← Фикх малики

Фикх малики · id 30135

مسالك الجلالة في اختصار المناهل الزلالة

مختار بن العربي الجزائري

Полный текст (1 525 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

(والمدبر في) حال الصحة مبدأ على ما يصدر منه (في) حال (المرض) من عتق أو غيره (و) المدبر في الصحة مبدأ أيضا (على ما فرط فيه من الزكاة فأوصى به فإن ذلك في ثلثه مبدأ على الوصايا) فإن لم يوص به فلا يخرج من الثلث. وقوله: (ومدبر الصحة مبدأ عليه) تكرار. (وإذا ضاق الثلث) عما أوصى به (تحاص أهل الوصايا التي لا تبدئة فيها) كما يتحاص في العول في الفرائض مثل: أن يوصي لرجل بنصف ماله، ولآخر بربعه، فإنك تأخذ مقام النصف ومقام الربع وتنظر ما بينهما فتجدهما متداخلين فتكتفي بالكثير وهو الربع، فتأخذ نصفه وربعه. فتجمعها فتكون ثلاثة، فتعلم أن الثلث بينهما على ثلاثة أسهم، لصاحب الربع سهم وللآخر سهمان؛ أي: فيقسم ثلث مال الميت على ثلاثة وهذا إن لم يجز الوارث الوصايا. وأما إن أجازها فيأخذ الموصى له بالنصف اثنين والموصى له بالربع واحدا ويفضل واحدا يأخذه الوارث. (وللرجل) ولو سفيها وكذا المرأة والصبي (الرجوع عن وصيته من عتق وغيره) ظاهره كانت الوصية أو الرجوع عنها في الصحة أو المرض، لأن الوصية عقد جائز غير لازم، ولأنه وعد والوفاء بالوعد لا يجب، ولأن عليه عمل أهل المدينة كما قال في «الموطأ»: «الأمر المجتمع عليه عندنا أن الموصي إذا أوصى في صحته أو في مرضه بوصية فيها عتاقة رقيق من رقيقه، أو غير ذلك، فإنه يغير من ذلك ما بدا له ويصنع من ذلك ما شاء حتى يموت، وإن أراد أن يطرح تلك الوصية ويبدلها فعل» (١)، وروى عبد الله بن أبي ربيعة عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: يحدث الرجل في وصيته ما شاء، وملاك الوصية آخرها» (٢)، وظاهره أيضا أن له الرجوع ولو أشهد في وصيته، كأن يقول: هذه الوصية لا رجوع له فيها، وهو الذي جرى عليه العمل.

стр. 1122

بعض أحكام المدبر • قال المصنف رحمه الله تعالى: (والتدبير أن يقول الرجل لعبده: أنت مدبر أو أنت حر عن دبر مني، ثم لا يجوز له بيعه وله خدمته وله انتزاع ماله ما لم يمرض وله وطؤها إن كانت أمة. ولا يطأ المعتقة إلى أجل ولا يبيعها وله أن يستخدمها وله أن ينتزع مالها ما لم يقرب الأجل. وإذا مات فالمدبر من ثلثه. والمعتق إلى أجل من رأس ماله). الشرح (والتدبير أن يقول الرجل لعبده: أنت مدبر، أو أنت حر عن دبر مني) مأخوذ من إدبار الحياة، ودبر كل شيء ما وراءه بسكون الباء وضمها، والجارحة بالضم لا غير، وأنكر بعضهم الضم في غيرها. قال ابن الحاجب: وهو عتق معلق على الموت على غير الوصية (١). وحكم التدبير الاستحباب. ومن شروطه: الصيغة التي ينعقد بها: كأنت حر بعد موتي أو أنت حر يوم أموت. والتكليف. والرشد فلا يصح من المجنون والصبي ولو مميزا. (ثم) إذا دبر المكلف الرشيد عبده (لا يجوز له) بعد ذلك (بيعه) فإن بيع فسخ بيعه ورجع مدبرا كما كان إذا لم يتصل به عتق فإن أعتقه المشتري مضى، وكان ولاؤه له، لحديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «المدبر لا يباع ولا يوهب وهو حر من الثلث» (٢)، ولعمل أهل المدينة كما قال مالك في

стр. 1123

«الموطأ»: «الأمر المجتمع عليه عندنا في المدبر أن صاحبه لا يبيعه ولا يحوله عن موضعه الذي وضعه فيه» (١). (وله خدمته)؛ بمعنى: استخدامه لأنه سيده إلى أن يموت ولأن الذين وقع منهم التدبير في حياة النبي ﷺ استمر مدبروهم على خدمتهم وبعلم من النبي ﷺ وإقراره (وله) أيضا (انتزاع ماله ما لم يمرض) السيد مرضا مخوفا فليس له ذلك لأنه ينتزع لغيره (وله) أيضا (وطؤها إن كانت أمة) لأنها على أصل الإباحة فإن حملت كانت أم ولد تعتق من رأس ماله بعد موته. (ولا يطأ) الأمة (المعتقة إلى أجل) مثل أن يقول لها: اخدميني سنة وأنت حرة لأنه قد يجيء الأجل قبل موته فتخرج حرة فإذا وطئها ربما حملت فلا تخرج حرة إلا بعد موته، وأيضا فإن نكاحها في هذه الحالة يشبه نكاح المتعة (و) كما أنه لا يطأ الأمة المعتقة إلى أجل (لا يبيعها) ولا يهبها ولا يتصدق بها لأن فيها عقدا من عقود الحرية، (وله) أيضا (أن يستخدمها في بيته) لبقائها على ملكه حتى ينقضي الأجل، (وله) أيضا أن (ينتزع مالها) الذي أفادته بهبة مثلا وهذا مقيد ب (ما) إذا لم يقرب الأجل ولا حد في القرب إلا ما يقال قريب. (وإذا مات) الرجل المدبر (ف) العبد (المدبر) في الصحة يخرج (من ثلثه)؛ أي: من ثلث مال السيد مطلقا، أعني من مال علم به ومال لم يعلم به. والمدبر في المرض يخرج من ثلث مال علم به فقط. (و) أما (المعتق إلى أجل) فإنه يخالف المدبر فيخرج (من رأس ماله). أحكام المكاتب ثم شرع يتكلم على المكاتب فقال: (والمكاتب عبد ما بقي عليه شيء؛ والكتابة جائزة على ما

стр. 1124

رضيه العبد والسيد من المال منجما قلت النجوم أو كثرت. فإن عجز رجع رقيقا. وحل له ما أخذ منه. ولا يعجزه إلا السلطان بعد التلوم إذا امتنع من التعجيز. وكل ذات رحم فولدها بمنزلتها من مكاتبة أو مدبرة أو معتقة إلى أجل أو مرهونة. وولد أم الولد من غير السيد بمنزلتها. ومال العبد له إلا أن ينتزعه السيد فإن أعتقه أو كاتبه ولم يستثن ماله فليس له أن ينتزعه وليس له وطء مكاتبته. وما حدث للمكاتب والمكاتبة من ولد دخل معهما في الكتابة وعتق بعثقهما. وتجوز كتابة الجماعة ولا يعتقون إلا بأداء الجميع. وليس للمكاتب عتق ولا إتلاف ماله حتى يعتق ولا يتزوج. ولا يسافر السفر البعيد بغير إذن سيده. وإذا مات وله ولد قام مقامه وأدى من ماله ما بقي عليه حالا وورث من معه من ولده ما بقي وإن لم يكن في المال وفاء فإن ولده يسعون فيه ويؤدون نجوما إن كانوا كبارا وإن كانوا صغارا وليس في المال قدر النجوم إلى بلوغهم السعي رقوا وإن لم يكن له ولد معه في كتابته ورثه سيده. الشرح الكتابة: اسم مصدر؛ بمعنى: المكاتبة، قال الأزهري: «المكاتبة لفظة وضعت لعتق على مال منجم إلى أوقات معلومة يحل كل نجم لوقته المعلوم؛ وأصلها من الكتب الجمع لأنها تجمع نجوما إذا ابتغاها من سيده - أي طلبها» (١).

стр. 1125

(والمكاتب عبد ما بقي عليه شيء) من كتابته ولو قل لما في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁ عن النبي ﷺ قال: «المكاتب عبد ما بقي عليه من مكاتبته درهم» (١). وكان حقه أن يؤخر هذه المسألة عن قوله: (والكتابة) وهي إعتاق العبد على مال منجم (جائزة) بدون مخالف في جوازها (على ما رضيه العبد والسيد من المال) دل على مشروعيتها الكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمنكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا﴾ [النور: ٣٣]، ومن السنة حديث عائشة ﵂ مع بريرة وقصتها معروفة وفيها فقالت: كاتبت أهلي على تسع أواق … كما عند الشيخين (٢). وتكون الكتابة بلفظ يفهم منه ذلك المعنى، وهو إعتاق العبد على مال نحو: كاتبتك أو أنت مكاتب أو أنت معتق على كذا. وشرطه أن يكون منجما وإليه أشار بقوله: (منجما) والتنجيم التقدير وهو أن يقول له: تعطيني في كل شهر، أو في كل سنة كذا على ما تراضيا عليه (قلت النجوم أو كثرت) وفي الجواهر عن الأستاذ أبي بكر أنه قال: وعلماؤنا النظار؛ أي: الحفاظ يقولون: إن الكتابة الحالة جائزة، وهو القياس قائل ذلك يقول: إنها كالبيع تقبل الحلول والتأجيل (فإن عجز) المكاتب عن العوض (رجع رقيقا) ولا يعتق منه شيء لفقدانه شرط العتق، وقد روى ابن وهب عن جابر بن عبد الله ﵁ في المكاتب يعجز أيرد عبدا؟، قال: «السيده الشرط الذي اشترط عليه» (٣)، (وحل له)؛ أي: لسيد المكاتب إذا عجز (ما أخذ منه) لأنه عبده، أما إن أعانه أحد ثم عجز فإنه يرجع بذلك على السيد (ولا يعجزه إلا السلطان بعد التلوم إذا امتنع من التعجيز)؛ أي: مع سيده.

стр. 1126

(وكل ذات رحم)؛ أي: صاحبة ولد من الآدميات (فولدها بمنزلتها) إذا كان من زوج أو زنى. أما إن كان من السيد فهو حر بلا خلاف إذا كان السيد حرا، وإن كان عبدا فهو عبد بمنزلتها في جميع أحكامها من العتق والخدمة والبيع وغير ذلك (من مكاتبة أو مدبرة أو معتقة إلى أجل أو مرهونة وولد أم الولد من غير السيد) بعد صيرورتها أم ولد فهو (بمنزلتها) بلا خلاف في المذهب أما ولدها من غير السيد قبل صيرورتها أم ولد فرقيق. (ومال العبد له إلا أن ينتزعه السيد) لحديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من أعتق عبدا، وله مال فمال العبد له، إلا أن يشترطه السيد» (١)؛ والمشهور أنه لا يزكي ماله. (فإن أعتقه أو كاتبه ولم يستثن ماله فليس له أن ينتزعه) اتفاقا إن اكتسبه بعد الكتابة، وعلى المذهب إن اكتسبه قبل عقد الكتابة. (وليس له)؛ أي: لا يجوز للسيد وطء مكاتبته لأنها أحرزت نفسها ومالها، فإن وطئ لا حد عليه على المشهور، ويعاقب إلا أن يعذر بجهل؛ أي: أو غلط ولا مهر عليه، وإذا كانت بكرا أو أكرهها فعليه نقصها وإلا فلا. قال في «الجواهر» (٢): فإن حملت خيرت في التعجيز فتكون أم ولد والبقاء على كتابتها فإن اختارت التعجيز كانت أم ولد وإن اختارت البقاء على كتابتها كانت مستولدة ومكاتبة، ثم إن أدت النجوم عتقت وإلا عتقت بموت السيد. (وما حدث للمكاتب والمكاتبة من ولد) بعد عقد الكتابة (دخل معهما في الكتابة وعتق بعتقهما، وتجوز كتابة الجماعة ولا يعتقون إلا بأداء الجميع) للعمل حكاه مالك في «الموطأ» (٣) فقال: الأمر المجتمع عليه عندنا أن العبيد إذا كوتبوا جميعا كتابة واحدة، فإن بعضهم حملاء عن بعض، وأنه لا يوضع عنهم لموت أحدهم شيء وإن قال أحدهم: قد عجزت وألقى بيديه فإن

стр. 1127

لأصحابه أن يستعملوه فيما يطيق من العمل، ويتعاونون في ذلك في كتاباتهم حتى يعتق بعتقهم إن عتقوا ويرق برقهم إن رقوا اه. في عقد واحد إذا كان المالك واحد وتوزع على قدر قوتهم على الأداء يوم عقد الكتابة. (وليس)؛ أي: لا يجوز (للمكاتب عتق ولا إتلاف ماله) بغير عوض فيما له بال كالهبة والصدقة (حتى يعتق)؛ لأن ذلك الضرر لسيده وربما أدى ذلك إلى عجزه (و) كذلك (لا يتزوج)؛ أي: لا يجوز له ذلك لئلا يعيبه إن عجز (ولا يسافر)؛ أي: ولا يجوز له أن يسافر (السفر البعيد) الذي تحل فيه نجومه قبل قدومه (بغير إذن سيده) لأنه رق ما بقي من كتابته درهم كما تقدم في حديث عمرو بن شعيب وغيره، وليس للرق ملك ولا تصرف تام إلا بإذن سيده، قال الأقفهسي: الضمير في قوله: بغير إذن سيده يعود على التزويج والسفر خاصة وظاهره أنه لو أذن له السيد جاز وهو كذلك. (وإذا مات) المكاتب (وله ولد) دخل معه في الكتابة، أو حدث بعدها (قام) ولده (مقامه) في أداء الكتابة إلا أنه لا يؤدي ذلك منجما بل حالا. وإليه أشار بقوله: (وودى من ماله)؛ أي: من مال الميت (ما بقي عليه حالا) إذا ترك قدر ما عليه فأكثر لأنه بموته حلت نجومه لخراب ذمته بالموت كسائر الديون المؤجلة تحل بموت من هي عليه، وورث من معه من ولده ما بقي فإن لم يكن في المال وفاء بها؛ أي: بالكتابة (فإن ولده يسعون)؛ أي: يعملون فيه (ويؤدون نجوما) على تنجيم الميت (إن كانوا كبارا) لهم قدرة على السعي وأمانة على المال، وإلا أعطي المال لأمين يؤدي عنهم. (وإن كانوا)؛ أي: أولاد المكاتب (صغارا وليس في المال قدر النجوم إلى بلوغهم السعي رقوا) مفهومه أنه لو كان فيه ما يبلغهم السعي لم يرقوا، ويوضع ذلك على يد أمين ويعطى للسيد على قدر النجوم (وإن) مات المكاتب و (لم يكن له ولد معه في كتابته وليس في ماله وفاء ورثه سيده)؛ يعني: بالرق لا بالولاء لكونه مات رقيقا.

стр. 1128

• أحكام الاستمتاع بالأمة وما يترتب على ذلك من سيدها: انتقل يتكلم على أم الولد وهي في العرف الأمة التي ولدت من سيدها فقال: • قال المصنف رحمه الله تعالى: (ومن أولد أمة فله أن يستمتع منها في حياته وتعتق من رأس ماله بعد مماته ولا يجوز بيعها ولا له عليها خدمة ولا غلة. وله ذلك في ولدها من غيره وهو بمنزلة أمه في العتق يعتق بعثقها. وكل ما أسقطته مما يعلم أنه ولد فهي به أم ولد. ولا ينفعه العزل إذا أنكر ولدها وأقر بالوطء فإن ادعى استبراء لم يطأ بعده لم يلحق به ما جاء من ولد). الشرح (ومن أولد أمة ف يباح له أن يستمتع منها في حياته بالوطء ودواعيه لقوله تعالى: ﴿أو ما ملكت أيمنهم فإنهم غير ملومين﴾ [المؤمنون: ٦] وتسرى رسول الله ﷺ بمارية القبطية ﵄. وتعتق من رأس ماله بعد مماته) من غير حكم حاكم، ولا يرقها دين كان قبل حملها أو بعده، (ولا يجوز بيعها) لحديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «أيما رجل ولدت أمته منه، فهي معتقة عن دبر منه» (١)، وحديث ابن عمر ﵄ «عن النبي ﷺ أنه نهى عن بيع أمهات الأولاد وقال: لا يبعن ولا يوهبن ولا يورثن يستمتع بها السيد ما دام حيا وإذا مات فهي حرة» (٢) (ولا له عليها خدمة) كثيرة، وأما اليسيرة فله أن يستخدمها فيها كالطحن والسقي ولا غلة فلا يؤجرها من غيره (وله ذلك)؛

стр. 1129

أي: ما ذكر من الغلة والخدمة (في ولدها من غيره) فيؤاجره من غيره (وهو)؛ أي: ولد أم الولد من غيره (وهو بمنزلة أمه في العتق يعتق بعتقها) هذا إذا مات السيد وهي حية فإن ماتت قبله فلا يعتق أولادها حتى يموت السيد. (وكل ما أسقطته مما يعلم أنه ولد فهي به أم ولد) مضغة أو علقة وكذلك الدم المنعقد على المشهور (ولا ينفعه)؛ أي: السيد (العزل) وهو الإنزال خارج الفرج؛ أي: لا ينفعه ادعاء العزل عن الأمة (إذا أنكر ولدها) أن يكون منه (و) الحال أنه أقر بالوطء لأن الماء قد يغلبه ولو اليسير منه لما روى مالك أن عمر ﵁ قال: «ما بال رجال يطؤون ولائدهم ثم يعتزلوهن، لا تأتيني أم ولدها يعترف سيدها أنه قد ألم بها، إلا ألحقت به ولدها فأرسلوهن بعد أو أمسكوهن» (١)، فإن ادعى السيد (استبراء) بحيضة فأكثر لم يطأ بعده لم يلحق به ما جاء من ولد بعدها على المشهور، ولا يلزمه في ذلك يمين. أحكام في العتق • قال المصنف رحمه الله تعالى: (ولا يجوز عتق من أحاط الدين بماله. ومن أعتق بعض عبده استتم عليه. وإن كان لغيره معه فيه شركة قوم عليه نصيب شريكه بقيمته يوم يقام عليه وعتق. فإن لم يوجد له مال بقي سهم الشريك رقيقا. ومن مثل بعبده مثلة بينة من قطع جارحة ونحوه عتق عليه. ومن ملك أبويه أو أحدا من ولده أو ولد ولده أو ولد بناته أو جده أو جدته أو أخاه لأم أو لأب أو لهما جميعا عتق عليه.

стр. 1130

ومن أعتق حاملا كان جنينها حرا معها. ولا يعتق في الرقاب الواجبة من فيه معنى من عتق بتدبير أو كتابة أو غيرهما ولا أعمى ولا أقطع اليد وشبهه ولا من على غير الإسلام. ولا يجوز عتق الصبي ولا المولى عليه. والولاء لمن أعتق. ولا يجوز بيعه ولا هبته ومن أعتق عبدا عن رجل فالولاء للرجل. ولا يكون الولاء لمن أسلم على يديه وهو للمسلمين. و ولاء ما أعتقت المرأة لها، وولاء من يجر من ولد أو عبد أعتقته. ولا ترث ما أعتق غيرها من أب أو ابن أو زوج أو غيره. وميراث السائبة لجماعة المسلمين. والولاء للأقعد من عصبة الميت الأول فإن ترك ابنين فورنا ولاء مولى لأبيهما ثم مات أحدهما وترك ابنين رجع الولاء إلى أخيه دون بنيه. وإن مات واحد منهما وترك ولدا ومات أخوه وترك ولدين فالولاء بين الثلاثة أثلاثا). الشرح العتق - لغة -: بكسر العين، وسكون القاف، قال الأزهري: هو مشتق من قولهم: عتق الفرس إذا سبق ونجا، وعتق الفرخ طار واستقل، لأن العبد يتخلص بالعتق ويذهب حيث شاء (١). وشرعا: قال ابن عرفة: «رفع ملك حقيقي لا بسباء محرم عن آدمي حي»؛ أي: تحرير الرقبة المملوكة بسبب الكفر وتخليصها من الرق، وتثبيت الحرية لها، فقوله: لا بسباء محرم ليخرج به فداء المسلم من حربي سباه وكذلك لمن صار له من حربي.

стр. 1131

والأصل فيه، الكتاب، والسنة، وإجماع الأمة. فأما الكتاب، فمثل قوله تعالى: ﴿فتحرير رقبة مؤمنة﴾ [٩٢: النساء] وأما السنة، فكثيرة جدا، ومنها عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : «من أعتق رقبة مسلمة، أعتق الله بكل عضو منه عضوا من النار، حتى فرجه بفرجه» (١). وفي لفظ أعتق الله بكل عضو منها عضوا منه من النار حتى فرجه بفرجه. وهو من أعظم القربات، وقد أجمعت الأمة على صحة العتق وحصول القربة به. وله ثلاثة أركان أولها: المعتق بكسر التاء: وهو البالغ العاقل الذي لا حجر عليه ولم يحط الدين بماله. (ولا يجوز عتق الصبي ولا المجنون ولا المحجور عليه ولا من أحاط الدين بماله كان الدين حالا أو مؤجلا لأنه حينئذ تصرف في ملك الغير، فكأنه يعتق مال الغرماء، وللعمل حكاه مالك في «الموطأ» فقال: «الأمر المجتمع عليه عندنا أنه لا تجوز عتاقة رجل وعليه دين يحيط بماله، وأنه لا تجوز عتاقة الغلام حتى يحتلم أو يبلغ مبلغ المحتلم، وأنه لا يجوز عتاقة المولى عليه في ماله، وإن بلغ الحلم حتى يلي ماله» (٢) اه. ثانيها: المعتق بفتح التاء وهو كل رقيق قن أو من فيه شائبة من شوائب الحرية كالمدبر (٣). وثالثها: الصيغة وهي كل ما دل وضعا على رفع الملك كأنت حر. وإن لم يكن موسرا - بحيث لا يملك قيمة نصيب صاحبه فلا إضرار على صاحبه، فيعتق نصيبه فقط، ويبقى نصيب شريكه رقيقا كما كان، وإلى ذلك أشار المصنف بقوله: (ومن أعتق بعض عبده) كالربع أو الثلث أو

стр. 1132

النصف (استتم)؛ أي: عتق (عليه) جميعه بالحكم لا بعتق البعض إذا كان المعتق مسلما عاقلا رشيدا لا دين عليه، هذا إذا كان العبد لمالك واحد لقوله: (وإن كان لغيره معه فيه شركة قوم عليه)؛ أي: على من أعتق البعض (نصيب شريكه بقيمته يوم يقام عليه وعتق) القيمة معتبرة يوم الحكم فقول المصنف يوم يقام عليه؛ أي: إن وقع الحكم فيه وحينئذ يكون العتق مستندا للحكم به لا بالسراية لعتق البعض. ومحله إذا كان موسرا بما يحمل نصيب شريكه يوم الحكم (فإن) كان غير موسر يوم الحكم بأن (لم يوجد له مال بقي سهم الشريك رقيقا) إلا أن يعتقه ربه وإن وجد له من المال ما يفي ببعض حصة شريكه قوم عليه بقدر ما يوجد معه. لحديث عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «من أعتق شركا له في عبد - فكان له ما يبلغ ثمن العبد - قوم عليه قيمة عدل فأعطي شركاؤه حصصهم وعتق عليه العبد، وإلا فقد عتق منه ما عتق» (١). (ومن مثل بعبده مثلة) بضم الميم وسكون المثلثة (بينة من قطع جارحة) كيد أو رجل وكخصاء أوجب ولو قصد استزادة الثمن لتعذيبه بذلك (ونحوه)؛ أي: نحو قطع الجارحة كفقء العين أو وسم وجهه وغيره بالنار (عتق إليه) من رأس ماله، لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن زنباعا أبا روح وجد غلاما له مع جارية له، فجدع أنفه وجبه، فأتى النبي ﷺ ، فقال: «من فعل هذا بك؟» قال: زنباع، فدعاه النبي ﷺ ، فقال: «ما حملك على هذا؟» فقال: كان من أمره كذا وكذا، فقال النبي ﷺ للعبد: «اذهب فأنت حر»، فقال: يا رسول الله، فمولى من أنا؟ قال: «مولى الله ورسوله» فأوصى به المسلمين (٢) … ، وظاهر كلامه أن العتق يحصل بنفس المثلة، وهو لأشهب. والذي لابن القاسم: لا يعتق إلا بالحكم.

стр. 1133

(ومن ملك أبويه) نسبا لا رضاعا (أو أحدا من ولده، أو ولد ولده، أو ولد بناته، أو جده، أو جدته، أو أخاه لأم، أو لأب، أو لهما جميعا، عتق عليه) لحديث سمرة أن النبي ﷺ قال: «من ملك ذا رحم محرم فهو حر» (١)، وكل من ذكر بنفس الملك ولا يحتاج إلى حكم على المشهور، بشرط أن لا يكون عليه دين يستغرق قيمته، فإن كان عليه دين يستغرق قيمته فإنه لا يعتق عليه بذلك ولا يرد البيع ولا يستقر ملكه عليه بل يباع عليه للدين. (ومن أعتق) أمة (حاملا) من تزويج أو زنى (كان جنينها حرا معها) لأن كل ولد حدث من غير ملك يمين من تزويج أو زنى فإنه تابع لأمه في الحرية والعبودية. وهذه المسألة مكررة مع قوله: وكل ذات رحم فولدها بمنزلتها. (ولا يعتق في الرقاب الواجبة) ككفارة القتل (من فيه معنى من عتق بتدبير، أو كتابة أو غيرهما) كأم ولد أو معتق لأجل أو مبعض لنقصان الرقبة بما تشبثت به من عقد الحرية. (و) ذلك (لا) يعتق في الرقاب الواجبة (أعمى ولا أقطع اليد وشبهه)؛ أي: شبه الأقطع نقصان الرقبة بالعيب. (ولا) يعتق فيها أيضا (من هو على غير الإسلام) لقوله تعالى: في العتق ﴿فتحرير رقبة مؤمنة﴾ [النساء: ٩٢]، فنص في كفارة القتل على رقبة مؤمنة، وقيس عليها سائر الكفارات ولحديث: «أعتقها، فإنها مؤمنة» (٢). (ولا يجوز عتق الصبي) لأنه ليس من أهل التكليف لحديث: «رفع القلم … » الحديث، (ولا) عتق (المولى عليه) وهو السفيه الذي يضع المال في غير موضعه، لأن الحر إن كان سفيها وجب حجر ماله فكيف بالمولى عليه.

стр. 1134

(والولاء) بفتح الواو ممدودا (لمن أعتق) كما في حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال في قصة بريرة: «إنما الولاء لمن أعتق» (١)، (ولا يجوز بيعه ولا هبته) لحديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ : «نهى عن بيع الولاء، وعن هبته» (٢)، (ومن أعتق عبدا عن رجل) مثلا (فالولاء للرجل) المعتق عنه إذا كان حرا. لأنهم أجمعوا على أن من وكل رجلا عنه في عتق عبده فالولاء للموكل لا للوكيل الذي تولى فعل الإعتاق فهذا مثله لأنه إذا أعتق عنه فكأنه ملكه إياه ثم ناب عنه في عتقه (و) إذا أسلم كافر على يد مسلم فإنه (لا يكون الولاء) عليه (لمن أسلم على يده، و) إنما هو لجماعة المسلمين وولاء ما أعتقت المرأة لها و كذلك لها ولاء من يجر ولاءه لها من ولد أو عبد أعتقته لأنها لما كانت هي المعتقة أولا، أضاف لها ذلك إقامة للمتسبب مقام المباشر. (ولا ترث) المرأة من الولاء (ما أعتق غيرها من أب أو ابن أو زوج أو غيره) لأن الولاء إنما يورث بالتعصيب والنساء لا حظ لهن فيه. لما في حديث ابن مسعود وزيد بن ثابت ﵃: «أنهم كانوا يجعلون الولاء للكبير من العصبة، ولا يورثون النساء من الولاء إلا ما أعتقن، أو أعتق من أعتقن» (٣)، (وميراث السائبة لجماعة المسلمين) والمراد بها هنا أن يقول لعبده: أنت حر مسيب أو أنت سائبة، ويريد بذلك العتق. كما روي ذلك عن عمر وابن عمر وابن عباس وقال مالك في «الموطأ»: «إن أحسن ما سمع في السائبة أنه لا يوالي أحدا، وأن ميراثه للمسلمين، وعقله عليهم» (٤). (والولاء للأقعد)؛ أي: الأقرب من عصبة الميت الأول الأولى المباشر للعتق؛ يعني: المعتق الأول لما تقدم عن علي وابن مسعود وزيد بن ثابت ﵃ لنا كانوا يجعلون الولاء للكبير.

стр. 1135

(فإن) مات المعتق، (وترك ابنين فورثا ولاء مولى لأبيهما، ثم مات أحدهما وترك ابنين رجع الولاء إلى أخيه دون بنيه) أطلق الإرث هنا على الولاء وهو لا يورث لأنه سببه، وإلا فالولاء لا يورث وإنما يورث به. (وإن مات واحد) من الابنين المذكورين (وترك ولدا أو مات) بعد ذلك (أخوه، و) الحال أنه (ترك ولدين فالولاء بين الثلاثة أثلاثا) لتساويهم في القرب من الميت المعتق، وفي «الموطأ» أن العاص بن هشام هلك وترك ثلاث بنين: اثنان لأم، ورجل لعلة (١)، فهلك أحد الذين لأم وترك مالا وموالي فورثه أخوه الذي لأبيه وأمه ماله وولاء مواليه، ثم هلك الذي ورث المال وولاء الموالي، وقال أخوه: ليس كذلك إنما أحرزت المال وأما ولاء الموالي فلا، أرأيت لو هلك أخي اليوم ألست أرثه أنا، فاختصما إلى عثمان بن عفان ﵁ فقضى لأخيه بولاء الموالي» (٢).

стр. 1136

الشفعة، والهبة، والصدقة، والحبس والرهن، والعارية، والوديعة، واللقطة، والغصب • قال المصنف رحمه الله تعالى: (باب في الشفعة والهبة والصدقة والحبس والرهن والعارية والوديعة واللقطة والغصب) فهذه تسعة أشياء ذكرها في الباب كما ذكرها في الترجمة. • قال المصنف رحمه الله تعالى: (وإنما الشفعة في المشاع ولا شفعة فيما قد قسم ولا لجار. ولا في طريق ولا عرصة دار قد قسمت بيوتها. ولا في فحل نخل أو بئر إذا قسمت النخل أو الأرض. ولا شفعة إلا في الأرض وما يتصل بها من البناء والشجر. ولا شفعة للحاضر بعد السنة والغائب على شفعته وإن طالت غيبته. وعهدة الشفيع على المشتري ويوقف الشفيع فإما أخذ أو ترك. ولا توهب الشفعة ولا تباع، وتقسم بين الشركاء بقدر الأنصباء). الشفعة الشرح أما الشفعة: فبضم الشين وسكون الفاء مأخوذة من الشفع ضد الوتر لأن الشفيع يضم الحصة التي يأخذها إلى حصته فتصير حصته حصتين. وعرفها ابن الحاجب بأنها: أخذ الشريك حصة شريكه جبرا شراء، فخرج بإضافته إلى الشريك الجار، فإنه لا شفعة له عندنا، وبالجبر ما يأخذه

стр. 1137

بالشراء الاختياري، وهي رخصة أرخص فيها دفعا لضرر الشريك (١). وأركانها أربعة: ١ - الآخذ بالمد وهو الشافع، ٢ - والمأخوذ منه وهو المشتري، ٣ - والشيء المأخوذ وهو الشقص المبتاع، ٤ - والمأخوذ به وهو الثمن أو قيمة الشقص إذا أخذ في صلح عن دم عمد أو في صداق (٢). وهي ثابتة بالسنة، لحديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: «جعل (٣) (وفي لفظ: قضى) النبي ﷺ بالشفعة في كل مال لم يقسم. فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق فلا شفعة» (٤). وأخذ من هذا الحديث حكمان: ١ - وجوب الشفعة للشريك دون الجار لأنه حكم في الحديث بأنه لا شفعة بعد القسمة، وهو بعد القسمة جار، فالجار لا شفعة له. ٢ - ووجوبها في الرباع دون العروض. وإلى هذا أشار بقوله: (وإنما الشفعة في المشاع)؛ يعني: الأرض وما يتصل بها من البناء والشجر، لحديث جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الشفعة في كل شرك، في أرض، أو ربع، أو حائط، لا يصلح أن يبيع حتى يعرض على شريكه، فيأخذ أو يدع، فإن أبى، فشريكه أحق به حتى يؤذنه» (٥)، قال الفاكهاني: الحكمة في ثبوت الشفعة إزالة الضرر عن الشريك، وخصت بالعقار لأنه أكثر الأنواع ضررا، واتفقوا على أنه لا شفعة في الحيوان والثياب والأمتعة وسائر المنقولات (٦)، ويشترط فيما فيه الشفعة أن يكون قابلا للقسمة.

стр. 1138

احترازا عما لا يقبلها إلا بفساد كالحمام (١). (ولا شفعة فيما قد قسم) لأن الشفعة شرعت إما لضرر القسمة أو لضرر الشركة، وذلك غير موجود في المقسوم، فلذلك لم تجب فيه شفعة. لحديث جابر ﵁ المتقدم. (ولا) شفعة (لجار) باتفاق الأئمة الثلاثة، وخالف أبو حنيفة فأثبت له الشفعة (٢)، لكن الشريك مقدم عنده على الجار، (ولا) شفعة (في طريق) خاص بين الشركاء إلى الدار أو إلى الجنان، وأما الطريق العام فلا يجوز بيعه، (ولا في عرصة دار قد قسمت بيوتها) العرصة هي الموضع الخالي من البناء، وسميت بذلك لأن الصبيان يتعرصون فيها؛ أي: يتفسحون ويلعبون (٣)، وأما إذا كان الأصل غير مقسوم وباع أحد الشريكين حصته من الأصل والطريق فلشريكه الشفعة في الأصل والطريق باتفاق. (و) كذا (لا) شفعة (في فحل)؛ أي: ذكر (نخل أو في بئر إذا قسمت النخل والأرض) فلو جوزت الشفعة في ذلك لصار مع الشريك الفحل كله وبقي المشتري من غير فحل، لأن الشفعة إنما هي في الذي فيه الشركة الذي هو الفحل فقط. وقوله: أو بئر فيما إذا قسمت الأرض وبقيت البئر بلا قسم. وقوله: (ولا شفعة إلا في الأرض وما يتصل بها من البناء والشجر) تكرار مع قوله: وإنما الشفعة في المشاع، وتسقط الشفعة بأحد أمور ثلاثة: أحدها: الترك بصريح اللفظ كقوله: أسقطت شفعتي. ثانيها: ما يدل على الترك كرؤيته للمشتري يبني ويغرس وهو ساكت. ثالثها: ما أشار إليه الشيخ بقوله: (ولا شفعة للحاضر)؛ يعني: في البلد دون العقد (بعد السنة) (٤) أما إذا حضر العقد وسكت عن طلب الشفعة شهرين

стр. 1139

فإن ذلك يسقط شفعته، (و) أما (الغائب) غيبة بعيدة فإنه (على شفعته وإن طالت غيبته) إذا كانت غيبته قبل وجود الشفعة له علم بالبيع أو لم يعلم، وليس للبعد والقرب حد على الصحيح واستدل لهذا بما رواه أصحاب السنن بإسناد صحيح عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: «الجار أحق بشفعة جاره، ينتظر بها وإن كان غائبا إذا كان طريقهما واحدا» (١). قال ابن رشد: واختلف قوله في هذا الوقت، هل هو محدود أم لا؟ فمرة قال: هو غير محدود، وإنها لا تنقطع أبدا إلا أن يحدث المبتاع بناء أو تغيرا كثيرا بمعرفته وهو حاضر عالم ساكت. ومرة حدد هذا الوقت، فروي عنه السنة، وهو الأشهر، وقيل أكثر من سنة. وقد قيل عنه: إن الخمسة أعوام لا تنقطع فيها الشفعة (٢). (و عهدة الشفيع على المشتري) قال الفاكهاني: إن استحقها أحد من يد الشفيع فإنه يأخذها من غير أن يدفع فيها شيئا ويرجع الشفيع على المشتري بما أعطاه ويرجع المشتري على البائع بالثمن، (ويوقف الشفيع فإما أخذ أو ترك)؛ يعني: أن للمشتري أن يقوم على الشفيع ويلزمه بالترك أو الأخذ بالثمن الذي اشترى به إن كان مما له مثل، أو قيمته إن كان من ذوات القيم، فإن امتثل أحد الأمرين فلا كلام وإلا رفعه للحاكم، وإذا طلب التأخير ليختار أو ليأتي بالثمن أخر ثلاثة أيام. (ولا توهب الشفعة ولا تباع)؛ يعني: لا يجوز للشفيع أن يهب أو يبيع ما وجب له من الشفعة. وصورة ذلك أن يقول زيد الذي قد وجبت له الشفعة لعمرو الذي لا شفعة له: قد وهبتك شفعتي التي قد وجبت لي عند خالد، أو

стр. 1140

اشترها مني بكذا، لأن الشفعة إنما جعلت للشريك لأجل إزالة الضرر عنه بأن يدخل عليه من لا يعرف شركته ولا معاملته. الهبة والصدقة والحبس • قال المصنف رحمه الله تعالى: (ولا تتم هبة ولا صدقة ولا حبس إلا بالحيازة. فإن مات قبل أن تحاز عنه فهي ميرات. إلا أن يكون ذلك في المرض فذلك نافذ من الثلث إن كان لغير والهبة لصلة الرحم أو لفقير كالصدقة لا رجوع فيها، ومن تصدق على ولده فلا رجوع له. وله أن يعتصر ما وهب لولده الصغير أو الكبير ما لم ينكح لذلك أو يداين أو يحدث في الهبة حدثا. والأم تعتصر ما دام الأب حيا فإذا مات لم تعتصر، ولا يعتصر من يتيم واليتم من قبل الأب. وما وهبه لابنه الصغير فحيازته له جائزة إذا لم يسكن ذلك أو يلبسه إن كان ثوبا وإنما يجوز له ما يعرف بعينه. وأما الكبير فلا تجوز حيازته له. ولا يرجع الرجل في صدقته ولا ترجع إليه إلا بالميرات. ولا بأس أن يشرب من لبن ما تصدق به. ولا يشتري ما تصدق به. والموهوب للعوض إما أثاب القيمة أو رد الهبة، فإن فاتت فعليه قيمتها. وذلك إذا كان يرى أنه أراد الثواب من الموهوب له. ويكره أن يهب لبعض ولده ماله كله.

стр. 1141

وأما الشيء منه فذلك سائغ. ولا بأس أن يتصدق على الفقراء بماله كله لله. ومن وهب هبة فلم يحزها الموهوب له حتى مرض الواهب أو أفلس فليس له حينئذ قبضها. ولو مات الموهوب له كان لورثته القيام فيها على الواهب الصحيح). الشرح الهبة: الهبة هي: التبرع بما ينفع الموهوب له يقال: وهب له مالا وهبا وهبة وموهبة وقد يقال: وهبه مالا ولا يقال وهب منه، (ولا تتم هبة، ولا صدقة، ولا حبس إلا بالحيازة) لا تفترق الهبة والصدقة إلا في شيئين: أحدهما: أن الهبة تعتصر، والصدقة لا تعتصر، فإذا وهب الأب لابنه شيئا فله أن يعتصره منه، ولا كذلك إذا تصدق عليه. ثانيهما: أن عود الهبة إلى ملك واهبها ببيع أو هبة أو صدقة أو غير ذلك جائز، ولا كذلك الصدقة بل يكره عودها إلى ملك المتصدق بما ذكر من الأنواع المتقدمة في الهبة. وحكمها الندب دل عليه الكتاب والسنة والإجماع، فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿وآتى المال على حبه﴾ [البقرة: ١٧٧]، ومن الأحاديث عن أبي كبشة عمر بن سعد الأنماري ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «ثلاثة أقسم عليهن وأحدثكم حديثا فاحفظوه» قال: «ما نقص مال عبد من صدقة، ولا ظلم عبد مظلمة فصبر عليها إلا زاده الله عزا، ولا فتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر أو كلمة نحوها» (١). والإجماع على ذلك حكاه ابن رشد وغيره. (فإن مات) الواهب (قبل أن تحاز عنه فهي ميراث) يرثه الورثة، وتبطل

стр. 1142

لمن جعلت له أو فيه لما رواه مالك، والبيهقي من طريقه عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة ﵂ أنها قالت: «كان نحلها جاد عشرين وسقا من ماله بالغابة، فلما حضرته الوفاة، قال: والله يا بنية ما من الناس أحد أحب إلي غنى بعدي منك، ولا أعز علي فقرا بعدي منك، وإني كنت نحلتك جاد عشرين وسقا فلو كنت جددتيه واحترتيه كان لك، وإنما هو اليوم مال وارث، وإنما هما أخواك وأختاك فاقتسموه على كتاب الله، قالت عائشة: فقلت: يا أبت والله لو كان كذا وكذا لتركته إنما هي أسماء فمن الأخرى، فقال أبو بكر: ذو بطن بنت خارجة أراها جارية» (١). وروي أيضا أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: «ما بال رجال ينحلون أبناءهم نحلا ثم يمسكونها، فإن مات ابن أحدهم قال: ما لي بيدي لم أعطه أحدا، وإن مات هو قال: هو لابني قد كنت أعطيته إياه، من نحل نحلة فلم يحزها الذي نحلها حتى يكون إن مات لورثته فهي باطل» (٢)، (إلا أن يكون ذلك في المرض فذلك نافذ من الثلث) لأنه خرج مخرج الوصية، (إن كان لغير وارث) لأن الوصية للوارث غير جائزة، كما تقدم فيها فهي غير نافذة، وإن أجاز الوارث كان ابتداء عطية منه. (والهبة لصلة الرحم)؛ أي: الهبة للرحم لأجل صلته (أو لفقير) حكمها (كالصدقة لا رجوع) له (فيها) لحديث سمرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا كانت الهبة لذي رحم محرم لم يرجع فيها» (٣)، وروى

стр. 1143

مالك في «الموطأ» أن عمر بن الخطاب قال: من وهب هبة لصلة رحم، أو على وجه صدقة. فإنه لا يرجع فيها، ومن وهب هبة يرى أنه إنما أراد بها الثواب فهو على هبته. يرجع فيها، إذا لم يرض منها (١)، أما منعه الرجوع في الصدقة والهبة للفقير، فإنهما خرجتا عن ملكه على طريق الثواب وابتغاء وجه الله تعالى، ورواه أصحاب السنن، عن ابن عمر، وابن عباس ﵃ عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يحل للرجل أن يعطي العطية ثم يرجع فيها، إلا الوالد فيما يعطي ولده» (٢)، وهذا في العطية للولد. (و) أما (من تصدق على ولده فلا رجوع له) مستغنى عنه بما قبله (وله أن يعتصر ما وهب لولده)؛ أي: لا لصلة الرحم، ولا لفقره، ولا لقصد ثواب الآخرة، بل وهبه لوجهه، ولا فرق بين أن يكون الولد ذكرا أو أنثى غنيا أو فقيرا للحديث السابق وفيه: «إلا الوالد فيما يعطي ولده»، وحديث عمرو بن شعيب أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يرجع في هبته إلا الوالد من ولده، والعائد في هبته كالعائد في قيئه» (٣) وسواء في ذلك (الصغير والكبير ما لم ينكح لذلك)؛ أي: للهبة، (أو يداين) لها (أو يحدث في الهبة حدثا) مثل أن يهبه حديدا فيصنعه آنية، وذلك للعمل ذكره مالك في «الموطأ» فقال: الأمر المجتمع عليه عندنا فيمن نحل ولده نحلا أو أعطاه عطاء ليس بصدقة أن له أن يعتصر ما لم يستحدث الولد دينا يداينه الناس به، ويأمنون عليه من أجل ذلك العطاء الذي أعطاه أبوه فليس لأبيه أن يعتصر من ذلك شيئا بعد أن تكون عليه

стр. 1144

فتنكح المرأة الرجل وإنما تنكحه الديون، أو يعطي الرجل ابنه أو ابنته المال، لغناه وللمال الذي أعطاه أبوه فيريد أن يعتصر ذلك الأب، أو يتزوج الرجل المرأة قد نحلها أبوها النحل إنما يتزوجها ويرفع في صدقها لغناها ومالها وما أعطاها أبوها ثم يقول الأب: أنا أعتصر ذلك فليس له أن يعتصر من ابنه ولا ابنته شيئا من ذلك إذا كان على ما وصفت لك اه (١). وقال البيهقي في سننه: بلغنا عن أبي قلابة قال: «كتب عمر بن الخطاب ﵁: يقبض الرجل من ولده ما أعطاه ما لم يمت أو يستهلك أو يقع فيه دين» (٢). وروى ابن وهب عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب أن موسى بن سعد حدثه أن سعدا مولى آل الزبير نحل ابنته جارية له فلما تزوجت أراد ارتجاعها فقضى عمر أن الوالد يعتصرها ما دام يرى ماله ما لم يمت صاحبها فتقع فيها المواريث، أو تكون امرأة فتنكح قال يزيد: وكتب عمر بن عبد العزيز أن الوالد يعتصر ما وهب لابنه ما لم يداين الناس أو ينكح أو يموت ابنه فتقع فيه المواريث وقال في ابنته مثله إذا هي نكحت أو ماتت. وروى ابن وهب أيضا عن مخرمة بن بكير عن أبيه قال: سمعت سليمان بن يسار قال: يعتصر الوالد من ولده ما دام حيا، وما رأى عطيته بعينها، وما لم يستهلكها، وما لم يكن فيها ميراث (٣)، (والأم تعتصر) ما وهبته لولدها سواء كان صغيرا أو كبيرا (ما دام الأب حيا)؛ أي: ولو مجنونا زمن الهبة إلا أن تكون قصدت بهبتها صلة رحم أو ثواب آخرة أو لفقره فلا تعتصر، وأما إن كان حين الهبة لا أب له فليس لها أن تعتصرها لأنه يتيم وبعد ذلك كالصدقة (فإن مات لم تعتصر ولا يعتصر من يتيم) ويسمى يتيما ما لم يبلغ، فإذا بلغ لم يسم يتيما (واليتيم من قبل الأب) هذا في الآدمي، وأما في الحيوان فمن قبل الأم، وفي الطير

стр. 1145

من قبلهما معا (١)، (وما وهبه) الأب (لابنه الصغير فحيازته له جائزة)؛ أي: معمول بها ولو استمر عند الأب إلى أن أفلس أو مات لما رواه عبد الرازق عن معمر عن الزهري عن عروة أخبرني المسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن عبد القاري أنهما سمعا عمر بن الخطاب ﵁ يقول: «ما بال أقوام ينحلون أولادهم فإذا مات الابن قال الأب: مالي وفي يدي وإن مات هو قال: هو لابني قد كنت أعطيته إياه من نحل نحلة فلم يحزها الذي نحلها حتى يكون إن مات لورثته فهي باطل» (٢). قال الزهري: فأخبرني سعيد بن المسيب قال: فلما رأى عثمان شكى ذلك إليه فقال عثمان: نظرنا في هذا النحول فرأينا أحق من يحوز عن الصبي أبوه، ورواه مالك عن سعيد بن المسيب عن عثمان بن عفان ﵁ أنه قال: من نحل ولدا صغيرا لم يبلغ أن يحوز نحلة فأعلن بها وأشهد عليها فهي جائزة وإن وليها أبوه (٣). وللإجماع حكاه ابن المنذر فقال: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن الرجل إذا وهب لولده الطفل دارا بعينها، أو عبدا بعينه، وقبضه له من نفسه، وأشهد عليه، أن الهبة تامة (٤). وقال ابن عبد البر: الفقهاء على أن هبة الأب لابنه الصغير في حجره لا يحتاج إلى قبض وأن الإشهاد فيها يغني عن القبض وإن وليه أبوه. اه (٥)، لكن هذا مقيد بما إذا لم يسكن الأب (ذلك) الشيء الموهوب (أو يلبسه إن كان ثوبا) وأما إذا كان الموهوب دار سكناه واستمر ساكنا لجميعها أو أكثرها، أو استمر لابسا لما وهبه حتى حصل المانع بطلت الهبة. وأما إن

стр. 1146

سكن الأقل وأكرى الأكثر فلا بطلان، وإنما يجوز له ما يعرف بعينه مثل أن يقول له: وهبتك الدار التي صفتها كذا وكذا، وأما ما لا يعرف بعينه فلا، مثل أن يقول له: وهبتك دارا من دوري. (وأما) الابن الكبير فلا تجوز حيازته؛ أي: حيازة الأب (له) إن كان رشيدا. وأما السفيه فتجوز حيازته له. وقوله: (ولا يرجع الرجل في صدقته) مفهوم مما تقدم. (ولا ترجع) الصدقة (إليه)؛ أي: إلى المتصدق بعد الحوز مطلقا؛ أعني: كانت بشراء أو غيره، لحديث عمر ﵁ قال: حملت على فرس في سبيل الله، فأضاعه الذي كان عنده، فأردت أن أشتريه وظننت أنه يبيعه برخص، فسألت النبي ﷺ فقال: «لا تشتره ولا تعد في صدقتك وإن أعطاكه بدرهم، فإن العائد في هبته كالعائد في قيئه» (١). وفي لفظ: «فإن الذي يعود في صدقته كالكلب يقيء ثم يعود في قيته». ولا يستثنى من ذلك شيء (إلا) إذا كانت (بالميراث) فإنه يجوز له تملكها به إذ لا تسبب منه في رجوعها ولا تهمة فيه. وحديث عبد الله بن عمرو أن رجلا قال: يا رسول الله إني أعطيت أمي حديقة في حياتها وإنها توفيت ولم تدع وارثا غيري فقال رسول الله ﷺ : «إن الله ﵎ رد عليك حديقتك وقبل صدقتك» (٢). أما بغير الميراث فيكره أو يحرم استرجاعها لحديث عمر ﵁ المتقدم قريبا. (ولا بأس أن يشرب) المتصدق من لبن (ما)؛ أي: الشيء الذي تصدق به كالبقرة والشاة واستعمل لا بأس هنا لما غيره خير منه، (و) كذا (لا يشتري) المتصدق (ما)؛ أي: الشيء الذي (تصدق به) لا من المتصدق

стр. 1147

عليه ولا من غيره، وكلامه محتمل للمنع والكراهة وهو المذهب. (والموهوب)؛ أي: الشيء الذي وهب له (ل) أجل أخذ (العوض) منه (إما أثاب)؛ أي: عاوض (القيمة أو رد الهبة) تعرض هنا لهبة الثواب، وهي أن يعطي الرجل شيئا من ماله لآخر ليثيبه عليه، وهي عقد معاوضة بعوض مجهول، وحكمها الجواز؛ أي: المستوي الطرفين. قال الباجي (١): هبة الثواب ليست على وجه القربة، وإنما هي على وجه المعاوضة فإن الموهوب له إما عاوض القيمة عن عين الهبة، أو ردها إذا كانت الهبة قائمة لم تفت، يدل عليه قوله: (فإن فاتت فعليه قيمتها ذلك)؛ أي: الإثابة بالقيمية أو رد الهبة (إذا كان يرى) بالبناء للمفعول؛ أي: يظن (أنه)؛ أي: الواهب (أراد) بهبته (الثواب من الموهوب له) يعرف؛ أي: يظن ذلك بقرائن الأحوال (و) من كان له ولدان فأكثر ومعه مال (يكره) له كراهة تنزيه على المشهور (أن يهب لبعض ولده ماله كله) أو جله ويمضي، ما لم يقم عليه أولاده الآخرون فيمنعونه من ذلك فلهم رده، والأصل ما في الحديث من قوله ﵊: «اعدلوا بين أولادكم ففي العطية» (٢) (وأما) إذا وهب له (الشيء) اليسير (منه فذلك سائغ)؛ أي: جائز، (ولا بأس أن يتصدق على الفقراء بماله كله لله) جل وعل وهو مقيد أيضا بما لم يمنعه ولده من ذلك، ومقيد أيضا بما لم يمرض وأما إذا كان مريضا فتخرج من ثلثه. (ومن وهب هبة فلم يحزها الموهوب له حتى مرض الواهب) مرضا مخوفا (أو أفلس فليس له)؛ أي: للموهوب له (حينئذ)؛ أي: حين مرض الواهب أو أفلس (قبضها)؛ أي: الهبة ومثلها الصدقة والحبس (ولو مات الموهوب)؛ أي: الذي وهب له وكان حرا قبل قبض الهبة (كان لورثته القيام فيها)؛ أي: الهبة (على الواهب الصحيح) غير المفلس.

стр. 1148

الحبس أو الوقف والعمري • قال المصنف رحمه الله تعالى: (ومن حبس دارا فهي على ما جعلها عليه. إن حيزت قبل موته. ولو كانت حبسا على ولده الصغير جازت حيازته له إلى أن يبلغ. وليكرها له ولا يسكنها فإن لم يدع سكناها حتى مات بطلت. وإن انقرض من حبست عليه رجعت حبسا على أقرب الناس بالمحبس يوم المرجع. ومن أعمر رجلا حياته دارا رجعت بعد موت الساكن ملكا لربها وكذلك إن أعمر عقبه فانقرضوا بخلاف الحبس، فإن مات المعمر يومئذ كانت لورثته يوم موته ملكا. ومن مات من أهل الحبس فنصيبه على من بقي. ويؤثر في الحبس أهل الحاجة بالسكنى والغلة ومن سكن فلا يخرج لغيره إلا أن يكون في أصل الحبس شرط فيمضى. ولا يباع الحبس وإن خرب ويباع الفرس الحبس يكلب، ويجعل ثمنه في مثله، أو يعان به فيه. واختلف في المعاوضة بالربع الخرب بربع غير خرب). الشرح انتقل يتكلم على الحبس أو الوقف: بضم الحاء وسكون الباء. قال ابن فارس في [مقاييس اللغة] الوقف: «الواو والقاف والفاء، أصل يدل على تمكث ثم يقاس عليه. ثم قال: ولا يقال: أوقف» (١). وتعريفه شرعا: حبس مالك ماله المنتفع به مع بقاء عينه عن التصرفات

стр. 1149

برقبته، وتسبيل منفعته على شيء من أنواع القرب ابتغاء وجه الله تعالى (١). وحكمه: الاستحباب. وقد ثبت بالسنة، لأحاديث كثيرة، منها حديث أبي هريرة ﵁ قال: «إذا مات الإنسان، انقطع عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له (٢)»، وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته علما علمه ونشره، وولدا صالحا تركه، ومصحفا ورثه، أو مسجدا بناه، أو بيتا لابن السبيل بناه، أو نهرا أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته، يلحقه من بعد موته» (٣). وإجماع الصدر الأول من الصحابة والتابعين على جوازه ولزومه. قال الشافعي: ولم يحبس أهل الجاهلية فيما علمته، وإنما حبس أهل الإسلام (٤) وهذا إشارة إلى أنه حقيقة شرعية، وقد وقف النبي ﷺ ووقف أصحابه ﵃: عن أنس ﵁ قال: «لما قدم رسول الله ﷺ المدينة، وأمر ببناء المسجد قال: «يا بني النجار ثامنوني بحائطكم هذا»، قالوا: لا والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله؛ أي: فأخذه فبناه مسجدا» (٥). وعن عثمان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من يشتري بئر رومة، فيكون

стр. 1150

دلوه فيها كدلاء المسلمين» فاشتراها عثمان ﵁ (١)، وفي رواية للبغوي: «أنها كانت لرجل من بني غفار عين يقال لها: رومة، وكان يبيع منها القربة بمد، فقال له النبي ﷺ : تبيعنيها بعين في الجنة؟ فقال: يا رسول الله، ليس لي ولا لعيالي غيرها، فبلغ ذلك عثمان، فاشتراها بخمسة وثلاثين ألف درهم، ثم أتى النبي ﷺ فقال: أتجعل لي ما جعلت له؟ قال: نعم. قال: قد جعلتها للمسلمين» (٢). عن سعد بن عبادة، أنه قال: «يا رسول الله، إن أم سعد ماتت، فأي الصدقة أفضل؟، قال: «الماء»، قال: فحفر بثرا، وقال: هذه لأم سعد» (٣)، وغيرهم كثير. (ومن حبس) وشرطه أن يكون أهلا للتصرف بأن يكون من أهل التبرع (دارا) وكذا يجوز وقف الحيوان، والعروض كما تقدم في الأحاديث الدالة على تنوع أوجه الوقف، ويشترط في الموقوف أن يكون مملوكا للواقف ذاتا أو منفعة، ولم يتعلق به حق لغيره وإن لم يجز بيعه كجلد الأضحية وكلب الصيد، (فهي)؛ أي: الدار على ما جعلها عليه يفهم منه أنه عين الجهة الموقوف عليها، لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «المسلمون على شروطهم» (٤)، ولأن أوقاف الصحابة كانت كلها مشروطة بشروط جرى عملهم على رعايتها كما في كتب السنن والآثار وأما لو أوقف داره ولم يعين الشيء الموقوف عليه، فإنه يصرف في غالب مصارف تلك البلد هذا (إن حيزت قبل موته) وكان الوقف على معين، فإن لم تحز حتى مات الواقف أو أفلس بطل الوقف لما مر في حديث عائشة في الهبة التي وهبها لها والدها

стр. 1151

الصديق ﵄، أما إذا كان على غير معين كالمسجد فلا يحتاج إلى حيازة معين، بل إذا خلى بين الناس وبين الصلاة فيها صح الوقف. (ولو كانت) الدار (حبسا على ولد الصغير) الحر (جازت حيازته له إلى أن يبلغ) فغاية الحيازة البلوغ بشرط أن يعلم منه الرشد (وليكرها له) من غيره (ولا يسكنها فإن لم يدع سكناها)؛ أي: لم يترك سكناها (حتى مات) أو مرض أو أفلس (بطلت). صوابه بطل؛ أي: الحبس، وعلى ثبات التاء يحتمل الحيازة، وقيدنا الصغير بالحر احترازا عما إذا كان عبدا، فإن سيده هو الذي يحوز له. (فإن انقرض من حبست) الدار (عليه رجعت حبسا إلى أقرب الناس بالمحبس) سواء كان المحبس حيا أو ميتا، مثل أن يكون للمحبس أخ شقيق وأخ لأب فيموت الشقيق ويترك ابنا، ثم ينقرض من حبس عليه فإنه يرجع للأخ للأب دون ابن الأخ الشقيق، والعبرة في رجوع الحبس على الأقرب إنما هو (يوم المرجع) لا يوم الحبس، لأنه قد يصير البعيد يوم التحبيس قريبا يوم المرجع المثال المذكور. لأنهم أولى الناس بصدقاته النوافل والمفروضات حيث حث الشرع على تقديم القرابة بالصدقة والصلة كما في الآيات والأحاديث الكثيرة وهو المنقول عن علماء المدينة من التابعين كابن شهاب ويحيى بن سعيد وربيعة وأبي الزناد وغيرهم. روى ذلك ابن وهب وغيره. العمرى العمرى: بضم العين نوع من الهبة مأخوذة من العمر، قال أبو السعادات: يقال: أعمرته الدار عمري؛ أي: جعلتها له يسكنها مدة عمره، فإذا مات عادت إلي، كذا كانوا يفعلونه في الجاهلية فأبطل ذلك الشارع وأعلمهم أن من أعمر شيئا أو أرقبه في حياته فهو لورثته من بعده. قال ابن عرفة: «العمرى تمليك منفعة حياة المعطى بغير عوض إنشاء» (١)

стр. 1152

قال المصنف رحمه الله تعالى: (ومن أعمر رجلا حياته)؛ أي: حياة الرجل (دارا رجعت بعد موت الساكن ملكا لربها) أو لوارثه إن مات. لحديث جابر ﵁ قال: «إنما العمرى التي أجاز رسول الله ﷺ أن يقول: هي لك ولعقبك، فأما إذا قال: هي لك ما عشت، فإنها ترجع إلى صاحبها» (١) وزاد: وكان الزهري يفتي به، ولما رواه مالك عن يحيى بن سعيد عن عبد الرحمن بن القاسم أنه سمع مكحولا الدمشقي يسأل القاسم بن محمد عن العمرى، ما يقول الناس فيها؟ فقال القاسم بن محمد: «ما أدركت الناس إلا وهم على شروطهم في أموالهم وفيما أعطوا» (٢). وروي أيضا عن نافع أن عبد الله بن عمر ورث من حفصة بنت عمر ﵃ دارها قال: وكانت حفصة قد أسكنت بنت زيد بن الخطاب ما عاشت، فلما توفيت بنت زيد قبض عبد الله بن عمر المسكن ورأى أنه له (٣). وأما من جهة القياس فلأن تعليق الملك بوقت معين يقتضي تمليك المنافع دون الرقبة، لأن تعليق الملك لوقت ينتهي إليه يمنع ملك الرقبة كمالك رقبة لمجيء زيد أو نزول المطر كذا قالوا ولا يخفى ما فيه (٤) (وكذلك إن أعمرها عقبه)؛ أي: عقب الرجل (فانقرضوا) فإنها ترجع ملكا لربها أو لوارثه إن مات. فحقيقة العمرى في العرف؛ أي: عرف أهل الشرع هبة منافع الملك مدة عمر الموهوب له أو مدة عمره عمر عقبه لا هبة الرقبة، ولا يتعين التقييد بعمر الموهوب له، بل لو قيد بعمر المعمر كانت عمرى أيضا (بخلاف الحبس) فإنه لا يرجع بعد موت المحبس عليه ملكا لربه بل يكون حبسا على أقرب الناس بالمحبس، وإنما فارق الحبس العمرى لأن الحبس تمليك الرقاب، والعمرى تمليك المنافع (٥).

стр. 1153

(فإن مات المعمر) بكسر الميم (يومئذ كان) ما أعمره وهي الدار (لورثته يوم موته ملكا) قال ابن عمر: يحتمل قوله يومئذ أن يعود على يوم التعمير، ويكون على هذا إنما يملكون الرقاب دون المنافع، ويحتمل أن يعود على موت المعمر، فعلى هذا يملكون الرقاب والمنافع. (ومن مات من أهل الحبس) المعينين (فنصيبه) يقسم (على) رؤوس (من بقي) من أصحابه الذكور والإناث فيه سواء (ويؤثر في الحبس أهل الحاجة بالسكنى والغلة)؛ أي: يجب على متولي الوقف على غير معين كالفقراء أن يؤثر في قسم الحبس أهل الحاجة والعيال على غيرهم بالسكنى والغلة باجتهاده لأن قصد الواقف الإرفاق، وأما لو كان على معينين فإنه يسوي بين الجميع ولا يفضل فقير على غني. (ومن سكن) من المحبس عليهم (فلا يخرج لغيره) ولو لم يجد الغير مسكنا ولا كراء، ولو استغنى من سكن لأجل فقره بعد أن سكن لأجل هذا الوصف لأن العبرة بالاحتياج في الابتداء لا في الدوام، وأيضا لا تؤمن عودته، فإن سبق غير الأحوج وسكن أخرج، فإن تساووا في الحاجة فمن سبق بالسكنى فهو أحق، (إلا أن يكون في أصل الحبس شرط فيمضي)؛ أي: فيجري الحبس على شرط المحبس لما تقدم من أن المسلمين على شروطهم. (ولا يباع الحبس إن خرب) بحيث صار لا ينتفع به ولو لم يرج عوده، لعموم قوله ﷺ كما سبق: «أنه لا يباع ولا يوهب ولا يورث» ولأن ما لا يجوز بيعه مع بقاء منافعه لا يجوز بيعه مع تعطلها كالمعتق، واستدل في المدونة بقوله: هذه جل الأحباس قد خربت فلا شيء أدل على سنتها منها ألا ترى أنه لو كان البيع يجوز فيها ما أغفله من مضى، ولكن بقاؤه خرابا دليل على أن بيعه غير مستقيم، وبحسبك حجة في أمر قد كان متقادما بأن تأخذ منه ما جرى الأمر عليه فالأحباس قديمة ولم تزل، وجل ما يؤخذ منها بالذي به لم تزل تجري عليه فهو دليلها. قال سحنون: «فبقاء هذه خرابا دليل على أن البيع فيها غير مستقيم لأنه لو استقام لما أخطأه من مضى من صدر هذه الأمة وما جهله من لم يعمل به

стр. 1154

حين تركت خرابا، وإن كان قد روي عن ربيعة خلاف لهذا في الرباع والحيوان إذا رأى الإمام ذلك. اه. وكذا لا يجوز بيع أنقاضه، وهذا مقيد ما إذا لم يكن الواقف شرط للموقوف عليه بيعه وإلا عمل بالشرط» (١). واستثنى في «المختصر» المقدار الذي احتيج إليه لتوسعة المسجد؛ أي: مسجد الجمعة لا غيره (٢)، ومثل مسجد الجمعة مقبرة المسلمين وطريقهم، لأن نفع المسجد والطريق والمقبرة أكثر من نفع الوقف، فهو غرض قريب للواقف، ويستبدل بالثمن خلافه، فإن امتنع فلا يقضى عليه بذلك. (ويباع الفرس الحبس يكلب) بفتح الياء واللام، والكلب شيء يعتري الخيل كالجنون (و) إذا بيع فإنه يجعل ثمنه في شراء فرس، (آخر أو يعان به فيه) بأن يجعل ثمنه مع شيء آخر فشتر به فرس آخر أو يتصدق بثمنه في الجهاد، فما الفرق بين هذا واالذي قبله في تصريف الثمن فيما ينفع. (واختلف في المعاوضة بالربع) الحبس (الخرب بربع غير خرب) حمله بعضهم على ظاهره بأن يعاوض الربع الخرب بربع غير خرب فيدفعه بعينه في الربع الصحيح، وحمله آخرون على أنه يباع الربع الخرب ويشترى بقيمته صحيحا فيصير ما كان حبسا غير حبس، وما ليس بحبس حبسا فالمباع يكون غير حبس والمشترى يكون حبسا قائلا هو البين. اه من التتائي. قلت: والذي يظهر أن إبقاء الحبس خرابا مخالف لمجمل النصوص الآمرة بالترشيد وتكثير المصالح، ودرء الإسراف والتبذير، فما فائدة حبس خرب ولم يعمر إن كان صاحبه يوم حبسه لا يرجو سوى الإعمار واستمرار الأجر، فأرى والله أعلم أنه يباع الوقف الخرب ويوضع ثمنه في شيء مماثل أو قريب منه فيستفيد الموقوف عليهم والواقف، وهذا في ظني القاصر وظن كل فقيه حصيف موافق للنصوص الكثيرة الآمرة بالاقتصاد الناهية على التبذير والفساد، والله أعلم.

стр. 1155

الرهن • قال المصنف رحمه الله تعالى: (والرهن جائز ولا يتم إلا بالحيازة. ولا تنفع الشهادة في حيازته إلا بمعاينة البينة. وضمان الرهن من المرتهن فيما يغاب عليه ولا يضمن ما لا يغاب عليه. وثمرة النخل الرهن للراهن وكذلك غلة الدور. والولد رهن مع الأمة الرهن تلده بعد الرهن. ولا يكون مال العبد رهنا إلا بشرط. وما هلك بيد أمين فهو من الراهن). الشرح انتقل رحمه الله تعالى يتكلم على الرهن. والرهن في اللغة: أصل الرهن الحبس ومنه كل نفس بما كسبت رهينة والهاء للمبالغة؛ أي: محبوسة بكسبها والرهن معروف في الفقهيات كذا في «الفتح». وفي «الاصطلاح»: جعل مال وثيقة على دين؛ أي: أن يجعل شيء من متاع المدين عند الدائن توثقة له في دينه، ويطلق أيضا على العين المرهونة تسمية للمفعول باسم المصدر. وأما الرهن بضمتين فالجمع، ويجمع أيضا على رهان بكسر الراء ككتب وكتاب (١). وأركان الرهن أربعة: ١ - العاقدان وهما الراهن؛ أي معطي الرهن، والمرتهن وهو قابض الرهن، ويشترط فيهما أن يكونا ممن يصح البيع منهما، ومن كان قاصرا كصبي ومجنون توقف على إجازة وليه. ٢ - المرهون: ويشترط فيه أن يكون شيئا ذا قيمة يمكن أن يستوفى منه الدين عند بيعه كله أو بعضه.

стр. 1156

٣ - المرهون به: وينبغي أن يشتمل على أمرين: أن يكون دينا في الذمة يمكن استيفاؤه من الرهن، وثانيهما: أن يكون ذلك الدين لازما أو صائرا إلى اللزوم، كالجعل بعد العمل لا قبله. ٤ - الصيغة: ولا يتعين لفظ في الإيجاب والقبول من العاقدين بل كل ما دل على ذلك أجزأ، لا سيما أن المعاملات لم يتعبدنا الله فيها بألفاظ معينة. حكم الرهن: بدأ المصنف بحكمه فقال: (والرهن جائز) حضرا وسفرا بالكتاب والسنة والإجماع في الجملة أما الكتاب فقول الله تعالى: ﴿وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة﴾ [البقرة: ٢٨٣]، وإنما خص السفر في الآية لغلبة فقدان الكاتب الذي هو البينة فيه، وأما السنة فقال أنس بن مالك ﵁: «ولقد رهن درعا له عند يهودي بالمدينة وأخذ منه شعيرا لأهله» (١)، فذكره المدينة دال على الجواز حضرا. (ولا يتم) الرهن (إلا بالحيازة) لقوله تعالى: ﴿فرهان مقبوضة﴾ [البقرة: ٢٨٣] فجعل القبض من صفات الرهن اللازمة له، وذلك بمعنى الشرط فيه فصار حكم الرهن متعلقا بالرهن المقبوض وظاهره أنه يصح قبل القبض، لكن لا يختص المرتهن به عن الغرماء إلا بالقبض، قال ابن الحاجب: «فإن تراخي إلى الفلس أو الموت بطل اتفاقا» (٢). وقال خليل: «وبموت راهنه أو فلسه قبل حوزه ولو جد فيه». اه. والرهن أحد الأمور التي لا تتم إلا بالحيازة منها: الرهن، والهبة، والعمرى، والحبس، والنحلة، والعرية، والإخدام وغيرها. (ولا تنفع الشهادة في حيازته إلا بمعاينة البينة) قال ابن عمر الأنفاسي: هذا فيما يبان وينقل، وأما إذا رهنه ما لا يبان ولا ينقل، فإن الشهادة تنفع فيه على إقرارهما. (وضمان الرهن)؛ أي: المرهون (من

стр. 1157

المرتهن) بكسر الهاء آخذ الرهن ما لم يكن بيد أمين، فإنه من الراهن، وهو دافع الرهن، وإنما يلزم المرتهن الضمان (فيما يغاب عليه) كالحلي لأنه يدعي فيه الضياع على وجه لا يعلم فيه كذب مدعيه غالبا فيؤدي ذلك إلى ضياع أموال الناس، والمرتهن يأخذه لمنفعة نفسه وقد كان له أن يضعه على يد عدل فيبرأ من ضمانه فإذا لم تقم بينة بهلاكه كان عليه ضمانه. (ولا يضمن ما لا يغاب عليه) كالدور والحيوان على المشهور. لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه، له غنمه وعليه غرمه» (١)، قال مالك: وتفسير ذلك فيما نرى والله أعلم أن يرهن الرجل الرهن عند الرجل بالشيء وفي الرهن فضل عما رهن به فيقول الراهن للمرتهن: إن جئتك بحقك إلى أجل يسميه له، وإلا فالرهن لك بما رهن فيه، قال: فهذا لا يصلح ولا يحل وهذا الذي نهي عنه وإن جاء صاحبه بالذي رهن به بعد الأجل فهو له وأرى هذا الشرط منفسخا. اه (٢). وللعمل حكاه مالك في «الموطأ» فقال: الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا في الرهن أن ما كان من أمر يعرف هلاكه من أرض أو دار أو حيوان فهلك في يد المرتهن وعلم هلاكه فهو من الراهن وأن ذلك لا ينقص من حق المرتهن شيئا ولو شرط المرتهن نفي الضمان فيما يغاب عليه، أو اشترط الراهن الضمان على المرتهن فيما لا يغاب عليه ويحلف المتهم لقد ضاع ولا فرطت ولا ضيعت ولا تعديت ولا أعرف موضعه، وغير المتهم لا يحلف إلا على عدم التفريط خاصة لأنه لا يتهم في إخفائه (٣). (وثمرة النخل الرهن للراهن) وهو دافع الرهن كانت الثمار موجودة أو معدومة حين الرهن مأبورة أو لا، للحديث السابق: «له غنمه وعليه غرمه»، إلا أن يشترط ذلك المرتهن،

стр. 1158

فإنها تدخل على أي حالة كانت. (وكذلك غلة الدور) للراهن على المشهور إلا أن يشترط المرتهن ذلك فيكون له. (والولد رهن مع الأمة الرهن تلده بعد الرهن) ولو شرط عدم دخول الولد في الرهن لم يجز، وحينئذ يكون الرهن باطلا. لأنه من جنس الأصل فأشبه سمنها ولأن الولد يتبع الأصل في الحقوق الثابتة كولد أم الولد. قال مالك في «الموطأ»: والفرق بين الثمر وبين ولد الجارية أن رسول الله ﷺ قال: «من باع نخلا قد أبرت فثمرها للبائع إلا أن يشترط المبتاع» (١)، قال: «والأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا أن من باع وليدة أو شيئا من الحيوان وفي بطنها جنين أن ذلك الجنين للمشتري اشترطه المشتري أو لم يشترطه فليست النخل مثل الحيوان وليس الثمر مثل الجنين في بطن أمه من الرقيق ولا من الدواب» (٢). (ولا يكون مال العبد رهنا معه إلا بشرط) كان ماله معلوما أو مجهولا لأن رهن الغرر جائز. (وما هلك بيد أمين) مما يغاب عليه (فهو من الراهن) دون الأمين لأنه لا ضمان على الأمين. العارية • قال المصنف رحمه الله تعالى: (والعارية مؤداة. يضمن ما يغاب عليه. ولا يضمن ما لا يغاب عليه من عبد أو دابة إلا أن يتعدى. والمودع إن قال: رددت الوديعة إليك صدق إلا أن يكون قبضها بإشهاد. وإن قال: ذهبت فهو مصدق بكل حال. والعارية لا يصدق في هلاكها فيما يغاب عليه).

стр. 1159

الشرح انتقل يتكلم على العارية وهي: بتشديد المثناة التحتية وتخفيفها ويقال: عارة وهي مأخوذة من عار الفرس إذا ذهب، لأن العارية تذهب من يد المعير، أو من العار لأنه لا يستعير أحد إلا وبه عار وحاجة (١). واصطلاحا: عرفها ابن الحاجب بأنها تمليك منافع العين بغير عوض (٢) وحكمها الندب، وتتأكد في القرابة والجيران والأصحاب، والأصل فيها قوله تعالى: ﴿وافعلوا الخير لعلكم تفلحون﴾ [الحج: ٧٧]، وفي الحديث: «أنه ﵊ استعار من صفوان درعه فقال: أغصبا يا محمد؟ قال: «بل عارية مضمونة» (٣)، وإلى هذا أشار الشيخ بقوله: (والعارية مؤداة) كما قال النبي ﷺ : «العارية مؤداة، والمنحة مردودة، والدين مقضي، والزعيم غارم» (٤). (العارية مؤداة)؛ أي: واجبة الرد على مالكها عينا حال الوجود وقيمة عند التلف وهو مذهب الشافعي وأحمد وقال أبو حنيفة: هي أمانة في يده لا تضمن إلا بالتعدي، وقال مالك: إن خفي تلفها ضمن وإلا فلا والعارية مشددة الياء مأخوذة من العار منسوبة إليه فإنهم يرون الاستعارة عارا وعيبا، وقيل: هي من التعاور وهو التداول (والمنحة مردودة) هي ما يمنح الرجل صاحبه من أرض يزرعها ثم يردها أو شاة يشرب درها ثم يردها وهي في معنى العارية وحكمها الضمان» (٥). وروى البيهقي أن عطاء بن أبي رباح أنه أخبر عن تفسير العارية مؤداة قال: أسلم قوم في أيديهم عواري من المشركين فقالوا: قد أحرز لنا الإسلام

стр. 1160

ما بأيدينا فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: «إن الإسلام لا يحرز لكم ما ليس لكم، العارية مؤداة» (١) فأدى القوم ما بأيديهم من تلك العواري، ثم فسر ذلك بقوله: (يضمن ما يغاب عليه للحديث السابق وحديث سمرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: على اليد ما أخذت حتى تؤديه) رواه أبو داود من رواية قتادة عن الحسن عنه زاد أبو داود: قال قتادة: ثم نسي الحسن فقال: «هو أمينك لا ضمان عليه يعني العارية» (٢). وقول النبي ﷺ لصفوان في أدراعه: «بل عارية مضمونة» قال: فضاع بعضها فعرض عليه النبي ﷺ أن يضمنها له فقال: «أنا اليوم في الإسلام أرغب» (٣)، إلا إذا قامت بينة على هلاكه، فإنه لا يضمن على المشهور لأن الضمان للتهمة وهي تزول بالبينة. (ولا يضمن ما لا يغاب عليه من عبد أو دابة) قال ابن عمر الأنفاسي: وعليه اليمين متهما كان أو غير متهم، ولو شرط المعير الضمان على المستعير لا ينفعه ذلك، وكذلك لو شرط المستعير على المعير عدم الضمان مما فيه الضمان لا ينفعه، وعليه الضمان على أحد قولي ابن القاسم وأشهب، ولهما أيضا ينفعه ويعمل بالشرط لأن العارية باب معروف؛ أي: وإسقاط الضمان من المعروف. ثم استثنى مما لا ضمان فيه صورة فقال (إلا أن يتعدى) المستعير فيضمن لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ليس على المستودع غير المغل ضمان، ولا على المستعير غير المغل ضمان» (٤)، وقالا: إنما يروي هذا من قول شريح ثم أخرجاه من قوله (٥)
следующие страницы →