قال القرطبي ﵀ في «المفهم» (٣/ ٤٦٣):
واختلف في معنى المبرور:
• فقيل: الذي لا يخالطه شيء من المأثم.
• وقيل: المتقبَّل.
• وقيل: الذي لا رياء فيه ولا سُمعَة.
قلت: وهذه الأقوال كلها متقاربة المعنى، وهو: أنه الحج الذي وفيت أحكامه ووقع موافقًا لما طلب من المكلف على الوجه الأكمل، والله تعالى أعلم. اهـ.
فَهَذِهِ الْأُمُورُ الَّتِي هِيَ أَعْظَمُ مِنْ الْحَجِّ وَلَكِنَّ الْكَبَائِرَ تُكَفِّرُهَا التَّوْبَةُ مِنْهَا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ. اهـ.
وقال القرطبي ﵀ في «المفهم» (١/ ٣٢٩): هذه الأعمالَ الثلاثةَ تُسقِطُ الذنوبَ التي تقدَّمَتهَا كلَّها، صغيرَهَا وكبيرها؛ فإنَّ ألفاظَهَا عامَّةٌ خرجَت على سؤالٍ خاصٍّ؛ فإنَّ عَمرًا إنما سأل أن يغفَرَ له ذنوبُهُ السابقةُ بالإسلام، فأُجِيبَ على ذلك؛ فالذنوبُ داخلةٌ في تلك الألفاظِ العامَّةِ قطعًا، وهي بحكم عمومها صالحةٌ لتناوُلِ الحقوقِ الشرعيَّة، والحقوقِ الآدميَّة؛ وقد ثبَتَ ذلك في حَقِّ الكافر الحربيِّ إذا أسلَمَ؛ فإنَّه لا يُطَالَبُ بشيء مِنْ تلك الحقوق، ولو قَتَلَ وأَخَذَ الأموالَ، لم يُقتَصَّ منه بالإجماع، ولو خرجَتِ الأموالُ مِنْ تحت يده، لم يطالَب بشيء منها.
ولو أسلَمَ الحربيُّ وبيده مالُ مسلمٍ؛ عَبِيدٌ، أو عُرُوضٌ، أو عَينٌ؛ فمذهبُ مالك: أنَّه لا يجبُ عليه رَدُّ شيء من ذلك؛ تمسُّكًا بعمومِ هذا الحديث، وبأنَّ للكفَّارِ شبه مِلكٍ فيما حازُوهُ من أموال المسلمين وغيرهم؛ لأنَّ الله تعالى قد نسَبَ لهم أموالًا وأولادًا؛ فقال تعالى: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ﴾ [التوبة: ٥٥].
وذهَبَ الشافعيُّ: إلى أنَّ ذلك لا يَحِلُّ لهم، وأنَّه يجبُ عليهم ردُّها إلى مَنْ كان يملكها مِنَ المسلمين، وأنَّهم كالغُصَّاب؛ وهذا يُبعِده: أنَّهم لو استَهلَكُوا ذلك في حالةِ كُفرهم ثُمَّ أسلموا، لم يَضمَنوا بالإجماعِ؛ على ما حكاه أبو محمَّدٍ عبدُ الوهَّاب.
стр. 183
فأمَّا أسر المسلمين الأحرارِ: فيجبُ عليهم رفعُ أيديهم عنهم؛ لأنَّ الحُرَّ لا يُملَكُ. وأما مَنْ أسلم مِنْ أهل الذمَّة: فلا يُسقِطُ الإسلامُ عنه حقًّا وجب عليه لأحدٍ مِنْ مالٍ أو دمٍ أو غيرهما؛ لأنَّ أحكام الإسلامِ جاريةٌ عليهم. واستيفاءُ الفروعِ في كتب الفقه. وأما الهجرةُ، والحَجُّ: فلا خلافَ في أنهما لا يُسقِطان إلا الذنوبَ والآثامَ السابقة، وهل يُسقِطان الكبائرَ والصغائر، أو الصغائرَ فقط؟ موضعُ نظرٍ. اهـ.
قُلْتُ: ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ الكبائر لا تسقط إلا بالتوبة، فإن اقترن بالحج والهجرة توبة سقطت الكبائر، وإلا فلا.
وقال النووي في «شرح مسلم» عند حديث (٢٢٨): «مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»، وَفِي الرواية الأخرى: «إلا غفر لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ الَّتِي تَلِيهَا» وفي الحديث الآخر: «مَنْ تَوَضَّأَ هَكَذَا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَكَانَتْ صَلَاتُهُ وَمَشْيُهُ إِلَى الْمَسْجِدِ نَافِلَةً»، وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ»، وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ»، فَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ كُلُّهَا ذَكَرَهَا مُسْلِمٌ فِي هَذَا الْبَابِ.
وَقَدْ يُقَالُ: إِذَا كَفَّرَ الْوُضُوءُ فَمَاذَا تُكَفِّرُ الصَّلَاةُ؟ وَإِذَا كَفَّرَتِ الصَّلَاةُ فَمَاذَا تُكَفِّرُ الْجُمُعَاتُ وَرَمَضَانُ؟ وَكَذَلِكَ صَوْمُ يَوْمِ عَرَفَةَ كَفَّارَةُ سَنَتَيْنِ، وَيَوْمُ عَاشُورَاءَ كَفَّارَةُ سَنَةٍ، وَإِذَا وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ؟
٤٦ - عَنْ عُمَرَ ﵄، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَإِنَّ مُتَابَعَةً بَيْنَهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ الخَبَثَ» (١).
٤٧ - وعن جابر ﵁، بمثل حديث ابن عباس ﵄ (٢).
٤٨ - وعَنْ عَامِرِ بن ربيعة ﵁، بمثل لفظ حديث ابن عباس ﵄، بلفظ: «تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَإِنَّ مُتَابَعَةً بَيْنَهُمَا تَزِيدُ فِي الْعُمُرِ وَالرِّزْقِ، وَتَنْفِيَانِ الذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ» (٣).
стр. 187
٤٩ - وعَنْ أَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْلِيِّ ﵁، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَه: «احْجُجْ عَنْ أَبِيكَ وَاعْتَمِرْ» (١).
الشَّرحُ:
وهذا الحديث: دليل الجمهور على أنَّ العمرة واجبة في العمر مرة كالحج، إلا من أوجبها على نفسه بنذر، فيجب الوفاء بهما مع القدرة لأنهما طاعة لله، وفي الحديث: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ».
قال النووي في «شرحه على مسلم» (١٣٤٩)، على حديث: أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: «العُمْرَةُ إِلَى العُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا»، قال ﵀: وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي وُجُوبِ الْعُمْرَةِ فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَالْجُمْهُورِ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ. اهـ.
قُلْتُ: ودليل الوجوب الأمر بالحج والعمرة في حديث أَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْلِيِّ ﵁، المذكور، وبوب البخاري في «صحيحه» رقم (١٧٧٣) بَابُ وُجُوبِ العُمْرَةِ
стр. 188
وَفَضْلِهَا، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄: لَيْسَ أَحَدٌ إِلَّا وَعَلَيْهِ حَجَّةٌ، وَعُمْرَةٌ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: إِنَّهَا لَقَرِينَتُهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، - وساق الحديث المذكورة هنا -: «الحَجُّ وَالعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا».
وقال ابن المنذر في «الإشراف» (٣/ ٣٧٥): وقد ذهب أكثر أهل العلم إلى وجوب الحج والعمرة، ثم ذكر أسماء من قال: هي سنة ليست واجبة، وقال: وبالقول الأول أقول. اهـ.
جواز تكرار العمرة في الشهر مرتين
قال ابن المنذر في «الإشراف» (٣/ ٣٧٧): اعتمرت عائشة بأمر النبي ﷺ في شهر مرتين، عمرة مع قرانها، وعمرة بعد حجها، وقد ثبت أن النبي ﷺ قال العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما. اهـ.
وقال ابن قدامة في «المغني» تحت مسألة (٥٣٨) في الفصل (١٥): وَلَا بَأْسَ أَنْ يَعْتَمِرَ فِي السَّنَةِ مِرَارًا، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَنَسٍ، وَعَائِشَةَ، وَعَطَاءٍ، وَطَاوُسٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَالشَّافِعِيِّ.
وَكَرِهَ الْعُمْرَةَ فِي السَّنَةِ مَرَّتَيْنِ الْحَسَنُ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَمَالِكٌ.
وَقَالَ النَّخَعِيُّ: مَا كَانُوا يَعْتَمِرُونَ فِي السَّنَةِ إلَّا مَرَّةً. وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَفْعَلْهُ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ مِنْ شَرْطِ طَوَافِ الزِّيَارَةِ تَعْيِينُ النِّيَّةِ، فَمَتَى نَوَاهُ لِغَيْرِهِ وَلَمْ يَنْوِ لِنَفْسِهِ، لَمْ يَقَعْ لِنَفْسِهِ، كَذَا الطَّوَافُ حَامِلًا لِغَيْرِهِ لَمْ يَقَعْ عَنْ نَفْسِهِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ، وَإِبْرَاهِيمُ، وَأَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ، وَجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَمَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ أَنْ يَحُجَّ عَنْ غَيْرِهِ مَنْ لَمْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ. وَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ مِثْلُ ذَلِكَ.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: إنْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى الْحَجِّ عَنْ نَفْسِهِ حَجَّ عَنْ نَفْسِهِ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْحَجِّ عَنْ نَفْسِهِ حَجَّ عَنْ غَيْرِهِ.
وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ الْحَجَّ مِمَّا تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ، فَجَازَ أَنْ يُؤَدِّيَهُ عَنْ غَيْرِهِ مَنْ لَمْ يُسْقِطْ فَرْضَهُ عَنْ نَفْسِهِ، كَالزَّكَاةِ. اهـ.
قُلْتُ: وهذا القول الأخير هو الصواب، فليس في حديث الباب ما يدل على بطلان حج من لم يحج عن نفسه إن حج عن غيره، إنما فيه أنَّه يجب أن يقدم الحج عن نفسه على حجه عن غيره، وذلك مقيدٌ بأدلة استطاعته الحج عن نفسه المذكورة في هذه الرسالة، فإن عجز عن نفسه لعدم النفقة ووجد سعة يحج عن غيره قبل حجه عن نفسه صح حجه عن غيره.
стр. 196
[٢١]- باب الحج بالصغير وأنَّ عليه حجة إذا بلغ
٥٥ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ لَقِيَ رَكْبًا بِالرَّوْحَاءِ، فَقَالَ: «مَنِ الْقَوْمُ؟» قَالُوا: الْمُسْلِمُونَ، فَقَالُوا: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: «رَسُولُ اللهِ»، فَرَفَعَتْ إِلَيْهِ امْرَأَةٌ صَبِيًّا، فَقَالَتْ: أَلِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَلَكِ أَجْرٌ» (١).
الشَّرحُ:
قال النووي في شرح هذا الحديث من «صحيح مسلم»: قَالَ الْقَاضِي: لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي جَوَازِ الْحَجِّ بِالصِّبْيَانِ …
الإحرام قبل الميقات
قال ابن المنذر ﵀ في «الإجماع» (١٧): وأجمعوا على أنَّ من أحرم قبل الميقات أنه محرم. اهـ.
وقال الخطابي في «معالم السنن» (٢/ ١٤٧): وقد أجمعوا أنه لو أحرم دونها حتى يوافي الميقات محرمًا أجزأه وليس هذا كتحديد مواقيت الصلاة فإنها إنما ضربت حدًا لئلا تقدم الصلاة عليها. اهـ.
قال ابن قدامة في «المغني» (٥/ ٦٥): لَا خِلَافَ فِي أَنَّ مَنْ أَحْرَمَ قَبْلَ الْمِيقَاتِ يَصِيرُ مُحْرِمًا، تَثْبُتُ فِي حَقِّهِ أَحْكَامُ الْإِحْرَامِ. اهـ.
قال النووي في «شرح المهذب» (٧/ ٢٠٠): أَجْمَعَ مَنْ يُعْتَدُّ بِهِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ مِنْ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ الْإِحْرَامُ مِنْ الْمِيقَاتِ وَمِمَّا فَوْقَهُ. اهـ.
قُلْتُ: في هذه الأحاديث أنَّ النَّبِيَّ ﷺ وقّت هذه المواقيت المكانية، ولو كان خيرًا لفعله النبي ﷺ فقد أحرم من ذي الحليفة كما ثبت في حديث جابر عند مسلم رقم (١٢١٨)، ولو كان النبي ﷺ فعل ذلك لبيان الجواز لما تواطأ أصحابه ﵃ على ذلك، وهم أهل التقوى والفضل والتنافس على الخيرات والمسارعة والمبادرة إليها والاستكثار منها.
стр. 213
وبوب الإمام البخاري ﵀ في كتاب الحج من «صحيحه» الباب الـ (٨): بَابُ مِيقَاتِ أَهْلِ المَدِينَةِ، وَلَا يُهِلُّوا قَبْلَ ذِي الحُلَيْفَةِ.
والباب الـ (٣٣): باب: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]، وَكَرِهَ عُثْمَانُ ﵁، أَنْ يُحْرِمَ مِنْ خُرَاسَانَ، أَوْ كَرْمَانَ.
وبوب على حديث رقم (١٥٢٢): بَابُ فَرْضِ مَوَاقِيتِ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ، وذكر أنَّ زَيْدَ بْنَ جُبَيْرٍ أَتَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ فقال له: من أين يجوز أن أعتمر؟! قال ابن عمر، قَالَ: «فَرَضَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا، وَلِأَهْلِ المَدِينَةِ ذَا الحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ الشَّأْمِ الجُحْفَةَ».
قال الحافظ: وَقد نقل ابن الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ الْإِجْمَاعَ عَلَى الْجَوَازِ، وَفِيهِ نَظَرٌ! فَقَدْ نُقِلَ عَنْ إِسْحَاقَ وَدَاوُدَ وَغَيْرِهِمَا عَدَمُ الْجَوَاز، وَهُوَ ظَاهر جَوَاب بن عُمَرَ، وَيُؤَيِّدُهُ الْقِيَاسُ عَلَى الْمِيقَاتِ الزَّمَانِيِّ، فَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّقَدُّمُ عَلَيْهِ. وَفَرَّقَ الْجُمْهُورُ بَيْنَ الزَّمَانِيِّ وَالْمَكَانِيِّ فَلَمْ يُجِيزُوا التَّقَدُّمَ عَلَى الزَّمَانِيِّ، وَأَجَازُوا فِي الْمَكَانِيِّ. اهـ.
وقال البغوي في «شرح السنة» (٧/ ٤٢): وَكَرِهَهُ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمُ: الْحَسَنُ، وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ، وَمَالِكٌ، وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَنْكَرَ ذلك عَلَى عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ إِحْرَامَهُ مِنَ الْبَصْرَةِ، وَكَرِهَ عُثْمَانُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ خُرَاسَانَ أَوْ كَرْمَانَ، وَلِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ مَنْ
стр. 214
أَنْ يَعْرِضَ لَهُ مَا يُفْسَدُ بِهِ إِحْرَامُهُ، أَوْ يحرجه لِبُعْدِ الْمَسَافَةِ.
وَقَالَ أَحْمَدُ: وَجْهُ الْعَمَلِ الْمَوَاقِيتُ، وَكَذَلِكَ قَالَ إِسْحَاقُ. اهـ.
وقال الخرقي ﵀: (وَالِاخْتِيَارُ أَنْ لَا يُحْرِمَ قَبْلَ مِيقَاتِهِ، فَإِنْ فَعَلَ فَهُوَ مُحْرِمٌ)، وساق بعض أدلة الطرفين التي سنذكرها إن شاء الله.
وقال الصنعاني في «سبل السلام» (٢/ ٧١١): وَلَوْلَا مَا قِيلَ مِنْ الْإِجْمَاعِ بِجَوَازِ ذَلِكَ لَقُلْنَا: بِتَحْرِيمِهِ؛ لِأَدِلَّةِ التَّوْقِيتِ؛ وَلِأَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى الْمُقَدَّرَاتِ مِنْ الْمَشْرُوعَاتِ كَأَعْدَادِ الصَّلَاةِ، وَرَمْيِ الْجِمَارِ، لَا تُشَرَّعُ كَالنَّقْصِ مِنْهَا. اهـ المراد.
قُلْتُ: قد علمت أنَّ نقل الإجماع هنا فيه نظر فلا إجماع هنا.
قال الشوكاني ﵀: فلا يجوز ولا يجزئ فعل الإحرام قبل وقته، وفي غير مكانه، ومن زعم أنه يجوز ذلك أو يجزي لم يقبل منه إلا بدليل، وبهذا نعرف عدم صحة قول المصنف، ويجوز تقديمه عليها. اهـ من «السيل الجرار» (٢/ ١٦٨).
وقال العلامة الألباني ﵀ ببدعية تعمد الإحرام قبل الميقات في كتابه «حجة الوداع» (ص ١١١).
واستدل جمهور العلماء على جواز الإحرام من قبل الميقات بما أخرج البيهقي في «الكبرى» (٥/ ٣٠) من طريق جَابِرِ بْنِ نُوحٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ،
стр. 215
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِهِ : ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، قَالَ: «مَنْ تَمَامِ الحَجِّ أَنْ تُحْرِمَ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِكَ».
وهو ضعيف؛ فيه جَابِرُ بْنُ نُوحٍ: مترجم في «ميزان الاعتدال» للذهبي، قال ابن معين: ليس بشيء. وقال ابن حبان: لا يحتج به. وذكر الذهبي هذا الحديث من مناكيره. ولم أنظر بقية رجال السند؛ اكتفاء بضعف هذا الراوي.
وأخرج البيهقي قبل هذا أثر عَلِيٍّ ﵁ من طريق الحاكم في «المستدرك» (٢/ ٢٧٦)، وفيه عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁: مَا قَوْلُهُ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]؟ قَالَ: (أَنْ تُحْرِمَ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِكَ).
قال البيهقي: وَفِيهِ نَظَرٌ.
قُلْتُ: فيه: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ، وهو ضعيف.
واحتج المجيزون للإحرام قبل الميقات المكاني أيضًا بحديث أم سلمة ﵂ أنها سمعت النبي ﷺ يقول: «مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ أَوْ عُمْرَةٍ مِنْ المسْجِدِ الأَقْصَىْ إَلَىْ المسْجِدِ الحَرَامِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، أَوْ وَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ».
أخرجه أبو داود رقم (١٧٤١)، وابن ماجه رقم (٣٠٠١)، وهو ضعيف فيه حُكَيْمَةَ بِنْتِ أُمَيَّةَ - الراوية عن أم سلمة - مجهولة.