قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في «الرد على الأخنائي» (١١٤): فإن الصحابة والتابعين والأئمة لم يعرف عنهم نزاع في أن السفر إلى القبور، وآثار الأنبياء داخل في النهي، كالسفر إلى الطور الذي كلّم الله عليه موسى وغيره، وإن كان الله سمّاه الوادي المقدّس، وسمّاه البقعة المباركة، ونحو ذلك، فلم يعرف عن الصحابة نزاع أن هذا وأمثاله داخل في نهي النبيّ ﷺ عن السفر إلى غير المساجد الثلاثة، كما لم يعرف عنهم نزاع أن ذلك منهيّ عنه، وأن قوله: «لا تشدّ الرحال» نهي بصيغة الخبر، كما قد جاء في الصحيح بصيغة النهي، من حديث أبي سعيد الخدريّ عن النبي ﷺ قال: «لا تشدّوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد؛ مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى».
فالصحابة ومن تبعهم لم يعرف عنهم نزاع أن هذا نهي منه، فإن لفظه ﷺ صريح في النهي، ولم يعرف عنهم نزاع أن النهي متناول للسفر إلى البقاع المعظمة غير المساجد. اهـ.
قال الألباني ﵀ في «أحكام الجنائز» (١/ ٢٩٣): والخلاصة: إن ما ذهب إليه أبو محمد الجويني الشافعي وغيره من تحريم السفر إلى غير المساجد الثلاثة من المواضع الفاضلة، هو الذي يجب المصير إليه، فلا جرم اختاره كبار العلماء المحققين المعروفين باستقلالهم في الفهم، وتعمقهم في الفقه عن الله ورسوله أمثال شيخي الاسلام ابن تيمية وابن القيم رَحِمَهُم اللَّهُ تعالى، فإن لهم البحوث
стр. 142
والكثيرة النافعة في هذه المسألة الهامة.
ومن هؤلاء الافاضل الشيخ ولي الله الدهلوي، ومن كلامه في ذلك ما قال في «الحجة البالغة» (١/ ١٩٢): كان أهل الجاهلية يقصدون مواضع معظمة بزعمهم يزورونها ويتبركون بها، وفيه من التحريف والفساد ما لا يخفى، فسد ﷺ الفساد، لئلا يلحق غير الشعائر بالشعائر، ولئلا يصير ذريعة لعبادة غير الله، والحق عندي أن القبر، ومحل عبادة ولي من الأولياء، والطور كل ذلك سواء في النهي.
ومما يحسن التنبيه عليه في خاتمة هذا البحث أنه لا يدخل في النهي السفر للتجارة وطلب العلم، فإن السفر إنما هو لطلب تلك الحاجة حيث كانت لا لخصوص المكان، وكذلك السفر لزيارة الأخ في الله فإنه هو المقصود كما قال شيخ الاسلام ابن تيمية في «الفتاوي» (٢/ ١٨٦). اهـ.
قال ابن باز ﵀ في «مجموع فتاواى ومقالات متنوعة» (٥/ ٣٣٣): وأما شد الرحال لزيارة القبور فلا يجوز، وإنما يشرع لزيارة المساجد الثلاثة خاصة؛ لقوله ﷺ : «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى» متفق على صحته، وإذا زار المسلم مسجد النبي ﷺ دخل في ذلك على سبيل التبعية زيارة قبره ﷺ وقبر صاحبيه، وقبور الشهداء وأهل البقيع، وزيارة مسجد قباء.
стр. 143
وقال ﵀: وهكذا القبور الأخرى لو زار مثلا دمشق أو القاهرة أو الرياض أو أي بلد يستحب له زيارة القبور لما فيها من العظة والذكرى والإحسان إلى الموتى بالدعاء لهم والترحم عليهم إذا كانوا مسلمين، فالنبي ﵇ قال: «زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة». اهـ.
والمعاصي فيه من الإلحاد فيه بظلم، يعرض صاحبه للعذاب الأليم، وقد يعجله لأناس في الدنيا كما حصل لأصحاب الفيل مع ما ينتظره في الآخرة، وقد يملي لصاحبه ثم يضطره إلى عذاب غليظ، كما يحصل لذي السويقتين حين أذن الله بخراب الدنيا تمكن من هدم الكعبة.
قال الحافظ ابن حجر في «الفتح»: أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِلَى تَضْعِيفِ حَدِيثِ عَلْقَمَةَ بْنِ نَضْلَةَ قَالَ: «تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَمَا تُدْعَى رِبَاعُ مَكَّةَ إِلَّا السَّوَائِبَ مَنِ احتاج سكن»، أخرجه بن مَاجَهْ (١)، وَفِي إِسْنَادِهِ انْقِطَاعٌ وَإِرْسَالٌ.
وقال ﵀: وَبِالْجَوَازِ قَالَ الْجُمْهُورُ وَاخْتَارَهُ الطَّحَاوِيُّ. أي: يجوز بيع دور مكة.
وقال ﵀: وَسَيَأْتِي فِي الْبُيُوعِ أَثَرُ عُمَرَ: أَنَّهُ اشْتَرَى دَارًا لِلسِّجْنِ بِمَكَّةَ. وَلَا يُعَارِضُ مَا جَاءَ عَنْ نَافِع، عَنْ بن عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ يَنْهَى أَنْ تُغْلَقَ دُورُ مَكَّةَ فِي زَمَنِ الْحَاجِّ، أَخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ (٢).
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، إِنَّ عُمَرَ قَالَ: (يَا أَهْلَ مَكَّةَ لَا تَتَّخِذُوا لِدُورِكُمْ أَبْوَابًا لِيَنْزِلَ الْبَادِي حَيْثُ شَاءَ) (٣).
فَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِكَرَاهَة الْكِرَاءِ رِفْقًا بِالْوُفُودِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ مَنْعُ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَإِلَى هَذَا جَنَحَ الْإِمَامُ أَحْمَدَ، وَآخَرُونَ. اهـ.
قُلْتُ: الأصل ما قاله الجمهور، وهو: جواز بيع وتأجير دور مكة وتوريثها؛
стр. 157
لعموم الأدلة، قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]؛ ولحديث الباب عند البخاري؛ ولأن معارضه عند ابن ماجه ضعيف؛ والأثر عن عمر مختلف، فلا كراهة في بيعها ولا توريثها ولا إيجارها، والمطلوب الرفق بالإيجار مع جوازه كما جاء عن عمر ﵁.
وقوله: (وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ): يدخل فيه أنَّه لا يجوز الطواف كاشفًا ما بين سرته وركبتيه، كمن يطوف في سراويل قصير لا يغطي إلا القبل والدبر وفخذاه مكشوفان؛ لحديث «الْفَخِذُ عَوْرَةٌ»، وهو حديث بمجموع طرقه حسن.
وقد علقه البخاري في «صحيحه»، باب (١٢) من كِتَابِ الصَّلَاةِ، وسقنا طرقه في «جامع الأدلة والترجيحات» (٢٠٥).
٢٦ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ العُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الحَجِّ مِنْ أَفْجَرِ الفُجُورِ فِي الأَرْضِ، وَيَجْعَلُونَ المُحَرَّمَ صَفَرًا، وَيَقُولُونَ: إِذَا بَرَا الدَّبَرْ، وَعَفَا الأَثَرْ، وَانْسَلَخَ صَفَرْ، حَلَّتِ العُمْرَةُ لِمَنِ اعْتَمَرْ، قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ صَبِيحَةَ رَابِعَةٍ مُهِلِّينَ بِالحَجِّ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً، فَتَعَاظَمَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الحِلِّ؟ قَالَ: «الحِلُّ كُلُّهُ» (١).
قال ابن رشد في «بداية المجتهد» (٢/ ٢٣١): أَمَّا مِيقَاتُ الزَّمَانِ: فَهُوَ مَحْدُودٌ، وَهُوَ شَوَّالٌ، وَذُو الْقِعْدَةِ، وَتِسْعٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، بِاتِّفَاقٍ. اهـ.
ونقله النووي في «المجموع» (٧/ ١٣٢)، وغيرهما.
قُلْتُ: قال الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]، وهذا جمع يصدق على الثلاثة كلها أنها أشهر حج، والحج يكون في بعضها.
стр. 164
[١٥]- باب وجوب الحج لمن استطاع إليه سبيلاً
قال تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧)﴾ [الحج: ٢٧].
وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)﴾ [آل عمران: ٩٧].
قال الإمام ابن كثير ﵀ في «تفسيره» (٢/ ٨١): هَذِهِ (الآيَةُ)، آيَةُ وُجُوب الْحَجِّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ. اهـ.
قُلْتُ: مفهوم الآية أن من عَجَزَ عن الحج لمرضه أو ضعفه وعدم قدرته على أداءه أو لعدم الزاد أو الراحلة أو عدم أمن الطريق: فإن الحج غير واجب عليه.
حكم الاقتراض للحج
ولا يلزمه أن يقترض ليحج لما صحَّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ﵁: أَنَّهُ سئل عَنِ الرَّجُلِ يَسْتَقْرِضُ وَيَحُجُّ، قَالَ: يَسْتَرْزِقُ اللهَ وَلَا يَسْتَقْرِضُ، قَالَ: وَكُنَّا نَقُولُ: لَا يَسْتَقْرِضُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ وَفَاءٌ، أخرجه الشافعي في «مسنده» (٥١٠)، في
стр. 165
الحج، والبيهقي في «الكبرى» (٨٧٢٧)، وابن أبي شيبة (١٦٠٩٧)، من طريق سُفْيَانَ الثوري، عَنْ طَارِقِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ ابْنَ أَبِي أَوْفَى ﵁، به.
وطَارِقُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: هو البجلي الأحمسي، وهو صدوق.
قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٧/ ٧٦): لَا يَجِبُ عَلَيْهِ اسْتِقْرَاضُ مَالٍ يَحُجُّ بِهِ بِلَا خِلَافٍ. اهـ.
شروط وجوب الحج
قال ابن قدامة في «المغني» (٣/ ٢١٣): الْحَجُّ يَجِبُ بِخَمْسِ شُرُطٍ: الْإِسْلَامُ، وَالْعَقْلُ، وَالْبُلُوغُ، وَالْحُرِّيَّةُ، وَالِاسْتِطَاعَةُ، لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا كُلِّهِ اخْتِلَافًا. اهـ.
وإليك نقل الإجماع على كل واحد منها، إلا المملوك:
قال ابن رشد في «بداية المجتهد» (٢/ ٢١٥): لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ أَنَّ مِنْ شَرْطِهِ الْإِسْلَامَ. اهـ. فلا يصح من كافر بلا خلاف.
وكون الكفار مخاطبون بفروع الشريعة عند جمهور العلماء، لقول الله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤)﴾ [المدثر: ٤٢ - ٤٤]، وقوله: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٧)﴾ [فصلت: ٦ - ٧]، إلا أنها لا تصح العباد منهم، وإنما يعذبون على كفرهم، وعلى تركها يوم القيامة؛ لقول الله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ
стр. 166
عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان: ٢٣]، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٨)﴾ [الأنعام: ٨٨].
قال القرطبي في «المفهم» في تفسير الآية: وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمُكَلَّفِ قُوتٌ يَتَزَوَّدُهُ فِي الطَّرِيقِ لَمْ يَلْزَمْهُ الْحَجُّ. اهـ.
وقال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٧/ ٢٠): وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْحَجُّ عَلَى الْمَجْنُونِ. اهـ.
قال شيخ الإسلام في «الفتاوى» (٢٦/ ٢١): إذَا اسْتَطَاعَ الْحَجَّ بِالزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ بِالْإِجْمَاعِ.
وقال في (٨/ ٤٣٩): وأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْعَاجِزِ. اهـ.
قُلْتُ: وعلى الصحيح أنَّ من الاستطاعة وجود المحرم للمرأة كما تقدم في آداب قبل الدخول في الحج، باب (٢١) من أدلة تحريم سفرها لحج أو غيره إلا مع ذي محرم.
وقال ابن المنذر في «الإجماع»: أجمعوا على سقوط فرض الحج عن الصبي. اهـ.
وقوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)﴾ [آل عمران: ٩٧].
قال ابن كثير في تفسير الآية: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ: أَيْ: مَنْ
стр. 167
جَحَد فَرِيضَةَ الْحَجِّ فَقَدْ كَفَرَ، وَاللَّهُ غَنِيٌّ عَنْهُ. اهـ.
قال النووي في «روضة الطالبين» (٢/ ١٤٦): مَنْ جَحَدَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ فِيهِ نَصٌّ، وَهُوَ مِنْ أُمُورِ الْإِسْلَامِ الظَّاهِرَةِ الَّتِي يَشْتَرِكُ فِي مَعْرِفَتِهَا الْخَوَاصُّ وَالْعَوَامُّ، كَالصَّلَاةِ، أَوِ الزَّكَاةِ، أَوِ الْحَجِّ، أَوْ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ، أَوِ الزِّنَا، وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَهُوَ كَافِرٌ. اهـ.
مَسْأَلة:
ومن وجد الزاد الذي إما أن يحج به أو يتزوج به فيعف نفسه عن الوقوع فيما حرم الله، قدم الزواج الذي يخاف من تأخيره على نفسه العنت، والفتنة، ليس مستطيعًا للحج إن لم يجد إلا ذلك، أو ما يقوت من يلزمه قوتهم، لحديث «ابْدَأْ بِنَفْسِكَ»، وحديث: «كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَعُولُ».
قال شيخ الإسلام كما في «المستدرك على الفتاوى» (٤/ ١٤٠): وَإِنْ احْتَاجَ الْإِنْسَانُ إلَى النِّكَاحِ وَخَشِيَ الْعَنَتَ بِتَرْكِهِ قَدَّمَهُ عَلَى الْحَجِّ الْوَاجِبِ، وَإِنْ لَمْ يَخَفْ قَدَّمَ الْحَجَّ. اهـ.
стр. 168
[١٦]- من استطاع الحج وجب عليه على الفور
٢٧ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ : «مَنْ أَرَادَ الْحَجَّ، فَلْيَتَعَجَّلْ، فَإِنَّهُ قَدْ يَمْرَضُ الْمَرِيضُ، وَتَضِلُّ الضَّالَّةُ، وَتَعْرِضُ الْحَاجَةُ».
أخرجه أبو داود (١٧٣٢)، وأحمد (١٩٧٤)، وفيه: مِهْرَانُ أَبُو صَفْوَانَ، مجهول، كما في «التقريب».
وأخرجه أحمد (١٨٣٣، ١٨٣٤)، وابن ماجه رقم (٢٨٨٣)، والبيهقي (٤/ ٣٤٠)، وفيه: أَبُو إِسْرَائِيلَ إِسْمَاعِيلُ بنُ خَليفَةَ:
قال الحافظ في «التقريب»: صدوق سيء الحفظ. اهـ.
فالحديث حسنٌ، يندرج تحت قول الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣)﴾ [آل عمران: ١٣٣]، وحديث: «بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي
стр. 169
كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا» (١).
وقد ذكرت بعض أقوال العلماء القائلين: بأنه على الفور، والقائلين: أنه على التراخي في «تنوير الحوالك في أحكام المناسك»، ومنها قول الشنقيطي، قال: أَظْهَرُ الْقَوْلَيْنِ عِنْدِي … أَنَّ وُجُوبَ الْحَجِّ عَلَى الْفَوْرِ لَا عَلَى التَّرَاخِي. اهـ.
قُلْتُ: ويعضده: ما صَحَّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، أَنَّهُ قَالَ: مَنْ أَطَاقَ الْحَجَّ فَلَمْ يَحُجَّ فَسَوَاءٌ مَاتَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا، أخرجه ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، الآية، وصححه كذلك في «مسند الفاروق» رقم: (٢٩٤).
وجاء مرفوعًا عن جماعة من الصحابة ولا يصح منها شيء، ولو صح منها شيء لكان محمولًا على ما نقل الإجماع عليه: أنَّ من جحد الحج كفر، وأنَّ من استطاع الحج، ولم يحج جحودًا لوجوبه، لا شك في كفره.
قال ابن كثير بعد ذكر بعضها عند هذه الآية: وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: هَذَا حَدِيث مُنْكَر، وَقَالَ ابْنُ عَدِيّ: هَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ بِمَحْفُوظٍ. اهـ.
стр. 170
وانظر بيان ضعف الحديث المرفوع في «التلخيص الحبير» (٤/ ١٥٠٨)، رقم (٣٢٢٣).
قال ابن حجر في «التلخيص الحبير» (٢/ ٢٢٣): وهو عندهم على سبيل الزجر.
قال النووي في «شرح المهذب» (٧/ ٧٦): أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ مَنْ تَمَكَّنَ مِنْ الْحَجِّ فَلَمْ يَحُجَّ وَمَاتَ لَا يُحْكَمُ بِكُفْرِهِ بَلْ هُوَ عاص. اهـ.
قُلْتُ: والحكم عليه بالعصيان نتيجة مخالفته لما أوجب الله عليه، فلو لم يكن واجبًا على الفور لما كان المتأخر عن حجة الإسلام مع القدرة إذا مات على ذلك يموت عاصيًا.
قال القرطبي ﵀ في «المفهم» (٣/ ٤٦٣):
واختلف في معنى المبرور:
• فقيل: الذي لا يخالطه شيء من المأثم.
• وقيل: المتقبَّل.
• وقيل: الذي لا رياء فيه ولا سُمعَة.
قلت: وهذه الأقوال كلها متقاربة المعنى، وهو: أنه الحج الذي وفيت أحكامه ووقع موافقًا لما طلب من المكلف على الوجه الأكمل، والله تعالى أعلم. اهـ.