وظاهر كلام المصنف أنه لا بد من ضرب الأجل في كل إجارة وليس كذلك، إذ من الإجارات ما لا يحتاج إلى ضرب أجل، وهو ما يكون غايته الفراغ منه كالخياطة والنسج. وأما تسمية الثمن فلا بد منها كما قال ابن ناجي؛ وإذا لم تقع تسمية لم تجز إلا أن يكون عرف لا يختلف فتجوز.
ويشترط في عوضي الأجرة: أولا: انتفاء الجهالة (فلا بد من النص على الأجرة).
ثانيا: أن تكون المنفعة مقدورا على تسليمها حسا وشرعا فلا يجوز مثلا تأجير سيارة ضائعة.
ثالثا: ألا تكون المنفعة من القربات (كالصلاة والصوم).
رابعا: أن تكون المنفعة مملوكة للمؤجر، لا أن يؤجر ما لا يملك كالطريق ومجالس الناس فيها.
تنبيه: يكره تأجير الحوانيت المبنية من حرام، كالمال المأخوذ ظلما، او من رشوة، أو من عقود باطلة.
وتحرم الإجارة لمن يستعمل الآلة في معصية الله، كتأجير محل لبيع أشرطة الأغاني الماجنة، أو بنك ربوي، أو خمارة وما أشبه ذلك لأنه من باب التعاون على الإثم والعدوان ومعصية الرحمان.
• الجعالة:
الجعالة من الجعل: ما يجعل للعامل على عمله، قال القرافي وهي: من فعل؛ أي: التزم مالا لمن يأتي بعبده الآبق، أو نحو ذلك وأنكره جماعة من العلماء لغرره.
واصطلاحا: التزام شخص مؤهل للتعاقد بعوض يدفعه لآخر على عمل بالفراغ منه دون تحديد مدة لإتمامه، والجعل هو العوض المدفوع على الجعالة.
ودليل الجعالة قوله تعالى: ﴿ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم﴾ [يوسف: ٧٢].
стр. 1087
قال القرطبي: قال بعض العلماء: في هذه الآية دليلان: أحدهما: جواز الجعل وقد أجيز للضرورة؛ فإنه يجوز فيه من الجهالة ما لا يجوز في غيره؛ فإذا قال الرجل: من فعل كذا فله كذا صح، وشأن الجعل أن يكون أحد الطرفين معلوما والآخر مجهولا للضرورة إليه؛ بخلاف الإجارة؛ فإنه يتقدر فيها العوض والمعوض من الجهتين؛ وهو من العقود الجائزة التي يجوز لأحدهما فسخه؛ إلا أن المجعول له يجوز أن يفسخه قبل الشروع وبعده، إذا رضي بإسقاط حقه، وليس للجاعل أن يفسخه إذا شرع المجعول له في العمل (١).
قال رحمه الله تعالى: (ولا يضرب في الجعل)؛ بمعنى: الجعالة (أجل) لأن ذلك مما يزيد في غرر الجعل إذ قد ينقضي الأجل قبل تمام العمل فيذهب عمله باطلا، أو يأخذ ما لا يستحق إن انقضى العمل قبل تمام الأجل.
والجعالة تكون (في) أشياء كثيرة ك (رد آبق أو بعير شارد أو حفر بئر أو بيع ثوب ونحوه) وقوله: (ولا شيء له)؛ أي: للمجعول له (إلا بتمام العمل) نحوه في «المختصر». قال بهرام: ولعله فيما لا يحصل للجاعل فيه نفع إلا بتمام العمل، وإلا فمتى حصل له ذلك ولو لم يتم العمل فينبغي أن يكون له مقدار ما انتفع به. مثال ذلك: إذا طلب الآبق في ناحية ولم يجده بها فإنه وقع للجاعل النفع بذلك، لأنه تحقق أنه لم يكن في تلك الناحية؛ ومفهوم كلام الشيخ والمختصر أنه إذا لم يتم العمل لا شيء له (٢)، وهو كذلك لقوله تعالى: ﴿ولمن جاء به حمل بعير﴾ [يوسف: ٧٢]، ولحديث أبي سعيد الخدري ﵁ فهو من باب الجعالة وذلك في أمر الرقية (٣) فعن أبي سعيد ﵁ قال: … فقال بعضهم: نعم والله إني لأرقي، ولكن والله لقد استضفناكم فلم تضيفونا فما أنا براق لكم حتى تجعلوا لنا جعلا فصالحوهم على قطيع من الغنم، … فقدموا
стр. 1088
على رسول الله ﷺ فذكروا له، فقال: «وما يدريك أنها رقية» ثم قال: «قد أصبتم اقسموا واضربوا لي معكم سهما فضحك رسول الله ﷺ » (١).
(والأجير على البيع) بشيء معين (إذا تم الأجل ولم يبع، وجب له جميع الأجر، وإن باع في نصف الأجل فله نصف الإجارة) لأن الإجارة إذا تعلقت بمنافع كان كل جزء منها في مقابلة جزء من المنافع فإن قيل: قد تقدم أنه لا يضرب في الجعل أجل، وقال هنا: إذا تم الأجل فهذه مناقضة، أجيب: بأنه لا مناقضة لأن ما قاله أولا في الجعل، وما قاله هنا في الإجارة، وهي لا تجوز إلا بضرب الأجل. قاله ابن عمر الأنفاسي (٢).
• فائدة في الفرق بين الإجارة والجعالة:
أن العامل في الجعالة لا يستحق شيئا من الأجرة إلا بتمام العمل، بخلاف الأجرة فقد تكون بتمام العمل وقد تكون بحسب العمل إذا كان يقبل التجزئة.
ثانيا: عقد الجعالة عقد جائز غير لازم، ولا يلزم المجاعل العقد إلا بالشروع في العمل.
• أحكام الكراء:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(والكراء كالبيع فيما يحل ويحرم.
ومن اكترى دابة بعينها إلى بلد فماتت انفسخ الكراء فيما بقي. وكذلك الأجير يموت، والدار تنهدم قبل تمام مدة الكراء. ولا بأس بتعليم المتعلم (٣) القرآن على الحذاق.
стр. 1089
ومشارطة الطبيب على البرء.
ولا ينتقض الكراء بموت الراكب أو الساكن.
ولا بموت غنم الرعاية وليأت بمثلها.
ومن اكترى كراء مضمونا فماتت الدابة فليأت بغيرها.
وإن مات الراكب لم ينفسخ الكراء وليكتروا مكانه غيره.
ومن اكترى ماعونا أو غيره فلا ضمان عليه في هلاكه بيده، وهو مصدق إلا أن يتبين كذبه).
الشرح
(والكراء) بالمد لا غير قال ابن عمر الأنفاسي: يستعمل في كراء ما لا يعقل، والإجارة فيمن يعقل (كالبيع فيما يحل)؛ يعني: من الأجل المعلوم والأجرة المعلومة، إذ كل منهما يقصد منه العوض (و) فيما (يحرم)؛ يعني: من جهل الأجل ونحوه، ويؤخذ الفرق بين الكراء والإجارة من قوله: (ومن اكترى دابة بعينها) وذلك أنه عبر في الدابة بالاكتراء فدل على أن الاكتراء بيع منفعة الحيوان الذي لا يعقل وكذا سيارة ونحوها.
وقال بعد: وكذا الأجير فدل على أن الإجارة تتعلق بالعاقل، فهي بيع منفعة حيوان يعقل مثل أن يقول له: اكر لي هذه الدابة، وعينها بالإشارة إليها الأسافر عليها (إلى بلد كذا) مثلا (فماتت) أو غصبت (انفسخ الكراء فيما بقي) وله بحساب ما سار من الطريق بقيمة أخرى من غير التفات إلى الكراء الأول، لأنه قد يرخص ويغلو.
(وكذلك الأجير) إجارة ثابتة في عينه مدة معلومة على خدمة بيت أو رعاية غنم (يموت) إجارة المدة؛ حكمه حكم الدابة المعينة تنفسخ الإجارة في باقي المدة.
(و) كذا (الدار) تنهدم كلها أو جلها أو ما فيه مضرة كبيرة أو أحرقت أو استحقت (قبل تمام مدة الكراء) سواء كانت مشاهرة أو مساناة؛ أي: كل شهر بكذا أو كل سنة بكذا، فإنها تنفسخ ويعطى بحساب ما سكن.
стр. 1090
• تعليم القرآن بالأجرة:
(ولا بأس بتعليم المتعلم القرآن على الحذاق) بكسر الحاء المهملة وفتح الذال المعجمة، كما في «الصحاح»؛ والمعنى: أنه يجوز لمعلم القرآن أن يجاعل على تعليم الصبيان القرآن حتى يحذقوا من باب ضرب؛ أي: يحفظوا كلا أو بعضا، وقد اختلف العلماء بين مجوز ومانع، وقال النووي رحمه الله تعالى في كتابه «الماتع التبيان في آداب حملة القرآن» ما نصه: وأما أخذ الأجرة على تعليم القرآن فقد اختلف العلماء فيه: فحكى الإمام أبو سليمان الخطابي منع أخذ الأجرة عليه من جماعة من العلماء منهم: الزهري وأبو حنيفة، وعن جماعة أنه يجوز إن لم يشترطه، وهو قول الحسن البصري، والشعبي، وابن سيرين، وذهب عطاء ومالك والشافعي وآخرون إلى جوازها إن شارطه واستأجره إجارة صحيحة (١) … ، واستدل كل فريق بأدلة بسطناها في أصل هذا المختصر والله الموفق (٢)
(و) كذا لا بأس ب (مشارطة)؛ أي: بمجاعلة (الطبيب على البرء) حتى يبرأ لحديث أبي سعيد ﵁ المار قريبا بالمشارطة على الرقية بفاتحة الكتاب، ولأن ذلك منفعة مباحة فجازت المشارطة عليها كسائر المنافع.
(ولا ينتقض)؛ بمعنى: لا ينفسخ (الكراء بموت الراكب أو الساكن) لأن عين المستأجر باقية، ويجوز للورثة أن تكري لمن هو مثله أو دونه.
(و) كذلك (لا) ينتقض الكراء بموت غنم الرعاية وليأت بمثلها فإن لم يأت دفع جميع الأجر، (ومن اكترى كراء مضمونا) مثل أن يقول له: اكر لي دابة لأحمل عليها كذا إلى موضع كذا (فماتت الدابة فليأت بغيرها) لأن المنافع مستحقة في الذمة وليست متعلقة بهذه العين.
وقوله: (وإن مات الراكب لم ينفسخ الكراء) مكرر كرره ليرتب عليه
стр. 1091
قوله: (وليكتروا مكانه غيره)؛ يعني: من اكترى دابة ونقد كراءها ثم مات لم ينفسخ الكراء، بل تكري ورثته الدابة لمن هو مثله في القدر والحال.
(ومن اكترى ماعونا) الماعون اسم جامع لمنافع البيت من قدر وقصعة وفأس وقدوم ومنخل (أو غيره) كالثوب والدابة (ف) إنه لا ضمان عليه في هلاكه بيده وهو مصدق في تلفه لأنه مؤتمن على ما استأجره (إلا أن يتبين كذبه) فلا يصدق ويضمن. مثل أن يقول: هلكت أول الشهر، ثم ترى عنده بعد ذلك. ومفهوم بيده أنه لو أخرجه عن يده فهلك في يد الغير يضمن إذا أكرى لغير أمين، أو لمن هو أثقل منه أو أضر.
• ضمان الصناع ونحوهم:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(والصناع ضامنون لما غابوا عليه عملوه بأجر أو بغير أجر. ولا ضمان على صاحب الحمام.
ولا ضمان على صاحب السفينة، ولا كراء له إلا على البلاغ).
الشرح
(والصناع) الذين نصبوا أنفسهم للصنعة التي معاشهم منها كالخياطين والحدادين والنجارين ونحوهم (ضامنون لما غابوا عليه)؛ أي: ضامنون قيمته يوم القبض ولا أجرة لهم فيما عملوه؛ أي: لأنهم يضمنون قيمته غير مصنوع، قال في «الموازية»: ليس لربه أن يقول: أنا أدفع الأجرة وآخذ قيمته معمولا (١).
قال ابن رشد: إلا أن يقر الصانع أنه تلف بعد العمل (٢) روى ابن وهب عن طلحة بن أبي سعيد أن بكير بن الأشج حدثه أن عمر بن
стр. 1092
الخطاب ﵁ كان يضمن الصناع الذين في الأسواق وانتصبوا للناس ما دفع إليهم، وكان ذلك عمل الخلفاء يضمنون الصناع، قال ابن وهب: وأخبرني الحارث بن نبهان عن عطاء بن السائب قال: كان شريح يضمن الصناع والقصار. اه (١).
وهو أصلح للعامة كما في «المدونة» لأن الأصل في الصناع عدم الضمان لكونهم مؤتمنون لأنهم أجراء، وقد أسقط النبي ﷺ الضمان عن الأجراء عموما، والعموم يحتمل الخصوص، وخصص أهل العلم في ذلك الصناع وأخرجهم من حكم الأجراء في الائتمان وضمنهم نظرا واجتهادا لضرورة الناس إلى استعمالهم، فلو جرى الحكم بعدم ضمانهم لسارعوا لأخذ أموال الناس واجترأوا على أكلها، فكان ذلك ذريعة لإتلاف الأموال وإهلاكها، ولحق الناس لذلك أعظم الضرر لأنهم بين أن يدفعوها إليهم للاستصناع فيعرضوها للهلاك أو يمسكوها مع الحاجة إلى صناعتهم فيضر ذلك بهم، إذ ليس كل أحد يحسن الخياطة أو النسج أو غير ذلك من الأعمال، فكان من النظر المصلحي الحكم بضمانهم إلا ما قامت بهلاكها البينة فحينئذ يسقط الضمان عنهم وإن لم يكن منهم تقصير في الحفظ كما قال القلشاني، وانظر رعاك الله كتاب الأوسط لابن المنذر في ذكر تضمين الصناع، واختلاف الفقهاء في ذلك.
قال ابن رشد: «ومن ضمنه فلا دليل له إلا النظر إلى المصلحة وسد الذريعة» (٢).
(ولا ضمان على صاحب الحمام) قال ابن ناجي: ظاهر كلامه أنه المكري لا حارس الثياب. وقرر ابن عمر الأنفاسي كلامه بعكس هذا ولفظه: صاحب الحمام حارس الثياب سواء كان يحرسها بأجرة أو بغير أجرة، وهذا
стр. 1093
إذا سرقت أو تلفت بأمر من الله تعالى، وأما إذا قال: جاء رجل يطلبها فظننت أنه صاحبها فأعطيتها له فإنه يضمن، وكذا إذا قال: رأيت من أخذها فظننت أنه صاحبها. وقال ابن المسيب: يضمن صاحب الحمام، وبه قال أبو حنيفة.
(و) كذا (لا ضمان على صاحب السفينة) إذا غرقت بسبب ريح أو موج (ولا كراء له)؛ أي: لصاحب السفينة (إلا على البلاغ) لأن الإجارة في السفينة جارية مجرى الجعل فإذا لم يحصل الغرض المطلوب لم يستحق الأجرة. وقيل: له من الأجرة بحساب ما سار، واستظهر لأن رد الكراء إلى الاجرة أولى من رده إلى الجعل لأن الغاية معلومة والأجرة معلومة فيكون له بحسب ما سار وهو قول ابن وهب.
• الشركة:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(ولا بأس بالشركة بالأبدان إذا عملا في موضع واحد عملا واحدا أو متقاربا.
وتجوز الشركة بالأموال على أن يكون الربح بينهما بقدر ما أخرج كل واحد منهما والعمل عليهما بقدر ما شرطا من الربح لكل واحد، ولا يجوز أن يختلف رأس المال ويستويا في الربح).
الشرح
الشركة بفتح المعجمة وكسر الراء وبكسر أوله وسكون الراء، وقد تحذف الهاء، وقد يفتح أوله مع ذلك فتلك أربع لغات.
وهي شرعا: ما يحدث بالاختيار بين اثنين فصاعدا من الاختلاط لتحصيل الربح وقد تحصل بغير قصد كالإرث (١) فهو شركة جبرية، أو هي الاجتماع في استحقاق أو تصرف (٢).
стр. 1094
وهي ثابتة بالكتاب قال الله سبحانه: ﴿فهم شركاء في الثلث﴾ [النساء: ١٢]، وقوله سبحانه: ﴿وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض﴾ [ص: ٢٤].
ومن السنة ما روي «أن البراء بن عازب وزيد بن أرقم كانا شريكين فاشتريا فضة بنقد ونسيئة، فبلغ رسول الله ﷺ فأمرهما أن ما كان بنقد فأجيزوه، وما كان نسيئة فردوه» (١). وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله يقول: أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه، فإذا خانه خرجت من بينهما» (٢).
وروي عن النبي ﷺ : أنه قال: «يد الله على الشريكين ما لم يتخاونا» (٣).
وأجمع العلماء على هذا، ذكر ذلك ابن المنذر (٤).
والجمهور يقولون: الشركة نوعان: شركة أملاك، وشركة عقود. وشركة العقود أصلا لا تفتقر إلى شركة الأملاك، كما أن شركة الأملاك لا تفتقر إلى شركة العقود، وإن كانا قد يجتمعان.
فشركة الأملاك: وهي أن يتملك أكثر من شخص عينا من غير عقد، كاشتراك الورثة في التركة، واشتراك الموهوب لهم في الهبة، وغيرهم فهي عبارة عن انتقال الملك لهم من غير سعي فيه منهم، ولذلك عرفت بأنها: «ثبوت الحق في شيء لاثنين على جهة الشيوع». وشركة العقود: هي أن يعقد اثنان فأكثر عقدا على الاشتراك في المال وما نتج عنه من ربح، وهي مدار البحث في كلام المصنف رحمه الله تعالى.
• أركان الشركة:
١ - العاقدان، ويشترط فيهما أن يكون صالحين للوكالة بطرفيها، أي وكيلا وموكلا، فلا تصح من المحجور عليه، والصبي.
стр. 1095
٢ - الصيغة، ويقصد بها ما يحصل به الإذن في التصرف من كلام أو كتابة، وخلط الأموال مع العمل.
٣ - المحل: هو ما يقع الاشتراك فيه من مال وأعمال. وأنواعها كما يلي:
١ - شركة العنان. ٢ - شركة المفاوضة. ٣ - شركة الأبدان أو الأعمال. ٤ - شركة الوجوه.
وقد أجاز المالكية كل الشركات، ما عدا شركة الوجوه.
أ - شركة العنان: وهي أن يشترك اثنان في مال لهما على أن يتجرا فيه والربح بينهما، ولا يستبد أحدهما بالتصرف في شيء إلا بإذن صاحبه (١)، قال القرافي: وإنما تجوز شركة العنان بأربعة شروط: الأول استواء المالين في الجنس والصفة؛ والثاني خلطها. والثالث إذن كل واحد في التصرف؛ والرابع اتفاقهما على أن الربح والخسران على قدر المال.
ب - شركة المفاوضة: وهي الاختلاط في كل شيء من أموال التجارة وهي الجائزة عندنا باتفاق، وهي أن يفوض كل واحد منهما إلى الآخر التصرف مع حضوره وغيبته، وتكون يده كيده ولا يكون شركة إلا بما يعقد أن الشركة عليه وكل ذلك جائز (٢).
ج - أما شركة الذمم فعلى ثلاثة أضرب شركة في شراء شيء بعينه فهذه تجوز اتفاقا، أو اختلافا بينهما، ويتبع كل منهما بقدر نصيبه (٣).
الثانية: اشتراكهما في معين على أن يتحمل كل منهما لصاحبه فإن كانا معتدلين فيهما جازت الشركة والبيع وإن كانا مختلفين لم تجز.
الثالثة: أن يشتركا على غير معين فهذا لا يجوز لأنه من باب تحمل عني
стр. 1096
وأحمل عنك، وأسلفني وأسلفك، فإن وقعت فالمشترى بينهما، لأن غير المشتري أذن للمشتري قاله ابن القاسم. وقال سحنون: لكل واحد ما اشتراه لفساد العقد، لأنه داخل في باب الضمان بالجعل، وفي السلف الذي يجر نفعا (١).
د - شركة الأبدان أو الأعمال: وقد اقتصر المصنف على الجائز من تلك الشركات فقال المصنف: (ولا بأس بالشركة بالأبدان) وهي إذن كل واحد من الشريكين لصاحبه في أن يتصرف مع نفسه، أو هي: أن يشترك صانعان فأكثر على أن يعملا معا ويقتسما أجرة عملهما بنسبة العمل بشرط أن تكون الصنعة متحدة كحد أدنى، أو أن يتلازم عمل أحدهما مع عمل الآخر وأن يتساويا في العمل أو يتقاربا فيه (٢).
وهي ثلاثة أضرب منها: الشراكة بغير آلة، ولا رأس مال، كالحمل على الرؤوس، والتعليم، والخياطة، والبناء، وشرطها:
١ - التقارب في القدرة والمعرفة بذلك (وفي خليل جوازها، وإن بمكانين على ما في العتبية) (٣)
٢ - وأن يكونا فيه مجتمعين.
٣ - وأن يشتركا في ملك الآلة.
وأن يقسم الناتج على رؤوس أموالهما.
دليلها أن الله تعالى قال: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾ [المائدة: ٢]، وما ثبت في «الصحيح»: أن زهرة بن معبد كان يخرج به جده فيشتري الطعام فيلقاه ابن عمر وابن الزبير فيقولان له: «أشركنا فإن النبي ﷺ قد دعا لك بالبركة، فيشركهما فربما أصاب الراحلة كما هي فيبعث بها إلى
стр. 1097
المنزل» (١)، (إذا عملا في موضع واحد) اتحدت الصنعة أو لا وهذا مذهب المدونة. وصرح ابن عمر الأنفاسي بمشهوريته، وأجاز في العتبية تعدد المكان إن اتحدت الصنعة وشهره صاحب المختصر (٢) (عملا واحدا) كخياطين (أو متقاربا) بأن يتوقف عمل أحدهما على عمل الآخر كما إذا كان أحدهما يجهز الغزل للنسج والآخر ينسج.
وأما إذا اختلفت صنعتهما ولم تتلازم كخياط وحداد لم تجز الشركة للغرر، إذ قد تنفق صنعة هذا دون هذا، فيأخذ من صاحبه ما لا يستحقه. ومما استدلوا به أيضا على شركة الأبدان حديث أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: «اشتركت أنا وعمار، وسعد، فيما نصيب يوم بدر قال: فجاء سعد بأسيرين ولم أجئ أنا وعمار بشيء» (٣).
(وتجوز الشركة بالأموال) الدنانير والدراهم من كلا الجانبين إجماعا بشرط اتحادهما الذهب من ناحية وفضة من الآخر لأنها شركة وصرف، قاله في «المدونة»، وأجازه سحنون ونحوه في كتابه ابن المواز (٤)، وبالطعام المتفق صفة ونوعا عند ابن القاسم ومنعه مالك؛ أي: منع المتفق صفة ونوعا وقدرا فأولى المختلف وحيث قيل: بالجواز فإنما هو على أن يكون الربح بينهما بقدر ما أخرج كل واحد منهما، (و) على أن يكون العمل عليهما بقدر ما شرطا من الربح لكل واحد فإذا أخرج أحدهما مثلا مائة والآخر مائتين فالربح والخسران بينهما أثلاثا، «وإذا عمل أحدهما وغاب الآخر فإنهما يقتسمان الربح بحسب النسبة المتفق عليها، وعلى الغائب أن يدفع أجرة العمل لشريكه عن المدة التي غابها، لأن الربح في شركة الأموال، إنما هو عن
стр. 1098
المال، وهم شركاء فيه، والعمل تبع للمال، فمن عمل زائدا أخذ أجرة على عمله» (١).
وإذا عقدا بينهما عقدا على التساوي في المال والتفاوت في الربح فالعقد باطل لا يصح، وكذا لو تنازل أحدهما عن بعض حقه بعد العقد جاز ذلك، لأن الذي يضر هو اشتراط عدم التساوي قال خليل: «وله التبرع والسلف والهبة بعد العقد» (٢).
وقوله: (ولا يجوز أن يختلف رأس المال ويستويا في الربح) تكرار مع قوله على أن يكون الربح بينهما … إلخ.
• المضاربة
المضاربة أو القراض:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(والقراض جائز بالدنانير والدراهم وقد أرخص فيه بنقار الذهب والفضة.
ولا يجوز بالعروض، ويكون إن نزل أجيرا في بيعها، وعلى قراض مثله في الثمن.
وللعامل كسوته وطعامه إذا سافر في المال الذي له بال، وإنما يكتسى في السفر البعيد.
ولا يقتسمان الربح حتى ين رأس المال).
الشرح
(والقراض)؛ أي: المضاربة فأهل الحجاز يسمونها قراضا، فنظروا في ذلك إلى رب المال، وأما أهل العراق فيسمونها مضاربة، نظروا في ذلك
стр. 1099
للعامل، (والمضاربة) هي مأخوذة من الضرب في الأرض وهو السفر والمشي، والعامل: مضارب بكسر الراء، قال الرافعي: ولم يشتق للمالك منه اسم فاعل؛ لأن العامل يختص بالضرب في الأرض، فعلى هذا تكون المضاربة من المفاعلة التي تكون من واحد مثل: عاقبت اللص (١).
واصطلاحا: «القراض توكيل على تجر بنقد مضروب مسلم بجزء من ربحه إن علم قدرهما» (٢).
(جائز) إجماعا (٣).
وقد دلت السنة على ذلك حيث أقر النبي ﷺ هذا النوع من المعاملات التي كانت في الجاهلية ومنها «أنه ﷺ خرج في قراض بمال خديجة ﵂ فلما جاء الإسلام أقره، وعمل به المسلمون عملا متيقنا بنقل الخلف عن السلف» (٤).
ومنها أن العباس ﵁ كان يعطي ماله قراضا وربا فأقر الإسلام ما نتج عن مضاربة ووضع الربا كما في خطبة حجة الوداع، وبوروده أيضا عن جماعة من الصحابة كعمر وابنه عبد الله وعلي وعثمان وابن مسعود وابن عباس وأبيه وجابر وحكيم بن حزام ﵃ فعن زيد بن أسلم عن أبيه قال: خرج عبد الله، وعبيد الله، ابنا عمر في جيش إلى العراق، فلما قفلا مرا على أبي موسى الأشعري، فرحب بهما وسهل، وهو أمير البصرة، فقال: لو أقدر لكما على أمر أنفعكما لفعلت، ثم قال: بلى ها هنا مال من مال الله، أريد أن أبعث به إلى أمير المؤمنين، فأسلفكماه، فتبتاعان به من متاع العراق، ثم تبيعانه
стр. 1100
بالمدينة، فتؤديان رأس المال إلى أمير المؤمنين، ويكون الربح لكما، فقالا: وددنا، وكتب إلى عمر بن الخطاب، أن يأخذ منهما المال، فلما قدما على عمر، قال: أكل الجيش أسلفه كما أسلفكما؟ فقالا: لا، قال أديا المال وربحه، قال: فأما عبد الله، فسكت، وأما عبيد الله، فقال: ما ينبغي لك هذا يا أمير المؤمنين، هذا، لو هلك المال أو نقص لضمناه؟ فقال: أدياه، فسكت عبد الله، وراجعه عبيد الله، فقال رجل من جلساء عمر بن الخطاب: يا أمير المؤمنين، لو جعلته قراضا؟ قال: قد جعلته قراضا، فأخذ عمر رأس المال ونصف ربحه، وأخذ عبد الله، وعبيد الله، نصف ربح ذلك المال (١).
وأركانه:
١ - العاقدان ويشترط فيهما ما يشترط في الوكيل والموكل.
٢ - المال المسلم للعامل، ولا بد أن يكون معلوما لأنه إن لم يعلم كانت حصة الربح مجهولة فيفسد العقد، وأن لا يكون دينا في ذمة العامل، ويشترط ألا يكون رأس المال مضمونا من العامل، إلا أن يتعدى، وتكون أجرة العامل للعامل منه لا من رأس المال وربحه قبل القسم.
٣ - الصيغة: وهي ما يكون به التراضي.
٤ - ما يكون من الربح بين رب المال والعلم بنسبة محددة لا مجهولة، لا شيئا معينا كمائة دينار كان ربا فلا يصح.
ويكون القراض بشروط:
أحدها: أن يكون (بالدنانير والدراهم)؛ أي: نقدا سواء كان التعامل بهما بالعد أو بالوزن (وقد أرخص فيه)؛ أي: في القراض (بنقار الذهب والفضة) النقار: بكسر النون القطعة من الذهب أو الفضة (ولا يجوز) القراض (بالعروض) ولا بشيء من المكيلات أو الموزونات، لأن القراض في الأصل
стр. 1101
غرر، لكونه إجارة مجهولة إذ العامل لا يدري هل يربح أو لا؟ وعلى تقدير الربح كم مقداره؟ وكذلك رب المال لا يدري هل يربح أم لا؟ وهل يرجع إليه رأس ماله أم لا؟ فكان ذلك غررا من هذه الوجوه إلا أن الشارع جوزه للضرورة إليه ولحاجة الناس إلى التعامل به، فيجب أن يجوز منه مقدار ما جوزه الشارع وهو النقد المضروب، وما في حكمه من نقار الذهب والفضة، أما العروض ما عدا الذهب والفضة، فلا تجوز لأن العروض تحتاج إلى بيع فيكون العامل فيها أجيرا وليس مضاربا كما سيذكر المصنف، ولا يدري كم يكون رأس المال منها فصار مجهولا، فالحاصل من العروض نقدا يمكنه المضاربة فيه، قال مالك: «فإن جهل ذلك حتى يمضي، نظر إلى قدر أجر الذي دفع إليه القراض، في بيعه إياه، وعلاجه فيعطاه. ثم يكون المال قراضا من يوم نض. واجتمع عينا. ويرد إلى قراض مثله» (١)
(و) إذا امتنع القراض بها؛ أي: بالعروض فإن العامل (يكون إن نزل)؛ أي: وقع القراض بها (أجيرا في بيعها) ويكون (على قراض مثله في الثمن)؛ أي: إذا اتجر بالثمن، والذي في المختصر أن أجرة مثله في بيع العروض، وأما عمله في القراض بعد ذلك فله قراض مثله من الربح إن كان ثم ربح، وإلا فلا شيء له ثم بين أمورا يستبد بها العامل دون رب المال بقوله:
(وللعامل)؛ أي: وجوبا (كسوته وطعامه) المراد به نفقته ذهابا وإيابا بشرطين: أحدهما السفر، ومن شرطه أن ينوي به تنمية المال، أما إذا سافر به لزيارة أهله أو لحج فلا نفقة له.
والآخر: أن يكون المال له بال وإليهما أشار بقوله: (إذا سافر في المال الذي له بال) كان السفر قريبا أو بعيدا بالنسبة للطعام.
(و) أما الكسوة فإنما يكتسي في السفر البعيد لا القريب إذا كان المال كثيرا لا قليلا حد القريب مثل مسيرة عشرة أيام وحد المال الكثير
стр. 1102
خمسون دينارا فأكثر (ولا يقسمان الربح حتى ينض رأس المال) بكسر النون من نص ينص. قال الأجهوري: وكسر النون هو مقتضى ما في لامية الأفعال والصحاح (١)، ومعنى ينض المال يصير ذهبا أو فضة، صورة ذلك أن يبيع بعض السلع ويبقي بعضها ويكون فيها رأس المال فيقول له: نقتسم هذا الذي نض، فهذا لا يجوز لأنه قد تهلك السلعة الباقية، أو ترخص السلع ولا يمكنه جمع رأس المال، فمن أين يأتي الربح؟.
• المساقاة:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(والمساقاة جائزة.
في الأصول.
على ما تراضيا عليه من الأجزاء.
والعمل كله على المساقى، ولا يشترط عليه عملا غير عمل المساقاة.
ولا عمل شيء ينشئه في الحائط إلا ما لا بال له من شد الحظيرة، وإصلاح الضفيرة وهي: مجتمع الماء من غير أن ينشئ بناءها، والتذكير على العامل، وتنقية مناقع الشجر، وإصلاح مسقط الماء من الغرب، وتنقية العين وشبه ذلك جائز أن يشترط على العامل.
ولا تجوز المساقاة على إخراج ما في الحائط من الدواب.
وما مات منها فعلى ربه خلفه.
ونفقة الدواب والأجراء على العامل.
وعليه زريعة البياض اليسير ولا بأس أن يلغى ذلك للعامل وهو أحله.
стр. 1103
وإن كان البياض كثيرا لم يجز أن يدخل في مساقاة النخل إلا أن يكون قدر الثلث من الجميع فأقل.
الشرح
(والمساقاة) تعريفها: مفاعلة من السقي، وهذه المفاعلة على غير بابها وهي من المفاعلة التي تكون من الواحد وهو قليل نحو سافر، وعافاه الله.
ومعناها اصطلاحا: أن يدفع الرجل كرمه، أو حائط نخله مثلا لمن يكفيه القيام بما يحتاج إليه من السقي والعمل، على أن ما أطعم الله من ثمرها بينهما نصفين أو على جزء معلوم من الثمر كثلث وربع. وسميت بهذه التسمية لأن شجر أهل الحجاز أكثر حاجة إلى السقي لأنها تسقى من الآبار، فسميت بهذه التسمية. وقال ابن عرفة: «عقد على عمل مؤنة النبات بقدر لا من غير غلته لا بلفظ بيع أو إجارة أو جعل» (١).
ويسمى القائم على سقيها المساقي، والطرف الآخر برب الشجر.
حكمها: أنها (جائزة) لحديث ابن عمر ﵄: «أن رسول الله ﷺ عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع» (٢). ولأن الأنصار قالت للنبي ﷺ : «اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل، قال: «لا» فقالوا: تكفونا المؤونة، ونشرككم في الثمرة، قالوا: سمعنا وأطعنا»؛ أي: «أن الأنصار أرادوا أن يشركوا معهم المهاجرين في النخيل فعرضوا ذلك على الرسول ﷺ ، فأبى، فعرضوا أن يتولوا أمره، ولهم الشطر، فأجابهم» (٣).
قال الحازمي: «روي عن علي بن أبي طالب، وجماعة من الصحابة والتابعين، فقالوا: تجوز المزارعة والمساقاة بجزء من الثمر أو الزرع قالوا: ويجوز العقد على المزارعة والمساقاة مجتمعين فتساقيه على النخل وتزارعه
стр. 1104
على الأرض كما جرى في خيبر» (١).
وهي مستثناة من المخابرة وهي كراء الأرض بما يخرج منها ومن بيع الثمرة والإجارة بها قبل طيبها وقبل وجودها، ومن الإجارة بالمجهول. ولها شروط منها: العاقدان، ويشترط فيهما أهلية الإجارة.
ومنها: أن تكون بلفظ: ساقيت فلا تنعقد بعاملتك ونحوه.
وتكون المساقاة (في الأصول) الثابتة، ظاهره عدم جوازها في غيرها وليس كذلك بل تصح في الزرع كالقصب والبصل والمقاثئ بشروط: أحدها: عجز رب الزرع عن القيام به.
ثانيها: أن يخاف عليه الموت بترك السقي.
ثالثها: أن يبرز من الأرض.
رابعها: أن لا يبدو صلاحه لأنه إذا جاز بيعها لا ضرورة حينئذ للمساقاة.
ومنها: أن يساقي على جزء معلوم سواء كان كثيرا كالثلثين أو قليلا كالربع، وإليه أشار بقوله: (على ما تراضيا عليه (من الأجزاء) فلو ساقاه على أصع أو أوسق معدودة لم يجز.
(و) منها: أن يكون (العمل كله على المساقى) بفتح القاف وهو العامل، والعمل القيام بما تفتقر إليه الثمرة من السقي والآبار، والتنقية، والجذاذ، وإقامة الأدوات من الدلاء والمساحي إلخ.
(و) منها: أن رب الحائط (لا يشترط عليه عملا) آخر (غير عمل المساقاة) مثل أن يساقيه ويشترط عليه أن يبيع له ثوبا ونحو ذلك مما لا تعلق له بالثمرة.
(و) كذا (لا) يجوز له أن يشترط عليه (عمل شيء ينشئه)؛ أي: يحدثه (في الحائط إلا ما)؛ أي: شيئا (لا بال)؛ أي: لا خطر (له) لقلته، فإنه
стр. 1105
يجوز له أن يشترطه عليه من شد الحظيرة بالظاء المشالة وهي الحائط المحيطة بالبستان (و) من (إصلاح الضفيرة) بالضاد المعجمة (وهي) كما قال المصنف: (مجتمع الماء)؛ أي: موضع اجتماع الماء كالصهريج، وأما بناؤها من أصلها فلا يجوز أن يشترط ذلك على العامل، وإليه أشار بقوله: (من غير أن ينشئ بناءها) لأن ذلك مما يبقى بعد الثمرة.
(والتذكير)؛ أي: التلقيح (على العامل)؛ أي: عليه شراء ما يلقح به وتعليقه وهو المذهب (وتنقية مناقع الشجر) جمع منقع بفتح القاف موضع يستنقع فيه الماء، قال في المصباح: ومنقع الماء بالفتح مجتمعه (وإصلاح مسقط الماء) موضع السقوط (من الغرب) وهو الدلو الكبير (وتنقية العين) وهو كنسها بما يقع فيها من تراب أو ورق (وشبه ذلك) من عمل المساقاة؛ أي: مثل الجذاذ والجرين (١). وقوله: (جائز) خبر مبتدأ محذوف تقديره هذا، وشبهه جائز بعد (أن يشترط على العامل).
ومنها: ما أشار إليه بقوله: (ولا تجوز المساقاة على إخراج ما في الحائط من الدواب) ومما في حكمها من الالآت اليوم، ولفظ «المدونة»: ولا ينبغي لرب الحائط أن يساقيه على أن ينزع شيئا مما في الحائط من الرقيق والدواب. قال بهرام: قوله: ولا ينبغي على التحريم لا على الكراهة (وما مات منها)؛ أي: الدواب التي في الحائط (فعلى ربه خلفه) وإن لم يشترط العامل ذلك عليه، لأن العقد كان على عمل في ذمة صاحب الحائط؛ أي: من حيث تلك الدواب التي وقع عقد المساقاة وهي في الحائط، ولو شرط خلفهم على العامل لم يجز.
(و) أما (نفقة الدواب)؛ أي: علفهم (و) نفقة (الأجراء) جمع أجير؛ أي: إطعامهم وكسوتهم ف (على العامل على المشهور، لأن عليه العمل وجميع المؤن المتعلقة به، وعليه) أيضا (زريعة) بفتح الزاي وكسر الراء
стр. 1106
مخففة والتشديد من لحن العوام، (البياض اليسير)؛ أي: الأرض الخالية عن الشجر، والثلث فما دونه يسير، (ولا بأس أن يلغى)؛ أي: يترك (ذلك) البياض اليسير (للعامل وهو)؛ أي: الإلغاء (أحله)؛ أي: أحل له؛ أي: رب الحائط ليسلم من كراء الأرض بجزء ما يخرج منها (وإن كان البياض كثيرا لم يجز أن يدخل في مساقاة النخل إلا أن يكون قدر الثلث من الجميع فأقل):
وحاصل المسألة أن البياض اليسير يجوز إدخاله في المساقاة بالشروط المتقدمة، ويختص به العامل إن سكتا عنه أو اشترطه، ويفسد عقد المساقاة إن اشترطه ربه له إن كان يناله سقي العامل، كما يفسد عقد المساقاة بإدخال الكثير أو اشتراطه للعامل أو إلغائه له بل يبقى لربه. والمعتبر يسارته وكثرته بالنسبة لجميع الثمرة لا بالنسبة لحصة العامل فقط.
• المزارعة:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(والشركة في الزرع جائزة إذا كانت الزريعة منهما جميعا، والربح بينهما وكانت الأرض لأحدهما والعمل على الآخر.
أو العمل بينهما واكتريا الأرض أو كانت بينهما.
أما إن كان البذر من عند أحدهما، ومن عند الآخر الأرض والعمل عليه.
أو عليهما، والربح بينهما لم يجز.
ولو كانا اكتريا الأرض والبدر من عند واحد، وعلى الآخر العمل جاز إذا تقاربت قيمة ذلك.
ولا ينقد في كراء أرض غير مأمونة قبل أن تروى) ..
الشرح
المزارعة مفاعلة من الزرع، وهي دفع الأرض إلى من يزرعها ويعمل عليها والزرع بينهما (والشركة في الزرع جائزة) ومنهم من يعبر عنها
стр. 1107
بالمزارعة. وقد ذكر الشيخ في هذا الفصل ثمانية مسائل أربعة جائزة منها:
ثلاثة متوالية والرابعة متأخرة وأربعة ممنوعة واحدة بالمفهوم وثلاثة بالمنطوق.
أما الثلاثة الجائزة: فأشار إلى أولها بقوله: (إذا كانت الزريعة منهما جميعا والربح بينهما، كانت الأرض لأحدهما والعمل على الآخر)، بشرط مساواته لأجرة الأرض في القيمة أو مقاربته، كأن تكون قيمة الأرض تسعة عشر وقيمة العمل عشرين أو عكسه. وأما لو تباعدت فلا جواز.
وثانيها: أشار إليه بقوله: (أو العمل بينهما واكتريا الأرض) فهي المسألة المتقدمة بحالها إلا أن المتقدمة كانت الأرض في مقابلة العمل، وفي هذه العمل بينهما واكتريا الأرض. وثالثها: أشار إليه بقوله: (أو كانت)؛ أي: الأرض (بينهما) والمسألة بحالها. خلاصتها:
١ - أن يشتركا في البذر، والأرض لأحدهما، والعمل على الآخر.
٢ - أن يكون العمل بينهما، والأرض لهما، والبذر بينهما.
٣ - أن تكون الأرض لهما، والعمل والبذر عليهما.
وأما الثلاثة الممنوعة المأخوذة بالمنطوق فأشار إليها بقوله: (أما إن كان البذر من عند أحدهما، ومن عند الآخر الأرض والعمل عليه أو عليهما) معا (والربح بينهما لم يجز) بيان أخذها من المنطوق أن الضمير في عليه يحتمل عوده على صاحب الأرض، فيكون أحدهما أخرج البذر والآخر الأرض والعمل وهذه مسألة؛ ويحتمل عوده على مخرج البذر فيكون أحدهما أخرج البذر والعمل والآخر الأرض وهذه مسألة. وقوله: أو عليهما؛ أي: العمل عليهما. والمسألة بحالها أخرج أحدهما الأرض والآخر البذر، وهذه مسألة.
وخلاصتها:
١ - أن يكون على أحدهما البذر والعمل، وعلى الآخر الأرض.
٢ - أو يكون على أحدهما البذر وعلى الآخر الأرض والعمل.
٣ - أو يكون على أحدهما البذر وعلى الآخر الأرض، والعمل بينهما.
стр. 1108
ثم أشار إلى المسألة الرابعة المكملة للمسائل الجائزة بقوله: (ولو كانا اكتريا الأرض) أو كانت بينهما أو كانت لأحدهما ويعطيه الآخر كراء نصفه (والبذر من عند واحد وعلى الآخر العمل جاز) ذلك (إذا تقاربت قيمة ذلك البذر والعمل) مفهومه: إذا لم تتقارب لا تجوز وهو كذلك، وتكون هذه المسألة هي المكملة للأربعة الممنوعة. جدول للصور الجائزة والممنوعة في عقد شركة الزرع (١):
الأرض البذر العمل الحكم على الأول عليهما على الثاني جائز عليهما عليهما عليهما جائز لهما كراء عليهما على واحد جائز على الأول على الثاني على الثاني ممنوع على الأول على الثاني على الأول ممنوع على الأول على الثاني عليهما ممنوع عليهما على الأول على الثاني جائز (تقارب القيمة) عليهما على الأول على الثاني ممنوع (تباعد القيمة)
(ولا ينقد) بشرط (في كراء أرض غير مأمونة) الري (قبل أن تروى) كأرض المطر وأرض العين القليلة الماء، أما جواز كرائها بالنقد، فلحديث حنظلة بن قيس في رواية عنه أنه سأل رافع ابن خديج ﵁ عن كراء الأرض فقال: «نهى رسول الله ﷺ عن كراء الأرض، قلت: بالذهب والورق؟ قال: لا، إنما نهى عنها بما يخرج منها، فأما الذهب والفضة، فلا بأس» (٢)، وحديث سعد قال: «كنا نكري الأرض بما على السواقي من الزرع وما سعد
стр. 1109
بالماء منها، فنهانا رسول الله ﷺ عن ذلك، وأمرنا أن نكريها بذهب أو فضة» (١)، وأما كونه لا ينقد في أرض غير مأمونة قبل أن تروى فلأن المنفعة المقصودة منها لا تتم إلا بالمطر، ولما كان عدمه معتادا جاز أن يتخلف المطر فيجب رده، فيكون تارة كراء وتارة سلفا إن عدم المطر وذلك لا يجوز كما سبق، أما لو كانت مأمونة الري كأرض النيل القريبة من البحر الشديدة الانخفاض، وكأرض المطر في بلاد المشرق فيجوز عقد الكراء فيها على النقد ولو مع الشرط، كما يجوز عقد كرائها ولو طالت المدة كالثلاثين سنة.
• الجوائح:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(ومن ابتاع ثمرة في رؤوس الشجر فأجيح ببرد أو جراد أو جليد أو غيره فإن أجيح قدر الثلث فأكثر وضع عن المشتري قدر ذلك من الثمن، وما نقص عن الثلث فمن المبتاء. ولا جائحة في الزرع ولا فيما اشتري بعد أن يبس من الثمار. وتوضع جائحة البقول، وإن قلت وقيل: لا يوضع إلا قدر الثلث).
الشرح
الجوائح: جمع جائحة، وهي الآفة التي تصيب الزروع أو الثمار فتهلكها دون أن يكون لآدمي صنع فيها، مثل القحط والبرد والعطش، قال ابن عرفة: «ما أتلف من معجوز عن دفعه عادة قدرا من ثمر أو نبات بعد بيعه»، وبعد بيعه هو المبحوث فيه فقها أما قبل فلا، وقال في «المطلع»: «الجائحة الآفة التي تهلك الثمار والأموال وتستأصلها، وكل مصيبة عظيمة، وفتنة مبيرة جائحة، والجمع الجوائح وجاح الله المال، وأجاحه أهلكه والسنة كذلك» (٢)
стр. 1110
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(ومن ابتاع)؛ أي: اشترى (ثمرة) من أي الثمار دون أصلها بعد الزهو قبل كمال طيبها (في رؤوس الشجر فأجيح ببرد) بفتح الباء (أو) أجيح ب (جراد أو جليد) وهو الماء الجامد في زمان البرد له لمعان كالزجاج (أو) أجيح ب (غيره)؛ أي: غير ما ذكر كالريح والثلج، ودخل في عبارته الجيش والسارق (فإن أجيح قدر الثلث) فأكثر (وضع عن المشتري قدر ذلك من الثمن) لحديث جابر ﵁ «أن النبي ﷺ أمر بوضع الجوائح» (١)، وفي رواية لمسلم أيضا أن النبي ﷺ قال: «لو بعت من أخيك ثمرا، فأصابته جائحة، فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئا، بم تأخذ مال أخيك بغير حق؟!» (٢).
وأما تقدير ذلك بالثلث فأكثر فلما رواه سحنون عن ابن وهب عن يزيد بن عياض عن رجل حدثه عن عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر الأنصاري أنه بلغه أن رسول الله ﷺ قال: «إذا ابتاع الرجل الثمرة، فأصابتها جائحة، فذهبت بثلث الثمرة، فقد وجب على صاحب المال الوضيعة»، قال ابن وهب: وأخبرني يزيد بن عياض عند عبد الرحمن بن القاسم وربيعة بن أبي عبد الرحمن وأبي الزناد عن القاسم بن محمد قال: إذا أصيب المتاع بثلث الثمرة فقد وجب على البائع الوضيعة، قال سحنون: وأخبرني عثمان بن الحكم عن يحيى بن سعيد أنه قال: لا جائحة فيما أصيب دون ثلث رأس المال؛ قال يحيى: وذلك في سنة المسلمين (٣)، (و) أما (ما نقص عن الثلث فمن المبتاع).
روى مالك أنه بلغه أن عمر بن عبد العزيز قضى بوضع الجائحة، قال مالك وعلى ذلك الأمر عندنا قال مالك: والجائحة التي توضع عن المشتري
стр. 1111
الثلث فصاعدا ولا يكون ما دون ذلك جائحة (١).
قال أبو عمر رحمه الله تعالى: «ليس في حديث عمرة ما يدل على إيجاب وضع الجائحة وإنما فيه الندب إلى الوضع»، وهو نحو حديث بن وهب عن عمرو بن الحارث عن بكير بن الأشج عن عياض بن عبد الله عن أبي سعيد الخدري، قال: أصيب رجل في عهد رسول الله ﷺ في ثمار ابتاعها، فكثر دينه، فقال رسول الله ﷺ : «تصدقوا عليه»، فتصدق الناس عليه، فلم يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال رسول الله ﷺ لغرمائه: «خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا ذلك» (٢)، فلم يأمر بوضع الجائحة وأخبرهم أن ليس لهم إلا غير ما وجدوا لأنهم لم يبق له شيء يأخذونه، وقد أنظر الله المعسر إلى الميسرة.
«وأما اعتبار مالك في مقدار الجائحة الثلث، فلأن ما دونه عنده في حكم التافه الذي لا يسلم منه بهذه» (٣)
وما ذكره من التحديد في وضع الجائحة بالثلث محله إذا كان سبب الجائحة غير العطش. أما إذا كان سببها العطش فلا تحديد، بل يوضع قليلها وكثيرها، كانت تشرب من العيون أو من السماء، لأن السقي لما كان على البائع أشبه ما فيه حق توفية.
«فإن لم يكن التلف بسبب الجائحة بل كان من عمل الآدمي، فللمشتري الخيار بين الفسخ والرجوع بالثمن على البائع وبين الإمساك ومطالبة المتلف بالقيمة، وقد ذهب إلى هذا أحمد بن حنبل وأبو عبيد وجماعة من أصحاب الحديث. ورجحه ابن القيم قال في «تهذيب سنن أبي داود»: وذهب جمهور العلماء إلى أن الأمر بوضع الجوائح أمر ندب واستحباب، عن طريق المعروف والإحسان، لا على سبيل الوجوب والإلزام (٤).
стр. 1112
وبه قال ابن عبد البر في «الاستذكار» (١)، وقال مالك بوضع الثلث فصاعدا، ولا يوضع فيما هو أقل من الثلث. قال أصحابه: ومعنى هذا الكلام أن الجائحة إذا كانت دون الثلث كان من مال المشتري، وما كان أكثر من الثلث فهو من مال البائع.
واستدل من تأول الحديث على معنى الندب والاستحباب دون الإيجاب: بأنه أمر حدث بعد استقرار ملك المشتري عليها، فلو أراد أن يبيعها أو يهبها لصح ذلك منه فيها. وقد نهى رسول الله ﷺ ، عن ربح ما لم يضمن، فإذا صح بيعها ثبت أنها من ضمانه. وقد نهى رسول الله ﷺ بيع الثمرة قبل بدو صلاحها. فلو كانت الجائحة بعد بدو الصلاح من مال البائع لم يكن لهذا النهي فائدة. اه (٢).
(ولا جائحة في الزرع) لأنه لا يباع إلا بعد يبسه. (و) كذا (لا) جائحة (فيما اشترى بعد أن يبس من الثمار) لأن تأخيره بعد اليبس محض تفريط من المشتري فلا جائحة إذا. (وتوضع جائحة البقول) كالبصل والسلق والخضروات (وإن قلت) لأن غالبها من العطش (وقيل: لا يوضع إلا إذا كانت قدر الثلث).
• العرايا:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(ومن أعرى ثمر نخلات لرجل من جنانه فلا بأس أن يشتريها إذا أزهت بخرصها تمرا يعطيه ذلك عند الجذاذ إن كان فيها خمسة أوسق فأقل ولا يجوز شراء أكثر من خمسة أوسق إلا بالعين والعرض).
الشرح
العرية: فعيلة؛ بمعنى: مفعولة، وجمعها عرايا مثل مطية ومطايا. قال
стр. 1113
في «مختار الصحاح»: وإنما أدخلت فيها الهاء، لأنها أفردت فصارت في عداد الأسماء، كالنطيحة، والأكيلة. وسميت «عرية» لانفرادها بالرخصة عن أخواتها.
واصطلاحا: أن يمنح الرجل لآخر ثمر نخلة أو نخلات العام والعامين يأكلها هو وعياله. تقدم أن بيع التمر على رؤوس النخيل بتمر مثله محرم، لأنه بيع المزابنة المنهي عنه، لما فيه من الجهل بتساوي النوعين الربويين.
وأشد حالاته إذا باعه على رؤوسه وهو رطب، بتمر جاف، فقد خفي تساويه من وجهتين:
١ - كونهما بيعا خرصا.
٢ - وكون أحدهما رطبا، والآخر جافا، فهذا البيع أحد صور «ربا الفضل».
ولما كانت الأثمان قليلة في الزمن الأول، فيأتي الرطب في المدينة والتفكه به، والناس محتاجون إليه، وليس عند بعضهم ما يشترى به من النقود، فرخص لهم أن يشتروا ما يتفكهون به من الرطب بالتمر الجاف ليأكلوها رطبة، مراعين في ذلك تساويهما لو آلت ثمار النخل إلى الجفاف (١).
وقد عقب المصنف رحمه الله تعالى الجوائح بالعرايا وهي آخر ما ذكره مما شاكل البيوع، ولها شروط أحدها: أن تكون بلفظ العرية وأخذ هذا من قوله: (ومن أعرى) فلو أعطاه بلفظ الهبة ونحوها لم يجز (ثمر نخلات لرجل) الرجل ليس بشرط، بل المرأة وكذلك الصبي والعبد (فلا بأس أن يشتريها) إن بدا صلاحها وإليه أشار بقوله: (إذا أزهت)؛ أي: بدا صلاح ما هي فيه من ثمر أو غيره، وإذا اشتراها فلا يشتريها إلا (بخرصها) بكسر الخاء؛ أي: بكيلها، وأما بالفتح فهو الفعل، وصورة ذلك أن يقال: كم في هذه النخلة من وسق؟ فيقال: كذا وكذا وهلم إلى خمسة أوسق أو غير ذلك. ثم يقال: كم ينقص ذلك إذا جف؟ فيقال: وسق أو أكثر، فإن كان الباقي بعد
стр. 1114
ذلك خمسة أوسق فأقل جاز كما سينص عليه، وإن كان أكثر من ذلك لم يجز (تمرا) يريد من نوعه إن صيحانيا فصيحاني، وإن برنيا فبرني، لحديث زيد بن ثابت رضي عنه: «أن رسول الله ﷺ رخص لصاحب العرية أن يبيعها بخرصها كما في «البخاري»؛ ولمسلم: بخرصها تمرا، يأكلونها رطبا» (١)، (يعطيه ذلك عند الجذاذ) المراد أن لا يدخلا على شرط تعجيلها بل دخلا إما على التوفية عند الجذاذ أو سكتا، فالمضر الدخول على شرط تعجيلها. وأما تعجيلها من غير شرط فلا يضر إن كان فيها خمسة أوسق فأقل لحديث أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ رخص في بيع العرايا بخرصها في ما دون خمسة أوسق، أو في خمسة أوسق شك الراوي قال: «دون خمسة أو في خمسة» (٢)، وذهب المالكية - إلى الجواز في الخمسة عملا برواية الشك، وبما روي عن سهل بن أبي حثمة [أن العرية ثلاثة أوسق أو أربعة أو خمسة] وهو رواية عن الإمام أحمد (٣)، نظر فيها إلى عموم الرخصة، فلا يضر الشك في الزيادة القليلة (٤) والوسق بسكون السين - ستون صاعا نبويا، فيكون ثلاثمائة صاع، (ولا يجوز) للمعري ولا لغيره (شراء أكثر من خمسة أوسق إلا بالعين والعرض) نقدا أو إلى أجل؛ أي: يشتريها كلها بالعين أو العرض، وأما لو أراد أن يشتري من الأكثر من خمسة أوسق خمسة أوسق بخرصها والزائد بعين أو عرض إنه لا يجوز.
وخلاصة شروط العرايا:
١ - أن تكون بلفظ العرية لا غيرها.
٢ - أن تكون من التمر لا غير ذلك من الثمار، وأجاز طائفة من العلماء كونها في كل الثمار، لأن الرطب فاكهة المدينة ولكل بلد فاكهة، والحكمة المرخصة موجودة فيها كلها، والرخصة عامة.
стр. 1115
٣ - أن يكون الشراء بعد الزهو، والخرص.
٤ - أن يكون النوع في التمر واحدا إن صيحاني فصيحاني أو برني فبرني مثلا.
٥ - أن يكون ذلك عند الجذاذ.
٦ - أن يكون كيلها خمسة أوسق فما دون.
٧ - أن يتقابضا قبل التفرق، فالتمر بكيله، والنخلة بتخليتها.
٨ - أن يكون المشتري هو صاحب الحائط لا غيره.
стр. 1116
باب في الوصايا والمدبر والمكاتب والمعتق وأم الولد والولاء
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(باب في الوصايا والمدبر والمكاتب والمعتق وأم الولد والولاء).
(ويحق على من له ما يوصي فيه أن يعد وصيته
ولا وصية لوارث.
والوصايا خارجة من الثلث ويرد ما زاد عليه إلا أن يجيزه الورثة.
والعتق بعينه مبدة عليها والمدبر في الصحة مبدة على ما في المرض من عشق وغيره وعلى ما فرط فيه من الزكاة فأوصى به فإن ذلك في ثلثه مبدة على الوصايا، ومدبر الصحة مبدة عليه.
وإذا ضاق الثلث تحاص أهل الوصايا التي لا تبدئة فيها.
وللرجل الرجوع عن وصيته من عثق وغيره) ..
الشرح
ذكر في هذه الترجمة ستة أشياء لكل منها حقيقة وحكم وغير ذلك، وسماها زروق برزمة العبيد لأن أغلب ما فيها يتعلق بأحكام تخصهم (١).
أما الوصايا: فجمع وصية، مثل هدايا: جمع هدية. قال الأزهري: مأخوذة من «وصيت الشيء أصيه» إذا وصلته. سميت وصية لأن الموصي وصل ما كان له في حياته بما كان بعد مماته. ويقال: وصى - بالتشديد -
стр. 1117
وأوصى يوصي أيضا. وهي - لغة - الأمر، قال الله تعالى: ﴿ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب﴾ [البقرة: ١٣٢].
وشرعا: وهي في عرف الفقهاء: عقد يوجب حقا في ثلث عاقده، يلزم بموته، أو نيابة عنه بعده (١).
أو يقال: عهد خاص بالتصرف بالمال، أو التبرع به بعد الموت.
والحكمة فيها: أن من لطف الله بعباده ورحمته بهم، إباحته لعبيده الصالحين ليتزودوا من أموالهم عند خروجهم من الدنيا، لهذا جاء في بعض الأحاديث القدسية قول الله تعالى: «يا ابن آدم، اثنتان لم تكن لك واحدة منهما، جعلت لك نصيبا من مالك حين أخذت بعظمك، لأطهرك به وأزكيك، وصلاة عبادي عليك بعد انقضاء أجلك» (٢).
واختلف هل هي واجبة أو مندوبة؟ وإليه ذهب أكثر العلماء (٣)، وعليه حمل بعضهم قول المصنف: (ويحق) بكسر الحاء وفتحها وفتح الياء وضمها (على من له ما)؛ أي: مال (يوصي فيه أن يعد) بضم الياء أي يهيئ (وصيته) ويشهد عليها، لقوله تعالى: ﴿كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية﴾ [البقرة: ١٨٠]، وعن عبد الله بن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي به، يبيت ليلة أو ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده» (٤)، زاد «مسلم» قال ابن عمر: «فوالله ما مرت علي ليلة منذ سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك إلا وعندي وصيتي» (٥).
قال ابن دقيق العيد: والترخيص في الليلتين والثلاث دفع للحرج والعسر.
стр. 1118
والحقيقة أن الوصية قسمان: أ مستحب، ب وواجب.
فالمستحب، ما كان للتطوعات والقربات.
والواجب في الحقوق الواجبة، التي ليس لها بينة تثبتها بعد وفاته لأن «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب». وذكر ابن دقيق العيد أن هذا الحديث محمول على النوع الواجب (١)، فإن لم يشهد عليها فهي باطلة، ولو وجدت بخطه إلا أن يقول: ما وجدتم بخط يدي فأنفذوه فإنه ينفذ. والراجح أنها تنفذ حتى ولو لم يشهد عليها إذا عرف خطه لأن الرسول ﷺ لم يشترط الإشهاد والمشهور في المذهب أن الوصية مندوبة، إلا أن يكون عليه حق يخشى تلفه على أصحابه إن لم يوص له فتجب (٢).
وللوصية ثلاثة شروط:
١ - العقل.
٢ - الحرية.
٣ - صحة ملكية المال الموصى فيه. ومعنى العقل هنا ما يصح به تمييز القربة على المشهور والله أعلم (٣).
(و) حديث (لا وصية لوارث) رواه أبو داود والترمذي وحسنه (٤)، وهل أراد به نفي الصحة أو أراد النهي، المذهب أنها ليست بصحيحة ولو بأقل من الثلث (٥)، وإن أجازها الوارث كانت ابتداء عطية منه، وقد جاء في لفظ من رواية الدارقطني قال ﷺ : «لا وصية لوارث إلا أن يشاء الورثة» (٦)، وعند ابن ماجه أن رسول الله ﷺ خطب فقال: «إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا
стр. 1119
وصية لوارث» (١).
وانظر هل أراد بقوله: (والوصايا خارجة من الثلث) أن مصرفها إنما هو في الثلث، أو إنما أراد لا يجوز للموصي أن يوصي إلا بالثلث فأقل، لحديث سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: جاءني رسول الله ﷺ يعودني - عام حجة الوداع - من وجع اشتد بي فقلت: يا رسول الله، قد بلغ بي من الوجع ما ترى، وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: «لا» قلت: فالشطر يا رسول الله؟ قال: «لا» قلت: فالثلت؟ قال: «الثلث والثلث كثير. إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تتركهم عالة يتكففون الناس، وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت بها، حتى ما تجعل في في امرأتك» (٢)، وحديث أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إن الله تصدق عليكم، عند وفاتكم، بثلث أموالكم، زيادة لكم في أعمالكم» (٣).
(ويرد ما زاد عليه)؛ أي: على الثلث ولو كانت الزيادة يسيرة لأن النبي ﷺ منع سعدا من ذلك كما تقدم (إلا أن يجيزه الورثة) ما داموا عاقلين، قال أبو عمر رحمه الله تعالى: أما وصية الصغير إذا كان يعقل ما أوصى به، ولم يأت بمنكر من القول والفعل، فوصيته جائزة ماضية عند مالك والليث وأصحابهما ولا حد عندهم في صغره عشر سنين ولا غيرها، إذا كان ممن يفهم ما يأتي به في ذلك وأصاب وجه الوصية (٤)، لأنها تكون عطية منهم لانتقال الحق إليهم ففي حديث ابن عباس ﵄ بلفظ: «لا وصية لوارث إلا أن يشاء الورثة» (٥).
стр. 1120
ويعتبر ثلث مال الميت يوم موته لا يوم الوصية، على ما في ابن الحاجب. وتعقبه ابن عبد السلام: أنه خلاف المذهب، فإن المعتبر على المذهب في الوصية أن تخرج من الثلث يوم الوصية لا يوم الموت، حتى لو كانت الوصية يسعها الثلث يوم الموت فطرأ على المال جائحة أذهبت بعضه فصار لا يسعها ثلث ما بقي، كان حكمها يوم القسمة حكم من أوصى بأكثر من الثلث، ولا أعلم في ذلك خلافا في المذهب. اه (١).
ثم انتقل يتكلم على ما يبدأ بإخراجه من الثلث فقال: (والعتق بعينه) سواء كان في ملكه أو ملك غيره، مثل أن يقول: اشتروا عبد فلان وأعتقوه (مبدأ عليها)؛ أي: على الوصايا بالمال وإنما قيدناه بهذا لأن الزكاة والكفارات إذا أوصى بها الميت مبدأة على العتق؛ أي: على الوصية بالعتق لأن الكلام ليس في تنجيز العتق، إنما هو في الوصية به فالزكاة والكفارة مبدأتان على الوصية بالعتق بصوره المذكورة لما رواه ابن وهب عن حيوة بن شريح قال: حدثني السكن بن أبي كريمة أنه سأل يحيى بن سعيد الأنصاري عن رجل يوصي بوصية كثيرة وعتاقة أكثر من الثلث، قال يحيى: بلغنا أن رسول الله ﷺ أمر أن يبدأ بالعتاقة قال: وقد صنع ذلك أبو بكر وعمر ﵄، وروى عن سفيان الثوري عن رجل حدثه عن نافع عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه قال: «إذا أوصى رجل بوصايا وبعتاقة بدئ بالعتاقه، وأما تقييده بمعين، فلأن المعين أكد في الشرع من غيره بدليل نفوذه في ملك الغير» (٢).
стр. 1121
(والمدبر في) حال الصحة مبدأ على ما يصدر منه (في) حال (المرض) من عتق أو غيره (و) المدبر في الصحة مبدأ أيضا (على ما فرط فيه من الزكاة فأوصى به فإن ذلك في ثلثه مبدأ على الوصايا) فإن لم يوص به فلا يخرج من الثلث.
وقوله: (ومدبر الصحة مبدأ عليه) تكرار.
(وإذا ضاق الثلث) عما أوصى به (تحاص أهل الوصايا التي لا تبدئة فيها) كما يتحاص في العول في الفرائض مثل: أن يوصي لرجل بنصف ماله، ولآخر بربعه، فإنك تأخذ مقام النصف ومقام الربع وتنظر ما بينهما فتجدهما متداخلين فتكتفي بالكثير وهو الربع، فتأخذ نصفه وربعه. فتجمعها فتكون ثلاثة، فتعلم أن الثلث بينهما على ثلاثة أسهم، لصاحب الربع سهم وللآخر سهمان؛ أي: فيقسم ثلث مال الميت على ثلاثة وهذا إن لم يجز الوارث الوصايا. وأما إن أجازها فيأخذ الموصى له بالنصف اثنين والموصى له بالربع واحدا ويفضل واحدا يأخذه الوارث.
(وللرجل) ولو سفيها وكذا المرأة والصبي (الرجوع عن وصيته من عتق وغيره) ظاهره كانت الوصية أو الرجوع عنها في الصحة أو المرض، لأن الوصية عقد جائز غير لازم، ولأنه وعد والوفاء بالوعد لا يجب، ولأن عليه عمل أهل المدينة كما قال في «الموطأ»: «الأمر المجتمع عليه عندنا أن الموصي إذا أوصى في صحته أو في مرضه بوصية فيها عتاقة رقيق من رقيقه، أو غير ذلك، فإنه يغير من ذلك ما بدا له ويصنع من ذلك ما شاء حتى يموت، وإن أراد أن يطرح تلك الوصية ويبدلها فعل» (١)، وروى عبد الله بن أبي ربيعة عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: يحدث الرجل في وصيته ما شاء، وملاك الوصية آخرها» (٢)، وظاهره أيضا أن له الرجوع ولو أشهد في وصيته، كأن يقول: هذه الوصية لا رجوع له فيها، وهو الذي جرى عليه العمل.
стр. 1122
بعض أحكام المدبر
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(والتدبير أن يقول الرجل لعبده: أنت مدبر أو أنت حر عن دبر مني، ثم لا يجوز له بيعه وله خدمته وله انتزاع ماله ما لم يمرض وله وطؤها إن كانت أمة. ولا يطأ المعتقة إلى أجل ولا يبيعها وله أن يستخدمها وله أن ينتزع مالها ما لم يقرب الأجل. وإذا مات فالمدبر من ثلثه. والمعتق إلى أجل من رأس ماله).
الشرح
(والتدبير أن يقول الرجل لعبده: أنت مدبر، أو أنت حر عن دبر مني) مأخوذ من إدبار الحياة، ودبر كل شيء ما وراءه بسكون الباء وضمها، والجارحة بالضم لا غير، وأنكر بعضهم الضم في غيرها. قال ابن الحاجب: وهو عتق معلق على الموت على غير الوصية (١).
وحكم التدبير الاستحباب.
ومن شروطه: الصيغة التي ينعقد بها: كأنت حر بعد موتي أو أنت حر يوم أموت.
والتكليف.
والرشد فلا يصح من المجنون والصبي ولو مميزا.
(ثم) إذا دبر المكلف الرشيد عبده (لا يجوز له) بعد ذلك (بيعه) فإن بيع فسخ بيعه ورجع مدبرا كما كان إذا لم يتصل به عتق فإن أعتقه المشتري مضى، وكان ولاؤه له، لحديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «المدبر لا يباع ولا يوهب وهو حر من الثلث» (٢)، ولعمل أهل المدينة كما قال مالك في
стр. 1123
«الموطأ»: «الأمر المجتمع عليه عندنا في المدبر أن صاحبه لا يبيعه ولا يحوله عن موضعه الذي وضعه فيه» (١).
(وله خدمته)؛ بمعنى: استخدامه لأنه سيده إلى أن يموت ولأن الذين وقع منهم التدبير في حياة النبي ﷺ استمر مدبروهم على خدمتهم وبعلم من النبي ﷺ وإقراره (وله) أيضا (انتزاع ماله ما لم يمرض) السيد مرضا مخوفا فليس له ذلك لأنه ينتزع لغيره (وله) أيضا (وطؤها إن كانت أمة) لأنها على أصل الإباحة فإن حملت كانت أم ولد تعتق من رأس ماله بعد موته.
(ولا يطأ) الأمة (المعتقة إلى أجل) مثل أن يقول لها: اخدميني سنة وأنت حرة لأنه قد يجيء الأجل قبل موته فتخرج حرة فإذا وطئها ربما حملت فلا تخرج حرة إلا بعد موته، وأيضا فإن نكاحها في هذه الحالة يشبه نكاح المتعة (و) كما أنه لا يطأ الأمة المعتقة إلى أجل (لا يبيعها) ولا يهبها ولا يتصدق بها لأن فيها عقدا من عقود الحرية، (وله) أيضا (أن يستخدمها في بيته) لبقائها على ملكه حتى ينقضي الأجل، (وله) أيضا أن (ينتزع مالها) الذي أفادته بهبة مثلا وهذا مقيد ب (ما) إذا لم يقرب الأجل ولا حد في القرب إلا ما يقال قريب.
(وإذا مات) الرجل المدبر (ف) العبد (المدبر) في الصحة يخرج (من ثلثه)؛ أي: من ثلث مال السيد مطلقا، أعني من مال علم به ومال لم يعلم به. والمدبر في المرض يخرج من ثلث مال علم به فقط.
(و) أما (المعتق إلى أجل) فإنه يخالف المدبر فيخرج (من رأس ماله).
أحكام المكاتب
ثم شرع يتكلم على المكاتب فقال:
(والمكاتب عبد ما بقي عليه شيء؛ والكتابة جائزة على ما
стр. 1124
رضيه العبد والسيد من المال منجما قلت النجوم أو كثرت.
فإن عجز رجع رقيقا. وحل له ما أخذ منه.
ولا يعجزه إلا السلطان بعد التلوم إذا امتنع من التعجيز.
وكل ذات رحم فولدها بمنزلتها من مكاتبة أو مدبرة أو معتقة إلى أجل أو مرهونة.
وولد أم الولد من غير السيد بمنزلتها.
ومال العبد له إلا أن ينتزعه السيد فإن أعتقه أو كاتبه ولم يستثن ماله فليس له أن ينتزعه وليس له وطء مكاتبته. وما حدث للمكاتب والمكاتبة من ولد دخل معهما في الكتابة وعتق بعثقهما.
وتجوز كتابة الجماعة ولا يعتقون إلا بأداء الجميع.
وليس للمكاتب عتق ولا إتلاف ماله حتى يعتق ولا يتزوج.
ولا يسافر السفر البعيد بغير إذن سيده.
وإذا مات وله ولد قام مقامه وأدى من ماله ما بقي عليه حالا وورث من معه من ولده ما بقي وإن لم يكن في المال وفاء فإن ولده يسعون فيه ويؤدون نجوما إن كانوا كبارا وإن كانوا صغارا وليس في المال قدر النجوم إلى بلوغهم السعي رقوا وإن لم يكن له ولد معه في كتابته ورثه سيده.
الشرح
الكتابة: اسم مصدر؛ بمعنى: المكاتبة، قال الأزهري: «المكاتبة لفظة وضعت لعتق على مال منجم إلى أوقات معلومة يحل كل نجم لوقته المعلوم؛ وأصلها من الكتب الجمع لأنها تجمع نجوما إذا ابتغاها من سيده - أي طلبها» (١).
стр. 1125
(والمكاتب عبد ما بقي عليه شيء) من كتابته ولو قل لما في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁ عن النبي ﷺ قال: «المكاتب عبد ما بقي عليه من مكاتبته درهم» (١).
وكان حقه أن يؤخر هذه المسألة عن قوله: (والكتابة) وهي إعتاق العبد على مال منجم (جائزة) بدون مخالف في جوازها (على ما رضيه العبد والسيد من المال) دل على مشروعيتها الكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمنكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا﴾ [النور: ٣٣]، ومن السنة حديث عائشة ﵂ مع بريرة وقصتها معروفة وفيها فقالت: كاتبت أهلي على تسع أواق … كما عند الشيخين (٢).
وتكون الكتابة بلفظ يفهم منه ذلك المعنى، وهو إعتاق العبد على مال نحو: كاتبتك أو أنت مكاتب أو أنت معتق على كذا.
وشرطه أن يكون منجما وإليه أشار بقوله: (منجما) والتنجيم التقدير وهو أن يقول له: تعطيني في كل شهر، أو في كل سنة كذا على ما تراضيا عليه (قلت النجوم أو كثرت) وفي الجواهر عن الأستاذ أبي بكر أنه قال: وعلماؤنا النظار؛ أي: الحفاظ يقولون: إن الكتابة الحالة جائزة، وهو القياس قائل ذلك يقول: إنها كالبيع تقبل الحلول والتأجيل (فإن عجز) المكاتب عن العوض (رجع رقيقا) ولا يعتق منه شيء لفقدانه شرط العتق، وقد روى ابن وهب عن جابر بن عبد الله ﵁ في المكاتب يعجز أيرد عبدا؟، قال: «السيده الشرط الذي اشترط عليه» (٣)، (وحل له)؛ أي: لسيد المكاتب إذا عجز (ما أخذ منه) لأنه عبده، أما إن أعانه أحد ثم عجز فإنه يرجع بذلك على السيد (ولا يعجزه إلا السلطان بعد التلوم إذا امتنع من التعجيز)؛ أي: مع سيده.