وَغَيْرِهِمْ، فَقَالَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ: الْإِحْصَارُ مِنْ كُلِّ حَابِسٍ حَبَسَ الْحَاجَّ مِنْ عَدُوٍّ، وَمَرَضٍ، وَغير ذَلِك، حَتَّى أفتى بن مَسْعُود رجلا لدغ: بِأَنَّهُ محصر، أخرجه بن جَرِيرٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْهُ.
وَقَالَ النَّخَعِيُّ وَالْكُوفِيُّونَ: الْحَصْرُ الْكَسْرُ وَالْمَرَضُ وَالْخَوْفُ وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ حَجَّاجِ بْنِ عَمْرٍو الَّذِي سَنَذْكُرُهُ فِي آخِرِ الْبَابِ، وَأَثَرِ عَطَاءٍ الْمُشَارِ إِلَيْهِ، وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنِ بن جُرَيْجٍ عَنْهُ. اهـ.
قُلْتُ: وسنده صحيح إلى عطاء، وهذا هو الصواب، القول بعموم الحصر بكل مانع عن إداء المحرم حجه أو عمرته؛ لحديث الحجاج بن عمرو الآتي، ولظاهر الآية.
قال ابن قدامة في «المغني» تحت مسألة (٦٠٧): وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ التَّحَلُّلَ مِنْ الْحَجِّ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِأَحَدِ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: كَمَالِ أَفْعَالِهِ، أَوْ التَّحَلُّلِ عِنْد الْحَصْرِ، أَوْ بِالْعُذْرِ إذَا شَرَطَ، وَمَا عَدَا هَذَا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَحَلَّلَ بِهِ. اهـ.
стр. 247
٨٨ - عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيِّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ كُسِرَ أَوْ عَرِجَ فَقَدْ حَلَّ وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ» (١).
الشَّرحُ:
الحصر نوعان: حصر بعدو، وحصر بدون عدو، كمن منعه من الوصول إلى الحج أو العمرة مانع مرض أو ذهاب نفقة، ونحوه.
• فالأول: يتحلل وعليه هدي بالقرآن، والسنة، والإجماع على ذلك.
قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «المجموع» (٢٦/ ٢٢٧): فَالْمُحْصَرُ بِعَدُوِّ لَهُ أَنْ يَتَحَلَّلَ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ. اهـ.
وقال البغوي في «شرح السنة» (٧/ ٢٨٥): اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمُحْرِمَ إِذَا أُحْصِرَ عَنِ الْحَجِّ بِعَدُوٍّ، أَنَّهُ يَتَحَلَّلُ، وَعَلَيْهِ هَدْيٌ. اهـ.
стр. 248
• والنوع الثاني: المحصر بعذر آخر:
من مرض أو تاه في طريقه فلم يصل، وانكسار، ونحوه، حكمه كالأول أيضًا على القول الصحيح؛ للآية، ولهذا الحديث، وهذا قول ابن مسعود ﵁، صح عند ابن شيبة (٤/ ١٣٥)، وصححه ابن حجر كما تقدم، أنه قال: بعمرة من لدغ أنه له التحلل، وهي رواية عن أحمد، وقول عطاء، والنخعي، والثوري، وأصحاب الرأي، والبخاري كما تقدم، وأبي ثور، وعضد هذا القول ابن قدامة في «المغني» (٦/ ١١)، وهو اختيار شيخ الأسلام ابن تيمية كما في «اختيارات» البعلي، قال: وَالْمُحْصَرُ بِمَرَضٍ أَوْ ذَهَابِ نَفَقَةٍ كَالْمُحْصَرِ بِعَدُوِّ. اهـ.
أي: لهذا الحديث ولدخوله تحت عموم الآية، وممن نقل عنه ابن عباس ﵄ في تفسير الآية، قال: مَنْ أَحْرَمَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ ثُمَّ حُبِسَ عَنِ الْبَيْتِ بِمَرَضٍ يُجْهِدُهُ أَوْ عَدُوٍّ يَحْبِسُهُ فَعَلَيْهِ ذَبْحُ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَإِنْ كَانَتْ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ فَعَلَيْهِ قَضَاؤُهَا وَإِنْ كَانَتْ حَجَّةً بَعْدَ الْفَرِيضَةِ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ. اهـ من «الفتح» (٤/ ٣)، شرح قوله: أَبْوَابُ المُحْصَرِ.
قُلْتُ: وهذا رجوع من ابن عباس ﵄ عما ذكر عنه عقب هذا الباب من «الفتح» أنَّه قال: (لَا حَصْرَ إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ عَدُوٌّ)؛ لأنَّه أثبت أنَّ الحصر يكون بالمرض أيضًا.
(وحاصله): أنَّ من حُصر عن البيت ولو بعد الوقوف بعرفه ذبح هديًا بنية
стр. 249
التحلل، أي: في المكان الذي أحصر فيه كما فعل النبي ﷺ نحر هديه حيث أُحصر في الحديبية، وهذا قول الجمهور.
وأما قوله: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]، فهذا في حق غير المحصر، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ مُعْتَمِرًا فَحَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ البَيْتِ، فَنَحَرَ هَدْيَهُ، وَحَلَقَ رَأْسَهُ بِالحُدَيْبِيَةِ» (١).
وللبخاري (٢) عَنِ المِسْوَرِ ﵁، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَحَرَ قَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِذَلِكَ».
و من حُصر عن طواف الإفاضة فقط، وقد رمى وحلق، لم يتحلل حتى يطوف؛ لما روي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّهُ قَالَ: مَنْ حُبِسَ دُونَ الْبَيْتِ بِمَرَضٍ، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، أخرجه مالك في «الموطأ».
وأخرج الإمام مسلم ﵀ في «صحيحه» (٣)، قال: وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى وَهُوَ الْقَطَّانُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، حَدَّثَنِي نَافِعٌ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبْدِ اللهِ، وَسَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، كَلَّمَا عَبْدَ اللهِ حِينَ نَزَلَ الْحَجَّاجُ لِقِتَالِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَا: لَا
стр. 250
يَضُرُّكَ أَنْ لَا تَحُجَّ الْعَامَ، فَإِنَّا نَخْشَى أَنْ يَكُونَ بَيْنَ النَّاسِ قِتَالٌ يُحَالُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْبَيْتِ، قَالَ: فَإِنْ حِيلَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ فَعَلْتُ كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَنَا مَعَهُ، حِينَ حَالَتْ كُفَّارُ قُرَيْشٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ عُمْرَةً، فَانْطَلَقَ حَتَّى أَتَى ذَا الْحُلَيْفَةِ فَلَبَّى بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ قَالَ: إِنْ خُلِّيَ سَبِيلِي قَضَيْتُ عُمْرَتِي، وَإِنْ حِيلَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ فَعَلْتُ كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَنَا مَعَهُ، ثُمَّ تَلَا: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١].
ومن شرط في ابتداء إحرامه: (أن محلي حيث حبستني) أو قال: (إن مرضت أو عجزت أو ذهبت نفقتي فلي أن أحل)، كان له أن يتحلل متى شاء من غير شيءٍ، إذا وجد شيء من ذلك، ولا هدي عليه لحديث ضباعه ﵂ السابق.
هل على من لم يجد الهدي صيام بدل الهدي؟
بواب الإمام البخاري ﵀ في أَبْوَابِ المُحْصَرِ، بَابُ مَنْ قَالَ: لَيْسَ عَلَى المُحْصَرِ بَدَلٌ: وَقَالَ رَوْحٌ: عَنْ شِبْلٍ، عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: إِنَّمَا البَدَلُ عَلَى مَنْ نَقَضَ حَجَّهُ بِالتَّلَذُّذِ، فَأَمَّا مَنْ حَبَسَهُ عُذْرٌ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَحِلُّ وَلَا يَرْجِعُ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ وَهُوَ مُحْصَرٌ نَحَرَهُ، إِنْ كَانَ لَا يَسْتَطِيعُ، وَاسْتَطَاعَ أَنْ يَبْعَثَ بِهِ لَمْ يَحِلَّ حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ.
وَقَالَ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ: يَنْحَرُ هَدْيَهُ وَيَحْلِقُ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ بِالحُدَيْبِيَةِ نَحَرُوا وَحَلَقُوا وَحَلُّوا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ قَبْلَ الطَّوَافِ،
حل، والدليل القياس على هدي التمتع، وهذا القياس فيه نظر من وجهين هما:
• الأول: أن ظاهر حال الصحابة الذين كانوا مع النبي ﷺ في الحديبية وهم ألف وأربعمائة نفر أنَّ فيهم الفقراء، ولم يرد أن الرسول ﷺ قال لهم: من لم يجد الهدي فليصم عشرة أيام، والأصل براءة الذمة. اهـ.
وقال ابن حزم ﵀ في «المحلى» مسألة (٨٧٥): وَعَلَيْهِ هَدْيٌ وَلَا بُدَّ، كَمَا قُلْنَا فِي هَدْيِ الْمُتْعَةِ سَوَاءٌ سَوَاءٌ إلَّا أَنَّهُ لَا يُعَوَّضُ مِنْ هَذَا الْهَدْيِ صَوْمٌ وَلَا غَيْرُهُ. اهـ.
وقال البسام ﵀ في «توضيح الأحكام من بلوغ المرام» (٤٠٦): واختلف العلماء في وجوب الهدي على المحصر: فذهب جمهور العلماء إلى وجوبه، فإن لم يجد صام عشرة أيام، بنية التحلل، والصحيح عدم وجوبه وهو مذهب مالك، وإحدى الروايتين عن أحمد، فإنَّه لم يكن مع كل المحصرين الذين كانوا مع النبي ﷺ هدي، ولم يأمرهم، ولم يوجبه عليهم بل أمرهم بالتحلل مطلقًا.
واختلف العلماء في وجوب القضاء وعدمه، والراجح عدم وجوبه، ذلك أن الذين كانوا مع النبي ﷺ في عمرة القضاء، أقل من الذين كانوا معه في عمرة الحديبية، فهو لم يأمرهم بالقضاء. اهـ.
المحصر لا يسقط عنه الفرض
قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢٦/ ٢٢٦): كَالْمُحْصَرِ عَنْ
стр. 256
الْبَيْتِ مُطْلَقًا لِعُذْرِ فَإِنَّهُ يَتَحَلَّلُ مِنْ إحْرَامِهِ وَلَكِنْ لَمْ يَسْقُطْ الْفَرْضُ عَنْهُ بَلْ هُوَ بَاقٍ فِي ذِمَّتِهِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ. اهـ.
أي: أنه لم يتم حجة الإسلام، فوجب عليه أنَّ يؤديها مرة أخرى حسب استطاعته.
إذا زال الحصر قبل تحلله فعليه إتمام نسكه إلا أن يكون الحج قد فاته فإنه يتحلل
قال ابن المنذر في «الإجماع»: وأجمعوا على أن من يئس أن يصل إلى البيت، فجاز له أن يحل فلم يفعل حتى خُلي سبيله، أن عليه أن يمضي إلى البيت، وليتم نسكه. اهـ.
الهدي على المحصر
قال ابن حزم ﵀ في «مراتب الإجماع» (٤٦): وَاتَّفَقُوا على أَنْ ايجاب الْهَدْي فرض على الْمحصر - استنادًا إلى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]-. اهـ. وتقدم نقل البغوي وغيره الوجوب.
١ - قُلْتُ: وحاصل ذلك بعد ما سبق من النقل، أنَّ المحصر بعدو أو بغيره حكمه واحد يجب عليه هدي الإحصار للآية المذكورة، وفعل النبي ﷺ ، وإشراكه أصحابه كل سبعة في بدنة، ولأثر ابن عباس ﵄ المعلق عند البخاري، وللإجماع المنقول على ذلك.
стр. 257
٢ - إنَّ نحر هدي الإحصار يكون حيث أحصر المحرم وحل، كما فعل النبي ﷺ نحر هديه بالحديبية وأما قوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]، أي: حرمها فهذا في غير هدية الإحصار.
٣ - إنه إن عجز عنه يسقط عنه، لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وأما إلزامه بصوم عشرة أيام قياسًا على هدي التمتع فغير صحيح، والأدلة والأقوال السابقة تؤيد هذا القول.
٤ - وأنَّ من دخل النسك بحج أو عمرة واجب عليه إتمامه ؛ لقول الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، والنبي ﷺ قضى العمرة التي صُدَّ عنها في يوم الحديبية، في العام السادس، بعمرة القضاء في السابع، ومن تخلف عنها لعجزٍ تسقط عنه لقول الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وعليه يحمل عدم رجوع كل أهل الحديبية لعمرة القضاء لعدم الاستطاعة، ويؤيد هذا حديث الحجاج بن عمرو ﵁، في قوله: «وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ»، وهذا قول الجمهور، وهو الصواب.
وأما حمل قوله في الحديث: «وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ»: على من لم يحج حجة الإسلام، فغير صحيح؛ لأن حجة الإسلام لمن استطاع إليها سبيلًا، فكيف يلزم بها من أحصر دون غيره.
قُلْتُ: فهذه أغسال مشروعة، آكدها قبل أن يحرم، ثم يليه لدخول مكة مجمع على استحبابها، ثم الغسل يوم عرفة، والرابع عن عليٍّ ﵁ يوم النحر، ولعل هذا بعد حلقه رأسه، وتحلله التحلل الأول، وكلها مستحبة.
ويجوز للمحرم أن يغسل رأسه وجسده متى شاء بالاتفاق، كما سيأتي تحت حديث أبي أيوب ﵁، في باب اغتسال المحرم.
قوله: (اغْسِل عنك الطِّيبَ): فيه أنَّ الطيب من محظورات الإحرام، ونقل الإجماع على ذلك.
قال ابن المنذر في «الإشراف» (٣/ ٢٦١): وأجمع أهل العلم على أن المحرم ممنوع من استعمال الطيب في جميع بدنه. اهـ.
قال ابن عبد البر في «التمهيد» (٨/ ٥٠): وقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ بَعْدَ أَنْ يُحْرِمَ أَنْ يَمَسَّ شَيْئًا مِنَ الطِّيبِ حَتَّى يَرْمِيَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ. اهـ.
قال ابن رشد في «بداية المجتهد» (٢/ ٩٢ - ٩٣): أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الطِّيبَ كُلَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فِي حَالِ إِحْرَامِهِ. اهـ.
ومستند هذا الإجماع: حديث يعلى ﵁ هذا، وحديث ابن عباس الآتي في الذي وقصته ناقته فمات، قال النَّبِيُّ ﷺ : «وَلَا تُحَنِّطُوهُ»، وفي لفظ: «وَلَا تَمَسُّوهُ بِطِيبٍ»، أخرجه البخاري (١٨٥١)، ومسلم (١٢٠٦)، وحديث ابن عمر الآتي بعد هذا، وفيه: «وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ وَلَا وَرْسٌ».
قال النووي في «شرح مسلم» (١١٧٧): وَالْحِكْمَةُ فِي تَحْرِيمِ الطِّيبِ وَالنِّسَاءِ أَنْ يَبْعُدَ عَنِ التَّرَفُّهِ وَزِينَةِ الدُّنْيَا وَمَلَاذِّهَا وَيَجْتَمِعَ هَمُّهُ لِمَقَاصِدِ الْآخِرَةِ. اهـ.
وعلى حديث رقم: (١٨٣٩) بوب البخاري ﵀ بَابُ مَا يُنْهَى مِنَ الطِّيبِ
стр. 266
لِلْمُحْرِمِ وَالمُحْرِمَةِ.
قال الحافظ في «الفتح»: أَيْ أَنَّهُمَا فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ وَلَمْ يَخْتَلِفِ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ.
وقال: وَالْحِكْمَةُ فِي مَنْعِ الْمُحْرِمِ مِنَ الطِّيبِ أَنَّهُ مِنْ دَوَاعِي الْجِمَاعِ وَمُقَدِّمَاتِهِ الَّتِي تُفْسِدُ الْإِحْرَامَ وَبِأَنَّهُ يُنَافِي حَالَ الْمُحْرِمِ فَإِنَّ الْمُحْرِمَ أَشْعَثُ أَغْبَرُ. اهـ.
قال النووي في «شرح مسلم» (١١٧٧): وَالْمُرَادُ مَا يُقْصَدُ بِهِ الطِّيبُ وَأَمَّا الْفَوَاكِهُ كَالْأُتْرُجِّ وَالتُّفَّاحِ وَأَزْهَارِ الْبَرَارِي كَالشِّيحِ وَالْقَيْصُومِ وَنَحْوِهِمَا فَلَيْسَ بِحَرَامٍ لِأَنَّهُ لَا يُقْصَدُ لِلطِّيبِ. اهـ.
قُلْتُ: ومثل ذلك الصابون المعطر الذي ليس له رائحة تعلق بالبدن إنما لإزالة ما يعلق بالبدن، فلا بأس به لأنه لا يقصد للطيب، إنما لإزالة ما علق بالبدن.
و من وقع في ثوبه أو بدنه طيب وهو محرم لا يلزمه إلا غسله حتى تزول رائحته، كما في حديث يعلى ﵁: «اغْسِلِ عنك الطِّيبَ».
قال الحافظ في «الفتح» (١٥٣٦) عند حديث يعلى ﵁: وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ أَصَابَهُ طِيبٌ فِي إِحْرَامِهِ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا ثُمَّ عَلِمَ فَبَادَرَ إِلَى إِزَالَتِهِ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ. اهـ.
قُلْتُ: وكذا حكم من لبس لباسًا محظورًا حال إحرامه جاهلًا أو ناسيًا لا يلزمه إلا خلعه؛ لظاهر الحديث: «اخْلَعْ عَنْكَ الجُبَّةَ»، وليس عليه في ذلك دم.
стр. 267
٩٤ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَاذَا تَأْمُرُنَا أَنْ نَلْبَسَ مِنَ الثِّيَابِ فِي الإِحْرَامِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَا تَلْبَسُوا القَمِيصَ، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ، وَلَا العَمَائِمَ، وَلَا البَرَانِسَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ لَيْسَتْ لَهُ نَعْلَانِ، فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْ أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ، وَلَا تَلْبَسُوا شَيْئًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ، وَلَا الوَرْسُ، وَلَا تَنْتَقِبِ المَرْأَةُ المُحْرِمَةُ، وَلَا تَلْبَسِ القُفَّازَيْنِ» (١).
وقد زعم بعضهم أنَّ هذا كان في خطبة الجمعة التي قيل: إنها سبت سفره، ولم نر من نصَّ على ذلك بدليل ثابت، بل قال الحافظ عقب هذا الحديث:
وَقَدْ حَكَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيِّ أَنَّ فِي رِوَايَة بن جُرَيْجٍ وَاللَّيْثِ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ، وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ عَنْهُمَا، نَعَمْ أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ عَطَاءٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ كِلَاهُمَا عَنْ نَافِعٍ عَنِ بن عُمَرَ قَالَ: نَادَى رَجُلٌ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَخْطُبُ بِذَلِكَ الْمَكَانِ، وَأَشَارَ نَافِعٌ إِلَى مُقَدَّمِ الْمَسْجِدِ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَظَهَرَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِالْمَدِينَةِ.
стр. 268
وَوَقَعَ فِي حَدِيث بن عَبَّاسٍ الْآتِي فِي أَوَاخِرِ الْحَجِّ أَنَّهُ ﷺ خَطَبَ بِذَلِكَ فِي عَرَفَاتٍ فَيحمل على التَّعَدُّد وَيُؤَيِّدهُ أَنْ حَدِيث بن عمر أجَاب بِهِ السَّائِل، وَحَدِيث بن عَبَّاسٍ ابْتَدَأَ بِهِ فِي الْخُطْبَةِ. اهـ من «الفتح».
قُلْتُ: أثر عمر عند البيهقي في «الكبرى» (٥/ ٤٩)، بسند صحيح، وليس فيه أنَّ هذه كانت خطبة جمعة، فإنَّ خطب النَّبِيِّ ﷺ في غير الجمعة كثير، فقد خطب في حادثة الإفك، وفي وفد مضر.
وأخرج مسلم (١)، قال: حَدَّثَنِي أَبُو زَيْدٍ - يَعْنِي عَمْرَو بْنَ أَخْطَبَ -، قَالَ: «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ الْفَجْرَ، وَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَخَطَبَنَا حَتَّى حَضَرَتِ الظُّهْرُ، فَنَزَلَ فَصَلَّى، ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَخَطَبَنَا حَتَّى حَضَرَتِ الْعَصْرُ، ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى، ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَخَطَبَنَا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَأَخْبَرَنَا بِمَا كَانَ وَبِمَا هُوَ كَائِنٌ»، فَأَعْلَمُنَا أَحْفَظُنَا. اهـ.
وقال: (وَمُحَرَّمَاتُ الْإِحْرَامِ سَبْعَةٌ): اللِّبَاسُ بِتَفْصِيلِهِ السَّابِقِ، وَالطِّيبُ، وَإِزَالَةُ الشَّعْرِ، وَالظُّفْرِ، وَدَهْنُ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ، وَعَقْدُ النِّكَاحِ، وَالْجِمَاعِ، وَسَائِرُ الِاسْتِمْتَاعِ حَتَّى الِاسْتِمْنَاءُ، وَالسَّابِعُ إِتْلَافُ الصَّيْدِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. اهـ.
قُلْتُ: كل هذه السبعة المحظورات مجمع على تحريمها حال الإحرام، وأنَّ المحرم ممنوع منها، الرجال والنساء في ذلك سواء، إلا في اللباس فإن المرأة تحرم في ثيابها ما عدا القفازين.
وقال ابن المنذر في كتاب الحج من «الإجماع» فقرة (١٤٣): وأجمعوا على أن المحرم ممنوع من: الجماع، وقتل الصيد، والطيب، وبعض اللباس، وأخذ الشعر، وتقليم الأظفار. اهـ.
وقال ابن هبيرة: أَجمعُوا على أَنْ الْمحرم لَا يعْقد عقد نِكَاح لنَفسِهِ وَلَا لغيره. اهـ.
قُلْتُ: الخلاف في هذه المسألة مذكور، وإنما نقله ابن هبيرة في «إجماع الأئمة الأربعة» رقم (٨٢٩).
وقال النووي في «شرح مسلم» (١٤٠٩): قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ: لَا يَصِحُّ نِكَاحُ الْمُحْرِمِ. اهـ.
стр. 271
٩٥ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ لَمْ يَجِدْ إِزَارًا فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيلَ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ»، أخرجه البخاري (١٨٤٣).
* وأخرج مسلم (١١٧٨)، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ مثل حديث ابن عباس ﵄، وليس فيهما: «فَلْيَقْطَعْهُمَا».
الشَّرحُ:
قال النووي في «شرح مسلم» (١١٧٩): قَالَ أَحْمَدُ: يَجُوزُ لُبْسُ الْخُفَّيْنِ بِحَالِهِمَا ولا يجب قطعهما لحديث بن عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ وَكَانَ أَصْحَابُهُ يَزْعُمُونَ نَسْخَ حَدِيثِ بن عُمَرَ الْمُصَرِّحِ بِقَطْعِهِمَا وَزَعَمُوا أَنَّ قَطْعَهُمَا إِضَاعَةُ مَالٍ.
وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَجَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ: لَا يَجُوزُ لُبْسُهُمَا إِلَّا بَعْدَ قَطْعِهِمَا أسفل من الكعبين؛ لحديث بن عمر، قالوا: وحديث بن عَبَّاسٍ، وَجَابِرٍ، مُطْلَقَانِ فَيَجِبُ حَمْلُهُمَا عَلَى الْمَقْطُوعَيْنِ لحديث بن عُمَرَ، فَإِنَّ الْمُطْلَقَ يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ وَالزِّيَادَةُ مِنَ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ. وَقَوْلُهُمْ: إِنَّهُ إِضَاعَةُ مَالٍ، لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْإِضَاعَةَ إِنَّمَا تَكُونُ فِيمَا نُهِيَ عَنْهُ، وَأَمَّا مَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ فَلَيْسَ بِإِضَاعَةٍ بَلْ حَقٍّ يَجِبُ الْإِذْعَانُ لَهُ. اهـ.
قال ابن قدامة في «المغني» (٦/ ١٣١): قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْعَجَبُ مِنْ أَحْمَدَ فِي هَذَا، فَإِنَّهُ لَا يَكَادُ يُخَالِفُ سُنَّةً تَبْلُغُهُ، وَقَلَّتْ سُنَّةٌ لَمْ تَبْلُغْهُ. وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ،
الشَّرحُ:
بوب البخاري في أبواب جَزَاءِ الصَّيْدِ (١٤) بَابُ الِاغْتِسَالِ لِلْمُحْرِمِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: يَدْخُلُ المُحْرِمُ الحَمَّامَ، وَلَمْ يَرَ ابْنُ عُمَرَ، وَعَائِشَةُ بِالحَكِّ بَأْسًا. اهـ.
قال النووي في «شرح مسلم» في شرح هذا الحديث: وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِ غَسْلِ الْمُحْرِمِ رَأْسَهُ وَجَسَدَهُ مِنَ الْجَنَابَةِ بَلْ هُوَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ وَأَمَّا غَسْلُهُ تبردا فمذهبنا وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ جَوَازُهُ بِلَا كَرَاهَةٍ وَيَجُوزُ عِنْدَنَا غَسْلُ رَأْسِهِ بِالسِّدْرِ وَالْخَطْمِيِّ بِحَيْثُ لَا يَنْتِفُ شَعْرًا فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَنْتِفْ شَعْرًا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ: هُوَ حَرَامٌ مُوجِبٌ لِلْفِدْيَةِ. اهـ.
قُلْتُ: وقول الجمهور هو الصواب، بدليله المذكور، فلا كراهة في غسل المحرم من فوق رأسه بالماء والصابون، وإن سقط مع الغسل بعض الشعر لغير تعمد إزالته، فلا بأس؛ لأن إباحة الغسل من لازمه سقوط شيءٍ من ذلك، ولم يقضِ فيه الشرع بشيءٍ.
وذكر ابن المنذر في «الإشراف» الخلاف في غسل المحرم رأسه بالسدر، ثم قال:
وقال أبو ثور: إن فعل ذلك فلا شيء عليه.
قال أبو بكر: ذلك مباح؛ لأن النبي ﷺ أمرهم أن يغسلوا الميت المحرم بماء