← Фикх малики

Фикх малики · id 30135

مسالك الجلالة في اختصار المناهل الزلالة

مختار بن العربي الجزائري

Полный текст (1 525 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

استيقظ من النوم يقول: «الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور» من حديث حذيفة ﵁ (١). ووردت أحاديث كثيرة في إثبات البعث منها حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يقول الله : كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته، وأما شتمه إياي فقوله اتخذ الله ولدا وأنا الأحد الصمد لم ألد ولم أولد، ولم يكن لي كفوا أحد» (٢). والبعث والنشور لعرض الأعمال على الله وحساب الناس، قال تعالى: ﴿ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى﴾ [النجم: ٣١]. وقال ﷺ فيما يرويه عن رب العزة سبحانه: «يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه» (٣). كرم الله بمضاعفة الحسنات، وتكفير السيئات: قال المصنف: (وأن الله ضاعف لعباده المؤمنين الحسنات وصفح لهم بالتوبة عن كبائر السيئات، وغفر لهم الصغائر باجتناب الكبائر، وجعل من لم يتب من الكبائر صائرا إلى مشيئته ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾) [النساء: ٤٨]. (ومن عاقبه الله بناره أخرجه منها بإيمانه فأدخله به جنته ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره﴾ [الزلزلة: ٧] ويخرج منها بشفاعة النبي ﷺ من شفع له من أهل الكبائر من أمته).

стр. 107

الشرح قوله: (وأن الله الله ضاعف لعباده المؤمنين الحسنات)؛ أي: أنه مما يجب اعتقاده أن الله تعالى يضاعف الحسنات لعباده المؤمنين بقدر الإخلاص، والمتابعة للنبي ﷺ وعلى حسب درجات الخشوع والإخبات، قال تعالى: ﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون﴾ [الأنعام: ١٦٠]، وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أحسن أحدكم إسلامه فكل حسنة يعملها تكتب له بعشر أمثالها إلى سبع مائة ضعف وكل سيئة يعملها تكتب له بمثلها حتى يلقى الله (١)». فالتضعيف يرتقي من عشر إلى سبعمائة بل إلى غاية عظيمة لا يعلمها إلا واسع العطاء سبحانه، فعن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ فيما يروي عن ربه قال: «إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بين ذلك، فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة، فإن هو هم بها فعملها كتبها الله له عنده عشر حسنات إلى سبع مائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة، فإن هو هم بها فعملها كتبها الله له سيئة واحدة» (٢)، وكلمة خير في الآية نكرة تفيد الإطلاق الذي لا يقيد بقيد ولا يحصى بعد. والحسنة ما يحمد عليها شرعا عكس السيئة وهي ما يذم عليها شرعا، وحسنت الشيء تحسينا: زينته، وأحسنت إليه وبه، وهو يحسن الشيء؛ أي: يعمله. ويستحسنه: يعده حسنا، والحسنة: خلاف السيئة، والمحاسن: خلاف المساوي (٣). قال حسان بن ثابت: من يفعل الحسنات، الله يشكرها … والشر بالشر عند الله مثلان

стр. 108

قوله: (وصفح لهم بالتوبة عن كبائر السيئات) (١) وهو مما تفضل الله به على عباده المؤمنين أن من اقترف منهم شيئا من كبائر السيئات ثم تاب وأصلح أنه يتجاوز عنه ويعفو على سبيل الفضل والكرم؛ قال تعالى: ﴿إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما﴾ [الفرقان: ٧٠]، قال الشوكاني: قال الزجاج: ليس يجعل مكان السيئة الحسنة، ولكن يجعل مكان السيئة التوبة، والحسنة مع التوبة. وقيل: «إن السيئات تبدل بحسنات، وبه قال جماعة من الصحابة، ومن بعدهم» (٢). وقال ابن كثير رحمه الله تعالى (٣) القول الثاني: أن تلك السيئات الماضية تنقلب بنفس التوبة النصوح حسنات، وما ذاك إلا أنه كلما تذكر ما مضى ندم واسترجع واستغفر، فينقلب الذنب طاعة بهذا الاعتبار. فيوم القيامة وإن وجده مكتوبا عليه لكنه لا يضره وينقلب حسنة في صحيفته، كما ثبتت السنة بذلك، وصحت به الآثار المروية عن السلف، رحمهم الله تعالى - وهذا سياق الحديث - عن المعرور بن سويد عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : «إني لأعلم آخر أهل الجنة دخولا الجنة وآخر أهل النار خروجا منها رجل يؤتى به يوم القيامة فيقال اعرضوا عليه صغار ذنوبه وارفعوا عنه كبارها. فتعرض عليه صغار ذنوبه فيقال عملت يوم كذا وكذا كذا وكذا وعملت يوم كذا وكذا كذا وكذا. فيقول نعم. لا يستطيع أن ينكر وهو مشفق من كبار ذنوبه أن تعرض عليه. فيقال له فإن لك مكان كل سيئة حسنة. فيقول رب قد عملت أشياء لا أراها ها هنا». فلقد رأيت رسول الله ﷺ «ضحك حتى بدت نواجذه» (٤). والآيات في هذا كثيرة جدا.

стр. 109

• اجتناب الكبائر سبب في تكفير الصغائر: • قال المصنف رحمه الله تعالى: ﴿وغفر لهم الصغائر باجتناب الكبائر﴾ مصداقا لقول الغفور الرحيم: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما﴾ [النساء: ٣١]، ﴿ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى الذين يجتنبون كبير الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة﴾ [النجم: ٣١، ٣٢] أي: إن تجتنبوا كبائر ما نهيتم عنه في هذه السورة من المناكح الحرام وأكل الأموال بالباطل وغير ذلك مما تقدم، نكفر عنكم ما كان من ارتكابها فيما سلف. انتهى بتصرف (١). عدد الكبائر: أما في عد الكبائر فقد روى عبد الرزاق عن ابن عباس ﵄ أنه قيل له: هل الكبائر سبع؟ فقال: هي إلى السبعين أقرب، وروى ابن جبير أنه قال له: هي إلى السبعمائة أقرب منها إلى السبع، غير أنه لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار. وقد أورد ابن كثير في تفسيره عند الآية كثيرا من أحاديث الكبائر فلتنظر هناك. وقد خرج ابن جرير من رواية الحسن: أن قوما أتوا عمر، فقالوا: نرى أشياء من كتاب الله لا يعمل بها، فقال لرجل منهم: أقرأت القرآن كله؟ قال: نعم، قال: فهل أحصيته في نفسك؟ قال: اللهم لا، قال: فهل أحصيته في بصرك؟ فهل أحصيته في لفظك؟ هل أحصيته في أثرك؟ ثم تتبعهم حتى أتى على آخرهم، ثم قال: ثكلت عمر أمه، أتكلفونه أن يقيم على الناس كتاب الله؟ قد علم ربنا أنه سيكون لنا سيئات (٢)، قال: وتلا: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما﴾ [النساء: ٣١]. وبإسناده عن أنس بن مالك ﵁: أنه قال: لم أر مثل الذي بلغنا عن

стр. 110

ربنا تعالى، ثم لم نخرج له عن كل أهل ومال، ثم سكت، ثم قال: والله لقد كلفنا ربنا أهون من ذلك، لقد تجاوز لنا عما دون الكبائر، فما لنا ولها، ثم تلا: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما﴾ [النساء: ٣١] وخرجه البزار في «مسنده» مرفوعا، والموقوف أصح (١). ثم قال رحمه الله تعالى: (وجعل من لم يتب من الكبائر صائرا إلى مشيئته ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾). أي: أن من اقترف شيئا من كبائر السيئات من المؤمنين، ومات غير تائب، فأمره موكول إلى مشيئة الله، إن شاء عفا عنه فضلا، وإن شاء عاقبه عدلا ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء: ٤٨]، ولحديث عبادة بن الصامت ﵁ وكان شهد بدرا وهو أحد النقباء ليلة العقبة أن رسول الله ﷺ قال وحوله عصابة من أصحابه: «بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوا في معروف فمن وفى منكم فأجره على الله ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب في الدنيا فهو كفارة له ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه فبايعناه على ذلك» (٢). وقال ابن عمر ﵄: كنا معشر أصحاب النبي ﷺ لا نشك في قاتل النفس، وآكل مال اليتيم وشاهد الزور، وقاطع الرحم، حتى نزلت هذه الآية: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾، فأمسكنا عن الشهادة.

стр. 111

وفي «الدر المنثور» (١) بسند صحيح، عن ابن عمر، قال: «كنا نمسك عن الاستغفار لأهل الكبائر حتى سمعنا من نبينا ﷺ : ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ قال: إني ادخرت دعوتي شفاعة لأهل الكبائر من أمتي: قال فأمسكنا عن كثير مما كان في أنفسنا، ثم نطقنا بعد ورجونا» (٢). قال ابن جرير: «وقد أبانت هذه الآية أن كل صاحب كبيرة ففي مشيئة الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه عليه، ما لم تكن كبيرة شركا بالله». وذلك لأن الكبائر لا يكفر بها أهل السنة والجماعة مرتكبها إلا أن يكون مستحلا لها. • قال المصنف: (ومن عاقبه الله بناره أخرجه منها بإيمانه فأدخله به جنته ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره﴾ [الزلزلة: ٧]). أي: ومما يجب التصديق به أن عصاة المؤمنين إن أراد الله تعذيبهم في دار العقاب يكون العقاب بقدر ما جنوا على أنفسهم من السيئات، ثم تتغمدهم الرحمة فيخرجون من دار العقاب إلى دار السلام، لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: «يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار ثم يقول الله تعالى: أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان فيخرجون منها قد اسودوا فيلقون في نهر الحيا أو الحياة شك مالك فينبتون كما تنبت الحبة في جانب السيل (٣) ألم تر أنها تخرج»

стр. 112

صفراء ملتوية (١). وفي لفظ آخر من حديث أبي سعيد الخدري أنه ﷺ قال: « … وإذا رأوا أنهم قد نجوا في إخوانهم يقولون: ربنا إخواننا كانوا يصلون معنا، ويصومون معنا، ويعملون معنا، فيقول الله تعالى: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من إيمان فأخرجوه، ويحرم الله صورهم على النار فيأتونهم وبعضهم قد غاب في النار إلى قدمه وإلى أنصاف ساقيه، فيخرجون من عرفوا ثم يعودون فيقول اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار فأخرجوه فيخرجون من عرفوا، ثم يعودون فيقول اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من إيمان فأخرجوه فيخرجون من عرفوا قال أبو سعيد فإن لم تصدقوني فاقرءوا: ﴿إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضعفها﴾، فيشفع النبيون والملائكة والمؤمنون، فيقول الجبار بقيت شفاعتي فيقبض قبضة من النار فيخرج أقواما قد امتحشوا (٢) فيلقون في نهر بأفواه الجنة يقال له ماء الحياة فينبتون في حافتيه كما تنبت الحبة في حميل السيل، قد رأيتموها إلى جانب الصخرة وإلى جانب الشجرة فما كان إلى الشمس منها كان أخضر وما كان منها إلى الظل كان أبيض فيخرجون كأنهم اللؤلؤ فيجعل في رقابهم الخواتيم فيدخلون الجنة، فيقول أهل الجنة هؤلاء عتقاء الرحمن أدخلهم الجنة بغير عمل عملوه، ولا خير قدموه، فيقال لهم لكم ما رأيتم ومثله معه» (٣). ولا يخلد في النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان، فالإيمان سبب في عدم الخلود في النار، وسبب في دخول الجنة إلا أن مسببية الإيمان في دخول الجنة مع عفو الله ورحمته ﴿فبذلك فليفرحوا﴾ [يونس: ٥٨]، وما ورد من خلود بعض أهل المعاصي كقاتل النفس المؤمنة بغير حق، ومن انتحر بحديدة

стр. 113

أو خنق أو سم ونحو ذلك فهو خلود نسبي يدل على طول بقاء لا يعلمه إلا الله تعالى ثم يعفى عنهم ويصيرون إلى الجنة بمشيئة الله وعفوه والله أعلم. • شفاعة النبي ﷺ لأهل الكبائر من أمته: قول المصنف: (ويخرج منها بشفاعة النبي ﷺ من شفع له من أهل الكبائر من أمته). أي: ومما يجب التصديق به ثبوت الشفاعة لنبينا محمد ولغيره أيضا، وإنما خصه بالذكر لكونه أول وأفضل شافع. والشفاعة هي: قال أبو جعفر: و «الشفاعة» مصدر من قول الرجل: «شفع لي فلان إلى فلان شفاعة وهو طلبه إليه في قضاء حاجته». وإنما قيل للشفيع: «شفيع وشافع»، لأنه ثنى المستشفع به، فصار به شفعا فكان ذو الحاجة ـ قبل استشفاعه به في حاجته - فردا، فصار صاحبه له فيها شافعا، وطلبه فيه وفي حاجته شفاعة (١)، والشفاعة يوم القيامة هي طلب الأنبياء والمرسلين والملائكة والشهداء والصالحين أن يشفعوا فيمن استحقوا العذاب، أو غير ذلك مما سيأتي من أنواع الشفاعة. والشفاعة الله ل ملك له ليس لأحد فيها شيء، ولا تكون إلا برضاه، ولا تتم إلا بإذنه لمن شاء سبحانه قال تعالى: ﴿قل لله الشفعة جميعا﴾ [الزمر: ٤٤]، وما دام أنه يملكها سبحانه فقد أخبرنا أنها لا تكون إلا بإذنه قال تعالى: ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه﴾ [البقرة: ٢٥٥]، ﴿وكم من ملك في السموات لا تغني شفعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى﴾ [النجم: ٢٦]. • فلا شفاعة إلا بعد إذن الله ورضائه. وتكون لأوليائه المرتضين الأخيار الذين أذن لهم في الشفاعة كما قال

стр. 114

تعالى: ﴿لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا﴾ [النبأ: ٣٨]، وقال: ﴿لا يملكون الشفعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا﴾ [مريم: ٨٧]. ولا يأذن أن يشفع إلا لمن ارتضى كما قال تعالى: ﴿ولا يشفعون إلا لمن ارتضى﴾ [الأنبياء: ٢٨]. أنواع الشفاعة: اعلم أن الشفاعة أنواع وأعظمها شفاعة سيد الشافعين نبينا محمد ﷺ وذلك لأن الأمم كلها يوم القيامة تأتي إليه ليشفع لها من شدة الموقف وهي أعظم الشفاعات، قال النووي: قوله ﷺ : «وأعطيت الشفاعة» (١) هي الشفاعة العامة التي تكون في المحشر بفزع الخلائق إليه لأن الشفاعة في الخاصة جعلت لغيره أيضا، وهو المقام المحمود الذي وعده الله إياه كما قال تعالى: ﴿عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا﴾ [الإسراء: ٧٩]، وذلك أن الناس إذا ضاق بهم الموقف، وطال المقام، واشتد القلق، وألجمهم العرق، التمسوا الشفاعة في أن يفصل الله بينهم فيأتون آدم ثم نوح ثم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى بن مريم وكلهم يقول نفسي نفسي إلى أن ينتهوا إلى نبينا محمد ﷺ فيقول: «أنا لها» (٢) كما جاء مفصلا في الصحيحين وغيرهما. فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ أتي بلحم فرفع إليه الذراع وكانت تعجبه فنهش منها نهشة ثم قال: «أنا سيد الناس يوم القيامة وهل تدرون مم ذلك يجمع الله الناس الأولين والآخرين في صعيد واحد يسمعهم الداعي وينفذهم البصر وتدنو الشمس فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون فيقول الناس ألا ترون ما قد بلغكم ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم فيقول بعض الناس لبعض عليكم بآدم فيأتون آدم ﵇ فيقولون له أنت أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأمر الملائكة فسجدوا لك اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه ألا ترى إلى ما قد بلغنا فيقول آدم إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وإنه قد نهاني عن الشجرة فعصيته نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى نوح فيأتون

стр. 115

نوحا فيقولون يا نوح إنك أنت أول الرسل إلى أهل الأرض وقد سماك الله عبدا شكورا اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه فيقول إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وإنه قد كانت لي دعوة دعوتها على قومي نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى إبراهيم فيأتون إبراهيم فيقولون يا إبراهيم أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه فيقول لهم إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وإني قد كنت كذبت ثلاث كذبات فذكرهن أبو حيان في الحديث نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى موسى فيأتون موسى فيقولون يا موسى أنت رسول الله فضلك الله برسالته وبكلامه على الناس اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه فيقول إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وإني قد قتلت نفسا لم أومر بقتلها نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى عيسى ابن مريم فيأتون عيسى فيقولون يا عيسى أنت رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وكلمت الناس في المهد صبيا اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه فيقول عيسى إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله قط ولن يغضب بعده مثله ولم يذكر ذنبا نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى محمد فيأتون محمدا فيقولون يا محمد أنت رسول الله وخاتم الأنبياء وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه فأنطلق فآتي تحت العرش فأقع ساجدا لربي ثم يفتح الله علي من محامده وحسن الثناء عليه شيئا لم يفتحه على أحد قبلي ثم يقال يا محمد ارفع رأسك سل تعطه واشفع تشفع فأرفع رأسي فأقول أمتي يا رب أمتي يا رب أمتي يا رب فيقال يا محمد أدخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب ثم قال والذي نفسي بيده إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة كما بين

стр. 116

مكة وحمير أو كما بين مكة وبصر» (١). وقال: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» (٢). وأما الشفاعة الثانية: فهي في استفتاح باب الجنة، وأول من يستفتح بابها نبينا محمد ﷺ ، وأول من يدخلها من الأمم أمته. الثالثة: الشفاعة في أقوام قد أمر بهم إلى النار أن لا يدخلوها. الرابعة: في من دخلها من أهل التوحيد فيشفع لهم ليخرجوا منها. الخامسة: الشفاعة في رفع درجات أقوام من أهل الجنة؛ وهذه الثلاث ليست خاصة بنبينا ﷺ ولكنه هو المقدم فيها ثم بعده الأنبياء والملائكة والأولياء والأفراط يشفعون ثم يخرج الله تعالى برحمته من النار أقواما بدون شفاعة لا يحصيهم إلا الله فيدخلهم الجنة. السادسة: الشفاعة في تخفيف عذاب بعض الكفار، وهذه خاصة لنبينا محمد ﷺ في عمه أبي طالب كما في مسلم وغيره. الجنة دار كرامة لأولياء الله تعالى، والنار دار غضبه لأعدائه: • قال المصنف رحمه الله تعالى: (وأن الله سبحانه قد خلق الجنة فأعدها دار خلود لأوليائه، وأكرمهم فيها بالنظر إلى وجهه الكريم وهي التي أهبط منها آدم نبيه وخليفته إلى أرضه بما سبق في سابق علمه. وخلق النار فأعدها دار خلود لمن كفر به وألحد في آياته وكتبه ورسله وجعلهم محجوبين عن رؤيته). • الجنة والنار: إن مما يجب اعتقاده أن الله جل في علاه قد خلق الجنة وأعدها دارا

стр. 117

لأهل كرامته ونزلا للصالحين من عباده، وخلق النار وأعدها لمن كتبت عليهم الشقاوة ممن كفر وألحد في آياته، ولم يؤمن بكتبه ورسله واليوم الآخر. والجنة والنار مخلوقتان لهما بداية وليست لهما نهاية، وهما موجودتان مذ خلقهما الباري سبحانه لا تبيدان ولا تفنيان، والأدلة من الكتاب والسنة على الجنة والنار متواترة فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين﴾ [آل عمران: ١٣٣]، وقال تعالى: ﴿أكلها دائم وظلها﴾ [الرعد: ٣٥]، وقال سبحانه عن النار: ﴿يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم﴾ [المائدة: ٣٧]، وقوله تعالى: ﴿فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين﴾ [البقرة: ٢٤]. والآيات في ذكر الجنة والنار كثيرة جدا فمن الأحاديث: عن عمران بن حصين ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء، واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء» (١). والجنة هي دار الثواب لمن أطاع الله أعدها نزلا لأهل كرامته من أصفيائه، وموضعها في السماء السابعة عند سدرة المنتهى، قال تعالى: ﴿ولقد رآه نزلة أخرى … عند سدرة المنتهى … عندها جنة المأوى﴾ [النجم: ١٣ - ١٥]، والجنة مائة درجة بين كل درجة والأخرى كما بين السماء والأرض كما في حديث أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن في الجنة مائة درجة، أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض» (٢). وأعلى الجنة الفردوس الأعلى وفوقه العرش ومنه تتفجر أنهار الجنة كما جاء في حديث أبي هريرة السابق عن النبي ﷺ قال: «فإذا سألتم الله، فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة - أراه - فوقه عرش الرحمن، ومنه

стр. 118

تفجر أنهار الجنة» (١). • أبواب الجنة: للجنة ثمانية أبواب قال تعالى: ﴿وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا … حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين﴾ [الزمر: ٧٣]، وجاء في حديث سهل بن سعد ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «في الجنة ثمانية أبواب فيها باب يسمى الريان لا يدخله إلا الصائمون» (٢)، وعن عمر بن الخطاب ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ - أو: فيسبغ الوضوء - ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء» (٣)، وأما الأبواب الأخرى فقد ذكرت في حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من أنفق زوجين من ماله في سبيل الله، دعي من أبواب الجنة، وللجنة أبواب، فمن كان من أهل الصلاة، دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الصدقة، دعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الجهاد، دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام، دعي من باب الريان». فقال أبو بكر: والله يا رسول الله، ما على أحد من ضرورة من أيها دعي، فهل يدعى منها كلها أحد يا رسول الله؟ قال: «نعم، وإني أرجو أن تكون منهم» (٤)، من حديث الزهري، بنحوه. قال القاضي عياض: ذكر مسلم في هذا الحديث من أبواب الجنة أربعة، وزاد غيره بقية الثمانية، فذكر منها باب التوبة، وباب الكاظمين الغيظ، وباب الراضين، «والباب الأيمن الذي يدخل منه من لا حساب عليه» (٥).

стр. 119

قال القرطبي في «التذكرة»: ذكر الحكيم الترمذي أبواب الجنة فعد أبوابا غير ما ذكر. قال فعلى هذا أبواب الجنة أحد عشر بابا، وقال عياض: وقد ذكر بعض العلماء أن عدة أبواب الجنة ثلاثة عشر بابا (١). وقد أعد الله لأهل الجنة فيها من النعيم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فعن أسامة بن زيد قال: قال رسول الله ﷺ ذات يوم لأصحابه: «ألا مشمر للجنة فإن الجنة لا خطر لها هي ورب الكعبة، نور يتلالأ، وريحانة تهتز، وقصر مشيد، ونهر مطرد، وفاكهة كثيرة نضيجة، وزوجة حسناء جميلة، وحلل كثيرة في مقام أبدا، في حبرة ونضرة في دور عالية سليمة بهية قالوا: نحن المشمرون لها يا رسول الله، قال: «قولوا إن شاء الله، ثم ذكر الجهاد وحض عليه»» (٢). • «والإيمان بالجنة والنار يتحقق بثلاثة أمور»: الأول: الاعتقاد الجازم بأنهما حق وأن الجنة دار المتقين والنار دار الكافرين والمنافقين. الثاني: اعتقاد وجودهما الآن. الثالث: اعتقاد دوامهما وبقائهما وأنهما لا تفنيان ولا يفنى من فيهما. وقد أشار المصنف رحمه الله تعالى أن الجنة المذكورة في القرآن هي

стр. 120

التي أهبط منها آدم ﷺ وهو قول من ثلاثة أقوال رجح المصنف ما ذكره قال تعالى: ﴿يتائادم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين﴾ [الأعراف: ١٩]. وقد سبق في علم الله تعالى خروج آدم من الجنة وهبوطه الأرض ليعمرها قال تعالى: ﴿وإذ قال ربك للملائكة إنى جاعل فى الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إنى أعلم ما لا تعلمون﴾ [البقرة: ٣٠]، ﴿هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها﴾ [هود: ٦١]. روى مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «تحاج آدم وموسى، فحج آدم موسى، قال له موسى: أنت آدم الذي أغويت الناس وأخرجتهم من الجنة، فقال له آدم: أنت موسى الذي أعطاه الله علم كل شيء واصطفاه على الناس برسالته، قال: نعم، قال: أفتلومني على أمر قد قدر علي قبل أن أخلق» مالك في «الموطأ» والبخاري ومسلم (١). وفي لفظ: «قال: احتج آدم وموسى؛ فقال له موسى: يا آدم أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة، قال له آدم: يا موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك بيده أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة، فحج آدم موسى، فحج آدم موسى ثلاثا». • أعظم نعيم في الجنة: إن من أعظم النعيم في الجنات، وأطيب الهبات والتفضل من رب البريات على أهل الجنة، أن يكشف الرب الجليل لهم عن وجهه الكريم فما أعطوا نعمة ولا فضلا ولا كرما أفضل مما يرون يومئذ، اللهم لا تحرمنا النظر إلى وجهك الكريم يا كريم، قال تعالى: ﴿وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾ [القيامة: ٢٢/

стр. 121

٢٣]. وقال رسول الله ﷺ في قول الله: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ [يونس: ٢٦] هو النظر إلى وجهه الكريم، كما روى مسلم في «صحيحه» عن صهيب، قال: قرأ رسول الله ﷺ : ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾، قال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، نادى مناد: يا أهل الجنة، إن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه، فيقولون: ما هو؟ ألم يثقل موازيننا ويبيض وجوهنا ويدخلنا الجنة ويجرنا من النار؟ فيكشف الحجاب، فينظرون إليه، فما أعطاهم شيئا أحب إليهم من النظر إليه، وهي الزيادة» (١). ورواه غيره بأسانيد متعددة وألفاظ أخر، معناها أن الزيادة: النظر إلى وجه الله. وكذلك فسرها الصحابة. روى ابن جرير ذلك. عن جماعة، منهم: أبو بكر الصديق عنه، وحذيفة، وأبو موسى الأشعري، وابن عباس. قال شيخ الإسلام أبو الحسن الأشعري في كتابه «الإبانة في أصول الديانة» ما نصه: أفضل لذات الجنة رؤية الله تعالى ثم رؤية نبيه ﷺ ، فلذلك لم يحرم الله أنبياءه المرسلين وملائكته المقربين وجماعته المؤمنين والصديقين النظر إلى وجهه. انتهى (٢). • مجيء الرب جل وعلا للفصل بين العباد: • قال المصنف رحمه الله تعالى: (وأن الله ﵎ يجيء يوم القيامة والملك صفا صفا، لعرض الأمم وحسابها وثوابها). الشرح قال تعالى في محكم التنزيل: ﴿كلا إذا دكت الأرض دكا دكا (٢١) وجاء ربك

стр. 122

والملك صفا صفا﴾ [الفجر: ٢١، ٢٢] وقال تعالى: ﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر وإلى الله ترجع الأمور﴾ [البقرة: ٢١٠]، وقال النبي ﷺ في حديث أبي سعيد الخدري الطويل: «حتى إذا لم يبق إلا من يعبد الله أتاهم رب العالمين» (١). هكذا ثبت في السمع أن الله يجيء يوم القيامة والملك صفا صفا ولا يسعنا إلا التصديق بذلك ونكل علمه إلى صاحب الشرع، قال شيخ الإسلام أبو الحسن الأشعري رحمه الله تعالى: «وأنه يجيء يوم القيامة هو وملائكته كما قال: ﴿وجاء ربك والملك صفا صفا﴾ وأنه ينزل إلى السماء الدنيا كما جاء في الحديث، ولم يقولوا شيئا إلا ما وجدوه في الكتاب أو جاءت به الرواية عن رسول الله ﷺ اهـ (٢). قال ابن كثير … فيجيء الرب تعالى لفصل القضاء كما يشاء، والملائكة يجيئون بين يديه صفوفا صفوفا» (٣). قلت: ومن فسر مجيء الرب بمجيء أمره، أو ملائكته، فإنه يعجزه تفسير قوله: ﴿هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا قل انتظروا إنا منتظرون﴾ [الأنعام: ١٥٨]، فذكر مجيء الملائكة وحده، ومجيئه سبحانه وحده، ومجيء آياته ففصل. وقوله: ﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر وإلى الله ترجع الأمور﴾ [البقرة: ٢١٠]. قال شيخنا العلامة محمد سالم ولد عبد الودود رحمه الله تعالى: وما نقول في صفات قدسه … فرع الذي نقوله في نفسه فإن يقل جهميهم: كيف استوى؟ … كيف يجي؟ فقل له: كيف هوا؟ لا فرق بين ما سميه يعد … وصفا لنا كـ (علم) أو جزء كـ (يد)

стр. 123

الباب في الجميع واحد فلا … تكن معطلا ولا ممثلا يأتي، يجي، يكشف عن ساق يضع … قدمه على جهنم، يسع بفضله الخلق يداه بالعطا … مبسوطتان، كيف شاء بسطا كلتاهما في يمنها يمين … فهو بذا من خلقه يبين ويأت الرب والملائكة ﴿لعرض الأمم وحسابها وثوابها﴾ متعلق بيجيء؛ يعني: أن جميع الأمم تعرض للنظر في أحوالها والحساب على أعمالها، وهو أن يعدد على من أحضر للحساب كل ما فعل من حسنة ومن سيئة فيحاسب المؤمن بالفضل والمنافق والكافر بالحجة والعدل. • العرض والحساب: ﴿وتوضع الموازين لوزن أعمال العباد ﴿فمن ثقلت موازينه فأولتبك هم المفلحون﴾ [المؤمنون: ١٠٢] ويؤتون صحائفهم بأعمالهم فمن أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا ومن أوتي كتابه وراء ظهره فأولئك يصلون سعيرا﴾. الشرح العرض والحساب ثابتان في الكتاب والسنة وأجمع أهل الإسلام على ذلك، قال السفاريني ذاكرا إجماع أهل العلم: (وهو حق ثابت ورد به الكتاب والسنة وانعقد عليه الإجماع وهو يوم القيامة) (١)، وهذا أيضا ما قرره الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في كتابه اعتقاد أئمة أهل الحديث (٢) حيث قال: (والحساب حق). قال تعالى: ﴿فيومئذ وقعت الواقعة ﴿١٥﴾ وانشقت السماء فهي يومئذ واهية ﴿١٦﴾ والملك على أرجائها ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية ﴿١٧﴾ يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية (١٨)﴾ [الحاقة: ١٥ - ١٨].

стр. 124

وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «ليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا هلك» فقلت: يا رسول الله، أليس قد قال الله تعالى: ﴿فأما من أوتي كتابه بيمينه * فسوف يحاسب حسابا يسيرا﴾ [الانشقاق: ٧، ٨] فقال رسول الله ﷺ : «إنما ذلك العرض، وليس أحد يناقش الحساب يوم القيامة إلا عذب» (١). وعن أبي موسى الأشعري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات، فعرضتان جدال ومعاذير، وعرضة تطاير الصحف، فمن أوتي كتابه بيمينه، وحوسب حسابا يسيرا، دخل الجنة، ومن أوتي كتابه بشماله، دخل النار» (٢). وقد روى ابن أبي الدنيا عن ابن المبارك: أنه أنشد في ذلك شعرا: وطارت الصحف في الأيدي منشرة … فيها السرائر والأخبار تطلع فكيف سهوك والأنباء واقعة … عما قليل، ولا تدري بما تقع أفي الجنان وفوز لا انقطاع له … أم الجحيم فلا تبقي ولا تدع تهوي بساكنها طورا وترفعهم … إذا رجوا مخرجا من غمها قمعوا طال البكاء فلم يرحم تضرعهم … فيها، ولا رقية تغني ولا جزع لينفع العلم قبل الموت عالمه … قد سال قوم بها الرجعي فما رجعوا (٣) فالمؤمن يخلو به ربه فيقول الله له: سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك يوم القيامة. والكافرون يحاسبون على رؤوس الأشهاد وينادى بهم ﴿هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين﴾ [هود: ١٨].

стр. 125

قوله رحمه الله تعالى: ﴿وتوضع الموازين لوزن أعمال العباد فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون﴾ [المؤمنون: ١٠٢]. أي: تنصب الموازين لإظهار العدل، قال تعالى: ﴿ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين﴾ [الأنبياء: ٤٧]، ﴿والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون﴾ [الأعراف: ٨، ٩]، والموازين جمع ميزان، والميزان هو: «عبارة عن الآلة التي توزن بها أعمال العباد من خير أو شر، ويكون ذلك بعد الحساب، لأن الوزن للجزاء، فينبغي أن يكون بعد المحاسبة، فإن المحاسبة لتقرير الأعمال، والوزن لإظهار مقاديرها، ليكون الجزاء بحسبها، وهو ميزان حقيقي له لسان وكفتان، توزن به أعمال العباد» (١). وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن سبحان الله العظيم سبحان الله وبحمده» (٢). قال الحافظ ابن حجر: «قال أبو إسحاق الزجاج أجمع أهل السنة على الإيمان بالميزان، وأن أعمال العباد توزن يوم القيامة، وأن الميزان له لسان وكفتان ويميل بالأعمال، وأنكرت المعتزلة الميزان وقالوا: هو عبارة عن العدل فخالفوا الكتاب والسنة؛ لأن الله أخبر أنه يضع الموازين لوزن الأعمال، ليرى العباد أعمالهم ممثلة ليكونوا على أنفسهم شاهدين، وقال ابن فورك (٣).

стр. 126

أنكرت المعتزلة الميزان بناء منهم على أن الأعراض يستحيل وزنها إذ لا تقوم بأنفسها، قال وقد روى بعض المتكلمين عن ابن عباس ﵁ أن الله تعالى يقلب الأعراض أجساما فيزنها إنتهى. ويقع القصاص بين السادة والعبيد، وحتى بين الحيوانات العجماوات، فما بالك الإنسان المكلف كثير الذنوب والعصيان فمن الأول ما روت أمنا الصديقة بنت الصديق ﵂ وعن أبيها: أن رجلا فعد بين يدي النبي ﷺ فقال يا رسول الله: إن لي مملوكين، يكذبونني، ويخونونني، ويعصونني، وأشتمهم وأضربهم فكيف أنا منهم، قال: «يحسب ما خانوك وعصوك وكذبوك وعقابك إياهم فإن كان عقابك إياهم بقدر ذنوبهم كان كفافا لا لك ولا عليك وإن كان عقابك إياهم دون ذنوبهم كان فضلا لك وإن كان عقابك إياهم فوق ذنوبهم اقتص لهم منك الفضل» قال فتنحى الرجل فجعل يبكي ويهتف، فقال رسول الله ﷺ : «أما تقرأ كتاب الله ﴿ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال﴾ الآية فقال الرجل والله يا رسول الله ما أجد لي ولهؤلاء شيئا خيرا من مفارقتهم أشهدكم أنهم أحرار كلهم» (١).

стр. 127

وعن عبد الله بن أنيس ﵁ قال سمعت النبي ﷺ يقول: «يحشر الناس يوم القيامة - أو قال: العباد - عراة غرلا بهما» قال: قلنا: وما بهما؟ قال: «ليس معهم شيء، ثم يناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك، أنا الديان، ولا ينبغي لأحد من أهل النار، أن يدخل النار، وله عند أحد من أهل الجنة حق، حتى أقصه منه، ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة، ولأحد من أهل النار عنده حق، حتى أقصه منه، حتى اللطمة «قال: قلنا: كيف وإنا إنما نأتي الله عراة غرلا بهما؟ قال: «بالحسنات والسيئات»» (١). ومن الثاني: ما جاء في «صحيح مسلم» من حديث العلاء عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء» (٢). • تطاير الصحف: قال المصنف: (ويؤتون صحائفهم بأعمالهم فمن أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا ومن أوتي كتابه وراء ظهره فأولئك يصلون سعيرا). الشرح يختلف الناس في أخذ صحفهم يوم القيامة فأخذ بيمينه ومن أمامه، وآخذ بشماله ومن وراء ظهره، وعلى حسب الإعطاء تكون السعادة والشقاوة، والفوز والخسران والحزن والاطمئنان، فيا فوز من سعدت يمينه بأخذ كتابها، وستر ذنبها، وقربها من ربها، اللهم يمن كتابنا، ويسر حسابنا، وألهمنا صوابنا.

стр. 128

قال تعالى: ﴿ويوم ندعوا كل أناس بإمامهم فمن أوتي كتابه بيمينه، فأولبك يقرءون كتابهم ولا يظلمون فتيلا﴾ [الإسراء: ٧١]، قال ابن كثير رحمه الله تعالى: أي: من فرحته وسروره بما فيه من العمل الصالح، يقرؤه ويحب قراءته، قد روى الحافظ أبو بكر البزار حديثا بسنده عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ في قول الله: ﴿ويوم ندعوا كل أناس بإممهم﴾ قال: «يدعى أحدهم فيعطى كتابه بيمينه، ويمد له في جسمه، ويبيض وجهه، ويجعل على رأسه تاج من لؤلؤة تتلألأ فينطلق إلى أصحابه فيرونه من بعيد، فيقولون: اللهم ائتنا بهذا، وبارك لنا في هذا. فيأتيهم فيقول لهم: أبشروا، فإن لكل رجل منكم مثل هذا. وأما الكافر فيسود وجهه، ويمد له في جسمه، ويراه أصحابه فيقولون: نعوذ بالله من هذا - أو: من شر هذا - اللهم لا تأتنا به. فيأتيهم فيقولون: اللهم اخزه فيقول: أبعدكم الله، فإن لكل رجل منكم مثل هذا». ثم قال البزار: لا يروى إلا من هذا الوجه (١). قال المصنف رحمه الله تعالى: (وأن الصراط حق يجوزه العباد بقدر أعمالهم فناجون متفاوتون في سرعة النجاة عليه من نار جهنم وقوم أوبقتهم فيها أعمالهم). الشرح الإيمان بالصراط • ما هو الصراط؟ في اللغة الطريق، والمراد هنا جسر على متن جهنم. أجمع أهل السنة والجماعة على إثبات الصراط، وهو جسر ـ بفتح الجيم وكسرها - ممدود على جهنم ليعبر المسلمون عليه إلى الجنة، وهو أحد من السيف وأدق من الشعر، وهو ممر خطير، وطريق عسير كما وصفه البشير النذير ﷺ فقال: كما في «صحيح مسلم» عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن

стр. 129

رسول الله ﷺ : « … قيل يا رسول الله وما الجسر»؟ قال: «دحض مزلة، فيه خطاطيف وكلاليب وحسك تكون بنجد فيها شويكة يقال لها السعدان، فيمر المؤمنون كطرف العين، وكالبرق، وكالريح، وكالطير، وكأجاويد الخيل والركاب، فناج مسلم، ومخدوش مرسل، ومكدوس في نار جهنم، … » (١). وذهب أكثر المفسرين إلى تفسير قوله تعالى: ﴿وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا﴾ [مريم: ٧١]، فسرها عبد الله بن مسعود وقتادة وزيد بن أسلم (بالمرور على الصراط)، قال ابن أبي العز: (والأظهر أنه المرور على الصراط، وفسرها جماعة منهم ابن عباس بالدخول في النار لكن ينجون منها) (٢). وقد بوب الإمام البخاري في «صحيحه» باب (الصراط جسر جهنم) ذكر فيه حديث أبي هريرة الطويل وفيه: «ويضرب جسر جهنم، قال رسول الله ﷺ : فأكون أول من يجيز، ودعاء الرسول يومئذ: اللهم سلم سلم، وبه كلاليب مثل شوك السعدان» (٣) الحديث، وأنكره بعض المعتزلة. قال ابن كثير: ثم ينتهي الناس بعد مفارقتهم مكان الموقف، إلى الظلمة التي دون الصراط وهي على جسر جهنم كما في عائشة: «أن رسول الله ﷺ سئل

стр. 130

أين الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات؟ فقال: هم في الظلمة دون الجسر» (١). قال الحافظ: «والصراط جسر موضوع على متن جهنم، وأن الجنة وراء ذلك فيمر عليه الناس بحسب أعمالهم، فمنهم الناجي وهو من زادت حسناته على سيئاته أو استويا أو تجاوز الله عنه، ومنهم الساقط وهو من رجحت سيئاته على حسناته إلا من تجاوز الله عنه، فالساقط من الموحدين يعذب ما شاء الله ثم يخرج بالشفاعة وغيرها، والناجي قد يكون عليه تبعات وله حسنات توازيها أو تزيد عليها فيؤخذ من حسناته ما يعدل تبعاته فيخلص منها؛ واختلف في القنطرة المذكورة فقيل هي من تتمة الصراط وهي طرفه الذي يلي الجنة، وقيل إنهما صراطان، وبهذا الثاني جزم القرطبي» اهـ. • الحوض: • قال المصنف رحمه الله تعالى: (والإيمان بحوض رسول الله ﷺ ترده أمته لا يظمأ من شرب منه … ويذاد عنه من بدل وغير). الشرح الحوض في اللغة: مجمع الماء، وجمعه حياض وأحواض. وشرعا: هو حوض النبي ﷺ الذي أكرمه الله تعالى به، وهو في عرصات يوم القيامة قبل الميزان، وخوض الناس الصراط. الإيمان بالحوض: يجب الإيمان بالحوض لأنه من الإيمان باليوم الآخر، الذي هو ركن من أركان الإيمان السنة التي لا يتم إيمان عبد إلا بها إجمالا في المجمل وتفصيلا فيما فصل. قال الإمام النووي نقلا عن عياض رحمهما الله تعالى: أحاديث الحوض صحيحة والإيمان به فرض، والتصديق به من الإيمان، وهو على ظاهره عند أهل السنة والجماعة، لا يتأول، ولا

стр. 131

يختلف فيه. ثم قال القاضي: «وحديثه متواتر النقل، رواه خلائق من الصحابة». وقال ابن حجر: قال القرطبي في المفهم تبعا للقاضي عياض في غالبه: مما يجب على كل مكلف أن يعلمه ويصدق به أن الله قد خص نبيه محمدا بالحوض المصرح باسمه وصفته وشرابه في الأحاديث الصحيحة الشهيرة التي يحصل بمجموعها العلم القطعي، إذ روى ذلك عن النبي ﷺ من الصحابة نيف على الثلاثين، منهم في الصحيحين ما ينيف على العشرين وفي غيرهما بقية ذلك مما صح نقله واشتهرت رواته، ثم رواه عن الصحابة المذكورين من التابعين أمثالهم ومن بعدهم أضعاف أضعافهم وهلم جرا، وأجمع على إثباته السلف وأهل السنة من الخلف، وأنكرت ذلك طائفة من المبتدعة وأحالوه على ظاهره وغلوا في تأويله من غير استحالة عقلية ولا عادية تلزم من حمله على ظاهره وحقيقته، ولا حاجة تدعو إلى تأويله، فخرق من حرفه إجماع السلف وفارق مذهب أئمة الخلف «ثم عقب الحافظ فقال: قلت: أنكره الخوارج وبعض المعتزلة، وممن كان ينكره عبيد الله بن زياد أحد أمراء العراق لمعاوية وولده، ولما تليت عليه الأحاديث رجع عن ذلك وقال: أشهد أن الحوض حق» (١). وقد جاء وصفه في الأحاديث المتواترة منها أن طوله: مسيرة شهر، وزواياه سواء، ماؤه أبيض من اللبن والورق، وأحلى من العسل، وأبرد من الثلج، وريحه أطيب من المسك، وكيسانه كنجوم السماء وهو في غاية الاتساع (٢)، ترد عليه أمة محمد ﷺ ، وهو فرطهم عليه، من شرب منه فلا يظمأ بعده أبدا (٣).

стр. 132

قال ابن كثير رحمه الله تعالى: «والحوض في العرصات، قبل الصراط، لأنه يختلج عنه ويمنع منه أقوام قد ارتدوا على أعقابهم، ومثل هؤلاء لا يجازون الصراط، كما سيرد من طرق متعددة، وقد جاء مصرحا به أنه في العرصات». وسيرده المؤمنون المتبعون لهدي خير البرية، وسيذاد عنه أقوام بدلوا وغيروا دين رب العالمين، وحاربوا سنة سيد الأولين والآخرين، فالويل لمن حيل بينه وبينه، وهنيئا لمن كانت له شربة منه، اللهم لا تحرمنا بسبب ذنوبنا ورود حوض المصطفى ﷺ . فقد أخرج مسلم (١) بسنده عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ليردن علي الحوض رجال ممن صاحبني، حتى إذا رأيتهم ورفعوا إلي اختلجوا دوني، فلأقولن: أي رب أصيحابي، أصيحابي، فليقالن لي: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك». قال النووي رحمه الله تعالى: (هذا مما اختلف العلماء في المراد به على أقوال: أحدها: أن المراد به المنافقون والمرتدون، فيجوز أن يحشروا بالغرة والتحجيل فيناديهم النبي ﷺ للسيماء التي عليهم، فيقال: ليس هؤلاء ما وعدت بهم، إن هؤلاء بدلوا بعدك، أي: لم يموتوا على ما ظهر من إسلامهم). والثاني: أن المراد من كان في زمن النبي ﷺ ثم ارتد بعده فيناديهم النبي ﷺ وإن لم يكن عليهم سيما الوضوء، لما كان يعرفه ﷺ في حياته من إسلامهم، فيقال: ارتدوا بعدك. والثالث: أن المراد به أصحاب المعاصي والكبائر الذين ماتوا على التوحيد وأصحاب البدع الذين لم يخرجوا ببدعتهم عن الإسلام. وعلى هذا القول لا يقطع لهؤلاء الذين يذادون بالنار، بل يجوز أن يذادوا عقوبة لهم، ثم يرحمهم الله فيدخلهم الجنة بغير عذاب. قال أصحاب هذا القول: (ولا يمتنع أن يكون لهم غرة وتحجيل، ويحتمل أن يكون كانوا في زمن النبي ﷺ وبعده لكن عرفهم بالسيما) (٢).

стр. 133

وقال ابن عبد البر (١): (كل من أحدث في الدين ما لا يرضاه الله فهو من المطرودين عن الحوض، وأشدهم من خالف جماعة المسلمين كالخوارج والروافض وأصحاب الأهواء، وكذلك الظلمة المسرفون في الجور وطمس الحق، والمعلنون بالكبائر، فكل هؤلاء يخاف عليهم أن يكونوا ممن عنوا بهذا الخبر) (٢). • الإيمان زيادته ونقصانه: • قال المصنف رحمه الله تعالى: (وأن الإيمان: قول باللسان وإخلاص بالقلب وعمل بالجوارح يزيد بزيادة الأعمال وينقص بنقصها. فيكون فيها النقص وبها الزيادة ولا يكمل قول الإيمان إلا بالعمل، ولا قول وعمل إلا بنية ولا قول وعمل ونية إلا بموافقة السنة). الشرح قد تقدم الكلام في أول الكتاب عن الإيمان وحقيقته فمن نطق بالشهادتين وأذعن بقلبه بصدق الرسول ﷺ بما جاء به وعمل بأحكام الشريعة كالصلاة والصوم كان مؤمنا، قال عبد الله بن نافع كان مالك يقول: «الإيمان قول وعمل يزيد وينقص … » (٣)، وفي «العتبية»: قال مالك في قوله تبارك

стр. 134

وتعالى: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾ قال: هي صلاة المؤمنين إلى بيت المقدس قبل أن ينصرف القبلة، فلما أنزل صرف القبلة، أنزل الله تعالى في هذا: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾ للصلاة التي يصلونها تلقاء بيت المقدس. اهـ (١)، واحتج بهذه الآية على المرجئة الذين لا يرون العمل داخلا في مسمى الإيمان. قال ابن كثير: عند تفسير قوله تعالى: ﴿الذين يؤمنون بالغيب﴾ قال ابن جرير وغيره: والأولى أن يكونوا موصوفين بالإيمان بالغيب قولا واعتقادا وعملا: قال: وقد تدخل الخشية الله في معنى الإيمان، الذي هو تصديق القول بالعمل والإيمان كلمة جامعة للإقرار بالله وكتبه ورسله، وتصديق الإقرار بالفعل. قلت - القائل ابن كثير -: أما الإيمان في اللغة فيطلق على التصديق المحض، وقد يستعمل في القرآن، والمراد به ذلك، كما قال تعالى: ﴿يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين﴾ [التوبة: ٦١]، وكما قال إخوة يوسف لأبيهم: ﴿وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين﴾ [يوسف: ١٧]، وكذلك إذا استعمل مقرونا مع الأعمال؛ كقوله: ﴿إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ [الانشقاق: ٢٥، والتين: ٦]، فأما إذا استعمل مطلقا فالإيمان الشرعي المطلوب لا يكون إلا اعتقادا وقولا وعملا. هكذا ذهب إليه أكثر الأئمة، بل قد حكاه الشافعي وأحمد بن حنبل وأبو عبيد وغير واحد إجماعا: «أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص» اهـ (٢). وقال البخاري: لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار فما رأيت أحدا منهم يختلف في أن الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص (٣). وقد عقد البخاري ﵀ بابا فقال: «باب قول النبي ﷺ بني الإسلام على خمس وهو قول وفعل ويزيد وينقص قال الله تعالى ﴿ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم﴾

стр. 135

[الفتح: ٤]، ﴿وزدناهم هدى﴾ [الكهف: ١٣]، ﴿ويزيد الله الذين اهتدوا هدى﴾ [مريم: ٧٦]، ﴿والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقونهم﴾ [محمد: ١٧]، وقوله: ﴿ويزداد الذين آمنوا إيمانا﴾ [المدثر: ٣١]، وقوله: ﴿أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا﴾ [آل عمران: ١٧٣]، وقوله جل ذكره: ﴿فاخشوهم فزادهم إيمانا﴾ [آل عمران: ١٧٣]، وقوله تعالى: ﴿وما زادهم إلا إيمانا وتسليما﴾ [الأحزاب: ٢٢]، والحب في الله والبغض في الله من الإيمان، وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن عدي: إن للإيمان فرائض وشرائع وحدودا وسننا، فمن استكملها استكمل الإيمان ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان، فإن أعش فسأبينها لكم حتى تعملوا بها، وإن أمت فما أنا على صحبتكم بحريص … » اهـ (١). قال ابن رجب رحمه الله تعالى: وأنكر السلف على من أخرج الأعمال عن الإيمان إنكارا شديدا، وممن أنكر ذلك على قائله، وجعله قولا محدثا: سعيد بن جبير، وميمون بن مهران، وقتادة، وأيوب السختياني، وإبراهيم النخعي، والزهري، ويحيى بن أبي كثير، وغيرهم. وقال الثوري: هو رأي محدث، أدركنا الناس على غيره. وقال الأوزاعي: «كان من مضى ممن سلف لا يفرقون بين الإيمان والعمل» (٢). وقوله: (ولا يكمل قول الإيمان إلا بالعمل، ولا قول وعمل إلا بنية، ولا قول وعمل ونية إلا بموافقة السنة) (٣). الشرح أي: أنه لا يكون العبد مؤمنا إيمانا كاملا إلا إذا اقترن مع التصديق العمل، وذلك لاقترانهما في القرآن الكريم قال تعالى: ﴿والعصر * إن الإنسان لفي خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر﴾.

стр. 136

[العصر: ١ - ٣]، ولا يقبل قول ولا عمل إلا بنية لقوله تعالى: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة﴾ [البينة: ٥]. ولحديث عمر بن الخطاب ﵁ يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنما الأعمال بالنية، وإنما لامرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه» (١)، قال ابن رجب: وقد اختلف في تقدير قوله: «الأعمال بالنيات»، فكثير من المتأخرين يزعم أن تقديره: الأعمال صحيحة، أو معتبرة، أو مقبولة بالنيات، وعلى هذا فالأعمال إنما أريد بها الأعمال الشرعية المفتقرة إلى النية، فأما ما لا يفتقر إلى النية كالعادات من الأكل والشرب، واللبس وغيرها، أو مثل رد الأمانات والمضمونات، كالودائع والغصوب، فلا يحتاج شيء من ذلك إلى نية، فيخص هذا كله من عموم الأعمال المذكورة هاهنا. وقال آخرون: بل الأعمال هنا على عمومها، لا يخص منها شيء. وحكاه بعضهم عن الجمهور، وكأنه يريد به جمهور المتقدمين، وقد وقع ذلك في كلام ابن جرير الطبري، وأبي طالب المكي وغيرهما من المتقدمين، وهو ظاهر كلام الإمام أحمد. قال في رواية حنبل: أحب لكل من عمل عملا من صلاة، أو صيام، أو صدقة، أو نوع من أنواع البر أن تكون النية متقدمة في ذلك قبل الفعل، قال النبي ﷺ : «الأعمال بالنيات»، فهذا يأتي على كل أمر من الأمور اهـ (٢)، وما أجمل ابن الحاج شيخ خليل رحمهما الله تعالى والذي سمى كتابه: «المدخل

стр. 137

إلى تنمية الأعمال بتحسين النيات والتنبيه على بعض البدع والعوائد التي انتحلت وبيان شناعتها وقبحها». فإذا اقترنت الأقوال والأعمال والنيات وجب النظر إلى موافقتها للسنة أو بعدها عنها، فكم من مجتهد في الخير محروم من الأجر والثواب، إما بسبب افتقاره للإخلاص ولو وافق السنة، أو بسبب إخلاصه واجتهاده لكن في بدعة، قال تعالى: ﴿فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا﴾ [الكهف: ١١٠]، وصح عن النبي ﷺ أنه قال: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» (١) من حديث عائشة ﵂. ولعل المصنف رحمه الله تعالى استقى عبارته هنا من حديث روي مرفوعا ومرسلا، فالأول من حديث أبي هريرة عن رسول الله ﷺ ، ذكر حديثا طويلا، وقال فيه: «لا قول إلا بعمل، ولا عمل إلا بنية، ولا قول وعمل ونية إلا باتباع السنة» (٢)، وهو من مراسيل الحسن، وروي موقوفا على صحابيين جليلين هما أنس وعبد الله بن مسعود ﵄ قالا: «لا ينفع قول إلا بعمل، ولا عمل إلا بقول، ولا قول وعمل إلا بنية، ولا نية إلا بموافقة السنة» (٣)، وروي موقوفا من كلام الحسن (٤)، وقال الحميدي قال: «السنة عندنا أن يؤمن الرجل بالقدر خيره وشره، حلوه ومره، وأن يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن ذلك كله قضاء من الله ، وأن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص ولا ينفع قول إلا بعمل ولا عمل وقول إلا بنية ولا قول وعمل ونية إلا بسنة» (٥).

стр. 138

وقال الحسن حمله: (الإيمان قول، ولا قول إلا بعمل، ولا قول وعمل إلا بنية ولا قول وعمل ونية إلا بسنة) (١). • ضوابط التكفير عند أهل السنة والجماعة: (وأنه لا يكفر أحد بذنب من أهل القبلة). الشرح المقصود بأهل القبلة هم المسلمون الذين رضوا بالله ربا وبمحمد ﷺ نبيا ورسولا وبالإسلام دينا، وصدقوا بذلك كله ولم يجحدوا معلوما من الدين بالضرورة، فهؤلاء لا يجوز تكفيرهم وإخراجهم من دين الله لغير ذنب محرم استحلوه، وذلك لقوله ﷺ : «من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فذلك المسلم الذي له ذمة الله، وذمة رسوله، فلا تخفروا الله في ذمته» (٢). وعند النسائي: «من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فذلكم المسلم» (٣). قال في «النهاية»: خفرت الرجل: أجرته. وأخفرته: إذا نقضت عهده وذمامه، قال الحافظ: والاطلاع على حال المرء في صلاته وأكله يمكن بسرعة في أول يوم بخلاف غير ذلك من أمور الدين» (٤)، وقال الطحاوي رحمه الله تعالى: ونسمي أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين، ما داموا بما جاء به النبي ﷺ معترفين، وله بكل ما قاله وأخبر مصدقين … ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب، ما لم يستحله (٥). وقال الشيخ العباد: «إذا جحد المرء واجبا علم وجوبه من الدين بالضرورة كالصلاة والزكاة والصيام والحج، فإنه يكفر، وكذا إذا جحد تحريم

стр. 139

ما علم تحريمه من الدين بالضرورة، كشرب الخمر والزنا ونحو ذلك، فإنه يكفر، وأما إذا فعل شيئا من الكبائر غير مستحل لها، فعند أهل السنة أنه يكون مؤمنا ناقص الإيمان، وإذا مات من غير توبة فأمره إلى الله، إن شاء عذبه، وإن شاء عفا عنه، وإذا عذبه فإنه لا يخلده في النار، وذلك بخلاف قول المعتزلة والخوارج القائلين بخروجه من الإيمان في الدنيا، وبتخليده في النار في الآخرة» (١). وهل تارك الصلاة من أهل القبلة: قال زروق: لا يكفر من يصلي إلى القبلة، وهل بالفعل (أي: من يصلي فعلا) وهذا لا يكفر، أو باللزوم (أي: من كان مسلما ومن حقه أن يصلي ولم يصل؛ أي: معتقدا أن الصلاة ركن من أركان الإسلام) فلا يخرج من الملة، قال: وهما (أي: العلماء) على قولين في تكفيره بتركها، والتكفير لأكثر المحدثين مع أقل الفقهاء، وعدمه لأكثر الفقهاء مع أقل المحدثين، ولم يقع لأهل السنة تكفير بعمل سوى ما ذكر. اهـ بتصرف (٢). البرزخ وأرواح الناس: ﴿وأن الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون﴾، وأرواح أهل السعادة باقية ناعمة إلى يوم يبعثون، وأرواح أهل الشقاوة معذبة إلى يوم الدين؛ (وأن الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون). الشرح الشهيد: قال القرطبي: «قيل: سمي شهيدا لأنه مشهود له بالجنة وقيل: سمي شهيدا لأن أرواحهم احتضرت دار السلام، لأنهم أحياء عند ربهم، وأرواح غيرهم لا تصل إلى الجنة، فالشهيد بمعنى الشاهد؛ أي: الحاضر للجنة، وهذا هو الصحيح.

стр. 140

قال تعالى: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم * يرزقون * فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ [آل عمران: ١٦٩، ١٧٠]، قال ابن كثير رحمه الله تعالى: يخبر تعالى عن الشهداء بأنهم وإن قتلوا في هذه الدار فإن أرواحهم حية مرزوقة في دار القرار. فعن مسروق قال: سألنا عبد الله عن هذه الآية: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون﴾ قال: أما إنا قد سألنا عن ذلك، فقال: «أرواحهم في جوف طير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع إليهم ربهم اطلاعة، فقال: هل تشتهون شيئا؟ قالوا: أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا، ففعل ذلك بهم ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا، قالوا: يا رب، نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى، فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا» (١). • ما يلقاه الشهيد من الكرامات: ١ - يغفر له في أول دفعة. ٢ - ويرى مقعده من الجنة. ٣ - ويجار من عذاب القبر. ٤ - ويأمن من الفزع الأكبر. ٥ - ويوضع على رأسه تاج الوقار الياقوتة منها خير من الدنيا وما فيها. ٦ - ويزوج ثنتين وسبعين زوجة من الحور العين. ٧ - «ويشفع في سبعين من أقاربه» (٢).

стр. 141

وفي «سنن ابن ماجة» عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما يجد الشهيد من القتل إلا كما يجد أحدكم القرصة يقرصها» (١). وعن راشد بن سعد، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ أن رجلا قال: يا رسول الله، ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشهيد؟ قال: «كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة» (٢). وعن ابن عباس، ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : «الشهداء على بارق - نهر بباب الجنة - في قبة خضراء يخرج عليهم رزقهم من الجنة غدوة وعشية» (٣). قال ابن كثير: وكأن الشهداء أقسام: منهم من تسرح أرواحهم في الجنة، ومنهم من يكون على هذا النهر بباب الجنة، وقد يحتمل أن يكون منتهى سيرهم إلى هذا النهر، فيجتمعون هنالك، ويغدى عليهم برزقهم هناك ويراح، والله أعلم. فائدة عظيمة عزيزة: قال ابن كثير: «» روينا في «مسند الإمام» أحمد حديثا فيه البشارة لكل مؤمن بأن روحه تكون في الجنة تسرح أيضا فيها، وتأكل من ثمارها، وترى ما فيها من النضرة والسرور، وتشاهد ما أعده الله لها من الكرامة، وهو بإسناد صحيح عزيز عظيم، اجتمع فيه ثلاثة من الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المتبعة؛ فإن الإمام أحمد، ﵀، رواه عن الإمام محمد بن إدريس الشافعي، ﵀، عن الإمام مالك بن أنس الأصبحي، ﵀، عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «إنما نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله

стр. 142

﵎ إلى جسده يوم يبعثه» (١). • مستقر أرواح الأتقياء السعداء، والأشقياء التعساء: قوله: (وأرواح أهل السعادة باقية ناعمة إلى يوم يبعثون، وأرواح أهل الشقاوة معذبة إلى يوم الدين). الشرح لقوله تعالى: ﴿يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد﴾ ﴿فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق﴾ ﴿خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد﴾ ﴿وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ﴾ [هود: ١٠٥ - ١٠٨] وقال عن فرعون وآله: ﴿النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب﴾ [غافر: ٤٦]، قال البغوي رحمه الله تعالى: «صباحا ومساء، قال ابن مسعود: أرواح آل فرعون في أجواف طيور سود يعرضون على النار كل يوم مرتين، تغدو وتروح إلى النار، ويقال: يا آل فرعون هذه منازلكم حتى تقوم الساعة» (٢). وفي «الصحيحين». وغيرهما عن ابن عمر ﵄ عن رسول الله ﷺ : «إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار. فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله، ، إلى يوم القيامة» (٣). • فتنة القبر وسؤال الملكين: (وأن المؤمنين يفتنون في قبورهم ويسألون ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾ [إبراهيم: ١٤]).

стр. 143

الشرح يجب الإيمان بسؤال القبر وفتنته، وضيق القبر وضغطته، ونعيمه وعذابه وذلك أن كل ميت يفتن في قبره إلا الشهيد كما تقدم، والمراد سؤال الملكين، وما أعظمها من فتنة لمن لم يثبته الله، اللهم ثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا، ويوم يقوم الأشهاد، وذلك أن الميت إذا وضع في قبره وانصرف الناس عنه يأتي إليه ملكان فيجلسانه ويسألانه، فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا قبر الميت - أو قال: أحدكم - أتاه ملكان أسودان أزرقان، يقال لأحدهما: المنكر، وللآخر: النكير، فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: ما كان يقول: هو عبد الله ورسوله، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول هذا، ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعا في سبعين، ثم ينور له فيه، ثم يقال له، نم، فيقول: أرجع إلى أهلي فأخبرهم، فيقولان: نم كنومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحب أهله إليه، حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك، وإن كان منافقا قال: سمعت الناس يقولون، فقلت مثله، لا أدري، فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول ذلك، فيقال للأرض: التيمي عليه، فتلتئم عليه، فتختلف فيها أضلاعه، فلا يزال فيها معذبا حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك» (١). إن الواقع على العبد في قبره ثلاثة أشياء: الفتنة، والضغطة، والعذاب أو النعيم، فأما الفتنة، فهي عند أهل اللغة: الامتحان والاختبار، قال عياض: واستعمالها في العرف لكشف ما يكره. اهـ، وقد صح عن النبي ﷺ أن الناس يفتنون في قبورهم؛ فأما المؤمن فيثبته الله، وأما الكافر والمنافق فيضله ويخذله، ففي حديث أسماء بنت أبي بكر الصديق حين خسفت الشمس فإذا الناس قيام يصلون … وفيه … ولقد أوحي إلي أنكم تفتنون في القبور مثل …

стр. 144

أو قريبا من فتنة الدجال لا أدري أيتهما قالت أسماء: يؤتى أحدكم فيقال له ما علمك بهذا الرجل فأما المؤمن أو الموقن لا أدري أي ذلك، قالت أسماء فيقول: هو محمد رسول الله جاءنا بالبينات والهدى فأجبنا وآمنا واتبعنا، فيقال له نم صالحا قد علمنا إن كنت لمؤمنا وأما المنافق أو المرتاب لا أدري أيتهما قالت أسماء فيقول: لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلته (١)، قال الباجي رحمه الله تعالى: وقوله: ﴿ولقد أوحي إلي أنكم تفتنون في القبور﴾ بيان أنه أعلم بذلك في ذلك الوقت، والفتنة الاختبار وليس الاختبار بالقبر بمنزلة التكليف والعبادة، وإنما معناه إظهار العمل وإعلام بالمال والعاقبة كاختبار الحساب، لأن العمل والتكليف قد انقطعا بالموت، قال مالك ومن مات فقد انقطع عمله وفتنة الدجال بمعنى التكليف والتعبد لكنه شبهها بها لصعوبتها وعظم المحنة فيها وقلة الثبات معها (٢). وروى عبد الرزاق في «مصنفه» عن ابن جريج قال: قال عبد الله بن عمر ﵄: «إنما يفتتن رجلان مؤمن ومنافق، أما المؤمن فيفتن سبعا، وأما المنافق فيفتن أربعين صباحا، وأما الكافر فلا يسأل عن محمد ولا يعرفه». قال ابن جريج: «وأنا أقول: قد قيل في ذلك، فما رأينا مثل إنسان أغفل هالكه سبعا أن يتصدق عنه» (٣). وأما الشهيد فلا يفتن في قبره فعن راشد بن سعد، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ : «أن رجلا قال يا رسول الله ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشهيد، قال: كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة» (٤).

стр. 145

فائدة: كان من هدي النبي ﷺ دبر كل صلاة يستعيذ بالله من أمور منها: عذاب القبر ففي «الصحيح» من حديث أبي هريرة ﵁ كان رسول الله ﷺ يدعو: «اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر ومن عذاب النار، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال» وورد في رواية لمسلم (١) الأمر به بلفظ: «إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال». • الملائكة الحفظة وملك الموت: قال المصنف رحمه الله تعالى: (وأن على العباد حفظة يكتبون أعمالهم، ولا يسقط شيء من ذلك عن علم ربهم، وأن ملك الموت يقبض الأرواح بإذن ربه). الشرح أي: أن على العباد إنسهم وجنهم، مؤمنهم وكافرهم، ذكرهم وأنثاهم، أحرارا كانوا أو أرقاء، حفظة يحفظون الأعمال ويكتبونها ولا يدعون حتى المباح والأنين في المرض، وحتى عمل القلب؛ أي: جميع الخواطر التي تخطر به ويجعل الله لهم علامة على عمل القلب يميزون بها بين الحسنة والسيئة ومصدر علم ذلك قوله تعالى: ﴿وإن عليكم لحافظين (١٠) كراما كاتبين (١١) يعلمون ما تفعلون (١٢)﴾ [الانفطار: ١٠ - ١٢]، قال ابن كثير رحمه الله تعالى؛ يعني: وإن عليكم لملائكة حفظة كراما فلا تقابلوهم بالقبائح، فإنهم يكتبون عليكم جميع أعمالكم اهـ (٢). وأجري على الملائكة الموكلين بإحصاء أعمالهم أربعة أوصاف هي: الحفظ، والكرم، والكتابة، والعلم بما يعلمه الناس (٣).
следующие страницы →