← Фикх малики

Фикх малики · id 30135

مسالك الجلالة في اختصار المناهل الزلالة

مختار بن العربي الجزائري

Полный текст (1 525 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

أشهر، فإذا انقضت المدة بأربعة أشهر فما دون لم تصح المطالبة من غير إيلاء، وقال ابن عباس ﵄: «كان إيلاء الجاهلية السنة والسنتين فوقت الله لهم أربعة أشهر، فمن كان إيلاؤه أقل من أربعة أشهر فليس بإيلاء» (١). (ولا يقع عليه الطلاق إلا بعد أجل الإيلاء وهو أربعة أشهر للحر) للآية السابقة (وشهران للعبد) لقول عمر ﵁: «إيلاء العبد شهران» (٢)؛ ولأن مدة الإيلاء يتعلق بها حكم البينونة فوجب أن لا يساوي فيه الحر العبد كالطلاق، (وقال مالك في العبد يتظاهر من امرأته أنه لا يدخل عليه إيلاء، وذلك أنه لو ذهب يصوم صيام كفارة المتظاهر) شهرين (دخل عليه طلاق الإيلاء قبل أن يفرغ من صيامه)، لأن إيلاء العبد شهران، وأجله شهران، فلو أفطر ساهيا أو لمرض لا ينقضي أجله قبل تمام كفارته، وهو بعض ما يعذر به العبد في عدم دخول الإيلاء عليه هكذا وجهه الباجي، وهو أحسن من توجيه ابن عبد البر بأنه مبني على لزوم الطلاق بمجرد مضي الشهرين لأنه خلاف المعروف من مذهب مالك (٣). (حتى يوقفه السلطان) هذا هو المشهور؛ أي: أن كونه لا يقع عليه الطلاق بتمام الأجل من غير إيقاف هو المشهور؛ أي: فيوقفه السلطان إما فاء أو طلق، فإن فاء؛ أي: رجع سقط عنه حكم الإيلاء، لقوله تعالى: ﴿فإن فاءو فإن الله غفور رحيم﴾، وتحصل الفيئة بمغيب الحشفة في القبل، وإن لم يفئ أمره السلطان بالطلاق، فإن امتنع طلق عليه أي طلق عليه الحاكم، لقول ابن عمر ﵁: «أيما رجل آلى من امرأته، فإنه إذا مضت الأربعة الأشهر، وقف، حتى يطلق، أو يفيء. ولا يقع عليه طلاق، إذا مضت الأربعة الأشهر، حتى يوقف» (٤)، وبهذا حكم علي وعمر وعثمان وأبو الدرداء وجماعة الصحابة بل قال الشافعي إن

стр. 982

أكثر الصحابة قال به (١). فائدة: لم يرد في الإيلاء حديث مرفوع إلى النبي ﷺ : «إلا كونه آلى من نسائه شهرا» (٢) الحديث المعروف في كون الشهر تسعا وعشرين على أن في كونه من الإيلاء المعروف خلافا ليس هذا محل بسطه والمذهب ظاهر في كونه ليس من الإيلاء. الظهار • قال المصنف رحمه الله تعالى: (ومن تظاهر من امرأته فلا يطؤها حتى يكفر بعثق رقبة مؤمنة سليمة من العيوب ليس فيها شرك ولا طرف من حرية فإن لم يجد صام شهرين متتابعين فإن لم يستطع أطعم ستين مسكينا مدين لكل مسكين. ولا يطؤها في ليل أو نهار حتى تنقضي الكفارة فإن فعل ذلك فليتب إلى الله ﷺ فإن كان وطؤه بعد أن فعل بعض الكفارة بإطعام أو صوم فليبتدئها ولا بأس بعتق الأعور في الظهار وولد الزنا ويجزئ الصغير ومن صلى وصام أحب إلينا). الظهار: لغة واصطلاحا: «معناه أن يقول الرجل لزوجه: أنت علي كظهر أمي. وكان هذا قولا يقولونه في الجاهلية يريدون به تأبيد تحريم نكاحها وبت عصمته. وهو مشتق من الظهر ضد البطن، لأن الذي يقول لامرأته: أنت علي كظهر أمي، يريد بذلك أنه حرمها على نفسه. كما أن أمه حرام عليه … .

стр. 983

فالتقدير: قربانك كقربان ظهر أمي؛ أي: اعتلائها الخاص. قال المفسرون وأهل اللغة: «كان الظهار طلاقا في الجاهلية يقتضي تأبيد التحريم». اهـ (١). واصطلاحا: قال ابن عرفة: «تشبيه زوج زوجه، أو ذي أمة حل وطؤه إياها بمحرم منه، أو بظهر أجنبية في تمتعه، بهما، والجزء كالكل، والمعلق كالحاصل» (٢). (ومن تظاهر) من المسلمين المكلفين حرا كان أو عبدا، فالمسلم يشمل الزوج والسيد (من امرأته) أو أمته وهو أن يشبهها بمحرمة عليه تحريما مؤبدا بنسب أو رضاع أو صهر، كقوله: أنت علي كظهر أمي، وقد اتفق الأئمة على أن الظهار يقع بتشبيه الزوجة بظهر من تحرم بالنسب (٣) (فلا يطؤها) ولا يقبلها ولا يلمسها ولا ينظر إلى شعرها (حتى يكفر) بأحد أمور ثلاثة على الترتيب أولها إما: (بعتق رقبة مؤمنة سليمة من العيوب، ليس فيها شرك، ولا طرف من حرية) أما اشتراط الإيمان فظاهر، لأن المقصود من العتق القربة وعتق الكافر ينافيها وهي ككفارة القتل إذ نص تعالى على كونها مؤمنة (٤)، وحديث معاوية بن الحكم السلمي في قصة جاريته وفيه قول النبي ﷺ : «أعتقها، فإنها مؤمنة» (٥)، وأما اشتراط السلامة من العيوب فإن إطلاق اسم الرقبة يقتضي السلامة، ولأن النقص يمنع التصرف التام فوجب أن يمنع الإجزاء، ولأن المقصود من العتق تمليك العبد منفعته، وتمكينه من التصرف وذلك لا يحصل مع العيب المضر بالعمل، وأما إن لم يمنعه كالعرج الخفيف والعور فإنه

стр. 984

يجزئ (١) كما سينص عليه بعد (فإن) عجز عن العتق بأن (لم يجد) رقبة ولا ثمنها ولا قيمتها (صام شهرين متتابعين) بالأهلة فإن انكسر شهر صام أحدهما بالهلال وتمم المنكسر ثلاثين وتجب: نية التتابع، ونية الكفارة؛ فإذا انقطع التتابع استأنف لأن الله سبحانه اشترط التتابع (فإن لم يستطع) الصوم (أطعم ستين مسكينا) أحرارا مسلمين لقوله تعالى: ﴿والذين يظهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبير﴾ ﴿فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ستين﴾ [المجادلة: ٤، ٣]، وحديث خولة بنت مالك ﵂ قالت: «ظاهر مني زوجي أوس بن الصامت، فجئت رسول الله ﷺ أشكو إليه، ورسول الله ﷺ يجادلني فيه، ويقول: «اتقي الله فإنه ابن عمك»، فما برحت حتى نزل القرآن: ﴿قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها﴾ [المجادلة: ١]، إلى الفرض، فقال: «يعتق رقبة» قالت: لا يجد، قال: «فيصوم شهرين متتابعين»، قالت: يا رسول الله، إنه شيخ كبير ما به من صيام، قال: «فليطعم ستين مسكينا»، قالت: ما عنده من شيء يتصدق به، قالت: فأتي ساعتئذ بعرق من تمر، قلت: يا رسول الله، فإني أعينه بعرق آخر، قال: «قد أحسنت، اذهبي فأطعمي بها عنه ستين مسكينا، وارجعي إلى ابن عمك»، قال: والعرق: ستون صاعا، قال أبو داود: «في هذا إنها كفرت عنه من غير أن تستأمره»، قال أبو داود: وهذا أخو عبادة بن الصامت» (٢)، أما اشتراط كون الرقبة مؤمنة فلأنها مخرجة على وجه الكفارة فاعتبر فيها الإيمان. (مدين لكل مسكين) لأن الله تعالى لم يقل في كفارة الظهار من أوسط ما تطعمون فدل على أنه أراد أفضل الشبع وذلك يحصل بمدين بمد النبي ﷺ

стр. 985

بخلاف كفارة اليمين فإن الله تعالى قال فيها: ﴿من أوسط ما تطعمون أهليكم﴾ [المائدة: ٨٩] قال مالك: والوسط بالمدينة مد بمد النبي ﷺ ولأن في حديث خولة بنت مالك عند أبي داود في رواية: «والعرق مكتل يسع ثلاثين صاعا» (١)، وقال: هذا أصح، والصاع أربعة أمداد فيكون لكل واحد مدين. (ولا يطؤها) يريد ولا يقبلها ولا يباشرها (في ليل أو نهار حتى تنقضي الكفارة) لقوله تعالى: ﴿من قبل أن يتماسا﴾ [المجادلة: ٣]، (فإن فعل ذلك فليتب إلى الله ) وليس عليه كفارة أخرى لحديث سلمة بن صخر ﵁: «عن النبي ﷺ في المظاهر يواقع قبل أن يكفر قال: «كفارة واحدة»» (٢). (فإن كان وطؤه) أو استمتاعه بغير الوطء (بعد أن فعل بعض الكفارة بالإطعام أو صوم فليبتدئها)؛ أي: الكفارة وسكت عن العتق فإنه لا يتبعض لقوله تعالى: ﴿فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا﴾ [المجادلة: ٣] فجعل ذلك شرطا في الصيام الواجب عليه الذي به يتخلص من حكم الظهار فمن جامع قبل أن يتم الصيام فلم يأت بصيام الشهرين قبل أن يتماسا فلم يبرأ بذلك من صوم الظهار، والإطعام مثله، ولحديث ابن عباس: أن رجلا أتى النبي ﷺ قد ظاهر من امرأته، فوقع عليها، فقال: يا رسول الله، إني قد ظاهرت من زوجتي، فوقعت عليها قبل أن أكفر، فقال: «وما حملك على ذلك يرحمك الله؟»، قال: رأيت خلخالها في ضوء القمر، قال: «فلا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله به» (٣)، والواطئ قبل إتمام الكفارة لم يكن آتيا بما أمره الله. (ولا بأس بعتق الأعور في الظهار) لأن العور لا يمنع من التصرف

стр. 986

والانتفاع بخلاف العمى ونحوه، (و) كذلك لا بأس بعتق (ولد الزنى) لشمول الرقبة في الآية له، والآبق، والسارق، والزاني. (ويجزئ الصغير) لصدق اسم الرقبة عليه (و من صلى وصام أحب إلينا)؛ أي: المالكية لتمكنه من معايشه بخلاف الرضيع فإنه وإن أجزأ في الظهار إلا أن ذلك متعذر فيه، ولذا يلزمه الإنفاق عليه حتى يبلغ القدرة على الكسب. اللعان • قال المصنف رحمه الله تعالى: (واللعان بين كل زوجين في نفي حمل يدعى قبله الاستبراء أو رؤية الزنا كالمرود في المكحلة واختلف في اللعان في القذف وإذا افترقا باللعان لم يتناكحا أبدا. ويبدأ الزوج فيلتعن أربع شهادات بالله ثم يخمس باللعنة ثم تلتعن هي أربعا أيضا وتخمس بالغضب كما ذكر الله . وإن نكلت هي رجمت إن كانت حرة محصنة بوطء تقدم من هذا الزوج أو زوج غيره وإلا جلدت مائة جلدة وإن نكل الزوج جلد حد القذف ثمانين ولحق به الولد. وللمرأة أن تفتدي من زوجها بصداقها أو أقل أو أكثر إذا لم يكن عن ضرر بها فإن كان عن ضرر بها رجعت بما أعطته ولزمه الخلع والخلع طلقة لا رجعة فيها إلا بنكاح جديد برضاها. والمعتقة تحت العبد لها الخيار أن تقيم معه أو تفارقه ومن اشترى زوجته انفسخ نكاحه). الشرح اللعان (١): لغة: قال في المصباح: لعنه لعنا من باب نفع، طرده وأبعده

стр. 987

أو سبه فهو (لعين) و (ملعون)، ولاعنه ملاعنة ولعانا وتلاعنوا لعن كل واحد الآخر، ولاعن الرجل زوجته قذفها بالفجور، وقال ابن دريد: كلمة إسلامية في لغة فصيحة. اه. اصطلاحا: «هو حلف مسلم على زنا زوجته، أو نفي حملها اللازم له، وحلفها على تكذيبه إن أوجب نكولها حدها بحكم قاض» (١). قال ابن حجر رحمه الله تعالى: «هو مأخوذ من اللعن، لأن الملاعن يقول: لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، واختير لفظ اللعن دون الغضب في التسمية، لأنه قول الرجل وهو الذي بدئ به في الآية، وهو أيضا يبدأ به وله أن يرجع عنه فيسقط عن المرأة بغير عكس، وقيل: سمي لعانا، لأن اللعن الطرد والإبعاد وهو مشترك بينهما، وإنما خصت المرأة بلفظ الغضب لعظم الذنب بالنسبة إليها لأن الرجل إذا كان كاذبا لم يصل ذنبه إلى أكثر من القذف، وإن كانت هي كاذبة فذنبها أعظم لما فيه من تلويث الفراش والتعرض لإلحاق من ليس من الزوج به، فتنتشر المحرمية وتثبت الولاية والميراث لمن لا يستحقهما. واللعان والالتعان والملاعنة؛ بمعنى: ويقال: تلاعنا والتعنا، ولاعن الحاكم بينهما والرجل ملاعن والمرأة ملاعنة لوقوعه غالبا من الجانبين. وأجمعوا على مشروعية اللعان وعلى أنه لا يجوز مع عدم التحقق، واختلف في وجوبه على الزوج لكن لو تحقق أن الولد ليس منه قوي الوجوب». اهـ (٢). (واللعان) مشروع رخصة نص عليه الكتاب والسنة ولا خلاف في ذلك بين الأئمة (بين كل زوجين) ولو كان نكاحهما مجمعا على فساده دخل بها أو لا، ولو فاسقين لقول الموازية: ومن نكح ذات محرم أو أخته غير عالم، وقد حملت وأنكر الولد، فإنهما يتلاعنان، لأنه نكاح شبهة فإن نكلت

стр. 988

حدت، وإن نكل حدا للقذف، ويلزمه الولد، ويشترط في الزوج أن يكون مسلما مكلفا يتأتى منه الوطء، ويشترط في الزوجة أن تكون ممن يمكن حملها، ولا يشترط فيها الإسلام والحرية، فتلاعن الكتابية والأمة، واللعان بين الزوجين يكون في (في نفي حمل يدعى قبله الاستبراء) ولو بحيضة ومثل الاستبراء دعواه عدم وطئها بعد وضعها الحمل الأول الذي قبل هذا المنفي والحال أن بين الوضعين ما يقطع الثاني عن الأول، وهو ستة أشهر فأكثر (أو) يدعي (رؤية الزنا كالمرود) بكسر الميم (في المكحلة) بضم الميم والحاء لقوله تعالى: ﴿والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهدات بالله إنه لمن الصادقين والخامسة أن لعنت الله عليه إن كان من الكاذبين﴾ [النور: ٦، ٧] الآية. ويشترط في اللعان لنفي الحمل أن يقوم بفوره، وأما إذا رآه وسكت ثم قام بعد ذلك فلا لعان. ويشترط في اللعان بالرؤية أن لا يطأ بعدها، وأما التأخير فلا يمنع اللعان لرؤية الزنى، (واختلف في اللعان في القذف) من غير دعوى رؤية وطء ولا نفي حمل على قولين مشهورين أحدهما أنه يلاعن والآخر أنه يحد ولا يلاعن (١) ويتعلق باللعان أربعة أحكام أحدهما: أشار إليه بقوله: (وإذا افترقا باللعان لم يتناكحا أبدا) لحديث ابن عباس ﵄: «أن النبي ﷺ قال: المتلاعنان إذا تفرقا لا يجتمعان أبدا» (٢)، وحديث علي ﵁ قال: «مضت السنة في المتلاعنين أن لا يجتمعان أبدا» (٣). • صفة اللعان: (ويبدأ الزوج فيلتعن أربع شهادات بالله، ثم يخمس باللعنة، ثم تلتعن

стр. 989

هي أربعا، وتخمس بالغضب كما ذكر الله ) ولحديث سعيد بن جبير أنه قال لعبد الله بن عمر: يا أبا عبد الرحمن المتلاعنان أيفرق بينهما؟ قال: سبحان الله، نعم، إن أول من سأل عن ذلك فلان بن فلان، قال: يا رسول الله، أرأيت أن لو وجد أحدنا امرأته على فاحشة، كيف يصنع إن تكلم تكلم بأمر عظيم؟ وإن سكت سكت على مثل ذلك، قال: فسكت النبي ﷺ فلم يجبه، فلما كان بعد ذلك أتاه، فقال: «إن الذي سألتك عنه قد ابتليت به، فأنزل الله ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ [النور: ٦] فتلاهن عليه، ووعظه، وذكره، وأخبره: أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، قال: لا والذي بعثك بالحق ما كذبت عليها، ثم دعاها فوعظها وذكرها، وأخبرها أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة. قالت: لا، والذي بعثك بالحق إنه لكاذب، فبدأ بالرجل، فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم ثنى بالمرأة، فشهدت أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين، ثم فرق بينهما» (١). ويجب أن يكون اللعان بحضرة جماعة من الناس أقلهم أربعة. وأن يكون في أشرف أمكنة البلد ولا يكون إلا في المسجد. ويستحب أن يكون بعد صلاة العصر. ويستحب تخويفهما خصوصا عند الخامسة، بأن يقال لهما: هذه الخامسة هي الموجبة عليكما العذاب. وكل هذه المعاني من أحاديث صحيحة (٢). (وإن نكلت هي)؛ أي: المرأة عن اللعان؛ أي: امتنعت منه بعد لعان

стр. 990

الزوج (رجمت إن كانت حرة محصنة بوطء تقدم من هذا الزوج) الملاعن (أو من زوج غيره)؛ أي: في نكاح صحيح لازم (وإلا)؛ أي: وإن لم يتقدم للملاعنة إحصان (جلدت مائة جلدة) حيث كانت حرة مسلمة مكلفة، فإن كانت أمة فنصف الحد، وإن كانت ذمية يلزمها الأدب لأذيتها لزوجها وردت لحاكم ملتها بعد تأديبها. (وإن نكل الزوج) وكانت الزوجة بالغة مسلمة حرة (جلد حد القذف ثمانين) جلدة (ولحق به الولد). • عود إلى الخلع: ثم انتقل يتكلم على الخلع مرة أخرى وإن كان قد أشار إليه في الطلاق وهل هو طلقة أم فسخ، فقال: (وللمرأة)؛ أي: ويباح لها إذا كانت بالغة رشيدة (أن تفتدي)؛ أي: تختلع (من زوجها) إذا كان بالغا رشيدا، أما إذا كان صبيا أو مجنونا فلا يباح لها ذلك، والظاهر الحرمة، (ب) جميع (صداقها أو) ب (أقل أو) ب (أكثر منه)، وإباحته مقيدة بما (إذا لم يكن) ذلك (عن ضرر بها) مثل أن ينقصها من النفقة أو يكلفها شغلا لا يلزمها، فإن كان ذلك الافتداء ناشئا (عن ضرر بها رجعت) عليه (بما أعطته ولزمه الخلع)، ويكفي في ثبوت الضرر إقامة بينة السماع، والحاصل أن المرأة إذا ادعت بعد المخالعة أنها ما خلعت إلا عن ضرر، وأقامت بينة السماع بذلك فإن الزوج يرد ما خالعها به وبانت منه. (والخلع طلقة) بائنة (لا رجعة فيها إلا بنكاح جديد)، بولي وصداق وشاهدي عدل برضاها، إن لم تكن مجبرة على النكاح، أما المجبرة فإنما يراعى رضا الولي. (والمعتقة تحت العبد لها الخيار أن تقيم معه أو تفارقه) فعن عائشة ﵂: «أن بريرة خيرها النبي ﷺ وكان زوجها عبدا» (١) وفي رواية عنها

стр. 991

أيضا: «أن بريرة أعتقت وكان زوجها عبدا فخيرها رسول الله ﷺ ولو كان حرا لم يخيرها» (١)، وبه أخذ مالك في أنه إذا كانت تحت الحر فلا خيار لها. (ومن اشترى زوجته انفسخ نكاحه) لمنافاة ملك اليمين للنكاح، ولذلك لا يجوز للرجل أن يتزوج أمته، ولا للمرأة أن تتزوج عبدها كما سبق دليله. • طلاق العبد: (وطلاق العبد طلقتان وعدة الأمة حيضتان) لقضاء الصحابة بذلك منهم: عمر وعثمان وزيد بن ثابت وابن عمر وعائشة وجابر بن عبد الله بن مسعود وغيرهم ﵃، وكذلك حديث: «طلاق الأمة تطليقتين وقرؤها حيضتان» فإنه ضعيف من جميع طرقه وإن صحح بعضها الحاكم (٢) وهو وارد من حديث عائشة وابن عمر وابن عباس ﵃ (٣)، وقد استدل ابن مسعود ﵁ بالقياس على الحد فقال: يكون عليها نصف العذاب، ولا يكون لها نصف الرخصة. (وكفارات العبد كالحر) مراده أن ما يكفر به العبد هو كالحر فيه؛ أي: فلا يتنصف لا أن كل ما يكفر به الحر يكفر به العبد، إذ العتق لا يكفر به، ولو أذن له السيد، أو لأنها من باب العبادات فيستوي فيها الحر والعبد (بخلاف معاني الحدود) لفظ معاني زائدة؛ أي: بخلاف الحدود فإنها تشطر عليه لقوله تعالى: ﴿فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾ [النساء: ٢٩]، (والطلاق) لما تقدم ذكره والقياس على الحدود كما قال ابن مسعود. • الرضاع: الرضاع لغة: مص الثدي بفتح الراء وكسرها مصدر رضع الصبي الثدي بكسر الضاد وفتحها حكاهما ابن الأعرابي، وقال: الكسر أفصح وأبو عبيد في

стр. 992

المصنف ويعقوب في الإصلاح، قال المطرز في شرحه: امرأة مرضع إذا كانت ترضع ولدها ساعة بعد ساعة، وامرأة مرضعة إذا كان ثديها في فم ولدها، قال ثعلب: فمن ها هنا جاء القرآن ﴿تذهل كل مرضعة عما أرضعت﴾ [الحج: ٢] (١). وشرعا قال ابن عرفة: «الرضاع عرفا (أي: عرفا شرعيا) وصول لبن آدمي بمحل مظنة غذاء» (٢). (وكل ما وصل إلى جوف الرضيع في الحولين من اللبن فإنه يحرم) لقوله تعالى: ﴿وأمهتكم التي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة﴾ [النساء: ٢٣] ذكرهما الله تعالى في جملة المحرمات، وحديث: «يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة» (٣)، وفي رواية: «من الرحم» (٤) وفي أخرى: «من النسب» (٥)، أما اشتراط كونه في الحولين فلقوله تعالى: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة﴾ [البقرة: ٢٣٣] فجعل تمام الرضاع في الحولين فدل على أنه لا حكم للرضاع بعد الحولين كما سيشير إليه المصنف رحمه الله تعالى، ولحديث أم سلمة قالت قال رسول الله ﷺ : «لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء في الندي وكان قبل الفطام» (٦)، وقوله في الثدي؛ يعني: في زمن الرضاع، وحديث ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «لا رضاع إلا ما كان في الحولين» (٧)، (وإن مصة واحدة) وفي نسخة: ولو مصة بالنصب وعلى كل من النسختين فهو خبر لكان المحذوفة التقدير، وإن كان الواصل من اللبن مصة أو لو كان إلخ، لإطلاق الرضاع في الآية والأحاديث، وهو يتناول

стр. 993

القليل والكثير فوجب أن تصير إما بوجود مطلق الرضاع، ولقوله: يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، والنسب إذا ثبت من وجه أوجب التحريم وإن لم يثبت من وجه آخر فكذلك الرضاع لتسوية النبي ﷺ بينهما في الحكم (١). (ولا يحرم ما أرضع بعد الحولين إلا ما قرب منهما كالشهر ونحوه) وقيل: والشهرين، وهو تفسير للقرب على حسب اختلاف الرواية فيه، فالأول رواية ابن عبد الحكم، والثاني رواية ابن القاسم ولو فصل قبل الحولين، (و) لذلك (لو فصل قبل الحولين فصالا استغنى فيه بالطعام لم يحرم ما أرضع بعد ذلك) لعدم التوقف على القدر المتمم لحكم الرضاع والموجب للاستغناء (ويحرم بالوجور) (٢) لوصول اللبن به إلى حيث يصل بالارتضاع، ولأنه يحصل به من إثبات اللحم وانتشار العظم ما يحصل بالرضاع (والسعوط) بفتح السين وهو ما صب في المنخر، ظاهر كلامه أن السعوط يحرم وإن لم يتحقق وصوله للجوف وهو كذلك في كتاب ابن حبيب عن مالك، وقال ابن القاسم: إن وصل إلى الجوف حرم وإلا فلا (٣). (ومن أرضع صبيا) ذكر الضمير مراعاة للفظ من نظير قوله تعالى: ﴿ومن يقنت﴾ [الأحزاب: ٣١] (فبنات تلك المرأة المرضعة للصبي وبنات فحلها ما تقدم أو تأخر إخوة له)؛ أي: لمن أرضعته وكان حقه أن يقول: أخوات له إلا أنه راعى لفظ ما (ولأخيه)؛ أي: أخي الصبي من النسب لا من الرضاع (نكاح بناتها)؛ أي: بنات التي أرضعته.

стр. 994

باب (في العدة والنفقة والاستبراء) • قال المصنف رحمه الله تعالى: (وعدة الحرة المطلقة ثلاثة قروء كانت مسلمة أو كتابية. والأمة ومن فيها بقية رق قرآن كان الزوج في جميعهن حرا أو عبدا والأقراء هي الأطهار التي بين الدمين. فإن كانت ممن لم تحض أو ممن قد يئست من المحيض فثلاثة أشهر في الحرة والأمة. وعدة الحرة المستحاضة أو الأمة في الطلاق سنة. وعدة الحامل في وفاة أو طلاق وضع حملها كانت حرة أو أمة أو كتابية. والمطلقة التي لم يدخل بها لا عدة عليها. وعدة الحرة من الوفاة أربعة أشهر وعشر كانت صغيرة أو كبيرة دخل بها أو لم يدخل مسلمة كانت أو كتابية. وفي الأمة ومن فيها بقية رق شهران وخمس ليال ما لم ترتب الكبيرة ذات الحيض بتأخيره عن وقته فتقعد حتى تذهب الريبة. وأما التي لا تحيض لصغر أو كبر وقد بني بها فلا تنكح في الوفاة إلا بعد ثلاثة أشهر). الشرح العدد: جمع عدة بكسر العين فيهما، وهي مأخوذة من العدد لاشتمالها على عدد الأقراء أو الأشهر غالبا (١).

стр. 995

والعدة: هي تربص المرأة زمانا معلوما قدره الشارع علامة على براءة الرحم مع ضرب من التعبد (١). وحكمها: الوجوب لقوله تعالى: ﴿حتى يبلغ الكتاب أجله﴾ [البقرة: ٢٣٥]، وقوله ﷺ للفريعة بنت مالك ﵄: «امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله» (٢). وأنواعها ثلاثة: أقراء، وشهور، وحمل. أما الأقراء: فهي للمطلقة ذات الحيض حرة وأمة، وإلى الأولى أشار بقوله: (وعدة الحرة) ذات الحيض (المطلقة: ثلاثة قروء) سواء كانت مسلمة أو كتابية، لشمول عموم الآية الجميع، ولا خلاف في ذلك ثم أشار إلى الثانية لقوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وهي الأطهار عند مالك وأصحابه، ومن الصحابة فابن عمر وزيد بن ثابت وعائشة ﵂، وقال المالكية: «إن هذا الجمع خاص بالقرء الذي هو الطهر، وذلك أن القرء الذي هو الحيض يجمع على أقراء لا على قروء، وحكوا ذلك عن ابن الأنباري، وأيضا فإنهم قالوا: إن الحيضة مؤنثة والطهر مذكر، فلو كان القرء الذي يراد به الحيض لما ثبت في جمعه الهاء لأن الهاء لا تثبت في جمع المؤنث فيما دون العشرة، وقالوا أيضا: إن الاشتقاق يدل على ذلك، لأن القرء مشتق من قرأت الماء في الحوض: أي: جمعته، فزمان اجتماع الدم هو زمان الطهر، فهذا هو أقوى ما تمسك به هذا الفريق من ظاهر الآية» (٣) … ثم ذكر دليل الفريق الآخر وإن أردت التوسع في ما احتج به كل فريق فعليك بكتب تفسير آيات الأحكام.

стр. 996

(والأمة ومن فيها بقية رق (قرآن) لما سبق قريبا عند قوله: وعدة الأمة حيضتان (كان الزوج في جميعهن)؛ أي: جميع من ذكر وهي الحرة المسلمة والكتابية والأمة ومن فيها بقية رق (حرا أو عبدا) لقول ابن عباس ﵄: «الطلاق بالرجال والعدة بالنساء» (١)، والإقراء هي الأطهار التي بين الدمين) الأنسب بلفظ الأقراء الدماء لأن الذي بين الدمين قرء واحد، ولا بد من الأقراء، وقد تقدم قول ابن رشد: ١ - (فإن كانت)؛ أي: المطلقة (ممن لم تحض) لصغر ويوطأ مثلها أمن حملها أم لا. ٢ - (أو) كانت (ممن قد يئست من المحيض كبنت سبعين سنة) فثلاثة أشهر في الحرة و على المشهور في (الأمة) لقوله تعالى: ﴿والتي ببسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر والتي لم يحضن﴾ [الطلاق: ٤]، وإنما سارت الأمة الحرة لعموم الآية، ولأن براءة الرحم لا تحصل إلا بثلاثة أشهر لأن الحمل يمكث أربعين يوما نطفة، ثم أربعين يوما علقة، ثم أربعين يوما مضغة، ثم يتحرك ويعلو جوف المرأة فيظهر الحمل، وبهذا قال عمر بن الخطاب ﵁ وعمر بن عبد العزيز والحسن ومجاهد وابن شهاب وغيرهم، ولا بد من مراعاة الشهور بالأهلة، فإذا طلقت في أثناء الشهر كملت الشهر الذي طلقت فيه من الشهر الرابع، ولا يحسب يوم الطلاق. والثالثة أشار إليها بقوله: (وعدة الحرة المستحاضة أو الأمة) المستحاضة (في الطلاق سنة) «لقضاء عمر بن الخطاب ﵁ بذلك في المرتابة التي حالها كحال المستحاضة» (٢)، وعلة ذلك أن تسعة أشهر هي معتاد أمد الحمل فتنتظرها لنفي الريبة، ثم تعتد بعدها بثلاثة أشهر لانتقالها عن الإقراء. (وعدة الحامل في وفاة) على المشهور (أو طلاق) اتفاقا (وضع حملها)

стр. 997

كله ولو وضعته عقب الطلاق أو الوفاة بلحظة سواء (كانت حرة أو أمة) مسلمتين (أو كتابية) لقوله تعالى: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ [الطلاق: ٤] وهي مخصصة لقوله تعالى: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، قال أبي بن كعب ﵁ قلت يا رسول الله: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ للمطلقة ثلاثا، أو للمتوفى عنها؟ قال: «هي للمطلقة ثلاثا، وللمتوفى عنها» (١)، وحديث أم سلمة ﵂ أن سبيعة الأسلمية توفي عنها وهي حبلى، فخطبها أبو السنابل بن بعكك، فأبت أن تنكحه، فقال: «والله ما يصلح أن تنكحيه حتى تعتدي آخر الأجلين»، فمكثت قريبا من عشر ليال، ثم جاءت النبي ﷺ فقال: «انكحي» (٢). (والمطلقة التي لم يدخل بها لا عدة لها) لقوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا﴾ [الأحزاب: ٤٩]، ولا مفهوم لصفة الإيمان هنا بلا خلاف لأنه خرج مخرج الغالب (٣). (وعدة الحرة) غير الحامل سواء كانت مستحاضة أو غير مستحاضة (من الوفاة أربعة أشهر كانت) الزوجة (صغيرة أو كبيرة دخل بها) الزوج (أو لم يدخل مسلمة كانت، أو كتابية) كان الزوج صغيرا أو كبيرا، لقوله تعالى: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا﴾ [البقرة: ٢٣٤] وحديث أم سلمة أن النبي ﷺ قال: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر، أن تحد على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج، فإنها تحد عليه أربعة أشهر وعشرا» (٤)، وهو عام في المدخول بها وغيرها للإجماع، وحديث

стр. 998

معقل بن يسار الأشجعي ﵁ «أن رسول الله ﷺ قضى بذلك في بروع بنت واشق» (١). (وفي الأمة ومن فيها بقية رق شهران وخمس ليال) لأن عدتها على النصف كما سبق (وأما التي لا تحيض لصغر أو كبر وقد بنى بها فلا تنكح في الوفاة إلا بعد ثلاثة أشهر) لما سبق أن براءة الرحم لا تتحقق إلا بثلاثة أشهر، ورواية ابن القاسم: شهران وخمس ليال. إحداد المرأة عن زوجها: • قال المصنف رحمه الله تعالى: (والإحداد أن لا تقرب المعتدة من الوفاة شيئا من الزينة بحلي أو كحل أو غيره وتجتنب الصباغ كله إلا الأسود وتجتنب الطيب كله ولا تختضب بحناء ولا تقرب دهنا مطيبا ولا تمتشط بما يختمر في رأسها وعلى الأمة والحرة الصغيرة والكبيرة الإحداد، واختلف في الكتابية وليس على المطلقة إحداد وتجبر الحرة الكتابية على العدة من المسلم في الوفاة والطلاق. وعدة أم الولد من وفاة سيدها حيضة وكذلك إذا أعتقها فإن قعدت عن الحيض فثلاثة أشهر). الشرح (والإحداد) وهو لغة: الامتناع، وفي لفظ الحديث: «أن تحد»، من الإحداد وهي أن تترك المرأة الزينة على الميت للعدة كزوجة وثلاثة أيام للقريبة ونحوها. وشرعا: (وهو أن لا تقرب المعتدة من الوفاة) على جهة الوجوب، لقوله تعالى: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر

стр. 999

وعشرا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، قال ابن العربي: «أفادت الآية وجوب التربص، وأفادت السنة الإحداد، وهي هيئة التربص» (١)، وذلك ألا تقرب (شيئا من الزينة) ظاهرة كبيرة كانت أو صغيرة، حرة أو أمة، مسلمة أو كتابية، لأنه حق الله تعالى، فلزم الجميع، والاستبراء يقع بحيضة واحدة، فلما كان حقا لله تعالى لزم الصغيرة التي لم تحض. والزينة تكون بأشياء أحدها ما أشار إليه بقوله: (بحلي) بضم الحاء وكسر اللام وتشديد الياء، جمع حلي بفتح الحاء وسكون اللام كالسوار والخاتم نحوهما. وثانيها: ما أشار إليه بقوله: (أو كحل) ظاهره ولو كان لضرورة، وهو قول ابن عبد الحكم، والذي في المدونة ولا تكتحل إلا من ضرورة. وثالثها: إزالة الشعث عن نفسها وإليه أشار بقوله: (أو غيره) فلا تدخل الحمام إلا من ضرورة ولا تطلي جسدها بالنورة. (وتجتنب الصباغ كله إلا الأسود) فإنه لباس الحزن، إلا أن يكون زينة قوم فتجتنبه، (ولا تختضب بحناء ولا تقرب دهنا مطيبا) وإنما منعت منه ومن الزينة لأنهما يدعوان إلى النكاح، (ولا تمتشط بما يختمر في رأسها) وهو ما له رائحة طيبة لنهي النبي ﷺ كما في أحاديث عدة منها حديث أم سلمة ﵂ قالت: يا رسول الله، إن ابنتي توفي عنها زوجها، وقد اشتكت عينها، أفتكحلها؟ فقال رسول الله ﷺ : «لا مرتين أو ثلاثا، كل ذلك يقول: «لا» ثم قال رسول الله ﷺ : «إنما هي أربعة أشهر وعشر، وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول» (٢). قلت: وهذا فيه جواز تذكير الناس بالنعم المتجددة ومقارنتها بما كانوا

стр. 1000

عليه من شظف العيش، وقسوة الجاهلية، ليحمدوا الله على ذلك. وحديث أم عطية ﵂ قالت: «كنا ننهى أن نحد على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا، ولا نكتحل ولا نتطيب ولا نلبس ثوبا مصبوعا، إلا ثوب عصب، وقد رخص لنا عند الظهر إذا اغتسلت إحدانا من محيضها في نبذة من كست أظفار … » (١)، وحديث أم سلمة قالت: دخل علي رسول الله ﷺ حين توفي أبو سلمة وقد جعلت علي صبرا فقال: «ما هذا يا أم سلمة» فقلت: إنما هو صبر يا رسول الله ليس فيه طيب، قال (٢): «إنه يشب الوجه فلا تجعليه إلا بالليل، وتنزعينه بالنهار، ولا تمتشطي بالطيب ولا بالحناء، فإنه خضاب»، قالت: قلت: بأي شيء أمتشط يا رسول الله؟ قال: «بالسدر تغلفين به رأسك» (٣)، وحديثها أيضا عن النبي ﷺ قال: «المتوفى عنها زوجها لا تلبس المعصفر من الثياب، ولا الممشقة، ولا الحلي، ولا تختضب، ولا تكتحل» (٤)، أما استثناء السواد فلأنه ليس من لباس الزينة بل هو لباس الحزن، ولذلك لو كان في عرف قوم زينة لوجب عليها اجتنابه كغيره (٥). (وعلى الأمة والحرة الصغيرة والكبيرة الإحداد) لقوله ﷺ : «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة

стр. 1001

أشهر وعشرا من حديث أم سلمة ﵂ وغيرها (١)، فإن لفظ «امرأة» شامل للأمة والصغيرة والكبيرة (٢)، وكذلك قوله ﷺ في حديثها السابق: «المتوفى عنها زوجها لا تلبس المعصفر من الثياب» الحديث شامل للجميع. واختلف في وجوب الإحداد على (الكتابية) على قولين: مشهورهما وجوب الإحداد فروى ابن نافع عن مالك لا إحداد عليها، لأن رسول الله ﷺ قال: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله وباليوم الآخر تحد على ميت فوق ثلاث» والنصرانية ليست مؤمنة، وقيل: إن قوله ﷺ خرج مخرج الغالب، وروى ابن القاسم عليها الإحداد، وقال: قال مالك: إنما رأيت عليها الإحداد لأنها من أزواج المسلمين فقد وجبت عليها العدة والإحداد من لوازم العدة، ولحديث أم سلمة السابق: «المتوفى عنها زوجها لا تلبس المعصفر من الثياب» الحديث فإنه شامل لكل زوجة كتابية كانت أو مسلمة، ولأن الله تعالى قال: ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله﴾ [المائدة: ٤٩] فوجب الحكم عليها بحكم الإسلام وهو وجوب الاحداد على المتوفى عنها زوجها. (وليس على المطلقة) طلاقا بائنا أو رجعيا (إحداد) لعدم وروده عن الشارع أما قياسها على المتوفى عنها زوجها فمنقوض بالملاعنة والمختلعة، وبوجود الفارق بين عدة البائن التي هي ثلاثة قروء وعدة المتوفى عنها زوجها التي هي أربعة أشهر وعشر ليال، وقد قيل: إن الحكمة فيه الاحتياط للأنساب لأن الميت لا محامي له عن نسبه، فجعل الحداد زاجرا وقائما مقام المحامي عن الميت بخلاف المطلق فإنه لوجوده يحامي عن نسبه ويحتاط له. (وتجبر الحرة الكتابية على العدة من المسلم في الوفاة) دخل بها أو لم يدخل (٣) (والطلاق) إذا دخل بها لحق الزوج ففي الوفاة أربعة أشهر وعشرا ولو كانت مطيقة والزوج كذلك وفي الطلاق ثلاثة أقراء أو أشهر للأدلة السابقة

стр. 1002

في الإحداد، ولأن الله تعالى أوجب العدة حفظا للأنساب واستبراء للرحم من ماء الزوج الأول وذلك أمر تستوي فيه النساء مسلمات كن أو كتابيات. (وعدة أم الولد من وفاة سيدها) وهي الحر حملها من وطء مالكها (حيضة، وكذلك إذا أعتقها) لأنه استبراء لزوال الملك عن الرقبة كسائر استبراء المعتقات والمملوكات، ولأنها ليست بزوج ولذلك لا ترث. (فإن قعدت عن الحيض فثلاثة أشهر) لأنها المدة التي لا يتبين الحمل في أقل منها كما سبق. الاستبراء • قال المصنف رحمه الله تعالى: (واستبراء الأمة في انتقال الملك حيضة انتقل الملك ببيع أو هبة أو سبي أو غير ذلك، ومن هي في حيازته قد حاضت عنده ثم إنه اشتراها فلا استبراء عليها إن لم تكن تخرج. واستبراء الصغيرة في البيع إن كانت توطأ ثلاثة أشهر، واليائسة من المحيض ثلاثة أشهر، والتي لا توطأ فلا استبراء فيها. ومن ابتاع حاملا من غيره أو ملكها بغير البيع فلا يقربها ولا يتلذذ منها بشيء حتى تضع). الشرح الاستبراء: «استفعال من برأ؛ ومعناه: قصد علم براءة رحمها من الحمل بأخذ ما يستبرأ به من الوفاة» (١). وقال في «المصباح»: «استبرأت» المرأة طلبت براءتها من الحبل، قال الزمخشري (استبرأت) الشيء طلبت آخره لقطع الشبهة» (٢). (واستبراء الأمة في انتقال الملك حيضة) واحدة مراعاة لحفظ

стр. 1003

الأنساب (١) سواء (انتقل الملك ببيع أو هبة أو سبي أو غير ذلك) كالإرث والصدقة لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «في سبي أوطاس: لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير حامل حتى تحيض حيضة» (٢)، وحديث رويفع بن ثابت ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقع على امرأة من السبي حتى يستبرئها» (٣)، لأن المعتبر الانتقال المظنون معه شغل الرحم بماء المنتقل منه إلى المنتقل إليه لا أسباب الانتقال. (ومن هي في حيازته) برهن أو وديعة مثلا إذا علم أنها (قد حاضت عنده ثم إنه اشتراها) الأحسن أن لو قال: ثم ملكها ليشمل الشراء وغيره (فلا استبراء عليها) للعلم ببراءة الرحم (إن لم تكن تخرج) لوجود الشك وتطرق احتمال أن تكون أصيبت في خروجها بعد حيضتها المحققة لبراءة رحمها من سيدها الأول (واستبراء الصغيرة في البيع إن كانت توطأ ثلاثة أشهر) لأن الحمل لا يتبين في أقل من ذلك (واليائسة من المحيض ثلاثة أشهر) لما سبق من أنها المدة التي تتحقق فيها براءة الرحم (والتي لا توطأ فلا استبراء فيها) لتحقق براءة رحمها من ماء الغير (ومن ابتاع حاملا من غيره أو ملكها بغير البيع فلا يقربها ولا يتلذذ منها بشيء حتى تضع) لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ السابق قريبا أن النبي ﷺ قال: «لا توطأ حامل حتى تضع» (٤)، وحديث رويفع بن ثابت أن النبي ﷺ قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسق ماءه ولد غيره» (٥)، أما المنع من الالتذاذ بها فلأنه داعية إلى الوطء المحرم فأشبهت المبيعة ولأنها في حالة الحمل أم ولد لغيره والبيع باطل فلا يجوز معه الاستمتاع.

стр. 1004

النفقة وأحكامها • قال المصنف رحمه الله تعالى: (والسكنى لكل مطلقة مدخول بها ولا نفقة إلا للتي طلقت دون الثلاث وللحامل كانت مطلقة واحدة أو ثلاثا. ولا نفقة للمختلعة إلا في الحمل، ولا نفقة للملاعنة وإن كانت حاملا، ولا نفقة لكل معتدة من وفاة ولها السكنى إن كانت الدار للميت أو قد نقد كراءها. ولا تخرج من بيتها في طلاق أو وفاة حتى تتم العدة إلا أن يخرجها رب الدار ولم يقبل من الكراء ما يشبه كراء المثل فلتخرج وتقيم بالموضع الذي تنتقل إليه حتى تنقضي العدة. والمرأة ترضع ولدها في العصمة إلا أن يكون مثلها لا يرضع وللمطلقة رضاع ولدها على أبيه ولها أن تأخذ أجرة رضاعها إن شاءت). الشرح (والسكنى) واجبة على الزوج إذا كان يتأتى منه الوطء (لكل مطلقة مدخول بها) يوطأ مثلها حرة كانت أو أمة مسلمة كانت أو كتابية، كان الطلاق واحدة أو أكثر رجعيا أو بائنا، ولو خلعا، لقوله تعالى: ﴿أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم﴾ [الطلاق: ٦] والتقييد بالمدخول بها لوجود التمكين بخلاف غير المدخول بها. (ولا نفقة إلا للتي طلقت دون ثلاث) واحدة أو اثنتين لأنه يملك رجعتها، فالزوجية باقية، والتمكين من الاستمتاع موجود، ولحديث فاطمة بنت قيس إن رسول الله ﷺ قال: «إنما النفقة والسكنى للمرأة إذا كان لزوجها عليها الرجعة»، وفي رواية: «إنما النفقة والسكنى للمرأة على زوجها ما كانت له عليها رجعة، فإذا لم يكن له عليها رجعة فلا نفقة ولا سكنى» (١) وهو وإن كان

стр. 1005

ضعيفا لانفراد بعض الضعفاء برفعه إلا أن ما تضمنه من حكم الرجعية مجمع عليه، وهو على انفراده دليل مقبول (١)، أما المطلقة البائن فلا نفقة لها لمفهوم قوله تعالى: ﴿وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن﴾ [الطلاق: ٤] فإنه ظاهر في أنهن إذا لم يكن حوامل لا ينفق عليهن، ولحديث فاطمة بن قيس أن زوجها طلقها البتة وهو غائب فأرسل إليها وكيله بشعير فسخطته، فقال: والله ما لك علينا من شيء فجاءت رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له فقال: «ليس لك عليه نفقة» (٢). (وللحامل) التي طلقت سواء (كانت مطلقة) طلقة (واحدة) أو اثنتين (أو ثلاثا) لقوله تعالى: ﴿وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن﴾، وقوله ﷺ لفاطمة بنت قيس وقد بت زوجها طلاقها: «والله ما لك نفقة إلا أن تكوني حاملا»، فأتت النبي ﷺ ، فذكرت له قولهما، فقال: «لا نفقة لك» (٣). (ولا نفقة للمختلعة) لأنها بائن ولا نفقة لبائن كما سبق (إلا في الحمل) لا مفهوم لها بل كل مطلقة طلاقا بائنا لا نفقة لها ما لم تكن حاملا للآية السابقة. (ولا نفقة للملاعنة) لحديث ابن عباس ﵁: «أن رسول الله ﷺ فرق بين المتلاعنين وقضى أن لا بيت لها عليه ولا قوت» (٤)، ولأنها بائنة مؤبدة التحريم (ولو كانت حاملا) لأن الحمل منفي عن أبيه، والنفقة إنما تجب له أو لها بسببه ولذلك لو استلحقه وجبت عليه ورجعت بها عليه (ولا نفقة) ولا كسوة (لكل معتدة من وفاة) سواء كانت حاملا أم لا، صغيرة كانت أو كبيرة، دخل بها أم لم يدخل مسلمة كانت أو كتابية لأنه بموت الزوج صار المال للورثة، ولأن النفقة إنما تجب للمتمكن من الاستمتاع، ولا استمتاع للميت، ولأنها أيضا تجب مياومة ولا ملك له بعد الموت فلا يمكن إيجابها على

стр. 1006

الورثة ولقول ابن عباس ﵁ «في قوله تعالى: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج﴾ [البقرة: ٢٤٠] نسخ ذلك بآية الميراث بما فرض الله لها من الربع والثمن، ونسخ أجل الحول أن جعل أجلها أربعة أشهر وعشرا» (١) (ولها السكنى إن كانت الدار للميت أو قد نقد كراءها) لحديث فريعة بنت مالك ﵂ قالت: خرج زوجي في طلب أعلاج له فأدركهم في طريق القدوم فقتلوه فأتاني نعيه وأنا في دار شاسعة من دور أهلي فأتيت النبي ﷺ فذكرت ذلك له فقلت: إن نعي زوجي أتاني في دار شاسعة من دور أهلي، ولم يدع نفقة ولا مالا لورثته، وليس المسكن له، فلو تحولت إلى أهلي وإخوتي لكان أرفق لي في بعض شأني، قال: «تحولي» فلما خرجت إلى المسجد أو إلى الحجرة دعاني أو أمر بي فدعيت، فقال: «امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله»، قالت: «فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرا» (٢). فقوله ﷺ امكثي في بيتك، وقد ذكرت أنه لا بيت لزوجها يدل على وجوب سكناها في بيت زوجها إذا كان له بيت بطريق الأولى، ثم إن البيت الذي كانت تسكنه الظاهر أنه بالكراء، وإذا نقد الزوج الكراء فقد صار في معنى ملكه مدة أجل الكراء (ولا تخرج) المعتدة (من بيتها) خروج نقلة لغير ضرورة سواء كانت معتدة (في طلاق أو وفاة حتى تتم العدة) والتقييد بخروج النقلة لأجل الاحتراز عن خروجها في حوائجها فإنه جائز لكن لا تبيت إلا في بيتها، وظاهر كلامه أنها لا تخرج ولو لحجة الإسلام وهو كذلك، أما المطلقة الرجعية فلقوله تعالى: ﴿لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة﴾ [النساء: ١٩] وأما البائن فلقضاء جماعة من الصحابة بذلك ففي «الموطأ»: «أن يحيى بن سعيد بن العاص طلق ابنة عبد الرحمن بن الحكم البتة فانتقلها عبد الرحمن بن الحكم فأرسلت عائشة أم المؤمنين ﵂ إلى

стр. 1007

مروان بن الحكم وهو يومئذ أمير المدينة فقالت: اتق الله واردد المرأة إلى بيتها» (١)، وفي «الموطأ» أيضا عن نافع أن بنت سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل كانت تحت عبد الله بن عمرو بن عثمان فطلقها البتة فأنكر ذلك عليها عبد الله بن عمر ﵄ (٢)، وأما المتوفى عنها فلحديث فريعة السابق، وقول النبي ﷺ لها: «امكثي في بيتك الذي أتاك فيه نعي زوجك حتى يبلغ الكتاب أجله»، (إلا أن يخرجها رب الدار ولم يقبل من الكراء ما يشبه كراء المثل فلتخرج) لوجود العذر المبيح لها الخروج والانتقال لأن الواجب عليها فعل السكنى ولزوم المسكن لا تحصيله (وتقيم بالموضع الذي تنتقل إليه حتى تنقضي العدة) لأنه قائم مقام الذي نقلت عنه. • قال المصنف رحمه الله تعالى: (والمرأة ترضع ولدها إذا كانت في العصمة)؛ أي: عصمة أبيه وجوبا لقوله تعالى: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين﴾ [البقرة: ٢٣٣] أو كانت مطلقة طلاقا رجعيا، وليس لها أجر في نظير ذلك ولا حد لأقل الرضاع وأكثره حولان بنص القرآن إلا أن يكون مثلها لا يرضع لمرض، وقلة لبن أو كونها ذات قدر وشرف، فالأولى للعذر والحرج المرفوع عن الأمة، أما الثانية فهي مما انفرد به مالك ولا دليل إلا ما قيل من العرف المنزل منزلة الشرط، قال ابن العربي: اختص مالك دون فقهاء الأمصار باستثنائها؛ يعني: الشريفة من عموم الآية لأصل من أصول الفقه وهو العمل بالمصلحة. (وللمطلقة) طلاقا بائنا أو رجعيا وخرجت من العدة (رضاع ولدها)؛ أي: بالأجرة وترجع بها على أبيه أفهم كلامه أن الرضاع حق لها لا عليها لما رواه أبو داود من قوله ﷺ للمرأة التي طلقها زوجها وأراد أن يأخذ ولدها

стр. 1008

منها فقال لها رسول الله ﷺ : «أنت أحق به ما لم تنكحي» (١) (ولها أن تأخذ أجرة رضاعها إن شاءت لقوله تعالى في سورة الطلاق بعد ذكر المعتدات: ﴿فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن﴾ [الطلاق: ٦]. الحضانة (والحضانة للأم بعد الطلاق إلى احتلام الذكر ونكاح الأنثى ودخولها) (٢)، وذلك بعد الأم إن ماتت أو نكحت للجدة ثم للخالة فإن لم يكن من ذوي رحم الأم أحد فالأخوات والعمات. فإن لم يكونوا فالعصبة). الشرح «الحضانة: بفتح الحاء مصدر حضنت الصبي حضانة تحملت مؤنته وتربيته؛ والحاضنة التي تربي الطفل سميت بذلك لأنها تضم الطفل إلى حضنها وهو ما دون الإبط إلى الكشح وهو الخصر» (٣). قال ابن عرفة: «هي محصول قول الباجي حفظ الولد في مبيته ومؤنة طعامه ولباسه ومضجعه وتنظيف جسمه» (٤). (والحضانة) حق (للأم بعد الطلاق إلى احتلام الذكر)؛ أي: المحقق فالخنثى المشكل تستمر حضانته ما دام مشكلا (ونكاح الأنثى ودخولها) قال في «التحفة»: وهي إلى الإثغار في الذكور … والاحتلام الحد في المشهور (٥) ولا يكفي الدعوى للدخول بل لا بد من الدخول وإن صغيرين واستمرت

стр. 1009

نفقتها على أبيها لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن امرأة قالت يا رسول الله: إن ابني هذا كان بطني له وعاء، وحجري له حواء، وثديي له سقاء، وزعم أبوه أنه ينزعه مني فقال: «أنت أحق به ما لم تنكحي» رواه أبو داود ولفظه: «وأن أباه طلقني وزعم أنه ينتزعه مني (١)، (وذلك)؛ أي: الحضانة تنتقل بعد الأم إن ماتت أو نكحت للجدة أم الأم ثم الجدة من جهة الأم وإن بعدت (ثم) بعد جدة الأم ينتقل الحق (للخالة) لحديث البراء بن عازب ﵁ أن ابنة حمزة اختصم فيها علي وجعفر وزيد فقال علي: أنا أحق بها هي ابنة عمي، وقال جعفر بنت عمي وخالتها تحتي، وقال زيد: ابنة أخي فقضى بها رسول الله ﷺ لخالتها وقال: الخالة بمنزلة الأم» (٢)، ورواه أحمد من حديث علي ﵁ وقال فيه: «فإن الخالة والدة» (٣). (فإن لم يكن من ذوي رحم الأم أحد فالأخوات والعمات، فإن لم يكونوا فالوصية) لا نص في هذا، وإنما المعتبر وجود الشفقة والحنان والعطف وقوة ذلك، فمن كان أكثر قدم مراعاة لمصلحة الرضيع لأن الشارع ما قدم الأم إلا لذلك إلا أنه لما قدم الأم كان من يدلى بها مقدما على من يدلى بالأب (٤). النفقة • قال المصنف رحمه الله تعالى: (ولا يلزم الرجل النفقة إلا على زوجته كانت غنية أو فقيرة. وعلى أبويه الفقيرين. وعلى صغار ولده الذين لا مال لهم على الذكور حتى يحتلموا ولا زمانة بهم، وعلى الإناث حتى ينكحن ويدخل بهن أزواجهن، ولا نفقة لمن

стр. 1010

سوى هؤلاء من الأقارب وإن اتسع فعليه إخدام زوجته. وعليه أن ينفق على عبيده ويكفنهم إذا ماتوا واختلف في كفن الزوجة فقال ابن القاسم: في مالها، وقال عبد الملك: في مال الزوج، وقال سحنون: إن كانت ملية ففي مالها وإن كانت فقيرة ففي مال الزوج). الشرح النفقة: نفقت الدراهم (نفقا) من باب تعب نفدت ويتعدى بالهمزة فيقال: (أنفقتها و (النفقة) اسم منه وجمعها (نفاق) مثل رقبة ورقاب ونفقات) على لفظ الواحدة أيضا (١). وشرعا: قال ابن عرفة: «ما به قوام معتاد حال الآدمي دون سرف» (٢). (ولا يلزم الرجل) الموسر (النفقة إلا على زوجته كانت غنية أو فقيرة) مسلمة كانت أو كتابية حرة أو أمة، وتطلق عليه بعد التلوم بالعجز عنها، إلا أن تكون تزوجته عالمة بفقره وعجزه عن النفقة (٣)، لحديث جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ قال في خطبته في حجة الوداع: «اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف» (٤)، وحديث معاوية القشيري ﵁ قال: أتيت رسول الله ﷺ فقلت: ما تقول في نسائنا، قال: «أطعموهن مما تأكلون، واكسوهن مما تكتسون، ولا تضربوهن، ولا تقبحوهن» (٥)، (وعلى أبويه الفقيرين) لقوله تعالى: ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا﴾ [الإسراء: ٢٣] ومن الإحسان الإنفاق عليهما وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه،

стр. 1011

عن جده أن أعرابيا أتى النبي ﷺ فقال: «إن لي مالا وولدا ووالدي يريد أن يجتاح (١) مالي قال: أنت ومالك لأبيك، إن أولادكم من أطيب كسبكم، فكلوا من كسب أولادكم» (٢). وحديث عائشة أن رسول الله ﷺ قال: «ولد الرجل من كسبه من أطيب كسبه، فكلوا من أموالهم» (٣)، (وعلى صغار ولده الذين لا مال لهم) لقوله تعالى: ﴿فإن أرضعن لكم فاتوهن أجورهن﴾ [الطلاق: ٦] أوجب أجر رضاع الولد على أبيه وقوله تعالى: ﴿وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وحديث عائشة في قصة هند امرأة أبي سفيان وشكايتها من بخله وشحه فقال النبي ﷺ : «خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفي بنيك» (٤)، وحديث أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، عندي دينار قال: «أنفقه على نفسك». قال: عندي آخر، قال: «أنفقه على ولدك». قال: عندي آخر، قال: «أنفقه على أهلك». قال: عندي آخر، قال: «أنفقه على خادمك». قال: عندي آخر، قال: «أنت أعلم به» (٥). وقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن نفقة الوالدين الفقيرين اللذين لا كسب لهما ولا مال واجبة في مال الولد، وأجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن على المرء نفقة أولاده الأطفال الذين لا مال لهم، كذا قال ابن المنذر (٦)، لكنه منقوض

стр. 1012

بوجود من خالفه من السلف وذهب إلى أنه لا تجب نفقة أحد على أحد (ولا نفقة لمن سوى هؤلاء من الأقارب لأن الدليل دل على وجوب نفقة الوالدين والمولودين ومن سواهم لا يلحق بهم في وجوب النفقة (وإن اتسع)؛ أي: أيسر الزوج فعليه إخدام زوجته إذا كانت من ذوات الشرف التي لا تخدم نفسها في العرف والعادة، لقوله تعالى: ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾ [النساء: ١٩] ومن العشرة بالمعروف أن يقيم لها خادما، ولأنه ما تحتاج إليه في الدوام فأشبه النفقة. (وعليه أن ينفق على عبيده ويكفنهم إذا ماتوا) لحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «للمملوك طعامه وكسوته، ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق» (١)، وما تقدم من حديث الرجل أن عنده دينارا آخر قال: «أنفقه على خادمك» (٢). واختلف في كفن الزوجة) الحرة وقيل: والأمة المدخول بها أو التي دعي إلى الدخول بها فقال ابن القاسم وسحنون: هو (في مالها) لأنه من توابع النفقة الواجبة بوجود الاستمتاع وبذهابه سقطت النفقة (وقال عبد الملك (٣): في مال الزوج) لعدم انقطاع علاقة الزوجية بدليل جواز اطلاعه على عورتها بالغسل ونحوه، ووجود الموارثة بينهما (وقال) مالك في «العتبية» و (سحنون: إن كانت ملية ففي مالها، وإن كانت فقيرة ففي مال الزوج) وهو مجرد استحسان منه وتفريق لا يدل عليه دليل.

стр. 1013

باب في البيوع، وما شاكل البيوع • قال المصنف رحمه الله تعالى: (باب في البيوع، وما شاكل البيوع. ﴿وأحل الله البيع وحرم الربوا﴾ [البقرة: ٢٧٥] وكان ربا الجاهلية في الديون إما أن يقضيه وإما أن يربى له فيه. ومن الربا في غير النسيئة بيع الفضة بالفضة يدا بيد متفاضلا وكذلك الذهب بالذهب ولا يجوز فضة بفضة ولا ذهب بذهب إلا مثلا. بمثل يدا بيد. والفضة بالذهب ربا إلا يدا بيد. والطعام من الحبوب والقطنية وشبهها [كان] (١) مما يدخر من قوت أو إدام لا يجوز الجنس منه بجنسه إلا مثلا بمثل يدا بيد ولا يجوز فيه تأخير. والقمح والشعير والسلت كجنس واحد فيما يحل منه ويحرم. والذبيب كله صنف والتمر كله صنف والقطنية أصناف في البيوع واختلف فيها قول مالك ولم يختلف قوله في الزكاة أنها صنف واحد. ولحوم ذوات الأربع من الأنعام والوحش صنف ولحوم الطير كله صنف ولحوم دواب الماء كلها صنف، وما تولد من لحوم الجنس الواحد من شحم فهو كلحمه وألبان ذلك الصنف وجبنه وسمنه صنف). الشرح البيع: لغة: أخذ شيء وإعطاء شيء، فقد أخذوه من الباع الذي يمد،

стр. 1014

إما لقصد الصفقة، أو للتقابض على المعقود عليها من الثمن والمثمن. ولفظ البيع من الأضداد، فيطلق على الشراء بيع، غير أن لغة قريش يطلق فيها البيع على ما خرج من الملك، والشراء على ما دخل في الملك، وهذا المعنى هو الذي استقر في عصرنا وجاء في «حاشية الصاوي»: «لغة قريش استعمال باع إذا أخرج، واشترى إذا أدخل، وهي أفصح، واصطلح عليها العلماء تقريبا للفهم» (١). وشرعا قال ابن عرفة: «عقد معاوضة على غير منافع ولا متعة لذة» وزاد الشارح: أن يزاد مع الحد الأعم «ذو مكايسة أحد عوضيه غير ذهب ولا فضة معين غير العين فيه». قال الرصاع في «شرحه»: «فذو مكايسة» أخرج به هبة الثواب و «أحد عوضيه غير ذهب ولا فضة» أخرج به المراطلة والصرف وقوله: «معين غير العين فيه» أخرج به السلم وغير العين فيه نائب عن فاعل معين وفيه متعلق بمعين وهو صفة لعقد ومعناه أن غير العين في ذلك العقد معين ليس في ذمة … » إلخ (٢). والبيع جائز بالكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب فقول الله تعالى: ﴿وأحل الله البيع﴾ [البقرة: ٢٧٥] وقوله تعالى: ﴿وأشهدوا إذا تبايعتم﴾ [البقرة: ٢٨٢] إلى غير ذلك من الآيات. وروى البخاري عن ابن عباس قال: كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقا في الجاهلية، فلما كان الإسلام تأتموا فيه فأنزلت: ﴿ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم﴾ [البقرة: ١٩٨]؛ يعني: في مواسم الحج، وعن الزبير نحوه (٣).

стр. 1015

وأما السنة فقول النبي ﷺ : «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا» (١) ونحوه من الأحاديث، وأجمع المسلمون على جواز البيع في الجملة، والحكمة تقتضيه، لأن حاجة الإنسان تتعلق بما في يد صاحبه، وصاحبه لا يبذله بغير عوض، ففي شرع البيع وتجويزه شرع طريق إلى وصول كل واحد منهما إلى غرضه، ودفع حاجته (٢). قال الحافظ: البيع كله إما بالنقد أو بالعرض، حالا، أو مؤجلا فهي أربعة أقسام: فبيع النقد إما بمثله وهو المراطلة. وإما بنقد غيره وهو الصرف. وبيع العرض بنقد يسمى النقد ثمنا والعرض عرضا. وبيع العرض بالعرض يسمى مقابضة، والحلول في جميع ذلك جائز. وأما التأجيل فإن كان النقد بالنقد مؤخرا فلا يجوز. وإن كان العرض جاز. وإن كان العرض مؤخرا فهو السلم. وإن كان مؤخرين فهو بيع الدين بالدين وليس بجائز، إلا في الحوالة عند من يقول أنها بيع والله أعلم (٣). وللبيع ثلاثة أركان: ١ - العاقد وهو البائع والمبتاع، ويشترط فيه: أ التمييز فلا ينعقد بيع غير المميز لصبا أو جنون، ب والتكليف وهو شرط في لزوم البيع دون الانعقاد، ج - والإسلام وهو شرط في شراء المصحف والعبد المسلم. ٢ - المعقود عليه من ثمن ومثمن وشرطه:

стр. 1016

أن يكون طاهرا، منتفعا به، مقدورا على تسليمه، معلوما للمتبايعين، غير منهي عن بيعه. ٣ - ما ينعقد به البيع وهو الإيجاب والقبول وما شاركهما في الدلالة على الرضا كالمعاملات. قال المصنف مفتتحا الباب بقوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربواا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، ليشير إلى حرمة الربا وإثم المعاملة فيه. الربا: لغة: الزيادة ومنه قوله تعالى: ﴿فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت﴾ [النحل: ٩٢]. وفي الشرع: فضل مخصوص مستحق لأحد المتعاقدين، خال عما يقابله من العوض، أو الزيادة في أشياء مخصوصة (١). وهو محرم بالكتاب والسنة والإجماع، فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربواا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله﴾ [البقرة: ٢٧٨، ٢٧٩]، وقوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربواا﴾ وهو أصل ما ذكره المصنف، ومن السنة حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «اجتنبوا السبع الموبقات، قيل: يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات» (٢)، وحديث ابن مسعود ﵁ قال: «لعن رسول الله ﷺ آكل الربا وموكله» (٣)، وفي لفظ: «وشاهديه وكاتبه» (٤)، وحديث عبد الله بن

стр. 1017

حنظلة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم، أشد من ست وثلاثين زنية» (١). وانعقد الإجماع على تحريمه فمن استحله كفر بلا خلاف (٢)؛ وقال النووي: «أجمع المسلمون على تحريم الربا، وعلى أنه من الكبائر» (٣). ومن الوعيد في أكل الربا حديث سمرة بن جندب ﵁ في روايته حديث الذين رآهم النبي ﷺ في الرؤيا وفيه: «حتى أتينا على نهر من دم فيه رجل قائم على وسط النهر ورجل بين يديه حجارة، فأقبل الرجل الذي في النهر فإذا أراد أن يخرج رمى الرجل بحجر في فيه فرده حيث كان فجعل كلما جاء ليخرج رمى في فيه بحجر فيرجع كما كان … . إلى أن قال في «تفسيره» … والذي رأيته في النهر آكلوا الربا» (٤). • ربا النسيئة: (وكان ربا الجاهلية)؛ أي: أهل الجاهلية وهي الأزمنة التي كانت قبل الإسلام (في الديون إما أن يقضيه) دينه (وإما أن يربي)؛ أي: يزيد (له فيه)؛ أي: ويؤخره، وسواء كانت الزيادة في القدر أو الصفة، روى الطبري عن السدي قال: «في قوله تعالى: ﴿يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربوا إن كنتم مؤمنين﴾: نزلت هذه الآية في العباس بن عبد المطلب ورجل من بني المغيرة، كانا شريكين في الجاهلية في الربا إلى أناس من ثقيف» (٥).

стр. 1018

وقال الجصاص: «الربا الذي كانت العرب تعرفه وتفعله إنما كان قرض الدراهم والدنانير إلى أجل، بزيادة على مقدار ما استقرض، على ما يتراضون به … ومعلوم أن ربا الجاهلية كان قرضا مؤجلا بزيادة مشروطة، فكانت الزيادة بدلا من الأجل، فأبطله الله تعالى وحرمه» (١). والسنة المطهرة بينت أن «من زاد أو استزاد فقد أربى» (٢). وقال الرازي: «ربا النسيئة هو الأمر الذي كان مشهورا متعارفا عليه في الجاهلية، وذلك أنهم كانوا يدفعون المال على أن يأخذوا كل شهر قدرا معينا، ويكون رأس المال باقيا، ثم إذا حل الدين طلبوا المديون برأس المال، فإن تعذر عليه الأداء زادوا في الحق والأجل، فهذا هو الربا الذي كانوا في الجاهلية يتعاملون به». اه (٣). قال ابن المنذر: «أجمعوا على أن المسلف إذا شرط على المستسلف زيادة، أو هدية فأسلف على ذلك أن أخذ الزيادة على ذلك ربا» (٤) وقال القرطبي: «أجمع المسلمون نقلا عن نبيهم ﷺ أن اشتراط الزيادة في السلف ربا، ولو كان قبضة من علف كما قال ابن مسعود أو حبة واحدة» (٥). قال ابن رشد الجد في «مقدماته»: «وأما الربا في النسيئة فيكون في الصنف الواحد وفي الصنفين، أما الصنف الواحد فهو في كل شيء من جميع الأشياء، لا يجوز واحد باثنين من صنفه إلى أجل من جميع الأشياء» (٦)

стр. 1019

• ربا الفضل: (ومن الربا في غير النسيئة) بالمد والهمز كخطيئة (بيع الفضة بالفضة يدا بيد متفاضلا وكذلك منه بيع الذهب بالذهب) يدا بيد متفاضلا «ولا يجوز فضة بفضة، ولا ذهب بذهب إلا مثلا بمثل يدا بيد» لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها غائبا بناجز»، وفي لفظ: «إلا يدا بيد»، وفي لفظ: «مثلا بمثل سواء بسواء» (١)، وحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «الذهب بالذهب وزنا بوزن مثلا بمثل» (٢) ف لا بد من أمرين في بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة: ١ - التماثل في الجنس بغير زيادة ولا نقصان، ويسقط هذا الشرط إذا اختلف الجنسان كذهب بفضة أو عملة ورقية كدينار بريال.

стр. 1020

٢ - القبض في المجلس قبل الافتراق ؛ فلا يباع غائب بناجز، ولا يتأخر القبض، فإن تأخر القبض فالصرف فاسد بغير خلاف. (والفضة بالذهب ربا إلا يدا بيد)؛ أي: فيجوز ولو اختلفا في العدد ما دام القبض في المجلس، وهذا ما يسمى عند الفقهاء بالصرف لاختلاف الجنسين، وقد بينا الشرطين آنفا. فالصرف لغة: مادته تدور على التقلب والتغير في الأشياء، قال في «اللسان»: «الصرف بيع الذهب بالفضة، وبالعكس، لأنه يتصرف به عن جوهر إلى جوهر» (١). وفي «الاصطلاح»: هو بيع الأثمان بعضها ببعض، والأحاديث في الباب كثيرة مشهورة منها حديث عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الذهب بالورق ربا، إلا هاء وهاء … »، «هاء وهاء» (٢)؛ أي: خذ وهات، وفي الباب من حديث عبادة بن الصامت وغيره (٣). والنقود التي كانت موجودة في عصر الرسول ﷺ كانت من الذهب وهي الدينار، ومن الفضة وهو الدرهم. ومع مر القرون تطورت النقود وصار الأمر إلى ما نحن فيه، وأخذت النقود أحكام الذهب والفضة، كما هو عليه قرارات المجامع الفقهية المعاصرة، والعلماء المعتبرين (٤). «والصرف ثلاثة أنواع: بيع عين بعين ليست من جنسها، وهو الأصل في معنى الصرف، وبيع الذهب
следующие страницы →