الإحرام قبل الميقات
قال ابن المنذر ﵀ في «الإجماع» (١٧): وأجمعوا على أنَّ من أحرم قبل الميقات أنه محرم. اهـ.
وقال الخطابي في «معالم السنن» (٢/ ١٤٧): وقد أجمعوا أنه لو أحرم دونها حتى يوافي الميقات محرمًا أجزأه وليس هذا كتحديد مواقيت الصلاة فإنها إنما ضربت حدًا لئلا تقدم الصلاة عليها. اهـ.
قال ابن قدامة في «المغني» (٥/ ٦٥): لَا خِلَافَ فِي أَنَّ مَنْ أَحْرَمَ قَبْلَ الْمِيقَاتِ يَصِيرُ مُحْرِمًا، تَثْبُتُ فِي حَقِّهِ أَحْكَامُ الْإِحْرَامِ. اهـ.
قال النووي في «شرح المهذب» (٧/ ٢٠٠): أَجْمَعَ مَنْ يُعْتَدُّ بِهِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ مِنْ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ الْإِحْرَامُ مِنْ الْمِيقَاتِ وَمِمَّا فَوْقَهُ. اهـ.
قُلْتُ: في هذه الأحاديث أنَّ النَّبِيَّ ﷺ وقّت هذه المواقيت المكانية، ولو كان خيرًا لفعله النبي ﷺ فقد أحرم من ذي الحليفة كما ثبت في حديث جابر عند مسلم رقم (١٢١٨)، ولو كان النبي ﷺ فعل ذلك لبيان الجواز لما تواطأ أصحابه ﵃ على ذلك، وهم أهل التقوى والفضل والتنافس على الخيرات والمسارعة والمبادرة إليها والاستكثار منها.
стр. 213
وبوب الإمام البخاري ﵀ في كتاب الحج من «صحيحه» الباب الـ (٨): بَابُ مِيقَاتِ أَهْلِ المَدِينَةِ، وَلَا يُهِلُّوا قَبْلَ ذِي الحُلَيْفَةِ.
والباب الـ (٣٣): باب: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]، وَكَرِهَ عُثْمَانُ ﵁، أَنْ يُحْرِمَ مِنْ خُرَاسَانَ، أَوْ كَرْمَانَ.
وبوب على حديث رقم (١٥٢٢): بَابُ فَرْضِ مَوَاقِيتِ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ، وذكر أنَّ زَيْدَ بْنَ جُبَيْرٍ أَتَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ فقال له: من أين يجوز أن أعتمر؟! قال ابن عمر، قَالَ: «فَرَضَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا، وَلِأَهْلِ المَدِينَةِ ذَا الحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ الشَّأْمِ الجُحْفَةَ».
قال الحافظ: وَقد نقل ابن الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ الْإِجْمَاعَ عَلَى الْجَوَازِ، وَفِيهِ نَظَرٌ! فَقَدْ نُقِلَ عَنْ إِسْحَاقَ وَدَاوُدَ وَغَيْرِهِمَا عَدَمُ الْجَوَاز، وَهُوَ ظَاهر جَوَاب بن عُمَرَ، وَيُؤَيِّدُهُ الْقِيَاسُ عَلَى الْمِيقَاتِ الزَّمَانِيِّ، فَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّقَدُّمُ عَلَيْهِ. وَفَرَّقَ الْجُمْهُورُ بَيْنَ الزَّمَانِيِّ وَالْمَكَانِيِّ فَلَمْ يُجِيزُوا التَّقَدُّمَ عَلَى الزَّمَانِيِّ، وَأَجَازُوا فِي الْمَكَانِيِّ. اهـ.
وقال البغوي في «شرح السنة» (٧/ ٤٢): وَكَرِهَهُ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمُ: الْحَسَنُ، وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ، وَمَالِكٌ، وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَنْكَرَ ذلك عَلَى عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ إِحْرَامَهُ مِنَ الْبَصْرَةِ، وَكَرِهَ عُثْمَانُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ خُرَاسَانَ أَوْ كَرْمَانَ، وَلِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ مَنْ
стр. 214
أَنْ يَعْرِضَ لَهُ مَا يُفْسَدُ بِهِ إِحْرَامُهُ، أَوْ يحرجه لِبُعْدِ الْمَسَافَةِ.
وَقَالَ أَحْمَدُ: وَجْهُ الْعَمَلِ الْمَوَاقِيتُ، وَكَذَلِكَ قَالَ إِسْحَاقُ. اهـ.
وقال الخرقي ﵀: (وَالِاخْتِيَارُ أَنْ لَا يُحْرِمَ قَبْلَ مِيقَاتِهِ، فَإِنْ فَعَلَ فَهُوَ مُحْرِمٌ)، وساق بعض أدلة الطرفين التي سنذكرها إن شاء الله.
وقال الصنعاني في «سبل السلام» (٢/ ٧١١): وَلَوْلَا مَا قِيلَ مِنْ الْإِجْمَاعِ بِجَوَازِ ذَلِكَ لَقُلْنَا: بِتَحْرِيمِهِ؛ لِأَدِلَّةِ التَّوْقِيتِ؛ وَلِأَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى الْمُقَدَّرَاتِ مِنْ الْمَشْرُوعَاتِ كَأَعْدَادِ الصَّلَاةِ، وَرَمْيِ الْجِمَارِ، لَا تُشَرَّعُ كَالنَّقْصِ مِنْهَا. اهـ المراد.
قُلْتُ: قد علمت أنَّ نقل الإجماع هنا فيه نظر فلا إجماع هنا.
قال الشوكاني ﵀: فلا يجوز ولا يجزئ فعل الإحرام قبل وقته، وفي غير مكانه، ومن زعم أنه يجوز ذلك أو يجزي لم يقبل منه إلا بدليل، وبهذا نعرف عدم صحة قول المصنف، ويجوز تقديمه عليها. اهـ من «السيل الجرار» (٢/ ١٦٨).
وقال العلامة الألباني ﵀ ببدعية تعمد الإحرام قبل الميقات في كتابه «حجة الوداع» (ص ١١١).
واستدل جمهور العلماء على جواز الإحرام من قبل الميقات بما أخرج البيهقي في «الكبرى» (٥/ ٣٠) من طريق جَابِرِ بْنِ نُوحٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ،
стр. 215
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِهِ : ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، قَالَ: «مَنْ تَمَامِ الحَجِّ أَنْ تُحْرِمَ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِكَ».
وهو ضعيف؛ فيه جَابِرُ بْنُ نُوحٍ: مترجم في «ميزان الاعتدال» للذهبي، قال ابن معين: ليس بشيء. وقال ابن حبان: لا يحتج به. وذكر الذهبي هذا الحديث من مناكيره. ولم أنظر بقية رجال السند؛ اكتفاء بضعف هذا الراوي.
وأخرج البيهقي قبل هذا أثر عَلِيٍّ ﵁ من طريق الحاكم في «المستدرك» (٢/ ٢٧٦)، وفيه عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁: مَا قَوْلُهُ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]؟ قَالَ: (أَنْ تُحْرِمَ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِكَ).
قال البيهقي: وَفِيهِ نَظَرٌ.
قُلْتُ: فيه: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ، وهو ضعيف.
واحتج المجيزون للإحرام قبل الميقات المكاني أيضًا بحديث أم سلمة ﵂ أنها سمعت النبي ﷺ يقول: «مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ أَوْ عُمْرَةٍ مِنْ المسْجِدِ الأَقْصَىْ إَلَىْ المسْجِدِ الحَرَامِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، أَوْ وَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ».
أخرجه أبو داود رقم (١٧٤١)، وابن ماجه رقم (٣٠٠١)، وهو ضعيف فيه حُكَيْمَةَ بِنْتِ أُمَيَّةَ - الراوية عن أم سلمة - مجهولة.
стр. 216
وأعله الحافظ ابن كثير كما في «نيل الأوطار» (٣/ ٢٩٩)، والمنذري في «مختصر السنن» (٢/ ٢٨٠) بالاضطراب، وفيه: عَلِيُّ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي سُفْيَانَ الْأَخْنَسِيُّ، قَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيّ: شَيْخٌ مِنْ شُيُوخِ الْمَدِينَةِ لَيْسَ بِالْمَشْهُورِ.
واستدل بعضهم بحديث الصُّبَيِّ بْنِ مَعْبَدٍ عند أبي داود رقم (١٧٩٩)، والنسائي في «الكبرى» (٤/ ٤٠): أنه أهل بحج وعمرة فقال له عمر: (هديت للسنة)، وفي بعض ألفاظه عند النسائي: (أنه أحرم بها من العُذَيْب).
والعُذَيْب، قيل: الميقات، وهو اسم ماء لبني تميم على مرحلة من الكوفة.
ولكن هذه اللفظة: (أحرم بها من العذيب) غير محفوظة.
والحديث عند أحمد رقم (٣٧٩، ٢٥٦، ٢٥٤، ٢٢٧، ١٦٩)، وأبي داود كما تقدم، وأيضًا رقم (١٧٩٨)، وابن ماجه (٢٩٧٠)، والبيهقي (٤/ ٣٥٢)، وغيرهم؛ من طريق الْحَكَمِ، وعَبْدَةَ بْنِ أَبِي لُبَابَةَ، وسَيَّارٍ، ومَنْصُورٍ، والْأَعْمَشِ، وغيرهم، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، قَالَ: قَالَ الصُّبَيُّ بْنُ مَعْبَدٍ: .. إلخ؛ بغير ذكر هذه الزيادة.
ورواه عن مَنْصُورٍ جماعة منهم: سفيان بدونها.
ورواه النسائي من طريق عبد الحميد عن مَنْصُورٍ .. فذكر الحديث بها.
ومنصور ممن روى الحديث عن أبي وائل بدونها، فروايته الموافقة لرواية الجماعة هي المحفوظة، والحديث بدون الزيادة ظاهره الصحة، ثم رأيت الإمام
стр. 217
الدارقطني قد صححه، وأعلَّ بعض طرقه في «العلل» رقم (١٩٢)، فساقها ثم قال: وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَأَحْسَنُهَا إِسْنَادًا حَدِيثُ مَنْصُورٍ، وَالأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنِ الصَّبِيِّ عَنْ عُمَرَ.
حاصل ذلك: أنه لم يثبت عن النبي ﷺ في جواز الإحرام قبل الميقات كما تقدم، وخير الهدي هديه ﷺ ، وربنا يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
وكون من أحرم قبل الميقات يمر على الميقات أو يحاذيه ناويًا الإحرام، إحرامه صحيح، وعلى ذلك جمهور العلماء لا شك فيه، إلا أنَّه يأثم على تعمد مخالفة سنة رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في ذلك.
ميقات المكي في الحج من مكة وفي العمرة من الحل
وقوله في حديث ابن عباس ﵄: (وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ، - فَمُهَلُّهُ مِنْ أَهْلِهِ - حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ):
قال النووي في «شرح مسلم» (١١٨١): أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى هَذَا كُلِّهِ. اهـ.
قُلْتُ: فنقل الإجماع على ثلاثة أمور:
• الأول: أنَّ من أنشأ الحج والعمرة بعد مجاوزته للميقات حتى لو أنشأ
стр. 218
النسك بعد الميقات بمسافة يسيرة لا يلزمه الرجوع إلى الميقات.
• الأمر الثاني: أنَّ ميقات المكي بالحج من مكة حيث كان منها؛ لقوله: «فَمُهَلُّهُ مِنْ أَهْلِهِ»، ولا يلزمه الخروج إلى الحل، والأصح أنَّه لا يلزمه أنَّ يهل من المسجد الحرام، وإنما يهل من مسكنه.
• الثالث: أنَّ المكي إذا أراد العمرة يلزمه الخروج إلى الحل خارج حرم مكة فيهل من الحل ويعتمر.
قال ابن قدامة في «المغني» (٥/ ٥٩): وَأَهْلُ مَكَّةَ إذَا أَرَادُوا الْعُمْرَةَ، فَمِنْ الْحِلِّ، وَإِذَا أَرَادُوا الْحَجَّ، فَمِنْ مَكَّةَ أَهْلُ مَكَّةَ، مَنْ كَانَ بِهَا، سَوَاءٌ كَانَ مُقِيمًا بِهَا أَوْ غَيْرَ مُقِيمٍ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ أَتَى عَلَى مِيقَاتٍ كَانَ مِيقَاتًا لَهُ، فَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ كَانَ بِمَكَّةَ فَهِيَ مِيقَاتُهُ لِلْحَجِّ؛ وَإِنْ أَرَادَ الْعُمْرَةَ فَمِنْ الْحِلِّ، لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا. اهـ.
وقال القاضي عياض في «إكمال المعلم» (٤/ ٢٧٤): وأجمع العلماء أن مُهلَّ أهل مكة من مكة بالحج. اهـ.
قال ابن رشد في «بداية المجتهد» (٢/ ١٠٤): وَلَا خِلَافَ عِنْدِهِمْ أَنَّ الْمَكِّيَّ لَا يُهِلُّ إِلَّا مِنْ جَوْفِ مَكَّةَ إِذَا كَانَ حَاجًّا، وَأَمَّا إِذَا كَانَ مُعْتَمِرًا فَإِنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الْحِلِّ، ثُمَّ يُحْرِمَ مِنْهُ. اهـ.
قُلْتُ: فالآفاقي إذا أتى بعمرة لا ينبغي له أن يكرر العمرة في سفرة واحدة إلا
стр. 219
من أهلَّ بحج وعمرة ولم يتمكن من أداء العمرة لعذر يُشْرع له ذلك، كما أذن رسول الله ﷺ لعائشة ﵁، إلا إذا خرج عن أحد المواقيت لغرض ومر على ميقات جاز له أن يعود بعمرة؛ لأنه صار آفاقيًا يدخل تحت حديث ابن عباس ﵄ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ ذكر المواقيت وقال: «هُنَّ لَهُنَّ، وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِنَّ مِمَّنْ أَرَادَ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ، وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ، فَمهله مِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ»، متفق عليه.
وإنما الذي يُشْرع له الخروج إلى الحل سواء جدة أو غيرها أو قبل ذلك للإتيان بعمرة هو المكي أو من كان دون المواقيت للحديث المذكور.
وقوله: (حَيْثُ أَنْشَأَ): تشمل الآفاقي إذا جاوز الميقات غير قاصد الحج والعمرة، فلا يرجع إلى الميقات؛ وإنما من حيث أنشاء، ولا يشمل ذلك الآفاقي الخارج إلى جدة أو نحوها لحاجة ثم ينشئ عمرة منها، فلا يشرع له الإحرام من جدة لأنها ليست ميقاتًا.
مريد النسك إذا جاوز الميقات غير محرم ثم رجع فأحرم منه
قال ابن قدامة في «المغني» (٥/ ٦٩): مَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ مُرِيدًا لِلنُّسُكِ غَيْرَ مُحْرِمٍ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ إلَيْهِ لِيُحْرِمَ مِنْهُ، إنْ أَمْكَنَهُ، سَوَاءٌ تَجَاوَزَهُ عَالِمًا بِهِ أَوْ جَاهِلًا، عَلِمَ تَحْرِيمَ ذَلِكَ أَوْ جَهِلَهُ.
فَإِنْ رَجَعَ إلَيْهِ، فَأَحْرَمَ مِنْهُ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. لَا نَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا. اهـ.
стр. 220
من أين يحرم من مر على ميقاتين؟
قال النووي في «شرح مسلم» تحت رقم (١١٨١): الشَّامِيَّ مَثَلًا إِذَا مَرَّ بِمِيقَاتِ الْمَدِينَةِ فِي ذَهَابِهِ لَزِمَهُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ مِيقَاتِ الْمَدِينَةِ وَلَا يَجُوزُ لَهُ تَأْخِيرُهُ إِلَى مِيقَاتِ الشَّامِ الَّذِي هُوَ الْجُحْفَةُ وكذا الباقي من المواقيت وهذا لاخلاف. اهـ.
قال ابن قدامة في «المغني» (٥/ ٦٤): وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ فِي الشَّامِيِّ يَمُرُّ بِالْمَدِينَةِ: لَهُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ الْجُحْفَةِ. وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ. اهـ.
وقال ابن حجر في «فتح الباري» (٣/ ٣٨٦): وَأَطْلَقَ النَّوَوِيُّ الِاتِّفَاق، وَنَفَى الْخِلَافَ فِي شَرْحَيْهِ «لِمُسْلِمٍ» وَ «الْمُهَذَّبِ» فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَلَعَلَّهُ أَرَادَ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَإِلَّا فَالْمَعْرُوفُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ لِلشَّامِيِّ مَثَلًا إِذَا جَاوَزَ ذَا الْحُلَيْفَةِ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ إِلَى مِيقَاتِهِ الْأَصْلِيِّ - وَهُوَ الْجُحْفَةُ - جَازَ لَهُ ذَلِكَ، وَبِهِ قَالَ الْحَنَفِيَّةُ، وَأَبُو ثَوْر. اهـ.
وقال الشوكاني في «نيل الأوطار» (٤/ ٣٥٠): وَادَّعَى النَّوَوِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْمَالِكِيَّةَ يَقُولُونَ: يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ الْأَفْضَلُ خِلَافَهُ، وَبِهِ قَالَتْ الْحَنَفِيَّةُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ. اهـ.
وقد تمسكوا بحديث ابن عباس ﵄، أنَّ النَّبِيّ ﷺ وقت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، وبأن عائشة ﵂ إذا أرادت الحج أحرمت
стр. 221
من ذي الحليفة، وإذا أرادت العمرة أحرمت من الجحفة.
قُلْتُ: قوله: في الحديث: «وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ»، فيه شرعية إحرام من مر على ميقاتين من أيهما شاء، فاليمني إذا مر على ميقات أهل اليمن ثم مضى إلى المدينة قبل حجه أو عمرته فإن شاء أحرم من ميقات أهل اليمن، وإن شاء أخر إحرامه إلى ذي الحليفة ميقات أهل المدينة، وكذا الشامي إذا مر على ذي الحليفة له أن يحرم منها، وله أنَّ يؤخر إلى الجحفة، والأرفق به تأخيره إلى أقرب ميقات إلى الحرم، لحديث: «مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا، مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا» (١).
لِاحْتِمَالِ رُجُوعِ الْإِشَارَةِ إِلَى الْهَدْيِ وَالصَّوْمِ، لَا إِلَى التَّمَتُّعِ كَمَا أَوْضَحْنَاهُ، وَأَنَّ الْمَكِّيَّ إِذَا أَرَادَ الْعُمْرَةَ خَرَجَ إِلَى الْحِلِّ فَأَحْرَمَ مِنْهُ. اهـ من «أضواء البيان» (٤/ ٤٩١).
قال الشيخ ابن باز ﵀: يصح التمتع والقران من أهل مكة وغيرهم؛ لكن ليس على أهل مكة هدي، وإنما الهدي على غيرهم من أهل الآفاق القادمين إلى مكة محرمين بالتمتع أو القرآن. اهـ «مجموع فتاوى ابن باز» (١٧/ ٨٣).
٨٧ - عَنِ ابْنُ عُمَرَ ﵄، - أنه كان يُنْكِرُ الِاشْتِرَاطَ فِي الْحَجِّ - ويَقُولُ: «أَلَيْسَ حَسْبُكُمْ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ إِنْ حُبِسَ أَحَدُكُمْ عَنِ الحَجِّ، طَافَ بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، حَتَّى يَحُجَّ عَامًا قَابِلًا، فَيُهْدِي أَوْ يَصُومُ إِنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا» (١).
قال الحافظ في «الفتح» عند رقم (١٨١٠): وَصَحَّ الْقَوْلُ بِالِاشْتِرَاطِ عَنْ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعلي، وعمار، وبن مَسْعُودٍ، وَعَائِشَةَ، وَأُمِّ سَلَمَةَ، وَغَيْرِهِمْ مِنَ الصَّحَابَةِ.
وَلَمْ يَصِحَّ إِنْكَارُهُ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ الا عَنْ بن عُمَرَ. اهـ المراد.
قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «اختيارات البعلي» (١٧٠): وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُحْرِمِ الِاشْتِرَاطُ إنْ كَانَ خَائِفًا وَإِلَّا فَلَا جَمْعًا بَيْنَ الْأَخْبَارِ. اهـ.
فائدة الاشتراط
قال ابن قدامة في «المغني» (٦/ ٢١٨)، مسألة (٦٠٦): وَإِنْ شَرَطَ فِي ابْتِدَاءِ إحْرَامِهِ أَنْ يَحِلَّ مَتَى مَرِضَ، أَوْ ضَاعَتْ نَفَقَتُهُ، أَوْ نَفِدَتْ، أَوْ نَحْوَهُ، أَوْ قَالَ إنْ حَبَسَنِي حَابِسٌ،
стр. 241
فَمَحِلِّي حَيْثُ حَبَسَنِي، فَلَهُ الْحِلُّ مَتَى وَجَدَ ذَلِكَ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، لَا هَدْيَ، وَلَا قَضَاءَ، وَلَا غَيْرَهُ. اهـ.
وقال ابن القيم ﵀ في «تهذيب السنن» (١/ ٣٦٨): يستفيد بالشرط فائدتين:
• إحداهما جواز الإحلال.
• والثانية سقوط الدم.
فإذا لم يكن شرط استفاد بالعذر الإحلال وحده، وثبت وجوب الدم عليه، فتأثير الاشتراط في سقوط الدم. اهـ.
الاشتراط يصح ولو لم يتلفظ به
قال ابن قدامة في «المغني» مسألة (٥٥٩): فَإِنْ نَوَى الِاشْتِرَاطَ، وَلَمْ يَتَلَفَّظْ بِهِ، احْتَمَلَ أَنْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِعَقْدِ الْإِحْرَامِ، وَالْإِحْرَامُ يَنْعَقِدُ بِالنِّيَّةِ، فَكَذَلِكَ تَابِعُهُ.
وَاحْتَمَلَ أَنْ يُعْتَبَرَ فِيهِ الْقَوْلُ؛ لِأَنَّهُ اشْتِرَاطٌ فَاعْتُبِرَ فِيهِ الْقَوْلُ، كَالِاشْتِرَاطِ فِي النَّذْر وَالْوَقْفِ وَالِاعْتِكَافِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: (قُولِي مَحِلِّي مِنْ الْأَرْضِ حَيْثُ تَحْبِسُنِي). اهـ.
قُلْتُ: ذكر ابن قدامة احتمالين: أولهما: أصح؛ لأن الحديث ورد باللفظين: أحدهما: «قُولِي»، والثانية: بلفظ «أَهِلِّي بِالْحَجِّ، وَاشْتَرِطِي أَنَّ مَحِلِّي حَيْثُ تَحْبِسُنِي»،
стр. 242
وليس فيها (قولي)، فيجوز الاشتراط بالنية، لحديث: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ»، والتلفظ بالاشتراط مع الإهلال كأن يقول: (لبيك ومحلي حيث حبستني) أفضل.
وفي أدلة الاشتراط المذكورة هنا دلالة على أنه لا يشرع أنَّ يقول: (لبيك ومتى شئت أنَّ أحل أحللت)؛ لأن الله امر بإتمام الحج والعمرة بعد الدخول فيهما، قال تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وإنما يشرع الاشتراط إن حصل له مانع (حل من إحرامه)، أما لغير عذر فلا يجوز، والشرط فيه باطل لمناقضة مقتضى الإحرام، وهو الإتمام.
стр. 243
[٢٩]- من أحصر بعد إحرامه بحج أو عمرة
قال تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦].
قال شيخ الإسلام ﵀ في «شرح عمدة الفقه» (٤/ ٩٩): وَهَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ سَنَةَ سِتٍّ مِنَ الْهِجْرَةِ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ التَّفْسِيرِ. اهـ.
قال الحافظ ابن حجر في «الفتح» (٤/ ٤): اتِّفَاقُ أَهْلِ النَّقْلِ عَلَى أَنَّ الْآيَاتِ نَزَلَتْ فِي قِصَّةِ الْحُدَيْبِيَةِ حِينَ صُدَّ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الْبَيْتِ. اهـ.
قال ابن كثير ﵀ عند تفسير هذه الآية (١/ ٣٩٣): ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦]، أَيْ: صُدِدْتم عَنِ الْوُصُولِ إِلَى الْبَيْتِ وَمُنِعْتُمْ مِنْ إِتْمَامِهِمَا. وَلِهَذَا اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الشُّرُوعَ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ مُلْزِمٌ، سَوَاءٌ قِيلَ: بِوُجُوبِ الْعُمْرَةِ أَوْ بِاسْتِحْبَابِهَا.
وقال بعدها: وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، ذَكَرُوا أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي سَنَةِ سِتٍّ، أيْ: عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، حِينَ حَالَ الْمُشْرِكُونَ بَيْنَ
• وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْحَصْرَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بعدُوّ أَوْ مَرَضٍ أَوْ ضَلَالٍ: وَهُوَ التَّوَهان عَنِ الطَّرِيقِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَجَّاج بْنُ الصوّافُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقول: «من كُسِر أَوْ عَرِج فَقَدْ حَلَّ، وَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرَى».
قَالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ فَقَالَا صَدَقَ. اهـ.
قال ابن عبد البر في «التمهيد» (٩/ ٤٥٦): الْإِحْصَارُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى وُجُوهٍ مِنْهَا الْحَصْرُ بِالْعَدُوِّ وَمِنْهَا بِالسُّلْطَانِ الْجَائِرِ وَمِنْهَا بِالْمَرَضِ وَشِبْهِهِ وَأَصْلُ الْحَصْرِ فِي اللُّغَةِ الْحَبْسُ وَالْمَنْعُ. اهـ.
قال القرطبي ﵀ في «تفسيره» الآية (١٩٦) من سورة البقرة: الْإِحْصَارُ: هُوَ الْمَنْعُ مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي تقصده بالعوائق جملة، فـ (جملة) أَيْ: بِأَيِ عُذْرٍ كَانَ، كَانَ حَصْرُ عَدُوٍّ أَوْ جَوْرُ سُلْطَانٍ أَوْ مَرَضٌ أَوْ مَا كَانَ في معناه. اهـ.
وقال البخاري في كتاب الحج من «صحيحه»: أَبْوَابُ المُحْصَرِ، فذكر الآية ثم قال: الإِحْصَارُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يَحْبِسُهُ. اهـ.
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في «فتح الباري» (٤/ ٣): وَفِي اقْتِصَارِهِ عَلَى تَفْسِيرِ عَطَاءٍ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ اخْتَارَ الْقَوْلَ بِتَعْمِيمِ الْإِحْصَارِ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ اخْتِلَافٍ بَيْنَ الصَّحَابَةِ
стр. 246
وَغَيْرِهِمْ، فَقَالَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ: الْإِحْصَارُ مِنْ كُلِّ حَابِسٍ حَبَسَ الْحَاجَّ مِنْ عَدُوٍّ، وَمَرَضٍ، وَغير ذَلِك، حَتَّى أفتى بن مَسْعُود رجلا لدغ: بِأَنَّهُ محصر، أخرجه بن جَرِيرٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْهُ.
وَقَالَ النَّخَعِيُّ وَالْكُوفِيُّونَ: الْحَصْرُ الْكَسْرُ وَالْمَرَضُ وَالْخَوْفُ وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ حَجَّاجِ بْنِ عَمْرٍو الَّذِي سَنَذْكُرُهُ فِي آخِرِ الْبَابِ، وَأَثَرِ عَطَاءٍ الْمُشَارِ إِلَيْهِ، وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنِ بن جُرَيْجٍ عَنْهُ. اهـ.
قُلْتُ: وسنده صحيح إلى عطاء، وهذا هو الصواب، القول بعموم الحصر بكل مانع عن إداء المحرم حجه أو عمرته؛ لحديث الحجاج بن عمرو الآتي، ولظاهر الآية.
قال ابن قدامة في «المغني» تحت مسألة (٦٠٧): وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ التَّحَلُّلَ مِنْ الْحَجِّ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِأَحَدِ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: كَمَالِ أَفْعَالِهِ، أَوْ التَّحَلُّلِ عِنْد الْحَصْرِ، أَوْ بِالْعُذْرِ إذَا شَرَطَ، وَمَا عَدَا هَذَا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَحَلَّلَ بِهِ. اهـ.
стр. 247
٨٨ - عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيِّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ كُسِرَ أَوْ عَرِجَ فَقَدْ حَلَّ وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ» (١).
الشَّرحُ:
الحصر نوعان: حصر بعدو، وحصر بدون عدو، كمن منعه من الوصول إلى الحج أو العمرة مانع مرض أو ذهاب نفقة، ونحوه.
• فالأول: يتحلل وعليه هدي بالقرآن، والسنة، والإجماع على ذلك.
قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «المجموع» (٢٦/ ٢٢٧): فَالْمُحْصَرُ بِعَدُوِّ لَهُ أَنْ يَتَحَلَّلَ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ. اهـ.
وقال البغوي في «شرح السنة» (٧/ ٢٨٥): اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمُحْرِمَ إِذَا أُحْصِرَ عَنِ الْحَجِّ بِعَدُوٍّ، أَنَّهُ يَتَحَلَّلُ، وَعَلَيْهِ هَدْيٌ. اهـ.
стр. 248
• والنوع الثاني: المحصر بعذر آخر:
من مرض أو تاه في طريقه فلم يصل، وانكسار، ونحوه، حكمه كالأول أيضًا على القول الصحيح؛ للآية، ولهذا الحديث، وهذا قول ابن مسعود ﵁، صح عند ابن شيبة (٤/ ١٣٥)، وصححه ابن حجر كما تقدم، أنه قال: بعمرة من لدغ أنه له التحلل، وهي رواية عن أحمد، وقول عطاء، والنخعي، والثوري، وأصحاب الرأي، والبخاري كما تقدم، وأبي ثور، وعضد هذا القول ابن قدامة في «المغني» (٦/ ١١)، وهو اختيار شيخ الأسلام ابن تيمية كما في «اختيارات» البعلي، قال: وَالْمُحْصَرُ بِمَرَضٍ أَوْ ذَهَابِ نَفَقَةٍ كَالْمُحْصَرِ بِعَدُوِّ. اهـ.
أي: لهذا الحديث ولدخوله تحت عموم الآية، وممن نقل عنه ابن عباس ﵄ في تفسير الآية، قال: مَنْ أَحْرَمَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ ثُمَّ حُبِسَ عَنِ الْبَيْتِ بِمَرَضٍ يُجْهِدُهُ أَوْ عَدُوٍّ يَحْبِسُهُ فَعَلَيْهِ ذَبْحُ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَإِنْ كَانَتْ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ فَعَلَيْهِ قَضَاؤُهَا وَإِنْ كَانَتْ حَجَّةً بَعْدَ الْفَرِيضَةِ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ. اهـ من «الفتح» (٤/ ٣)، شرح قوله: أَبْوَابُ المُحْصَرِ.
قُلْتُ: وهذا رجوع من ابن عباس ﵄ عما ذكر عنه عقب هذا الباب من «الفتح» أنَّه قال: (لَا حَصْرَ إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ عَدُوٌّ)؛ لأنَّه أثبت أنَّ الحصر يكون بالمرض أيضًا.
(وحاصله): أنَّ من حُصر عن البيت ولو بعد الوقوف بعرفه ذبح هديًا بنية
стр. 249
التحلل، أي: في المكان الذي أحصر فيه كما فعل النبي ﷺ نحر هديه حيث أُحصر في الحديبية، وهذا قول الجمهور.
وأما قوله: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]، فهذا في حق غير المحصر، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ مُعْتَمِرًا فَحَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ البَيْتِ، فَنَحَرَ هَدْيَهُ، وَحَلَقَ رَأْسَهُ بِالحُدَيْبِيَةِ» (١).
وللبخاري (٢) عَنِ المِسْوَرِ ﵁، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَحَرَ قَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِذَلِكَ».
و من حُصر عن طواف الإفاضة فقط، وقد رمى وحلق، لم يتحلل حتى يطوف؛ لما روي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّهُ قَالَ: مَنْ حُبِسَ دُونَ الْبَيْتِ بِمَرَضٍ، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، أخرجه مالك في «الموطأ».
وأخرج الإمام مسلم ﵀ في «صحيحه» (٣)، قال: وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى وَهُوَ الْقَطَّانُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، حَدَّثَنِي نَافِعٌ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبْدِ اللهِ، وَسَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، كَلَّمَا عَبْدَ اللهِ حِينَ نَزَلَ الْحَجَّاجُ لِقِتَالِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَا: لَا
стр. 250
يَضُرُّكَ أَنْ لَا تَحُجَّ الْعَامَ، فَإِنَّا نَخْشَى أَنْ يَكُونَ بَيْنَ النَّاسِ قِتَالٌ يُحَالُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْبَيْتِ، قَالَ: فَإِنْ حِيلَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ فَعَلْتُ كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَنَا مَعَهُ، حِينَ حَالَتْ كُفَّارُ قُرَيْشٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ عُمْرَةً، فَانْطَلَقَ حَتَّى أَتَى ذَا الْحُلَيْفَةِ فَلَبَّى بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ قَالَ: إِنْ خُلِّيَ سَبِيلِي قَضَيْتُ عُمْرَتِي، وَإِنْ حِيلَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ فَعَلْتُ كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَنَا مَعَهُ، ثُمَّ تَلَا: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١].
ومن شرط في ابتداء إحرامه: (أن محلي حيث حبستني) أو قال: (إن مرضت أو عجزت أو ذهبت نفقتي فلي أن أحل)، كان له أن يتحلل متى شاء من غير شيءٍ، إذا وجد شيء من ذلك، ولا هدي عليه لحديث ضباعه ﵂ السابق.
هل على من لم يجد الهدي صيام بدل الهدي؟
بواب الإمام البخاري ﵀ في أَبْوَابِ المُحْصَرِ، بَابُ مَنْ قَالَ: لَيْسَ عَلَى المُحْصَرِ بَدَلٌ: وَقَالَ رَوْحٌ: عَنْ شِبْلٍ، عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: إِنَّمَا البَدَلُ عَلَى مَنْ نَقَضَ حَجَّهُ بِالتَّلَذُّذِ، فَأَمَّا مَنْ حَبَسَهُ عُذْرٌ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَحِلُّ وَلَا يَرْجِعُ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ وَهُوَ مُحْصَرٌ نَحَرَهُ، إِنْ كَانَ لَا يَسْتَطِيعُ، وَاسْتَطَاعَ أَنْ يَبْعَثَ بِهِ لَمْ يَحِلَّ حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ.
وَقَالَ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ: يَنْحَرُ هَدْيَهُ وَيَحْلِقُ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ بِالحُدَيْبِيَةِ نَحَرُوا وَحَلَقُوا وَحَلُّوا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ قَبْلَ الطَّوَافِ،