الشَّرحُ:
بوب البخاري في أبواب جَزَاءِ الصَّيْدِ (١٤) بَابُ الِاغْتِسَالِ لِلْمُحْرِمِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: يَدْخُلُ المُحْرِمُ الحَمَّامَ، وَلَمْ يَرَ ابْنُ عُمَرَ، وَعَائِشَةُ بِالحَكِّ بَأْسًا. اهـ.
قال النووي في «شرح مسلم» في شرح هذا الحديث: وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِ غَسْلِ الْمُحْرِمِ رَأْسَهُ وَجَسَدَهُ مِنَ الْجَنَابَةِ بَلْ هُوَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ وَأَمَّا غَسْلُهُ تبردا فمذهبنا وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ جَوَازُهُ بِلَا كَرَاهَةٍ وَيَجُوزُ عِنْدَنَا غَسْلُ رَأْسِهِ بِالسِّدْرِ وَالْخَطْمِيِّ بِحَيْثُ لَا يَنْتِفُ شَعْرًا فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَنْتِفْ شَعْرًا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ: هُوَ حَرَامٌ مُوجِبٌ لِلْفِدْيَةِ. اهـ.
قُلْتُ: وقول الجمهور هو الصواب، بدليله المذكور، فلا كراهة في غسل المحرم من فوق رأسه بالماء والصابون، وإن سقط مع الغسل بعض الشعر لغير تعمد إزالته، فلا بأس؛ لأن إباحة الغسل من لازمه سقوط شيءٍ من ذلك، ولم يقضِ فيه الشرع بشيءٍ.
وذكر ابن المنذر في «الإشراف» الخلاف في غسل المحرم رأسه بالسدر، ثم قال:
وقال أبو ثور: إن فعل ذلك فلا شيء عليه.
قال أبو بكر: ذلك مباح؛ لأن النبي ﷺ أمرهم أن يغسلوا الميت المحرم بماء
التُّبَّان وَالسَّرَاوِيل فِي مَنْعه لِلْمُحْرِمِ. اهـ.
قُلْتُ: والقول بالمنع من التبان للرجل المحرم هو الصحيح. ولا بأس بلبس الخاتم، والساعة، والنظارة، والكمام على الأنف والفم.
والهميان، ويقال له: المنطقة
أخرج مالك في «الموطأ» (٧٢١)، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ: فِي الْمِنْطَقَةِ يَلْبَسُهَا الْمُحْرِمُ تَحْتَ ثِيَابِهِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ إِذَا جَعَلَ طَرَفَيْهَا جَمِيعًا سُيُورًا يَعْقِدُ بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ.
قَالَ مَالِك: وَهَذَا أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ.
وقال الإمام ابن أبي شيبة ﵀ في «المصنف» (١٥٦٦٩): بَابٌ فِي الْهِمْيَانِ لِلْمُحْرِمِ: حدثنا حَفْصُ بْنُ غِيَاثِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا سُئِلَتْ عَنِ الْهِمْيَانِ لِلْمُحْرِمِ فَقَالَتْ: أَوْثِقْ نَفْسَكَ فِي حِقْوَتِكَ، إسناده صحيح.
وثبت في هذا الموضع من «مصنف ابن أبي شيبة» جواز لبس الهيمان المنطقة: عن طَاوُسٍ، وسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، والْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.
قال الحافظ في «الفتح» تحت حديث (١٨٤٠): قَوْله: (وَقَالَ بن عَبَّاسٍ: يَدْخُلُ الْمُحْرِمُ الْحَمَّامَ): وَصَلَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ، مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْهُ، قَالَ: (الْمُحْرِمُ يَدْخُلُ الْحَمَّامَ، وَيَنْزِعُ ضِرْسَهُ، وَإِذَا انْكَسَرَ ظُفْرُهُ طَرَحَهُ، وَيَقُولُ:
стр. 286
أَمِيطُوا عَنْكُمُ الْأَذَى فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَصْنَعُ بِأَذَاكُمْ شَيْئًا) (١) …
قَوْله: (وَلم ير بن عمر وَعَائِشَة بالحك بَأْسًا): أما أثر بن عُمَرَ فَوَصَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ، مِنْ طَرِيقِ أَبِي مِجْلَزٍ قَالَ: رَأَيْت بن عُمَرَ يَحُكُّ رَأْسَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَفَطِنْتُ لَهُ فَإِذَا هُوَ يَحُكُّ بِأَطْرَافِ أَنَامِلِهِ.
وَأَمَّا أَثَرُ عَائِشَةَ، فَوَصَلَهُ مَالِكٌ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ، عَنْ أُمِّهِ وَاسْمُهَا مَرْجَانَةُ، سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَسْأَلُ عَنِ الْمُحْرِمِ أَيَحُكُّ جَسَدَهُ؟ قَالَ نَعَمْ وَلْيُشَدِّدْ، وَقَالَتْ عَائِشةُ: لَوْ رُبِطَتْ يَدَايَ وَلَمْ أَجِدْ إِلَّا أَنْ أَحُكَّ بِرِجْلِي لَحَكَكْتُ.
ومناسبة أثر ابن عُمَرَ، وَعَائِشَةَ، لِلتَّرْجَمَةِ بِجَامِعِ مَا بَيْنَ الْغُسْلِ وَالْحَكِّ مِنْ إِزَالَةِ الْأَذَى. اهـ من «الفتح».
أخرجهما البيهقي في «الكبرى» (٩/ ٤٨٨، ٤٩٠).
أثر ابن عمر ﵄، أيضًا عند ابن أبي شيبة (١٥١٦٧)، من طريق سُلَيمَانَ
стр. 287
التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ، قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ، فذكره، وهو أثر صحيح.
وأثر عائشة ﵂، من طريق مالك في «الموطأ» في كِتَابِ الحَجِّ تحت بَاب مَا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَفْعَلَهُ، قال مالك: عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ، عَنْ أُمِّهِ أَنَّهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ تُسْأَلُ عَنِ الْمُحْرِمِ. أَيَحُكُّ جَسَدَهُ؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ. فَلْيَحْكُكْهُ وَلْيَشْدُدْ، وَلَوْ رُبِطَتْ يَدَايَ، وَلَمْ أَجِدْ إِلَّا رِجْلَيَّ لَحَكَكْتُ، وهو أثر حسن.
عَلْقَمَةُ: ثقة، وأُمُّهُ: علق لها البخاري في الصِّيَامِ باب (٣٢)، بصيغة الجزم فقال: وَقَالَ بُكَيْرٌ، عَنْ أُمِّ عَلْقَمَةَ: كُنَّا نَحْتَجِمُ عِنْدَ عَائِشَةَ فَلَا تَنْهَى. اهـ.
ووصله البخاري في «تاريخه الكبير» مِنْ طَرِيقِ مَخْرَمَةَ بْنِ بُكَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أُمِّ عَلْقَمَةَ، به.
وَسُئِلَ مَالِكٌ: عَنِ الرَّجُلِ يَشْتَكِي أُذُنَهُ، أَيَقْطُرُ فِي أُذُنِهِ مِنَ الْبَانِ الَّذِي لَمْ يُطَيَّبْ، وَهُوَ مُحْرِمٌ؟ فَقَالَ: لَا أَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا، وَلَوْ جَعَلَهُ فِي فِيهِ لَمْ أَرَ بِذَلِكَ بَأْسًا، قَالَ مَالِكٌ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَبُطَّ الْمُحْرِمُ جرَاحَهُ، وَيَفْقَأَ دُمَّلَهُ، وَيَقْطَعَ عِرْقَهُ، إِذَا احْتَاجَ إِلَى ذَلِكَ. اهـ.
وصح في هذا الباب من «الموطأ» عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أنَّه كَانَ يُقَرِّدُ بَعِيرًا لَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ»، أي: يزيل عنه القُراد.
وقال ابن المنذر في «الإشراف» (٢٥٩): باب السواك للمحرم: ثبت أن رسول الله
стр. 288
ﷺ قال: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء».
قال أبو بكر: دخل في ذلك المحرم، والصائم في شهر رمضان وغيره، ولا أعلم أحدًا منع السواك.
وقال في «الإجماع»: وأجمعوا على أنَّ للمحرم أن يستاك. اهـ.
قُلْتُ: ومثله استعمال الفرشة والمعجون؛ لأنه سواك، والسواك مندوب مطلقًا لحديث: «السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ».
وقال في (٢٦٢): باب لبس الحلي للمرأة المحرمة:
قال أبو بكر: رخص في لبس الحلي للمرأة المحرمة عائشة أم المؤمنين، وأحمد، وأصحاب الرأي وقال عطاء: أكره الزينة والحلي للحرام، وكره ذلك الثوري، وأبو ثور. قال أبو بكر: لا يجوز منع المحرم منه بغير حجة.
وقال في (٢٦٣): باب الخضاب للمحرمة: قال أبو بكر: كان مالك، وابن الحسن يكرهان الخضاب للمحرمة، وألزماها الفدية إذا اختضبت بالحناء.
وقال الشافعي مرة: كذلك إذا ألقت على بدنها، وقال مرةً: لاشيء عليها.
وقد روينا عن عكرمة أنه قال: كانت عائشة، وأزواج النبي ﷺ يختضبن بالحناء وهن حرم.
стр. 289
قال أبو بكر: ليس على المحرمة في الخضاب شيء.
قال في (٢٦٥): باب غسل المحرم ثيابه:
قال أبو بكر: كان جابر بن عبد الله، وابن عمر، وابن عباس، وابن جريج، والثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور لا يرون بأسًا أن يغسل المحرم ثيابه، وحكى ذلك أبو ثور عن الكوفي.
وقال مالك: أكره ذلك إلا أن تصيبه جنابة فغسله بالماء وحده احتسابًا أن يقتل الدواب. قال أبو بكر: لا بأس به.
стр. 290
[٣٥]- باب المحرم يؤذيه القمل في رأسه أو تكون به علة
قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦].
١٠٠ - عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَعَلَّكَ آذَاكَ هَوَامُّكَ»، قَالَ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «احْلِقْ رَأْسَكَ، وَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، أَوْ انْسُكْ بِشَاةٍ» (١).
الشَّرحُ:
قال ابن المنذر في «الإجماع» كتاب الحج: وأجمعوا على أنَّ الْمُحرم ممنوع من: حلق رأسه، وجزه، واتلافه بِجز، أو نورة، أو غير ذلك. وأجمعوا على أن له حلق رأسه من علة. وأجمعوا على أن الْمُحرم ممنوع من أخذ أظفاره.
стр. 291
وأجمعوا على أنّ له أن يزيل عن نفسه ما كان منكسرًا عنه. اهـ.
قُلْتُ: علقه البخاري عن ابن عباس ﵄ قبل (١٨٤٠)، تحت باب (١٤) من أبواب جَزَاءِ الصَّيْدِ، وصح عنه موصولًا عند ابن أبي شيبة، والبيهقي (٥/ ٦٢)، والدارقطني (٢٤٨٠)، من طريق أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: الْمُحْرِمُ يَدْخُلُ الْحَمَّامَ، وَيَنْزِعُ ضِرْسَهُ، وَيَشَمُّ الرَّيْحَانَ، وَإِذَا انْكَسَرَ ظُفْرُهُ طَرَحَهُ، وَيَقُولُ: أَمِيطُوا عَنْكُمُ الْأَذَى فَإِنَّ اللهَ لَا يَصْنَعُ بِأَذَاكُمْ شَيْئًا. اهـ.
وقال ابن المنذر في «الإجماع» كتاب الحج: وأجمعوا على وجوب الفدية على من حلق وهو مُحرم. اهـ.
قُلْتُ: أطلق ابن المنذر في حق من حلق لعذر أو غيره، وهو الصواب، فليس من محظورات الإحرام مبطل غير الجماع، خلافًا لما قاله ابن حزم في «المحلى» (٧/ ٢٠٣)، مسألة (٨٧٦): وَأَمَّا مَنْ حَلَقَ رَأْسَهُ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ عَالِمًا عَامِدًا بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ، أَوْ حَلَقَ بَعْضَ رَأْسِهِ وَخَلَّى الْبَعْضَ عَالِمًا بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ: فَقَدْ عَصَى اللَّهَ تَعَالَى، وَكُلُّ مَعْصِيَةٍ فُسُوقٌ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْفُسُوقَ يُبْطِلُ الْإِحْرَامَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ - وَلَا شَيْءَ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُوجِبْ الْكَفَّارَةَ إلَّا عَلَى مَنْ حَلَقَ رَأْسَهُ لِمَرَضٍ، أَوْ أَذًى بِهِ فَقَطْ: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤)﴾ [مريم: ٦٤]. اهـ.
стр. 292
الفدية المذكورة على التخيير بين الثلاثة الأنواع وإن اختار الإطعام فنصف صاع على كل مسكين من أي نوع من الطعام
قال النووي ﵀ في «شرح مسلم» (١٢٠١): الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ وَالْأَحَادِيثَ مُتَّفِقَةٌ عَلَى أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ، وَهَكَذَا الْحُكْمُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ.
وَاتَّفَقَ جماهير الْعُلَمَاءُ عَلَى الْقَوْلِ بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ، إِلَّا مَا حُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيِّ أَنَّ نِصْفَ الصَّاعِ لِكُلِّ مِسْكِينٍ إِنَّمَا هُوَ فِي الْحِنْطَةِ فَأَمَّا التَّمْرُ وَالشَّعِيرُ وَغَيْرُهُمَا فَيَجِبُ صَاعٌ لكل مسكين وهذا خلاف نصه ﷺ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ثَلَاثَةَ آصُعٍ مِنْ تَمْرٍ (١). اهـ.
وذكر أقوالًا على غير ما دل عليه هذا الحديث، وقال: إنها خلاف نصه ﷺ ، وأنه قول مُنَابِذٌ لِلسُّنَّةِ مَرْدُودٌ. اهـ.
وقال ابن كثير ﵀: وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَعَامَّةُ الْعُلَمَاءِ: أَنَّهُ يُخَيَّر فِي هَذَا الْمَقَامِ، إِنْ شَاءَ صَامَ، وَإِنْ شَاءَ تَصَدَّقُ بفَرق، وَهُوَ ثَلَاثَةٌ آصُعٍ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ نصفُ صَاعٍ، وَهُوَ مُدّان، وَإِنْ شَاءَ ذَبَحَ شَاةً (٢). اهـ.
стр. 293
قال ابن عبد البر في «التمهيد» (٢/ ٢٥٨): وَعَامَّةُ الْآثَارِ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ وَرَدَتْ بِلَفْظِ التَّخْيِيرِ وَهُوَ نَصُّ الْقُرْآنِ وَعَلَيْهِ مَضَى عَمَلُ الْعُلَمَاءِ فِي كُلِّ الْأَمْصَارِ وَفَتْوَاهُمْ. اهـ.
وبوب البخاري في «صحيحه» في أَبْوَابِ المُحْصَرِ، باب (٥)، فذكر الآية وقال: وَهُوَ مُخَيَّرٌ، فَأَمَّا الصَّوْمُ فَثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وذكر الحديث، وبوب بعده على رقم (١٨١٦)، الإِطْعَامُ فِي الفِدْيَةِ نِصْفُ صَاعٍ، وكرر هذا الحديث.
قال الحافظ: يُشِيرُ بِذَلِكَ إِلَى الرَّدِّ عَلَى مَنْ فَرَّقَ فِي ذَلِك بَين الْقَمْح وَغَيره. اهـ.
قُلْتُ: حاصل ذلك أنه لا يجوز للمحرم حلق رأسه إلا لعلة فإن حلقه لعلة فعليه فدية وأنه مخير في الفدية بين أحد ما تضمنه الحديث، وإن اختار الإطعام فيكون لستة مساكين ممن يأكلون الطعام لكل مسكين نصف صاع من أي نوع من أنواع الطعام المقتات. ولا بأس بان تكون الفدية بأنواعها الثلاثة في مكة أو غيرها لعدم الموجب لجعلها في مكان معين.
قال ابن عبد البر في «الاستذكار» (٤/ ٣٨٩): وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّ الصَّوْمَ جَائِزٌ أَنْ يُؤْتَى بِهِ فِي غَيْرِ الْحَرَمِ. اهـ.
قُلْتُ: وأكثر العلماء على أنَّ الذبح والإطعام كذلك.
قال الحافظ ابن حجر في «الفتح» (٤/ ١٩): وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْفِدْيَةَ لَا يَتَعَيَّنُ لَهَا
الشَّرحُ:
بوب البخاري ﵀، بَابُ الحِجَامَةِ لِلْمُحْرِمِ، وَكَوَى ابْنُ عُمَرَ ابْنَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ وَيَتَدَاوَى مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ طِيبٌ، وساق حديث الباب عن ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄.
قال النووي في «شرح مسلم» عند هذا الحديث: وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ: دَلِيلٌ لِجَوَازِ الْحِجَامَةِ لِلْمُحْرِمِ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِهَا لَهُ فِي الرَّأْسِ وَغَيْرِهِ إِذَا كَانَ لَهُ عُذْرٌ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ قَطَعَ الشَّعْرَ حِينَئِذٍ لَكِنْ عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ لِقَطْعِ الشَّعْرِ، فَإِنْ لَمْ يَقْطَعْ فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ. اهـ.
قُلْتُ: الصحيح أنه لا فدية في الحجامة، حتى وإن حلق موضع الحجامة في الرأس، فلم يعلم أنَّ النَّبِيّ ﷺ جعل فدية حين حجم رأسه؛ ولأن الآية: ﴿أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فيها تقدير: (فحلقه)، وهذا يصدق على أكثره عملًا بالأغلب.
وبعدم الفدية على من حلق موضع الحجامة من رأسه، قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢٦/ ١١٦)، والألباني ﵀ في «مناسك الحج والعمرة» (١١)، وسائر التداوي، وضرب الأبر، والجراحات، تبع لهذا التداوي بالحجامة مع شرط موضع المحاجم ولا شيء فيه، وانظر الباب بعد هذا.
стр. 297
[٣٧]- المحرم يداوي عينه وجراحه
١٠٤ - عَنْ نُبَيْهِ بْنِ وَهْبٍ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِمَلَلٍ، اشْتَكَى عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ عَيْنَيْهِ، فَلَمَّا كُنَّا بِالرَّوْحَاءِ اشْتَدَّ وَجَعُهُ فَأَرْسَلَ إِلَى أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ يَسْأَلُهُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَنِ اضْمِدْهُمَا بِالصَّبِرِ، فَإِنَّ عُثْمَانَ ﵁، حَدَّثَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الرَّجُلِ «إِذَا اشْتَكَى عَيْنَيْهِ، وَهُوَ مُحْرِمٌ ضَمَّدَهُمَا بِالصَّبِرِ» (١).
الشَّرحُ:
قال القاضي عياض في «إكمال المعلم» (٤/ ٢١٨): ولا خلاف أن للمحرم أن يكتحل إذا احتاج إليه. اهـ.
وقال النووي ﵀ في «شرحه على مسلم» (١٢٠٥): وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِ
قَالَ الْقَاضِي: وَغَيْرُهُ وَلَمْ يَرْوِ أنه تزوجها محرمًا الا بن عَبَّاسٍ وَحْدَهُ، وَرَوَتْ مَيْمُونَةُ، وَأَبُو رَافِعٍ، وَغَيْرُهُمَا، أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا حَلَالًا، وَهُمْ أَعْرَفُ بِالْقَضِيَّةِ لِتَعَلُّقِهِمْ به، بخلاف بن عباس. اهـ.
أي: أن ابن عباس ﵄ وهم في قوله: (وهو محرم).
وقيل: معنى محرم، أي: في الحرم، وهو حلال، كما يقال: منجد لمن في نجد، ومتهم لمن في تهامة.
وقيل: هذا من خصائص النَّبِيِّ ﷺ ، جواز الزَّواج محرمًا، وقيل: غير ذلك.
والصواب: أن ابن عباس ﵄ وهم، كما نص على ذلك غير واحد، قال سعيد بن المسيب: وهم ابن عباس ما تزوجها النَّبِيّ ﷺ إلا حلالًا، كذا في «المغني» لابن قدامة (٦/ ١٨٠)، و «الكبرى» للبيهقي (٧/ ٢١٢).
وسنده إلى سعيد عند البيهقي صحيح.
قال النووي في «شرح مسلم»: فَلَوْ عَقَدَ لَمْ يَنْعَقِدْ سَوَاءٌ كَانَ الْمُحْرِمُ هُوَ الزَّوْجُ وَالزَّوْجَةُ أَوِ الْعَاقِدُ لَهُمَا بِوِلَايَةٍ أَوْ وَكَالَةٍ فَالنِّكَاحُ بَاطِلٌ فِي كُلِّ ذَلِكَ. اهـ.
كيفية أخرى من التلبية
التلبية كيفيات، وهذه كيفية من كيفياتها، أخرج البخاري في «صحيحه» برقم: (١٥٥٠)، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي عَطِيَّةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: إِنِّي لَأَعْلَمُ كَيْفَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُلَبِّي: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ».
وكذا أخرجه أحمد تحت هذه الأرقام:
١ - من طريق شُعْبَةَ، رقم: (٢٤٦٩٠، ٢٦٠٦١)، ثقة، حافظ، متقن.
٢ - من طريق سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، رقم: (٢٥٤٨٠)، ثقة، حافظ، فقيه، عابد، إمام، حجة.
٣ - من طريق أَبِي مُعَاوِيَةَ، رقم: (٢٥٩١٨)، ثقة، أحفظ الناس لحديث الأعمش.
٤ - من طريق عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، رقم: (٢٥٩٣٥)، ثقة.
٥ - من طريق رَوْحِ بْنِ عُبَادَةَ، رقم: (٢٦٠٦٢)، ثقة فاضل.
٦ - وعند الطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٢/ ١٢٤)، من طريق أَبِي الْأَحْوَصِ سَلَّامِ بْنِ سُلَيْمٍ، ثقة، متقن.
كما في تراجمهم من «التقريب» للحافظ ابن حجر ﵀، كلهم: عَنِ الْأَعْمَشِ، بلفظ البخاري: «إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ». اهـ.
وخالفهم: مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ، وقد قال عنه الحافظ ابن حجر في
стр. 313
«التقريب»: صدوق، عارف، رمي بالتشيع. اهـ.
وهو عند الإمام أحمد في «مسنده» (٢٤٠٤٠)، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِي عَطِيَّةَ، قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: إِنِّي لَأَعْلَمُ كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُلَبِّي، قَالَ: ثُمَّ سَمِعْتُهَا تُلَبِّي تَقُولُ: «لَبَّيْكَ اللهُمَّ لَبَّيْكَ … »، - فزاد فيه -: (وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ).
كما في لفظ حديث ابْنِ عُمَرَ ﵄: عند البخاري (١٥٤٩)، ومسلم (١١٨٤)، وحديث جَابِرِ ﵁ (١٢١٨).
وبهذا يعلم أنَّ زيادة مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلِ في حديث عائشة ﵂ شاذة، وأنَّ المحفوظ من حديث عائشة الاقتصار من التلبية على: (إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ).
وأشار إلى شذوذ زيادة مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ، الحافظُ ابن كثير ﵀ في «البداية والنهاية» في حوادث سنة عشر في ذكر حجة الوداع (٧/ ٤٩٥ - ٤٩٧).
وقال الحافظ ابن رجب ﵀ في «شرح علل الترمذي» (١/ ٤٢١): وقال أحمد أيضًا: في حديث ابن فضيل عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن أبي عطية، عن عائشة في تلبية النبي ﷺ وذكر فيها: «والملك لا شريك لك»، قال أحمد: وهم ابن فضيل في هذه الزيادة، ولا تعرف هذه عن عائشة، إنما تعرف عن ابن عمر، وذكر أن أبا معاوية روى الحديث عن الأعمش بدونها: وخرجه البخاري بدونها أيضًا
стр. 314
من طريق الثوري، عن الأعمش، وقال: تابعه أبو معاوية.
قال الخلال: أبو عبد الله لا يعبأ بمن خالف أبا معاوية في الأعمش إلا أن يكون الثوري، وذكر أنَّ هذه الزيادة رواها ابن نمير وغيره أيضًا عن الأعمش. اهـ.
وأخرج مسلم في «صحيحه» (١١٨٥)، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَقُولُونَ: (لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ)، قَالَ: فَيَقُولُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «وَيْلَكُمْ، قَدْ قَدْ» فَيَقُولُونَ: (إِلَّا شَرِيكًا هُوَ لَكَ، تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ، يَقُولُونَ هَذَا وَهُمْ يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ).
وأخرج ابن أبي شيبة في «مصنفه» (١٣٤٧٢)، قال: حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، وَأَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَالَ: كَانَتْ تَلْبِيَةُ عُمَرَ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ مَرْغُوبًا أَوْ مَرْهُوبًا، لَبَّيْكَ ذَا النَّعْمَاءِ وَالْفَضْلِ الْحَسَنِ، وهذا سند صحيح، رجاله ثقات، ورواية عروة بن الزبير عن المسور عند الجماعة.
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: كَانَ مِنْ تَلْبِيَةِ النَّبِيِّ ﷺ «لَبَّيْكَ إِلَهَ الْحَقِّ»، أخرجه النسائي (٢٧٥٣)، وابن ماجه (٢٩٢٠)، وابن خزيمة (٢٦٢٣)، والحاكم (١/ ٤٤٩)، وأحمد (٨٤٩٧)، من طريق عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاجِشُونِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ، عَنْ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ به، وهذا سند صحيح رجاله ثقات.
وقال النسائي: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَسْنَدَ هَذَا، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ، إِلَّا
стр. 315
عَبْدَ الْعَزِيزِ، رَوَاهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ عَنْهُ مُرْسَلًا. اهـ. لا يضره لأن عبد العزيز الماجشون ثقة.
وقال أبو حاتم كما في «العلل» لولده (٨١٢): الناسَ عَلَى حَدِيثِ الأعرَج أكثرُ، ويزيدُ بْنُ هَارُونَ ثقةٌ. اهـ. ولم يعل الحديث.
وأخرج ابن الجارود (٤٧٠)، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، وَقَفَ بِعَرَفَاتٍ فَلَمَّا قَالَ: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ»، قَالَ: «إِنَّمَا الْخَيْرُ خَيْرُ الْآخِرَةِ».
وأخرجه ابن خزيمة (٢٨٣١)، والحاكم (١/ ٤٦٥)، والطبراني في «الأوسط» (٥٤١٩)، من طريق جَمِيلِ بْنِ الْحَسَنِ الْجَهْضَمِيِّ، قال: حَدَّثَنَا مَحْبُوبُ بْنُ الْحَسَنِ، قال: حَدَّثَنَا دَاوُدُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، به.
وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٣/ ٢٢٣): وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ. اهـ.
قُلْتُ: مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ هِلَالٍ الملقب: مَحْبُوبٌ أخرج له البخاري رقم (٧١٥٧) في المتابعات، وضعفه النسائي، وقال أبو حاتم: ليس بقوي، وقال ابن معين: ليس به بأس، فحديثه لا يرتقي للحسن.
وقد حسنه أيضًا الألباني ﵀ في «الصحيح» (٥/ ١٨٠)، وقال عن محبوب: حسن الحديث، والظاهر أنَّه دون ذلك؛ لكن لم يشتد ضعفه، فلا بأس أن يقوله الحاج أحيانًا.
١٢٤ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَرْدَفَ الفَضْلَ، فَأَخْبَرَ الفَضْلُ: «أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى الجَمْرَةَ» (١).
١٢٥ - عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁، أَنَّهُ أهَلَّ حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْجَمْرَةِ، وَقال: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَهَلَّ حَتَّى انْتَهَى إِلَيْهَا» (٢).
أما العمرة، فإن المعتمر يلبي إلى أن يبدأ في الطواف
أخرج البخاري (١٥٧٣) بسنده إلى نَافِعٍ، قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ «إِذَا دَخَلَ أَدْنَى الحَرَمِ أَمْسَكَ عَنِ التَّلْبِيَةِ، ثُمَّ يَبِيتُ بِذِي طِوًى، ثُمَّ يُصَلِّي بِهِ الصُّبْحَ، وَيَغْتَسِلُ، وَيُحَدِّثُ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ».
قال الحافظ: قَوْلُهُ: (كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ) يَحْتَمِلُ أَنَّ الْإِشَارَةَ بِهِ إِلَى الْفِعْلِ الْأَخِيرِ وَهُوَ الْغُسْلُ، وَهُوَ مَقْصُودُ التَّرْجَمَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهَا إِلَى الْجَمِيعِ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ. اهـ.
قُلْتُ: مما يرجح أنَّ الإشارة في قوله: (يَفْعَلُه)، إلى غير التلبية، أنَّ البخاري أخرج الحديث بعده بلفظ: «بَاتَ بِذِي طِوًى، حَتَّى أَصْبَحَ، ثُمَّ دَخَلَ مَكَّةَ»، وكذا
стр. 318
لفظ مسلم، ومما يؤيد هذا القول ما قال الإمام أحمد ﵀ رقم: (٦٦٨٥): حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: «اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَ عُمَرٍ، كُلُّ ذَلِكَ يُلَبِّي حَتَّى يَسْتَلِمَ الْحَجَرَ»، هذا حديث ضعيف، فيه حَجَّاج بن أرطأة.
وله شاهد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عند أبي داود (١٨١٧)، والترمذي (٩١٩)، والبيهقي في «الكبرى» (٥/ ١٠٥)، من طريق ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يُلَبِّي الْمُعْتَمِرُ حَتَّى يَسْتَلِمَ الْحَجَرَ».
قال البيهقي: وَلَكِنَّا هِبْنَا رِوَايَتَهُ الْأُولَى لِأَنَّا وَجَدْنَا حُفَّاظَ الْمَكِّيِّينَ يَقِفُونَهُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، قال البيهقي: وَرَفْعُهُ خَطَأٌ. اهـ.
قُلْتُ: هذا الموقوف مع ما قبله حسن، والعمل عليه عند جمهور العلماء.
قال الترمذي: وَالعَمَلُ عَلَى هذا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ العِلْمِ. اهـ.
وقال ابن المنذر في «الإشراف» (٣/ ٣٧٨): قالت طائفة: يقطع التلبية إذا افتتح الطواف، وهو قول أكثر أهل العلم. قال: وقد روينا عن النبي ﷺ أنه كان يلبيّ في العمرة حتى يستلم الحجر، وفي الحج حتى يرمي الجمرة، وبه نقول. اهـ.
وقال البغوي ﵀ في «شرح السنة» (٧/ ١٨٦): قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُلَبِّي الْمُعْتَمِرُ حَتَّى يَفْتَتِحَ الطَّوَافَ مُسْتَلِمًا وَغَيْرُ مُسْتَلِمٍ. اهـ.
стр. 319
[٤٦]- رفع الصوت بالتلبية سنة الأنبياء
١٢٦ - قال الإمام مسلم ﵀ (١٦٦)، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرَّ بِوَادِي الْأَزْرَقِ، فَقَالَ: «أَيُّ وَادٍ هَذَا؟» فَقَالُوا: هَذَا وَادِي الْأَزْرَقِ، قَالَ: «كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مُوسَى هَابِطًا مِنَ الثَّنِيَّةِ، وَلَهُ جُؤَارٌ إِلَى اللهِ بِالتَّلْبِيَةِ»، ثُمَّ أَتَى عَلَى ثَنِيَّةِ هَرْشَى، فَقَالَ: «أَيُّ ثَنِيَّةٍ هَذِهِ؟» قَالُوا: ثَنِيَّةُ هَرْشَى، قَالَ: «كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى يُونُسَ بْنِ مَتَّى ﵇ عَلَى نَاقَةٍ حَمْرَاءَ جَعْدَةٍ عَلَيْهِ جُبَّةٌ مِنْ صُوفٍ، خِطَامُ نَاقَتِهِ خُلْبَةٌ وَهُوَ يُلَبِّي».
قال النووي في شرحه على هذا الحديث:
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ﵀: أَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ فِي وَصْفِهِمْ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ ﷺ رَأَى ذَلِكَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ، وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ مُبَيَّنًا فى رواية أبي العالية عن بن عباس، وفى رواية بن الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَيْسَ فِيهَا ذِكْرُ التَّلْبِيَةِ.
قَالَ: فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يَحُجُّونَ وَيُلَبُّونَ وَهُمْ أَمْوَاتٌ وَهُمْ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ وَلَيْسَتْ دَارَ عَمَلٍ؟ فَاعْلَمْ أَنَّ لِلْمَشَايِخِ وَفِيمَا ظَهَرَ لَنَا عَنْ هَذَا أَجْوِبَةً: