← Фикх малики

Фикх малики · id 30135

مسالك الجلالة في اختصار المناهل الزلالة

مختار بن العربي الجزائري

Полный текст (1 525 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

لم يعلم العيب ليحكم له بعدم الرد، فلما امتنع من ذلك حكم عليه بالرد لعدم ثبوت جهل البائع بالعيب شرعا لا بالنسبة لابن عمر لأن الأحكام يراعى فيها حال العموم لا حال الأفراد. وظاهره أن غير الرقيق لا تجوز فيه البراءة، وهو المشهور، والجواز مقيد بشيئين أحدهما أشار إليه بقوله: (ما لم يعلم به البائع) أما إذا علم أن به عيبا وتبرأ منه فلا يفيده والآخر أن تطول إقامته عنده. أما إذا اشترى عبدا مثلا فباعه بقرب ما اشتراه وشرط البراءة فإنه لا ينتفع بذلك. • قال المصنف رحمه الله تعالى: (ولا يفرق بين الأم وولدها في البيع حتى يثفر. وكل بيع فاسد فضمانه من البائع، فإن قبضه المبتاع فضمانه من المبتاء من يوم قبضه، فإن حال سوقه أو تغير في بدنه فعليه قيمته يوم قبضه ولا يرده، وإن كان مما يوزن أو يكال فليرد مثله). الشرح (ولا يفرق) بمعنى لا يجوز أن يفرق بين الأم لكن من النسب فقط (وبين ولدها في البيع) سواء كانا مسلمين أو كافرين أو أحدهما مسلما والآخر كافرا، لعموم حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة» (١)، وحديث أبي موسى ﵁ قال: «لعن رسول الله ﷺ من فرق بين الوالدة وولدها، وبين الأخ وبين أخيه» (٢)، والتقييد بالأم من النسب احتراز من الأم من الرضاع فإن التفرقة بينها وبين الولد جائزة وبفقط احتراز من غير

стр. 1052

الأم كالأب، فإن التفرقة بينه وبين الولد جائزة والمنع من التفرقة مغيا بغاية وهي (حتى يثغر) بضم الياء وسكون المثلثة وكسر الغين المعجمة بمعنى حتى تسقط أسنانه لاستغنائه عن أمه، وللإجماع على العمل بالحديث المتقدم إذا كان الولد طفلا لم يبلغ سبع سنين حكاه ابن المنذر في الإشراف (١)، وما زاد على السبع ففيه خلاف، لكن الحديث مطلق فلا ينبغي تقييده إلا بتوقيف وهو نقل ابن يونس عن ابن عبد الحكم. وعلى القول بالجواز إذا أثغر جازت التفرقة حينئذ لاستغنائه عن أمه في أكله وشربه ومنامه. (وكل بيع فاسد) سواء فسد لعقده أو ثمنه أو مثمونه أو أجله كالبيع وقت نداء الجمعة (فضمانه من البائع) لأنه على ملكه لم ينتقل إلى ملك المشتري، ويجب فسخه إن لم يفت لحديث أبي قلابة، قال: كنت بالشام في حلقة فيها مسلم بن يسار، فجاء أبو الأشعث، قال: قالوا: أبو الأشعث، أبو الأشعث، فجلس، فقلت له: حدث أخانا حديث عبادة بن الصامت، قال: نعم، غزونا غزاة وعلى الناس معاوية، فغنمنا غنائم كثيرة، فكان فيما غنمنا آنية من فضة، فأمر معاوية رجلا أن يبيعها في أعطيات الناس، فتسارع الناس في ذلك، فبلغ عبادة بن الصامت، فقام، فقال: «إني سمعت رسول الله ﷺ : ينهى عن بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، إلا سواء بسواء، عينا بعين، فمن زاد، أو ازداد، فقد أربى»، فرد الناس ما أخذوا (٢)، وعن سليمان بن أبي مسلم، قال: سألت أبا المنهال، عن الصرف، يدا بيد، فقال: اشتريت أنا وشريك لي شيئا يدا بيد ونسيئة، فجاءنا البراء بن عازب، فسألناه، فقال: فعلت أنا وشريكي زيد بن أرقم وسألنا النبي ﷺ عن ذلك فقال: «ما كان يدا بيد، فخذوه وما كان نسيئة فذروه» (٣)، (فإن قبضه)؛ أي: المبيع بيعا فاسدا (المبتاع فضمانه من

стр. 1053

(المبتاع) لأنه لم يقبضه على جهة أمانته، وإنما قبضه على جهة التمليك، هكذا علله عبد الوهاب (١). قال الفاكهاني: وفي تعليله من الاضطراب كما لا يخفى حيث جعل فيما تقدم البيع الفاسد غير ناقل، وفي هذا جعله ناقلا. ويمكن الجواب بأن قوله: إنما قبضه على جهة التمليك؛ أي: بحسب زعمه، فلما قبضه على جهة التمليك بحسب زعمه وتعدى وأخذه ضمن وإن لم ينتقل له الملك بحسب نفس الأمر وحيث قلنا يضمنه المشتري (٢)، فإنه يكون (من يوم قبضه) لا من يوم عقده، وإنما يضمن يوم العقد ما يكون صحيحا (فإن فات المبيع بيعا فاسدا بأن حال عليه (سوقه)؛ أي: تغير. بزيادة في الثمن أو نقص فيه (أو تغير في بدنه)؛ أي: في نفسه بزيادة أو نقص فإن كان مقوما (فعليه قيمته) بلغت ما بلغت ولو كانت أكثر من الثمن (يوم قبضه) لا يوم الفوات ولا يوم الحكم ولا يرده)؛ أي: لا يلزمه رد المقوم إذا كان موجودا. (وإن كان) مثليا (مما يوزن أو يكال) أو يعد (فليرد مثله) فإن تعذر المثلي فالقيمة كثمر فات أبانه وتعتبر القيمة يوم التعذر. • أنواع من البيوع المنهي عنها: • قال المصنف رحمه الله تعالى: (ولا يجوز بيع ما في الأنهار والبرك من الحيتان. ولا بيع الجنين في بطن أمه، ولا بيع ما في بطون سائر الحيوانات، ولا بيع نتاج ما تنتج الناقة، ولا بيع ما في ظهور الإبل. ولا بيع الآبق والبعير الشارد. ونهي عن بيع الكلاب، واختلف في بيع ما أذن في اتخاذه منها، وأما من قتله فعليه قيمته. ولا يجوز بيع اللحم بالحيوان من جنسه. ولا بيعتان في بيعة، وذلك أن يشتري سلعة إما بخمسة نقدا أو عشرة إلى أجل قد لزمته بأحد الثمنين).

стр. 1054

الشرح (ولا يجوز بيع ما في الأنهار) جمع نهر بفتح الهاء وسكونها (و) لا بيع ما في (البرك) بكسر الباء جمع بركة بكسر الباء أيضا (من الحيتان) لحديث عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تشتروا السمك في الماء؛ (١) فإنه غرر». والغرر فيه من جهتين عدم التسليم وكونه يقل ويكثر. قال الحافظ: فشراء السمك في الماء نوع من أنواع الغرر، ويلتحق به الطير في الهواء، والمعدوم المجهول والآبق ونحو ذلك، قال النووي: النهي عن بيع الغرر أصل من أصول البيع فيدخل تحته مسائل كثيرة جدا، ويستثنى من بيع الغرر أمران: أحدهما: ما يدخل في المبيع تبعا فلو أفرد لم يصح بيعه. والثاني: ما يتسامح بمثله إما لحقارته أو للمشقة في تمييزه وتعيينه، فمن الأول بيع أساس الدار والدابة التي في ضرعها اللبن والحامل. ومن الثاني: الجبة المحشوة والشرب من السقاء. قال: وما اختلف العلماء فيه مبني على اختلافهم في كونه حقيرا أو يشق تمييزه أو تعيينه فيكون الغرر فيه كالمعدوم فيصح البيع وبالعكس. اه (٢). (و) كذا (لا) يجوز (بيع الجنين في بطن أمه) آدمية أو غيرها للغرر لأنه لا يدرى أحي هو أو ميت ناقص أو تام ذكر أو أنثى لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ عن شراء ما في بطون الأنعام حتى تضع … الحديث» (٣). فقوله: (ولا بيع ما في بطون سائر الحيوان)؛ أي: لا يجوز تكرار؛ (و) كذا (لا) يجوز (بيع نتاج) بكسر النون (ما تنتج الناقة) بضم التاء الأولى من الفعل وفتح الثانية على ما لم يسم فاعله لما صح من

стр. 1055

حديث ابن عمر ﵄ قال: «نهى رسول الله ﷺ عن بيع حبل الحبلة» (١). وحبل الحبلة: «أن تنتج الناقة ما في بطنها، ثم تحمل التي نتجت» (٢)، وفي رواية: «نهى عن بيع حبل الحبلة وكان بيعا يتبايعه أهل الجاهلية، كان الرجل يبتاع الجزور إلى أن تنتج الناقة ثم تنتج التي في بطنها» (٣)، ولا يخفى ما في هذا من شدة الغرر لأنه إذا امتنع بيع الجنين فكيف بجنين الجنين؟ وحاصله أن الحبلة اسم لما في البطن وحبلها ولد ذلك الذي في البطن. (و) كذا (لا) يجوز (بيع ما في ظهور الإبل) لحديث ابن عمر ﵂ قال: «نهى النبي ﷺ عن ثمن عسب الفحل» (٤)، (وعسب الفحل) بيع ماء الذكر من الإبل أو البقر أو أخذ أجرة على ضرابه؛ أي: تلقيحه؛ وحديث جابر ﵁ «أن النبي ﷺ نهى عن بيع ضراب الفحل» (٥)، وروى مالك في «الموطأ» عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى أنه قال: «لا ربا في الحيوان، وإنما نهى من الحيوان عن ثلاثة: عن المضامين، والملاقيح، وحبل

стр. 1056

الحبلة، والمضامين: بيع ما في بطون إناث الإبل، والملاقيح بيع ما في ظهور الجمال» (١). قال ابن ناجي: إن كان النزو (٢) مضبوطا بمرات أو زمان جاز. وروى ابن حبيب كراهته للنهي عنه. (و) كذا (لا) يجوز بيع (الآبق) في حال إباقه للغرر المنهي عنه. لحديث أبي سعيد ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ عن شراء ما في بطون الأنعام حتى تضع، وعما في ضروعها إلا بكيل، وعن شراء العبد وهو آبق، … » (٣)، وأما إن كان حاضرا وبين له غاية إباقه جاز؛ أي: غايته باعتبار الزمان كأن يقول له: غاية إباقه أربعة أيام مثلا، وباعتبار المكان كأن يقول: إن غاية إباقه إلى تلمسان مثلا. (و) كذا (لا) يجوز بيع (البعير الشارد) للغرر لعدم القدرة عليه. (ونهى عن بيع الكلاب) المنهي عن اتخاذها وهو المشهور (٤)، قال في «البيان» وهو المعلوم من قول ابن القاسم وروايته عن مالك، وأشار بذلك لحديث أبي مسعود عقبة بن عمرو ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب، ومهر البغي، وحلوان الكاهن» (٥)، وحديث ابن عباس ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب، وإن جاء يطلب ثمن الكلب فاملأ كفه ترابا» (٦)، وعن رافع بن خديج ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ثمن الكلب خبيث … » (٧).

стр. 1057

(واختلف في) جواز (ما أذن في اتخاذه منها)؛ أي: من الكلاب للحراسة والصيد في جوازه ومنعه على قولين مشهورين. قال القرطبي في قوله تعالى: ﴿مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله﴾ [المائدة: ٤] دلت الآية على جواز اتخاذ الكلاب واقتنائها للصيد، وثبت ذلك في صحيح السنة وزادت الحرث والماشية؛ كما في حديث ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من اقتنى كلبا إلا كلب صيد، أو ماشية، فإنه ينقص من أجره كل يوم قيراطان» (١)، وحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من أمسك كلبا، فإنه ينقص كل يوم من عمله قيراط، إلا كلب حرث أو ماشية»، قال ابن سيرين، وأبو صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : «إلا كلب غنم أو حرث أو صيد»، وقال أبو حازم: عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : «كلب صيد أو ماشية» (٢)؛ قال الزهري: وذكر لابن عمر قول أبي هريرة ﵃ فقال: «يرحم الله أبا هريرة، كان صاحب زرع»؛ فقد دلت السنة على ما ذكرنا، وجعل النقص من أجر من اقتناها على غير ذلك من المنفعة؛ إما لترويع الكلب المسلمين وتشويشه عليهم بنباحه. أو أنه يمنع لمنع دخول الملائكة البيت أو لنجاسته على ما يراه الشافعي، أو لاقتحام النهي عن اتخاذ ما لا منفعة فيه؛ والله أعلم. وقال في إحدى الروايتين: (قيراطان) وفي الأخرى (قيراط) وذلك يحتمل أن يكون في نوعين من الكلاب أحدهما أشد أذى من الآخر؛ كالأسود الذي أمر ﵊ بقتله، ولم يدخله في الاستثناء حين نهى عن قتلها فقال: «عليكم بالأسود البهيم ذي النقطتين، فإنه شيطان» (٣).

стр. 1058

ويحتمل أن يكون ذلك لاختلاف المواضع، فيكون ممسكه بالمدينة مثلا أو بمكة ينقص قيراطان، وبغيرهما قيراط؛ والله أعلم. وأما المباح اتخاذه فلا ينقص أجر متخذه كالفرس والهر، ويجوز بيعه وشراؤه، حتى قال سحنون: ويحج بثمنه، وكلب الماشية المباح اتخاذه عند مالك هو الذي يسرح معها لا الذي يحفظها في الدار من السراق، وكلب الزرع هو الذي يحفظه من الوحوش بالليل والنهار لا من الشراق؛ وقد أجاز غير مالك اتخاذها لسراق الماشية والزرع والدار في البادية (١). وورد من طرق متعددة أن الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب كما في «الصحيحين» (٢). لطيفة: نقل ابن القيم عن شيخه رحمهما الله جميعا: «إذا كانت الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب أو صورة، فكيف تلج معرفة الله ومحبته وحلاوة ذكره، والأنس بقربه في قلب ممتلئ بكلاب الشهوات وصورها» قال ابن القيم: «هذا من إشارة اللفظ الصحيحة» (٣). (وأما من قتله)؛ أي: المأذون في اتخاذه (فعليه قيمته) على تقدير جواز بيعه (٤). وأما غير المأذون في اتخاذه فلا قيمة فيه (٥)، قال عطاء والنخعي: يجوز بيع كلب الصيد دون غيره «لنهي رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب إلا كلب صيد» (٦). (و) كذا (لا) يجوز بيع اللحم بالحيوان لنهيه ﵊ عن

стр. 1059

ذلك، لحديث سعيد بن المسيب أن النبي ﷺ "نهى عن بيع الحيوان باللحم" (١) قال ابن عبد البر هذا أحسن أسانيده (٢)، وعن القاسم بن أبي أبزة عنه قال: «قدمت المدينة فوجدت جزورا قد نحرت فجزئت أجزاء، كل جزء منها بعناق، فأردت أن أبتاع منها جزءا فقال لي رجل من أهل المدينة: إن رسول الله ﷺ نهى أن يباع حي بميت. قال: فسألت عن ذلك الرجل فأخبرت عنه خيرا»، وقول أبي بكر الصديق ﵁: لا يصلح هذا، قال الشافعي: لا أعلم مخالفا لأبي بكر ﵁، وقال أبو الزناد: وكان من أدركت ينهى عن بيع اللحم بالحيوان، ولأنه بيع معلوم بمجهول وهو معنى المزابنة (٣). والنهي عند مالك مخصوص باللحم مع نوعه من الحيوان وإليه أشار الشيخ بقوله: (من جنسه) أراد الجنس اللغوي الصادق بالنوع والصنف، مثل أن يبيع لحم بقر مثلا بغنم، وقيد في المختصر المنع بما إذا لم يطبخ وإلا جاز كما يجوز بيعه بغير جنسه كبيع لحم الغنم بالطير (٤). (و) كذا (لا) يجوز (بيعتان) وفي نسخة بيعتين وهي مؤولة تقدير ولا بيع بيعتين (في بيعة) لحديث أبي هريرة ﵁ «نهى رسول الله ﷺ عن بيعتين في بيعة» (٥)، وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ «أن رسول الله ﷺ نهى

стр. 1060

«عن بيعتين في صفقة … » (١)، ولأبي داود: «من باع بيعتين في بيعة فله أو كسهما أو الربا» (٢) (و) صوروا (ذلك) بصورتين: إحداهما: أن يبيع سلعة واحدة بثمنين مختلفين. وإليها أشار الشيخ بقوله: (أن يشتري سلعة إما بخمسة نقدا، أو عشرة إلى أجل قد لزمته بأحد الثمنين) فأراد بالبيعتين الثمنين من إطلاق اسم الكل على الجزء لأن الثمن من أركان البيع؛ لكن يفترقان دون أن يعلم المشتري أي البيعتين تمت؟ العاجلة أم الآجلة!!!، وبهذا فسره رواة الحديث الذين فهموا معناه بالمشافهة وقرائن الأحوال فعن سماك، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه ﵁ قال: «نهى النبي ﷺ عن صفقتين في صفقة» قال سماك: «هو الرجل يبيع البيع فيقول: هو نسأ (مؤجل) بكذا، وهو نقدا بكذا وكذا» (٣)، وروى البيهقي حديث أبي هريرة ﵁ السابق من طريق عبد الوهاب بن عطاء عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁ مرفوعا نهى عن بيعتين في بيعة قال عبد الوهاب: يعني يقول: هو لك نقدا بعشرة ونسيئة بعشرين (٤). (و) الأخرى (أن يبيعه إحدى سلعتين مختلفتين بثمن واحد) كثوب وشاة بدينار على اللزوم، فشرط المنع في الصورتين معا كون البيع على اللزوم للمتبايعين أو لأحدهما للغرر، إذ لا يدري البائع بم باع ولا المشتري بم اشترى، فإن لم يكن على اللزوم جاز (٥).

стр. 1061

قال المصنف رحمه الله تعالى: ولا يجوز بيع التمر بالرطب، ولا الزبيب بالعنب لا متفاضلا، ولا مثلا بمثل، ولا رطب بيابس من جنسه من سائر الثمار والفواكه، وهو مما نهي عنه من المزابنة، ولا يباع جزاف بمكيل من صنفه. ولا جزاف بجزاف من صنفه إلا أن يتبين الفضل بينهما إن كان مما يجوز التفاضل في الجنس الواحد منه. ولا بأس ببيع الشيء الغائب على الصفة، ولا ينقد فيه بشرط، إلا أن يقرب مكانه أو يكون مما يؤمن تغيره من دار أو أرض أو شجر فيجوز النقد فيه. والعهدة جائزة في الرقيق إن اشترطت أو كانت جارية بالبلد. فعهدة الثلاث الضمان فيها من البائع من كل شيء. وعهدة السنة من الجنون والجذام والبرص). الشرح المزابنة: بضم الميم، وفتح الزاي والباء، والنون، على وزن المفاعلة. وهي مأخوذة من «الزبن» وهو: الدفع الشديد، كأن كل واحد من المتبايعين يدفع صاحبه عن حقه (١). قال في «المصباح»: (المزابنة) بيع الثمر في رؤوس النخل بتمر كيلا (٢). قال المصنف ﵀: (و) كذا (لا يجوز بيع التمر بالرطب) لا متفاضلا ولا متماثلا فعن ابن عمر ﵄ قال: «نهى رسول الله ﷺ عن المزابنة: أن يبيع ثمر حائطه إن كان نخلا بتمر كيلا، وإن كان كرما أن يبيعه بزبيب كيلا، وإن كان زرعا، أن يبيعه بكيل طعام، ونهى عن ذلك كله» (٣)، وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال:

стр. 1062

«سمعت رسول الله ﷺ يسأل عن شراء التمر بالرطب، فقال رسول الله ﷺ : أينقص الرطب إذا يبس؟ قالوا: نعم، فنهاه رسول الله ﷺ عن ذلك» (١). (و) كذا (لا) يجوز بيع الزبيب بالعنب لا متفاضلا ولا مثلا بمثل لأن التماثل لا يتأتى فيه، لأن الرطب إذا يبس قد يكون أكثر من اليابس أو أقل منه أو مثله، فهذا غرر والجهل بالتماثل كتحقق التفاضل، والتفاضل لا يجوز لأنه جنس واحد. (و) كذا (لا) يجوز (رطب) بفتح الراء؛ أي: بيعه (بيابس من جنسه) لو اقتصر على هذا ولم يذكر قوله: (من سائر الثمار والفواكه) لكان أولى ليدخل فيه الحبوب، واحترز بقوله: بيابس من جنسه عما لو اختلفا؛ أي: الرطب واليابس في الجنس، فإنه جائز إذ التفاضل بين الأجناس جائز (وهو)؛ أي: بيع الرطب باليابس من جنسه (مما)؛ أي من بعض الذي (نهى عنه من المزابنة)؛ أي: الذي هو المزابنة، لحديث ابن عمر المتقدم ﵄، إذ المزابنة بيع معلوم بمجهول من جنسه؛ والمزابنة عند المالكية لا تختص بالربوي وإن وقعت مفسرة في الحديث بالربوي. (ولا يباع جزاف) مثلث الجيم (بمكيل من صنفه) كبيع صبرة قمح لا يعلم كيلها بوسق أو وسقين منه للمزابنة. (و) كذا (لا) يباع (جزاف بجزاف من صنفه) كصبرة قمح لا يعلم كيلها بصبرة قمح لا يعلم كيلها لأنه مجهول بمجهول وكل ذلك غرر وخطر وقد تقدم النهي عنه. واحترز بصنفه مما إذا اختلف الجنسان فإنه يجوز بشرط المناجزة؛ أي: فيجوز إذا اختلف الجنسان بيع مجهول بمعلوم وبيع معلوم بمجهول سواء تبين الفضل أو لم يتبين (إلا أن يتبين الفضل بينهما)؛ أي: بين الجزاف بالمكيل والجزاف بالجزاف، فإنه يجوز البيع (إن كان مما يجوز

стр. 1063

التفاضل في الجنس الواحد منه) لكونه ليس مما يدخله ربا الفضل للأدلة السابقة، وبأن لا يكون مما يقتات ويدخر ولا من أحد النقدين بل كان مما يدخله ربا النساء فقط، أو لا يدخله ربا أصلا كالنحاس والحديد. (ولا بأس ببيع الشيء الغائب) عند مالك وجميع أصحابه (١) بشروط: أحدها: أن يقع (على الصفة) وهو ما يسمى اليوم (الكتلوج) للعمل حكاه مالك في «الموطأ» وقياسا على السلم المضمون في الذمة، ولأن الصفة تقوم مقام الموصوف لقوله تعالى: ﴿فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به﴾ [البقرة: ٨٩] فأسند إلى اليهود معرفة النبي ﷺ من نعته المذكور في التوراة وكذلك قال فيهم: ﴿يعرفونه كما يعرفون أبناءهم﴾ [البقرة: ١٤٦]، وروى البيهقي عن سعيد بن المسيب قال: قال أصحاب النبي ﷺ : «وددنا أن عثمان، وعبد الرحمن بن عوف قد تبايعا حتى ننظر أيهما أعظم جدا في التجارة، فاشترى عبد الرحمن من عثمان ﵄ فرسا بأرض أخرى بأربعين ألف درهم، أو نحو ذلك إن أدركتها الصفقة وهي سالمة، ثم أجاز قليلا فرجع، فقال: أزيدك ستة آلاف درهم إن وجدها رسولي سالمة، فقال: نعم، فوجدها رسول عبد الرحمن قد هلكت فخرج منها بشرطه الآخر ورواه غيره، وزاد فيه: ولا أخال عبد الرحمن إلا وقد عرفها» (٢)؛ وروي أيضا عن ابن أبي مليكة أن عثمان، ابتاع من طلحة بن عبيد الله أرضا بالمدينة ناقله بأرض له بالكوفة فلما تباينا ندم عثمان ثم قال: بايعتك ما لم أره، فقال طلحة: «إنما النظر لي إنما ابتعت مغيبا، وأما أنت فقد رأيت ما ابتعت فجعلا بينهما حكما فحكما جبير بن مطعم فقضى على عثمان أن البيع جائز وأن النظر لطلحة أنه ابتاع مغيبا» (٣)، قال البيهقي: وروي ذلك عن النبي ﷺ ولا يصح (٤)؛ ثم أسند من

стр. 1064

مكحول رفع الحديث إلى النبي ﷺ قال: «من اشترى شيئا لم يره فهو بالخيار إذا رآه» (١)؛ قال ابن ناجي: ظاهر كلامه أنه لو بيع دون صفة، ولا تقدم رؤية لا يجوز وإن كان على خياره عند رؤيته وهو نص ما في كتاب الغرر من «المدونة» (٢). ثانيها: أن يصفه غير البائع لأن البائع لا يوثق بوصفه إذ قد يقصد الزيادة في الصفة لينفق سلعته، لكن اشتراط وصف غير البائع إن حصل نقد الثمن ولو تطوعا وجاز ولو بوصف البائع على الراجح. ثالثها: أن لا يكون المبيع بعيدا جدا وهذا الشرط إذا وقع البيع على البت، وأما لو وقع على الخيار فيجوز لأنه لا ضرر على المشتري إذا. رابعها: أشار إليه بقوله: (ولا ينقد فيه بشرط) وإنما امتنع مع الشرط لأنه يجوز أن يسلم المبيع فيكون ذلك ثمنا وأن لا يسلمه فيكون سلفا ثم استثنى من منع اشتراط النقد مسألتين فقال: (إلا أن يقرب مكانه)؛ أي: مكان المبيع الغائب سواء كان حيوانا أو عرضا أو عقارا كاليوم واليومين (أو يكون) المبيع الفائت بعيدا بعدا غير متفاحش وهو (مما يؤمن تغيره) غالبا (من دار أو أرض أو شجر فيجوز النقد فيه)؛ أي: فيما ذكر من الفرعين بشرط واحترز بقوله: مما يؤمن تغيره مما يسرع إليه التغير كالحيوان فإنه لا يجوز اشتراط النقد فيه مع البعد. (والعهدة) وهي تعلق ضمان المبيع بالبائع بعد العقد مما يصيبه في مدة خاصة (جائزة) يقضى بها (في الرقيق) خاصة دون الحيوان لأن له قدرة على كتمان ما به من العيوب دون غيره، لأنه قد يكتم عيبه كراهية في المشتري؛ أي: فيخفيه يريد ضرره أو كراهية في البائع، ولا يقضي بها إلا (إن اشترطت

стр. 1065

أو كانت جارية بالبلد) أو حمل السلطان الناس عليها فإن لم يكن شيء من ذلك فلا يقضى بها (فعهدة الثلاث الضمان فيها من البائع من كل شيء) ولو موتا أو غرقا أو حرقا أو قتل نفسه فإن وجد المشتري داء في ثلاثة أيام رده بغير بينة، وإن وجد داء بعد الثلاثة كلف البينة أنه اشتراه وبه هذا الداء، ونفقته وكسوته في هذه المدة عليه وغلته له. (وعهدة السنة) معمول بها وتكون بعد عهدة الثلاث والضمان فيها على البائع (من) ثلاثة أشياء: (الجنون) الذي يكون بمس جان أو بطبع، لا ما يكون من ضربة أو طربة فإنه لا يرد به لإمكان زواله بمعالجة دون الأولين (والجذام والبرص) لما رواه ابن وهب عن ابن سمعان قال: سمعت رجالا من علمائنا منهم يحيي بن سعيد وغيره يقولون: لم تزل الولاة بالمدينة في الزمان الأول يقضون في الرقيق بعهدة السنة من الجنون والجذام والبرص، وإن ظهر بالمملوك شيء من ذلك قبل أن يحول الحول عليه فهو رد إلى البائع؛ ويقضون في عهدة الرقيق بثلاث ليال فإن حدث في الرأس في تلك الثلاث ليال حدث من حدث أو سقم فهو من الأول (١)؛ وروى ابن وهب أيضا عن ابن أبي الزناد عن أبيه قال: «قضى عمر بن عبد العزيز في رجل باع من أعرابي عبدا فوعك العبد في عهدة الثلاث فمات فجعله عمر من الذي باعه» (٢). وروى مالك في «الموطأ» عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أنه سمع أبان بن عثمان بن عفان وهشام بن إسماعيل يقولان في خطبتهما: «عهدة الرقيق في الأيام الثلاثة من حين يشترى العبد أو الوليدة وعهدة السنة» (٣)، وروى ابن وهب عن يونس بن يزيد عن ابن شهاب قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: «في العهدة في كل داء عضال نحو الجنون والجذام والبرص سنة»، قال ابن شهاب: «القضاة منذ أدركنا يقضون في

стр. 1066

الجنون والجذام والبرص سنة» (١). وإنما اختصت هذه العهدة بهذه الأدواء، وهي جمع داء لأن أسبابها تتقدم ويظهر ما يظهر منها في فصل من فصول السنة دون فصل بحسب ما أجرى الله تعالى عادته فيه باختصاص تأثير ذلك السبب بذلك الفصل، فانتظر بذلك الفصول الأربعة وهي السنة كلها حتى يؤمن من هذه العيوب. • قال المصنف رحمه الله تعالى: (ولا بأس بالسلم في العروض والرقيق والحيوان والطعام والإدام بصفة معلومة وأجل معلوم. ويعجل رأس المال أو يؤخره إلى مثل يومين أو ثلاثة، وإن كان بشرط. وأجل السلم أحب إلينا أن يكون خمسة عشر يوما، أو على أن يقبض ببلد آخر، وإن كانت مسافته يومين أو ثلاثة. ومن أسلم إلى ثلاثة أيام يقبضه ببلد أسلم فيه فقد أجازه غير واحد من العلماء وكرهه آخرون، ولا يجوز أن يكون رأس المال من جنس ما أسلم فيه. ولا يسلم شيء في جنسه أو فيما يقرب منه إلا أن يقرضه شيئا في مثله صفة، ومقدارا. والنفع للمتسلف. ولا يجوز دين بدين. وتأخير رأس المال بشرط إلى محل السلم أو ما بعد من العقدة من ذلك). الشرح السلم: هو السلف، وزنا ومعنى، وسمي سلما، لتسليم رأس المال في المجلس، وسلفا، لتقديمه. وذكر الماوردي أن السلف لغة أهل العراق،

стр. 1067

والسلم لغة أهل الحجاز، وقيل: السلف تقديم رأس المال والسلم تسليمه في المجلس فالسلف أعم. ويسمى بيع المفاليس، والمحاويج. وتعريفه شرعا: «بيع معلوم في الذمة محصور بالصفة بعين حاضرة أو ما هو في حكمها إلى أجل معلوم» (١). وقال ابن عرفة: «عقد معاوضة يوجب عمارة ذمة بغير عين ولا منفعة غير متماثل العوضين» (٢). والأصل في جوازه، الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس الصحيح. فأما الكتاب فقوله تعالى: ﴿يأيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه﴾ [البقرة: ٢٨٢] قال ابن عباس: «أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى قد أحله الله في كتابه وأذن فيه، ثم قرأ هذه الآية» (٣). وأما السنة، فسيأتي الحديث في ذلك. وأما الإجماع، فلم ينقل عن أحد من العلماء منعه. قال الشافعي: أجمعت الأمة على جواز السلم فيما علمت؛ ونقل ابن المنذر الإجماع على ذلك وغيره (٤). وهو على وفق القياس والمصلحة للبائع والمشتري، وقد اشترطت فيه الشروط التي تحقق فيه المصلحة، وتبعده عن الضرر والغرر، وأركانه: ١ - الصيغة، ٢ - بائع وهو المسلم إليه، ٣ - ومشتر وهو المسلم، أو رب السلم، أو صاحب المال ٤ - ومبيع وهو المسلم فيه، أو دين السلم، ٥ - الثمن.

стр. 1068

• قال المصنف: (ولا بأس بالسلم) لقوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وأما السنة ففي «الصحيحين» عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين والثلاث. فقال: «من أسلف في شيء، فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم» (١). وقد أجمعت الأمة على جوازه (في العروض والرقيق والحيوان والطعام والإدام) بشرط أن يكون المسلم فيه معلوم الجنس والقدر والصفة وإلى هذه الشروط أشار بقوله: (بصفة معلومة وأجل معلوم) فإن كان المسلم فيه طعاما يعين الجنس إما قمحا، أو شعيرا، أو ذرة؛ وإن كان فاكهة يعين إما زبيبا، أو تمرا، ويعين القدر بما جرت العادة بتقديره من الوزن أو الكيل أو العدد أو الذرع أو غير ذلك، ويعين الصفة فإن كان طعاما ذكر ما يصفه به، وإن كان حيوانا ذكر النوع واللون والذكورة والأنوثة وقد كان النبي ﷺ «يأخذ البعير بالبعيرين والثلاثة إلى إبل الصدقة» (٢)، فلو لم تكن منضبطة بالوصف لما فعل النبي ﷺ ذلك، وكذلك ما ورد من وصف البقرة لبني إسرائيل بأنها ﴿بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك﴾ ﴿إنها بقرة صفراء فاقع لونها﴾ ﴿إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث مسلمة لا شية فيها﴾ [البقرة: ٦٨ - ٧١] فبحثوا عنها وجدوها وعرفوها بالوصف وذبحوها، ويدل عليه نهي النبي ﷺ عن «وصف المرأة المرأة لزوجها حتى كأنه يراها» (٣). ويعتبر في الأجل شيئان: أن يكون معلوما، وأن يكون مما تتغير في مثله الأسواق، فأقله نصف شهر، واحترز بالأجل من الحال فلا يصح السلم الحال على المعروف من المذهب، لقوله ﷺ : «من أسلف … إلى أجل معلوم»

стр. 1069

فالحديث فيه اشتراط كون السلم فيه معلوم الكيل والوزن، وكونه إلى أجل، فكونه يشترط فيه معرفة المقدار فكذا الأجل، فدل الحديث بمفهومه على عدم جواز الحال. ولأن السلم شرع من أجل المصلحة والحاجة ولمن ليس عنده سلع حاضرة يبيعها، فينتفع بثمنها فيبيع السلع في الذمة بثمن حال ينتفع به، أما إذا كانت السلعة عنده فلا حاجة إلى السلم فيبيع السلعة وينتفع بثمنها (١). • شروط السلم: أشار إلى شروط رأس مال السلم بقوله: (ويعجل رأس المال)؛ يعني: جميعه لأنه متى قبض البعض وأخر البعض فسد لأنه دين بدين؛ أي: ابتداء دين بدين فلا بد من التعجيل للثمن لقوله ﷺ : «فليسلف» لأن السلف هو البيع، الذي عجل ثمنه وأجل مثمنه. ولأن الحكمة فيه: أن البائع ينتفع بشراء السلعة بأقل من قيمتها حاضرة والمشترى ينتفع بتوسعه بالثمن. ويجوز أن يكون رأس المال (الثمن) نقودا، أو حيوانا، أو طعاما، أو عروضا لعموم الإذن، ولا يجوز تسليم الطعام في الطعام، ولا النقود أو الذهب والفضة في مثلها، لأنه لا يجوز بيع الطعام بالطعام، ولا العين بمثلها إلا يدا بيد. ونبه بقوله: (أو يؤخره)؛ أي: رأس مال السلم (إلى مثل يومين أو ثلاثة) على أنه لا يشترط قبضه في المجلس بل إذا عقد السلم على النقد وأخر قبض رأس مال السلم اليومين أو الثلاثة جاز ولا يخرج بذلك عن كونه معجلا (٢)، وقد قيل: ما قارب الشيء يعطى حكمه، ولأن فيه رفق بالناس وهو أمر تتشوف إليه الشريعة، ولا يؤجل أكثر من ذلك حتى لا يكون دينا بدين المنهي عنه شرعا؛ وبالغ على ذلك فقال: (وإن كان) التأخير المذكور (بشرط) وظاهر كلامه إن تأخر أكثر من ثلاثة أيام لم يجز بشرط أو غيره.

стр. 1070

ومن المعلوم أن الشرط إذا كان مخالفا الكتاب أو السنة أو الإجماع سواء كان مخالفا لمقصود الشرع كاشتراط الولاء، أو منافيا لمقصود العقد كاشتراط الطلاق في النكاح فهو باطل. (وأجل السلم أحب إلينا أن يكون خمسة عشر يوما) لأن الأسواق تتغير في مثل هذه المدة غالبا والظاهر أنه عنى نفسه وكأنه قال: أجل السلم خمسة عشر يوما على ما نختاره، ومذهب مالك: أن أجل السلم ما تتغير في مثله الأسواق من غير تحديد، ففي «المدونة» قال ابن القاسم: ولقد سمعت بعض أهل العلم وهو الليث بن سعد يذكر عن سعيد بن المسيب أنه سئل عن السلم إلى يوم أو يومين أو ما أشبهه، قال سعيد: لا إلا إلى أجل ترتفع فيه الأسواق وتنخفض، قال سحنون: قلت: وما هذا الذي ترتفع فيه الأسواق وتنخفض ما حده؟ قال: ما حد لنا مالك فيه حدا وإني لأرى الخمسة عشر يوما والعشرين يوما (١). ومحل الخلاف إذا كان قبض رأس مال السلم والمسلم فيه في بلد واحد، أما إذا كان قبض كل واحد منهما ببلد فلا يشترط الأجل المذكور وإليه أشار بقوله: (أو على أن يقبض) بالبناء للمفعول؛ أي: المسلم فيه (ببلد آخر) غير البلد الذي قبض فيه رأس مال السلم، وتكون مسافة ما بين البلدين أجل السلم، لأن الغالب في اختلاف المواضع اختلاف الأسعار. وقوله: (وإن كانت مسافته يومين أو ثلاثة) ليس بشرط، وكذا لو كانت نصف يوم. (ومن أسلم) في شيء يجوز السلم فيه إلى ثلاثة أيام على أنه (يقبضه ببلد أسلم فيه فقد أجازه) بمعنى أمضاه (غير واحد)؛ أي: أكثر من واحد (من العلماء) منهم مالك في رواية ابن وهب عنه لأنها مدة يجوز فيها خيار الشرط، ولأنها آخر حد القلة فصح إطلاق الأجل الوارد في الحديث عليها (وكرهه) بمعنى فسخه (آخرون) من العلماء منهم ابن القاسم لأن الأجل

стр. 1071

إنما اعتبر في السلم ليتحقق الرفق الذي من أجله شرع السلم ولا يحصل ذلك بالمدة التي لا وقع لها في الثمن وتغير الأسواق كالثلاثة أيام وكونها آخر حد القلة لا يقتضي التقدير بها. (ولا يجوز أن يكون رأس المال)؛ أي: مال السلم (من جنس ما أسلم فيه) هذا إذا كان المسلم فيه أزيد من رأس المال كقنطار حديد في قنطارين لأنه سلف جر نفعا، أو كان أنقص كثوبين في ثوب من جنسهما، لأنه ضمان بجعل. وأما إذا كان رأس مال السلم مثل المسلم فيه صفة وقدرا جاز كما سينص عليه. وقوله: (ولا يسلم شيء في جنسه) تكرار كرره ليرتب عليه قوله: (أو فيما يقرب منه)؛ أي: من جنس المسلم فيه في الخلقة والمنفعة كالحمر الأهلية في البغال أو رقيق الكتان في رقيق القطن لأن منافعهما متقاربة ثم استثنى من منع سلم الشيء من جنسه، فقال: (إلا أن يقرضه) قرضا (شيئا) وفي نسخة بينا (في مثله صفة ومقدارا) وجواز القرض في مثله صفة ومقدارا مقيد بما إذا كان (النفع في ذلك للمتسلف) أما إذا كان النفع للمسلم فلا يجوز. والقاعدة في الأموال التي يصح فيها السلم والتي لا يصح فيها وما يجوز أن يكون رأس مال السلم هي: «أن كل جنسين جاز بيع أحدهما بالآخر نسيئة جاز السلم فيهما، وكل جنسين لا يجوز بيع أحدهما بالآخر نسيئة لم يجز السلم فيهما» (١). (ولا يجوز دين)؛ أي: بيعه (بدين) للإجماع (٢) حكاه أحمد، ولحديث ابن عمر ﵁: «أن النبي ﷺ نهى عن بيع الكالئ بالكالئ، هو النسيئة بالنسيئة» (٣). قال أهل اللغة: وبالهمز النسيئة بالنسيئة؛ أي: الدين بالدين،

стр. 1072

وهو عند الفقهاء عبارة عن ثلاثة أشياء: بيع الدين بالدين، (كما لو أسلم شيئا في شيء في الذمة، وكلاهما مؤخر فهذا لا يجوز بالاتفاق) والحكمة في ذلك أنه لم تحصل منفعة حاضرة للطرفين، وابتداء الدين بالدين (وهو شراء سلعة يتأخر قبضها بثمن مؤجل)، وفسخ الدين في الدين ويسمى المقاصة وهو جائز عند مالك وأبي حنيفة، وحينئذ يكون بيع الدين بالدين له إطلاقان ما يعم الثلاثة، وعلى ما يخص واحدا منها. (و) لا يجوز (تأخير رأس المال)؛ أي: مال السلم (بشرط إلى محل السلم)؛ أي: أجله (أو) إلى (ما بعد من العقدة) وفي رواية (من القيمة)؛ أي: عن عقدة السلم بأكثر من ثلاثة أيام (من ذلك)؛ أي: من الدين بالدين لأن فيه تعمير كل من الذمتين. شروط السلم: ١ - أن يكون إلى أجل معلوم ليسلم من الغرر. ٢ - أن تكون السلعة مضبوطة في كيلها أو وزنها أو عددها حسب معيارها، كخذ مائة دينار سلما في خمسة قناطر من القمح. ٣ - أن تكون السلعة معروفة الصفة غير معينة لحديث إسلام زيد بن سعنة أنه قال للنبي ﷺ : «هل لك أن تبيعني تمرا معلوما من حائط بني فلان … » (١). ٤ أن تكون السلعة محققة الوجود عند حلول الأجل بحيث يقدر على تسليمها. • قال المصنف رحمه الله تعالى:• قال المصنف رحمه الله تعالى: (ولا يجوز فسخ دين في دين، وهو أن يكون لك شيء في ذمته فتفسخه في شيء آخر لا تتعجله. ولا يجوز بيع ما ليس عندك على أن يكون عليك حالا، وإذا بعت

стр. 1073

سلعة بثمن مؤجل فلا تشترها بأقل منه نقدا، أو إلى أجل دون الأجل الأول، ولا بأكثر من أجله، وأما إلى الأجل نفسه فذلك كله جائز وتكون مقاصة. ولا بأس بشراء الجزاف فيما يكال أو يوزن. سوى الدنانير والدراهم ما كان مسكوكا، وأما نقار الذهب والفضة فذلك فيهما جائز. ولا يجوز شراء الرقيق والثياب جزافا، ولا ما يمكن عده (١) بلا مشقة جزافا). الشرح • حكم فسخ الدين بالدين: (ولا يجوز فسخ دين في دين، وهو أن يكون لك شيء في ذمته فتفسخه في شيء آخر لا تتعجله) وذلك لأنه من ربا الجاهلية، أو يكون ذريعة له، مثل أن يكون لك عليه عشرة دنانير إلى سنة فتفسخها في عشرة أثواب مثلا فإن كان الفسخ إلى الأجل نفسه أو دونه فقولان الجواز، وهو أظهر في النظر، والمنع وهو أشهر. ومقتضى النظر أن فيه تيسيرا على الطرفين في التقاء مصالحهما، ولربما دل عليه حديث ابن عمر ﵄: كنت أبيع الإبل بالبقيع فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، آخذ هذه من هذه وأعطي هذه من هذه، فأتيت رسول الله ﷺ وهو في بيت حفصة، فقلت يا رسول الله: رويدك أسألك إني أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، آخذ هذه من هذه، وأعطي هذه من هذه فقال رسول الله ﷺ : «لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تفترقا وبينكما شيء»؛ وفي رواية: كنت أبيع الذهب بالفضة أو الفضة

стр. 1074

بالذهب فأتيت رسول الله ﷺ فأخبرته بذلك فقال: «إذا بايعت صاحبك فلا تفارقه وبينك وبينه لبس» (١). • النهي عن بيع ما ليس عندك: (ولا يجوز بيع ما ليس عندك على أن يكون عليك حالا) لحديث حكيم بن حزام ﵁ قال: قلت: يا رسول الله يأتني الرجل فيسألني عن البيع ليس عندي هل أبيعه منه ثم أبتاعه من السوق؟ فقال: «لا تبع ما ليس عندك» (٢)، وحديث عبد الله بن عمرو ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم تضمن، ولا بيع ما ليس عندك» (٣)، قال الأزهري: والظاهر أنه أراد السلم الحال وهو أن يبيع شيئا في ذمته ليس عنده على أن يمضي للسوق فيشتريه ويدفعه للمشتري، لأنه غرر، لأنه إما أن يجده أو لا، وإذا وجده فإما بأكثر مما باعه فيؤدي من عنده ما يكمل به الثمن، وذلك من السفه المنهي عنه. وإما أن يجده بأقل فيأكل ما بقي باطلا وهو لا يجوز (٤). (وإذا بعت سلعة بثمن مؤجل فلا تشترها بأقل منه نقدا أو إلى دون الأجل) الذي بعت به.

стр. 1075

مثال الأولى: أن يبيع ثوبا بعشرة دراهم إلى شهر ثم يشتريه بخمسة نقدا. ومثال الثانية: أن يبيعه بمائة إلى شهر ثم يشتريه بخمسين إلى خمسة عشر يوما. وهاتان ممنوعتان لأنهما دخلهما سلف بزيادة، لأنه دفع قليلا ليأخذ أكثر منه (ولا بأكثر)؛ أي: وكذا إذا بعت سلعة بثمن مؤجل فلا تشترها بأكثر (منه إلى أبعد من أجله) مثل أن يبيع رجلا سلعة بمائة إلى شهر ثم يشتريها منه بمائة وخمسين إلى شهرين لأنه يدخله الدين بالدين. وقد ورد في ذلك أثر وليس بذاك عند أهل الحديث لاضطرابه وضعفه وهو «أن أم ولد زيد بن أرقم، أخبرت عائشة ﵂: أنها باعت غلاما من زيد، بثمانمائة إلى العطاء، ثم اشترته منه بستمائة درهم فقالت لها عائشة: بئس ما شريت، وبئس ما اشتريت، أبلغي زيدا بن أرقم أنه قد بطل جهاده مع رسول الله ﷺ إلا أن يتوب» وفيه ضعف واضطراب (١). والظاهر أنها لا تقول مثل هذا باجتهاد منها، لأن هذا التغليظ لا يكون إلا بتوقيف من النبي ﷺ إن صح. ودليل هذا الباب عند مالك هو سد الذرائع (٢)، قال ابن رشد في «المقدمات»: إن ما بني عليه هذا الكتاب - يعني: كتاب بيوع الآجال - هو الحكم بالذرائع ومذهب مالك القضاء بها والمنع منها وهي الأشياء التي ظاهرها الإباحة ويتوصل بها إلى فعل المحظور، ومن ذلك البيوع التي ظاهرها الصحة ويتوصل بها إلى استباحة الربا، وذلك مثل أن رجلا باع

стр. 1076

سلعة من رجل بمائة إلى أجل ثم يبتاعها بخمسين نقدا فيكونان قد توصلا بما أظهراه من البيع إلى سلف خمسين دينارا في مائة إلى أجل وذلك حرام ولا يحل ولا يجوز (١). (وأما) إذا بعت سلعة بثمن مؤجل فاشتريتها بثمن مؤجل (إلى الأجل نفسه فذلك) الشراء بأقل أو بأكثر أو بالمثل المفهوم من الكلام (كله جائز) لأنه لا علة حينئذ تتقى (وتكون مقاصة) فإذا بعت سلعة بمائة إلى شهر ثم اشتريتها بمائة إلى الأجل، فهذا في ذمته مائة. وهو كذلك فإذا حل الأجل يقطع هذه المائة في المائة، لأنه برئت ذمة كل منهما، وفي ذلك منفعة لهما لحديث ابن عمر ﵄ قال: كنت أبيع الإبل بالبقيع فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم وأبيع بالدراهم واخذ الدنانير، أخذ هذه من هذه وأعطي هذه من هذه، فأتيت رسول الله ﷺ وهو في بيت حفصة، فقلت: يا رسول الله رويدك أسألك إني أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، آخذ هذه من هذه، وأعطي هذه من هذه فقال رسول الله ﷺ : «لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تفترقا وبينكما شيء»؛ وفي رواية: كنت أبيع الذهب بالفضة أو الفضة بالذهب فأتيت رسول الله ﷺ فأخبرته بذلك فقال: «إذا بايعت صاحبك فلا تفارقه وبينك وبينه لبس» (٢) ومثلها في صرف اليوم لمن كان له على آخر دين من عملة فإنه يجوز له أن يستوفيها بعملة أخرى بشرط أن تكون بسعر يومها، وأن يفترقا وليس بينهما شيء والله أعلم (٣).

стр. 1077

جدول يبين حكم بيوع الآجال (١): صور الأجل صور الثمن حال دون الأول مثله أبعد منه مثل الأول جائز جائز جائز جائز أكثر منه جايز محرم جائز محرم أقل منه محرم جائز جائز جائز • بيع الجزاف: (ولا بأس بشراء الجزاف) مثلث الجيم وهو: ما جهل قدره أو وزنه أو كيله أو عدده، واستعمل لا بأس هنا بمعنى الجواز (فيما يكال أو يوزن) أو يعد، وجوازه لثبوت المعاملة به في زمان النبي ﷺ بين الصحابة واطلاعه على ذلك كما في عدة أحاديث وفي صحيح البخاري عن ابن عمر ﵂ قال: «قد رأيت الناس في عهد رسول الله ﷺ إذا ابتاعوا الطعام جزافا، يضربون في أن يبيعوه في مكانهم، وذلك حتى يؤووه إلى رحالهم» (٢). وفي رواية عنه: «كنا نشتري الطعام من الركبان جزافا، فنهانا رسول الله ﷺ أن نبيعه حتى ننقله من مكانه» (٣)، وشروطه: منها: ١ - أن يكون مرئيا، فلا يجوز بيع غائب جزافا إذ لا يمكن حزره، فإن كانت الأرض منخفضة ولم يعرف ذلك إلا بعد تمام البيع فالخيار للبائع، وإن كانت مرتفعة فالخيار للمشتري (٤). ٢ - ألا تكون أحاده مقصودة كالجوز واللوز …

стр. 1078

٣ - أن يكون مما يتأتى حزره، فإن كان من الكثرة بحيث لا يتأتى حزره لم يبع جزافا، لكثرة الغرر، ذكره الباجي (١) وغيره. ٤ - جهل المتعاقدين بكميته، فلو علم أحدهما وأخبر الآخر قبل العقد فسد البيع، وإن كان بعد العقد فللجاهل منهما الخيار. ٥ - أن يكونا عالمين بالحزر، بحيث لا يخطئ إلا يسيرا (٢). والأدلة على جوازه منها حديث ابن عمر ﵄: «كنا نشتري الطعام من الركبان جزافا، فنهانا رسول الله ﷺ أن نبيعه حتى ننقله من مكانه» (٣)، وفي رواية: «قد رأيت الناس في عهد رسول الله ﷺ إذا ابتاعوا الطعام جزافا، يضربون في أن يبيعوه في مكانهم، وذلك حتى يؤووه إلى رحالهم» (٤) وفي هذا دلالة على جوازه. وما كان من الجزاف الذي إذا فتح أو فكت أربطته لحقه الفساد، فتسقط منه الرؤية ويرجع إلى ما تعارف عليه التجار، مثل الأثواب الرفيعة التي إذا فتحت فسدت، ومثل الشاحنات المحملة بالسلع لحق الضرر أصحابها إذا أنزلوها، وكالأدوية ونحو ذلك. (سوى الدنانير والدراهم ما كان مسكوكا)؛ أي: ما دامت مسكوكة فإنه يمتنع شراؤها جزافا لأنه من بيع المخاطرة والقمار وهو منهي عنه. (وأما نقار) بكسر النون جمع نقرة بالضم، القطعة من الذهب والفضة (الذهب والفضة فذلك فيهما جائز) إذا لم يتعامل بهما، أما إذا تعومل بهما فلا يجوز بيعهما جزافا. لقوله ﷺ : «فإذا اختلفت هذه الأصناف، فبيعوا كيف شئتم، إذا كان يدا بيد» (٥)، ولحديث أبي بكرة ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ ،

стр. 1079

عن الفضة بالفضة، والذهب بالذهب، إلا سواء بسواء، وأمرنا أن نشتري الفضة بالذهب كيف شئنا، ونشتري الذهب بالفضة كيف شثنا»، قال: فسأله رجل، فقال: يدا بيد؟ فقال: «هكذا سمعت» (١). (ولا يجوز شراء الرقيق والثياب جزافا، ولا) يجوز شراء (ما يمكن عده بلا مشقة جزافا) كالحيتان؛ أي: القلائل التي لا مشقة في عدها. لأن الأفراد تختلف اختلافا كثيرا يؤدي إلى المخاطرة والمقامرة وهي حرام. • بيع النخل المؤبرة: • قال المصنف رحمه الله تعالى: (ومن باع نخلا قد أبرت فثمرها للبائع إلا أن يشترطه المبتاع، وكذلك غيرها من الثمار. والإبار: التذكير، وإبار: الزرع خروجه من الأرض. ومن باع عبدا وله مال فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع). الشرح (ومن باع نخلا قد أبرت) كلها أو أكثرها وفيها ثمر لم يبعه (فثمرها للبائع)؛ أي: باق على ملكه، لا يدخل في العقد على النخل (إلا أن يشترطه المبتاع لنفسه) فيدخل في العقد ونص المصنف نص حديث عبد الله بن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «من باع نخلا قد أبرت فثمرتها للبائع، إلا أن يشترط المبتاع» (٢). (وكذلك غيرها)؛ أي: غير النخل قياسا عليها (من) الأشجار ذات (الثمار) العنب والزيتون فيه التفصيل المذكور. ثم فسر التأبير بقوله (والإبار) في النخل (التذكير) بأن يجعل على الثمرة دقيقا يكون في فحل النخل، وأما

стр. 1080

غير النخل كالخوخ والتين فالتأبير فيه أن تبرز الثمرة فيه عن موضعها وتتميز بحيث تظهر للناظر وإبار الزرع خروجه من الأرض على المشهور، وعليه فمن اشترى أرضا مبذورة لم يبرز زرعها فإنها تتناول بذرها. (ومن باع عبدا وله مال فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع) للحديث السابق وفيه: «من ابتاع عبدا فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع»، وحديث عبادة بن الصامت ﵁: «إن من قضاء رسول الله ﷺ أن ثمر النخل لمن أبرها إلا أن يشترط المبتاع، وإن مال المملوك لمن باعه إلا أن يشترط المبتاع» (١). ومعنى يشترطه المبتاع؛ أي: يشترطه للعبد لا لنفسه فإن اشترطه لنفسه امتنع إن كان الثمن ذهبا والمال ذهبا أو فضة عند الشافعي ولا يضر عند مالك للإطلاق. قال ابن دقيق العيد: استدل به لمالك على أن العبد يملك لإضافة الملك إليه باللام وهي ظاهرة في الملك، قال غيره: يؤخذ منه أن العبد إذا ملكه سيده مالا فإنه يملكه، و ب هـ قال مالك وكذا الشافعي في القديم لكنه إذا باعه بعد ذلك رجع المال لسيده إلا أن يشترطه المبتاع (٢). • البيع على وفق البرنامج: • قال المصنف رحمه الله تعالى: (ولا بأس بشراء ما في العدل على البرنامج بصفة معلومة. ولا يجوز شراء ثوب لا ينشر ولا يوصف. أو في ليل مظلم لا يتأملانه، ولا يعرفان ما فيه، وكذلك الدابة في ليل مظلم ولا يسوم أحد على سوم أخيه، وذلك إذا ركنا وتقاربا لا في أول التساوم. والبيع ينعقد بالكلام، وإن لم يفترق المتبايعان).

стр. 1081

الشرح (ولا بأس)؛ بمعنى: الجواز وكان الأصل منعه لكنه أجيز لما في حل العدل (وهي الأحمال أو الأكياس التي فيها البضاعة) من الحرج والمشقة على البائع من تلويث ما فيه، ومؤنة شده إن لم يرضه المشتري فأقيمت الصفة مقام الرؤية (بشراء ما في العدل على البرنامج) بفتح الباء وكسر الميم. قال الفاكهاني: هي كلمة فارسية والمراد بها الصفة لما في العدل المكتتبة، وفي عرف زماننا الدفتر (بصفة معلومة) لأن النبي ﷺ أقام الصفة مقام المعاينة كما في قوله: «لا تباشر المرأة المرأة فتنعتها لزوجها كأنه ينظر إليها» (١). وللعمل حكاه مالك في «الموطأ» فقال: «وهذا الأمر الذي لم يزل الناس عندنا يجيزونه بينهم إذا كان المبتاع موافقا للبرنامج ولم يكن مخالفا له. اه (٢)، ولأن حل العدل (٣) فيه حرج ومشقة على البائع من تلويث ما فيه وابتذاله ولذهاب الكثير من حسنه ومؤنة شده إذا لم يرضه المشتري، ولأنه بيع على الصفة فجاز في العين الغائبة كالسلم المضمون في الذمة، فإن وجده على الصفة التي في البرنامج لزمه البيع ولا خيار له، وإن وجده على غيرها فهو بالخيار باللزوم والفسخ» (٤). • الملامسة: (ولا يجوز شراء ثوب لا ينشر ولا يوصف) ظاهره أنه لو وصفه لجاز، والمشهور عدم الجواز لأنه لا مشقة في إخراجه ونشره، (أو في ليل مظلم لا يتأملانه ولا يعرفان ما فيه) لما روى مالك في «الموطأ» عن أبي هريرة ﵁: «أن رسول الله ﷺ نهى عن الملامسة والمنابذة» (٥)، وحديث أنس ﵁ قال:

стр. 1082

«نهى النبي ﷺ عن المحاقلة، والمخاضرة، والملامسة، والمنابذة، والمزابنة» رواه البخاري (١)، قال يونس بن القاسم: «والمخاضرة بيع الثمار قبل أن تطعم وبيع الزرع قبل أن يشتد ويفرك منه». قال مالك: والملامسة أن يلمس الرجل الثوب ولا ينشره ولا يتبين ما فيه أو يبتاعه ليلا ولا يعلم ما فيه والمنابذة أن ينبذ الرجل إلى الرجل ثوبه وينبذ الآخر إليه ثوبه على غير تأمل منهما، ويقول كل واحد منهما: هذا بهذا، فهذا الذي نهي عنه من الملامسة والمنابذة. قال أبو عمر: كان بيع الملامسة، وبيع المنابذة وبيع الحصى بيوعا يتبايعها أهل الجاهلية وكذلك روي عن أبي سعيد وابن عمر ﵁ فنهى رسول الله ﷺ عنها ومعناها: يجمع الخطر والغرر والقمار لأنه بغير تأمل، ولا نظر، ولا تقليب، ولا يدري حقيقة ما اشترى، وتفسير مالك لذلك وغيره من العلماء قريب من السواء وهو معنى ما ذكرنا. اه (٢). قال النووي: اعلم أن الملامسة والمنابذة ونحوهما، مما نص عليه، هي داخلة في النهي عن بيع الغرر، ولكن أفردت بالذكر، لكونها من بيعات الجاهلية المشهورة. قال: والنهي عن بيع الغرر أصل عظيم من أصول البيوع، ويدخل فيه مسائل كثيرة غير منحصرة (٣). ومفهوم كلامه: لو كان في ليل مقمر لجاز والذي في المدونة لا يجوز مطلقا كان الليل مظلما أو مقمرا (٤). (وكذلك الدابة) لا يجوز شراؤها (في ليل مظلم) وكذلك بهيمة الأنعام

стр. 1083

عند ابن القاسم. وفضل أشهب بين ما يؤكل لحمه، أجاز شراء ما يؤكل لحمه لأنه يمكن اختباره بالليل إذ جسه باليد تبين الغرض المقصود منه من سمن أو هزال. ولا يسو (م أحد على سوم أخيه) وهو الزيادة في الثمن، لحديث أبي هريرة ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ عن التلقي، وأن يبتاع المهاجر للأعرابي، وأن تشترط المرأة طلاق أختها، وأن يستام الرجل على سوم أخيه؛ ونهى عن النجش وعن التصرية» (١)، وحديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «لا يبيع الرجل على بيع أخيه حتى يبتاع أو يذر» (٢)، وكان الواجب على المصنف حذف الواو من يسوم حيث كانت لا ناهية، وسهل ذلك كونه خبرا لفظا (وذلك)؛ أي: النهي عن السوم (إذا ركنا وتقاربا) وهو أن يميل البائع إلى المبتاع؛ أي: بحيث لم يبق بينهما إلا الإيجاب والقبول باللفظ لا في أول التساوم «لأن النبي ﷺ باع فيمن يزيد» (٣)، وبيع من يزيد سوم رجل على سوم. أخيه ولكن البائع لم يرض السوم الأول حتى طلب الزيادة، فإذا ركنا فلم يبق له تطلع ولا تشوف إلى ثمن زائد يحرم السوم. قال التتائي: والسوم في المبايعة طلب كمية الثمن. (والبيع) عندنا (ينعقد بالكلام) وبكل ما يدل على الرضا كالإشارة، والمعاطاة، والعقود الجارية ديثا بالهاتف والفاكس وغير ذلك من وسائل الاتصال الحديثة بشرط تيقن المتحدث (وإن لم يفترق المتبايعان) وما في الحديث من قوله ﵊: «المتبايعان بالخيار ما لم يفترقا». محمول عند الامام مالك على التفرق بالأقوال.

стр. 1084

• الإجارة: • قال المصنف رحمه الله تعالى: (والإجارة جائزة، إذا ضربا لها أجلا وسميا الثمن، ولا يضرب في الجعل أجل في رد آبق، أو بعير شارد، أو حفر بئر، أو بيع ثوب ونحوه. ولا شيء له إلا بتمام العمل. والأجير على البيع إذا تم الأجل ولم يبع وجب له جميع الأجر، وإن باع في نصف الأجل فله نصف الإجارة). الشرح اشتقاق الإجارة من الأجر وهو العوض قال الله تعالى: ﴿لو شئت لاتخذت عليه أجرا﴾ [الكهف: ٧٧]، قال القرافي: قال صاحب «التنبيهات»: هي بيع المنافع، ويقال: أجر بالمد والقصر، وأنكر بعضهم المد وهو منقول، وأصل هذا كله الثواب، وفي الصحاح الأجرة الكراء (١). • شرع يتكلم على ما شاكل البيوع فقال: (والإجارة جائزة) بالكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿قالت إحدثاهما ياأبت استئجره إن خير من استئجرت القوي الأمين (٢٦) قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتى هتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين﴾ [القصص: ٢٦، ٢٧]، وقوله تعالى: ﴿فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن﴾ [الطلاق: ٦]. ومن الأحاديث ما روى البخاري: «أن النبي ﷺ استأجر رجلا من بني

стр. 1085

الديل (١) - يقال له: عبد الله بن الأريقط وكان هاديا خريتا؛ أي: ماهرا» (٢).، وروى ابن ماجه أن النبي ﷺ قال: «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه» (٣)، وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: «كنا نكري الأرض بما على السواقي من الزرع» فنهى رسول الله ﷺ عن ذلك وأمرنا أن نكريها بذهب أو ورق وغيرهما (٤). وعلى مشروعية الإجارة أجمعت الأمة، قال ابن المنذر (٥): «وأجمعوا على أن الإيجارات ثابتة»، ولا عبرة بمن خالف هذا الإجماع من العلماء لما في الحديث من قوله ﵊: قال: قال الله: «ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعط أجره» (٦). (إذا ضربا لها أجلا، وسميا الثمن) لئلا يكون فيها جهل مؤد إلى الغرر وأكل المال بالباطل وقد قال تعالى حكاية عن شعيب: ﴿إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هتين على أن تأجرني ثمني حجج﴾ [القصص: ٢٧] فضرب الأجل للإجارة، ولحديث أبي سعيد الخدري ﵁ في تسمية الثمن: «أن النبي ﷺ نهى عن استئجار الأجير حتى يبين له أجره» (٧).

стр. 1086

وظاهر كلام المصنف أنه لا بد من ضرب الأجل في كل إجارة وليس كذلك، إذ من الإجارات ما لا يحتاج إلى ضرب أجل، وهو ما يكون غايته الفراغ منه كالخياطة والنسج. وأما تسمية الثمن فلا بد منها كما قال ابن ناجي؛ وإذا لم تقع تسمية لم تجز إلا أن يكون عرف لا يختلف فتجوز. ويشترط في عوضي الأجرة: أولا: انتفاء الجهالة (فلا بد من النص على الأجرة). ثانيا: أن تكون المنفعة مقدورا على تسليمها حسا وشرعا فلا يجوز مثلا تأجير سيارة ضائعة. ثالثا: ألا تكون المنفعة من القربات (كالصلاة والصوم). رابعا: أن تكون المنفعة مملوكة للمؤجر، لا أن يؤجر ما لا يملك كالطريق ومجالس الناس فيها. تنبيه: يكره تأجير الحوانيت المبنية من حرام، كالمال المأخوذ ظلما، او من رشوة، أو من عقود باطلة. وتحرم الإجارة لمن يستعمل الآلة في معصية الله، كتأجير محل لبيع أشرطة الأغاني الماجنة، أو بنك ربوي، أو خمارة وما أشبه ذلك لأنه من باب التعاون على الإثم والعدوان ومعصية الرحمان. • الجعالة: الجعالة من الجعل: ما يجعل للعامل على عمله، قال القرافي وهي: من فعل؛ أي: التزم مالا لمن يأتي بعبده الآبق، أو نحو ذلك وأنكره جماعة من العلماء لغرره. واصطلاحا: التزام شخص مؤهل للتعاقد بعوض يدفعه لآخر على عمل بالفراغ منه دون تحديد مدة لإتمامه، والجعل هو العوض المدفوع على الجعالة. ودليل الجعالة قوله تعالى: ﴿ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم﴾ [يوسف: ٧٢].

стр. 1087

قال القرطبي: قال بعض العلماء: في هذه الآية دليلان: أحدهما: جواز الجعل وقد أجيز للضرورة؛ فإنه يجوز فيه من الجهالة ما لا يجوز في غيره؛ فإذا قال الرجل: من فعل كذا فله كذا صح، وشأن الجعل أن يكون أحد الطرفين معلوما والآخر مجهولا للضرورة إليه؛ بخلاف الإجارة؛ فإنه يتقدر فيها العوض والمعوض من الجهتين؛ وهو من العقود الجائزة التي يجوز لأحدهما فسخه؛ إلا أن المجعول له يجوز أن يفسخه قبل الشروع وبعده، إذا رضي بإسقاط حقه، وليس للجاعل أن يفسخه إذا شرع المجعول له في العمل (١). قال رحمه الله تعالى: (ولا يضرب في الجعل)؛ بمعنى: الجعالة (أجل) لأن ذلك مما يزيد في غرر الجعل إذ قد ينقضي الأجل قبل تمام العمل فيذهب عمله باطلا، أو يأخذ ما لا يستحق إن انقضى العمل قبل تمام الأجل. والجعالة تكون (في) أشياء كثيرة ك (رد آبق أو بعير شارد أو حفر بئر أو بيع ثوب ونحوه) وقوله: (ولا شيء له)؛ أي: للمجعول له (إلا بتمام العمل) نحوه في «المختصر». قال بهرام: ولعله فيما لا يحصل للجاعل فيه نفع إلا بتمام العمل، وإلا فمتى حصل له ذلك ولو لم يتم العمل فينبغي أن يكون له مقدار ما انتفع به. مثال ذلك: إذا طلب الآبق في ناحية ولم يجده بها فإنه وقع للجاعل النفع بذلك، لأنه تحقق أنه لم يكن في تلك الناحية؛ ومفهوم كلام الشيخ والمختصر أنه إذا لم يتم العمل لا شيء له (٢)، وهو كذلك لقوله تعالى: ﴿ولمن جاء به حمل بعير﴾ [يوسف: ٧٢]، ولحديث أبي سعيد الخدري ﵁ فهو من باب الجعالة وذلك في أمر الرقية (٣) فعن أبي سعيد ﵁ قال: … فقال بعضهم: نعم والله إني لأرقي، ولكن والله لقد استضفناكم فلم تضيفونا فما أنا براق لكم حتى تجعلوا لنا جعلا فصالحوهم على قطيع من الغنم، … فقدموا

стр. 1088

على رسول الله ﷺ فذكروا له، فقال: «وما يدريك أنها رقية» ثم قال: «قد أصبتم اقسموا واضربوا لي معكم سهما فضحك رسول الله ﷺ » (١). (والأجير على البيع) بشيء معين (إذا تم الأجل ولم يبع، وجب له جميع الأجر، وإن باع في نصف الأجل فله نصف الإجارة) لأن الإجارة إذا تعلقت بمنافع كان كل جزء منها في مقابلة جزء من المنافع فإن قيل: قد تقدم أنه لا يضرب في الجعل أجل، وقال هنا: إذا تم الأجل فهذه مناقضة، أجيب: بأنه لا مناقضة لأن ما قاله أولا في الجعل، وما قاله هنا في الإجارة، وهي لا تجوز إلا بضرب الأجل. قاله ابن عمر الأنفاسي (٢). • فائدة في الفرق بين الإجارة والجعالة: أن العامل في الجعالة لا يستحق شيئا من الأجرة إلا بتمام العمل، بخلاف الأجرة فقد تكون بتمام العمل وقد تكون بحسب العمل إذا كان يقبل التجزئة. ثانيا: عقد الجعالة عقد جائز غير لازم، ولا يلزم المجاعل العقد إلا بالشروع في العمل. • أحكام الكراء: • قال المصنف رحمه الله تعالى: (والكراء كالبيع فيما يحل ويحرم. ومن اكترى دابة بعينها إلى بلد فماتت انفسخ الكراء فيما بقي. وكذلك الأجير يموت، والدار تنهدم قبل تمام مدة الكراء. ولا بأس بتعليم المتعلم (٣) القرآن على الحذاق.

стр. 1089

ومشارطة الطبيب على البرء. ولا ينتقض الكراء بموت الراكب أو الساكن. ولا بموت غنم الرعاية وليأت بمثلها. ومن اكترى كراء مضمونا فماتت الدابة فليأت بغيرها. وإن مات الراكب لم ينفسخ الكراء وليكتروا مكانه غيره. ومن اكترى ماعونا أو غيره فلا ضمان عليه في هلاكه بيده، وهو مصدق إلا أن يتبين كذبه). الشرح (والكراء) بالمد لا غير قال ابن عمر الأنفاسي: يستعمل في كراء ما لا يعقل، والإجارة فيمن يعقل (كالبيع فيما يحل)؛ يعني: من الأجل المعلوم والأجرة المعلومة، إذ كل منهما يقصد منه العوض (و) فيما (يحرم)؛ يعني: من جهل الأجل ونحوه، ويؤخذ الفرق بين الكراء والإجارة من قوله: (ومن اكترى دابة بعينها) وذلك أنه عبر في الدابة بالاكتراء فدل على أن الاكتراء بيع منفعة الحيوان الذي لا يعقل وكذا سيارة ونحوها. وقال بعد: وكذا الأجير فدل على أن الإجارة تتعلق بالعاقل، فهي بيع منفعة حيوان يعقل مثل أن يقول له: اكر لي هذه الدابة، وعينها بالإشارة إليها الأسافر عليها (إلى بلد كذا) مثلا (فماتت) أو غصبت (انفسخ الكراء فيما بقي) وله بحساب ما سار من الطريق بقيمة أخرى من غير التفات إلى الكراء الأول، لأنه قد يرخص ويغلو. (وكذلك الأجير) إجارة ثابتة في عينه مدة معلومة على خدمة بيت أو رعاية غنم (يموت) إجارة المدة؛ حكمه حكم الدابة المعينة تنفسخ الإجارة في باقي المدة. (و) كذا (الدار) تنهدم كلها أو جلها أو ما فيه مضرة كبيرة أو أحرقت أو استحقت (قبل تمام مدة الكراء) سواء كانت مشاهرة أو مساناة؛ أي: كل شهر بكذا أو كل سنة بكذا، فإنها تنفسخ ويعطى بحساب ما سكن.

стр. 1090

• تعليم القرآن بالأجرة: (ولا بأس بتعليم المتعلم القرآن على الحذاق) بكسر الحاء المهملة وفتح الذال المعجمة، كما في «الصحاح»؛ والمعنى: أنه يجوز لمعلم القرآن أن يجاعل على تعليم الصبيان القرآن حتى يحذقوا من باب ضرب؛ أي: يحفظوا كلا أو بعضا، وقد اختلف العلماء بين مجوز ومانع، وقال النووي رحمه الله تعالى في كتابه «الماتع التبيان في آداب حملة القرآن» ما نصه: وأما أخذ الأجرة على تعليم القرآن فقد اختلف العلماء فيه: فحكى الإمام أبو سليمان الخطابي منع أخذ الأجرة عليه من جماعة من العلماء منهم: الزهري وأبو حنيفة، وعن جماعة أنه يجوز إن لم يشترطه، وهو قول الحسن البصري، والشعبي، وابن سيرين، وذهب عطاء ومالك والشافعي وآخرون إلى جوازها إن شارطه واستأجره إجارة صحيحة (١) … ، واستدل كل فريق بأدلة بسطناها في أصل هذا المختصر والله الموفق (٢) (و) كذا لا بأس ب (مشارطة)؛ أي: بمجاعلة (الطبيب على البرء) حتى يبرأ لحديث أبي سعيد ﵁ المار قريبا بالمشارطة على الرقية بفاتحة الكتاب، ولأن ذلك منفعة مباحة فجازت المشارطة عليها كسائر المنافع. (ولا ينتقض)؛ بمعنى: لا ينفسخ (الكراء بموت الراكب أو الساكن) لأن عين المستأجر باقية، ويجوز للورثة أن تكري لمن هو مثله أو دونه. (و) كذلك (لا) ينتقض الكراء بموت غنم الرعاية وليأت بمثلها فإن لم يأت دفع جميع الأجر، (ومن اكترى كراء مضمونا) مثل أن يقول له: اكر لي دابة لأحمل عليها كذا إلى موضع كذا (فماتت الدابة فليأت بغيرها) لأن المنافع مستحقة في الذمة وليست متعلقة بهذه العين. وقوله: (وإن مات الراكب لم ينفسخ الكراء) مكرر كرره ليرتب عليه
следующие страницы →