١٢٤ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَرْدَفَ الفَضْلَ، فَأَخْبَرَ الفَضْلُ: «أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى الجَمْرَةَ» (١).
١٢٥ - عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁، أَنَّهُ أهَلَّ حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْجَمْرَةِ، وَقال: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَهَلَّ حَتَّى انْتَهَى إِلَيْهَا» (٢).
أما العمرة، فإن المعتمر يلبي إلى أن يبدأ في الطواف
أخرج البخاري (١٥٧٣) بسنده إلى نَافِعٍ، قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ «إِذَا دَخَلَ أَدْنَى الحَرَمِ أَمْسَكَ عَنِ التَّلْبِيَةِ، ثُمَّ يَبِيتُ بِذِي طِوًى، ثُمَّ يُصَلِّي بِهِ الصُّبْحَ، وَيَغْتَسِلُ، وَيُحَدِّثُ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ».
قال الحافظ: قَوْلُهُ: (كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ) يَحْتَمِلُ أَنَّ الْإِشَارَةَ بِهِ إِلَى الْفِعْلِ الْأَخِيرِ وَهُوَ الْغُسْلُ، وَهُوَ مَقْصُودُ التَّرْجَمَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهَا إِلَى الْجَمِيعِ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ. اهـ.
قُلْتُ: مما يرجح أنَّ الإشارة في قوله: (يَفْعَلُه)، إلى غير التلبية، أنَّ البخاري أخرج الحديث بعده بلفظ: «بَاتَ بِذِي طِوًى، حَتَّى أَصْبَحَ، ثُمَّ دَخَلَ مَكَّةَ»، وكذا
стр. 318
لفظ مسلم، ومما يؤيد هذا القول ما قال الإمام أحمد ﵀ رقم: (٦٦٨٥): حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: «اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَ عُمَرٍ، كُلُّ ذَلِكَ يُلَبِّي حَتَّى يَسْتَلِمَ الْحَجَرَ»، هذا حديث ضعيف، فيه حَجَّاج بن أرطأة.
وله شاهد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عند أبي داود (١٨١٧)، والترمذي (٩١٩)، والبيهقي في «الكبرى» (٥/ ١٠٥)، من طريق ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يُلَبِّي الْمُعْتَمِرُ حَتَّى يَسْتَلِمَ الْحَجَرَ».
قال البيهقي: وَلَكِنَّا هِبْنَا رِوَايَتَهُ الْأُولَى لِأَنَّا وَجَدْنَا حُفَّاظَ الْمَكِّيِّينَ يَقِفُونَهُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، قال البيهقي: وَرَفْعُهُ خَطَأٌ. اهـ.
قُلْتُ: هذا الموقوف مع ما قبله حسن، والعمل عليه عند جمهور العلماء.
قال الترمذي: وَالعَمَلُ عَلَى هذا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ العِلْمِ. اهـ.
وقال ابن المنذر في «الإشراف» (٣/ ٣٧٨): قالت طائفة: يقطع التلبية إذا افتتح الطواف، وهو قول أكثر أهل العلم. قال: وقد روينا عن النبي ﷺ أنه كان يلبيّ في العمرة حتى يستلم الحجر، وفي الحج حتى يرمي الجمرة، وبه نقول. اهـ.
وقال البغوي ﵀ في «شرح السنة» (٧/ ١٨٦): قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُلَبِّي الْمُعْتَمِرُ حَتَّى يَفْتَتِحَ الطَّوَافَ مُسْتَلِمًا وَغَيْرُ مُسْتَلِمٍ. اهـ.
стр. 319
[٤٦]- رفع الصوت بالتلبية سنة الأنبياء
١٢٦ - قال الإمام مسلم ﵀ (١٦٦)، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرَّ بِوَادِي الْأَزْرَقِ، فَقَالَ: «أَيُّ وَادٍ هَذَا؟» فَقَالُوا: هَذَا وَادِي الْأَزْرَقِ، قَالَ: «كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مُوسَى هَابِطًا مِنَ الثَّنِيَّةِ، وَلَهُ جُؤَارٌ إِلَى اللهِ بِالتَّلْبِيَةِ»، ثُمَّ أَتَى عَلَى ثَنِيَّةِ هَرْشَى، فَقَالَ: «أَيُّ ثَنِيَّةٍ هَذِهِ؟» قَالُوا: ثَنِيَّةُ هَرْشَى، قَالَ: «كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى يُونُسَ بْنِ مَتَّى ﵇ عَلَى نَاقَةٍ حَمْرَاءَ جَعْدَةٍ عَلَيْهِ جُبَّةٌ مِنْ صُوفٍ، خِطَامُ نَاقَتِهِ خُلْبَةٌ وَهُوَ يُلَبِّي».
قال النووي في شرحه على هذا الحديث:
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ﵀: أَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ فِي وَصْفِهِمْ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ ﷺ رَأَى ذَلِكَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ، وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ مُبَيَّنًا فى رواية أبي العالية عن بن عباس، وفى رواية بن الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَيْسَ فِيهَا ذِكْرُ التَّلْبِيَةِ.
قَالَ: فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يَحُجُّونَ وَيُلَبُّونَ وَهُمْ أَمْوَاتٌ وَهُمْ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ وَلَيْسَتْ دَارَ عَمَلٍ؟ فَاعْلَمْ أَنَّ لِلْمَشَايِخِ وَفِيمَا ظَهَرَ لَنَا عَنْ هَذَا أَجْوِبَةً:
الشَّرحُ:
رفع الصوت بالتلبية خاص بالرجال
عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: لَا تَرْفَعُ الْمَرْأَةُ صَوْتَهَا بِالتَّلْبِيَةِ، أخرجه الدارقطني (٢/ ٢٩٥)، والبيهقي في «الكبرى» (٥/ ٤٦)، من طريق أَبِي دَاوُدَ الْحَفَرِيِّ عُمَرَ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَيدٍ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ به، وهذا سند صحيح، وعليه الإجماع.
قال ابن عبد البر في «التمهيد» (١١/ ٨٤): وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ السُّنَّةَ فِي الْمَرْأَةِ أَنْ لَا تَرْفَعَ صَوْتَهَا، وَإِنَّمَا عَلَيْهَا أَنْ تُسْمِعَ نَفْسَهَا، فَخَرَجَتْ مِنْ جُمْلَةِ ظَاهِرِ الْحَدِيثِ، وَخُصَّتْ بِذَلِكَ، وَبَقِيَ الْحَدِيثُ فِي الرِّجَالِ. اهـ.
قُلْتُ: هذه السنة لهنَّ، فقد استدل البيهقي في «الكبرى» (٥/ ٤٦)، تحت بَابِ الْمَرْأَةِ لَا تَرْفَعُ صَوْتَهَا بِالتَّلْبِيَةِ، لحديث: «إنَّما التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ، وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ»، أي: أنَّه لا يشرع لها إذا صلت خلف الرجال وسهى الإمام أن تسبح، بل تصفق، استدل ابن عبد البر بهذا الحديث، وأيضًا لم يُعلم بجهر أي إمرأة بالتلبية مع النَّبِيِّ ﷺ في حجة الوداع.
والعلة في عدم رفع صوتها بالتلبية، عدم الفتن بصوتها، فإذا كانت المرأة بين النساء ولا يسمع الرجال صوتها، فلها أن تذكر الله سرًّا وجهرًا، والتلبية من
стр. 323
ذكر الله، وقد سبحت عَائِشَةُ ﵂ لما سألتها أسماء ﵂ في صلاة الكسوف، قَالَتْ: آيَةٌ؟ فَقَالَتْ عَائِشَةَ ﵂: سُبْحَانَ اللَّهِ، فدلَّ على منع المرأة من التسبيح عند الرجال، أما عند النساء فلها ذلك، ومثله هنا، والله أعلم، وتركها الرفع مطلقًا أولى.
قال النووي في «شرح مسلم» (١٢٨١): قَوْلُهُ: (لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى بَلَغَ الْجَمْرَةَ) دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَسْتَدِيمُ التَّلْبِيَةَ حَتَّى يَشْرَعَ فِي رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ غَدَاةَ يَوْمِ النَّحْرِ، وَهَذَا مَذْهَبُ … جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَفُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ، وَجُمْهُورِ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ: أَنَّهُ يُلَبِّي حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ يَوْمَ عَرَفَةَ وَلَا يُلَبِّي بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْوُقُوفِ وَقَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَبَعْضُ السَّلَفِ يُلَبِّي حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ.
وَدَلِيلُ الْجُمْهُورِ هَذَا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ مَعَ الْأَحَادِيثِ بَعْدَهُ وَلَا حُجَّةَ لِلْآخَرِينَ فِي مُخَالَفَتِهَا فَيَتَعَيَّنُ اتِّبَاعَ السُّنَّةِ.
وَأَمَّا قوله في الرواية الأخرى: (لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ): فَقَدْ يَحْتَجُّ بِهِ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ لِمَذْهَبِهِمَا، وَيُجِيبُ الْجُمْهُورُ عَنْهُ بِأَنَّ الْمُرَادَ حَتَّى شَرَعَ فِي الرَّمْيِ لِيُجْمَعَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ. اهـ.
قُلْتُ: وقول الجمهور هذا هو الصواب بأدلته المذكورة.
وعلى هذا فالتلبية بعد رمي جمرة العقبة يوم النحر محدثة؛ لخروج وقتها.
стр. 324
قال النووي في «شرح المهذب» (٧/ ٢٤٥): وَلَا يُلَبِّي فِي طَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَالْوَدَاعِ بِلَا خِلَافٍ لِخُرُوجِ وَقْتِ التَّلْبِيَةِ. اهـ.
قُلْتُ: ومفاد عموم الحديث المذكور هنا: أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «الْعَجُّ، وَالثَّجُّ»، أنَّ من عجَّ بالتلبية بأي لغة سواء بالعربية أو غيرها، أنَّه أتى بالمشروع.
قُلْنَا: وهذا عند العجز عن التلفظ بها كما ورد بها الحديث عربية، لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، ولحديث: «حَوْلَهَا نُدَنْدِنُ»، أما من استطاع التلفظ بها عربية كما في الحديث، فلا يشرع له التلبية بغير العربية، فحديث: «الْعَجُّ»، مبين بغيره مما في الباب من ذكر ألفاظ ذلك العج بالعربية.
ولا يثبت ذكر أو دعاء عند الفراغ من التلبية، أما حديث خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا فَرَغَ مِنْ تَلْبِيَةٍ سَأَلَ اللَّهَ رِضْوَانَهُ وَالْجَنَّةَ، وَاسْتَعَاذَ بِرَحْمَتِهِ مِنَ النَّارِ»، فهو حديث ضعيف، أخرجه البيهقي (٥/ ٤٦)، والدارقطني، وفيه: صَالِحُ بْنُ مُحَمَّدِ الليثيُّ: منكر الحديث، كما في ترجمته من «الميزان» للذهبي.
وتابع قابوسًا عطاء بن السائب وعنه ابن غزوان، وهو ممن روى عن عطاء بعد الاختلاط، وتابعه أيضًا أبو عاصم الغنوي، وهو ثقة؛ فالأثر صحيح.
ومن طريق سُفْيَانَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ من قوله، صحيح من طرق.
وقال ابن عبد البر أيضًا: قَالَ: وَحَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج: ٢٧]، قَالَ: قَامَ إِبْرَاهِيمُ عَلَى مَقَامِهِ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَجِيبُوا رَبَّكُمْ فَقَالُوا: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، فَمَنْ حَجَّ الْيَوْمَ فَهُوَ مِمَّنْ أَجَابَ إِبْرَاهِيمَ يَوْمَئِذٍ.
قُلْتُ: وهذا إسناد ضعيف؛ فقد سئل ابن معين: سمع ابن جريج من مجاهد؟ قال: حرفًا أو حرفين في القراءة، لم يسمع غير ذلك، وكذلك قال البرديجي وغيره. اهـ من «تحفة التحصيل».
وله متابعات في «تفسير ابن جرير» عند الآية يثبت الأثر بها إلى مجاهد.
ولهذا قال الحافظ في «الفتح» (٣/ ٤٠٩) - بعد أن نقل قول ابن عبد البر -: وَهَذَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حَاتِم، بأسانيدهم فِي «تفاسيرهم» عَنْ ابن عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَعَطَاءٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَقَتَادَةَ، وَغَيْرِ وَاحِدٍ، وَالْأَسَانِيدُ إِلَيْهِمْ قَوِيَّةٌ، وَأَقْوَى مَا فِيهِ عَنِ ابن عَبَّاسٍ. اهـ.
وصححه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في «شرح العمدة» (٤/ ٤١٠).
قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢٦/ ٢٢٠): وَلَيْسَ فِي الْمَنَاسِكِ مَا تَجِبُ لَهُ الطَّهَارَةُ إلَّا الطَّوَافَ فَإِنَّ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ تَجِبُ لَهُ الطَّهَارَةُ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، وَأَمَّا الطَّوَافُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَفِيهِ نِزَاعٌ وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لَا تَجِبُ لَهُ الطَّهَارَةُ وَمَا سِوَى ذَلِكَ لَا تَجِبُ لَهُ الطَّهَارَةُ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ. اهـ.
قال ابن المنذر في «الإشراف» (٣/ ٣٦٣): ثبت أنَّ نَبِيَّ الله ﷺ قال لعائشة وقد حاضت وهي محرمة: «اقضي ما يقضي الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت»، مع قوله في قصة صفية: «أحابستنا هي»، ففي ذلك دليل على أنَّ الطواف بالبيت لا يجزئ إلا لطاهر، فمن طاف بالبيت جنبًا، أو على غير وضوء، أو كانت المرأة حائضًا، أو نفساء فهو بمعنى: (من لم يطف)، وهذا قول عامة أهل العلم. اهـ.
قُلْتُ: إذا انضم إلى هذا الحديث أنَّ الطواف بالبيت صلاة إلى نهيه للمحدثة عن الطواف، كما في هذه الأحاديث مع فعله وأنه لم يطف إلا على طهارة، قوي بذلك قول جمهور العلماء على أنَّه يشترط للطواف الطهارة.
الْمُنْذِرِ عن عمر بن الخطاب وبن عَبَّاسٍ وَطَاوُسٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ قَالَ: وَبِهِ أَقُولُ، قَالَ: وَقَدْ رُوِّينَا فِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وَانْفَرَدَ مَالِكٌ عَنِ الْعُلَمَاءِ، فَقَالَ: السُّجُودُ عَلَيْهِ بِدْعَةٌ، وَاعْتَرَفَ الْقَاضِي عِيَاضٌ الْمَالِكِيُّ بِشُذُوذِ مَالِكٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَنِ الْعُلَمَاءِ. اهـ.
وقال ابن المنذر في «الإشراف» (٢٧١):
باب السجود على الحجر:
قال أبو بكر: كان عمر بن الخطاب، وابن عباس، يسجدان على الحجر.
وفعل ذلك طاووس، وبه قال الشافعي، وأحمد بن حنبل.
وأنكر مالك من بين الناس ذلك وقال: بدعة.
وبما روى عن عمر، وابن عباس نقول.
قال أبو بكر: وقد روينا فيه عن النبي ﷺ حديثًا أنه فعل ذلك. اهـ.
قُلْتُ: أما المرفوع عن عمر فلم يثبت؛ وإنما عن ابن عباس ﵄، وطاوس، أما المرفوع فأخرجه الطيالسي (٢٨)، وابن خزيمة (٢٧١٤)، وأبو يعلى (٢١٩)، والحاكم (١/ ٤٤٥).
ومدار الكلام على ما ذكر الإمام العقيلي في «الضعفاء» (٢٣٠) في ترجمة جَعْفَرِ
стр. 347
بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قال: جَعْفَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ الْحُمَيْدِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ قَبَّلَ الْحَجَرَ ثُمَّ سَجَدَ عَلَيْهِ».
وَرَوَاهُ أَبُو عَاصِمٍ، وَأَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، عَنْ جَعْفَرٍ، فَقَالَا: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ، مَرْفُوعًا.
وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ: أَنَّهُ رَأَى ابْنَ عَبَّاسٍ قَبَّلَ الْحَجَرَ وَسَجَدَ عَلَيْهِ، حَدِيثُ ابْنِ جُرَيْجٍ أَوْلَى. اهـ.
قُلْتُ: وهذا سند إلى ابن عباس صحيح، موقوفًا عليه؛ ولهذا قال العقيلي: أنه أولى، ونقل الذهبي ﵀ في «ميزان الاعتدال» كلام العقيلي في ترجمة جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ الْحُمَيْدِيِّ هذا، ولم يزد عليه.
قُلْتُ: وثبت السجود على الحجر عن طاوس بن كيسان عند ابن أبي شيبة في «المصنف» (١٤٩٧٩)، قال: حَدَّثنا وَكِيعٌ، عَنْ حَنْظَلَةَ، قَالَ: رَأَيْتُ طَاوُوسًا فَعَلَهُ، يَعْنِي: سَجَدَ عَلَيهِ. اهـ. وهذا سند صحيح.
فلا يثبت عن النَّبِيِّ ﷺ كما ترى، ولا عن عمر ﵁ عند الطيالسي، وعنه في «مسند أبي يعلى» رقم (٢١٩)، فإنه من طريق مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، ولم يدرك عمر.
стр. 348
ونقل ابن تيمية في «شرح العمدة» (٥/ ١٥٩)، أنَّه ذكر للإمام أحمد حديث السجود على الحجر فحسنه، واستشهد به شيخ الإسلام بحديث: أنَّ عُمَرَ قَبَّلَ الْحَجَرَ وَالْتَزَمَهُ، وَقَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِكَ حَفِيًّا»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١٢٧١). اهـ.
قُلْتُ: ولا دلالة فيه على أنَّ النَّبِيَّ ﷺ سجد عليه.
والحاصل: أنه لا يثبت عن النَّبِيِّ ﷺ السجود على الحجر الأسود، ولا عن أحد من الصحابة حسب ما مرَّ بنا في بحث هذه المسألة غير ابن عباس، وهذا اجتهاد منه ﵁.
وقول العلامة الألباني ﵀ في «إرواء الغليل» (٣١٢): (فيبدو من مجموع ما سبق أنَّ السجود على الحجر ثابت مرفوعًا وموقوفًا)، فيه نظر، وخير الهدي هدي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، والسجود عبادة لحديث: «أَنَّكَ لَنْ تَسْجُدَ لِلَّهِ سَجْدَةً إِلَّا رَفَعَ اللهُ لَكَ بِهَا دَرَجَةً، وَحَطَّ عَنْكَ بِهَا خَطِيئَةً»، والعبادة توقيفية.
قال النووي: وَأَمَّا الرُّكْنُ الْيَمَانِيُ فَيَسْتَلِمُهُ وَلَا يُقَبِّلُهُ، وَأَمَّا قَوْلُ عُمَرَ ﵁: لَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّكَ حَجَرٌ، وَإِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّكَ حجر وأنت لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، فَأَرَادَ بِهِ بَيَانَ الْحَثِّ عَلَى الِاقْتِدَاءِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي تَقْبِيلِهِ وَنَبَّهَ عَلَى أَنَّهُ أولا الِاقْتِدَاءُ بِهِ لَمَا فَعَلَهُ، وَإِنَّمَا قَالَ: وَإِنَّكَ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ لِئَلَّا يَغْتَرَّ بَعْضُ قربى الْعَهْدِ بِالْإِسْلَامِ الَّذِينَ كَانُوا أَلِفُوا عِبَادَةَ الْأَحْجَارِ وتعظيمًا ورجاء نفعها وخوف الضر بِالتَّقْصِيرِ فِي