← Фикх малики

Фикх малики · id 30135

مسالك الجلالة في اختصار المناهل الزلالة

مختار بن العربي الجزائري

Полный текст (1 525 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

أن يكون طاهرا، منتفعا به، مقدورا على تسليمه، معلوما للمتبايعين، غير منهي عن بيعه. ٣ - ما ينعقد به البيع وهو الإيجاب والقبول وما شاركهما في الدلالة على الرضا كالمعاملات. قال المصنف مفتتحا الباب بقوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربواا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، ليشير إلى حرمة الربا وإثم المعاملة فيه. الربا: لغة: الزيادة ومنه قوله تعالى: ﴿فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت﴾ [النحل: ٩٢]. وفي الشرع: فضل مخصوص مستحق لأحد المتعاقدين، خال عما يقابله من العوض، أو الزيادة في أشياء مخصوصة (١). وهو محرم بالكتاب والسنة والإجماع، فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربواا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله﴾ [البقرة: ٢٧٨، ٢٧٩]، وقوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربواا﴾ وهو أصل ما ذكره المصنف، ومن السنة حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «اجتنبوا السبع الموبقات، قيل: يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات» (٢)، وحديث ابن مسعود ﵁ قال: «لعن رسول الله ﷺ آكل الربا وموكله» (٣)، وفي لفظ: «وشاهديه وكاتبه» (٤)، وحديث عبد الله بن

стр. 1017

حنظلة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم، أشد من ست وثلاثين زنية» (١). وانعقد الإجماع على تحريمه فمن استحله كفر بلا خلاف (٢)؛ وقال النووي: «أجمع المسلمون على تحريم الربا، وعلى أنه من الكبائر» (٣). ومن الوعيد في أكل الربا حديث سمرة بن جندب ﵁ في روايته حديث الذين رآهم النبي ﷺ في الرؤيا وفيه: «حتى أتينا على نهر من دم فيه رجل قائم على وسط النهر ورجل بين يديه حجارة، فأقبل الرجل الذي في النهر فإذا أراد أن يخرج رمى الرجل بحجر في فيه فرده حيث كان فجعل كلما جاء ليخرج رمى في فيه بحجر فيرجع كما كان … . إلى أن قال في «تفسيره» … والذي رأيته في النهر آكلوا الربا» (٤). • ربا النسيئة: (وكان ربا الجاهلية)؛ أي: أهل الجاهلية وهي الأزمنة التي كانت قبل الإسلام (في الديون إما أن يقضيه) دينه (وإما أن يربي)؛ أي: يزيد (له فيه)؛ أي: ويؤخره، وسواء كانت الزيادة في القدر أو الصفة، روى الطبري عن السدي قال: «في قوله تعالى: ﴿يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربوا إن كنتم مؤمنين﴾: نزلت هذه الآية في العباس بن عبد المطلب ورجل من بني المغيرة، كانا شريكين في الجاهلية في الربا إلى أناس من ثقيف» (٥).

стр. 1018

وقال الجصاص: «الربا الذي كانت العرب تعرفه وتفعله إنما كان قرض الدراهم والدنانير إلى أجل، بزيادة على مقدار ما استقرض، على ما يتراضون به … ومعلوم أن ربا الجاهلية كان قرضا مؤجلا بزيادة مشروطة، فكانت الزيادة بدلا من الأجل، فأبطله الله تعالى وحرمه» (١). والسنة المطهرة بينت أن «من زاد أو استزاد فقد أربى» (٢). وقال الرازي: «ربا النسيئة هو الأمر الذي كان مشهورا متعارفا عليه في الجاهلية، وذلك أنهم كانوا يدفعون المال على أن يأخذوا كل شهر قدرا معينا، ويكون رأس المال باقيا، ثم إذا حل الدين طلبوا المديون برأس المال، فإن تعذر عليه الأداء زادوا في الحق والأجل، فهذا هو الربا الذي كانوا في الجاهلية يتعاملون به». اه (٣). قال ابن المنذر: «أجمعوا على أن المسلف إذا شرط على المستسلف زيادة، أو هدية فأسلف على ذلك أن أخذ الزيادة على ذلك ربا» (٤) وقال القرطبي: «أجمع المسلمون نقلا عن نبيهم ﷺ أن اشتراط الزيادة في السلف ربا، ولو كان قبضة من علف كما قال ابن مسعود أو حبة واحدة» (٥). قال ابن رشد الجد في «مقدماته»: «وأما الربا في النسيئة فيكون في الصنف الواحد وفي الصنفين، أما الصنف الواحد فهو في كل شيء من جميع الأشياء، لا يجوز واحد باثنين من صنفه إلى أجل من جميع الأشياء» (٦)

стр. 1019

• ربا الفضل: (ومن الربا في غير النسيئة) بالمد والهمز كخطيئة (بيع الفضة بالفضة يدا بيد متفاضلا وكذلك منه بيع الذهب بالذهب) يدا بيد متفاضلا «ولا يجوز فضة بفضة، ولا ذهب بذهب إلا مثلا بمثل يدا بيد» لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها غائبا بناجز»، وفي لفظ: «إلا يدا بيد»، وفي لفظ: «مثلا بمثل سواء بسواء» (١)، وحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «الذهب بالذهب وزنا بوزن مثلا بمثل» (٢) ف لا بد من أمرين في بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة: ١ - التماثل في الجنس بغير زيادة ولا نقصان، ويسقط هذا الشرط إذا اختلف الجنسان كذهب بفضة أو عملة ورقية كدينار بريال.

стр. 1020

٢ - القبض في المجلس قبل الافتراق ؛ فلا يباع غائب بناجز، ولا يتأخر القبض، فإن تأخر القبض فالصرف فاسد بغير خلاف. (والفضة بالذهب ربا إلا يدا بيد)؛ أي: فيجوز ولو اختلفا في العدد ما دام القبض في المجلس، وهذا ما يسمى عند الفقهاء بالصرف لاختلاف الجنسين، وقد بينا الشرطين آنفا. فالصرف لغة: مادته تدور على التقلب والتغير في الأشياء، قال في «اللسان»: «الصرف بيع الذهب بالفضة، وبالعكس، لأنه يتصرف به عن جوهر إلى جوهر» (١). وفي «الاصطلاح»: هو بيع الأثمان بعضها ببعض، والأحاديث في الباب كثيرة مشهورة منها حديث عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الذهب بالورق ربا، إلا هاء وهاء … »، «هاء وهاء» (٢)؛ أي: خذ وهات، وفي الباب من حديث عبادة بن الصامت وغيره (٣). والنقود التي كانت موجودة في عصر الرسول ﷺ كانت من الذهب وهي الدينار، ومن الفضة وهو الدرهم. ومع مر القرون تطورت النقود وصار الأمر إلى ما نحن فيه، وأخذت النقود أحكام الذهب والفضة، كما هو عليه قرارات المجامع الفقهية المعاصرة، والعلماء المعتبرين (٤). «والصرف ثلاثة أنواع: بيع عين بعين ليست من جنسها، وهو الأصل في معنى الصرف، وبيع الذهب

стр. 1021

بالذهب، وبيع الفضة بالفضة، ولهما أيضا حكم الصرف، مع أن علماءنا اصطلحوا على تسميتها (مراطلة) إذا كان بيع كل واحد منهما بجنسه وزنا، و (مبادلة) إن تم بيعهما عددا، وهذا مجرد اصطلاح فإن أحكام الصرف تشمل الجميع» (١). (والطعام من الحبوب) ذوات السنابل وهي القمح والشعير والسلت؛ وذوات الأغلاف وهي: الذرة، والدخن، والأرز، ومفاده أن القطنية ليست من الحبوب (و) من (القطنية) بكسر القاف وفتحها: الفول، والحمص، والبسيلة، والجلبان، والترمس، واللوبيا، والعدس (و) من (شبهها)؛ أي: القطنية (مما يدخر من قوت) وهو ما تقوم به البنية الآدمية كاللحم والسمن (أو إدام) كالعسل والخل (لا يجوز) خبر عن قوله والطعام؛ أي: الطعام كله لا يجوز (الجنس)؛ أي: بيع الجنس الواحد (منه بجنسه إلا مثلا بمثل يدا بيد، ولا يجوز فيه التأخير) (٢) لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلا بمثل، يدا بيد، فمن زاد، أو استزاد، فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء» (٣). وحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «التمر بالتمر، والحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير، والملح بالملح، مثلا بمثل، يدا بيد، فمن زاد، أو استزاد، فقد أربى، إلا ما اختلفت ألوانه» (٤)، وحديث عمر بن الخطاب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «الذهب بالورق ربا إلا هاء وهاء، والتمر بالتمر ربا إلا هاء وهاء» (٥).

стр. 1022

(ولا يجوز طعام)؛ أي: بيعه (بطعام إلى أجل كان من جنسه أو من خلافه، كان مما يدخر أو لا يدخر) لدخول ربا النساء في كل المطعومات لحديث عبادة بن الصامت ﵁ عن النبي ﷺ قال: «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلا بمثل، سواء بسواء، يدا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف، فبيعوا كيف شئتم، إذا كان يدا بيد» (١)، وابن ماجة بنحوه وفي آخره: «وأمرنا أن نبيع البر بالشعير، والشعير بالبر يدا بيد كيف شثنا» (٢). لقد اتفق العلماء في الأعيان المنصوص عليها في الحديث واختلفوا فيما سواها، والذي ذهب إليه مالك رحمه الله تعالى أن العلة القوت، أو ما يصلح به القوت من جنس المدخرات. ويشترط لصحة الصرف شرطان: القبض والمماثلة بين العوضين في الجنس الواحد، أما قبض العوضين في مجلس واحد فقد دلت عليه الأحاديث المتقدمة كحديث عبادة بن الصامت وغيره، وهو شرط صحة باتفاق العلماء قال ابن المنذر رحمه الله تعالى: «أجمع كل من نحفظ عليه من أهل العلم على أن المتصارفين إذا افترقا قبل أن يتقابضا أن الصرف فاسد» (٣). ومن تأمل الحكمة الناتجة عن منع الصرف غيبا لوجدها للعيان ماثلة في أسواق (البورصة) اليوم وما ينتج عن تلك الصفقات الصرفية المؤجلة التسليم من مفاسد عند تغير السوق بين ثانية وأخرى تكون الخسارة بالملايين، فسبحان من شرع الشرع لكل زمان ومكان، فصدق به أهل الإيمان، وشكك فيه أهل النفاق والبهتان. (ولا بأس)؛ أي: يجوز (بالفواكه والبقول، وما لا يدخر متفاضلا، وإن

стр. 1023

كان من جنس واحد) لأن علة الربا عند مالك الادخار والاقتيات فلا تجري الربا فيما ليس كذلك كالفواكه والبقول، (يدا بيد) لا نسيئة، لأن ربا النساء يدخل الطعام وإن لم يكن ربويا لقوله ﷺ في حديث عبادة السابق: «فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد» فأجاز التفاضل ومنع النساء. (ولا يجوز التفاضل في الجنس الواحد فيما يدخر من الفواكه اليابسة) كالجوز واللوز والبندق عند ابن نافع وابن حبيب لأن علة الربا عندهما الادخار للأكل لا للاقتيات، وهذه الأشياء تدخر للأكل، والمشهور جواز التفاضل فيه مناجزة لما تقدم من علة مالك. وسائر الإدام والطعام والشراب مثل العسل والخل ممتنع فيها التفاضل لأنه يدخر للاقتيات (إلا الماء وحده) فإنه يجوز فيه التفاضل، ولا يجوز بيعه بالطعام إلى أجل على المشهور فيهما. (وما اختلفت أجناسه من ذلك)؛ أي: من الشراب (ومن سائر الحبوب والثمار والطعام فلا بأس بالتفاضل فيه يدا بيد) لقوله ﷺ في حديث عبادة السابق: «فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد». (ولا يجوز التفاضل في الجنس الواحد منه)؛ أي: من الطعام (إلا في الخضر والفواكه) شمل كلامه ما يدخر منها وما لا يدخر، وهو مخالف لقوله سابقا فيما يدخر من الفواكه اليابسة، لكن تقدم أن المشهور جواز التفاضل فيها، والفرق بين جواز ذلك في الخضر والفواكه وبين منعه في الطعام، أن الطعام فيه الاقتيات والادخار بخلاف هذا، فإن اتجر بعضه لا يقتات غالبا، ولما ذكر أن الجنس الواحد لا يجوز إلا مناجزة أراد أن يبين ما هو فقال: (والقمح والشعير والسلت (١) كجنس واحد فيما يحل منه ويحرم) لأنه مقتات تساوت منفعته فوجب أن يحرم فيه التفاضل كما لو كان برا كله أو

стр. 1024

شعيرا كله ولما رواه مالك في «الموطأ» حيث قال: «بلغني أن سليمان بن يسار قال: فني علف حمار سعد بن أبي وقاص ﵁ فقال لغلامه: خذ من حنطة أهلك فابتع بها شعيرا ولا تأخذ إلا مثله» (١)، وروي أيضا عن نافع عن سليمان بن يسار أنه أخبره أن عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث فني علف دابته فقال لغلامه: «خذ من حنطة أهلك طعاما فابتع بها شعيرا ولا تأخذ إلا مثله»، وذكر بلاغا عن ابن معيقيب الدوسي مثل ذلك (٢). ولما في «صحيح مسلم» عن معمر بن عبد الله أنه أرسل غلامه بصاع قمح فقال: «بعه ثم اشتر به شعيرا، فذهب الغلام فأخذ صاعا وزيادة بعض صاع، فلما جاء معمرا أخبره بذلك فقال له معمر لم فعلت ذلك؟ انطلق فرده ولا تأخذه إلا مثلا بمثل قال: وكان طعامنا يومئذ الشعير قيل له: فإنه ليس بمثله، قال: إني أخاف أن يضارع (٣)، هذا هو المشهور. والصحيح كما قال ابن عبد السلام (٤)، وغيره خلافه لقوله ﷺ : «البر بالبر، والشعير بالشعير، مثلا بمثل» ولقوله ﷺ : «لا بأس ببيع البر بالشعير والشعير أكثرهما يدا بيد» (٥)، وفي رواية تقدمت قريبا وأمرنا يعني النبي ﷺ : أن نبيع البر بالشعير، والشعير بالبر، يدا بيد كيف شئنا» فهذه صراحة لا تقبل التأويل، وأما حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ ومعمر فلا حجة فيهما لأنه لم يصرح فيهما بأنهما جنس واحد، وإنما فعلا ذلك تورعا واحتياطا أو تساهلا وتكرما فلا دليل فيه، ثم لو كان صريحا لما كان فيه دليل أصلا لمعارضته للمرفوع الثابت عن النبي ﷺ ولا معارضة بين مرفوع وموقوف.

стр. 1025

(والزبيب كله) أعلاه وأدناه، أحمره وأسوده (صنف) واحد يجوز فيه التماثل، ويحرم فيه التفاضل (و) كذلك (التمر كله) على اختلاف أنواعه قديما وحديثا (صنف) واحد يجوز بيع بعضه ببعض متماثلا، ويحرم متفاضلا لحديث أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ عن رسول الله ﷺ : «استعمل رجلا على خيبر فجاءه بتمر جنيب فقال له رسول الله ﷺ : أكل تمر خيبر هكذا؟ فقال: لا والله يا رسول الله، إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة، فقال رسول الله ﷺ : لا تفعل بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيبا» (١)، وقال في «الميزان» مثل ذلك (٢). (والقطنية أصناف في البيوع لاختلافها في الصورة والمنافع، وعدم استحالة بعضها إلى بعض، واختصاص بعض البلاد ببعضها دون بعض واختلف فيها قول مالك) فمرة قال: إنها جنس واحد لا يجوز التفاضل فيها لأنها تجمع في الزكاة وهي رواية ابن وهب، ومرة قال: هي أجناس مختلفة يجوز التفاضل فيها وهي رواية ابن القاسم. (ولم يختلف قوله في الزكاة أنها صنف واحد) لتقارب منافعها واتفاق معظم الأغراض فيها كذا قالوا وهو تناقض وتضارب قال من أجله الباجي (٣): والأظهر عندي لا يضاف إلى غيره في الزكاة والبيوع، لأننا إن عللنا الجنس بانفصال الحبوب بعضها من بعض اطرد ذلك فيها وانعكس وصح، وإن عللنا باختلاف الصور والمنافع صح والله أعلم. ويقول التتائي: إنه احتياط للربا في البيوع، ولحظ الفقراء في الزكاة. قال الغماري: «وهو كلام فاسد أيضا لأن الاحتياط للربا يقتضي أن تكون القطنية صنفا واحدا حتى لا يقع التفاضل المباح بين الأصناف

стр. 1026

المتنوعة» (١). (ولحوم ذوات الأربع من الأنعام) الإبل والبقر والغنم (والوحش) كالغزال وبقر الوحش كله (صنف) واحد يجوز بيع بعضه ببعض متماثلا، ويحرم متفاضلا، لتشابه لحمها وتقارب منفعتها. (ولحوم الطير كله) إنسيه ووحشيه وإن كان طير ماء (صنف) واحد، لتقاربها في الشبه والمنفعة، ومخالفة جميعها للحوم الأنعام في الصورة والمنفعة، (ولحوم دواب الماء كلها صنف) واحد لما مر في الصنفين قبلها (وما تولد من لحوم الجنس الواحد من شحم فهو كلحمه) فلا يباع شحم بهيمة الأنعام بلحمها إلا مثلا بمثل يدا بيد، ولا شحم الحوت بالحوت إلا مثلا بمثل يدا بيد لأنها متولدة عنها فلها حكم أصلها كشحم الخنزير لورود النص في اللحم (وألبان ذلك الصنف وجبنه وسمنه صنف) له حكم أصله كما في الذي قبله، وصنيع كلامه يقتضي جواز بيع بعضه ببعض متماثلا لأن ذلك شأن الصنف الواحد، وهو من مشكلات الرسالة، ولم يجزه مالك ولا أصحابه وقد أجاب عنه الجزولي بأن تقدير كلامه: وألبان ذلك الصنف صنف، وجبنه صنف، وسمنه صنف، فهؤلاء الأصناف الثلاثة يجوز بيع كل صنف بعضه ببعض متماثلا ولا يجوز متفاضلا. • بيع الطعام قبل قبضه: • قال المصنف رحمه الله تعالى: (ومن ابتاع طعاما فلا يجوز بيعه قبل أن يستوفيه إذا كان شراؤه ذلك على وزن أو كيل أو عدد. بخلاف الجزاف وكذلك كل طعام أو إدام أو شراب إلا الماء وحده، وما يكون من الأدوية والزراريع التي لا يعتصر منها زيت فلا يدخل ذلك فيما يحرم من بيع الطعام قبل قبضه أو التفاضل في الجنس

стр. 1027

الواحد منه، ولا بأس ببيع الطعام القرض قبل أن يستوفيه. ولا بأس بالشركة والتولية والإقالة في الطعام المكيل قبل قبضه). الشرح (ومن ابتاع طعاما) ربويا كان أو غيره فلا يجوز بيعه قبل أن يستوفيه لحديث جابر ﵁ قال: «قال رسول الله ﷺ : «إذا ابتعت طعاما، فلا تبعه حتى تستوفيه» (١)، وحديث ابن عباس ﵄، أنه قال: أما الذي نهى عنه النبي ﷺ : فهو الطعام أن يباع حتى يقبض، قال ابن عباس: ولا أحسب كل شيء إلا مثله» (٢). والنهي عن بيع الطعام قبل قبضه مقيد بما (إذا كان شراؤه)؛ أي: شراء المبتاع (ذلك) الطعام (على وزن، أو كيل، أو عدد) لحديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «من اشترى طعاما بكيل أو وزن فلا يبعه حتى يقبضه»، وفي رواية: «نهى أن يبيع أحد طعاما اشتراه بكيل حتى يستوفيه» (٣)، وحديث جابر ﵁ «نهى رسول الله ﷺ عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان، صاع البائع، وصاع المشتري» (٤)، (بخلاف الجزاف) للتقييد بالمكيل والموزون في الأحاديث السابقة وقوله ﷺ : «حتى يستوفيه»، ولم يقل حتى ينقله أو يأخذه، فعلق هذا الحكم بما ثبت له حكم الاستيفاء وهو المكيل والموزون والمعدود، أما الجزاف فاستيفاؤه بتمام العقد، وليس فيه توفية أكثر من ذلك، ولاضطرار الناس وحاجتهم للبيع الجزاف أباحه الشارع واستثناه من الأصل العام في وجوب معرفة العدد أو الكيل أو الوزن، وله

стр. 1028

شروط سنذكرها لاحقا عند قوله: ولا بأس ببيع الجزاف بحول الله تعالى. (وكذلك كل طعام) ربويا كان أو غير ربوي (أو إدام) كالشحم واللحم (أو شراب)، لا يجوز بيع شيء من ذلك حتى يستوفيه للأدلة السابقة في النهي عن بيع الطعام قبل استيفائه، والإدام والشراب مطعومان داخلان في النهي ولا يستثنى منه شيء (إلا الماء وحده) لعدم مشاحة الناس فيه، ولأنه ليس بطعام بدليل جواز بيعه بالطعام إلى أجل (وما يكون من الأدوية) كالعسل يركب مع غيره من العقاقير فيجعل دواء (والزراريع (١) التي لا يعتصر منها زيت، فلا يدخل ذلك فيما يحرم من بيع الطعام قبل قبضه) لأنه ليس بطعام فلا يتناوله النهي الوارد عن الشارع ﷺ ، وقوله: لا يعتصر … إلخ، يحترز به عن حب السمسم، والقرطم، وحب الفجل الأحمر، والزيتون فهذه لا يجوز بيعها قبل قبضها، وكذا مصلح الطعام كبصل وثوم وتابل كفلفل وكزبرة والكمونين أبيض وأسود، لأن هذه داخلة في الربويات الملحقة بالأربعة المطعومة في الحديث، أما التي لا يعتصر منها مما سوى ذلك (فلا يدخل ذلك فيما)؛ أي: الذي (يحرم من الطعام قبل قبضه أو) فيما يحرم (التفاضل في الجنس الواحد منه) لأنه ليس بمدخر ولا مقتات فلا تدخله الربا. (ولا بأس ببيع الطعام القرض قبل أن يستوفيه) فيجوز للمقترض أن يبيعه قبل أن يستوفيه من المقرض وغيره شرط النقد، ولا يجوز لأجل لأنه إذا باعه للمقرض يكون من فسخ الدين في الدين، وإن باعه من غيره يكون من بيع الدين بالدين، ولأن الممتنع من بيع الطعام قبل قبضه ما توالى فيه بيعتان لم يتخللهما قبض وليس القرض كذلك (ولا بأس بالشركة) في الطعام المكيل قبل قبضه، وهو أن يشرك غيره في البعض (والتولية فيه) وهو أن يولي ما اشتراه لآخر (و) كذا لا بأس ب (الإقالة في الطعام المكيل قبل قبضه) وهو أن يقيل البائع المشتري أو

стр. 1029

العكس، لما رواه سحنون في «المدونة» بسنده إلى سعيد بن المسيب أن رسول الله ﷺ قال: «من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه إلا ما كان من شركة أو تولية أو إقالة» (١)، ولاجتماع أهل العلم على أنه لا بأس بالشركة والتولية والإقالة في الطعام قبل أن يستوفى إذا انتقد الثمن ممن يشركه أو يقيله أو يوليه كما قال مالك في «المدونة» (٢). • بيوع الغرر: • قال المصنف رحمه الله تعالى: وكل عقد بيع أو إجارة أو كراء بخطر أو غرر في ثمن أو مثمون أو أجل فلا يجوز. ولا يجوز بيع الغرر، ولا بيع شيء مجهول، ولا إلى أجل مجهول. ولا يجوز في البيوع التدليس، ولا الغش، ولا الخلابة، ولا الخديعة، ولا كتمان العيوب، ولا خلط دنيء بجيد. ولا أن يكتم من أمر سلعته ما إذا ذكره كرهه المبتاع أو كان ذكره أبخس له في الثمن). -الشرح الغرر في اللغة؛ معناه: الخطر والتعرض للهلكة في النفس أو المال. واصطلاحا: هو التردد بين أمرين أحدهما موافق للغرض، والآخر على خلافه، والغرر في البيع يطلق في الغالب على بيع ما يجهله المتبايعان أو ما لا يوثق بتسلمه، وذلك كبيع المجهول الذي لا يعرف قدره وما لا يقدر على تسليمه فهو بهذا الوصف يقوم على المقامرة والخطر (٣). (وكل عقد بيع، أو إجارة، أو كراء بخطر أو غرر)؛ أي: وكان فيه خطر

стр. 1030

أو غرر، فالخطر ما لم يتيقن وجوده كقوله: بعني فرسك بما أربح غدا، والغرر ما يتيقن وجوده وشك في سلامته كبيع الثمار قبل بدو صلاحها والنهي عن الغرر أصل عظيم من أصول الشرع. قال القرافي: قاعدة الغرر ثلاثة أقسام: متفق على منعه في البيع كالطير في الهواء. ومتفق على جوازه كأساس الدار. ومختلف فيه هل يلحق بالقسم الأول لعظمه، أو بالقسم الثاني لخفته أو للضرورة إليه كبيع الغائب على الصفة والبرنامج ونحوهما فعلى هاتين القاعدتين يتخرج الخلاف في البراءة (١). والحاصل: أن المعاملات المحرمة ترجع إلى ضوابط، أعظمها الثلاثة الآتية: - الأول: الربا بأنواعه الثلاثة، ربا الفضل، وربا النسيئة، وربا القرض. الثاني: الجهالة والغرر، ويدخل فيها جزئيات كثيرة، وصوره متعددة. الثالث: الخداع والتغرير، ويشمل أنواعا متعددة (٢). وقال في «التلقين»: و يجمع بيع الغرر ثلاثة أوصاف. أحدهما: تعذر التسليم غالبا. والثاني: الجهل والثالث: الخطر والقمار (٣). (في ثمن، أو مثمون، أو أجل فلا يجوز) مثاله في الثمن: أن يشتري منه سلعة ببعيره الشارد أو سيارته المسروقة، ومثاله في المثمون: أن يشتري منه

стр. 1031

عبده الآبق أو صقره المفقود، ومثاله في الأجل: أن يشتري منه سلعة إلى قدوم زيد، ولا يدري متى يقدم، لحديث أبي هريرة ﵁: «نهى رسول الله ﷺ عن بيع الحصاة، وعن بيع الغرر» (١). وبيع الحصاة هو أن يقول (٢): بعتك من هذه الأثواب ما وقعت عليه هذه الحصاة ويرمي الحصاة، وقيل: هو أن يجعل نفس الرمي بيعا. وحديث ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا تشتروا السمك في الماء، فإنه غرر» (٣)، وحديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ عن شراء ما في بطون الأنعام حتى تضع، وعما في ضروعها إلا بكيل، وعن شراء العبد وهو آبق، وعن شراء المغانم حتى تقسم، وعن شراء الصدقات حتى تقبض، وعن ضربة الغائص» (٤). والحكمة في النهي عن الغرر: ما قد يؤدي إلى أكل أموال الناس بالباطل، وقد نبه النبي ﷺ على هذا بقوله ﷺ في بيع الثمار قبل بدو صلاحها، أو قبل أن توجد «أرأيت إذا منع الله الثمرة، بم يأخذ أحدكم مال أخيه» (٥). (ولا يجوز بيع الغرر، ولا بيع شيء مجهول، ولا إلى أجل مجهول) للأحاديث المذكورة فهذا مكرر مع ما قبله. (ولا يجوز في البيوع التدليس) وهو كتمان العيب لحديث عقبة بن عامر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «المسلم أخو المسلم، ولا يحل لمسلم باع من أخيه بيعا فيه عيب إلا بينه له» (٦).

стр. 1032

(ولا الغش) وهو خلط الشيء بما ليس منه كاللبن بالماء والسمن بالشحم وهو أيضا شامل للتدليس، حيث يظهر البائع ما يوهم الجودة ويخفي ضدها، قال تعالى: ﴿ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون﴾ [المطففين: ١ - ٣]، وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ مر على صبرة طعام فأدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللا فقال: «ما هذا يا صاحب الطعام؟» قال أصابته السماء يا رسول الله، قال: «أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس، من غش فليس مني» (١)، وحديث ابن عمر ﵁ قال: مر رسول الله ﷺ بطعام وقد حسنه صاحبه، فأدخل يده فيه، فإذا طعام رديء فقال: «بع هذا على حدة، وهذا على حدة، فمن غشنا فليس منا» (٢)، وحديث ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من غشنا فليس منا، والمكر والخديعة في النار» (٣). وقد صار التعامل بالغش والخديعة دين كثير من ضعاف الإيمان لا سيما وقد كثرت البضائع وتنوعت جودة ورداءة غلاء ورخصا، فتجد الثعلب الآدمي الماكر يغلف البضاعة الرديئة بعلب الدولة المتميزة بالجودة، فينفق سلعته بهذه الطريقة الكاذبة فيزهق أرواحا، وينشئ في أموال الناس وأنفسهم أتراحا، فإنا لله وإنا إليه راجعون في زمن صار ينعت فيه الكافر بالصدق والأمانة، والمسلم بالغش والخيانة. (ولا الخلابة) بكسر الخاء المعجمة وتخفيف اللام وهي الخديعة بالكذب في الثمن كأن يقول له: أنا أخذتها بعشرين دينارا وأنقص لك من ذلك لحديث ابن عمر ﵁ أن رجلا ذكر للنبي ﷺ ، أنه يخدع في البيوع،

стр. 1033

فقال: «إذا بايعت فقل: لا خلابة» (١)، وحديث أنس ﵁ أن رجلا على عهد رسول الله ﷺ كان يبتاع وكان في عقدته؛ يعني: في عقله ضعف، فأتى أهله النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله، احجر عليه، فدعاه نبي الله ﷺ ، فنهاه، فقال: يا رسول الله، إني لا أصبر عن البيع، فقال: «إذا بايعت فقل هاء وهاء، ولا خلابة» (٢) (ولا الخديعة) وهي أن يخدعه بالكلام حتى يوقعه مثل أن يقول له: اشتر مني وأنا أرخص لك. لحديث ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: «من غشنا فليس منا، والمكر والخديعة في النار» (٣) (ولا خلط دنيء بجيد) كخلط حنطة دنيئة بجيدة. لما سبق في التدليس ولحديث واثلة بن الأسقع ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من باع عيبا لم يبينه، لم يزل في مقت الله، ولم تزل الملائكة تلعنه» (٤) (ولا) يجوز أن يكتم من أمر سلعته ما؛ أي: شيئا (إذا ذكره كرهه المبتاع) كثوب لميت، أو لمجذوم (أو كان ذكره أبخس له)؛ أي: للبائع (في الثمن) كالثوب الجديد إذا كان نجسا أو مغسولا. • قال المصنف رحمه الله تعالى: ولا تفيت الرباع حوالة الأسواق. ولا يجوز سلف يجر منفعة. ولا يجوز بيع وسلف، وكذلك ما قارن السلف من إجارة أو كراء. والسلف جائز في كل شيء إلا في الجواري، وكذلك تراب الفضة.

стр. 1034

ولا تجوز الوضيعة من الدين على تعجيله، ولا التأخير به على الزيادة فيه، ولا تعجيل عرض على الزيادة فيه إذا كان من بيع. ولا بأس بتعجيله ذلك من قرض إذا كانت الزيادة في الصفة. ومن رد في القرض أكثر عددا في مجلس القضاء فقد اختلف في ذلك إذا لم يكن فيه شرط ولا وأي ولا عادة: فأجازه أشهب، وكرهه ابن القاسم ولم يجزه، ومن عليه دنانير أو دراهم من بيع أو قرض مؤجل فله أن يعجله قبل أجله وكذلك له أن يعجل العروض والطعام من قرض لا من بيع). الشرح (ولا تفيت الرباع حوالة الأسواق) الرباع: جمع ربع، وهو البناء كالدار والحانوت والحمام ونحوها. الغالب في شراء العقار أن يكون للقنية فلا يطلب فيه كثرة الثمن ولا قلته بخلاف غيره، وقد ذهب ابن وهب إلى فواته بحوالة الأسواق كما في شرح ابن ناجي، قال في «مسالك الدلالة» عن استثناء الرباع من الفوات اعتمادا على ما مر من التعليل: «هي تعليلات فارغة، والحق أن هذه آراء متناقضة متضاربة لا تتمشى مع معقول ولا منقول، وليست من شرع الله ورسوله في ورد ولا صدر». اه. قال زروق ﵀: قاعدة: المسألة أن ما كان شأنه أن يتخذ للأسواق كالعروض والحيوان الرقيق تفيته الأسواق، وما شأنه أن لا يتخذ للأسواق كالرباع والعقار لا تفيته، وما تردد بينهما كالطعام فقولان. • ما لا يجوز من البيوع في صفقة واحدة: (ولا يجوز سلف يجر منفعة) السلف؛ أي: القرض وليس المقصود به هنا السلم، لحديث علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «كل قرض جر منفعة فهو ربا» ضعيف (١) لكن له شواهد منها عن فضالة بن عبيد موقوفا قال: «كل

стр. 1035

قرض جر منفعة فهو وجه من وجوه الربا» (١)، وحديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله: «إذا أقرض أحدكم قرضا فأهدى إليه أو حمله على الدابة فلا يركبه ولا يقبلها إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك» (٢). (و) كذا (لا يجوز بيع وسلف)، قال ابن العربي: ويركب على هذا الحديث أصل بديع من أصول المالكية وهو أن: كل عقدين يتضادان وضعا، ويتناقضان حكما لا يجوز اجتماعهما (٣)، لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يحل سلف وبيع» (٤)، وصورة ذلك أن تبيع سلعتين بدينارين إلى شهر مثلا ثم تشتري واحدة منهما بدينار نقدا، فكأن البائع خرج من يده سلعة ودينار نقدا، يأخذ عنهما عند الأجل دينارين، أحدهما: عوض عن السلعة وهو بيع، والثاني: عوض عن الدينار المنقود وهو سلف، ومن صوره قرض الرديء لأخذ الجيد، وقرض البعيد ليحط عن نفسه كلفة النقل لمحله الذي يسكن فيه، ونحو ذلك فهذا من النفع المترتب على القرض إلا إذا لم يقصده، والله أعلم بالمقاصد، فعن مالك؛ أنه بلغه أن عمر بن الخطاب، قال في رجل أسلف رجلا طعاما على أن يعطيه إياه في بلد آخر. فكره ذلك عمر بن الخطاب. وقال: فأين الحمل؟ يعني حملانه (٥). وقد جمعت العقود الممنوعة في صفقة واحدة في رمز (جص مشنق) في البيتين التاليين: عقود منعناها مع البيع ستة … ويجمعها في اللفظ جي مشنق

стр. 1036

فجعل وصرف والمساقاة شركة … نكاح قراض منع هذا محقق (١) (وكذلك) لا يجوز (ما قارن السلف من إجارة أو كراء) بشرط السلف لأنهما من ناحية بيع. ولا خصوصية لهما بذلك بل النكاح والشركة والقراض والمساقاة والصرف، لا يجوز شرط السلف مع واحد منها. وملخصه أن كل عقد معاوضة يمتنع جمعه مع السلف. (والسلف) في اللغة: القطع، والقرض وهو دفع المال على وجه القربة لله تعالى لينتفع به آخذه ثم يرد له مثله (٢). وسمي المال الذي يأخذه المقترض بالقرض لأن المقرض يقطعه قطعة من ماله (جائز)؛ أي: مندوب إليه مرغب فيه، لما فيه من إيصال النفع للمقترض وتفريج كربته. وهو قربة يتقرب بها إلى الله سبحانه، لما فيه من الرفق بالناس، والرحمة بهم، وتيسير أمورهم، وتفريج كربهم. وإذا كان الإسلام ندب إليه وحبب فيه بالنسبة للمقرض فإنه أباحه للمقترض، ولم يجعله من باب المسألة المكروهة لأنه يأخذ المال لينتفع به في قضاء حوائجه ثم يرد مثله، ودليله الكتاب والسنة والإجماع قال تعالى: ﴿إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقضايا رسول الله ﷺ في السلف الواقع منه ومن غيره في عصره كثيرة شهيرة يأتي بعضها، فعن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ما من مسلم يقرض مسلما قرضا مرتين إلا كان كصدقتها مرة» (٣). وعن أنس ﵁ قال رسول الله ﷺ : «رأيت ليلة أسري بي على باب الجنة مكتوبا: الصدقة بعشر أمثالها، والقرض بثمانية عشر، فقلت: يا جبريل ما بال القرض أفضل من الصدقة؟ قال: لأن السائل يسأل

стр. 1037

وعنده، والمستقرض لا يستقرض إلا من حاجة» (١). وقد يعرض له ما يقتضي وجوبه أو حرمته كمن يستقرض من أجل ارتكاب الحرام ويجوز القرض (في كل شيء) يحل تملكه ولو لم يصح بيعه، فيدخل جلد الميتة المدبوغ، ولحم الأضحية، والثياب، والحيوان، فقد ثبت «أن الرسول ﷺ استلف بكرا» (٢)، كما يجوز قرض ما كان مكيلا أو موزونا، أو ما كان من عروض التجارة. كما يجوز قرض الخبز والخمير، لحديث عائشة ﵂: «قلت: يا رسول الله، إن الجيران يستقرضون الخبز والخمير، ويردون زيادة ونقصانا، فقال: «لا بأس. إنما ذلك من مرافق الناس، لا يراد به الفضل»» (٣). وعن معاذ أنه سئل عن اقتراض الخبز والخمير فقال: «سبحان الله، إنما هذا من مكارم الأخلاق، فخذ الكبير وأعط الصغير، وخذ الصغير وأعط الكبير، خيركم أحسنكم قضاء. سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك». عقد القرض: وعقد القرض عقد تمليك لأنه ينقل الملكية للمقترض، وله أن يستهلك العين، ويتعهد برد المثل لا العين، والمقترض ضامن للقرض إذا أتلف أو هلك أو ضاع، يستوي في هذا تفريطه وعدم تفريطه (٤). ولا يتم إلا ممن يجوز له التصرف، ولا يتحقق إلا بالإيجاب والقبول (٥) كعقد البيع والهبة. وينعقد بلفظ القرض والسلف، وبكل لفظ يؤدي إلى معناه.

стр. 1038

وعند المالكية أن الملك يثبت بالعقد ولو لم يقبض المال، ويجوز للمقترض أن يرد مثله أو عينه، سواء أكان مثليا أم غير مثلي، ما لم يتغير بزيادة أو نقص، فإن تغير وجب رد المثل (١). والقاعدة تقول: القرض يقضى بمثله لا بقيمته. وقال مالك: يجوز اشتراط الأجل، ويلزم الشرط. فإذا أجل القرض إلى أجل معلوم تأجل، ولم يكن له حق المطالبة قبل حلول الأجل، لقول الله تعالى: ﴿إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى﴾ [البقرة: ٢٨٢]، ولما رواه عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: «المسلمون عند شروطهم» (٢). وتبعا للقاعدة الفقهية القائلة: كل قرض جر نفعا فهو ربا. والحرمة مقيدة هنا بما إذا كان نفع القرض مشروطا أو متعارفا عليه؛ فإن لم يكن مشروطا ولا متعارفا عليه، فللمقترض أن يقضي خيرا من القرض في الصفة أو يزيد عليه في المقدار، أو يبيع منه داره إن كان قد شرط أن يبيعها منه، وللمقرض حق الأخذ دون كراهة، لحديث أبي رافع ﵁: أن رسول الله ﷺ استسلف من رجل بكرا، فقدمت عليه إبل من إبل الصدقة، فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بكره، فرجع إليه أبو رافع، فقال: لم أجد فيها إلا خيارا رباعيا، فقال: «أعطه إياه، إن خيار الناس أحسنهم قضاء» (٣). وقال جابر بن عبد الله: «كان لي على النبي ﷺ دين، فقضاني وزادني» (٤).

стр. 1039

• التعجيل بقضاء الدين قبل الموت: عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن جابر بن عبد الله ﵃ قال: «كان رسول الله ﷺ لا يصلي على رجل مات وعليه دين، فأتي بميت، فقال: «أعليه دين؟» قالوا: نعم، ديناران، قال: «صلوا على صاحبكم» فقال أبو قتادة الأنصاري: هما علي يا رسول الله، قال: فصلى عليه رسول الله ﷺ ، فلما فتح الله على رسول الله ﷺ ، قال: «أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، فمن ترك دينا فعلي قضاؤه ومن ترك مالا فلورثته» (١). • استحباب إنظار المعسر: يقول الله سبحانه: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون﴾ [البقرة: ٢٨٠] وعن عبد الله بن أبي قتادة، أن أبا قتادة طلب غريما له، فتوارى عنه، ثم وجده، فقال: «إني معسر، فقال: الله؟ قال: الله، قال: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة، فلينفس عن معسر، أو يضع عنه» (٢). وهكذا فقد تبين لك أن القرض حسن في كل شيء (إلا في الجواري) فإنه لا يجوز لأنه يؤدي إلى إعارة الفروج، إلا أن يكون القرض لامرأة أو كانت في سن من لا توطأ، فإنه يجوز، كما قيد به اللخمي وغيره (٣). (وكذلك تراب الفضة) قال الفاكهاني: لا يجوز قرضه لأن فيه جهلا وغررا لعدم انحصار وصفه. وهو ساقط في بعض الروايات. • ضع وتعجل: (ولا تجوز الوضيعة من الدين على تعجيله) على المشهور (٤)، وقد

стр. 1040

ذهب جمهور الفقهاء إلى تحريم وضع قدر من الدين نظير التعجيل بالقضاء قبل الأجل المتفق عليه. فمن أقرض غيره قرضا إلى أجل، ثم قال المقرض للمقترض: أضع عنك بعض الدين نظير أن ترد الباقي قبل الأجل فإنه يحرم. وصورتها: أن يكون لرجل على آخر دين إلى أجل مثل أن يكون عليه مائة درهم إلى شهر فيقول له رب الدين: عجل لي خمسين وأنا أضع عنك خمسين. وإنما امتنع هذا لأن من عجل شيئا قبل وجوبه مسلفا، فكأن الدافع أسلف رب الدين خمسين ليأخذ من ذمته إذا حل الأجل مائة ففيه سلف بزيادة، فإن وقع ذلك رد إليه ما أخذه منه، فإذا حل الأجل أخذ منه جميع ما كان له أولا وهو المائة، ويروى عن ابن عباس وزفر جواز ذلك (١)، لما رواه ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ لما أمر بإخراج بني النضير، جاءه ناس منهم، فقالوا: يا نبي الله، إنك أمرت بإخراجنا، ولنا على الناس ديون لم تحل، فقال رسول الله ﷺ : «ضعوا وتعجلوا» (٢). أما عامة الصحابة والتابعين ﵃ والأئمة الأربعة وجمهور الفقهاء تعالى على خلافه. وروى عبد الرزاق عن ابن المسيب وابن عمر ﵃ قالا: «من كان له حق على رجل إلى أجل معلوم، فتعجل بعضه وترك له بعضه، فهو ربا، قال معمر: ولا أعلم قبلنا إلا وهو يكرهه» (٣). باب ما جاء في الربا في الدين كما في «الموطأ»: قال مالك رحمه الله تعالى: «والأمر المكروه الذي لا اختلاف فيه عندنا أن يكون للرجل على الرجل الدين إلى أجل فيضع عنه الطالب ويعجله المطلوب، وذلك عندنا بمنزلة الذي يؤخر دينه بعد محله عن غريمه ويزيده الغريم في حقه. قال: فهذا

стр. 1041

الربا بعينه لا شك فيه، قال مالك في الرجل يكون له على الرجل مائة دينار إلى أجل فإذا حلت قال له الذي عليه الدين بعني سلعة يكون ثمنها مائة دينار نقدا بمائة وخمسين إلى أجل هذا بيع لا يصلح، ولم يزل أهل العلم ينهون عنه، قال مالك: وإنما كره ذلك لأنه إنما يعطيه ثمن ما باعه بعينه ويؤخر عنه المائة الأولى إلى الأجل الذي ذكر له آخر مرة ويزداد عليه خمسين دينارا في تأخيره عنه فهذا مكروه ولا يصلح وهو أيضا يشبه حديث زيد بن أسلم في بيع أهل الجاهلية إنهم كانوا إذا حلت ديونهم قالوا للذي عليه الدين: إما أن تقضي وإما أن تربي فإن قضى أخذوا وإلا زادوهم في حقوقهم وزادوهم في الأجل» (١). وأورد حديثين عن صحابيين جليلين: زيد بن ثابت، وابن عمر، فعن عبيد أبي صالح مولى السفاح أنه قال: «بعت برا لي من أهل دار نخلة إلى أجل ثم أردت الخروج إلى الكوفة فعرضوا علي أن أضع عنهم بعض الثمن وينقدوني فسألت عن ذلك زيد بن ثابت فقال: لا آمرك أن تأكل هذا ولا توكله» (٢)؛ وعن سالم بن عبد الله عن عبد الله بن عمر ﵁: «أنه سئل عن الرجل يكون له الدين على الرجل إلى أجل فيضع عنه صاحب الحق ويعجله الآخر فكره ذلك عبد الله بن عمر ونهى عنه» (٣). ولابن عباس ﵄ قول مخالف يقتضي جوازه (٤). • الزيادة مقابل الأجل: (و) كذلك (لا) يجوز (التأخير به)؛ أي: بالدين (على الزيادة فيه) كما كانت الجاهلية تفعله لأن فيه سلفا بزيادة، وتسمى هذه المسألة: أخرني وأزيدك، مثل أن يقول من عليه الدين عند حلول أجل الدين: أخرني وأنا أعطيك أكثر مما لك علي. وهو من ربا الجاهلية كما مر، ولما رواه مالك في

стр. 1042

«الموطأ» عن زيد بن أسلم أنه قال: «كان الربا في الجاهلية أن يكون للرجل على الرجل الحق إلى أجل قال: أتقضي أم تربي؟ فإن قضى وإلا زاده في حقه، وأخر عنه في الأجل» (١). (و) كذلك (لا) يجوز (تعجيل عرض) على الزيادة فيه (إذا كان من بيع) لأنه من باب حط الضمان وأزيدك مثال ذلك: أن يكون لك على رجل مائة ثوب موصوفة فيقول لك: خذ ثيابك فتقول له: اتركها عندك لا حاجة لي بها الآن. فيقول من هي عليه: خذها وأزيدك عليها خمسة مثلا لأن تلك الخمسة في مقابلة إسقاط الضمان عنه. ولأنه من أكل المال بالباطل والله تعالى يقول: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ [البقرة: ١٨٨]، (ولا بأس بتعجيل ذلك) العرض بشرطين أحدهما: (إذا كان العرض من قرض، والآخر: إذا كانت الزيادة في الصفة) مثل أن تكون الثياب دنيئة فيقول: أعطيك أجود منها إن تعجلتها لأن النبي ﷺ استقرض سنا - من الإبل - فأعطى سنا خيرا من سنه وقال: «خياركم أحاسنكم قضاء» (٢) من حديث أبي هريرة ﵁، وقد مضى حديث استلافه البكر وقضائه خيرا منها كما في الصحيحين وهو أصل الحديث المذكور هنا (٣). (ومن رد في القرض أكثر عددا في مجلس القضاء) وهو الوقت الذي يقضيه فيه سواء كان قبل الأجل أو بعده (فقد اختلف في) جواز ذلك إذا لم يكن فيه: ١ - (شرط) مثل أن يقول: لا أسلفك إلا أن تزيدني على ما أسلفتك، ٢ - (و) أن (لا) يكون فيه (وأي) بفتح الواو وسكون الهمزة الوعد، ٣ - (و) أن (لا) تكون (عادة) خاصة بالمستقرض بأن يزيد عند القضاء أم لا (فأجازه أشهب) ووجه الجواز للأحاديث السابقة وحديث جابر بن عبد الله ﵁ قال:

стр. 1043

«أتيت النبي ﷺ وكان عليه دين فقضاني وزادني» (١)، وهو ظاهر في الزيادة في العدد، بل وقع في رواية عند مسلم والبيهقي وأرسل - يعني النبي ﷺ إلى بلال فقال: «أعطه أوقية من ذهب وزده»، قال: فأعطاني أوقية من ذهب، وزادني قيراطا … الحديث (٢)، فهذه صريحة في الزيادة في العدد قال ابن عمر: ظاهر كلام المصنف أن أشهب يجيز مطلقا قلت الزيادة أو كثرت. والمنصوص لأشهب فيما قل مثل زيادة الدينار في المائة والإردب في المائة. ويحتمل أن يكون لأشهب قول عام في القليل والكثير، (وكرهه ابن القاسم) كراهة تحريم على المشهور. ولعله لم يقف على الحديث، فقوله: (ولم يجزه) توكيد. (ومن عليه دنانير أو دراهم من بيع) مؤجل (أو) من (قرض مؤجل فله)؛ أي: لمن عليه الدنانير أو الدراهم (أن يعجله)؛ أي: يعجل ما عليه (قبل أجله) لأن الحق في الأجل له فإذا أسقط حقه لزم المقرض قبوله وأجبر على ذلك. (وكذلك له)؛ أي: لمن عليه دين أن يعجل العروض والطعام من قرض لا من بيع فلا يلزم صاحب الدين والعرض والطعام قبوله قبل الأجل لأن الأجل في عرض البيع ومنه السلم من حقهما، فإذا عجله من عليه لا يلزم صاحبه ولو قرب الأجل كاليوم واليومين. • النهي عن بيع الحب والثمر قبل بدو صلاحه: • قال المصنف رحمه الله تعالى: (ولا يجوز بيع ثمر أو حب لم يبد صلاحه ويجوز بيعه إذا بدا صلاح بعضه، وإن نخلة من نخيل كثيرة).

стр. 1044

الشرح (ولا يجوز بيع ثمر) ذات الأشجار كبلح وعنب ما دامت خضراء (أو حب لم يبد صلاحه) كقمح وفول لما فيه من الجهل والغرر والمخاطرة، لحديث ابن عمر ﵄: «أن رسول الله ﷺ ، نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، نهى البائع والمبتاع» (١)، وحديث أنس ﵁ ﵁: «أن النبي ﷺ نهى عن بيع العنب حتى يسود، وعن بيع الحب حتى يشتد» (٢)، وفي حديث آخر عن أنس ﵁: وقال ﷺ : «إذا منع الله الثمرة فبم تستحل مال أخيك؟» (٣)، وعدم الجواز لعدم الانتفاع به شرعا في البيع قبل بدو صلاحه، وبدو صلاح البلح أن يحمر أو يصفر. وأما بدوه في نحو العنب فظهور الحلاوة، وبدو صلاح الحب أن ييبس فلو عقد عليه قبل ذلك فسخ، إلا أن يكون القصد منه حصاده أخضر فيجوز تبعا. (ويجوز بيعه)؛ أي: الثمر (إذا بدا)؛ أي: ظهر (صلاح بعضه، وإن نخلة) واحدة (من نخيل كثيرة) لقوله ﷺ في الأحاديث السابقة: «لا تبيعوا الثمرة حتى يبدو صلاحها» وبدو الصلاح ظهوره، فإذا ظهر في البعض يطلق عليه في اللغة والعرف أنه قد بدا صلاح هذا الثمر، ولو أراد ﷺ صلاح الجميع لقال حتى يصلح جميعه، ولأن جميع الثمار يبدو صلاح بعضه ثم يتتابع صلاحه شيئا فشيئا فلا يصلح آخره إلا ولو ترك أوله لفسد وضاع، وهو خلاف المقصود مع النهي عن إضاعة المال كما في الصحيح، ولأن العمل جار بهذا في كل زمان منذ عصره ﷺ في جميع أقطار أهل الإسلام.

стр. 1045

ما لم تكن باكورة وهي التي تسبق بالزمن الطويل بحيث لا يحصل معه تتابع الطيب فهذه لا يجوز بيع الحائط بطيبها ويجوز بيعها وحدها. قال القرافي: فرع في «الجواهر»: إذا اشترى الثمرة قبل الزهو والشجر في صفقتين فإن بدأ بالشجر صح وله الإبقاء إلا أنه منتفع بملك نفسه ومنع المغيرة وغيره سدا للذريعة، ولو باع الشجر وحده ولم يشترط قطع الثمرة صح لأن المبيع هو الشجر ولا محذور فيه. فرع: قال: بدو الصلاح في البعض كاف لأن الغالب التقارب (١). • قال المصنف رحمه الله تعالى: (ومن ابتاع عبدا فوجد به عيبا فله أن يحبسه ولا شيء له أو يرده ويأخذ ثمنه إلا أن يدخله عنده عيب مفسد فله أن يرجع بقيمة العيب القديم من الثمن أو يرده ويرد ما نقصه العيب عنده، وإن رد عبدا بعيب وقد استغله فله غلته). الشرح (ومن ابتاع عبدا) أو غيره (فوجد به عيبا) يمكن التدليس فيه (فله)؛ أي: للمبتاع الخيار بين أن يحبسه ولا شيء له في مقابلة العيب الذي وجده (أو يرده ويأخذ ثمنه) لحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ولا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها، فإن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردها وصاعا من تمر» (٢)، وأشبه العبد الحيوان في التملك والبيع والهبة وغير ذلك، والتقييد بما يمكن التدليس فيه، احترازا مما لا يمكن التدليس به إما لظهوره كالعور، وإما لخفائه كالجوز يكسره فيجده فارغا، فإنه لا كلام للمشتري (إلا أن يدخله)؛ أي: المبيع (عنده)؛ أي: المبتاع (عيب مفسد)؛ أي: منقص من الثمن كثيرا (فله)؛ أي: للمبتاع (أن

стр. 1046

يرجع) على البائع بقيمة العيب القديم من الثمن الذي أخذه (أو يرده)؛ أي: المبيع ويرد معه ما نقصه العيب الحادث (عنده) للحديث المذكور، ووجه الدليل منه أن المشتري لما أتلف اللبن وبقي سائر الحيوان جعل له النبي ﷺ الخيار بين أن يغرم ما أتلف ويرد الحيوان أو يمسكه، ولقول مالك في «الموطأ»: إنه الأمر المجتمع عليه عند علماء المدينة، ولأن البائع قد دلس بعيب والمشتري قد حدث عنده عيب بغير تدليس منه وكل واحد منهما غير راض لما كان عند صاحبه من العيب فلما تعارض الحقان كان أولاهما بالرد المشتري لأنه لم يوجد منه تدليس ولا تعمد (وإن رد المبتاع (عبدا) أو غيره بسبب عيب (و) الحال أنه قد استغله) غلة غير متولدة كالخدمة (فله غلته) إلى حين الفسخ ولا يلزمه شيء لذلك لقوله ﵊: «الخراج بالضمان» (١). وفي رواية مسلم بن خالد الزنجي: أن رجلا اشترى عبدا فاستغله، ثم وجد به عيبا فرده، فقال: يا رسول الله: إنه قد استغل غلامي. فقال رسول الله ﷺ : «الخراج بالضمان» (٢) قال بعضهم: معنى ذلك أن المبيع إذا كان في ضمان المشتري فغلته له، فإذا فسخ فالغلة حينئذ للبائع كالغلة المتولدة كالولد. • قال المصنف رحمه الله تعالى: (والبيع على الخيار جائز. إذا ضربا لذلك أجلا قريبا إلى ما تختبر فيه تلك السلعة أو ما تكون فيه المشورة. ولا يجوز النقد في الخيار ولا في عهدة الثلاث ولا في المواضعة بشرط. والنفقة في ذلك والضمان على البائع.

стр. 1047

وإنما يتواضع للاستبراء الجارية التي للفراش في الأغلب أو التي أقر البائع بوطئها، وإن كانت وخشا ولا تجوز البراءة من حملها (١) إلا حملا ظاهرا. والبراءة في الرقيق جائزة مما لم يعلم البائع). الشرح • بيع الخيار وأنواعه: تعريف الخيار الخيار في اللغة: اسم مصدر من الاختيار وهو الاصطفاء، والانتقاء، والفعل منهما اختار. وقول القائل: أنت بالخيار، معناه: اختر ما شئت. والخيار في الاصطلاح له تعاريف كثيرة إلا أنها في الغالب تناولت هذا اللفظ مقرونا بلفظ آخر لأنواع الخيارات دون أن يقصد بالتعريف «الخيار» عموما، على أنه يمكن استخلاص تعريف للخيار من حيث هو من خلال تعاريف أنواع الخيار بأن يقال: هو حق العاقد في فسخ العقد أو إمضائه، لظهور مسوغ شرعي أو بمقتضى اتفاق عقدي (٢). • وأقسام بيع الخيار سبعة وهي: ١ - خيار المجلس: هو حق المتعاقدين في إمضاء البيع أو فسخه ما داما لم يتفرقا بالأبدان عند الشافعية والحنابلة، والأقوال عند المالكية والأحناف. ٢ - خيار الشرط: ويسمى خيار التروي، وهو ما يشترطه أحد العاقدين أو كلاهما عند العقد لينظر هل يمضي في البيع أو يتركه وذلك خلال مدة معلومة لا يجوز له أن يتجاوزها، وعند مالك يثبت هذا الخيار بالشرط أو

стр. 1048

بالعادة فإذا أثبت الناس بالعادة خيارا في سلعة معينة، فإن المعروف عرفا كالمشروط شرطا (١). ٣ - خيار الغبن: ويسمى خيار النقص، والمغبون المنقوص في الثمن في البيع والشراء، فإذا كان من البائع فالنقص في الثمن حقيقي، وإن كان من المشتري فالنقص في أنه لا يقابل جزءا من الثمن بشيء من المبيع وذلك في تلقي الركبان، والنجش، والمسترسل الذي جهل القيمة، ولا يحسن المماكسة. ٤ - خيار العيب: هو أن يكون لأحد العاقدين الحق في فسخ العقد أو إمضائه إذا وجد عيبا في أحد البدلين، حيث يقتضي العرف سلامة المبيع منها غالبا ولم يكن صاحبه عالما به وقت العقد. فإذا لم تتوافر السلامة اختل رضا العاقد بالعقد، والرضا أساس العقود، فشرع له الخيار لتدارك الخلل الحادث، ويجب الفسخ فورا فإن تمادى سقط الخيار (٢). ٥ - خيار التدليس: وهو إخفاء العيب في السلعة أو ما يفعله البائع في السلعة مما هو كمال عادة ولا يقصد منه سوى تضليل المشتري. ٦ - خيار الخبير بالثمن: وهو أن يخبر البائع المشتري بالثمن وذلك خاص ببيوع الأمانة (الوضيعة، والتولية، والتشريك، والمرابحة). ٧ - خيار الرؤية: تعريفه: هو إثبات حق المشتري في إمضاء العقد أو فسخه عند رؤية المعقود عليه إذا لم يكن رآه عند العقد أو قبله (٣). (والبيع على الخيار) من البائع أو المبتاع أو كل منهما (جائز) لحديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على

стр. 1049

صاحبه ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار (١)؛ ومعناه على تأويل مالك وأصحابه أن المتساومين لهما الخيار قبل الإيجاب، فإذا انعقد البيع بينهما لزم إلا إذا اشترطا الخيار فيثبت لهما الخيار على حسب ما شرطا (٢)، وشرط الجواز (إذا ضربا لذلك أجلا) ويشترط في الأجل أن يكون (قريبا) ونهايته إلى (ما تختبر فيه تلك السلعة أو) إلى (ما تكون فيه المشورة) والمشورة تكون في قلة الثمن أو كثرته وفي الإقدام على الشراء أو على البيع، والاختبار يكون في حال السلعة وهو مختلف باختلافها فالخيار في الدابة ونحوها كالسيارة ثلاثة أيام ونحوها؛ وفي الرقيق خمسة أيام والجمعة لاختبار حاله وعمله؛ وفي الدار الشهر ونحوه. ولأن الخيار في البيع أصله غرر، وإنما جوزته السنة لحاجة الناس إلى ذلك، لأن المشتري قد لا يحسن الشراء ولا الوقوف على حقيقة ما اشتراه من جودة وسلامة وغير ذلك فيحتاج إلى مشورة واختبار، وإذا كانت العلة حاجة الناس إلى ذلك فالواجب أن تقدر بقدر ما يحصل المقصود لأن فيما زاد على ذلك ضررا على البائع وتفويتا لمصلحته وتضييعا لماله وذلك ممنوع. (ولا يجوز النقد في) بيع (الخيار) إذا كان باشتراط من البائع (ولا في) البيع على (عهدة الثلاث) وهي بيع الرقيق على أن يكون الضمان على البائع فيما يظهر فيه من العيوب مدة ثلاثة أيام بعد العقد. (ولا) يجوز أيضا النقد (في) بيع الأمة (المواضعة) وهي أن توقف الجارية العلية أو التي أقر البائع بوطئها على يد أمين رجل له أهل، أو امرأة حتى يتبين هل رحمها مشغول أم لا. وإنما يمتنع النقد في هذه المسائل لثلاث إذا كان بشرط النقد لأنه تارة يصير بيعا، وتارة سلفا فهو متردد بين السلفية والثمنية.

стр. 1050

وكذلك لا يجوز تقديم الثمن في بيع الغائب على الصفة لأن للمشتري الخيار إذا رآه فوجده على خلاف ما وصف له، ومنها بيع الأرض التي لم يؤمن ريها. (والنفقة في ذلك)؛ أي: في بيع الخيار وعلى عهدة الثلاث وعلى المواضعة (والضمان على البائع)؛ أي: إذا لم يظهر كذب المشتري ولكن لا بد من حلفه ولو غير متهم، والفقهاء لم يتنازعوا في كون النفقة على البائع، أما الضمان ففيه اختلاف فقيل: الضمان من البائع إن اشترط هو الخيار، وعلى المشتري إن كان الخيار منه، (وإنما يتواضع) وجوبا (للاستبراء) جاريتان الجارية (التي) تكون (للفراش في الأغلب) وإن لم يعترف البائع بوطئها إذ الغالب فيمن هي كذلك الوطء فنزل الأغلب منزلة المحقق احتياطا للفروج (أو) الجارية (التي أقر البائع بوطئها وإن كانت وخشا (١)) خشية أن تكون حملت فترد، (ولا تجوز البراءة من الحمل) إذا كانت الأمة علياء ولم يطأها البائع، فلو تبرأ من حملها فسخ البيع (إلا) أن يكون الحمل (حملا ظاهرا) فيجوز حينئذ اشتراط البراءة من حملها، والتقييد بالعلياء احتراز من الوخش فإنه يجوز اشتراط البراءة من حملها مطلقا سواء كان الحمل ظاهرا أم لا (والبراءة في الرقيق جائزة) لحديث يحيى بن سعيد عن سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر ﵄ باع غلاما له بثمانمائة درهم وباعه بالبراءة فقال الذي ابتاعه لعبد الله بن عمر: «بالغلام داء لم تسمه لي فاختصما إلى عثمان بن عفان بالبراءة فقضى عثمان بن عفان على عبد الله بن عمر أن يحلف له لقد باع العبد وما به داء يعلمه فأبي عبد الله أن يحلف وارتجع العبد فصح عنده فباعه عبد الله بعد ذلك بألف وخمسمائة درهم» (٢)؛ فهذا حكم عثمان وإقرار عبد الله بن عمر ﵃ إياه ولم يعلم لهما مخالف من الصحابة، وفيه دليل على البراءة مما لم يعلم دون ما علم ولذلك استحلف عثمان عبد الله بن عمر أنه

стр. 1051

لم يعلم العيب ليحكم له بعدم الرد، فلما امتنع من ذلك حكم عليه بالرد لعدم ثبوت جهل البائع بالعيب شرعا لا بالنسبة لابن عمر لأن الأحكام يراعى فيها حال العموم لا حال الأفراد. وظاهره أن غير الرقيق لا تجوز فيه البراءة، وهو المشهور، والجواز مقيد بشيئين أحدهما أشار إليه بقوله: (ما لم يعلم به البائع) أما إذا علم أن به عيبا وتبرأ منه فلا يفيده والآخر أن تطول إقامته عنده. أما إذا اشترى عبدا مثلا فباعه بقرب ما اشتراه وشرط البراءة فإنه لا ينتفع بذلك. • قال المصنف رحمه الله تعالى: (ولا يفرق بين الأم وولدها في البيع حتى يثفر. وكل بيع فاسد فضمانه من البائع، فإن قبضه المبتاع فضمانه من المبتاء من يوم قبضه، فإن حال سوقه أو تغير في بدنه فعليه قيمته يوم قبضه ولا يرده، وإن كان مما يوزن أو يكال فليرد مثله). الشرح (ولا يفرق) بمعنى لا يجوز أن يفرق بين الأم لكن من النسب فقط (وبين ولدها في البيع) سواء كانا مسلمين أو كافرين أو أحدهما مسلما والآخر كافرا، لعموم حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة» (١)، وحديث أبي موسى ﵁ قال: «لعن رسول الله ﷺ من فرق بين الوالدة وولدها، وبين الأخ وبين أخيه» (٢)، والتقييد بالأم من النسب احتراز من الأم من الرضاع فإن التفرقة بينها وبين الولد جائزة وبفقط احتراز من غير

стр. 1052

الأم كالأب، فإن التفرقة بينه وبين الولد جائزة والمنع من التفرقة مغيا بغاية وهي (حتى يثغر) بضم الياء وسكون المثلثة وكسر الغين المعجمة بمعنى حتى تسقط أسنانه لاستغنائه عن أمه، وللإجماع على العمل بالحديث المتقدم إذا كان الولد طفلا لم يبلغ سبع سنين حكاه ابن المنذر في الإشراف (١)، وما زاد على السبع ففيه خلاف، لكن الحديث مطلق فلا ينبغي تقييده إلا بتوقيف وهو نقل ابن يونس عن ابن عبد الحكم. وعلى القول بالجواز إذا أثغر جازت التفرقة حينئذ لاستغنائه عن أمه في أكله وشربه ومنامه. (وكل بيع فاسد) سواء فسد لعقده أو ثمنه أو مثمونه أو أجله كالبيع وقت نداء الجمعة (فضمانه من البائع) لأنه على ملكه لم ينتقل إلى ملك المشتري، ويجب فسخه إن لم يفت لحديث أبي قلابة، قال: كنت بالشام في حلقة فيها مسلم بن يسار، فجاء أبو الأشعث، قال: قالوا: أبو الأشعث، أبو الأشعث، فجلس، فقلت له: حدث أخانا حديث عبادة بن الصامت، قال: نعم، غزونا غزاة وعلى الناس معاوية، فغنمنا غنائم كثيرة، فكان فيما غنمنا آنية من فضة، فأمر معاوية رجلا أن يبيعها في أعطيات الناس، فتسارع الناس في ذلك، فبلغ عبادة بن الصامت، فقام، فقال: «إني سمعت رسول الله ﷺ : ينهى عن بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، إلا سواء بسواء، عينا بعين، فمن زاد، أو ازداد، فقد أربى»، فرد الناس ما أخذوا (٢)، وعن سليمان بن أبي مسلم، قال: سألت أبا المنهال، عن الصرف، يدا بيد، فقال: اشتريت أنا وشريك لي شيئا يدا بيد ونسيئة، فجاءنا البراء بن عازب، فسألناه، فقال: فعلت أنا وشريكي زيد بن أرقم وسألنا النبي ﷺ عن ذلك فقال: «ما كان يدا بيد، فخذوه وما كان نسيئة فذروه» (٣)، (فإن قبضه)؛ أي: المبيع بيعا فاسدا (المبتاع فضمانه من

стр. 1053

(المبتاع) لأنه لم يقبضه على جهة أمانته، وإنما قبضه على جهة التمليك، هكذا علله عبد الوهاب (١). قال الفاكهاني: وفي تعليله من الاضطراب كما لا يخفى حيث جعل فيما تقدم البيع الفاسد غير ناقل، وفي هذا جعله ناقلا. ويمكن الجواب بأن قوله: إنما قبضه على جهة التمليك؛ أي: بحسب زعمه، فلما قبضه على جهة التمليك بحسب زعمه وتعدى وأخذه ضمن وإن لم ينتقل له الملك بحسب نفس الأمر وحيث قلنا يضمنه المشتري (٢)، فإنه يكون (من يوم قبضه) لا من يوم عقده، وإنما يضمن يوم العقد ما يكون صحيحا (فإن فات المبيع بيعا فاسدا بأن حال عليه (سوقه)؛ أي: تغير. بزيادة في الثمن أو نقص فيه (أو تغير في بدنه)؛ أي: في نفسه بزيادة أو نقص فإن كان مقوما (فعليه قيمته) بلغت ما بلغت ولو كانت أكثر من الثمن (يوم قبضه) لا يوم الفوات ولا يوم الحكم ولا يرده)؛ أي: لا يلزمه رد المقوم إذا كان موجودا. (وإن كان) مثليا (مما يوزن أو يكال) أو يعد (فليرد مثله) فإن تعذر المثلي فالقيمة كثمر فات أبانه وتعتبر القيمة يوم التعذر. • أنواع من البيوع المنهي عنها: • قال المصنف رحمه الله تعالى: (ولا يجوز بيع ما في الأنهار والبرك من الحيتان. ولا بيع الجنين في بطن أمه، ولا بيع ما في بطون سائر الحيوانات، ولا بيع نتاج ما تنتج الناقة، ولا بيع ما في ظهور الإبل. ولا بيع الآبق والبعير الشارد. ونهي عن بيع الكلاب، واختلف في بيع ما أذن في اتخاذه منها، وأما من قتله فعليه قيمته. ولا يجوز بيع اللحم بالحيوان من جنسه. ولا بيعتان في بيعة، وذلك أن يشتري سلعة إما بخمسة نقدا أو عشرة إلى أجل قد لزمته بأحد الثمنين).

стр. 1054

الشرح (ولا يجوز بيع ما في الأنهار) جمع نهر بفتح الهاء وسكونها (و) لا بيع ما في (البرك) بكسر الباء جمع بركة بكسر الباء أيضا (من الحيتان) لحديث عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تشتروا السمك في الماء؛ (١) فإنه غرر». والغرر فيه من جهتين عدم التسليم وكونه يقل ويكثر. قال الحافظ: فشراء السمك في الماء نوع من أنواع الغرر، ويلتحق به الطير في الهواء، والمعدوم المجهول والآبق ونحو ذلك، قال النووي: النهي عن بيع الغرر أصل من أصول البيع فيدخل تحته مسائل كثيرة جدا، ويستثنى من بيع الغرر أمران: أحدهما: ما يدخل في المبيع تبعا فلو أفرد لم يصح بيعه. والثاني: ما يتسامح بمثله إما لحقارته أو للمشقة في تمييزه وتعيينه، فمن الأول بيع أساس الدار والدابة التي في ضرعها اللبن والحامل. ومن الثاني: الجبة المحشوة والشرب من السقاء. قال: وما اختلف العلماء فيه مبني على اختلافهم في كونه حقيرا أو يشق تمييزه أو تعيينه فيكون الغرر فيه كالمعدوم فيصح البيع وبالعكس. اه (٢). (و) كذا (لا) يجوز (بيع الجنين في بطن أمه) آدمية أو غيرها للغرر لأنه لا يدرى أحي هو أو ميت ناقص أو تام ذكر أو أنثى لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ عن شراء ما في بطون الأنعام حتى تضع … الحديث» (٣). فقوله: (ولا بيع ما في بطون سائر الحيوان)؛ أي: لا يجوز تكرار؛ (و) كذا (لا) يجوز (بيع نتاج) بكسر النون (ما تنتج الناقة) بضم التاء الأولى من الفعل وفتح الثانية على ما لم يسم فاعله لما صح من

стр. 1055

حديث ابن عمر ﵄ قال: «نهى رسول الله ﷺ عن بيع حبل الحبلة» (١). وحبل الحبلة: «أن تنتج الناقة ما في بطنها، ثم تحمل التي نتجت» (٢)، وفي رواية: «نهى عن بيع حبل الحبلة وكان بيعا يتبايعه أهل الجاهلية، كان الرجل يبتاع الجزور إلى أن تنتج الناقة ثم تنتج التي في بطنها» (٣)، ولا يخفى ما في هذا من شدة الغرر لأنه إذا امتنع بيع الجنين فكيف بجنين الجنين؟ وحاصله أن الحبلة اسم لما في البطن وحبلها ولد ذلك الذي في البطن. (و) كذا (لا) يجوز (بيع ما في ظهور الإبل) لحديث ابن عمر ﵂ قال: «نهى النبي ﷺ عن ثمن عسب الفحل» (٤)، (وعسب الفحل) بيع ماء الذكر من الإبل أو البقر أو أخذ أجرة على ضرابه؛ أي: تلقيحه؛ وحديث جابر ﵁ «أن النبي ﷺ نهى عن بيع ضراب الفحل» (٥)، وروى مالك في «الموطأ» عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى أنه قال: «لا ربا في الحيوان، وإنما نهى من الحيوان عن ثلاثة: عن المضامين، والملاقيح، وحبل
следующие страницы →