ وَكَلَامَ رَسُولِهِ لَا يُسْتَفَادُ مِنْهُ يَقِينٌ أَصْلًا، وَأَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهِ وَكَلَامَ رَسُولِهِ بَاطِلٌ وَخَطَأٌ بَلْ كُفْرٌ وَتَشْبِيهٌ وَضَلَالٌ، وَتَرْكُ مَا جَاءَ بِهِ لِمُجَرَّدِ قَوْلِ غَيْرِهِ، وَتَقْدِيمُ الْخَيَّالِ الْمُسَمَّى بِالْعَقْلِ وَالسِّيَاسَةِ الظَّالِمَةِ وَالْعَقَائِدِ الْبَاطِلَةِ

стр. 107

وَالْآرَاءِ الْفَاسِدَةِ وَالْإِدْرَاكَاتِ وَالْكُشُوفَاتِ الشَّيْطَانِيَّةِ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ ﷺ ، وَوَضْعُ الْمُكُوسِ، وَظُلْمُ الرَّعَايَا، وَالِاسْتِئْثَارُ بِالْفَيْءِ، وَالْكِبْرِ، وَالْفَخْرِ، وَالْعُجْبِ، وَالْخُيَلَاءِ، وَالرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ، وَتَقْدِيمُ خَوْفِ الْخَلْقِ عَلَى خَوْفِ الْخَالِقِ، وَمَحَبَّتِهِ عَلَى مَحَبَّةِ الْخَالِقِ، وَرَجَائِهِ عَلَى رَجَائِهِ، وَإِرَادَةُ الْعُلُوِّ فِي الْأَرْضِ وَالْفَسَادِ وَإِنْ لَمْ يَنَلْ ذَلِكَ، وَمِسَبَّةُ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وَقَطْعُ الطَّرِيقِ، وَإِقْرَارُ الرَّجُلِ الْفَاحِشَةَ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ يَعْلَمُ، وَالْمَشْيُ بِالنَّمِيمَةِ، وَتَرْكُ التَّنَزُّهِ مِنْ الْبَوْلِ، وَتَخَنُّثُ الرَّجُلِ وَتَرَجُّلُ الْمَرْأَةِ، وَوَصْلُ شَعْرِ الْمَرْأَةِ وَطَلَبُهَا ذَلِكَ، وَطَلَبُ الْوَصْلِ كَبِيرَةٌ، وَفِعْلُهُ كَبِيرَةٌ، وَالْوَشْمُ وَالِاسْتِيشَامُ، وَالْوَشْرُ وَالِاسْتِيشَارُ وَالنَّمْصُ وَالتَّنْمِيصُ، وَالطَّعْنُ فِي النَّسَبِ، وَبَرَاءَةُ الرَّجُلِ مِنْ أَبِيهِ، وَبَرَاءَةُ الْأَبِ مِنْ ابْنِهِ، وَإِدْخَالُ الْمَرْأَةِ عَلَى زَوْجِهَا وَلَدًا مِنْ غَيْرِهِ، وَالنِّيَاحَةُ، وَلَطْمُ الْخُدُودِ، وَشَقُّ الثِّيَابِ، وَحَلْقُ الْمَرْأَةِ شَعْرَهَا عِنْدَ الْمُصِيبَةِ بِالْمَوْتِ وَغَيْرِهِ، وَتَغْيِيرُ مَنَارِ الْأَرْضِ وَهُوَ أَعْلَامُهَا، وَقَطِيعَةُ الرَّحِمِ، وَالْجَوْرُ فِي الْوَصِيَّةِ، وَحِرْمَانُ الْوَارِثِ حَقَّهُ مِنْ الْمِيرَاثِ، وَأَكْلُ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ، وَالتَّحْلِيلُ، وَاسْتِحْلَالُ الْمُطَلَّقَةِ بِهِ، وَالتَّحَيُّلُ عَلَى إسْقَاطِ مَا أَوْجَبَ اللَّهُ. وَتَحْلِيلُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَهُوَ اسْتِبَاحَةُ مَحَارِمِهِ وَإِسْقَاطُ فَرَائِضِهِ بِالْحِيَلِ، وَبَيْعُ الْحُرِّائْرَ، وَإِبَاقُ الْمَمْلُوكِ مِنْ سَيِّدِهِ، وَنُشُوزُ الْمَرْأَةِ عَلَى زَوْجِهَا، وَكِتْمَانُ الْعِلْمِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَى إظْهَارِهِ، وَتَعَلُّمُ الْعِلْمِ لِلدُّنْيَا وَالْمُبَاهَاةِ وَالْجَاهِ وَالْعُلُوِّ عَلَى النَّاسِ، وَالْغَدْرُ، وَالْفُجُورُ فِي الْخِصَامِ، وَإِتْيَانُ الْمَرْأَةِ فِي دُبُرِهَا وَفِي مَحِيضِهَا، وَالْمَنُّ بِالصَّدَقَةِ

стр. 108

وَغَيْرِهَا مِنْ عَمَلِ الْخَيْرِ. وَإِسَاءَةُ الظَّنِّ بِاَللَّهِ، وَاتِّهَامُهُ فِي أَحْكَامِهِ الْكَوْنِيَّةِ وَالدِّينِيَّةِ، وَالتَّكْذِيبُ بِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ وَاسْتِوَائِهِ عَلَى عَرْشِهِ وَأَنَّهُ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عُرِجَ بِهِ إلَيْهِ، وَأَنَّهُ رَفَعَ الْمَسِيحِ إلَيْهِ وَأَنَّهُ يَصْعَدُ إلَيْهِ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَأَنَّهُ كَتَبَ كِتَابًا فَهُوَ عِنْدَهُ عَلَى عَرْشِهِ وَأَنَّ رَحْمَتَهُ تَغْلِبُ غَضَبَهُ وَأَنَّهُ يَنْزِلُ كُلَّ لَيْلَةٍ إلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَمْضِيَ شَطْرُ اللَّيْلِ فَيَقُولُ: مَنْ يَسْتَغْفِرنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟ وَأَنَّهُ كَلَّمَ مُوسَى تَكْلِيمًا وَأَنَّهُ تَجَلَّى لِلْجَبَلِ فَجَعَلَهُ دَكًّا وَاِتَّخَذَ إبْرَاهِيمَ خَلِيلًا وَأَنَّهُ نَادَى آدَمَ وَحَوَّاءَ وَنَادَى مُوسَى وَيُنَادِي نَبِيَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَنَّهُ خَلَقَ آدَمَ بِيَدَيْهِ وَأَنَّهُ يَقْبِضُ سَمَاوَاتِهِ بِإِحْدَى يَدَيْهِ وَالْأَرْضَ بِالْيَدِ الْأُخْرَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَمِنْهَا: الِاسْتِمَاعُ إلَى حَدِيثِ قَوْمٍ لَا يُحِبُّونَ اسْتِمَاعَهُ، وَتَخْبِيثُ الْمَرْأَةِ عَلَى زَوْجِهَا وَالْعَبْدِ عَلَى سَيِّدِهِ. (وَتَصْوِيرُ صُوَرِ الْحَيَوَانِ سَوَاءٌ كَانَ لَهَا ظِلٌّ أَوْ لَمْ يَكُنْ). وَأَنْ يُرِيَ عَيْنَيْهِ فِي الْمَنَامِ مَا لَمْ تَرَيَاهُ، وَأَخْذُ الرِّبَا وَإِعْطَاؤُهُ وَالشَّهَادَةُ عَلَيْهِ وَكِتَابَتُهُ، وَشُرْبُ الْخَمْرِ وَعَصْرُهَا وَاعْتِصَارُهَا وَحَمْلُهَا وَبَيْعُهَا وَأَكْلُ ثَمَنِهَا، وَلَعْنُ مَنْ لَمْ يَسْتَحِقَّ اللَّعْنَ، وَإِتْيَانُ الْكَهَنَةِ وَالْمُنَجِّمِينَ وَالْعَرَّافِينَ وَالسَّحَرَةِ وَتَصْدِيقُهُمْ وَالْعَمَلُ بِأَقْوَالِهِمْ، وَالسُّجُودُ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَالْحَلِفُ بِغَيْرِهِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ

стр. 109

حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ»، وَقَدْ قَصَّرَ مَا شَاءَ أَنْ يُقَصِّرَ مَنْ قَالَ: إنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ، وَصَاحِبُ الشَّرْعِ يَجْعَلُهُ شِرْكًا، فَرُتْبَتُهُ فَوْقَ رُتْبَةِ الْكَبَائِرِ، وَاِتِّخَاذُ الْقُبُورِ مَسَاجِدَ، وَجَعْلُهَا أَوْثَانًا وَأَعْيَادًا يَسْجُدُونَ لَهَا تَارَةً وَيُصَلُّونَ إلَيْهَا تَارَةً وَيَطُوفُونَ بِهَا تَارَةً وَيَعْتَقِدُونَ أَنَّ الدُّعَاءَ عِنْدَهَا أَفْضَلُ مِنْ الدُّعَاءِ فِي بُيُوتِ اللَّهِ الَّتِي شَرَعَ أَنْ يُدْعَى فِيهَا وَيُعْبَدَ وَيُصَلَّى لَهُ وَيُسْجَدُ. وَمِنْهَا: مُعَادَاةُ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ، وَإِسْبَالُ الثِّيَابِ مِنْ الْإِزَارِ وَالسَّرَاوِيلِ وَالْعِمَامَةِ وَغَيْرِهَا، وَالتَّبَخْتُرُ فِي الْمَشْيِ، وَاتِّبَاعُ الْهَوَى وَطَاعَةُ الْهَوَى وَطَاعَةُ الشُّحِّ وَالْإِعْجَابُ بِالنَّفْسِ، وَإِضَاعَةُ مَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ وَنَفَقَتُهُ مِنْ أَقَارِبِهِ وَزَوْجَتِهِ وَرَقِيقِهِ وَمَمَالِيكِهِ، وَالذَّبْحُ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَهَجْرُ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ سَنَةً كَمَا فِي صَحِيحِ الْحَاكِمِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي خِرَاشٍ الْهُذَلِيِّ السُّلَمِيِّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : «مَنْ هَجَرَ أَخَاهُ سَنَةً فَهُوَ كَقَتْلِهِ»، وَأَمَّا هَجْرُهُ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ مِنْ الْكَبَائِرِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ دُونَهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَمِنْهَا: الشَّفَاعَةُ فِي إسْقَاطِ حُدُودِ اللَّهِ، وَفِي الْحَدِيثِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ يَرْفَعُهُ: «مَنْ حَالَتْ شَفَاعَتُهُ دُونَ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ فَقَدْ ضَادَّ اللَّهَ فِي أَمْرِهِ»، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَغَيْرُهُ، بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ. وَمِنْهَا: تَكَلَّمُ الرَّجُلِ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا. وَمِنْهَا: أَنْ يَدْعُوَ إلَى بِدْعَةٍ أَوْ ضَلَالَةٍ أَوْ تَرْكِ سُنَّةٍ، بَلْ هَذَا مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ،

стр. 110

وَهُوَ مُضَادَّةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ الْمُسْتَوْرِدِ بْنِ شَدَّادٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ أَكَلَ بِمُسْلِمٍ أَكْلَةً أَطْعَمَهُ اللَّهُ بِهَا أَكْلَةً مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ قَامَ بِمُسْلِمٍ مَقَامَ سُمْعَةٍ أَقَامَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَقَامَ رِيَاءٍ وَسُمْعَةٍ، وَمَنْ اكْتَسَى بِمُسْلِمٍ ثَوْبًا كَسَاهُ اللَّهُ ثَوْبًا مِنْ نَارٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». وَمَعْنَى الْحَدِيثِ: أَنَّهُ تَوَصَّلَ إلَى ذَلِكَ وَتَوَسَّلَ إلَيْهِ بِأَذَى أَخِيهِ الْمُسْلِمِ مِنْ كَذِبٍ عَلَيْهِ أَوْ سُخْرِيَةٍ أَوْ هُمَزَةٍ أَوْ لُمَزَةٍ أَوْ غِيبَةٍ وَالطَّعْنِ عَلَيْهِ وَالِازْدِرَاءِ بِهِ وَالشَّهَادَةِ عَلَيْهِ بِالزُّورِ وَالنَّيْلِ مِنْ عِرْضِهِ عِنْدَ عَدُوِّهِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ وَأَوْقَعَ فِي وَسَطِهِ، وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ. وَمِنْهَا: التَّبَجُّحُ وَالِافْتِخَارُ بِالْمَعْصِيَةِ بَيْنَ أَصْحَابِهِ وَأَشْكَالِهِ، وَهُوَ الْإِجْهَارُ الَّذِي لَا يُعَافِي اللَّهُ صَاحِبَهُ، وَإِنْ عَافَاهُ مِنْ شَرِّ نَفْسِهِ. وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ لَهُ وَجْهَانِ وَلِسَانَانِ، فَيَأْتِي الْقَوْمَ بِوَجْهٍ وَلِسَانٍ، وَيَأْتِي غَيْرَهُمْ بِوَجْهٍ وَلِسَانٍ آخَرَ. وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ فَاحِشًا بَذِيًّا يَتْرُكُهُ النَّاسُ وَيَحْذَرُونَهُ اتِّقَاءَ فُحْشِهِ. وَمِنْهَا: مُخَاصَمَةُ الرَّجُلِ فِي بَاطِلٍ يَعْلَمُ أَنَّهُ بَاطِلٌ، وَدَعْوَاهُ مَا لَيْسَ لَهُ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ.

стр. 111

وَمِنْهَا: أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ مِنْ آلِ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَيْسَ مِنْهُمْ، أَوْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ ابْنُ فُلَانٍ وَلَيْسَ بِابْنِهِ، وَفِي «الصَّحِيحَيْنِ»: «مَنْ اُدُّعِيَ إلَى غَيْرِ أَبِيهِ فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ»، وَفِيهِمَا أَيْضًا: «لَا تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ أَبِيهِ فَهُوَ كَافِرٌ»، وَفِيهِمَا أَيْضًا: «لَيْسَ مِنْ رَجُلٍ اُدُّعِيَ لِغَيْرِ أَبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُهُ إلَّا وَقَدْ كَفَرَ، وَمَنْ ادَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ فَلَيْسَ مِنَّا وَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ، وَمَنْ دَعَا رَجُلًا بِالْكُفْرِ أَوْ قَالَ: عَدُوُّ اللَّهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إلَّا حَارَ عَلَيْهِ». فَمِنْ الْكَبَائِرِ تَكْفِيرُ مَنْ لَمْ يُكَفِّرْهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَإِذَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ أَمَرَ بِقِتَالِ الْخَوَارِجِ وَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ شَرُّ قَتْلَى تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ وَأَنَّهُمْ يَمْرُقُونَ مِنْ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمْيَةِ وَدِينُهُمْ تَكْفِيرُ الْمُسْلِمِينَ بِالذُّنُوبِ، فَكَيْفَ مَنْ كَفَّرَهُمْ بِالسُّنَّةِ وَمُخَالَفَةِ آرَاءِ الرِّجَالِ لَهَا وَتَحْكِيمِهَا وَالتَّحَاكُمِ إلَيْهَا؟ وَمِنْهَا: أَنْ يُحَدِّثَ حَدَثًا فِي الْإِسْلَامِ، أَوْ يُؤْوِيَ مُحْدِثًا وَيَنْصُرَهُ وَيُعِينَهُ، وَفِي «الصَّحِيحَيْنِ»: «مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا»، وَمِنْ أَعْظَمِ الْحَدَثِ تَعْطِيلُ كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، وَإِحْدَاثُ مَا خَالَفَهُمَا، وَنَصْرُ مَنْ أَحْدَثَ ذَلِكَ وَالذَّبُّ عَنْهُ، وَمُعَادَاةُ مَنْ دَعَا إلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ . وَمِنْهَا: إحْلَالُ شَعَائِرِ اللَّهِ فِي الْحَرَمِ، وَالْإِحْرَامِ كَقَتْلِ الصَّيْدِ، وَاسْتِحْلَالِ الْقِتَالِ فِي حَرَمِ اللَّهِ.

стр. 112

وَمِنْهَا: لُبْسُ الْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ لِلرِّجَالِ، وَاسْتِعْمَالُ أَوَانِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لِلرِّجَالِ. وَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ، قَالَ: «الطِّيَرَةُ شِرْكٌ»، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْكَبَائِرِ وَأَنْ يَكُونَ دُونَهَا. وَمِنْهَا: الْغُلُولُ مِنْ الْغَنِيمَةِ. وَمِنْهَا: غِشُّ الْإِمَامِ وَالْوَالِي لِرَعِيَّتِهِ. وَمِنْهَا: أَنْ يَتَزَوَّجَ ذَاتَ رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ، أَوْ يَقَعُ عَلَى بَهِيمَةٍ. وَمِنْهَا: الْمَكْرُ بِأَخِيهِ الْمُسْلِمِ وَمُخَادَعَتُهُ وَمُضَارَّتُهُ، وَقَدْ قَالَ ﷺ : «مَلْعُونٌ مَنْ مَكَرَ بِمُسْلِمٍ أَوْ ضَارَّ بِهِ». وَمِنْهَا: الِاسْتِهَانَةُ بِالْمُصْحَفِ وَإِهْدَارُ حُرْمَتِهِ كَمَا يَفْعَلُهُ مَنْ لَا يَعْتَقِدُ أَنَّ فِيهِ كَلَامَ اللَّهِ مِنْ وَطِئَهُ بِرِجْلِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَمِنْهَا: أَنْ يُضِلَّ أَعْمَى عَنْ الطَّرِيقِ، وَقَدْ لَعَنَ ﷺ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، فَكَيْفَ بِمَنْ أَضَلَّ عَنْ طَرِيقِ اللَّهِ أَوْ صِرَاطِهِ الْمُسْتَقِيمِ؟ … الخ. اهـ.

стр. 113

• ومن الإلحاد في الحرم: ما يفعله الرافضة في المطاف من رفع الأصوات بنداء الحسين أو علي ﵄، بقولهم: (واحسيناه، واعلياه)، وإزعاج الحجيج، وأذيتهم بالحسينيات، والمظاهرات، والهتافات في منى وعرفات. وقد ذكر شيخنا العلامة مقبل بن هادي الوادعي ﵀ في كتابه: «الإلحاد الخميني في أرض الحرمين»، نبذة من مقاصد تلك المظاهرات، فقال (٥٥): ينبغي أن يعلم أنَّ التظاهر بهذ الكيفية ليس إسلاميًّا، فلا نعلمه ورد عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ أن يخرج جماعة يهتفون بشعار واحد، وليس إلا تقليدًا لأعداء الإسلام، وتشبه بهم، والرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ يقول: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ». أما مقاصده فمنها: • التباهي على أهل السنة بالكثرة، وهذا منهيّ عنه، قال الله : ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٤٧)﴾ [الأنفال: ٤٧]. • ومنها: الإرجاف أيضًا على أهل السنة، وهذا أيضًا منهيّ عنه ومتوعد عليه، قال الله : ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (٦٠) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (٦١)﴾ [الأحزاب: ٦٠ - ٦١].

стр. 114

• ومنها: التكبر والسخرية، وهذا منهيّ عنه، قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١)﴾ [الحجرات: ١١]. وقال في (ص ٦٦ - ٦٧): فالخميني آلة فتنة، لا نشك أنه عميل لأمريكا ولروسيا، فها هو يستمد قواته منهم، وهو أيضًا عميل لليهود فها هم بقواتهم في لبنان يقصفون المخيمات الفلسطينية، فقد افتضح أمر الرجل. وماذا يضر أمريكا أو روسيا الهتاف الخميني؟ تسقط أمريكا، أو تسقط روسيا! وهو ينفذ لهما مخططاتهما. ولقد أحسن الشيخ محمد بن سالم البيحاني ﵀، إذ يقول: هيهات لا ينفع التصفيق ممتلئًا … به الفضاء ولا صوت الهتافات (فليحيا) أو (فليمت) لا يستقيم بها … شعب ولا يسقط الجبار والعاتي فكم خطيب سمعنا وهو مندفع … وما له أثر ماض ولا آتي يا أسكت الله أفواهًا تصيح له … فكم بلينا بتصفيق وأصوات ولسنا نصدق الخمينى في زعمه أنه يقاطع أمريكا وروسيا، ولم نصدقه في احتجاز الرهائن الأمريكيين، نحن نعلم أنّها عن تمالئ مع أمريكا، ليظهر بطولته عند المسلمين ليثقوا به.

стр. 115

ويشبهها قضية رمي بيت القذافي فهي أيضًا عن تمالئ مع أمريكا ليظهر عداوته لأمريكا، فقد أصبح الزعيم اليوم يظهر الصداقة مع دولة وهو في الباطن يعاديها، ويظهر العداوة لدولة وهو في الباطن يصادقها، ولقد أحسن محمد بن سالم البيحاني ﵀ إذ يقول: دولة تدّعي صداقة أخرى … وهي والله ضدها في الحقيقة ما أظن الحياة إلا خداعًا … يجعل الدولة العدوّ صديقة قد بلينا بأجنبيّ شقيّ … يزرع الشر في الشعوب الشقيقة لو رجعنا إلى الصواب لعشنا … في سلام وسالمتنا الخليقة فالرجل يتظاهر بعداوة أعداء الإسلام، ثم ارتقى به الحال إلى نصب العداوة الحقيقية للمسلمين، فها هو يقول الخبيث: إنه يريد فتح مكة قبل فلسطين، ونحن لا نشك أنه مدفوع من قبل أعداء الإسلام، ولقد أحسن محمد ابن سالم البيحاني ﵀ إذ يقول: كل يوم ونحن نسمع عجلًا … يشتم الأبرياء حين يخور وإذا قيل: أيها العجل صمتًا … قال: إني بشتم قومي فخور ألّهتني بعض الطوائف حتى … قدمت لي هباتهم والنذور عظّموني فصرت شيئًا عظيمًا … تتهاوى من تحت قرني الصخور ولا يعرف حقيقة الرجل إلا من قرأ في تاريخ الرافضة وما هم عليه من كيد الإسلام والعداء لأهله.

стр. 116

إلى آخر ما ذكره وما نقله عن شيخ الإسلام، وغيره من إلحاد الرافضة (قاتلهم الله)، وكيدهم للإسلام، والعداء لأهله، تحت هذه الشعارات المكذوبة. ٥ - شدة المعاهدة عند البيت: قال الله ﵎: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧)﴾ [التوبة: ٧]. قال السعدي ﵀ في «تفسيره»: فإنَّ لهم في العهد وخصوصًا في هذا المكان الفاضل حرمة، أوجب أن يراعوا فيها. اهـ. ٦ - تحريم القتل والقتال بمكة إلا إذا بدأ العدو جاز قتاله فيها ؛ لقول الله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]: قال الله ﵎: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧)﴾ [البقرة: ٢١٧].

стр. 117

وقال الله ﵎: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (١٩١)﴾ [البقرة: ١٩١].

стр. 118

٢ - وعَنِ ابْنِ عَمْرٍ ﵄: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: «يُحِلُّهَا وَيَحُلُّ بِهِ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ، لَوْ وُزِنَتْ ذُنُوبُهُ بِذُنُوبِ الثَّقَلَيْنِ لَوَزَنَتْهَا» (١). ٣ - وعَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁، أن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ، وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا» (٢). ٤ - وعَنْ أَبِي شُرَيْحٍ ﵁، أَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ: - وَهُوَ يَبْعَثُ البُعُوثَ إِلَى مَكَّةَ - ائْذَنْ لِي أَيُّهَا الأَمِيرُ، أُحَدِّثْكَ قَوْلًا قَامَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ الغَدَ مِنْ يَوْمِ الفَتْحِ، سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ وَوَعَاهُ قَلْبِي، وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ: حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ، وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا، وَلَا يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةً، فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ لِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهَا، فَقُولُوا: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لِرَسُولِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ، وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي فِيهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، ثُمَّ عَادَتْ حُرْمَتُهَا اليَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالأَمْسِ، وَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ». فَقِيلَ لِأَبِي شُرَيْحٍ مَا قَالَ عَمْرٌو قَالَ: أَنَا

стр. 119

أَعْلَمُ مِنْكَ يَا أَبَا شُرَيْحٍ لَا يُعِيذُ عَاصِيًا وَلَا فَارًّا بِدَمٍ وَلَا فَارًّا بِخَرْبَةٍ (١). ٥ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ افْتَتَحَ مَكَّةَ: «لَا هِجْرَةَ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ، فَانْفِرُوا، فَإِنَّ هَذَا بَلَدٌ حَرَّمَ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، وَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ القِتَالُ فِيهِ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَمْ يَحِلَّ لِي إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، لَا يُعْضَدُ شَوْكُهُ، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، وَلَا يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهُ إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا، وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهَا»، قَالَ العَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَّا الإِذْخِرَ فَإِنَّهُ لِقَيْنِهِمْ وَلِبُيُوتِهِمْ، قَالَ: قَالَ: «إِلَّا الإِذْخِرَ» (٢). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، كما في «شرح العمدة» (١/ ٣٤٩): مَنْ دَخَلَ مَكَّةَ لِقِتَالٍ مُبَاحٍ فَإِنَّهُ لَا إِحْرَامَ عَلَيْهِ، نَصَّ عَلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَإِنَّمَا يَجِيءُ عَلَى أَصْلِنَا إِذَا كَانَ هُنَاكَ بُغَاةٌ أَوْ كُفَّارٌ أَوْ مُرْتَدَّةٌ قَدْ بَدَوْا بِالْقِتَالِ فِيهَا، فَأَمَّا إِذَا لَمْ يَبْدَءُوا بِقِتَالٍ لَمْ يَحِلَّ قِتَالُهُمْ. اهـ.

стр. 120

وقال الجصاص في «أحكام القرآن» (١/ ٣١٣): فَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ إنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩١]، منسوخ بقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: هَذَا الْحُكْمُ ثَابِتٌ، لَا يُقَاتَلُ فِي الْحَرَمِ إلَّا مَنْ قَاتَلَ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: «إنَّ مَكَّةَ حَرَامٌ حَرَّمَهَا اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، فَإِنْ تَرَخَّصَ مُتَرَخِّصٌ بِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهَا، فَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لَهُ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ثُمَّ عَادَتْ حَرَامًا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ». فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ حُكْمَ الْآيَةِ بَاقٍ غَيْرُ مَنْسُوخٍ، وَأَنَّهُ لَا يَحِلُّ أَنْ نَبْتَدِئَ فِيهَا بِالْقِتَالِ لِمَنْ لَمْ يُقَاتِلْ. اهـ. وقال ابن القيم ﵀ في «زاد المعاد» (٣/ ٥٤٥): الطَّائِفَةُ الْمُمْتَنِعَةَ بِهَا مِنْ مُبَايَعَةِ الْإِمَامِ لَا تُقَاتَلُ، لَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ لَهَا تَأْوِيلٌ، كَمَا امْتَنَعَ أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مُبَايَعَةِ يزيد، وَبَايَعُوا ابن الزبير، فَلَمْ يَكُنْ قِتَالُهُمْ وَنَصْبُ الْمَنْجَنِيقِ عَلَيْهِمَا، وَإِحْلَالُ حَرَمِ اللَّهِ جَائِزًا بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ. وَإِنَّمَا خَالَفَ فِي ذَلِكَ عَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ الْفَاسِقُ وَشِيعَتُهُ، وَعَارَضَ نَصَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِرَأْيِهِ وَهَوَاهُ، فَقَالَ: إِنَّ الْحَرَمَ لَا يُعِيذُ عَاصِيًا، فَيُقَالُ لَهُ: هُوَ لَا يُعِيذُ عَاصِيًا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ وَلَوْ لَمْ يُعِذْهُ مِنْ سَفْكِ دَمِهِ لَمْ يَكُنْ حَرَمًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى

стр. 121

الْآدَمِيِّينَ، وَكَانَ حَرَمًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الطَّيْرِ وَالْحَيَوَانِ الْبَهِيمِ، وَهُوَ لَمْ يَزَلْ يُعِيذُ الْعُصَاةَ مِنْ عَهْدِ إِبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ، وَقَامَ الْإِسْلَامُ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنَّمَا لَمْ يُعِذْ مقيس بن صبابة، وابن خطل، وَمَنْ سُمِّيَ مَعَهُمَا، لِأَنَّهُ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ لَمْ يَكُنْ حَرَمًا، بَلْ حِلًّا، فَلَمَّا انْقَضَتْ سَاعَةُ الْحَرْبِ عَادَ إِلَى مَا وُضِعَ عَلَيْهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ. وَكَانَتِ الْعَرَبُ فِي جَاهِلِيَّتِهَا يَرَى الرَّجُلُ قَاتِلَ أَبِيهِ، أَوِ ابْنَهُ فِي الْحَرَمِ، فَلَا يَهِيجُهُ، وَكَانَ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ خَاصِّيَّةَ الْحَرَمِ الَّتِي صَارَ بِهَا حَرَمًا، ثُمَّ جَاءَ الْإِسْلَامُ، فَأَكَّدَ ذَلِكَ وَقَوَّاهُ، وَعَلِمَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ مِنَ الْأُمَّةِ مَنْ يَتَأَسَّى بِهِ فِي إِحْلَالِهِ بِالْقِتَالِ وَالْقَتْلِ، فَقَطَعَ الْإِلْحَاقَ، وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: «فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ لِقَتَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُولُوا: إِنَّ اللَّهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَكَ». اهـ.

стр. 122

٧ - المسجد الحرام مسرى الرسول ﷺ : قال الله ﵎: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)﴾ [الإسراء: ١]. قال ابن كثير ﵀ في قوله: ﴿مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء: ١]، وَهُوَ مَسْجِدُ مَكَّةَ، ﴿إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء: ١]، وَهُوَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ الَّذِي هُوَ إِيلِيَاءُ، مَعْدِنُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ لَدُنْ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ؛ وَلِهَذَا جُمِعُوا لَهُ هُنَالِكَ كُلُّهُمْ، فَأمّهم فِي مَحِلّتهم، وَدَارِهِمْ. ثم ساق حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ الذي أخرجه البخاري (٧٥١٧)، ومسلم (١٦٢)، أنه قال: «أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ مَسْجِدِ الكَعْبَةِ، جَاءَهُ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ وَهُوَ نَائِمٌ فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ … ، إلى قوله: فَلَمْ يُكَلِّمُوهُ حَتَّى احْتَمَلُوهُ، فَوَضَعُوهُ عِنْدَ بِئْرِ زَمْزَمَ، فَتَوَلَّاهُ مِنْهُمْ جِبْرِيلُ، فَشَقَّ جِبْرِيلُ مَا بَيْنَ نَحْرِهِ إِلَى لَبَّتِهِ حَتَّى فَرَغَ مِنْ صَدْرِهِ وَجَوْفِهِ، فَغَسَلَهُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ بِيَدِهِ، حَتَّى أَنْقَى جَوْفَهُ، ثُمَّ أُتِيَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ فِيهِ تَوْرٌ مِنْ ذَهَبٍ، مَحْشُوًّا إِيمَانًا وَحِكْمَةً، فَحَشَا بِهِ صَدْرَهُ وَلَغَادِيدَهُ - يَعْنِي: عُرُوقَ حَلْقِهِ - ثُمَّ أَطْبَقَهُ ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ» الحديث. وعن مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ ﵁، أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ حَدَّثَهُمْ عَنْ لَيْلَةِ أُسْرِيَ بِهِ،

стр. 123

قَالَ: «بَيْنَمَا أَنَا فِي الحَطِيمِ، - وَرُبَّمَا قَالَ: فِي الحِجْرِ - مُضْطَجِعًا إِذْ أَتَانِي آتٍ، فَشَقَّ مَا بَيْنَ هَذِهِ إِلَى هَذِهِ - مِنْ صدره إِلَى شِعْرَتِهِ، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: مِنْ قَصِّهِ إِلَى شِعْرَتِهِ - فَاسْتَخْرَجَ قَلْبِي، ثُمَّ أُتِيتُ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مَمْلُوءَةٍ إِيمَانًا، فَغُسِلَ قَلْبِي، ثُمَّ حُشِيَ ثُمَّ أُعِيدَ، ثُمَّ أُتِيتُ بِدَابَّةٍ دُونَ البَغْلِ، وَفَوْقَ الحِمَارِ أَبْيَضَ، - فَقَالَ لَهُ الجَارُودُ: هُوَ البُرَاقُ يَا أَبَا حَمْزَةَ؟ قَالَ أَنَسٌ: نَعَمْ - يَضَعُ خَطْوَهُ عِنْدَ أَقْصَى طَرْفِهِ، فَحُمِلْتُ عَلَيْهِ، فَانْطَلَقَ بِي جِبْرِيلُ» (١). اهـ المراد. وجاء عن أَبِي ذَرٍّ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُسْرِيَ بِهِ من بَيْتِه، قَالَ: «فُرِجَ عَنْ سَقْفِ بَيْتِي وَأَنَا بِمَكَّةَ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ ﷺ ، فَفَرَجَ صَدْرِي، ثُمَّ غَسَلَهُ بِمَاءِ زَمْزَمَ» (٢). وقد جمع الحافظ ﵀ بين هذه الروايات. قال الحافظ ابن حجر في «الفتح» (٧/ ٢٠٤): وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ: «فُرِّجَ سَقْفُ بَيْتِي وَأَنَا بِمَكَّةَ». وَفِي رِوَايَةِ الْوَاقِدِيِّ بِأَسَانِيدِهِ: «أَنَّهُ أُسْرِيَ بِهِ مِنْ شِعْبِ أَبِي طَالِبٍ». وَفِي حَدِيثِ أُمِّ هَانِئٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ: أَنَّهُ بَاتَ فِي بَيْتِهَا قَالَ فَفَقَدْتُهُ مِنَ اللَّيْلِ

стр. 124

فَقَالَ: «إِنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي». وَالْجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الْأَقْوَالِ: أَنَّهُ نَامَ فِي بَيْتِ أُمِّ هَانِئٍ، وَبَيْتُهَا عِنْدَ شِعْبِ أَبِي طَالِبٍ، فَفُرِّجَ سَقْفُ بَيْتِهِ، وَأَضَافَ الْبَيْتَ إِلَيْهِ لِكَوْنِهِ كَانَ يَسْكُنُهُ فَنَزَلَ مِنْهُ الْمَلَكُ فَأَخْرَجَهُ مِنَ الْبَيْتِ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَكَانَ بِهِ مُضْطَجِعًا، وَبِهِ أَثَرُ النُّعَاسِ ثُمَّ أَخْرَجَهُ الْمَلَكُ إِلَى بَابِ الْمَسْجِدِ فَأَرْكَبَهُ الْبُرَاقُ. وَقَدْ وَقَعَ فِي مُرْسَلِ الْحَسَنِ عِنْدَ بن إِسْحَاقَ أَنَّ جِبْرِيلَ أَتَاهُ فَأَخْرَجَهُ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَأَرْكَبَهُ الْبُرَاقُ، وَهُوَ يُؤَيِّدُ هَذَا الْجَمْعَ. اهـ. وأخذ هذا الجمع العلامة ابن عثيمين في «فتاوى الحرم المكي» (١٤١٣)، فقال: والنبي ﷺ حدث له الإسراء والمعراج في ليلة واحدة، والكلام هنا في أمور: الأمر الأول: أين كان النبي ﷺ حين أسري به وعرج به؟ نقول كان في مكة وأسري به من الحجر، الحجر الذي في الكعبة وهذا هو معنى قوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء: ١]، أي: من هذا المسجد الذي نحن فيه، من الحجر، ﴿إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء: ١]. وقد جاء في بعض الروايات، أنه أسري به من بيت أم هانئ، وجمع بين الروايتين الحافظ ابن حجر ﵀: بأنه ﷺ كان نائمًا في بيت أم هانئ ثم انتقل من البيت فنام في الحجر، ثم عرج به من الحجر، وعلى هذا فيكون قوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى

стр. 125

بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء: ١]، أي: هذا المسجد، وليس من بيت أم هانئ، إنما كان أولًا في بيت أم هانئ، ثم انتقل إلى الحجر، فأسري به من هنا، وهذا هو المناسب تمامًا أن يسري به من مسجد إلى مسجد، من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، إذن أسري بالنبي ﷺ وعرج به في أي مكان؟ وهو في مكة من المسجد الحرام من الحجر الذي هو جزء من الكعبة. اهـ. قُلْتُ: وهذا واضح في الروايات الصحيحة المرادفة للقرآن أنَّ الإسراء كان من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وليس من بيته، وما جاء أنه فرج سقف بيته مبين بالرواية الأخرى: «أنَّه أخذ إلى الحجر، ونام فيه، وجاءه جبريل فشق صدره وغسله من ماء زمزم وأسري به منه»، فلا حجة فيه، لمن قال: (إنَّ بيت أم هانئ من المسجد الحرام)، لعدم ثبوت هذا القول. فقد جاء أنه أسري به من بيت أم هانئ، ولا يثبت: أخرج ذلك الطبراني في «الكبير» (٢٤/ ٤٣٢)، من طريق عَبْدِ الْأَعْلَى بْنِ أَبِي الْمُسَاوِرِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ ﵂، قَالَتْ: بَاتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ فِي بَيْتِي فَفَقَدْتُهُ مِنَ اللَّيْلِ، فذكره. وعَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ أَبِي الْمُسَاوِرِ: قال الهيثمي في «مجمع الزوائد»، عقب هذا الحديث: مَتْرُوكٌ كَذَّابٌ. اهـ.

стр. 126

قُلْتُ: كذبه ابن معين كما في «سؤالات ابن الجنيد» (٤١٥). وأخرجه ابن سعد في «الطبقات» (١/ ١٨٣)، والطبري في «التفسير» (١٤/ ٤١٤)، والثعلبي في «تفسيره» (١٦/ ١٧٩)، أخرجه البيهقي في «دلائل النبوة» (٢/ ٤٠٤)، من طريق مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ بَاذَانَ، عَنْ أُمِّ هَانِئِ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ ﵂. قال ابن كثير في «تفسيره»: الْكَلْبِيُّ مَتْرُوكٌ بِمَرَّةٍ سَاقِطٌ، لَكِنْ رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي عَمْرٍو الشَّيبَانِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أُمِّ هَانِئٍ بِأَبْسَطَ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ. اهـ. قُلْتُ: أخرجه أبو يعلى في «مسنده»، كما في «المطالب العالية» (٤٢٣١)، وفي «معجمه» (١٠)، وعنه الضياء المقدسي في «فضائل بيت المقدس» (٥٢)، بهذا الإسناد عَنْ أم هَانِيء قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِغَلَسٍ وَأَنَا عَلَى فِرَاشِي فَقَالَ: شَعُرْتُ أَنِّي نِمْتُ اللَّيْلَةَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فذكره. قال الذهبي في «تاريخ الإسلام» (٢/ ١٥٦ - ١٥٧): وَهُوَ حَدِيثٌ غَرِيبٌ، الْوَسَاوِسِيُّ ضَعِيفٌ تَفَرَّدَ بِهِ. اهـ. قُلْتُ: هو شيخ أبي يعلى ذكره العقيلي في «الضعفاء»، وقال: قال لي البزار: كَانَ يَضَعُ الْحَدِيثَ، وَحَدِيثُهُ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ. اهـ.

стр. 127

وقال الدارقطني في «العلل»: ضعيف. اهـ. قال الحافظ في «الإصابة»: وهذا أصحّ من رواية الكلبيّ، فإنّ في روايته من المنكر أنه صلّى العشاء الآخرة والصبح معهم، وإنما فرضت الصّلاة ليلة المعراج، وكذا نومه الليلة في بيت أم هانئ، وإنما نام في المسجد. اهـ. جاء من طرق عن أم هانئ، وكلها واهية بمرة. ٨ - وجوب تطهير المسجد الحرام للصلاة، والطواف، والاعتكاف: قال تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥)﴾ [البقرة: ١٢٥]. وقال الله ﵎: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦)﴾ [الحج: ٢٦]. ولا شك في فضيلة الاعتكاف في المسجد الحرام ثم في المسجد النبوي ثم في المسجد الأقصى لفضلها، وفضل الصلاة فيها على غيرها من المساجد. وقد صحَّ عن حُذَيْفَةَ ﵁ أنه قال: (لَا اعْتِكَافَ إِلَّا فِي هَذِهِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ)، أخرجه عبد الرزاق في «المصنف» (٤/ ٣٤٨) فقال: عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ جَامِعِ بْنِ أَبِي رَاشِدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ، يَقُولُ: قَالَ حُذَيْفَةُ لِعَبْدِ اللهِ: قَوْمٌ عُكُوفٌ بَيْنَ دَارِكَ وَدَارِ أَبِي مُوسَى لَا تَنْهَاهُمْ؟ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللهِ: فَلَعَلَّهُمْ أَصَابُوا

стр. 128

وَأَخْطَأْتَ، وَحَفِظُوا وَنَسِيتَ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ لَا اعْتِكَافَ إِلَّا فِي هَذِهِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ: مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ، وَمَسْجِدِ مَكَّةَ، وَمَسْجِدِ إِيلِيَا. وهذا سند صحيح رجاله ثقات. ومن طريق سفيان بن عيينة أخرجه البيهقي في «الكبرى» رقم (٨٦٤٩)، والطبراني في «الكبرى» (٩/ ٣٥٠) رقم (٩٥١١)، والطحاوي في «مشكل الآثار». وقال الحافظ الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٥٠٨٧): رِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ. اهـ. وقال الحافظ ابن حجر في «الفتح»، تحت باب (١) الِاعْتِكَافُ فِي المَسَاجِدِ كُلِّهَا، من «صحيح البخاري»، قال: وَخَصَّهُ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ بِالْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ. اهـ. وقد جاء مرفوعًا كما في «الصحيحة» للألباني ﵀ (٢٧٨٦)، والصواب وقفه، ورأي حذيفة ﵁: عدم شرعية الاعتكاف في غير هذه المساجد؛ لكن هذا اجتهاده خالفه فيه جماهير الصحابة ومن بعدهم، فقالوا: بشرعية الاعتكاف في كل المساجد، والاعتكاف في هذه الثلاثة أكمل وأفضل لما تقدم. قال ابن هبيرة: وَأَجْمعُوا على أَنه يَصح الِاعْتِكَاف فِي كل مَسْجِد، إِلَّا أَحْمد فَإِنَّهُ قَالَ: لَا يَصح إِلَّا فِي مَسْجِد تُقَام فِيهِ الْجَمَاعَات. اهـ من «إجماع الأربعة» رقم (٧٦٤). ٩ - المسجد الحرام بلد آمن: قال الله ﵎: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ

стр. 129

وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥) وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦)﴾ [البقرة: ١٢٥ - ١٢٦]. وقال تعالى: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)﴾ [آل عمران: ٩٧]. وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥)﴾ [إبراهيم: ٣٥]. وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٥٧)﴾ [القصص: ٥٧]. وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ (٦٧)﴾ [العنكبوت: ٦٧]. وقال تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (٢٧)﴾ [الفتح: ٢٧].

стр. 130

قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢٧/ ١٥): وَلَيْسَ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ مَكَانٌ يُسَمَّى (حَرَمًا)، وَلَا بِتُرْبَةِ الْخَلِيلِ، وَلَا بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْبِقَاعِ إلَّا ثَلَاثَةَ أَمَاكِنَ: • أَحَدُهَا: هُوَ حَرَمٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ حَرَمُ مَكَّةَ شَرَّفَهَا اللَّهُ تَعَالَى. • وَالثَّانِي: حَرَمٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَهُوَ حَرَمُ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ عِيرٍ إلَى ثَوْرٍ بَرِيدٌ فِي بَرِيدٍ، وَفِيهِ أَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ مُسْتَفِيضَةٌ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ . • وَالثَّالِثُ: (وَجُّ) وَهُوَ وَادٍ بِالطَّائِفِ. فَإِنَّ هَذَا رُوِيَ فِيهِ حَدِيثٌ رَوَاهُ أَحْمَد فِي الْمُسْنَدِ وَلَيْسَ فِي الصِّحَاحِ، وَلَيْسَ حَرَمًا عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَأَحْمَد ضَعَّفَ الْحَدِيثَ الْمَرْوِيَّ فِيهِ فَلَمْ يَأْخُذْ بِهِ. وَأَمَّا مَا سِوَى هَذِهِ الْأَمَاكِنِ الثَّلَاثَةِ فَلَيْسَ حَرَمًا عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ. اهـ. قُلْتُ: هذا هو الحديث المذكور، قال الإمام أحمد ﵀ في «المسند» رقم (١٤١٦): حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ - مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ مَخْزُومِيٌّ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِنْسَانَ، قَالَ: وَأَثْنَى عَلَيْهِ خَيْرًا، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ لَيْلَةٍ، حَتَّى إِذَا كُنَّا عِنْدَ السِّدْرَةِ، وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي طَرَفِ الْقَرْنِ الْأَسْوَدِ حَذْوَهَا، فَاسْتَقْبَلَ نَخِبًا بِبَصَرِهِ - يَعْنِي وَادِيًا - ووَقَفَ حَتَّى اتَّفَقَتِ النَّاسُ كُلُّهُمْ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ صَيْدَ وَجٍّ، وَعِضَاهَهُ حَرَمٌ

стр. 131

مُحَرَّمٌ لِلَّهِ»، وَذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِهِ الطَّائِفَ، وَحِصَارِهِ ثَقِيفَ. وقال أبو داود ﵀ في «سننه» (٢٠٣٢): حَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ يَحْيَى، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ، به. وهذا حديث ضعيف، ضعفه أحمد كما نقل شيخ الإسلام. وقال البخاري في ترجمة مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِنْسَانَ من «التاريخ الكبير» (١/ ١٤٠): وَلَمْ يُتابَع عَلَيْهِ. وقال (٥/ ٤٥) في ترجمة عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِنْسَانَ: رَوَى عَنه ابنه مُحَمد، ولم يصح حديثُه. اهـ. وقال العقيلي في ترجمة مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِنْسَانَ (٥/ ٣٠٤): وَلَا يُتَابَعُ عَلَيْهِ. اهـ. وذكرحديثه هذا الذهبي في ترجمة مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ هذا من مناكيره. وقال ابن القطان في «بيان الوهم والإيهام» (٤/ ٣٢٧): وَأَما أَبوهُ فَلَا يعرف. اهـ. فعلم بهذا أنَّ القول بأن وجًا حرم مبني على حديث منكر لا يثبت بمثله حكم أنَّه حرم؛ ولهذا كان أكثر العلماء على أنَّه من الحل. وقال تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (٢٧)﴾ [الفتح: ٢٧]، وقال تعالى: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣)﴾ [التين: ٣].

стр. 132

١٠ - البيت الحرام قيام للناس: وقال تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٩٧)﴾ [المائدة: ٩٧]. أخرج الطبري، وابن أبي حاتم (٦٨٥٤)، عند تفسير قول الله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ﴾ [المائدة: ٩٧]، من طريق عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَالِحٍ، قَالَ: حدثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَوْلُهُ: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ﴾ [المائدة: ٩٧]، يَعْنِي: قِيَامًا لِدِينِهِمْ، وَمَعَالِمَ لِحَجِّهِمْ. ثم قال ابن جرير: وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ وَإِنِ اخْتَلَفَتْ مِنْ قَائِلِهَا أَلْفَاظُهَا، فَإِنْ مَعَانِيَهَا آيِلَةٌ إِلَى مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ: مِنْ أَنَّ الْقِوَامَ لِلشَّيْءِ هُوَ الَّذِي بِهِ صَلَاحُهُ، كَالْمَلِكِ الْأَعْظَمِ قِوَامُ رَعِيَّتِهِ وَمَنْ فِي سُلْطَانِهِ، لِأَنَّهُ مُدَبِّرٌ أَمْرَهُمْ، وَحَاجِزٌ ظَالِمَهُمْ عَنْ مَظْلُومِهِمْ، وَالدَّافِعُ عَنْهُمْ مَكْرُوهَ مَنْ بَغَاهُمْ وَعَادَاهُمْ. وَكَذَلِكَ كَانَتِ الْكَعْبَةُ وَالشَّهْرُ الْحَرَامُ وَالْهَدْي وَالْقَلَائِدُ قِوَامَ أَمْرِ الْعَرَبِ الَّذِي كَانَ بِهِ صَلَاحُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَهِيَ فِي الْإِسْلَامِ لِأَهْلِهِ مَعَالِمَ حَجِّهِمْ وَمَنَاسِكِهِمْ وَمُتَوَجَّهِهِمْ لِصَلَاتِهِمْ وَقِبْلَتِهِمُ الَّتِي بِاسْتِقْبَالِهَا يَتِمُّ فَرْضُهُمْ.

стр. 133

وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَتْ جَمَاعَةُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ. اهـ. وقال البغوي ﵀ في تفسير هذا الآية: قَوَامًا لَهُمْ فِي أَمْرِ دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ، أَمَّا الدِّينُ لِأَنَّ بِهِ يَقُومُ الْحَجُّ وَالْمَنَاسِكُ، وَأَمَّا الدُّنْيَا فِيمَا يُجْبَى إِلَيْهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ، وَكَانُوا يَأْمَنُونَ فِيهِ مِنَ النَّهَارِ وَالْغَارَةِ فَلَا يَتَعَرَّضُ لَهُمْ أَحَدٌ فِي الْحَرَمِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧]. ﴿وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٩٧]، أَرَادَ بِهِ الْأَشْهُرَ الْحُرُمَ وهي ذو العقده وذو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ وَرَجَبٌ، أَرَادَ أَنَّهُ جَعَلَ الْأَشْهُرَ الْحُرُمَ قِيَامًا لِلنَّاسِ يَأْمَنُونَ فِيهَا الْقِتَالَ، ﴿وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ﴾ [المائدة: ٩٧]، أَرَادَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِتَقْلِيدِ الْهَدْيِ. اهـ. وقال السعدي ﵀ في تفسير هذا الآية: يقوم بالقيام بتعظيمه دينُهم ودنياهم، فبذلك يتم إسلامهم، وبه تحط أوزارهم، وتحصل لهم بقصده العطايا الجزيلة، والإحسان الكثير، وبسببه تنفق الأموال، وتتقحم من أجله الأهوال. ويجتمع فيه من كل فج عميق جميع أجناس المسلمين، فيتعارفون ويستعين بعضهم ببعض، ويتشاورون على المصالح العامة، وتنعقد بينهم الروابط في مصالحهم الدينية والدنيوية، قال تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٨]، ومن أجل كون البيت قيامًا للناس قال من قال من العلماء: إن حج

стр. 134

بيت الله فرض كفاية في كل سنة. فلو ترك الناس حجه لأثم كل قادر، بل لو ترك الناس حجه لزال ما به قوامهم، وقامت القيامة. اهـ. ١١ - عبادة الحج والطواف من خصائص بيت الله: قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)﴾ [آل عمران: ٩٧]، قال الله ﵎: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥)﴾ [البقرة: ١٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦)﴾ [الحج: ٢٦]، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩)﴾ [الحج: ٢٩]، وقال تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤)﴾ [قريش: ٣ - ٤]. ١٢ - فضل عمارة المسجد الحرام والسقاية فيه: قال الله ﵎: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٩)﴾ [التوبة: ١٩].

стр. 135

١٣ - المسجد الحرام جعل للعبادة وابتغاء فضل الله ورضوانه فيه: قال الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢]، وقال تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٤)﴾ [الأنفال: ٣٤]. ١٤ - السعي بين الصفاء والمروة من شعائر الله خلافًا لما كان عليه الجاهلية: قال الله ﵎: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨)﴾ [البقرة: ١٥٨]. ١٥ - من فضائله أنَّه ليس على المتمتع من أهله هدي: قال الله ﵎: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٩٦)﴾ [البقرة: ١٩٦].

стр. 136

١٦ - أول بيت وضع لعبادة الناس، وطوافهم به في الأرض، وما فيه من البركة والهداية: قال الله ﵎: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)﴾ [آل عمران: ٩٦ - ٩٧]. ١٧ - عبادة المشركين عند بيت الله الصفير والتصفيق بدل الصلاة والذكر: قال الله ﵎: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٥)﴾ [الأنفال: ٣٥]. ١٨ - البيت مثابة المسلمين ومهوى أفئدتهم: قال الله ﵎: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧)﴾ [إبراهيم: ٣٧]. وقال تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ١٢٥]. قال ابن كثير في «تفسيره»: يَثُوبُونَ إِلَيْهِ مِنَ الْبُلْدَانِ كُلِّهَا وَيَأْتُونَهُ، وَمَا أَحْسَنَ مَا قَالَ الشَّاعِرُ: جُعِلَ الْبَيْتُ مَثَابًا لَهُمْ … لَيْسَ مِنْهُ الدَّهْرُ يَقْضُونَ الْوَطَرْ

стр. 137

[٤]- مكة أفضل البقاع وأحبها إلى اللَّه ورسوله ٦ - وعنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ حَمْرَاءَ ﵁، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَاقِفًا عَلَى الحَزْوَرَةِ، فَقَالَ: «وَاللَّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ، وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ» (١). قال الشوكاني في «نيل الأوطار» (٩/ ٢٣٦): قَوْلُهُ: (إنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ): فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَكَّةَ خَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَأَحَبُّهَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبِذَلِكَ اسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ: إنَّهَا أَفْضَلُ مِنْ الْمَدِينَةِ. فَقَالَ أَهْلُ مَكَّةَ، وَالْكُوفَةِ، وَالشَّافِعِيُّ، وَابْنُ وَهْبٍ، وَابْنُ حَبِيبٍ الْمَالِكِيَّانِ: إنَّ مَكَّةَ أَفْضَلُ، وَإِلَيْهِ مَالَ الْجُمْهُورُ. وَذَهَبَ عُمَرُ، وَبَعْضُ الصَّحَابَةِ، وَمَالِكٌ، وَأَكْثَرُ الْمَدَنِيِّينَ: إلَى أَنَّ الْمَدِينَةَ أَفْضَلُ وَاسْتَدَلَّ الْأَوَّلُونَ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيٍّ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ.

стр. 138

قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا نَصٌّ فِي مَحَلِّ الْخِلَافِ فَلَا يَنْبَغِي الْعُدُولُ عَنْهُ. اهـ. قُلْتُ: ويؤيد القول بأفضلية مكة على المدينة: • ما في مكة من الخصائص من فضل الصلاة في الحرم المكي على الحرم المدني، كما في الباب الآتي بعد هذا. • وأنها قبلة المسلمين بما فيهم أهل المدينة. • وأنه يجب على المسلم حج البيت بها، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧]، الآية. • وأنَّ بها بيت الله، ومقام إبراهيم ﵊، وغير ذلك من المرجحات.

стр. 139

[٥]- فضل الصلاة بالمسجد الحرام ٧ - وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: «صَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ خير مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ» (١). ٨ - وأخرج أحمد (عن جابر، وعن عبد الله بن الزبير) (٢) أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قال: «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هذا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَسَاجِدِ، إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِئَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ». قال النووي في «شرح مسلم» (١٣٩٥): لَا يَخْتَصُّ هَذَا التَّفْضِيلُ بِالصَّلَاةِ فِي هَذَيْنِ الْمَسْجِدَيْنِ بِالْفَرِيضَةِ بَلْ يَعُمُّ الْفَرْضَ وَالنَّفْلَ جَمِيعًا وَبِهِ قَالَ مُطَرَّفٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ، وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: يَخْتَصُّ بِالْفَرْضِ وَهَذَا مُخَالِفٌ إِطْلَاقَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ. اهـ.

стр. 140

[٦]- لا تُشدُّ الرحال إلا لثلاثة مساجد ٩ - وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄، أنَّ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ خَيْرَ مَا رُكِبَتْ إِلَيْهِ الرَّوَاحِلُ، مَسْجِدِي هَذَا، وَالْبَيْتُ الْعَتِيقُ» (١). ١٠ - وعن بَصْرَةَ بْنِ أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيِّ ﵁، قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا تُعْمَلُ الْمَطِيُّ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: إِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَإِلَى مَسْجِدِي، وَإِلَى مَسْجِدِ إِيلِيَاءَ - أَوْ - بَيْتِ الْمَقْدِسِ» (٢). ١١ - وأخرج أحمد (٥/ ٣٦٤)، رقم (٢٣٠٩٠)، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ - عن الدجال -: «لَا يَأْتِي أَرْبَعَةَ مَسَاجِدَ: الْكَعْبَةَ، وَمَسْجِدَ الرَّسُولِ، وَالْمَسْجِدَ الْأَقْصَى، وَالطُّورَ».

стр. 141

قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في «الرد على الأخنائي» (١١٤): فإن الصحابة والتابعين والأئمة لم يعرف عنهم نزاع في أن السفر إلى القبور، وآثار الأنبياء داخل في النهي، كالسفر إلى الطور الذي كلّم الله عليه موسى وغيره، وإن كان الله سمّاه الوادي المقدّس، وسمّاه البقعة المباركة، ونحو ذلك، فلم يعرف عن الصحابة نزاع أن هذا وأمثاله داخل في نهي النبيّ ﷺ عن السفر إلى غير المساجد الثلاثة، كما لم يعرف عنهم نزاع أن ذلك منهيّ عنه، وأن قوله: «لا تشدّ الرحال» نهي بصيغة الخبر، كما قد جاء في الصحيح بصيغة النهي، من حديث أبي سعيد الخدريّ عن النبي ﷺ قال: «لا تشدّوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد؛ مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى». فالصحابة ومن تبعهم لم يعرف عنهم نزاع أن هذا نهي منه، فإن لفظه ﷺ صريح في النهي، ولم يعرف عنهم نزاع أن النهي متناول للسفر إلى البقاع المعظمة غير المساجد. اهـ. قال الألباني ﵀ في «أحكام الجنائز» (١/ ٢٩٣): والخلاصة: إن ما ذهب إليه أبو محمد الجويني الشافعي وغيره من تحريم السفر إلى غير المساجد الثلاثة من المواضع الفاضلة، هو الذي يجب المصير إليه، فلا جرم اختاره كبار العلماء المحققين المعروفين باستقلالهم في الفهم، وتعمقهم في الفقه عن الله ورسوله أمثال شيخي الاسلام ابن تيمية وابن القيم رَحِمَهُم اللَّهُ تعالى، فإن لهم البحوث

стр. 142

والكثيرة النافعة في هذه المسألة الهامة. ومن هؤلاء الافاضل الشيخ ولي الله الدهلوي، ومن كلامه في ذلك ما قال في «الحجة البالغة» (١/ ١٩٢): كان أهل الجاهلية يقصدون مواضع معظمة بزعمهم يزورونها ويتبركون بها، وفيه من التحريف والفساد ما لا يخفى، فسد ﷺ الفساد، لئلا يلحق غير الشعائر بالشعائر، ولئلا يصير ذريعة لعبادة غير الله، والحق عندي أن القبر، ومحل عبادة ولي من الأولياء، والطور كل ذلك سواء في النهي. ومما يحسن التنبيه عليه في خاتمة هذا البحث أنه لا يدخل في النهي السفر للتجارة وطلب العلم، فإن السفر إنما هو لطلب تلك الحاجة حيث كانت لا لخصوص المكان، وكذلك السفر لزيارة الأخ في الله فإنه هو المقصود كما قال شيخ الاسلام ابن تيمية في «الفتاوي» (٢/ ١٨٦). اهـ. قال ابن باز ﵀ في «مجموع فتاواى ومقالات متنوعة» (٥/ ٣٣٣): وأما شد الرحال لزيارة القبور فلا يجوز، وإنما يشرع لزيارة المساجد الثلاثة خاصة؛ لقوله ﷺ : «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى» متفق على صحته، وإذا زار المسلم مسجد النبي ﷺ دخل في ذلك على سبيل التبعية زيارة قبره ﷺ وقبر صاحبيه، وقبور الشهداء وأهل البقيع، وزيارة مسجد قباء.

стр. 143

وقال ﵀: وهكذا القبور الأخرى لو زار مثلا دمشق أو القاهرة أو الرياض أو أي بلد يستحب له زيارة القبور لما فيها من العظة والذكرى والإحسان إلى الموتى بالدعاء لهم والترحم عليهم إذا كانوا مسلمين، فالنبي ﵇ قال: «زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة». اهـ.

стр. 144

[٧]- النهي عن حمل السلاح بمكة ١٢ - عَنْ جَابِرٍ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لَا يَحِلُّ لِأَحَدِكُمْ أَنْ يَحْمِلَ بِمَكَّةَ السِّلَاحَ» (١). قال النووي في «شرحه على مسلم»: هَذَا النَّهْيُ إِذَا لَمْ تَكُنْ حَاجَةٌ فَإِنْ كَانَتْ جَازَ هَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجَمَاهِيرِ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: هَذَا مَحْمُولٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى حَمْلِ السِّلَاحِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ وَلَا حَاجَةٍ فَإِنْ كَانَتْ جَازَ. قَالَ الْقَاضِي: وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَعَطَاءٍ قَالَ وَكَرِهَهُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ تَمَسُّكًا بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ دُخُولُ النَّبِيِّ ﷺ عَامَ عُمْرَةِ الْقَضَاءِ بِمَا شَرَطَهُ مِنْ السِّلَاحِ فِي الْقِرَابِ وَدُخُولِهِ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ مُتَأَهِّبًا لِلْقِتَالِ. اهـ.

стр. 145

[٨]- الإيمان يأرز إلى مكة والمدينة ١٣ - قال الإمام البخاري ﵀: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: «إِنَّ الإِيمَانَ لَيَأْرِزُ إِلَى المَدِينَةِ كَمَا تَأْرِزُ الحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا» (١). ١٤ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الْإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ، وَهُوَ يَأْرِزُ بَيْنَ الْمَسْجِدَيْنِ، كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ فِي جُحْرِهَا» (٢). قال النووي ﵀ في «شرح مسلم»: وَقَوْلُهُ ﷺ : (بَيْنَ الْمَسْجِدَيْنِ): أَيْ: مَسْجِدَي مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ. اهـ.
следующие страницы →