Полный текст (604 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
١٥٠ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَا أَرَاكَ تَسْتَلِمُ إِلَّا هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ؟ قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ مَسْحَهُمَا: يَحُطَّانِ الْخَطِيئَةَ».
وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «مَنْ طَافَ سَبْعًا، فَهُوَ كَعِدْلِ رَقَبَةٍ» (١) . الحواشي
(١) حسن، أخرجه الترمذي(٩٥٩) ، والنسائي(٢٩١٩) ، وأحمد رقم (٤٤٦٢، ٥٧٠١)، من طريق حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، وهُشَيْمٍ، وهَمَّامِ بْنِ يَحْيَى.
وأخرجه أبو يعلى(٥٦٨٧) ، وابن خزيمة(٢٧٥٣) ، من طريق جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ، ومُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ، كلهم عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، أنه سمع أَبَاهُ به.
وهذا سند حسن، فإنَّ من هؤلاء الرواة عَنْ عَطَاء، حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، وهو ممن سمع من عطاء قبل اختلاطه.стр. 352
[٥٣]- من كان يرى شرعية شدة المزاحمة لاستلام الركنين
١٥١ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: مَا تَرَكْتُ اسْتِلَامَ هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَ، وَالْحَجَرَ، مُذْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَسْتَلِمُهُمَا، فِي شِدَّةٍ وَلَا رَخَاءٍ (١) .
١٥٢ - أخرج البخاري ﵀ (٢) : عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَرَبِيٍّ، قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ ابْنَ عُمَرَ ﵄ عَنِ اسْتِلَامِ الْحَجَرِ، فَقَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَسْتَلِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ»، قَالَ: قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إِنْ زُحِمْتُ، أَرَأَيْتَ إِنْ غُلِبْتُ؟ قَالَ: اجْعَلْ أَرَأَيْتَ بِالْيَمَنِ، «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَسْتَلِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ». الحواشي
(١) أخرجه مسلم(١٢٦٨) .(٢) رقم:(١٦١١) .стр. 353
١٥٣ - وأخرج الفاكهي في «أخبار مكة» (١/ ١٢٨)، والأزرقي في «أخبار مكة» (١/ ٣٣٣): من طريق سُفْيَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي حُرَّةَ الْجَزَرِيُّ، قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، نُزَاحِمُ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ عَلَى الرُّكْنِ حَتَّى يَسْتَلِمَهُ. قَالَ سُفْيَانُ: وَقَالَ غَيْرُ إِبْرَاهِيمَ: كَانَ سَالِمٌ لَوْ زَاحَمَ الْإِبِلَ لَزَحَمَهَا.
وانظر بقية الآثار في «مصنف عبد الرزاق» (٥/ ٣٤) وما بعدها، و «مصنف ابن أبي شيبة» (٨/ ١٣٥)، وما بعدها.
стр. 354
[٥٤]- من كان يكره شدة المزاحمة على الركنين
١٥٤ - أخرج الإمام أحمد ﵀ في «مسنده» (١٩٠) ، قال: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ الْعَبْدِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ شَيْخًا بِمَكَّةَ فِي إِمَارَةِ الْحَجَّاجِ يُحَدِّثُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ: «يَا عُمَرُ، إِنَّكَ رَجُلٌ قَوِيٌّ، لَا تُزَاحِمْ عَلَى الْحَجَرِ فَتُؤْذِيَ الضَّعِيفَ، إِنْ وَجَدْتَ خَلْوَةً فَاسْتَلِمْهُ، وَإِلَّا (فَاسْتَقْبِلْهُ فَهَلِّلْ وَكَبِّرْ) (١) ».
وخرجه ابن كثير ﵀ في «مسند الفاروق» (١/ ٤٩٨)، من «مسند أحمد»، وقال: إسناده جيد، لكن راويه عن عمرَ مبهم لم يسمَّ، فالله أَعلم به.
والغالب أنَّه ثقة جليل، فقد رواه الإمام الشافعي، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ الحواشي
(١) زيادة: (استقبال الركن والتهليل عند محاذاة الركن) لا تصح في هذا الحديث؛ لحديث ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «طَافَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْبَيْتِ عَلَى بَعِيرٍ، كُلَّمَا أَتَى عَلَى الرُّكْنِ أَشَارَ إِلَيْهِ … وَكَبَّرَ»، أخرجه البخاري (١٦١٢، ١٦١٣).стр. 355
أَبِي يَعْفُورٍ العَبدي - واسمه: وَقْدان -، قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا، مِنْ خُزَاعَةَ حِينَ قُتِلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ بِمَكَّةَ - وَكَانَ أَمِيرًا عَلَى مَكَّةَ - يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعُمَرَ ﵁: «يَا أَبَا حَفْصٍ إِنَّكَ رَجُلٌ قَوِيٌّ فَلَا تُزَاحِمْ عَلَى الرُّكْنِ فَإِنَّكَ تُؤْذِي الضَّعِيفَ وَلَكِنْ إِنْ وَجَدْتَ خَلْوَةً فَاسْتَلِمْ وَإِلَّا فَكَبِّرْ وَامْضِ».
قَالَ سُفْيَانُ: هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ نَافِعِ بْنِ عَبْدِ الْحَارِثِ كَانَ الْحَجَّاجُ اسْتَعْمَلَهُ عَلَيْهَا مُنْصَرَفَهُ مِنْهَا حِينَ قُتِلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ.
قُلْتُ: وقد كان جليلًا نبيلًا، وكان أحدَ النَّفَر الذين نَدَبَهُم عثمانُ في كتابة المصحف الإمام. اهـ.
стр. 356
١٥٥ - وأخرج النسائي ﵀ في «السنن» (٢٩٣٨) ، قال: أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، عَنْ حَنْظَلَةَ قَالَ: رَأَيْتُ طَاوُسًا يَمُرُّ بِالرُّكْنِ فَإِنْ وَجَدَ عَلَيْهِ زِحَامًا مَرَّ وَلَمْ يُزَاحِمْ، وَإِنْ رَآهُ خَالِيًا قَبَّلَهُ ثَلَاثًا. ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ. ثُمَّ قَالَ: «إِنَّكَ حَجَرٌ لَا تَنْفَعُ وَلَا تَضُرُّ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَبَّلَكَ مَا قَبَّلْتُكَ».
ثُمَّ قَالَ عُمَرُ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ» (١) .
١٥٦ - وأخرج الفاكهي ﵀ في «أخبار مكة» (١/ ١٢٨)، قال: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ، عَنْ عَطَاءٍ، أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ دَفْعَ النَّاسِ عَنِ الرُّكْنِ، وَكَانَ يَنْهَى عَنْ ذَلِكَ كَثِيرًا، وَيَقُولُ: إِيَّاكُمْ وَأَذَى الْمُسْلِمِينَ (٢) . الحواشي
(١) وهذا إسناد صحيح أخرجه البزار(٢٠٨) وصرح الوليد عنده بالإخبار.(٢) وهذا سنده حسن.стр. 357
١٥٧ - وأخرج الفاكهي ﵀ في «أخبار مكة» (١/ ١٣٢): حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنَا حَكَّامُ بْنُ سَلْمٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: تَكْبِيرَةٌ وَلَا أُوذِي مُسْلِمًا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ اسْتِلَامِهِ، يَعْنِي: الرُّكْنَ (١) .
وهذا القول الأخير: وهو عدم شدة المزاحمة المؤدية إلى الأذى لنفسه أو لغيره، هو الصواب؛ لأن تقبيل الحجر، واستلامه، ومسح الركن مستحب إجماعًا، وأذية المسلم حرام، لعديد من الأدلة، منها:
• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: صَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المِنْبَرَ فَنَادَى بِصَوْتٍ رَفِيعٍ، فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ مَنْ أَسْلَمَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يُفْضِ الإِيمَانُ إِلَى قَلْبِهِ، لَا تُؤْذُوا المُسْلِمِينَ وَلَا تُعَيِّرُوهُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ، فَإِنَّهُ مَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيهِ المُسْلِمِ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ وَلَوْ فِي جَوْفِ رَحْلِهِ»، قَالَ: وَنَظَرَ ابْنُ عُمَرَ يَوْمًا إِلَى البَيْتِ أَوْ إِلَى الكَعْبَةِ، فَقَالَ: مَا أَعْظَمَكِ وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكِ، وَالمُؤْمِنُ أَعْظَمُ حُرْمَةً عِنْدَ اللَّهِ مِنْكِ، أخرجه الترمذي (٢٠٣٢) ، وهو حديث حسن.
• وأخرج مسلم في «صحيحه» (١٩١٤) : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ الحواشي
(١) وهذا سنده حسن.стр. 358
رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قَالَ: «إِنَّ شَجَرَةً كَانَتْ تُؤْذِي الْمُسْلِمِينَ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَطَعَهَا، فَدَخَلَ الْجَنَّةَ».
• وأخرج مسلم (٢٦١٨) : عَنْ أَبِي بَرْزَةَ ﵁، قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ عَلِّمْنِي شَيْئًا أَنْتَفِعُ بِهِ، قَالَ: «اعْزِلِ الْأَذَى، عَنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ».
قال النووي في «شرح مسلم»: هَذِهِ الْأَحَادِيثُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْبَابِ ظَاهِرَةٌ فِي فَضْلِ إِزَالَةِ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ سَوَاءٌ كَانَ الْأَذَى شَجَرَةً تُؤْذِي أَوْ غُصْنَ شَوْكٍ أَوْ حَجَرًا يُعْثَرُ بِهِ أَوْ قَذَرًا أَوْ جِيفَةً وَغَيْرَ ذَلِكَ، وَإِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطريق من شعب الايمان كما سبق فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، وَفِيهِ: التَّنْبِيهُ عَلَى فَضِيلَةِ كُلِّ مَا نَفَعَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَزَالَ عَنْهُمْ ضَرَرًا. اهـ.
стр. 359
[٥٥]- لا يشرع المسح لشيءٍ من البيت إلا للركنين اليمانيين
١٥٨ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّهُ قَالَ: «لَمْ أَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَمْسَحُ مِنَ الْبَيْتِ، إِلَّا الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ» (١) .
١٥٩ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄، حَتَّى إِذَا أَتَيْنَا الْبَيْتَ مَعَهُ، اسْتَلَمَ الرُّكْنَ فَرَمَلَ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا (٢) . الحواشي
(١) أخرجه البخاري(١٦٠٩) ، ومسلم(١٢٦٧) ، وعَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عند الترمذي(٨٥٨) ، نحوه.(٢) أخرجه مسلم(١٢١٨) .стр. 360
١٦٠ - بوب البخاري في «صحيحه» (بَابُ مَنْ لَمْ يَسْتَلِمْ إِلَّا الرُّكْنَيْنِ اليَمَانِيَيْنِ)، وقال رقم (١٦٠٨) : وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ أَنَّهُ قَالَ: وَمَنْ يَتَّقِي شَيْئًا مِنَ البَيْتِ؟ وَكَانَ مُعَاوِيَةُ يَسْتَلِمُ الأَرْكَانَ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: إِنَّهُ لَا يُسْتَلَمُ هَذَانِ الرُّكْنَانِ، فَقَالَ: لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ البَيْتِ مَهْجُورًا (١) ، وَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَسْتَلِمُهُنَّ كُلَّهُنَّ.
قال النووي في «شرح مسلم» عند حديث (١٢٦٧) : وَاعْلَمْ أَنَّ لِلْبَيْتِ أَرْبَعَةَ أَرْكَانٍ الرُّكْنُ الْأَسْوَدُ وَالرُّكْنُ الْيَمَانِيُ، وَيُقَالُ لَهُمَا: (الْيَمَانِيَانِ)، وَأَمَّا الرُّكْنَانِ الْآخَرَانِ فَيُقَالُ لَهُمَا: (الشَّامِيَّانِ).
فَالرُّكْنُ الْأَسْوَدُ فِيهِ فَضِيلَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: كَوْنُهُ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ ﷺ ، وَالثَّانِيَةُ: كَوْنُهُ فِيهِ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ. الحواشي
(١) ووصله أحمد في «مسنده» رقم(٣٠٧٤) ، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، وَالثَّوْرِيُّ، عَنِ ابْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُعَاوِيَةَ، فَكَانَ مُعَاوِيَةُ لَا يَمُرُّ بِرُكْنٍ إِلا اسْتَلَمَهُ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَسْتَلِمُ إِلا الْحَجَرَ وَالْيَمَانِيَّ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ البَيْتِ مَهْجُورًا، وسنده حسن.
أخرجه الترمذي(٨٥٨) ، من طريق عَبْدِ الرَّزَّاقِ به، وقال: حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ العِلْمِ: أَنْ لَا يَسْتَلِمَ إِلَّا الحَجَرَ الأَسْوَدَ، وَالرُّكْنَ اليَمَانِيَ. اهـ.стр. 361
وَأَمَّا الْيَمَانِيُ فَفِيهِ فَضِيلَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهِيَ كَوْنُهُ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ.
وَأَمَّا الرُّكْنَانِ الْآخَرَانِ فَلَيْسَ فِيهِمَا شَيْءٌ مِنْ هَاتَيْنِ الْفَضِيلَتَيْنِ، فَلِهَذَا خُصَّ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ بِشَيْئَيْنِ الِاسْتِلَامِ وَالتَّقْبِيلِ لِلْفَضِيلَتَيْنِ، وَأَمَّا الْيَمَانِيُ فَيَسْتَلِمُهُ وَلَا يُقَبِّلُهُ؛ لِأَنَّ فِيهِ فَضِيلَةً وَاحِدَةً، وَأَمَّا الرُّكْنَانِ الْآخَرَانِ فَلَا يُقَبَّلَانِ وَلَا يُسْتَلَمَانِ.
وَقَدْ أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى اسْتِحْبَابِ اسْتِلَامِ الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ، وَاتَّفَقَ الْجَمَاهِيرُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَمْسَحُ الرُّكْنَيْنِ الْآخَرَيْنِ، وَاسْتَحَبَّهُ بَعْضُ السَّلَفِ، وَمِمَّنْ كَانَ يَقُولُ بِاسْتِلَامِهِمَا الْحَسَنُ والحسين ابنا علي وابن الزُّبَيْرِ، وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَأَبُو الشَّعْثَاءِ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ ﵃.
قَالَ الْقَاضِي: أَبُو الطَّيِّبِ أَجْمَعَتْ أَئِمَّةُ الْأَمْصَارِ وَالْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُمَا لَا يُسْتَلَمَانِ، قَالَ: وَإِنَّمَا كَانَ فِيهِ خِلَافٌ لِبَعْضِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَانْقَرَضَ الْخِلَافُ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُمَا لَا يُسْتَلَمَانِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. اهـ. وتقدم ذلك.
стр. 362
[٥٦]- حكم استلام الحجر الأسود في غير طواف
١٦١ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄، قال: «حَتَّى إِذَا أَتَيْنَا الْبَيْتَ مَعَهُ، اسْتَلَمَ الرُّكْنَ فَرَمَلَ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا، ثُمَّ نَفَذَ إِلَى مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ ﵇، فَقَرَأَ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] فَجَعَلَ الْمَقَامَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ، فَكَانَ أَبِي يَقُولُ - وَلَا أَعْلَمُهُ ذَكَرَهُ إِلَّا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : كَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) ﴾ [الإخلاص: ١]، وَ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) ﴾ [الكافرون: ١]، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الْبَابِ إِلَى الصَّفَا» (١) .
١٦٢ - وقال أبو يعلى ﵀ في «المسند» (٢٥٩٧) : حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ عَطَاءٍ، أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ صَلَّى الْمَغْرِبَ فَسَلَّمَ فِي رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قَامَ لِيَسْتَلِمَ الرُّكْنَ، فَسَبَّحَ بِهِ الْقَوْمُ فَرَجَعَ فَصَلَّى رَكْعَةً. قَالَ: فَأَتَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَأَخْبَرْتُهُ بِذَلِكَ فَقَالَ: «مَا أَمَاطَ عَنْ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ » (٢) . الحواشي
(١) أخرجه مسلم(١٢١٨) ، قُلْتُ: وهذا استلام غير طائف؛ لأنه كان بعد فراغه من الطواف وركعتيه.(٢) سنده صحيح، رجاله ثقات، زهير هو ابن حرب، وهمام هو ابن يحيى، وسعيد بن عامر هو الضبعي ثقة.стр. 363
١٦٣ - قال الأزرقي ﵀ في «أخبار مكة» (٢/ ٧٦): حَدَّثَنِي جَدِّي، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْوَرْدِ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ، يَقُولُ: أَوَّلُ مَنِ اسْتَلَمَ الرُّكْنَ الْأَسْوَدَ مِنَ الْأَئِمَّةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَبَعْدَهَا ابْنُ الزُّبَيْرِ، فَاسْتَحْسَنَتْ ذَلِكَ الْوُلَاةُ بَعْدَهُ فَاتَّبَعَتْهُ (١) .
قُلْتُ: لم يفعل هذا النَّبِيُّ ﷺ بعد الصلوات، ولا اشتهر فعله عن الصحابة وابن الزبير اجتهد فيه، وفعله بعض الأمراء بغير سنة مأثورة، وخير الهدي هدي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فيشرع استلام الحجر بعد ركعتي الطواف للسنة في حديث جابر لمن استطاع فإن لم يستطع فلا يشر إليه، ولا يشرع تقبيله في غير طواف، ولا استلامه بعد الصلوات، والحمد لله. الحواشي
(١) وهذا سند حسن، عبد الجبار: صدوق، وقد وثق، وابن مليكة هو عبد الله بن عبيد الله مشهور.стр. 364
[٥٧]- باب الرمل والاضطباع في طواف القدوم (١)
١٦٤ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا طَافَ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، أَوَّلَ مَا يَقْدَمُ، فَإِنَّهُ يَسْعَى ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ يَمْشِي أَرْبَعَةً، ثُمَّ يُصَلِّي سَجْدَتَيْنِ» (٢) . الحواشي
(١) طواف القدوم يتصور في حق القارن، والمفرد إن أحرم من خارج مكة.
قال النووي: الْمُحْرِمُ بِالْعُمْرَةِ لَا يُتَصَوَّرُ فِي حَقِّهِ طَوَافُ قُدُومٍ، بَلْ إذَا طَافَ لِلْعُمْرَةِ أَجْزَأَهُ عَنْهُمَا وَيَتَضَمَّنُ الْقُدُومَ، كَمَا تُجْزِئُ الصَّلَاةُ الْمَفْرُوضَةُ عَنِ الْفَرِيضَةِ وَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ. اهـ من «شرح المهذب» (٨/ ١٩).
وهو في العمرة مع الحج أو المفردة ركن من أركانها بلا خلاف، كما في «المحلى» ابن حزم مسألة(٨٣٠) ، والمكي ليس عليه إلا طواف الإفاضة فقط بلا خلاف كما في «الاستذكار» لابن عبد البر (٤/ ٢١٧)، وليس عليه وداع ولا قدوم؛ لأنه غير آفاقي، وطواف القدوم مستحب؛ لأن عروة بن مضرس حج ولم يطف طواف قدوم، وقال له النبي ﷺ : «مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ» ولم يأمره بفدية ولا غيرها مقابل عدم طوافه للقدوم.(٢) أخرجه البخاري(١٦١٦) ، ومسلم(١٢٦١) .стр. 365
١٦٥ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄، أَنَّهُ قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَمَلَ مِنَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ، حَتَّى انْتَهَى إِلَيْهِ، ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ» (١) .
١٦٦ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ مَكَّةَ، وَقَدْ وَهَنَتْهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ، قَالَ الْمُشْرِكُونَ: إِنَّهُ يَقْدَمُ عَلَيْكُمْ غَدًا قَوْمٌ قَدْ وَهَنَتْهُمُ الْحُمَّى، وَلَقُوا مِنْهَا شِدَّةً، فَجَلَسُوا مِمَّا يَلِي الْحِجْرَ، وَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَرْمُلُوا ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ، وَيَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ، لِيَرَى الْمُشْرِكُونَ جَلَدَهُمْ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّ الْحُمَّى قَدْ وَهَنَتْهُمْ، هَؤُلَاءِ أَجْلَدُ مِنْ كَذَا وَكَذَا»، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَلَمْ يَمْنَعْهُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ أَنْ يَرْمُلُوا الْأَشْوَاطَ كُلَّهَا، إِلَّا الْإِبْقَاءُ عَلَيْهِمْ (٢) .
١٦٧ - عَنْ نَافِعٍ: «أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄، رَمَلَ مِنَ الْحَجَرِ إِلَى الْحَجَرِ، وَذَكَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَعَلَهُ» (٣) . الحواشي
(١) أخرجه مسلم(١٢٦٣) .(٢) أخرجه مسلم(١٢٦٦) .(٣) أخرجه مسلم(١٢٦٢) .стр. 366
١٦٨ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابَهُ اعْتَمَرُوا مِنَ الْجِعْرَانَةِ فَرَمَلُوا بِالْبَيْتِ وَجَعَلُوا أَرْدِيَتَهُمْ تَحْتَ آبَاطِهِمْ قَدْ قَذَفُوهَا عَلَى عَوَاتِقِهِمُ الْيُسْرَى» (١) .
١٦٩ - عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اضْطَبَعَ فَاسْتَلَمَ وَكَبَّرَ، ثُمَّ رَمَلَ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ وَكَانُوا، إِذَا بَلَغُوا الرُّكْنَ الْيَمَانِيَ وَتَغَيَّبُوا مِنْ قُرَيْشٍ مَشَوْا، ثُمَّ يَطْلُعُونَ عَلَيْهِمْ يَرْمُلُونَ، تَقُولُ قُرَيْشٌ: كَأَنَّهُمُ الْغِزْلَانُ»، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: فَكَانَتْ سُنَّةً (٢) .
١٧٠ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَصْحَابِهِ حِينَ أَرَادُوا دُخُولَ مَكَّةَ فِي عُمْرَتِهِ بَعْدَ الْحُدَيْبِيَةِ، «إِنَّ قَوْمَكُمْ غَدًا سَيَرَوْنَكُمْ، فَلَيَرَوُنَّكُمْ جُلْدًا» فَلَمَّا دَخَلُوا الْمَسْجِدَ، اسْتَلَمُوا الرُّكْنَ وَرَمَلُوا وَالنَّبِيُّ ﷺ مَعَهُمْ، حَتَّى إِذَا بَلَغُوا الرُّكْنَ الْيَمَانِيَ، مَشَوْا إِلَى الرُّكْنِ الْأَسْوَدِ، ثُمَّ رَمَلُوا، حَتَّى بَلَغُوا الرُّكْنَ الْيَمَانِيَ، ثُمَّ مَشَوْا إِلَى الرُّكْنِ الْأَسْوَدِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ مَشَى الْأَرْبَعَ (٣) . الحواشي
(١) أخرجه أبو داود(١٨٨٤) ، وهو حديث حسن.(٢) أخرجه أبو داود(١٨٨٩) ، وأصله في البخاري(١٦٠٢) .(٣) أخرجه أبو داود(١٨٩٠) ، وابن ماجه(٢٩٥٣) ، وسنده حسن.стр. 367
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٣/ ٣٤٠): مَعْنَى الرَّمَلِ: إسْرَاعُ المَشْىِ مع مُقَارَبَةِ الخَطْوِ من غيرِ وَثْبٍ. وهو سُنَّةٌ في الأشْوَاطِ الثَّلَاثَةِ الأُوَلِ من طَوَافِ القُدُومِ، ولا نَعْلَمُ فيه بين أهْلِ العِلْمِ خِلَافًا. اهـ.
وأخرج البخاري (١٦٠٥) ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁ قَالَ لِلرُّكْنِ: «أَمَا وَاللَّهِ، إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَلَمَكَ مَا اسْتَلَمْتُكَ»، فَاسْتَلَمَهُ ثُمَّ قَالَ: فَمَا لَنَا وَلِلرَّمَلِ إِنَّمَا كُنَّا رَاءَيْنَا بِهِ المُشْرِكِينَ وَقَدْ أَهْلَكَهُمُ اللَّهُ، ثُمَّ قَالَ: «شَيْءٌ صَنَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَلَا نُحِبُّ أَنْ نَتْرُكَهُ».
وأخرج أحمد في «مسنده» رقم (٣١٧) ، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: فِيمَ الرَّمَلانُ الْآنَ، وَالْكَشْفُ عَنِ الْمَنَاكِبِ، وَقَدْ أَطَّأَ اللهُ الْإِسْلامَ، وَنَفَى الْكُفْرَ وَأَهْلَهُ، وَمَعَ ذَلِكَ لَا نَدَعُ شَيْئًا كُنَّا نَفْعَلُهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ .
وهذا سند حسن، رجاله ثقات، غير هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ المدني فيه كلام؛ لكن قال أبو داود كما في ترجمته من «التهذيب»: أثبت الناس في زيد بن أسلم. اهـ.
وأخرج مسلم في حديث جابر الطويل (١٢١٨) في حجة الوداع، قال: حَتَّى إِذَا أَتَيْنَا الْبَيْتَ مَعَهُ، اسْتَلَمَ الرُّكْنَ فَرَمَلَ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا. اهـ.
وفي هذه الأدلة المحافظة على السنة ولو بعد أن زال سبب فعلها ؛ فإن النَّبِيَّ ﷺ
стр. 368
داوم على الاضطباع والرمل في حجة الوداع، بعد أن صارت مكة دار إسلام، وزال عنها المشركون في حجة الوداع، واستمر على ذلك الصحابة ﵃ ومن بعدهم.
وقال ابن عبد البر في «الاستذكار» (٤/ ١٩٠): لَا أَعْلَمُ خِلَافًا أَنَّ الرَّمَلَ - وَهُوَ الْحَرَكَةُ وَالزِّيَادَةُ فِي الْمَشْيِ - لَا يَكُونُ إِلَّا فِي ثَلَاثَةِ أَطْوَافٍ مِنَ السَّبْعَةِ فِي طَوَافِ دُخُولِ مَكَّةَ خَاصَّةً للِقَادِمِ الْحَاجِّ أو المعتمر. اهـ.
قال النووي ﵀ في «شرح مسلم» تحت حديث (١٢٦١) : فَلَوْ أَخَلَّ بِالرَّمَلِ فِي الثَّلَاثِ الْأُوَلِ من السبع لم يأت به في الْأَرْبَعِ الْأَوَاخِرِ لِأَنَّ السُّنَّةَ فِي الْأَرْبَعِ الْأَخِيرَةِ الْمَشْيُ عَلَى الْعَادَةِ فَلَا يُغَيِّرُهُ وَلَوْ لَمْ يُمْكِنْهُ الرَّمَلُ لِلزَّحْمَةِ أَشَارَ فِي هَيْئَةِ مَشْيِهِ إِلَى صِفَةِ الرَّمَلِ وَلَوْ لَمْ يُمْكِنُهُ الرَّمَلُ بِقُرْبِ الْكَعْبَةِ لِلزَّحْمَةِ وَأَمْكَنَهُ إِذَا تَبَاعَدَ عَنْهَا فَالْأَوْلَى أَنْ يَتَبَاعَدَ وَيَرْمُلَ لِأَنَّ فَضِيلَةَ الرَّمَلِ هَيْئَةٌ لِلْعِبَادَةِ فِي نَفْسِهَا وَالْقُرْبُ مِنَ الْكَعْبَةِ هَيْئَةٌ فِي مَوْضِعِ الْعِبَادَةِ لَا فِي نَفْسِهَا فَكَانَ تَقْدِيمُ مَا تَعَلَّقَ بِنَفْسِهَا أَوْلَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الرَّمَلَ لَا يُشْرَعُ لِلنِّسَاءِ كَمَا لَا يُشْرَعُ لَهُنَّ شِدَّةَ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَلَوْ تَرَكَ الرَّجُلُ الرَّمَلَ حَيْثُ شُرِعَ لَهُ فَهُوَ تَارِكٌ سُنَّةً وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. اهـ.
قال ابن قدامة في «المغني» (٦/ ٢٣١):
مسألة: قَالَ: (وَيَضْطَبِعُ بِرِدَائِهِ)، مَعْنَى الِاضْطِبَاعِ: أَنْ يَجْعَلَ وَسَطَ الرِّدَاءِ تَحْتَ كَتِفِهِ الْيُمْنَى، وَيَرُدَّ طَرَفَيْهِ عَلَى كَتِفِهِ الْيُسْرَى، وَيُبْقِيَ كَتِفَهُ الْيُمْنَى مَكْشُوفَةً.
стр. 369
وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ الضَّبُعِ، وَهُوَ عَضُدُ الْإِنْسَانِ، افْتِعَالٌ مِنْهُ، وَكَانَ أَصْلُهُ اضْتَبَعَ، فَقَلَبُوا التَّاءَ طَاءً؛ لِأَنَّ التَّاءَ مَتَى وُضِعَتْ بَعْدَ ضَادٍ أَوْ صَادٍ أَوْ طَاءٍ سَاكِنَةٍ قُلِبَتْ طَاءً. وَيُسْتَحَبُّ الِاضْطِبَاعُ فِي طَوَافِ الْقُدُومِ؛ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ، عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ طَافَ مُضْطَبِعًا».
قُلْتُ: وهو حديث صحيح.
قال: وَقَدْ ثَبَتَ بِمَا رَوَيْنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ فَعَلُوهُ، وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِاتِّبَاعِهِ، وَقَالَ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]. اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في «الفتح»، تحت تبويب البخاري (٥٧) ، من الحج والعمرة: الِاضْطِبَاعُ: وَهِيَ هَيْئَةٌ تُعِينُ عَلَى إِسْرَاعِ الْمَشْيِ … وَهُوَ مُسْتَحَبٌّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ. اهـ.
стр. 370
[٥٨]- الركوب في الطواف والسعي لعذر
قال الله ﵎: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩) ﴾ [الحج: ٢٩].
١٧١ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «طَافَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ عَلَى بَعِيرٍ، يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ» (١) .
١٧٢ - وعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «طَافَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ حَوْلَ الْكَعْبَةِ عَلَى بَعِيرِهِ، يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ كَرَاهِيَةَ أَنْ يُضْرَبَ عَنْهُ النَّاسُ» (٢) .
١٧٣ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ طَافَ بِالْبَيْتِ وَهُوَ عَلَى بَعِيرٍ، كُلَّمَا أَتَى عَلَى الرُّكْنِ أَشَارَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ فِي يَدِهِ، وَكَبَّرَ» (٣) . الحواشي
(١) أخرجه البخاري(١٦٠٧) ، ومسلم(١٢٧٢) .(٢) أخرجه مسلم(١٢٧٤) .(٣) أخرجه البخاري (١٦٠٧، ١٦٣٢).стр. 371
١٧٤ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄، قَالَ: «طَافَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْبَيْتِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ عَلَى رَاحِلَتِهِ يَسْتَلِمُ الْحَجَرَ بِمِحْجَنِهِ، لِأَنْ يَرَاهُ النَّاسُ وَلِيُشْرِفَ وَلِيَسْأَلُوهُ، فَإِنَّ النَّاسَ غَشُوهُ» (١) .
١٧٥ - عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂، قَالَتْ: شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنِّي أَشْتَكِي، فَقَالَ: «طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ» (٢) .
بوب البخاري (٧٤) من الحج: بَابُ الْمَرِيضِ يَطُوفُ رَاكِبًا، وساق حديث ابن عباس ﵄ في الباب.
قال النووي في «شرح مسلم»: فِي هَذَا الْحَدِيثِ جَوَازُ الطَّوَافِ رَاكِبًا وَاسْتَدَلَّ بِهِ أَصْحَابُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ عَلَى طَهَارَةِ بَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ ذَلِكَ مِنَ الْبَعِيرِ، فَلَوْ كَانَ نَجَسًا لَمَا عَرَّضَ الْمَسْجِدَ لَهُ. اهـ.
قُلْتُ: وهذا القول هو الصواب، وقد عضد ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية كما في «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٥٢٣)، وما بعدها من عدة وجوه. الحواشي
(١) رواه مسلم(١٢٧٣) .(٢) أخرجه البخاري(١٦٣٣) ، ومسلم(١٢٧٦) .стр. 372
وجاء في سبب ركوبه عدة تعليلات في الحديث:
• منها: ليراه الناس وليسألوه.
• ومنها: أنَّه للمرض كما بوب عليه البخاري.
• ومنها: أنَّهم غشوه وازدحموا عليه.
قال النووي في شرح الحديث من «مسلم» (١٢٧٣) : فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ ﷺ طَافَ رَاكِبًا لِهَذَا كُلِّهِ، وَقِيلَ أَيْضًا: لِبَيَانِ الْجَوَازِ. اهـ.
وقال ابن قدامة في «المغني» (٣/ ٣٥٨): لَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي صِحَّةِ طَوَافِ الرَّاكِبِ إذَا كَانَ لَهُ عُذْرٌ. اهـ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في «المجموع» (٢٦/ ١٨٨): يَجُوزُ الطَّوَافُ رَاكِبًا وَمَحْمُولًا لِلْعُذْرِ بِالنَّصِّ وَاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ. اهـ.
قُلْتُ: وعلى هذا فالطواف راكبًا يجوز للعذر، ويكره لغير عذر مع صحته لو فعل لغير عذر.
قال القرطبي في «المفهم» (٣/ ٣٧٩): لا خلاف في جواز طواف المريض راكبًا للعذر، واختلف في طواف من لا عذر له راكبًا، فأجازه قوم؛ منهم ابن المنذر؛ أخذًا بطوافه ﷺ راكبًا. والجمهور على كراهة ذلك ومنعه، متمسكين بظاهر قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩) ﴾ [الحج: ٢٩]. اهـ.
قُلْتُ: وقول الجمهور هو الصواب؛ لأن الأصل في الطواف والسعي عدم الركوب إلا لعذر.
стр. 373
[٥٩]- أمر النساء بالابتعاد عن الرجال في الطواف قدر الاستطاعة وعدم المزاحمة عند استلامهن الركن
١٧٦ - بوب البخاري ﵀: بَابُ طَوَافِ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ (١) ، قال: وقَالَ لِي عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ: إِذْ مَنَعَ ابْنُ هِشَامٍ النِّسَاءَ الطَّوَافَ مَعَ الرِّجَالِ، قَالَ: كَيْفَ يَمْنَعُهُنَّ؟ وَقَدْ طَافَ نِسَاءُ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ الرِّجَالِ؟ قُلْتُ: أَبَعْدَ الحِجَابِ أَوْ قَبْلُ؟ قَالَ: إِي لَعَمْرِي، لَقَدْ أَدْرَكْتُهُ بَعْدَ الحِجَابِ، قُلْتُ: كَيْفَ يُخَالِطْنَ الرِّجَالَ؟ قَالَ: لَمْ يَكُنَّ يُخَالِطْنَ، كَانَتْ عَائِشَةُ تَطُوفُ حَجْرَةً مِنَ الرِّجَالِ، لَا تُخَالِطُهُمْ، فَقَالَتْ امْرَأَةٌ: انْطَلِقِي نَسْتَلِمْ يَا أُمَّ المُؤْمِنِينَ، قَالَتْ: انْطَلِقِي عَنْكِ. стр. 374
١٧٧ - عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنِّي أَشْتَكِي، فَقَالَ: «طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ»، فَطُفْتُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي إِلَى جَنْبِ البَيْتِ، وَهُوَ يَقْرَأُ بِالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (١) .
قال النووي في «شرح مسلم»: سُنَّةَ النِّسَاءِ التَّبَاعُدُ عَنِ الرِّجَالِ فِي الطَّوَافِ. اهـ.
قال القرطبي ﵀ في «المفهم» (٣/ ٣٨١): وإنما أمرها أن تطوف من وراء الناس؛ لأن ذلك سنة طواف النِّساء؛ لئلا يختلطن بالرِّجال. اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر في «الفتح» (١٦١٩) : وَإِنَّمَا أَمَرَهَا أَنْ تَطُوفَ مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ لِيَكُونَ أَسْتَرَ لَهَا وَلَا تَقْطَعُ صُفُوفَهُمْ أَيْضًا. اهـ.
قال ابن عبد البر في «التمهيد» (١٤/ ٢٦٢): الِاسْتِلَامُ لِلرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ عَنْ عَائِشَةَ، وَعَطَاءٍ، وَغَيْرِهِمَا، وَعَلَيْهِ جَمَاعَةُ الْفُقَهَاءِ. اهـ. الحواشي
(١) أخرجه البخاري(١٦٣٣) ، ومسلم(١٢٧٦) .стр. 375
[٦٠]- باب الركعتين بعد الطواف وما يقرأ فيهما والصلاة إلى سترة بمكة وغيرها
قال الله ﵎: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥].
١٧٨ - عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: «قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا، وَصَلَّى خَلْفَ المَقَامِ رَكْعَتَيْنِ» (١) .
١٧٩ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: «اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَطَافَ بِالْبَيْتِ، وَصَلَّى خَلْفَ المَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، وَمَعَهُ مَنْ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ» (٢) .
وقوله: (وَمَعَهُ مَنْ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ):
دليل على الصلاة إلى سترة في مكة، ولا يترك من يمر بين بين يديه إذا كان في غير مطافهم الذي هم أحق به، ومن بابه الحديث الآتي. الحواشي
(١) أخرجه البخاري(١٩٧٣) .(٢) أخرجه البخاري(١٦٠٠) .стр. 376
[٦١]- بوب البخاري ﵀: بَابُ السُّتْرَةِ بِمَكَّةَ وَغَيْرِهَا
١٨٠ - وقال: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الحَكَمِ، عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ ﵁، قَالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالهَاجِرَةِ، فَصَلَّى بِالْبَطْحَاءِ الظُّهْرَ وَالعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ، وَنَصَبَ بَيْنَ يَدَيْهِ عَنَزَةً وَتَوَضَّأَ»، فَجَعَلَ النَّاسُ يَتَمَسَّحُونَ بِوَضُوئِهِ (١) .
قال الحافظ ابن حجر في «الفتح»: وَالَّذِي أَظُنُّهُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَنْكُتَ عَلَى مَا تَرْجَمَ بِهِ عَبْدُ الرَّزَّاقِ حَيْثُ قَالَ: فِي بَابِ لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ بِمَكَّةَ شَيْءٌ ثُمَّ أَخْرَجَ عَنْ بن جُرَيْجٍ عَنْ كَثِيرِ بْنِ كَثِيرِ بْنِ الْمُطَّلِبِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جِدِّهِ قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ أَيِ النَّاس سُتْرَةٌ».
وَأَخْرَجَهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ أَيْضًا أَصْحَابُ السُّنَنِ، وَرِجَالُهُ مُوَثَّقُونَ، إِلَّا أَنَّهُ الحواشي
(١) البخاري(٥٠١) .стр. 377
مَعْلُولٌ، فَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَنْ أَحْمد عَنْ بن عُيَيْنَة قَالَ كَانَ بن جُرَيْجٍ أَخْبَرَنَا بِهِ هَكَذَا، فَلَقِيتُ كَثِيرًا فَقَالَ: لَيْسَ مِنْ أَبِي سَمِعْتُهُ وَلَكِنْ عَنْ بَعْضِ أَهْلِي عَنْ جَدِّي.
فَأَرَادَ الْبُخَارِيُّ التَّنْبِيهَ عَلَى ضَعْفِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَأَنْ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَكَّةَ وَغَيْرِهَا فِي مَشْرُوعِيَّةِ السُّتْرَةِ، وَاسْتُدِلَّ عَلَى ذَلِكَ بِحَدِيثِ أَبِي جُحَيْفَةَ وَقَدْ قَدَّمْنَا وَجْهَ الدَّلَالَةِ مِنْهُ.
وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَأَنْ لَا فَرْقَ فِي مَنْعِ الْمُرُورِ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي بَيْنَ مَكَّةَ، وَغَيْرِهَا. اهـ.
стр. 378
[٦٢]- ركعتا الطواف وقراءة الآية لمن صلاها خلف المقام وقراءة سورتي الكافرين والإخلاص فيها والرجوع لاستلام الركن اليمان إن سهل عليه ذلك
١٨١ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄، وفيه: ثُمَّ نَفَذَ إِلَى مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ ﵇، فَقَرَأَ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]، فَجَعَلَ الْمَقَامَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ، فَكَانَ أَبِي يَقُولُ - وَلَا أَعْلَمُهُ ذَكَرَهُ إِلَّا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : كَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) ﴾ [الإخلاص: ١] وَ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) ﴾ [الكافرون: ١]، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الْبَابِ إِلَى الصَّفَا (١) .
قال النووي في شرحه على هذا الحديث: هَذَا دَلِيلٌ لِمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِكُلِّ طَائِفٍ إِذَا فَرَغَ مِنْ طَوَافِهِ أَنْ يُصَلِّيَ خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ.
وَاخْتَلَفُوا هَلْ هُمَا واجبتان أم سنتان؟ وَعِنْدَنَا فِيهِ خِلَافٌ، حَاصِلُهُ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ:
• أَصَحُّهَا: أَنَّهُمَا سُنَّةٌ. الحواشي
(١) أخرجه مسلم(١٢١٨) .стр. 379
• وَالثَّانِي: أَنَّهُمَا وَاجِبَتَانِ.
• وَالثَّالِثُ: إِنْ كَانَ طَوَافًا وَاجِبًا فَوَاجِبَتَانِ وَإِلَّا فَسُنَّتَانِ.
وقال: (قَوْلُهُ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) ﴾ [الإخلاص: ١]، وَ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) ﴾ [الكافرون: ١]: مَعْنَاهُ: قَرَأَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى بَعْدَ الْفَاتِحَةِ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) ﴾ [الكافرون: ١]، وَفِي الثَّانِيَةِ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) ﴾ [الإخلاص: ١].
قال: فِيهِ دَلَالَةٌ لِمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ: إنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلطَّائِفِ طَوَافُ الْقُدُومِ إِذَا فَرَغَ مِنَ الطَّوَافِ وَصَلَاتِهِ خَلْفَ الْمَقَامِ أَنْ يَعُودَ إِلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فَيَسْتَلِمَهُ ثُمَّ يَخْرُجَ مِنْ بَابِ الصَّفَا لِيَسْعَى، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ هَذَا الِاسْتِلَامَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَإِنَّمَا هُوَ سُنَّةٌ لَوْ تَرَكَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ دَمٌ. اهـ.
стр. 380
[٦٣]- استحباب الشرب من ماء زمزم، والتزود منه، وما جاء في فضل من سقى الناس منه
١٨٢ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَاءَ إِلَى السِّقَايَةِ فَاسْتَسْقَى، فَقَالَ العَبَّاسُ: يَا فَضْلُ، اذْهَبْ إِلَى أُمِّكَ فَأْتِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِشَرَابٍ مِنْ عِنْدِهَا، فَقَالَ: «اسْقِنِي»، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ أَيْدِيَهُمْ فِيهِ، قَالَ: «اسْقِنِي»، فَشَرِبَ مِنْهُ، ثُمَّ أَتَى زَمْزَمَ وَهُمْ يَسْقُونَ وَيَعْمَلُونَ فِيهَا، فَقَالَ: «اعْمَلُوا فَإِنَّكُمْ عَلَى عَمَلٍ صَالِحٍ» ثُمَّ قَالَ: «لَوْلَا أَنْ تُغْلَبُوا لَنَزَلْتُ، حَتَّى أَضَعَ الحَبْلَ عَلَى هَذِهِ»، يَعْنِي: عَاتِقَهُ، وَأَشَارَ إِلَى عَاتِقِهِ (١) .
قال الحافظ ابن حجر ﵀: كَانَ عَبْدُ مَنَافٍ يَحْمِلُ الْمَاءَ فِي الرَّوَايَا وَالْقِرَبِ إِلَى مَكَّةَ، وَيَسْكُبُهُ فِي حِيَاضٍ مِنْ أَدَمٍ بِفِنَاءِ الْكَعْبَةِ لِلْحُجَّاجِ، ثُمَّ فَعَلَهُ ابْنُهُ هَاشِمٌ بَعْدَهُ ثُمَّ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ، فَلَمَّا حُفِرَ زَمْزَمُ كَانَ يَشْتَرِي الزَّبِيبَ فَيَنْبِذُهُ فِي مَاء زَمْزَم، ويسقي النَّاس. اهـ. الحواشي
(١) أخرجه البخاري(١٦٣٥) ، تحت بَاب سِقَايَةِ الحَاجِّ.стр. 381
١٨٣ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄، قال - في حديثه عن حجة النَّبِيّ ﷺ : ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأَفَاضَ إِلَى الْبَيْتِ، فَصَلَّى بِمَكَّةَ الظُّهْرَ، فَأَتَى بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، يَسْقُونَ عَلَى زَمْزَمَ، فَقَالَ: «انْزِعُوا، بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَلَوْلَا أَنْ يَغْلِبَكُمُ النَّاسُ عَلَى سِقَايَتِكُمْ لَنَزَعْتُ مَعَكُمْ»، فَنَاوَلُوهُ دَلْوًا فَشَرِبَ مِنْهُ (١) .
١٨٤ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَاءُ زَمْزَمَ، لِمَا شُرِبَ لَهُ» (٢) .
١٨٥ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّهَا كَانَتْ تَحْمِلُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ، وَتُخْبِرُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَحْمِلُهُ» (٣) . الحواشي
(١) أخرجه مسلم(١٢١٨) .(٢) أخرجه ابن ماجه(٣٠٦٢) ، وأحمد(١٤٨٤٩) ، وهو حديث صالح للاحتجاج كما قال الحافظ ابن حجر ﵀، وحسنه ابن القيم ﵀ في «زاد المعاد» (٤/ ٣٩٣)، وفي الباب حديث: «إِنَّهَا مُبَارَكَةٌ، إِنَّهَا طَعَامُ طُعْمٍ»، أخرجه مسلم(٢٤٧٣) ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الصَّامِتِ ﵁، ضمن حديث طويل في فضائل أبي ذر ﵁.(٣) أخرجه الترمذي(٩٦٣) .стр. 382
١٨٦ - وعَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ ﵁، أَنَّ أُمَّهُ مَاتَتْ، فَقَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ أَفَأَتَصَدَّقُ عَنْهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ»، قَالَ: فَأَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «سَقْيُ الْمَاءِ» (١) .
قال ابن القيم ﵀ في «زاد المعاد» (٤/ ٣٥٩): مَاءُ زَمْزَمَ: سَيِّدُ الْمِيَاهِ وَأَشْرَفُهَا وَأَجَلُّهَا قَدْرًا وَأَحَبُّهَا إِلَى النُّفُوسِ وَأَغْلَاهَا ثَمَنًا وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ النَّاسِ، وَهُوَ هَزْمَةُ جِبْرِيلَ، وَسُقْيَا اللَّهِ إِسْمَاعِيلَ، وَثَبَتَ فِي «الصَّحِيحِ» عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ لأبي ذر وَقَدْ أَقَامَ بَيْنَ الْكَعْبَةِ وَأَسْتَارِهَا أَرْبَعِينَ مَا بَيْنَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، لَيْسَ لَهُ طَعَامٌ غَيْرَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّهَا طَعَامُ طُعْمٍ»، وَزَادَ غَيْرُ مسلم بِإِسْنَادِهِ: «وَشِفَاءُ سُقْمٍ».
وَفِي «سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ» مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: الحواشي
(١) أخرجه أحمد (٣٧/ ١٢٤)، و (٣٩/ ٢٦٤)، وأبو داود (١٦٧٩ - ١٦٨٢)، والنسائي(٣٦٩٤) ، وابن ماجه(٣٦٨٤) ، ورجال سنده منقطع.
وفي الباب حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ القدسي، قَالَ اللهَ تعالى: «اسْتَسْقَاكَ عَبْدِي فُلَانٌ فَلَمْ تَسْقِهِ، أَمَا إِنَّكَ لَوْ سَقَيْتَهُ وَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي»، أخرجه مسلم(٢٥٦٩) .
وفي «جامع الترمذي»(٢٤٤٩) ، و «ترغيب المنذري»(١٤٢٦) ، بعض الضعاف في فضل سقي الماء، فبمجموع أصول هذا الحديث يصلح للاحتجاج، وقد حسنه العلامة الألباني ﵀ في «صحيح الجامع» رقم:(١١١٣) .стр. 383
«مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ»، وَقَدْ ضَعَّفَ هَذَا الْحَدِيثَ طَائِفَةٌ بعبد الله بن المؤمل رَاوِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ.
وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، أَنَّهُ لَمَّا حَجَّ، أَتَى زَمْزَمَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّ ابن أبي الموالي حَدَّثَنَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جابر ﵁، عَنْ نَبِيِّكَ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ»، وَإِنِّي أَشْرَبَهُ لِظَمَأِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وابن أبي الموالي ثِقَةٌ، فَالْحَدِيثُ إِذًا حَسَنٌ، وَقَدْ صَحَّحَهُ بَعْضُهُمْ، وَجَعَلَهُ بَعْضُهُمْ مَوْضُوعًا، وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ فِيهِ مُجَازَفَةٌ.
وَقَدْ جَرَّبْتُ أَنَا وَغَيْرِي مِنَ الِاسْتِشْفَاءِ بِمَاءِ زَمْزَمَ أُمُورًا عَجِيبَةً، وَاسْتَشْفَيْتُ بِهِ مِنْ عِدَّةِ أَمْرَاضٍ، فَبَرَأْتُ بِإِذْنِ اللَّهِ، وَشَاهَدْتُ مَنْ يَتَغَذَّى بِهِ الْأَيَّامَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ قَرِيبًا مِنْ نِصْفِ الشَّهْرِ أَوْ أَكْثَرَ وَلَا يَجِدُ جُوعًا، وَيَطُوفُ مَعَ النَّاسِ كَأَحَدِهِمْ، وَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ رُبَّمَا بَقِيَ عَلَيْهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَكَانَ لَهُ قُوَّةً يُجَامِعُ بِهَا أَهْلَهُ، وَيَصُومُ وَيَطُوفُ مِرَارًا. اهـ.
وقال ﵀ في «مدارج السالكين» (١/ ٩٢): وَأَمَّا شَهَادَةُ التَّجَارِبِ بِذَلِكَ فَهِيَ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُذْكَرَ، وَذَلِكَ فِي كُلِّ زَمَانٍ، وَقَدْ جَرَّبْتُ أَنَا مِنْ ذَلِكَ فِي نَفْسِي وَفِي غَيْرِي أُمُورًا عَجِيبَةً، وَلَا سِيَّمَا مُدَّةَ الْمُقَامِ بِمَكَّةَ، فَإِنَّهُ كَانَ يَعْرِضُ لِي آلَامٌ مُزْعِجَةٌ، بِحَيْثُ تَكَادُ تَقْطَعُ الْحَرَكَةَ مِنِّي، وَذَلِكَ فِي أَثْنَاءِ الطَّوَافِ وَغَيْرِهِ، فَأُبَادِرُ إِلَى قِرَاءَةِ
стр. 384
الْفَاتِحَةِ، وَأَمْسَحُ بِهَا عَلَى مَحَلِّ الْأَلَمِ فَكَأَنَّهُ حَصَاةٌ تَسْقُطُ، جَرَّبْتُ ذَلِكَ مِرَارًا عَدِيدَةً، وَكُنْتُ آخُذُ قَدَحًا مِنْ مَاءِ زَمْزَمٍ فَأَقْرَأُ عَلَيْهِ الْفَاتِحَةَ مِرَارًا، فَأَشْرَبُهُ فَأَجِدُ بِهِ مِنَ النَّفْعِ وَالْقُوَّةِ مَا لَمْ أَعْهَدْ مِثْلَهُ فِي الدَّوَاءِ، وَالْأَمْرُ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ، وَلَكِنْ بِحَسَبِ قُوَّةِ الْإِيمَانِ، وَصِحَّةِ الْيَقِينِ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ. اهـ.
стр. 385
[٦٤]- باب وجوب السعي بين الصفا والمروة في الحج والعمرة واستحباب الذكر والدعاء عليهما في كل شوط
قال الله ﵎: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨) ﴾ [البقرة: ١٥٨].
١٨٧ - وقال الإمام النسائي ﵀: باب الذِّكْرُ وَالدُّعَاءُ عَلَى الصَّفَا، رقم (٢٩٧٧) : أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَكَمِ، عَنْ شُعَيْبٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا اللَّيْثُ، عَنْ ابْنِ الْهَادِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرٍ ﵁، قَالَ: طَافَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْبَيْتِ سَبْعًا، رَمَلَ مِنْهَا ثَلَاثًا، وَمَشَى أَرْبَعًا، ثُمَّ قَامَ عِنْدَ الْمَقَامِ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَقَرَأَ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]، وَرَفَعَ صَوْتَهُ يُسْمِعُ النَّاسَ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَاسْتَلَمَ، ثُمَّ ذَهَبَ، فَقَالَ: «نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ»، فَبَدَأَ بِالصَّفَا فَرَقِيَ عَلَيْهَا حَتَّى بَدَا لَهُ الْبَيْتُ، وَقَالَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ»، وَكَبَّرَ اللهَ وَحَمِدَهُ، ثُمَّ دَعَا بِمَا قُدِّرَ لَهُ، ثُمَّ نَزَلَ مَاشِيًا حَتَّى تَصَوَّبَتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ
стр. 386
الْمَسِيلِ فَسَعَى حَتَّى صَعِدَتْ قَدَمَاهُ. ثُمَّ مَشَى حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ فَصَعِدَ فِيهَا. ثُمَّ بَدَا لَهُ الْبَيْتُ فَقَالَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ»، قَالَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ ذَكَرَ اللهَ، وَسَبَّحَهُ، وَحَمِدَهُ، ثُمَّ دَعَا عَلَيْهَا بِمَا شَاءَ اللهُ، (فَعَلَ هَذَا حَتَّى فَرَغَ مِنَ الطَّوَافِ).
وإسناده صحيح، رجاله كلهم ثقات:
شُعَيْبٌ: هو بن الليث بن سعد.
ابْنُ الْهَادِ: هو يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد.
وأخرجه النسائي بهذا السند (٢٩٨٥) ، تحت باب مَوْضِع الْقِيَامِ عَلَى الْمَرْوَةِ.
وأخرجه (٢٩٨٦) تحت باب التَّكْبِير عَلَيْهَا، أي: المروة، وقال: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ، قَالَ: أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ به، إلى قوله: «حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ فَفَعَلَ عَلَيْهَا كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا حَتَّى قَضَى طَوَافَهُ». اهـ.
وهذا سند صحيح، وكل هذه الألفاظ الصحيحة تفيد أنَّ الذكر والدعاء مستحب في كل شوط على الصفا والمروة مثل الأول.
стр. 387
١٨٨ - عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ : مَا أَرَى عَلَى أَحَدٍ، لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، شَيْئًا، وَمَا أُبَالِي أَنْ لَا أَطُوفَ بَيْنَهُمَا. قَالَتْ: بِئْسَ مَا قُلْتَ، يَا ابْنَ أُخْتِي! طَافَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَطَافَ الْمُسْلِمُونَ، فَكَانَتْ سُنَّةً. وَإِنَّمَا كَانَ مَنْ أَهَلَّ لِمَنَاةَ الطَّاغِيَةِ، الَّتِي بِالْمُشَلَّلِ، لَا يَطُوفُونَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَلَمَّا كَانَ الْإِسْلَامُ سَأَلْنَا النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]، وَلَوْ كَانَتْ كَمَا تَقُولُ لَكَانَتْ: فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا.
وفي رواية: عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَ: قُلْتُ لَهَا: إِنِّي لَأَظُنُّ رَجُلًا لَوْ لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ مَا ضَرَّهُ، قَالَتْ: لِمَ؟ قُلْتُ: لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]، إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، فَقَالَتْ: مَا أَتَمَّ اللهُ حَجَّ امْرِئٍ، وَلَا عُمْرَتَهُ لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَلَوْ كَانَ كَمَا تَقُولُ لَكَانَ: فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا، وَهَلْ تَدْرِي فِيمَا كَانَ ذَاكَ؟ إِنَّمَا كَانَ ذَاكَ أَنَّ الْأَنْصَارَ كَانُوا يُهِلُّونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لِصَنَمَيْنِ عَلَى شَطِّ الْبَحْرِ، يُقَالُ لَهُمَا: إِسَافٌ وَنَائِلَةُ، ثُمَّ يَجِيئُونَ، فَيَطُوفُونَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ يَحْلِقُونَ، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ، كَرِهُوا أَنْ يَطَّوَّفُوا بَيْنَهُمَا لِلَّذِي كَانُوا يَصْنَعُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، قَالَتْ: فَأَنْزَلَ اللهُ : ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]، إِلَى آخِرِهَا، قَالَتْ: فَطَافُوا.
стр. 388
وفي رواية: قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَتْرُكَ الطَّوَافَ بِهِمَا (١) . الحواشي
(١) أخرجه مسلم رقم:(١٢٧٧) ، أي: للحج والعمرة، فلا يشرع الطواف بهما إلا في حج أو عمرة، وفعله في غير حج أو عمرة محدث؛ لعدم فعل النَّبِيِّ ﷺ التطوع بالسعي مفردًا عن الحج أو العمرة.
قال الحافظ ابن حجر في «الفتح» (٣/ ٤٩٩)، تحت حديث(١٦٤٣) : قوله: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ(١٥٨) ﴾ [البقرة: ١٥٨]، لِأَنَّهُ رَاجِعٌ إِلَى أَصْلِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ لَا إِلَى خُصُوصِ السَّعْيِ لِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ التَّطَوُّعَ بِالسَّعْيِ لِغَيْرِ الْحَاجِّ وَالْمُعْتَمِرِ غَيْرُ مَشْرُوعٍ. اهـ.стр. 389
[٦٥]- السعي في الوادي
١٨٩ - وفي مسلم (١٢١٨) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَشَى حَتَّى إِذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي سَعَى، حَتَّى إِذَا صَعِدَنَا مَشَى (١) . الحواشي
(١) أخرجه مسلم(١٢١٨) .стр. 390
[٦٦]- شدة السعي في بطن الوادي بين العلمين لغير المرأة
١٩٠ - قال الإمام أحمد ﵀: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي زِيَادٍ الْقَطْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، أَخْبَرَنِي حَرْبٌ أَبُو سُفْيَانَ الْمِنْقَرِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ أَبُو جَعْفَرٍ، حَدَّثَنِي عَمِّي، عَنْ أَبِيِ ﵁: أَنَّهُ «رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا، وَالْمَرْوَةِ فِي الْمَسْعَى كَاشِفًا عَنْ ثَوْبِهِ، قَدْ بَلَغَ إِلَى رُكْبَتَيْهِ» (١) .
وفي حديث عَلِيَّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ دليل على أنَّ الركبة ليست عورة، كما أنَّ السُّرَّة ليست عورة، والعورة: (تحت السُّرَّة، وفوق الركبة) لحديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أنَّه قَالَ للْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵄: أَرِنِي أُقَبِّلْ مِنْكَ حَيْثُ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ الحواشي
(١) رقم(٥٩٧) ، هذا حديث حسن، ومن بابه ما أخرجه البخاري تحت باب(٨٠) ، مَا جَاءَ فِي السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، من كتاب الحج، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وابْنِ عَبَّاسٍ ﵃، أنَّ النَّبِيّ ﷺ سَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وقال: «اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي».следующие страницы →