← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 30133

الدرة في الحج والعمرة

يحيى الحجوري

Полный текст (604 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

١٢١ - عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁، قَالَ: قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ مُنِيخٌ بِالْبَطْحَاءِ، فَقَالَ لِي: «أَحَجَجْتَ؟» فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: «بِمَ أَهْلَلْتَ؟» قَالَ قُلْتُ: لَبَّيْكَ، بِإِهْلَالٍ كَإِهْلَالِ النَّبِيِّ ﷺ (١). ١٢٢ - عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﵄، خَرَجَ فِي الْفِتْنَةِ مُعْتَمِرًا وَقَالَ: إِنْ صُدِدْتُ عَنِ الْبَيْتِ صَنَعْنَا كَمَا صَنَعْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَخَرَجَ فَأَهَلَّ بِعُمْرَةٍ وَسَارَ، حَتَّى إِذَا ظَهَرَ عَلَى الْبَيْدَاءِ الْتَفَتَ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: مَا أَمْرُهُمَا إِلَّا وَاحِدٌ، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ الْحَجَّ مَعَ الْعُمْرَةِ، فَخَرَجَ حَتَّى إِذَا جَاءَ الْبَيْتَ طَافَ بِهِ سَبْعًا، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعًا، لَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ، وَرَأَى أَنَّهُ مُجْزِئٌ عَنْهُ، وَأَهْدَى (٢). ١٢٣ - عن أَنَسٍ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَهَلَّ بِهِمَا جَمِيعًا: «لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا، لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا» (٣).

стр. 317

١٢٤ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَرْدَفَ الفَضْلَ، فَأَخْبَرَ الفَضْلُ: «أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى الجَمْرَةَ» (١). ١٢٥ - عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁، أَنَّهُ أهَلَّ حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْجَمْرَةِ، وَقال: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَهَلَّ حَتَّى انْتَهَى إِلَيْهَا» (٢). أما العمرة، فإن المعتمر يلبي إلى أن يبدأ في الطواف أخرج البخاري (١٥٧٣) بسنده إلى نَافِعٍ، قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ «إِذَا دَخَلَ أَدْنَى الحَرَمِ أَمْسَكَ عَنِ التَّلْبِيَةِ، ثُمَّ يَبِيتُ بِذِي طِوًى، ثُمَّ يُصَلِّي بِهِ الصُّبْحَ، وَيَغْتَسِلُ، وَيُحَدِّثُ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ». قال الحافظ: قَوْلُهُ: (كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ) يَحْتَمِلُ أَنَّ الْإِشَارَةَ بِهِ إِلَى الْفِعْلِ الْأَخِيرِ وَهُوَ الْغُسْلُ، وَهُوَ مَقْصُودُ التَّرْجَمَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهَا إِلَى الْجَمِيعِ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ. اهـ. قُلْتُ: مما يرجح أنَّ الإشارة في قوله: (يَفْعَلُه)، إلى غير التلبية، أنَّ البخاري أخرج الحديث بعده بلفظ: «بَاتَ بِذِي طِوًى، حَتَّى أَصْبَحَ، ثُمَّ دَخَلَ مَكَّةَ»، وكذا

стр. 318

لفظ مسلم، ومما يؤيد هذا القول ما قال الإمام أحمد ﵀ رقم: (٦٦٨٥): حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: «اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَ عُمَرٍ، كُلُّ ذَلِكَ يُلَبِّي حَتَّى يَسْتَلِمَ الْحَجَرَ»، هذا حديث ضعيف، فيه حَجَّاج بن أرطأة. وله شاهد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عند أبي داود (١٨١٧)، والترمذي (٩١٩)، والبيهقي في «الكبرى» (٥/ ١٠٥)، من طريق ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يُلَبِّي الْمُعْتَمِرُ حَتَّى يَسْتَلِمَ الْحَجَرَ». قال البيهقي: وَلَكِنَّا هِبْنَا رِوَايَتَهُ الْأُولَى لِأَنَّا وَجَدْنَا حُفَّاظَ الْمَكِّيِّينَ يَقِفُونَهُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، قال البيهقي: وَرَفْعُهُ خَطَأٌ. اهـ. قُلْتُ: هذا الموقوف مع ما قبله حسن، والعمل عليه عند جمهور العلماء. قال الترمذي: وَالعَمَلُ عَلَى هذا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ العِلْمِ. اهـ. وقال ابن المنذر في «الإشراف» (٣/ ٣٧٨): قالت طائفة: يقطع التلبية إذا افتتح الطواف، وهو قول أكثر أهل العلم. قال: وقد روينا عن النبي ﷺ أنه كان يلبيّ في العمرة حتى يستلم الحجر، وفي الحج حتى يرمي الجمرة، وبه نقول. اهـ. وقال البغوي ﵀ في «شرح السنة» (٧/ ١٨٦): قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُلَبِّي الْمُعْتَمِرُ حَتَّى يَفْتَتِحَ الطَّوَافَ مُسْتَلِمًا وَغَيْرُ مُسْتَلِمٍ. اهـ.

стр. 319

[٤٦]- رفع الصوت بالتلبية سنة الأنبياء ١٢٦ - قال الإمام مسلم ﵀ (١٦٦)، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرَّ بِوَادِي الْأَزْرَقِ، فَقَالَ: «أَيُّ وَادٍ هَذَا؟» فَقَالُوا: هَذَا وَادِي الْأَزْرَقِ، قَالَ: «كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مُوسَى هَابِطًا مِنَ الثَّنِيَّةِ، وَلَهُ جُؤَارٌ إِلَى اللهِ بِالتَّلْبِيَةِ»، ثُمَّ أَتَى عَلَى ثَنِيَّةِ هَرْشَى، فَقَالَ: «أَيُّ ثَنِيَّةٍ هَذِهِ؟» قَالُوا: ثَنِيَّةُ هَرْشَى، قَالَ: «كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى يُونُسَ بْنِ مَتَّى ﵇ عَلَى نَاقَةٍ حَمْرَاءَ جَعْدَةٍ عَلَيْهِ جُبَّةٌ مِنْ صُوفٍ، خِطَامُ نَاقَتِهِ خُلْبَةٌ وَهُوَ يُلَبِّي». قال النووي في شرحه على هذا الحديث: قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ﵀: أَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ فِي وَصْفِهِمْ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ ﷺ رَأَى ذَلِكَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ، وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ مُبَيَّنًا فى رواية أبي العالية عن بن عباس، وفى رواية بن الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَيْسَ فِيهَا ذِكْرُ التَّلْبِيَةِ. قَالَ: فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يَحُجُّونَ وَيُلَبُّونَ وَهُمْ أَمْوَاتٌ وَهُمْ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ وَلَيْسَتْ دَارَ عَمَلٍ؟ فَاعْلَمْ أَنَّ لِلْمَشَايِخِ وَفِيمَا ظَهَرَ لَنَا عَنْ هَذَا أَجْوِبَةً:

стр. 320

• أَحَدُهَا: أَنَّهُمْ كَالشُّهَدَاءِ بَلْ هُمْ أَفْضَلُ مِنْهُمْ، وَالشُّهَدَاءُ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَحُجُّوا وَيُصَلُّوا كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ، وَأَنْ يَتَقَرَّبُوا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِمَا اسْتَطَاعُوا؛ لِأَنَّهُمْ وَإِنْ كَانُوا قَدْ تُوُفُّوا فَهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا الَّتِي هِيَ دَارُ الْعَمَلِ حَتَّى إِذَا فَنِيَتْ مُدَّتُهَا وَتَعَقَّبَتْهَا الْآخِرَةُ الَّتِي هِيَ دَارُ الْجَزَاءِ انْقَطَعَ الْعَمَلُ. • الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ عَمَلَ الْآخِرَةِ ذِكْرٌ وَدُعَاءٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾ [يونس: ١٠]. • الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ هَذِهِ رُؤْيَةُ مَنَامٍ فِي غَيْرِ لَيْلَةِ الْإِسْرَاءِ أَوْ فِي بَعْضِ ليلة الاسراء كما قال فى رواية بن عُمَرَ ﵄ «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رأيتنى أطوف بالكعبة»، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي قِصَّةِ عِيسَى ﷺ . • الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّهُ ﷺ أُرِيَ أَحْوَالَهُمُ الَّتِي كَانَتْ فِي حَيَاتِهِمْ وَمَثَلُوا لَهُ فِي حَالِ حَيَاتِهِمْ كَيْفَ كَانُوا؟ وَكَيْفَ حَجُّهُمْ وَتَلْبِيَتُهُمْ؟ كَمَا قَالَ ﷺ : «كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مُوسَى وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى عِيسَى وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى يُونُسَ ﵈». • الْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ أَخْبَرَ عَمَّا أُوحِيَ إِلَيْهِ ﷺ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَا كَانَ مِنْهُمْ وَإِنْ لَمْ يَرَهُمْ رُؤْيَةَ عَيْنٍ هَذَا آخِرُ كَلَامِ الْقَاضِي عِيَاضٍ ﵀، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قُلْتُ: هذا الوجه الخامس هو الصواب. قَوْلُهُ ﷺ : (لَهُ جُؤَارٌ): بِضَمِّ الْجِيمِ وَبِالْهَمْزِ، وَهُوَ رَفْعُ الصَّوْتِ. قَوْلُهُ (ثَنِيَّةَ هَرْشَى): هِيَ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ وَبِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ مَقْصُورَةُ الْأَلِفِ وَهُوَ جَبَلٌ عَلَى طَرِيقِ الشَّامِ وَالْمَدِينَةِ قَرِيبٌ مِنَ الْجُحْفَةِ. اهـ.

стр. 321

١٢٧ - عَنِ السَّائِبِ بْنِ خَلَّادِ الْأَنْصَارِيِّ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَتَانِي جِبْرِيلُ ﷺ فَأَمَرَنِي أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي وَمَنْ مَعِي أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالْإِهْلَالِ - أَوْ قَالَ: - بِالتَّلْبِيَةِ» يُرِيدُ أَحَدَهُمَا (١). ١٢٨ - عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ، أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «الْعَجُّ، وَالثَّجُّ» (٢).

стр. 322

الشَّرحُ: رفع الصوت بالتلبية خاص بالرجال عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: لَا تَرْفَعُ الْمَرْأَةُ صَوْتَهَا بِالتَّلْبِيَةِ، أخرجه الدارقطني (٢/ ٢٩٥)، والبيهقي في «الكبرى» (٥/ ٤٦)، من طريق أَبِي دَاوُدَ الْحَفَرِيِّ عُمَرَ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَيدٍ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ به، وهذا سند صحيح، وعليه الإجماع. قال ابن عبد البر في «التمهيد» (١١/ ٨٤): وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ السُّنَّةَ فِي الْمَرْأَةِ أَنْ لَا تَرْفَعَ صَوْتَهَا، وَإِنَّمَا عَلَيْهَا أَنْ تُسْمِعَ نَفْسَهَا، فَخَرَجَتْ مِنْ جُمْلَةِ ظَاهِرِ الْحَدِيثِ، وَخُصَّتْ بِذَلِكَ، وَبَقِيَ الْحَدِيثُ فِي الرِّجَالِ. اهـ. قُلْتُ: هذه السنة لهنَّ، فقد استدل البيهقي في «الكبرى» (٥/ ٤٦)، تحت بَابِ الْمَرْأَةِ لَا تَرْفَعُ صَوْتَهَا بِالتَّلْبِيَةِ، لحديث: «إنَّما التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ، وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ»، أي: أنَّه لا يشرع لها إذا صلت خلف الرجال وسهى الإمام أن تسبح، بل تصفق، استدل ابن عبد البر بهذا الحديث، وأيضًا لم يُعلم بجهر أي إمرأة بالتلبية مع النَّبِيِّ ﷺ في حجة الوداع. والعلة في عدم رفع صوتها بالتلبية، عدم الفتن بصوتها، فإذا كانت المرأة بين النساء ولا يسمع الرجال صوتها، فلها أن تذكر الله سرًّا وجهرًا، والتلبية من

стр. 323

ذكر الله، وقد سبحت عَائِشَةُ ﵂ لما سألتها أسماء ﵂ في صلاة الكسوف، قَالَتْ: آيَةٌ؟ فَقَالَتْ عَائِشَةَ ﵂: سُبْحَانَ اللَّهِ، فدلَّ على منع المرأة من التسبيح عند الرجال، أما عند النساء فلها ذلك، ومثله هنا، والله أعلم، وتركها الرفع مطلقًا أولى. قال النووي في «شرح مسلم» (١٢٨١): قَوْلُهُ: (لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى بَلَغَ الْجَمْرَةَ) دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَسْتَدِيمُ التَّلْبِيَةَ حَتَّى يَشْرَعَ فِي رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ غَدَاةَ يَوْمِ النَّحْرِ، وَهَذَا مَذْهَبُ … جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَفُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ، وَجُمْهُورِ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ: أَنَّهُ يُلَبِّي حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ يَوْمَ عَرَفَةَ وَلَا يُلَبِّي بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْوُقُوفِ وَقَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَبَعْضُ السَّلَفِ يُلَبِّي حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ. وَدَلِيلُ الْجُمْهُورِ هَذَا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ مَعَ الْأَحَادِيثِ بَعْدَهُ وَلَا حُجَّةَ لِلْآخَرِينَ فِي مُخَالَفَتِهَا فَيَتَعَيَّنُ اتِّبَاعَ السُّنَّةِ. وَأَمَّا قوله في الرواية الأخرى: (لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ): فَقَدْ يَحْتَجُّ بِهِ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ لِمَذْهَبِهِمَا، وَيُجِيبُ الْجُمْهُورُ عَنْهُ بِأَنَّ الْمُرَادَ حَتَّى شَرَعَ فِي الرَّمْيِ لِيُجْمَعَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ. اهـ. قُلْتُ: وقول الجمهور هذا هو الصواب بأدلته المذكورة. وعلى هذا فالتلبية بعد رمي جمرة العقبة يوم النحر محدثة؛ لخروج وقتها.

стр. 324

قال النووي في «شرح المهذب» (٧/ ٢٤٥): وَلَا يُلَبِّي فِي طَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَالْوَدَاعِ بِلَا خِلَافٍ لِخُرُوجِ وَقْتِ التَّلْبِيَةِ. اهـ. قُلْتُ: ومفاد عموم الحديث المذكور هنا: أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «الْعَجُّ، وَالثَّجُّ»، أنَّ من عجَّ بالتلبية بأي لغة سواء بالعربية أو غيرها، أنَّه أتى بالمشروع. قُلْنَا: وهذا عند العجز عن التلفظ بها كما ورد بها الحديث عربية، لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، ولحديث: «حَوْلَهَا نُدَنْدِنُ»، أما من استطاع التلفظ بها عربية كما في الحديث، فلا يشرع له التلبية بغير العربية، فحديث: «الْعَجُّ»، مبين بغيره مما في الباب من ذكر ألفاظ ذلك العج بالعربية. ولا يثبت ذكر أو دعاء عند الفراغ من التلبية، أما حديث خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا فَرَغَ مِنْ تَلْبِيَةٍ سَأَلَ اللَّهَ رِضْوَانَهُ وَالْجَنَّةَ، وَاسْتَعَاذَ بِرَحْمَتِهِ مِنَ النَّارِ»، فهو حديث ضعيف، أخرجه البيهقي (٥/ ٤٦)، والدارقطني، وفيه: صَالِحُ بْنُ مُحَمَّدِ الليثيُّ: منكر الحديث، كما في ترجمته من «الميزان» للذهبي.

стр. 325

[٤٧]- لا ينكر على من خلط التلبية بالتكبير ١٢٩ - عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، أَنَّهُ سُئلَ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ فِي هَذَا اليَوْمِ، مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقَالَ: «كَانَ يُهِلُّ مِنَّا المُهِلُّ فَلَا يُنْكِرُ عَلَيْهِ، وَيُكَبِّرُ مِنَّا المُكَبِّرُ فَلَا يُنْكِرُ عَلَيْهِ» (١). ١٣٠ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄، قَالَ: أَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ التَّلْبِيَةَ مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «وَالنَّاسُ يَزِيدُونَ ذَا الْمَعَارِجِ» وَنَحْوَهُ مِنَ الْكَلَامِ وَالنَّبِيُّ ﷺ يَسْمَعُ فَلَا يَقُولُ لَهُمْ شَيْئًا (٢). الشَّرحُ: قال النووي في «شرح مسلم» (١٢٨٥): فِيهِ: دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِهِمَا فِي الذَّهَابِ مِنْ مِنًى إِلَى عَرَفَاتٍ يَوْمَ عَرَفَةَ وَالتَّلْبِيَةُ أَفْضَلُ. اهـ.

стр. 326

معنى: (لَبَّيْكَ): قال الحافظ ﵀ في «الفتح»: وَعَنِ الْفَرَّاءِ أنَّه مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ وَأَصْلُهُ: (لَبًّا لَكَ)، فَثُنِّيَ عَلَى التَّأْكِيدِ أَيِ: (إِلْبَابًا بَعْدَ إِلْبَابٍ) وَهَذِهِ التَّثْنِيَةُ لَيْسَتْ حَقِيقِيَّةً، بَلْ هِيَ لِلتَّكْثِيرِ أَوِ الْمُبَالَغَةِ وَمَعْنَاهُ: (إِجَابَةً بَعْدَ إِجَابَة أَوْ إِجَابَة لَازِمَة)، - ثم ذكر الأقوال الأخرى؛ وقال: - وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ وَأَشْهَرُ لِأَنَّ الْمُحْرِمَ مُسْتَجِيبٌ لِدُعَاءِ اللَّهِ إِيَّاهُ فِي حَجِّ بَيْتِهِ. اهـ. سببها قال ابن عبد البر ﵀ في «التمهيد» (٨/ ٨٧): وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: إِنَّ مَعْنَى التَّلْبِيَةِ: إِجَابَةُ إِبْرَاهِيمَ ﵇ حِينَ أَذَّنَ بِالْحَجِّ فِي النَّاسِ. ذَكَرَ سُنَيْدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ قَابُوسِ بْنِ أَبِي ظَبْيَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: (لَمَّا فَرَغَ إِبْرَاهِيمُ مِنْ بِنَاءِ الْبَيْتِ قِيلَ لَهُ أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ قَالَ رَبِّ وَمَا يَبْلُغُ صَوْتِي قَالَ أَذِّنْ وَعَلَيَّ الْبَلَاغُ فَنَادَى إِبْرَاهِيمُ أَيُّهَا النَّاسُ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْحَجُّ إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ قَالَ فَسَمِعَهُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَفَلَا تَرَوْنَ النَّاسَ يُجِيبُونَ مِنْ أَقْطَارِ الْبِلَادِ يُلَبُّونَ). اهـ. قُلْتُ: وهذا إسناد ضعيف؛ لضعف قابوس بن أبي ظبيان، واحتمال أن يكون إسرائيليًّا؛ لأنه غير مرفوع.

стр. 327

وتابع قابوسًا عطاء بن السائب وعنه ابن غزوان، وهو ممن روى عن عطاء بعد الاختلاط، وتابعه أيضًا أبو عاصم الغنوي، وهو ثقة؛ فالأثر صحيح. ومن طريق سُفْيَانَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ من قوله، صحيح من طرق. وقال ابن عبد البر أيضًا: قَالَ: وَحَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج: ٢٧]، قَالَ: قَامَ إِبْرَاهِيمُ عَلَى مَقَامِهِ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَجِيبُوا رَبَّكُمْ فَقَالُوا: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، فَمَنْ حَجَّ الْيَوْمَ فَهُوَ مِمَّنْ أَجَابَ إِبْرَاهِيمَ يَوْمَئِذٍ. قُلْتُ: وهذا إسناد ضعيف؛ فقد سئل ابن معين: سمع ابن جريج من مجاهد؟ قال: حرفًا أو حرفين في القراءة، لم يسمع غير ذلك، وكذلك قال البرديجي وغيره. اهـ من «تحفة التحصيل». وله متابعات في «تفسير ابن جرير» عند الآية يثبت الأثر بها إلى مجاهد. ولهذا قال الحافظ في «الفتح» (٣/ ٤٠٩) - بعد أن نقل قول ابن عبد البر -: وَهَذَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حَاتِم، بأسانيدهم فِي «تفاسيرهم» عَنْ ابن عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَعَطَاءٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَقَتَادَةَ، وَغَيْرِ وَاحِدٍ، وَالْأَسَانِيدُ إِلَيْهِمْ قَوِيَّةٌ، وَأَقْوَى مَا فِيهِ عَنِ ابن عَبَّاسٍ. اهـ. وصححه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في «شرح العمدة» (٤/ ٤١٠).

стр. 328

فضلها قال الإمام الترمذي ﵀ (٨٢٨): حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُلَبِّي إِلَّا لَبَّى مَنْ عَنْ يَمِينِهِ، أَوْ عَنْ شِمَالِهِ مِنْ حَجَرٍ، أَوْ شَجَرٍ، أَوْ مَدَرٍ، حَتَّى تَنْقَطِعَ الأَرْضُ مِنْ هَاهُنَا وَهَاهُنَا». حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّعْفَرَانِيُّ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأَسْوَدِ أَبُو عَمْرٍو البَصْرِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبِيدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ، وهذا حديث صحيح؛ بمتابعة عَبِيدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ لإِسْمَاعِيلَ. وعَبِيدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ: ثقة.

стр. 329

[٤٨]- من أين يدخل مكة؟ ومن أين يخرج إن تيسر ذلك؟ ١٣١ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ مِنْ كَدَاءٍ مِنَ الثَّنِيَّةِ العُلْيَا الَّتِي بِالْبَطْحَاءِ، وَخَرَجَ مِنَ الثَّنِيَّةِ السُّفْلَى» (١). ١٣٢ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا جَاءَ إِلَى مَكَّةَ دَخَلَ مِنْ أَعْلَاهَا، وَخَرَجَ مِنْ أَسْفَلِهَا» (٢). ١٣٣ - وأخرج البخاري (٣)، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَامَ الفَتْحِ مِنْ كَدَاءٍ، وَخَرَجَ مِنْ كُدًا مِنْ أَعْلَى مَكَّةَ». قال الحافظ ابن حجر في «الفتح»: لِأَنَّ عروة رَأَى أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِحَتْمٍ لَازِمٍ وَكَانَ رُبَّمَا فَعَلَهُ وَكَثِيرًا مَا يَفْعَلُ غَيْرَهُ بِقَصْدِ التَّيْسِيرِ. اهـ.

стр. 330

[٤٩]- صلاة ركعتي الطواف لكل سبعة أشواط في أي وقت من ليل أو نهار ١٣٤ - عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ﵁، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: «لَا تَمْنَعُوا أَحَدًا يَطُوفُ بِهَذَا الْبَيْتِ وَيُصَلِّي أَيَّ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ»، قَالَ الْفَضْلُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: «يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، لَا تَمْنَعُوا أَحَدًا» (١). قال الصنعاني ﵀ في «سبل السلام» (١/ ١٧٠): فَالْجُمْهُورُ عَمِلُوا بِأَحَادِيثِ النَّهْيِ تَرْجِيحًا لِجَانِبِ الْكَرَاهَةِ؛ وَلِأَنَّ أَحَادِيثَ النَّهْيِ ثَابِتَةٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا، وَهِيَ أَرْجَحُ مِنْ غَيْرِهَا.

стр. 331

وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ إلَى الْعَمَلِ بِهَذَا الْحَدِيثِ، قَالُوا: لِأَنَّ أَحَادِيثَ النَّهْيِ قَدْ دَخَلَهَا التَّخْصِيصُ بِالْفَائِتَةِ، وَالنَّوْمِ عَنْهَا، وَالنَّافِلَةِ الَّتِي تُقْضَى، فَضَعَّفُوا جَانِبَ عُمُومِهَا، فَتُخَصَّصُ أَيْضًا بِهَذَا الْحَدِيثِ. وَلَا تُكْرَهُ النَّافِلَةُ بِمَكَّةَ فِي أَيِّ سَاعَةٍ مِنْ السَّاعَاتِ، وَلَيْسَ هَذَا خَاصًّا بِرَكْعَتَيْ الطَّوَافِ. اهـ. قُلْتُ: والقول بتخصيص ركعتي الطواف كونها من ذوات الأسباب هو الصواب، كما يدل عليه إنكار عائشة ﵂ في الحديث الآتي بعد هذا. وبعدم تعميم الرخصة في كل النوافل في الحرم قال الشوكاني في «النيل» كتاب الصلاة رقم: (٩٩٤)، وآخرون.

стр. 332

١٣٥ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ نَاسًا طَافُوا بِالْبَيْتِ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، ثُمَّ قَعَدُوا إِلَى المُذَكِّرِ، حَتَّى إِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ قَامُوا يُصَلُّونَ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: قَعَدُوا، حَتَّى إِذَا كَانَتِ السَّاعَةُ الَّتِي تُكْرَهُ فِيهَا الصَّلَاةُ، قَامُوا يُصَلُّونَ (١). قال النووي في «شرح مسلم» (١٢١٨): أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِكُلِّ طَائِفٍ إِذَا فَرَغَ مِنْ طَوَافِهِ أَنْ يُصَلِّيَ خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ وَاخْتَلَفُوا هَلْ هُمَا واجبتان أم سنتان، أم واجبة في الطواف الواجب، وسنة في المستحب، ونقل بعده عن الجمهور أنَّها سنة. اهـ.

стр. 333

١٣٦ - عن عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، قَالَ: رَأَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ يَطُوفُ بَعْدَ الفَجْرِ وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ (١). وبوب البخاري (٦٩) من الحج، بَابٌ: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ لِسُبُوعِهِ رَكْعَتَيْنِ، وَقَالَ نَافِعٌ، كَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يُصَلِّي لِكُلِّ سُبُوعٍ رَكْعَتَيْنِ، وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ: قُلْتُ لِلزُّهْرِيِّ: إِنَّ عَطَاءً يَقُولُ: تُجْزِئُهُ المَكْتُوبَةُ مِنْ رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ؟ فَقَالَ: السُّنَّةُ أَفْضَلُ، لَمْ يَطُفِ النَّبِيُّ ﷺ سُبُوعًا قَطُّ إِلَّا صَلَّى رَكْعَتَيْنِ. قُلْتُ: والأصح أنَّه لا يجزئ عنهما ركعتا الصبح الفريضة، أو الرباعية عن سبوعين، بل يصلي ركعتي الطواف بعد المكتوبة؛ لأنها سنة لم تجزئ عنها الفريضة، كركعتي الفجر السنة لم تجزئ عنها فريضة الفجر، انظر «المغني» لابن قدامة (٦/ ٢٤٨). بوب البخاري في الحَجِّ باب (٧١)، مَنْ صَلَّى رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ خَارِجًا مِنَ المَسْجِدِ، وساق عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أنها طَافَتْ بِالْبَيْتِ ولَمْ تُصَلِّ حَتَّى خَرَجَتْ. قال الحافظ ابن حجر: هَذِهِ التَّرْجَمَةُ مَعْقُودَةٌ لِبَيَانِ إِجْزَاءِ صَلَاةِ رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ أَرَادَ الطَّائِفُ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ خَلْفَ الْمَقَامَ أَفْضَلَ وَهُوَ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ. اهـ.

стр. 334

[٥٠]- الكلام في الطواف، ومن قال: بوجوب الطهارة له ١٣٧ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ وَهُوَ يَطُوفُ بِالكَعْبَةِ بِإِنْسَانٍ رَبَطَ يَدَهُ إِلَى إِنْسَانٍ بِسَيْرٍ - أَوْ بِخَيْطٍ أَوْ بِشَيْءٍ غَيْرِ ذَلِكَ -، فَقَطَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: «قُدْهُ بِيَدِهِ» (١). هذا الحديث بوب عليه البخاري ﵀ رقم (١٦٢٠)، في كِتَابِ الْحَجِّ، بَاب: الْكَلَامِ فِي الطَّوَافِ. قال الحافظ ابن حجر في «الفتح»: أَيْ: إِبَاحَتِهِ. قَالَ بن بَطَّالٍ: فِيهِ الْكَلَامُ فِي الْأُمُور الْوَاجِبَة والمستحبة والمباحة. قَالَ بن الْمُنْذِرِ: أَوْلَى مَا شَغَلَ الْمَرْءُ بِهِ نَفْسَهُ فِي الطَّوَافِ ذِكْرُ اللَّهِ، وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ، وَلَا يَحْرُمُ الْكَلَامُ الْمُبَاحُ إِلَّا أَنَّ الذِّكْرَ أَسْلَمُ. اهـ.

стр. 335

قُلْتُ: ودليل ذلك حديث عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّمَا جُعِلَ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَرَمْيُ الْجِمَارِ؛ لِإِقَامَةِ ذِكْرِ اللهِ تَعَالَى» (١).

стр. 336

١٣٨ - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ القُرَشِيِّ، أَنَّهُ سَأَلَ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ فَقَالَ: قَدْ حَجَّ النَّبِيُّ ﷺ ، فَأَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ ﵂: «أَنَّهُ أَوَّلُ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ، ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةً» (١). قال النووي في «شرحه على مسلم» تحت حديث (١٢٣٥): قَوْلُهُ: (أَوَّلُ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ): فِيهِ دَلِيلٌ لِإِثْبَاتِ الْوُضُوءِ لِلطَّوَافِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَهُ، ثُمَّ قَالَ ﷺ : «لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ». وَقَدْ أَجْمَعَتِ الْأَئِمَّةُ عَلَى أَنَّهُ يُشْرَعُ الْوُضُوءُ لِلطَّوَافِ؛ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ وَاجِبٌ وَشَرْطٌ لِصِحَّتِهِ أَمْ لَا؟ فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَالْجُمْهُورُ: هُوَ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الطَّوَافِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: مُسْتَحَبٌّ لَيْسَ بِشَرْطٍ. وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ: أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مَعَ حَدِيثِ «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» يَقْتَضِيَانِ أَنَّ الطَّوَافَ وَاجِبٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا فَعَلَهُ هُوَ دَاخِلٌ

стр. 337

فِي الْمَنَاسِكِ فَقَدْ أمرنا بأخذ المناسك. وفي حديث بن عَبَّاسٍ فِي التِّرْمِذِيِّ، وَغَيْرِهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ إِلَّا أَنَّ اللَّهَ أَبَاحَ فِيهِ الْكَلَامَ»؛ وَلَكِنَّ رَفْعَهُ ضَعِيفٌ، وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الْحُفَّاظِ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ على بن عَبَّاسٍ، وَتَحْصُلُ بِهِ الدَّلَالَةُ مَعَ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ؛ لِأَنَّهُ قَوْلٌ لِصَحَابِيٍّ انْتَشَرَ، وَإِذَا انْتَشَرَ قَوْلُ الصَّحَابِيِّ بِلَا مُخَالَفَةٍ كَانَ حُجَّةً عَلَى الصَّحِيحِ. اهـ.

стр. 338

١٣٩ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: قَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ، وَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، قَالَتْ: فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: «افْعَلِي كَمَا يَفْعَلُ الحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي» (١). ١٤٠ - عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الطَّوَافُ حَوْلَ البَيْتِ مِثْلُ الصَّلَاةِ، إِلَّا أَنَّكُمْ تَتَكَلَّمُونَ فِيهِ، فَمَنْ تَكَلَّمَ فِيهِ فَلَا يَتَكَلَّمَنَّ إِلَّا بِخَيْرٍ» (٢). ١٤١ - عَنْ طَاوُسٍ، عَنْ رَجُلٍ، أَدْرَكَ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ، فَأَقِلُّوا مِنَ الْكَلَامِ» (٣).

стр. 339

قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢٦/ ٢٢٠): وَلَيْسَ فِي الْمَنَاسِكِ مَا تَجِبُ لَهُ الطَّهَارَةُ إلَّا الطَّوَافَ فَإِنَّ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ تَجِبُ لَهُ الطَّهَارَةُ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، وَأَمَّا الطَّوَافُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَفِيهِ نِزَاعٌ وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لَا تَجِبُ لَهُ الطَّهَارَةُ وَمَا سِوَى ذَلِكَ لَا تَجِبُ لَهُ الطَّهَارَةُ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ. اهـ. قال ابن المنذر في «الإشراف» (٣/ ٣٦٣): ثبت أنَّ نَبِيَّ الله ﷺ قال لعائشة وقد حاضت وهي محرمة: «اقضي ما يقضي الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت»، مع قوله في قصة صفية: «أحابستنا هي»، ففي ذلك دليل على أنَّ الطواف بالبيت لا يجزئ إلا لطاهر، فمن طاف بالبيت جنبًا، أو على غير وضوء، أو كانت المرأة حائضًا، أو نفساء فهو بمعنى: (من لم يطف)، وهذا قول عامة أهل العلم. اهـ. قُلْتُ: إذا انضم إلى هذا الحديث أنَّ الطواف بالبيت صلاة إلى نهيه للمحدثة عن الطواف، كما في هذه الأحاديث مع فعله وأنه لم يطف إلا على طهارة، قوي بذلك قول جمهور العلماء على أنَّه يشترط للطواف الطهارة.

стр. 340

[٥١]- فضل استلام الحجر، وتقبيله أو الإشارة إليه في الطواف مع التكبير حال الإشارة ١٤٢ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَرْجِسَ، قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ يُقَبِّلُ الْحَجَرَ، وَيَقُولُ: وَاللَّهِ، إِنِّي لَأُقَبِّلُكَ، وَإِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ، وَأَنَّكَ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَبَّلَكَ مَا قَبَّلْتُكَ (١). ١٤٣ - عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ ﵁، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ يَقْدَمُ مَكَّةَ «إِذَا اسْتَلَمَ الرُّكْنَ الأَسْوَدَ، أَوَّلَ مَا يَطُوفُ: يَخُبُّ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ مِنَ السَّبْعِ» (٢).

стр. 341

١٤٤ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ طَافَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ عَلَى بَعِيرٍ، يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ» (١). ١٤٥ - عَنْ جَابِرٍ ﵁، قَالَ: «طَافَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْبَيْتِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ عَلَى رَاحِلَتِهِ يَسْتَلِمُ الْحَجَرَ بِمِحْجَنِهِ، لِأَنْ يَرَاهُ النَّاسُ وَلِيُشْرِفَ وَلِيَسْأَلُوهُ، فَإِنَّ النَّاسَ غَشُوهُ» (٢). ١٤٦ - عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ، قَالَ: «رَأَيْتُ عُمَرَ قَبَّلَ الْحَجَرَ وَالْتَزَمَهُ، وَقَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِكَ حَفِيًّا» (٣).

стр. 342

١٤٧ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «نَزَلَ الحَجَرُ الأَسْوَدُ مِنَ الجَنَّةِ، وَهُوَ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ فَسَوَّدَتْهُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ» (١). ١٤٨ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الحَجَرِ: «وَاللَّهِ لَيَبْعَثَنَّهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ لَهُ عَيْنَانِ يُبْصِرُ بِهِمَا، وَلِسَانٌ يَنْطِقُ بِهِ، يَشْهَدُ عَلَى مَنْ اسْتَلَمَهُ بِحَقٍّ» (٢). شرح بعض هذه الأحاديث: قال المباركفوري «تحفة الأحوذي»: قَوْلُهُ: (وَهُوَ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ)، جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ، «فَسَوَّدَتْهُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ»، قَالَ فِي «الْمِرْقَاةِ»: أَيْ: صَارَتْ ذُنُوبُ بَنِي آدَمَ الَّذِينَ يَمْسَحُونَ الْحَجَرَ سَبَبًا لِسَوَادِهِ وَالْأَظْهَرُ حَمْلُ الْحَدِيثِ عَلَى حَقِيقَتِهِ إِذْ

стр. 343

لَا مَانِعَ نَقْلًا وَلَا عَقْلًا. وَفِي الْحَدِيثِ: «إِذَا أَذْنَبَ الْعَبْدُ نُكِتَتْ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، فَإِذَا أَذْنَبَ نُكِتَتْ فِيهِ نُكْتَةٌ أُخْرَى»، وَهَكَذَا حَتَّى يسود قلبه جميعه وَيَصِيرَ مِمَّنْ قَالَ فِيهِمْ: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾ [المطففين: ١٤]، وَالْحَاصِلُ: أَنَّ الْحَجَرَ بِمَنْزِلَةِ الْمِرْآةِ الْبَيْضَاءِ فِي غَايَةٍ مِنَ الصَّفَاءِ وَيَتَغَيَّرُ بِمُلَاقَاةِ مَا لَا يُنَاسِبُهُ مِنَ الْأَشْيَاءِ حَتَّى يَسْوَدَّ لَهَا جَمِيعُ الْأَجْزَاءِ، وَفِي الْجُمْلَةِ الصُّحْبَةُ لَهَا تَأْثِيرٌ بِإِجْمَاعِ العقلاء. انتهى كلام القارئ باختصار. قال الحافظ بن الحجر (٣/ ٤٦٣): وَاعْتَرَضَ بَعْضُ الْمُلْحِدِينَ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ، فَقَالَ: كَيْفَ سَوَّدَتْهُ خَطَايَا الْمُشْرِكِينَ، وَلَمْ تُبَيِّضْهُ طَاعَاتُ أهل التوحيد، وأجيب بما قال بن قُتَيْبَةَ: لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَكَانَ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا أَجْرَى اللَّهُ الْعَادَةَ بِأَنَّ السَّوَادَ يَصْبُغُ، وَلَا يَنْصَبِغُ عَلَى الْعَكْسِ مِنَ الْبَيَاضِ. وَقَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ: فِي بَقَائِهِ أَسْوَدَ عِبْرَةٌ لِمَنْ لَهُ بَصِيرَةٌ؛ فَإِنَّ الْخَطَايَا إِذَا أَثَّرَتْ فِي الْحَجَرِ الصَّلْدِ فَتَأْثِيرُهَا فِي الْقَلْبِ أَشَدُّ، قَالَ: وَرُوِيَ عن بن عَبَّاسٍ: إِنَّمَا غَيَّرَهُ بِالسَّوَادِ لِئَلَّا يَنْظُرَ أَهْلُ الدُّنْيَا إِلَى زِينَةِ الْجَنَّةِ، فَإِنْ ثَبَتَ فَهَذَا هو الجواب. قال الحافظ بن حَجَرٍ: أَخْرَجَهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي فَضَائِلِ مَكَّةَ بِإِسْنَادٍ ضعيف. اهـ. قال النووي في «شرح مسلم» (١٢٦٧): وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُمَا: الْيَمَانِيَانِ، لِلتَّغْلِيبِ كَمَا قِيلَ

стр. 344

فِي الْأَبِ وَالْأُمِّ: الْأَبَوَانِ، وَفِي الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ: الْقَمَرَانِ، وَفِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄: الْعُمَرَانِ، وَفِي الْمَاءِ وَالتَّمْرِ: الْأَسْوَدَانِ، وَنَظَائِرُهُ مَشْهُورَةٌ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: (يَمْسَحُ)، فَمُرَادُهُ يَسْتَلِمُ، وَسَبَقَ بَيَانُ الِاسْتِلَامِ. وَاعْلَمْ أَنَّ لِلْبَيْتِ أَرْبَعَةَ أَرْكَانٍ: الرُّكْنُ الْأَسْوَدُ، وَالرُّكْنُ الْيَمَانِيُ، وَيُقَالُ لَهُمَا: الْيَمَانِيَانِ، كَمَا سَبَقَ، وَأَمَّا الرُّكْنَانِ الْآخَرَانِ، فَيُقَالُ لَهُمَا: الشَّامِيَّانِ. فَالرُّكْنُ الْأَسْوَدُ فِيهِ، فَضِيلَتَانِ: • إِحْدَاهُمَا: كَوْنُهُ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ ﷺ . • وَالثَّانِيَةُ: كَوْنُهُ فِيهِ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ. وَأَمَّا الْيَمَانِيُ فَفِيهِ فَضِيلَةٌ وَاحِدَةٌ وَهِيَ كَوْنُهُ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ. وَأَمَّا الرُّكْنَانِ الْآخَرَانِ فَلَيْسَ فِيهِمَا شَيْءٌ مِنْ هَاتَيْنِ الْفَضِيلَتَيْنِ فَلِهَذَا خُصَّ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ بِشَيْئَيْنِ الِاسْتِلَامِ، وَالتَّقْبِيلِ لِلْفَضِيلَتَيْنِ، وَأَمَّا الْيَمَانِيُ فَيَسْتَلِمُهُ وَلَا يُقَبِّلُهُ لِأَنَّ فِيهِ فَضِيلَةً وَاحِدَةً، وَأَمَّا الرُّكْنَانِ الْآخَرَانِ فَلَا يُقَبَّلَانِ وَلَا يُسْتَلَمَانِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى اسْتِحْبَابِ اسْتِلَامِ الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ، وَاتَّفَقَ الْجَمَاهِيرُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَمْسَحُ الرُّكْنَيْنِ الْآخَرَيْنِ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: أَجْمَعَتْ أَئِمَّةُ الْأَمْصَارِ وَالْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُمَا لَا يُسْتَلَمَانِ قَالَ وَإِنَّمَا كَانَ فِيهِ خِلَافٌ لِبَعْضِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَانْقَرَضَ الْخِلَافُ وَأَجْمَعُوا عَلَى

стр. 345

أَنَّهُمَا لَا يُسْتَلَمَانِ. قَوْلُهُ: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ لَا يَسْتَلِمُ إِلَّا الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ، وَالرُّكْنَ الْيَمَانِيَ)، يَحْتَجُّ بِهِ الْجُمْهُورُ، فِي أَنَّهُ يَقْتَصِرُ بِالِاسْتِلَامِ فِي الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ عَلَيْهِ دُونَ الرُّكْنِ الَّذِي هُوَ فِيهِ. قوله: (رأيت بن عُمَرَ يَسْتَلِمُ الْحَجَرَ بِيَدِهِ ثُمَّ قَبَّلَ يَدَهُ وَقَالَ مَا تَرَكْتُهُ مُنْذُ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُهُ)، فِيهِ اسْتِحْبَابُ تَقْبِيلِ الْيَدِ بَعْدَ اسْتِلَامِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ إِذَا عَجَزَ عَنْ تَقْبِيلِ الْحَجَرِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ عَجَزَ عَنْ تَقْبِيلِ الْحَجَرِ وَإِلَّا فَالْقَادِرُ يُقَبِّلُ الْحَجَرَ وَلَا يَقْتَصِرُ فِي الْيَدِ عَلَى الِاسْتِلَامِ بِهَا، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنَ اسْتِحْبَابِ تَقْبِيلِ الْيَدِ بَعْدَ الِاسْتِلَامِ لِلْعَاجِزِ هُوَ مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ. قَوْلُهُ: (قَبَّلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ الْحَجَرَ ثُمَّ قَالَ: أَمْ وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّكَ حَجَرٌ وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ)، وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: (وَإِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ وَأَنَّكَ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ). ثم قال النووي: هَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ فَوَائِدُ: • مِنْهَا: اسْتِحْبَابُ تَقْبِيلِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فِي الطَّوَافِ بَعْدَ اسْتِلَامِهِ. • وَكَذَا يُسْتَحَبُّ السُّجُودُ عَلَى الْحَجَرِ أَيْضًا بِأَنْ يَضَعَ جَبْهَتَهُ عَلَيْهِ فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَلِمَهُ ثُمَّ يُقَبِّلَهُ ثُمَّ يَضَعَ جَبْهَتَهُ عَلَيْهِ هَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ وَحَكَاهُ ابْنُ

стр. 346

الْمُنْذِرِ عن عمر بن الخطاب وبن عَبَّاسٍ وَطَاوُسٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ قَالَ: وَبِهِ أَقُولُ، قَالَ: وَقَدْ رُوِّينَا فِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَانْفَرَدَ مَالِكٌ عَنِ الْعُلَمَاءِ، فَقَالَ: السُّجُودُ عَلَيْهِ بِدْعَةٌ، وَاعْتَرَفَ الْقَاضِي عِيَاضٌ الْمَالِكِيُّ بِشُذُوذِ مَالِكٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَنِ الْعُلَمَاءِ. اهـ. وقال ابن المنذر في «الإشراف» (٢٧١): باب السجود على الحجر: قال أبو بكر: كان عمر بن الخطاب، وابن عباس، يسجدان على الحجر. وفعل ذلك طاووس، وبه قال الشافعي، وأحمد بن حنبل. وأنكر مالك من بين الناس ذلك وقال: بدعة. وبما روى عن عمر، وابن عباس نقول. قال أبو بكر: وقد روينا فيه عن النبي ﷺ حديثًا أنه فعل ذلك. اهـ. قُلْتُ: أما المرفوع عن عمر فلم يثبت؛ وإنما عن ابن عباس ﵄، وطاوس، أما المرفوع فأخرجه الطيالسي (٢٨)، وابن خزيمة (٢٧١٤)، وأبو يعلى (٢١٩)، والحاكم (١/ ٤٤٥). ومدار الكلام على ما ذكر الإمام العقيلي في «الضعفاء» (٢٣٠) في ترجمة جَعْفَرِ

стр. 347

بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قال: جَعْفَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ الْحُمَيْدِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ قَبَّلَ الْحَجَرَ ثُمَّ سَجَدَ عَلَيْهِ». وَرَوَاهُ أَبُو عَاصِمٍ، وَأَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، عَنْ جَعْفَرٍ، فَقَالَا: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ، مَرْفُوعًا. وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ: أَنَّهُ رَأَى ابْنَ عَبَّاسٍ قَبَّلَ الْحَجَرَ وَسَجَدَ عَلَيْهِ، حَدِيثُ ابْنِ جُرَيْجٍ أَوْلَى. اهـ. قُلْتُ: وهذا سند إلى ابن عباس صحيح، موقوفًا عليه؛ ولهذا قال العقيلي: أنه أولى، ونقل الذهبي ﵀ في «ميزان الاعتدال» كلام العقيلي في ترجمة جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ الْحُمَيْدِيِّ هذا، ولم يزد عليه. قُلْتُ: وثبت السجود على الحجر عن طاوس بن كيسان عند ابن أبي شيبة في «المصنف» (١٤٩٧٩)، قال: حَدَّثنا وَكِيعٌ، عَنْ حَنْظَلَةَ، قَالَ: رَأَيْتُ طَاوُوسًا فَعَلَهُ، يَعْنِي: سَجَدَ عَلَيهِ. اهـ. وهذا سند صحيح. فلا يثبت عن النَّبِيِّ ﷺ كما ترى، ولا عن عمر ﵁ عند الطيالسي، وعنه في «مسند أبي يعلى» رقم (٢١٩)، فإنه من طريق مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، ولم يدرك عمر.

стр. 348

ونقل ابن تيمية في «شرح العمدة» (٥/ ١٥٩)، أنَّه ذكر للإمام أحمد حديث السجود على الحجر فحسنه، واستشهد به شيخ الإسلام بحديث: أنَّ عُمَرَ قَبَّلَ الْحَجَرَ وَالْتَزَمَهُ، وَقَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِكَ حَفِيًّا»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١٢٧١). اهـ. قُلْتُ: ولا دلالة فيه على أنَّ النَّبِيَّ ﷺ سجد عليه. والحاصل: أنه لا يثبت عن النَّبِيِّ ﷺ السجود على الحجر الأسود، ولا عن أحد من الصحابة حسب ما مرَّ بنا في بحث هذه المسألة غير ابن عباس، وهذا اجتهاد منه ﵁. وقول العلامة الألباني ﵀ في «إرواء الغليل» (٣١٢): (فيبدو من مجموع ما سبق أنَّ السجود على الحجر ثابت مرفوعًا وموقوفًا)، فيه نظر، وخير الهدي هدي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، والسجود عبادة لحديث: «أَنَّكَ لَنْ تَسْجُدَ لِلَّهِ سَجْدَةً إِلَّا رَفَعَ اللهُ لَكَ بِهَا دَرَجَةً، وَحَطَّ عَنْكَ بِهَا خَطِيئَةً»، والعبادة توقيفية. قال النووي: وَأَمَّا الرُّكْنُ الْيَمَانِيُ فَيَسْتَلِمُهُ وَلَا يُقَبِّلُهُ، وَأَمَّا قَوْلُ عُمَرَ ﵁: لَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّكَ حَجَرٌ، وَإِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّكَ حجر وأنت لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، فَأَرَادَ بِهِ بَيَانَ الْحَثِّ عَلَى الِاقْتِدَاءِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي تَقْبِيلِهِ وَنَبَّهَ عَلَى أَنَّهُ أولا الِاقْتِدَاءُ بِهِ لَمَا فَعَلَهُ، وَإِنَّمَا قَالَ: وَإِنَّكَ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ لِئَلَّا يَغْتَرَّ بَعْضُ قربى الْعَهْدِ بِالْإِسْلَامِ الَّذِينَ كَانُوا أَلِفُوا عِبَادَةَ الْأَحْجَارِ وتعظيمًا ورجاء نفعها وخوف الضر بِالتَّقْصِيرِ فِي

стр. 349

تَعْظِيمِهَا وَكَانَ الْعَهْدُ قَرِيبًا بِذَلِكَ فَخَافَ عُمَرُ ﵁ أَنْ يَرَاهُ بَعْضُهُمْ يُقَبِّلُهُ وَيَعْتَنِي بِهِ فَيَشْتَبِهَ عَلَيْهِ فَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ بِذَاتِهِ، وَإِنْ كَانَ امْتِثَالُ مَا شَرَعَ فِيهِ يَنْفَعُ بِالْجَزَاءِ وَالثَّوَابِ. فَمَعْنَاهُ: أَنَّهُ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى نَفْعٍ وَلَا ضَرٍّ وَأَنَّهُ حَجَرٌ مَخْلُوقٌ كَبَاقِي الْمَخْلُوقَاتِ الَّتِي لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ وَأَشَاعَ عُمَرُ هَذَا فِي الْمَوْسِمِ لِيُشْهَدَ فِي الْبُلْدَانِ ويحفظه عنه أهل الموسم المختلفوا الْأَوْطَانِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. اهـ.

стр. 350

[٥٢]- فضل استلام الركنين ومسحهما حال الطواف وحكم المزاحمة في ذلك ١٤٩ - عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لَا يَدَعُ أَنْ يَسْتَلِمَ الْحَجَرَ، وَالرُّكْنَ الْيَمَانِي فِي كُلِّ طَوَافٍ (١).

стр. 351

١٥٠ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَا أَرَاكَ تَسْتَلِمُ إِلَّا هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ؟ قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ مَسْحَهُمَا: يَحُطَّانِ الْخَطِيئَةَ». وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «مَنْ طَافَ سَبْعًا، فَهُوَ كَعِدْلِ رَقَبَةٍ» (١).

стр. 352

[٥٣]- من كان يرى شرعية شدة المزاحمة لاستلام الركنين ١٥١ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: مَا تَرَكْتُ اسْتِلَامَ هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَ، وَالْحَجَرَ، مُذْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَسْتَلِمُهُمَا، فِي شِدَّةٍ وَلَا رَخَاءٍ (١). ١٥٢ - أخرج البخاري ﵀ (٢): عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَرَبِيٍّ، قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ ابْنَ عُمَرَ ﵄ عَنِ اسْتِلَامِ الْحَجَرِ، فَقَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَسْتَلِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ»، قَالَ: قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إِنْ زُحِمْتُ، أَرَأَيْتَ إِنْ غُلِبْتُ؟ قَالَ: اجْعَلْ أَرَأَيْتَ بِالْيَمَنِ، «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَسْتَلِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ».

стр. 353

١٥٣ - وأخرج الفاكهي في «أخبار مكة» (١/ ١٢٨)، والأزرقي في «أخبار مكة» (١/ ٣٣٣): من طريق سُفْيَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي حُرَّةَ الْجَزَرِيُّ، قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، نُزَاحِمُ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ عَلَى الرُّكْنِ حَتَّى يَسْتَلِمَهُ. قَالَ سُفْيَانُ: وَقَالَ غَيْرُ إِبْرَاهِيمَ: كَانَ سَالِمٌ لَوْ زَاحَمَ الْإِبِلَ لَزَحَمَهَا. وانظر بقية الآثار في «مصنف عبد الرزاق» (٥/ ٣٤) وما بعدها، و «مصنف ابن أبي شيبة» (٨/ ١٣٥)، وما بعدها.

стр. 354

[٥٤]- من كان يكره شدة المزاحمة على الركنين ١٥٤ - أخرج الإمام أحمد ﵀ في «مسنده» (١٩٠)، قال: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ الْعَبْدِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ شَيْخًا بِمَكَّةَ فِي إِمَارَةِ الْحَجَّاجِ يُحَدِّثُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ: «يَا عُمَرُ، إِنَّكَ رَجُلٌ قَوِيٌّ، لَا تُزَاحِمْ عَلَى الْحَجَرِ فَتُؤْذِيَ الضَّعِيفَ، إِنْ وَجَدْتَ خَلْوَةً فَاسْتَلِمْهُ، وَإِلَّا (فَاسْتَقْبِلْهُ فَهَلِّلْ وَكَبِّرْ) (١)». وخرجه ابن كثير ﵀ في «مسند الفاروق» (١/ ٤٩٨)، من «مسند أحمد»، وقال: إسناده جيد، لكن راويه عن عمرَ مبهم لم يسمَّ، فالله أَعلم به. والغالب أنَّه ثقة جليل، فقد رواه الإمام الشافعي، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ

стр. 355

أَبِي يَعْفُورٍ العَبدي - واسمه: وَقْدان -، قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا، مِنْ خُزَاعَةَ حِينَ قُتِلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ بِمَكَّةَ - وَكَانَ أَمِيرًا عَلَى مَكَّةَ - يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعُمَرَ ﵁: «يَا أَبَا حَفْصٍ إِنَّكَ رَجُلٌ قَوِيٌّ فَلَا تُزَاحِمْ عَلَى الرُّكْنِ فَإِنَّكَ تُؤْذِي الضَّعِيفَ وَلَكِنْ إِنْ وَجَدْتَ خَلْوَةً فَاسْتَلِمْ وَإِلَّا فَكَبِّرْ وَامْضِ». قَالَ سُفْيَانُ: هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ نَافِعِ بْنِ عَبْدِ الْحَارِثِ كَانَ الْحَجَّاجُ اسْتَعْمَلَهُ عَلَيْهَا مُنْصَرَفَهُ مِنْهَا حِينَ قُتِلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ. قُلْتُ: وقد كان جليلًا نبيلًا، وكان أحدَ النَّفَر الذين نَدَبَهُم عثمانُ في كتابة المصحف الإمام. اهـ.
следующие страницы →