← Фикх малики

Фикх малики · id 30135

مسالك الجلالة في اختصار المناهل الزلالة

مختار بن العربي الجزائري

Полный текст (1 525 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وفي «سنن ابن ماجة» عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما يجد الشهيد من القتل إلا كما يجد أحدكم القرصة يقرصها» (١). وعن راشد بن سعد، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ أن رجلا قال: يا رسول الله، ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشهيد؟ قال: «كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة» (٢). وعن ابن عباس، ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : «الشهداء على بارق - نهر بباب الجنة - في قبة خضراء يخرج عليهم رزقهم من الجنة غدوة وعشية» (٣). قال ابن كثير: وكأن الشهداء أقسام: منهم من تسرح أرواحهم في الجنة، ومنهم من يكون على هذا النهر بباب الجنة، وقد يحتمل أن يكون منتهى سيرهم إلى هذا النهر، فيجتمعون هنالك، ويغدى عليهم برزقهم هناك ويراح، والله أعلم. فائدة عظيمة عزيزة: قال ابن كثير: «» روينا في «مسند الإمام» أحمد حديثا فيه البشارة لكل مؤمن بأن روحه تكون في الجنة تسرح أيضا فيها، وتأكل من ثمارها، وترى ما فيها من النضرة والسرور، وتشاهد ما أعده الله لها من الكرامة، وهو بإسناد صحيح عزيز عظيم، اجتمع فيه ثلاثة من الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المتبعة؛ فإن الإمام أحمد، ﵀، رواه عن الإمام محمد بن إدريس الشافعي، ﵀، عن الإمام مالك بن أنس الأصبحي، ﵀، عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «إنما نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله

стр. 142

﵎ إلى جسده يوم يبعثه» (١). • مستقر أرواح الأتقياء السعداء، والأشقياء التعساء: قوله: (وأرواح أهل السعادة باقية ناعمة إلى يوم يبعثون، وأرواح أهل الشقاوة معذبة إلى يوم الدين). الشرح لقوله تعالى: ﴿يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد﴾ ﴿فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق﴾ ﴿خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد﴾ ﴿وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ﴾ [هود: ١٠٥ - ١٠٨] وقال عن فرعون وآله: ﴿النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب﴾ [غافر: ٤٦]، قال البغوي رحمه الله تعالى: «صباحا ومساء، قال ابن مسعود: أرواح آل فرعون في أجواف طيور سود يعرضون على النار كل يوم مرتين، تغدو وتروح إلى النار، ويقال: يا آل فرعون هذه منازلكم حتى تقوم الساعة» (٢). وفي «الصحيحين». وغيرهما عن ابن عمر ﵄ عن رسول الله ﷺ : «إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار. فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله، ، إلى يوم القيامة» (٣). • فتنة القبر وسؤال الملكين: (وأن المؤمنين يفتنون في قبورهم ويسألون ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾ [إبراهيم: ١٤]).

стр. 143

الشرح يجب الإيمان بسؤال القبر وفتنته، وضيق القبر وضغطته، ونعيمه وعذابه وذلك أن كل ميت يفتن في قبره إلا الشهيد كما تقدم، والمراد سؤال الملكين، وما أعظمها من فتنة لمن لم يثبته الله، اللهم ثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا، ويوم يقوم الأشهاد، وذلك أن الميت إذا وضع في قبره وانصرف الناس عنه يأتي إليه ملكان فيجلسانه ويسألانه، فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا قبر الميت - أو قال: أحدكم - أتاه ملكان أسودان أزرقان، يقال لأحدهما: المنكر، وللآخر: النكير، فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: ما كان يقول: هو عبد الله ورسوله، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول هذا، ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعا في سبعين، ثم ينور له فيه، ثم يقال له، نم، فيقول: أرجع إلى أهلي فأخبرهم، فيقولان: نم كنومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحب أهله إليه، حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك، وإن كان منافقا قال: سمعت الناس يقولون، فقلت مثله، لا أدري، فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول ذلك، فيقال للأرض: التيمي عليه، فتلتئم عليه، فتختلف فيها أضلاعه، فلا يزال فيها معذبا حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك» (١). إن الواقع على العبد في قبره ثلاثة أشياء: الفتنة، والضغطة، والعذاب أو النعيم، فأما الفتنة، فهي عند أهل اللغة: الامتحان والاختبار، قال عياض: واستعمالها في العرف لكشف ما يكره. اهـ، وقد صح عن النبي ﷺ أن الناس يفتنون في قبورهم؛ فأما المؤمن فيثبته الله، وأما الكافر والمنافق فيضله ويخذله، ففي حديث أسماء بنت أبي بكر الصديق حين خسفت الشمس فإذا الناس قيام يصلون … وفيه … ولقد أوحي إلي أنكم تفتنون في القبور مثل …

стр. 144

أو قريبا من فتنة الدجال لا أدري أيتهما قالت أسماء: يؤتى أحدكم فيقال له ما علمك بهذا الرجل فأما المؤمن أو الموقن لا أدري أي ذلك، قالت أسماء فيقول: هو محمد رسول الله جاءنا بالبينات والهدى فأجبنا وآمنا واتبعنا، فيقال له نم صالحا قد علمنا إن كنت لمؤمنا وأما المنافق أو المرتاب لا أدري أيتهما قالت أسماء فيقول: لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلته (١)، قال الباجي رحمه الله تعالى: وقوله: ﴿ولقد أوحي إلي أنكم تفتنون في القبور﴾ بيان أنه أعلم بذلك في ذلك الوقت، والفتنة الاختبار وليس الاختبار بالقبر بمنزلة التكليف والعبادة، وإنما معناه إظهار العمل وإعلام بالمال والعاقبة كاختبار الحساب، لأن العمل والتكليف قد انقطعا بالموت، قال مالك ومن مات فقد انقطع عمله وفتنة الدجال بمعنى التكليف والتعبد لكنه شبهها بها لصعوبتها وعظم المحنة فيها وقلة الثبات معها (٢). وروى عبد الرزاق في «مصنفه» عن ابن جريج قال: قال عبد الله بن عمر ﵄: «إنما يفتتن رجلان مؤمن ومنافق، أما المؤمن فيفتن سبعا، وأما المنافق فيفتن أربعين صباحا، وأما الكافر فلا يسأل عن محمد ولا يعرفه». قال ابن جريج: «وأنا أقول: قد قيل في ذلك، فما رأينا مثل إنسان أغفل هالكه سبعا أن يتصدق عنه» (٣). وأما الشهيد فلا يفتن في قبره فعن راشد بن سعد، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ : «أن رجلا قال يا رسول الله ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشهيد، قال: كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة» (٤).

стр. 145

فائدة: كان من هدي النبي ﷺ دبر كل صلاة يستعيذ بالله من أمور منها: عذاب القبر ففي «الصحيح» من حديث أبي هريرة ﵁ كان رسول الله ﷺ يدعو: «اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر ومن عذاب النار، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال» وورد في رواية لمسلم (١) الأمر به بلفظ: «إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال». • الملائكة الحفظة وملك الموت: قال المصنف رحمه الله تعالى: (وأن على العباد حفظة يكتبون أعمالهم، ولا يسقط شيء من ذلك عن علم ربهم، وأن ملك الموت يقبض الأرواح بإذن ربه). الشرح أي: أن على العباد إنسهم وجنهم، مؤمنهم وكافرهم، ذكرهم وأنثاهم، أحرارا كانوا أو أرقاء، حفظة يحفظون الأعمال ويكتبونها ولا يدعون حتى المباح والأنين في المرض، وحتى عمل القلب؛ أي: جميع الخواطر التي تخطر به ويجعل الله لهم علامة على عمل القلب يميزون بها بين الحسنة والسيئة ومصدر علم ذلك قوله تعالى: ﴿وإن عليكم لحافظين (١٠) كراما كاتبين (١١) يعلمون ما تفعلون (١٢)﴾ [الانفطار: ١٠ - ١٢]، قال ابن كثير رحمه الله تعالى؛ يعني: وإن عليكم لملائكة حفظة كراما فلا تقابلوهم بالقبائح، فإنهم يكتبون عليكم جميع أعمالكم اهـ (٢). وأجري على الملائكة الموكلين بإحصاء أعمالهم أربعة أوصاف هي: الحفظ، والكرم، والكتابة، والعلم بما يعلمه الناس (٣).

стр. 146

(ولا يسقط شيء من ذلك عن علم ربهم) لما في حديث أبي هريرة ﵁ قال: «قال رسول الله ﷺ : «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر، فيعرج إليه الذين باتوا فيكم فيسألهم وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون» (١). فقوله: وهو أعلم، والله جعل من حكمته أولئك الملائكة شهودا على بني آدم يحصون عليهم أعمالهم، ﴿وما تكون في شأن وما تتلوا منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين﴾ [يونس: ٦١]، قال ابن كثير رحمه الله تعالى: يخبر تعالى نبيه، صلوات الله عليه وسلامه أنه يعلم جميع أحواله وأحوال أمته، وجميع الخلائق في كل ساعة وآن ولحظة، وأنه لا يعزب عن علمه وبصره مثقال ذرة في حقارتها وصغرها في السموات ولا في الأرض، ولا أصغر منها ولا أكبر إلا في كتاب مبين، كقوله: ﴿وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين﴾ [الأنعام: ٥٩]، فأخبر تعالى أنه يعلم حركة الأشجار وغيرها من الجمادات وكذلك الدواب السارحة في قوله: ﴿وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون﴾ [الأنعام: ٣٨]، وقال تعالى: ﴿وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين﴾ [هود: ٦]. وإذا كان هذا علمه بحركات هذه الأشياء، فكيف بعلمه بحركات المكلفين المأمورين بالعبادة». اهـ (٢). (وأن ملك الموت يقبض الأرواح بإذن ربه). ومما يجب الإيمان به أن الله سخر ملائكة لقبض الأرواح، وأن ملك

стр. 147

الموت المذكور في القرآن هو رئيسهم، ولا تقبض روح إلا بإذن باريها وخالقها، فإسناد القبض لملك الموت لمباشرته ما أمر به، وأما الذي يتوفى الأنفس حقيقة فهو الله وإسناد التوفي إلى الرسل من الملائكة لأنهم أعوان ملك الموت في قبض الأرواح، قال تعالى: ﴿قل يتوفنكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون﴾ [السجدة: ١١]، وقد سخر الله ملك الموت ليتولى قبض الأرواح واستخراجها، ثم يأخذها منه ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب، ويتولونها بعده، كما تقدم في حديث خروج الروح، وكل ذلك بإذن الله وقضائه وقدره، وحكمه وأمره، فصحت إضافة التوفي إلى كل بحسبه، ولا يقبضون روح أحد إلا بإذنه . من هم أفضل قرون هذه الأمة بعد نبيها ﷺ -؟ • قال المصنف رحمه الله تعالى: (وأن خير القرون القرن الذين رأوا رسول الله ﷺ وآمنوا به ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم). الشرح القرن: قال الحافظ في الفتح: قول النبي ﷺ : «خير الناس قرني» قرني؛ أي: أصحابي، واختلف السلف في تعيين مدة القرن فقيل مائة سنة، وهو الأشهر وحكى الحربي الاختلاف فيه من عشرة إلى مائة وعشرين، ثم قال عندي أن القرن كل أمة هلكت فلم يبق منها أحد» (١). والمراد بقرن النبي ﷺ في هذا الحديث الصحابة، وقد سبق في صفة النبي ﷺ قوله: «وبعثت في خير قرون بني آدم وفي رواية بريدة عند أحمد خير هذه الأمة القرن الذين بعثت فيهم (٢)، وقد ظهر أن الذي بين البعثة وآخر من مات من الصحابة مائة سنة وعشرون سنة أو دونها أو فوقها بقليل

стр. 148

على الاختلاف في وفاة أبي الطفيل، وإن اعتبر ذلك من بعد وفاته ﷺ فيكون مائة سنة أو تسعين أو سبعا وتسعين، وأما قرن التابعين فإن اعتبر من سنة مائة كان نحو سبعين أو ثمانين، وأما الذين بعدهم فإن اعتبر منها كان نحوا من خمسين، فظهر بذلك أن مدة القرن تختلف باختلاف أعمار أهل كل زمان والله أعلم. واتفقوا أن آخر من كان من أتباع التابعين ممن يقبل قوله من عاش إلى حدود العشرين ومائتين. اهـ (١) تعريف الصحابي: يجمع على صحابة، وهو من لقي الرسول ﷺ مؤمنا به ومات على ذلك. والصحابة هم خير هذه الأمة كما أخبر الله عنهم، قال تعالى: ﴿والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهر خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم﴾ [التوبة: ١٠٠]. وهذه الآية ظاهرة الدلالة على تزكية الله لهم تزكية لا يخبر ولا يقدر عليها إلا الله، وهي تزكية بواطنهم وما في قلوبهم ومن هنا رضي عنهم، (ومن رضي عنه تعالى لا يمكن موته على الكفر، لأن العبرة بالوفاء على الإسلام، فلا يقع الرضا منه تعالى إلا على من علم موته على الإسلام، وأما من علم موته على الكفر فلا يمكن أن يخبر الله تعالى بأنه رضي عنه) (٢). وعن أبي سعيد قال: كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن ابن عوف شيء فسبه خالد فقال رسول الله ﷺ : «لا تسبوا أحدا من أصحابي فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه» (٣). وعن سعيد بن المسيب عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله

стр. 149

اختار أصحابي على الثقلين سوى النبيين والمرسلين» (١). قال الإمام أحمد ﵀ في عقيدته: (فأدناهم صحبة هو أفضل من القرن الذين لم يروه ولو لقوا الله بجميع الأعمال) (٢). وقال النووي: (وفضيلة الصحبة ولو لحظة لا يوازيها عمل، ولا تنال درجتها بشيء، والفضائل لا تؤخذ بقياس، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء) (٣). وقد ذهب بعض المفسرين كسفيان في قوله تعالى: ﴿قل الحمد لله وسلم على عباده الذين اصطفى﴾ [النمل: ٥٩] قال: هم أصحاب محمد ﷺ . وقال ابن عمر: (لا تسبوا أصحاب محمد ﷺ ، فلمقام أحدهم ساعة خير من عمل أحدكم عمره)، وفي رواية وكيع: (خير من عبادة أحدكم أربعين سنة) (٤). • حكم من سب الصحابة أو تنقصهم: السب: هو الكلام الذي يقصد به الانتقاص والاستخفاف، وهو ما يفهم من السب في عقول الناس على اختلاف اعتقاداتهم كاللعن والتقبيح ونحوهما (٥). إن سب أصحاب النبي ﷺ والطعن فيهم دليل على بغض الشخص، وعدم حبه لهم، فإن النبي ﷺ أخبرنا أن من أحبهم فلحبه الرسول الله ﷺ ومن أبغضهم فببغضه للرسول ﷺ ، ولا يسبهم أحد إلا إذا كان وراءه هدف للطعن في الرسالة التي حملوها وبلغوها للناس، فهم واسطة العقد بيننا وبين نبينا ﷺ ،

стр. 150

ومن طعن فيهم فهو أولى بالطعن والذم، يقول أبو زرعة الرازي ﵀: «إذا رأيت الرجل ينتقص أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ فاعلم أنه زنديق؛ وذلك أن رسول الله ﷺ عندنا حق والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله ﷺ وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى وهم زنادقة» (١). قال تعالى: ﴿والذين جاءو من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم﴾ [الحشر: ١٠]. وقد استنبط الإمام مالك ﵀ من آية الفتح ﴿ليغيظ بهم الكفار﴾ كفر من يبغضون الصحابة، لأن الصحابة يغيظونهم، ومن غاظه الصحابة فهو كافر، ووافقه الشافعي وغيره (٢). • الصحابة الأخيار وطبقاتهم في الفضل: (وأفضل الصحابة الخلفاء الراشدون المهديون: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ﵃ أجمعين). الشرح إن أفضل هذه الأمة بعد نبيها ﷺ هم الخلفاء الراشدون المهديون: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، روى البخاري عن نافع عن ابن عمر ﵁ قال: «كنا نخير بين الناس في زمن النبي ﷺ فنخير أبا بكر ثم عمر بن الخطاب ثم عثمان بن عفان ﵃» (٣). وفي رواية عبيد الله بن عمر عن نافع كما في مناقب عثمان «كنا لا نعدل بأبي بكر أحدا ثم عمر ثم عثمان، ثم نترك أصحاب رسول الله ﷺ فلا نفاضل بينهم» (٤).

стр. 151

ولأبي داود من طريق سالم عن ابن عمر ﵄ «كنا نقول ورسول الله ﷺ حي: أفضل أمة النبي ﷺ بعده أبو بكر ثم عمر ثم عثمان» زاد الطبراني في رواية: «فيسمع رسول الله ﷺ ذلك فلا ينكره» (١). وسماهم النبي ﷺ بالخلفاء الراشدين المهديين فقال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ» (٢). وجوب ذكر الصحابة بأحسن الذكر، والكف عما شجر بينهم: • قال المصنف رحمه الله تعالى: (وأن لا يذكر أحد من صحابة الرسول ﷺ إلا بأحسن ذكر والإمساك عما شجر بينهم وأنهم أحق الناس أن يلتمس لهم أحسن المخارج، ويظن بهم أحسن المذاهب). الشرح لقد أمرنا ربنا سبحانه ونبينا ﷺ بإجلال الصحابة الكرام فعن ابن طاووس عن أبيه أن النبي ﷺ قال: «إذا ذكر أصحابي فأمسكوا، وإذا ذكر النجوم فأمسكوا، وإذا ذكر القدر فأمسكوا» (٣). قال أبو نعيم ﵀: فالإمساك عن ذكر أصحاب رسول الله ﷺ وذكر زللهم، ونشر محاسنهم ومناقبهم، وصرف أمورهم إلى أجمل الوجوه، من

стр. 152

أمارات المؤمنين المتبعين لهم بإحسان الذين مدحهم الله جل بقوله: ﴿والذين جاءو من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان﴾ [الحشر: ١٠]. ويقول أيضا في تعليقه على الحديث المشار إليه: (لم يأمرهم بالإمساك عن ذكر محاسنهم وفضائلهم، إنما أمروا بالإمساك عن ذكر أفعالهم وما يفرط منهم في ثورة الغضب وعارض الموجدة) (١). قال في الجوهرة: وأول التشاجر الذي ورد … إن خضت فيه واجتنب داء الحسد ولذا ينبغي على طلبة العلم والعلماء ألا يحدثوا العامة بما وقع بين الصحابة من الفتن، حتى لا يقع في قلوبهم شيء على أصحاب رسول الله ﷺ ، لأنهم لا يعرفون مبدأ الخلاف، ولا حسن التراضي بينهم والإنصاف؛ وقد بوب الإمام البخاري ﵀: باب من خص بالعلم قوما دون قوم كراهية ألا يفهموا، وقال علي ﵁: حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟ (٢). قال الحافظ في «الفتح» تعليقا على ذلك وفيه دليل على أن المتشابه لا ينبغي أن يذكر عند العامة، ومثله قول ابن مسعود: (ما أنت محدثا قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة) (٣). قال السيوطي في ألفية الأثر: واجتنب المشكل كالصفات … ورخصا مع المشاجرات قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله تعالى: يجب على المحدث في

стр. 153

الإملاء أن يختار الأحاديث المناسبة للمجالس العامة - وفيها من لا يفقه كثيرا من العلم - فيحدثهم بأحاديث الزهد ومكارم الأخلاق ونحوها، وليجتنب أحاديث الصفات، لأنه لا يؤمن عليهم من الخطأ والوهم والوقوع في التشبيه والتجسيم، ويجتنب أيضا الرخص والإسرائيليات، وما شجر بين الصحابة من الخلاف لئلا يكون ذلك فتنة للناس اهـ (١). قلت: وهو المعول عليه اليوم عند الرافضة وأذنابهم ممن اغتروا بمذهبهم الخبيث في الترويج لما وقع بين الصحابة وثلبهم، وهم أولى بالثلب واللعن لا صبحهم الله ولا مساهم بخير. ولقد سمعنا عن انتشار هذه الفرقة الضالة من الزنادقة، والنحلة المارقة عن الدين حينما وجدوا لهم دولة تؤويهم وتعطيهم، فصار القدح والسب يسمعه أبناؤنا في البلاد السنية التي ضعف فيها الولاء والاعتناء بأمر الدين وحب الصحابة الميامين، ولذلك يتعين على كل مسؤول يؤمن بالله واليوم الآخر، وكل مسلم غيور أن ينافح عن حملة الحق، لأن الطعن في الصحابة طعن في النبي ﷺ ، وما أذكى إمامنا مالكا حينما سأله الرشيد: هل لمن سب أصحاب رسول الله ﷺ في الفيء حق؟ قال: لا، ولا كرامة ولا مسرة، قال: من أين قلت ذلك؟ قال: قال الله تعالى: ﴿ليغيظ بهم الكفار﴾ فمن عابهم، فهو كافر، ولا حق لكافر في الفيء (٢). وقال: «إنما هؤلاء أقوام أرادوا القدح في النبي ﷺ فلم يمكنهم ذلك فقدحوا في أصحابه، حتى يقال: رجل سوء ولو كان صالحا لكان أصحابه صالحين، أو كما قال» (٣). ومن تتبع حال الصحابة وجدهم في الفتنة إلى ثلاث فئات، فئة اجتهدت مع علي والحق معها، لأنه أمير المؤمنين، وفئة اجتهدت ضده مع معاوية ولم

стр. 154

يكن همهم شق العصا ولا الخروج عن علي ﵁، ولكن رأوا ما رأى معاوية ﵁ من طلب دم عثمان، وفئة ثالثة خرجت للصلح والوفاق ممن كان مع أمنا الصديقة ﵂، ومعظم الصحابة لم يخرجوا في قتال ولا دخلوا في فتنة مع أن عددهم كان يفوق العشرة آلاف، ولم يدخل منهم في هذا الأمر سوى قرابة الثلاثين، ولذلك يقول عمر بن شبه رحمه الله تعالى: «إن أحدا لم ينقل أن عائشة ومن معها نازعوا عليا في الخلافة ولا دعوا لأحد ليولوه الخلافة، وإنما أنكروا على علي منعه من قتال قتلة عثمان وترك الاقتصاص منهم» (١). ومما يؤكد ذلك هذه الرواية التي ذكرها ابن كثير: (جاء أبو مسلم الخولاني وأناس إلى معاوية، وقالوا: أنت تنازع عليا أم أنت مثله؟ فقال: لا والله، إني لأعلم أنه أفضل مني وأحق بالأمر مني ولكن ألستم تعلمون أن عثمان قتل مظلوما، وأنا ابن عمته، والطالب بدمه، فائتوه فقولوا له، فليدفع إلي قتلة عثمان، وأسلم له، فأتوا عليا، فكلموه. فلم يدفعهم إليه) (٢) وفي رواية: (فعند ذلك صمم أهل الشام على القتال مع معاوية). وسبحان الله فبالرغم من اجتهاد معاوية ﵁ في أمر القصاص من قتلة عثمان ﵁ ومنازعته عليا ﵁ إلا أنه لما آل إليه الأمر لم يقتص منهم، ورأى ما كان يراه علي ﵁ من إسكان نار الفتنة وإخمادها، فدل أن نظر الخلفاء الراشدين الأربعة ﵃ أفضل من رأي غيرهم، والله أعلم. • طاعة أولي الأمر بعد طاعة الله ورسوله ﷺ : (والطاعة لأئمة المسلمين من ولاة أمورهم وعلمائهم). الشرح أي: يجب الانقياد لأئمة المسلمين من ولاة الأمور الذين نصبوا أنفسهم لمصالح المسلمين، من علماء وأمراء، وذلك ما أطاعوا الله ورسوله،

стр. 155

واعتصموا بحبل الله ودينه، فإن أمروا بمعصية، أو ظهر منهم الكفر البواح فلا طاعة حينئذ، وتفسير المصنف رحمه الله تعالى لأولي الأمر بالعلماء والأمراء هو الحق الذي ذهب إليه السلف كما سيأتي بيانه، لأنه لا يتولى الإمامة الكبرى في الإسلام إلا عالم توفرت فيه شروط الإمامة التي سيأتي بيانها، والدليل من الكتاب والسنة على طاعة أولي الأمر قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا﴾ [النساء: ٥٩]. وعن رسول الله ﷺ قال: «السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره، ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة» (١). وعن عبادة بن الصامت له قال: «بايعنا على السمع والطاعة، في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفرا بواحا، عندكم من الله فيه برهان» (٢). وفي الحديث الآخر، عن أنس: أن رسول الله ﷺ قال: «اسمعوا وأطيعوا وإن أمر عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة» (٣). • وسائل تحقيق التكامل بين الراعي والرعية: إن من أهم الوسائل التي تتكامل فيها الرعية مع الراعي هي: الشورى قال الله تعالى في وصف المؤمنين: ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾ [الشورى: ٣٨]، ثم النصيحة: النصيحة تبذلها عامة الرعية لولاتهم، كما يبذلها الولاة للرعية؛ قال رسول الله ﷺ : «ما من أمير يلي أمر المسلمين، ثم لا يجهد لهم وينصح إلا لم يدخل معهم الجنة» (٤).

стр. 156

وفي نصح الرعية للراعي يقول الرسول ﷺ : «الدين النصيحة؛ قلنا: لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» (١)، قال ابن حجر ﵀: «والنصيحة لأئمة المسلمين: إعانتهم على ما حملوا القيام به، وتنبيههم عند الغفلة، وسد خلتهم عند الهفوة، وجمع الكلمة عليهم، ورد القلوب النافرة إليهم، ومن أعظم نصيحتهم دفعهم عن الظلم بالتي هي أحسن» (٢). تم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: وهو الأمر بما أرشد الشارع إليه من قول وفعل، والنهي عما حذر منه، وهو يهدف إلى نشر الخير وإذاعته، وإشاعته، والتضييق على المنكر وحصره، ومن ثم إزالته، وهو واجب يتكامل فيه الراعي والرعية لتحقيق الهدف المنشود من ذلك. قال الله تعالى: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر﴾ [التوبة: ٧١]. وقال تعالى: ﴿الذين إن مكنهم في الأرض أقاموا الصلاة وعاتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر﴾ [الحج: ٤١]. وقال الرسول ﷺ في أمر الرعية أمر ولاة أمورهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر: «ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون؛ فمن عرف برئ، ومن أنكر سلم، ولكن من رضي وتابع، قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: لا؛ ما صلوا» (٣). وقد بوب النووي على هذا الحديث ونحوه «باب وجوب الإنكار على الأمراء فيما يخالف الشرع، وترك قتالهم ما صلوا ونحو ذلك» (٤). فالجميع يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر تكميلا للخير وتقليلا للشر في سعي دائب نحو هدف مشترك يسعى الجميع لتحقيقه، وينبغي أن تنظر الشروط المستحقة لولي الأمر (٥).

стр. 157

وجوب اتباع السلف الصالح في العلم والعمل، وترك الجدال في الدين: • قال المصنف رحمه الله تعالى: (واتباع السلف الصالح واقتفاء آثارهم، والاستغفار لهم، وترك المراء والجدال في الدين وترك ما أحدثه المحدثون). الشرح «السلف: قال ابن فارس في معجم مقاييس اللغة» (١): (سلف، السين واللام والفاء، أصل يدل على تقدم وسبق. السلف في القرآن على وجهين: فوجه منهما، السلف: العبرة والعظة، كقوله تعالى: ﴿فجعلناهم سلفا﴾ [الزخرف: ٥٦]؛ يعني: عظة لمن يأتي بعدهم. والوجه الثاني، السلف: ما تقدم من الزمن الأول، كقوله تعالى: ﴿وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف﴾ [النساء: ٢٣]؛ أي: مضى من الزمن الأول). وفي الاصطلاح الشرعي: تطلق كلمة السلف بإطلاقين أحدهما خاص والآخر عام. وعند الفقهاء من الشافعية والمالكية وعلماء الكلام، يقولون: السلف ما كان قبل الأربعمائة، والخلف ما كان بعد الأربعمائة (٢). وفي الإطلاق الشرعي العام، يراد بالسلف: كل من يقلد مذهبه في الدين ويقتفى أثره فيه، كالصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين (٣).

стр. 158

إذن فالسلف إذا أطلق هم سلف هذه الأمة المباركة المرحومة من الصحابة والتابعين وتابعيهم من أهل القرون المزكاة، الذين شهد لهم المعصوم بالخيرية، والسبق إلى اتباع خير البرية، فلذا وجب على أهل السنة اتباع السلف بمعرفة سبيلهم، ونهج صراطهم في أخذ الأدلة من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، فهم الذين فهموا الشرع، وكانوا أبعد الناس عن البدع والأهواء، ولم يحدثوا في دين الله ما أحدثه الخلف ولذلك أوصى النبي ﷺ في موعظته باتباعهم والتمسك بهديهم، والتلبس بسمتهم كما في حديث العرباض بن سارية له: « … فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» (١). ويجب علينا الاستغفار لهم والترحم عليهم امتثالا لقول ربنا: ﴿والذين جاءو من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم﴾ [الحشر: ١٠]، وجزاء لما قدموه لنا اعترافا بفضلهم، وشكرا لهم على جهدهم، وعظيم عملهم. واختيار المصنف لكلمة الاتباع ظاهرة في أخذ المكلف بالدليل إذا تبين له من نصوص الكتاب والسنة والإجماع الصحيح، ولا يجوز له التقليد بحال؛ لأن كل اجتهاد يخالف النص، فهو اجتهاد باطل (٢)، والفرق بين الاتباع والتقليد كما قال الحافظ ابن عبد البر ناقلا عن خويز منداد من أئمة المذهب: هو أن التقليد معناه في الشرع: الرجوع إلى قول لا حجة لقائله عليه (٣)، وذلك

стр. 159

ممنوع منه في الشريعة، والاتباع ما يثبت عليه حجة، وقال في موضع آخر: كل ما اتبعت قوله من غير أن يجب عليك قوله لدليل يوجب ذلك فأنت مقلده، والتقليد في دين الله غير صحيح. «وكل من أوجب عليك الدليل اتباع قوله فأنت متبعه، والاتباع في الدين مسوغ والتقليد ممنوع». اهـ. لكن معلوم أنه ليس كل الناس يصلح أن يطلب الدليل كالعامة وهم السواد الأعظم ولذلك جاز لهم أن يقلدوا، ولذلك استدرك الحافظ ابن عبد البر فقال: «وهذا كله لغير العامة، فإن العامة لا بد لها من تقليد علمائها عند النازلة تنزل بها، لأنها لا تتبين موقع الحجة». اهـ (١). قال المصنف رحمه الله تعالى: (وترك المراء والجدال في الدين، وترك ما أحدثه المحدثون). الشرح المراء: بكسر الميم والمد، ومعناه الجدال والتماري، والمماراة المجادلة على مذهب الشك والريبة ويقال للمناظرة مماراة لأن كل واحد منهما يستخرج ما عند صاحبه ويمتريه كما يمتري الحالب اللبن من الضرع. إن مما يجب أن يعمله المسلم السني هو الابتعاد عن مواطن المراء والجدال في الدين، لا سيما مع أهل البدع والأهواء فإن القلوب ضعيفة والأسماع خطافة، ولن تجد قوما أوتوا الجدل وتركوا العمل إلا وتيقن أنهم قد ضلوا عن الهدى، وقد صح عن النبي ﷺ بيان ذلك فقال: «ما ضل قوم بعد هدى إلا أوتوا الجدل ثم تلا تلك الآية: ﴿ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون﴾ [الزخرف: ٥٨]» (٢).

стр. 160

وقال مالك رحمه الله تعالى: «المراء في العلم يقسي القلب، ويورث الظعن»، وقال بعض السلف: «إذا أراد الله بعبد خيرا فتح له باب العمل، وأغلق عنه باب الجدل، وإذا أراد الله بعبد شرا أغلق عنه باب العمل وفتح له باب الجدل (١)؛ ولك أن تتصور الجزاء العظيم عند رب كريم لمن ترك المراء والجدال ولو كان محقا فعن حديث أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقا، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحا وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه»» (٢). أما إذا كانت المناظرة في الحق؛ وابتغاء معرفة المنهج الصدق، فإنها نعمة، إذ المناظرة الحقة فيها إظهار الحق على الباطل، والراجح على المرجوح فهي مبنية على المناصحة، والحلم، ونشر العلم، قال الإمام أبوبكر الآجري رحمه الله تعالى: بعد أن حذر من الجدل والمراء: فإن قال قائل فما يصنع في علم قد أشكل عليه؟ قيل له: إن كان كذلك وأراد أن يستنبط علم ما أشكل عليه، قصد إلى عالم ممن يعلم أنه يريد بعلمه الله … فذاكره مذاكرة من يطلب الفائدة، وأعلمه أن مناظرتي إياك مناظرة من يطلب الحق، وليست مناظرة مغالب، ثم ألزم نفسه الإنصاف في مناظرته اهـ (٣). وقال الشافعي رحمه الله تعالى: «ما كلمت أحدا قط إلا أحببت أن يوفق ويسدد ويعان، وتكون عليه رعاية من الله وحفظ، وما كلمت أحدا قط إلا ولم أبال بين الله الحق على لساني أو لسانه» (٤)، قلت: «ما أعظم هذا الإمام وما أجدره بأن يكون قدوة لمن بعده، يريد ظهور الحق ولو على حسابه فرضي الله عنه، وما أحوجنا أن نقتدي به». لا كأقوام ينصبون الفخاخ

стр. 161

وينبشون عن أخطاء الأموات والأحياء، وينفخون فيها زعما منهم أنهم حملة الشرع وأهل التجريح والتعديل والدفع، لا كثر الله منهم. واجتنب المحدثات في الدين من البدع واحذر أن تتلبس بها، فإن النبي ﷺ حذرنا من ذلك فقال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد» (١). وعن جابر به أن رسول الله ﷺ كان يقول في خطبة الجمعة: «أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة» (٢). وقال ﷺ : «إن الله حجب التوبة عن كل صاحب بدعة حتى يدع بدعته» (٣). وذكر الشاطبي في الاعتصام أن ابن الماجشون قال: سمعت مالكا يقول: «من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة، فقد زعم أن محمدا خان الرسالة، لأن الله يقول: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ [المائدة: ٣]، فما لم يكن يومئذ دينا فلا يكون اليوم دينا» (٤). قال أبو عثمان النيسابوري رحمه الله تعالى: «من أمر السنة على نفسه قولا وفعلا نطق بالحكمة، ومن أمر الهوى على نفسه قولا وفعلا نطق بالبدعة» (٥). وقال سهل بن عبد الله التستري رحمه الله تعالى: «ما أحدث أحد في العلم شيئا إلا سئل عنه يوم القيامة، فإن وافق السنة سلم، وإلا فلا» (٦). وقال ابن عبد البر: «أجمع أهل الفقه والآثار من جميع الأمصار أن

стр. 162

أهل الكلام أهل بدع وزيغ، ولا يعدون عند الجميع في جميع الأمصار في طبقات العلماء، وإنما العلماء أهل الأثر والتفقه فيه، ويتفاضلون فيه بالإتقان والميز» (١). وما أحسن ما قاله الإمام بن الإمام عبد الله بن أبي داود السجستاني في مطلع منظومته الحائية: تمسك بحبل الله واتبع الهدى … ولا تك بدعيا لعلك ودن بكتاب الله والسنن التي … تفلح أتت عن رسول الله تنجو وتربح واعرض أقوالك وأفعالك على كتاب الله وسنة نبيه ﷺ فما وافق فهو الشرع والصراط المستقيم وما خالف فاضرب به عرض الحائط إن لم يسبقك إلى فهمه إمام عظيم، وتحرير عليم، واعمل بما علمت يكن لك نورا في الأرض وذخرا لك في السماء، أنار الله قلبي وقلبك بنوره التام الذي لا يخبو في الدنيا ولا في الآخرة آمين. (وصلى الله على سيدنا محمد نبيه وعلى آله وأزواجه وذريته، وسلم تسليما كثيرا) (٢). الشرح الصلاة في اللغة: الدعاء مطلقا، وتدخل الصلاة المخصوصة بالتكبير والركوع والسجود، لأنها في حقيقة الأمر دعاء، فإن قلت كيف تكون دعاء وفيها ما فيها من الأذكار؟ فأقول كما قال سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى فيما رواه عنه الطبري (٣) قال: حدثنا حسين بن حسن المروزي قال: سألت ابن

стр. 163

عيينة عن الحديث الذي فيه أكثر ما كان يدع به النبي ﷺ بعرفة: «لا إله إلا الله وحده لاشريك له … الحديث». فقال سفيان: هو ذكر، وليس دعاء، ولكن قال النبي ﷺ عن ربه : «من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين» (١). قال: وقال أمية بن أبي الصلت في مدح عبد الله بن جدعان: أأذكر حاجتي أم قد كفاني … حياؤك إن شيمتك الحياء إذا أثنى عليك المرء يوما … كفاه من تعرضك الثناء قال سفيان: (فهذا مخلوق حين نسب إلى الكرم اكتفى بالثناء عن السؤال فكيف بالخالق) اهـ. ومعنى الصلاة على النبي ﷺ هو طلب الثناء عليه من الله تعالى إذا كان الطالب بشرا، أما إن كانت من العلي الأعلى فهو ثناء الله تعالى عليه في الملأ الأعلى، وهذا القول لأبي العالية (٢). فائدتان: الأولى: وقع لبعض أهل العلم من الأفاضل الكبار في مصنفاتهم أنهم صلوا على النبي ولم يسلموا، [مثل الإمام مسلم في مقدمة «صحيحه»، وأجاب عليه النووي، ووقع لابن مالك في «ألفيته ولاميته»، وللشافعي في «الرسالة»، وللبخاري في «التاريخ الكبير» في مواضيع كثيرة، ولأبي إسحاق الشيرازي في «خطبة المهذب»، ولابن عبد البر في «مقدمة التمهيد» وآخرون] كما أفاده الشيخ العلامة بكر أبو زيد. الثانية: ينبغي لكاتب اسم نبينا ﷺ أن يقرنه بالصلاة والسلام عليه،

стр. 164

وكذلك إن كتبه بوصف الرسالة أو النبوة (رسول الله، نبي الله)، ولا يقتصر على ما يفعله بعض الكتاب المتمجهدين في هذا العصر، من سوء الأدب فيرمزون بـ «حرف الصاد» أو (صلعم) وغير ذلك، وقد نوه أئمة الحديث والأثر على هذا الفعل الشنيع، والأدب الوضيع، قال السيوطي في «ألفيته» (١): واكتب ثناء الله والتسليما … مع الصلاة والرضى تعظيما ولا تكن ترمزها أو تفرد … ولو خلا الأصل خلاف أحمد وكذلك الترضي على أصحاب النبي ﷺ فلا ينبغي أن يكتب (ض) بل يكتب ﵃، فاقتضى التنويه على هذا الأمر، وكنت نوهت عليه في «شرح البيقونية» (٢). • وحكم الصلاة والسلام على النبي ﷺ -: قال تعالى: ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي ياأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما﴾ [الأحزاب: ٥٦]، قال القاضي أبو عبد الله بن محمد بن سعيد: ذهب مالك وأصحابه وغيرهم من أهل العلم أن الصلاة على النبي ﷺ فرض بالجملة بعقد الأيمان، لا تتعين في الصلاة، وأن من صلى عليه ﷺ مرة واحدة من عمره سقط الفرض عنه. واما الأحاديث في الصلاة والسلام على النبي ﷺ فكثيرة متواترة فلنقتصر على واحدة، قال البخاري - عند تفسير هذه الآية: عن كعب بن عجرة قال: قيل: يا رسول الله، أما السلام عليك فقد عرفناه، فكيف الصلاة؟ فقال: «قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. اللهم، بارك على محمد وعلى آل محمد كما

стр. 165

باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد (١). وليس من الأدب لمن يدعي حب النبي ﷺ واتباعه أن يعرض عن الصلاة والسلام عليه إذا سمع اسمه ﵊، وقد وصفه النبي ﷺ بالبخيل، وأنه مرغوم الأنف ملصق بالتراب، فعن عبد الله بن الحسين، عن أبيه علي بن الحسين، عن أبيه؛ أن رسول الله ﷺ قال: «البخيل من ذكرت عنده، ثم لم يصل علي». وقال أبو سعيد: «فلم يصل علي» (٢). فاللهم لك الحمد كما تحب أن تحمد، على كل شيء تحب أن تحمد عليه، وصل وسلم وبارك على عبدك ونبيك محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.

стр. 166

كتاب الطهارة قال المصنف رحمه الله تعالى: (باب) ما يجب منه الوضوء والغسل (الوضوء يجب لما يخرج من أحد المخرجين من بول أو غائط أو ريح، أو لما يخرج من الذكر من مذي مع غسل الذكر كله منه، وهو ماء أبيض رقيق يخرج عند اللذة بالإنعاظ عند الملاعبة أو التذكار. وأما الودي فهو ماء أبيض خائر يخرج بإثر البول يجب منه ما يجب من البول؛ وأما المني فهو الماء الدافق الذي يخرج عند اللذة (١) الكبرى بالجماع، رائحته كرائحة الطلع. وماء المرأة ماء رقيق أصفر، يجب منه (٢) الطهر فيجب من هذا طهر جميع الجسد كما يجب من طهر الحيضة. وأما دم الإستحاضة فيجب منه الوضوء، ويستحب لها ولسلس البول أن يتوضنا (٣) لكل صلاة).

стр. 167

باب ما يجب منه الوضوء والغسل (باب ما يجب منه الوضوء والغسل) (١)؛ أي: هذا باب في بيان الشيء الذي يجب لأجله الوضوء، وذكر ما يجب منه الغسل؛ أي: وما ينقضه بعد صحته. والباب: هو لغة ما يتوصل منه إلى غيره، وهو حقيقة في الأجساد كباب المسجد ومجاز في المعاني، والمراد هنا ليس الحقيقة. معنى الوضوء والغسل في اللغة والاصطلاح: و (الوضوء) بضم الواو اسم للفعل، وبفتحها اسم للماء. على أن الخليل ذهب إلى أنه لا فرق بينهما وكلاهما بفتح الواو، وقال: «الضم لا أعرفه» (٢). ولغة: الحسن والنظافة، وشرعا: تطهير أعضاء مخصوصة بالماء لتنظف ويرفع عنها حكم الحدث لتستباح به العبادة الممنوعة. (والغسل): بالضم الفعل، وبالفتح اسم للماء على الأشهر (٣)، والدليل على وجوب الوضوء والغسل الكتاب والسنة والإجماع، قال تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ [المائدة: ٦] الآية وقال: ﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكرى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا﴾ [النساء: ٤٣]، والحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تقبل صلاة من أحدث حتى يتوضأ» (٤)، ولا خلاف بين الأئمة في وجوبهما.

стр. 168

• موجبات الوضوء: (الوضوء يجب) وجوب الفرائض لا وجوب السنن، والذي يجب منه الوضوء شيئان: أحداث وأسباب. فالحدث: ما ينقض الوضوء بنفسه كالبول، والسبب: ما لا ينقض الوضوء بنفسه، ولكن بما يؤدي إلى الحدث وهو ثلاثة أشياء: زوال العقل، ولمس من تشتهى، ومس الذكر، والحدث شامل (لـ) كل ما يخرج من أحد المخرجين المعتادين وهما القبل والدبر خروجا معتادا، وقيد بالمعتاد للاحتراز عما يخرج غير معتاد كالحصاة والدود فإنه لا ينقض على المشهور (١)، لأنهما غير معتادين. ولا بد أن يكون الخروج على وفق العادة، فلو خرج لعلة كالسلس في غالب أحواله، وهو أن يلازمه كل الزمن أو جله أو نصفه فلا نقض، ففي الأول لا يجب الوضوء ولا يستحب، وفي الأخيرين يستحب إلا أن يشق عليه ذلك، وإلا فلا استحباب، وتقييد المخرجين بالمعتادين للاحتراز أيضا عما يخرج من غيرهما كدم الفصاد (٢) والحجامة والقيء المتغير عن حالة الطعام، والحدث الخارج من فتق تحت المعدة، ولم ينسد المخرجان، فلا ينقض، أما إذا انسد المخرجان وكان الفتق تحت المعدة فيعتبر كالخارج المعتاد من المخرج المعتاد. البول والغائط والريح: (من بول، أو غائط، أو ريح) بيان لما يخرج؛ أي: يجب الوضوء من

стр. 169

أجل خروج البول من القبل، ومن خروج الغائط من الدبر، ومن خروج الريح، والمراد به ما يخرج من الدبر سواء كان بصوت أم لا؛ لقوله تعالى: ﴿أو جاء أحد منكم من الغابط﴾ [النساء: ٤٣]، ولحديث صفوان بن عسال ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا كنا سفرا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم» (١)، وحديث عبد الله بن زيد ﵁ قال: شكي إلى النبي ﷺ الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، قال: «لا ينفتل - أو لا ينصرف - حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا» متفق عليه (٢)، ولحديث همام بن منبة أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : «لا تقبل صلاة من أحدث حتى يتوضأ»، قال رجل من حضر موت (٣): ما الحدث يا أبا هريرة؟ قال: «فساء أو ضراط» (٤)، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: «فسره أبو هريرة بأخص من ذلك تنبيها بالأخف على الأغلظ؛ ولأنهما قد يقعان في أثناء الصلاة أكثر من غيرهما»، … واستدل بالحديث على بطلان الصلاة بالحدث سواء كان خروجه اختياريا أم اضطراريا، وعلى أن الوضوء لا يجب لكل صلاة لأن القبول انتفى إلى غاية الوضوء، وما بعدها مخالف لما قبلها فاقتضى ذلك قبول الصلاة بعد الوضوء مطلقا (٥). وأما الريح الخارج من الذكر أو من فرج المرأة فلا يوجب الوضوء لعدم اعتباره في نواقض الوضوء (٦).

стр. 170

المذي (١): (أو لما يخرج من الذكر من مذي مع غسل الذكر كله منه، وهو ماء أبيض رقيق يخرج عند اللذة بالإنعاظ (٢) عند الملاعبة، أو التذكار)؛ أي: يجب الوضوء لأجل الشيء الذي يخرج من القبل وهو المذي، وصفته: أنه ماء أبيض رقيق يخرج عند اللذة بالتفكر أو ملاعبة من يلتذ به، وعليه فإنه: ١ - يوجب الوضوء. ٢ - يوجب غسل الذكر كله بنية قبل الوضوء بالماء -، وقيل يغسل محل الأذى فقط (٣). ٣ - يجب غسل المحل من الثوب الذي أصابه، لأنه نجس بإجماع حكاه النووي (٤). ٤ - يتعين الماء ولا تكفي الأحجار؛ لحديث علي ﵁ قال: كنت رجلا مذاء (٥) وكنت أستحيي أن أسأل النبي ﷺ لمكان ابنته فأمرت المقداد بن الأسود فسأله فقال: «يغسل ذكره ويتوضأ» (٦). قال ابن عبد البر: وذكر عبد الرزاق عن ابن جريج قال: قال قيس

стр. 171

لعطاء: أرأيت المذي أكنت ماسحه مسحا؟ قال: «لا المذي أشد من البول يغسل غسلا» (١). وإن كان صاحب المذي سلسا فكسلس البول، وإن كان لطول عزبة أو تذكر فعند ابن الحاجب وإن كثر المذي للعزبة (٢) أو للتذكر فالمشهور الوضوء، وفي الذي يمكنه أن يتداوى منه قولان (٣). وهل تغسل المرأة فرجها من المذي أم محل الأذى فقط؟ لم يذكر المؤلف في هذا شيئا؛ وقال الأقفهسي (٤): خص الذكر بالذكر لأن المرأة وإن شاركته في ذلك إنما تغسل محل الأذى. مسألة: هل غسل الذكر كله للتعبد أو لقطع مادة المذي، وإذا قلنا إنه للتعبد افتقر إلى النية، وظاهر كلام المؤلف عدم افتقاره لها، ولذلك حكى خليل القولين في صحة الصلاة وبطلانها (٥)، وصحح ابن العربي عدمها (٦). الودي (٧): (وأما الودي فهو ماء أبيض خائر)؛ أي: ثخين (يخرج) غالبا عقب

стр. 172

البول وقد يخرج بنفسه أو مع البول (فيجب منه ما يجب من البول)؛ أي: الوضوء والاستبراء منه، لقول ابن عباس: «هو المني، والمذي، والودي، فأما المذي والودي فإنه يغسل ذكره ويتوضأ، وأما المني ففيه الغسل» (١)، وقول ابن مسعود: «في الودي الوضوء» (٢). والخلاصة من كلام المصنف: أن الأحداث الناقضة للوضوء والموجبة له، ثلاثة من القبل: وهي البول، والودي، والمذي (٣). واثنان من الدبر وهما: الغائط، والريح. والفائدة التي من أجلها ذكر المصنف أوصاف المياه الخارجة لإفادة أحكامها، فيحصل حكم كل ماء بحسب (٤). المني: (وأما المني فـ) خروجه من موجبات الغسل لا الوضوء، وإنما ذكره المؤلف في موجبات الوضوء استطرادا لما أنه يوجب الوضوء في بعض أحواله، وهو ما إذا خرج بلذة غير معتادة، وإن كانت الحالة التي ذكرها المؤلف من موجبات الغسل، ولذكر ما يخرج من القبل وكان المني من جملته، وعرفه ليميزه عن غيره بأنه (هو الماء الدافق)؛ أي: الماء (الذي يخرج) دفقة بعد دفقة قال تعالى ﴿فلينظر الإنسان مم خلق * خلق من ماء دافق﴾ [الطارق: ٥، ٦]، (عند اللذة الكبرى بالجماع) أو الاحتلام، وله رائحة كرائحة الطلع (٥)، أي: طلع النخل؛ أي: رائحة غباره الذي يسقط منه، وهذه الرائحة ما دام رطبا، أو

стр. 173

كرائحة العجين، أو البيض إذا يبس (١)؛ يعقبه فتور واسترخاء. (وماء المرأة)؛ أي: منيها فصفته أنه (ماء أصفر رقيق) إذا خرج على وجه العادة والصحة لا على وجه المرض. (فيجب من هذا طهر جميع الجسد) ولا يشترط بروزه إلى خارج، بل المدار على إحساسها به فبمجرد الإحساس يجب عليها الطهر (كما يجب من طهر الحيضة) (٢) صفة وحكما، لحديث قتادة أن أنس بن مالك ﵁ حدثهم أن أم سليم حدثت أنها سألت نبي الله ﷺ عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل؟ فقال رسول الله ﷺ : «إذا رأت ذلك المرأة فلتغتسل» فقالت أم سليم: واستحييت من ذلك، قالت وهل يكون هذا؟ فقال نبي الله ﷺ : «نعم فمن أين يكون الشبه؟ إن ماء الرجل غليظ أبيض، وماء المرأة رقيق أصفر، فمن أيهما علا أو سبق يكون منه الشبه» (٣). قلت: ولا مفهوم لرأت لأنه قد يخرج ولا تراه ويجب عليها الغسل بسببه، فالظاهر أن المراد هنا أن الرؤية القلبية وليس بالضرورة بصرية والله أعلم. دم الاستحاضة وسلس البول: (وأما دم الاستحاضة فـ) هو الدم السائل في غير أيام زمن الحيض والنفاس من عرق فمه في أدنى الرحم يسمى العاذل بكسر الذال، وحكمه أنه (يجب منه الوضوء) إذا كان انقطاعه أكثر من إتيانه، فعن عائشة ﵂ قالت: قالت فاطمة بنت أبي حبيش (٤) لرسول الله ﷺ إني امرأة استحاض (٥) فلا أطهر.

стр. 174

أفأدع الصلاة؟ فقال لها رسول الله ﷺ : «إنما ذلك عرق، وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي» (١)، وفي رواية لأبي داود: «اغتسلي ثم توضئي لكل صلاة وصلي»، قال ابن عبد البر: ليس في حديث مالك هذا ذكر الوضوء لكل صلاة على المستحاضة وذكر في حديث غيره، فلذا كان مالك يستحبه لها ولا يوجبه، كما لا يوجبه على صاحب السلس، فعن هشام بن عروة عن أبيه أنه قال: «ليس على المستحاضة إلا أن تغتسل غسلا واحدا، ثم تتوضأ بعد ذلك لكل صلاة» وعلى ذلك عمل أهل المدينة (٢). ولذلك قال ويستحب لها؛ أي: الوضوء، وأما إذا كان إتيانه أكثر من انقطاعه أو تساوى الأمران فلا يجب. وقد عد ابن غازي أن هذه المسألة من مشكلات الرسالة الثمانية، وقد فصلنا القول في الأصل (٣). أحوال المستحاضة وسائر أصحاب الأسلاس: • تارة يكون إتيانه أكثر من انقطاعه فيستحب منه الوضوء إلا أن يشق لبرد ونحوه. • وتارة يكون انقطاعه أكثر من إتيانه، فيجب منه الوضوء على المشهور؛ وإلى هاتين الحالتين أشار «الشيخ» بقوله: «فيجب ويستحب». • وتارة يستوي إتيانه وانقطاعه، ففي وجوب الوضوء واستحبابه قولان، والمشهور الاستحباب. • وتارة يلازم دائما فلا يجب الوضوء ولا يستحب. اهـ (٤).

стр. 175

والخلاصة في الاستحاضة وسلس الأحداث إن تكررت في أكثر الأوقات فإنه يستحب منها الوضوء، وإلا فهي أحداث يجب منها الوضوء. (و) كذلك يستحب (لـ) صاحب (سلس البول) وللمستحاضة (أن يتوضأ لكل صلاة)؛ أي: ويستحب لصاحب السلس أن يتوضأ لكل صلاة، فعن وهب عن الليث بن سعد أن كثير بن فرقد حدثه أن عبد الرحمن الأعرج حدثه أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: «إنه لينحدر شيء مثل الجمان، أو مثل الخرزة فما أباليه» (١)، قال ابن عبد البر: وهذا يدل على أن عمر استنكحه أمر المذي، وغلب عليه وسلس منه، كما يسلس من البول، فقال فيه القول. وقال سعيد بن المسيب «لو سال على فخذي ما انصرفت» (٢). وأن يكون وضوءه متصلا بالصلاة، ولا خصوصية لسلس البول بالحكم، بل الحكم عام لكل ذي سلس بولا أو ريحا أو منيا، فالجميع سواء في عدم النقض بالذي خرج منهم، ولازم، ولو نصف الزمن حيث عجز عن رفعه بتداو أو تزوج، فإن قدر على رفعه فإنه يكون ناقضا وتغتفر له مدة التداوي في عدم النقض. فانتبه لهذا يرحمني وإياك الله، ونبه عليه. موجبات الوضوء من الأسباب كزوال العقل ونحوه: قال المصنف رحمه الله تعالى: (ويجب الوضوء من زوال العقل بنوم مستثقل، أو إغماء، أو سكر، أو تخبط جنون، ويجب الوضوء من الملامسة للذة، والمباشرة بالجسد للذة، والقبلة للذة، ومن مس الذكر، واختلف في مس المرأة فرجها في إيجاب الوضوء بذلك).

стр. 176

الشرح (ويجب الوضوء من زوال العقل) (١)؛ أي: من الأسباب المؤدية إلى الحدث، وموجبة للوضوء بعد زوالها، زوال العقل بمعنى استتاره لا ذهابه بالكلية، إذ لو ذهب بالكلية لم يعد، وصار صاحبه غير مكلف، إذ الغرض في إنسان يلحقه ما ذكر من نحو نوم أو إغماء ثم يعود له عقله فيحكم عليه بوجوب الوضوء. (بنوم مستتقل) بفتح القاف؛ أي: أن النوم الثقيل ينقض الوضوء مطلقا طال أو قصر لقوله تعالى: ﴿يأيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة﴾ [المائدة: ٦] قال مالك: إن ذلك إذا قمتم من المضاجع؛ يعني: النوم، قال الزرقاني: وهذا التفسير موافق لقول أكثر السلف اهـ (٢). وعن الحسن رحمه الله تعالى: «إذا استثقل الرجل نوما، قائما، أو قاعدا، أو مضطجعا، توضأ» (٣). ولحديث صفوان بن عسال المتقدم، وحقيقة النوم الثقيل أنه الذي يخالط القلب ولا يشعر صاحبه بما فعل - مبنيا للمفعول - سواء فعله أو فعل غيره، ومفهوم قوله: مستثقل أن الخفيف الذي يشعر صاحبه بأدنى سبب لا ينقض مطلقا قصيرا كان أو طويلا (٤)، لما روى نافع أن ابن عمر ﵁: «كان ينام جالسا ثم يصلي ولا يتوضأ» (٥)، لكن يستحب الوضوء من النوم الخفيف الطويل، ولم يشترط الاستثقال في غيره فقليل ما سواه وكثيره

стр. 177

سواء (١)، وأن يكون النائم ممكنا مقعدته من الأرض متربعا، لأنه لا يمكن معها خروج الريح. (أو إغماء) قال مالك: ومن أغمي عليه فعليه الوضوء، والإغماء زوال العقل مع استرخاء في الأعضاء، وسواء كان إغماء خفيفا أم ثقيلا، ولئن كان النقض ثابتا للنوم بالأحاديث مع أن صاحبه إذا أيقظوه استيقظ فالمذكورات سواه من باب أولى وعليه الإجماع (٢)، وقد استدل البعض بحديث اغتساله ﷺ لما أغمي عليه في مرضه الذي مات فيه فقال: «ضعوا لي ماء في المخضب ثم ذهب لينوء، فأغمي عليه» (٣)، وطلبه ليغتسل به دليل في حده الأدنى على الوضوء الذي هو أقل من الغسل، والله أعلم، والإجماع قاض بالوضوء على كل حال. (أو سكر)؛ يعني: أن من غاب عقله بسبب سكر فعليه الوضوء، ولا تفصيل بين السكر بحرام أو حلال، كأن شرب لبنا حامضا فسكر منه. (أو تخبط جنون) الأولى حذف تخبط، لأن زوال العقل يكون بالجنون، والتخبط مصاحب لزوال العقل لا أنه سبب له، وإنما وجب الوضوء بسبب الجنون والسكر والإغماء لأنه لما وجب بالنوم مع كونه أخف حالا منها لأنه يزول بيسير الانتباه، وقد وقع الإجماع على أن الوضوء ينتقض بما ذكر قال النووي رحمه الله تعالى: «أجمعت الأمة على انتقاض الوضوء بالجنون، والإغماء، وقد نقل الإجماع فيه ابن المنذر وآخرون» (٤). وفي كلام المؤلف دليل على القول منه بمس الجان للإنسان وتلبسه به،

стр. 178

وقد جاء في القرآن والسنة ما يدل على ذلك ولا عبرة بخلافه (١). • اللمس للمرأة بشهوة: (ويجب الوضوء من الملامسة)؛ أي: من الأسباب المؤدية إلى الحدث الملامسة، فإذا لمس البالغ امرأة غير محرم تشتهى عادة انتقض وضوءه إذا قصد اللذة وجدها أو لم، أو وجدها دون قصد، فإن لم يقصد ولم يجد فلا نقض، واللمس هنا هو ما دون الجماع على ما فسر به جماعة من الصحابة والتابعين ومالك وأصحابه قوله تعالى: ﴿أو لامستم النساء﴾ [النساء: ٤٣] قال ابن العربي: ولم يختلف عن ابن مسعود أن الملامسة ما دون الجماع (٢)، وعن سالم بن عبد الله عن أبيه عبد الله بن عمر ﵁ أنه كان يقول: «قبلة الرجل امرأته، وجسها بيده من الملامسة، فمن قبل امرأته أو جسها بيده، فعليه الوضوء» (٣)، قال ابن عبد البر: وحمل الظاهر والعموم على التصريح أولى من حمله على الكناية (٤). (للذة) حاصل فقه المسألة أن اللامس إن كان قاصدا اللذة وجب عليه الوضوء بمجرد الملامسة وجد لذة أو لا، وأولى إن قصد ووجد وإن لم يكن قاصدا اللذة بل كان قاصدا بالملامسة الاختبار هل الجسم صلب أو لا، ولكنه وجد لذة فيجب عليه الوضوء لوجود اللذة، أما إن لم يقصد ولم يجد فلا شيء عليه. هذا حكم اللامس، وأما الملموس فإن بلغ والتد توضأ وإلا فلا شيء عليه ما لم يقصد اللذة، وإلا صار حكمه حكم اللامس، فلا ينقض لحديث عائشة ﵁ قالت: «كنت أنام بين يدي رسول الله ﷺ ورجلاي، في قبلته فإذا سجد غمزني، فقبضت رجلي، فإذا قام بسطتهما»، قالت: والبيوت

стр. 179

يومئذ ليس فيها مصابيح (١). • القبلة: (والقبلة للدة) القبلة بضم القاف، ضم فم على فم، ظاهر كلامه أن التقبيل مطلقا على الفم أو غيره يجري على القصد أو الوجدان، وليس كذلك، بل المشهور أن القبلة على الفم تنقض مطلقا قصد ووجد أم لا، لأنها مظنة اللذة، لحديث ابن عمر ﵄: «قبلة الرجل امرأته، وجسها بيده من الملامسة، فمن قبل امرأته أو جسها بيده، فعليه الوضوء» (٢)، ما لم تكن قرينة صارفة للذة، فإن وجدت فلا، وهو ظاهر كلام المصنف، لحديث عائشة ﵂ أنها قالت: «إن رسول الله ﷺ قبل امرأة من نسائه، ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ، قال عروة: فقلت لها: ومن هي إلا أنت؟ فضحكت» (٣)، وفي رواية: «أن النبي ﷺ قبلها ولم يتوضأ» (٤). مس الذكر: (ومن مس الذكر)؛ أي: من الأسباب المؤدية إلى الحدث مس الذكر لما في «الموطأ» وغيره أن رسول الله ﷺ قال: «إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ» (٥). قال التتائي: رجح مالك حديث بسرة إما لكونه أصح سندا، أو روايته أكثر، أو لأنه متأخر فيكون ناسخا (٦). وروى مالك عن مصعب بن

стр. 180

سعد بن أبي وقاص ﵁ أنه قال: كنت أمسك المصحف على سعد بن أبي وقاص فاحتككت فقال سعد: «لعلك مسست ذكرك»؟ قال: فقلت نعم. فقال: «قم، فتوضأ». فقمت فتوضأت، ثم رجعت (١). والمعتبر في المس إذا كان بباطن الكف أو بباطن الأصابع أو بجنبيهما، و «ألـ» في الذكر للعهد، والمعهود ذكر الماس لا ذكر غيره. وأما ذكر الغير فيجري على حكم الملامسة من اعتبار القصد أو الوجدان، ولا بد أن يكون الذكر متصلا بالبدن، وأما المنفصل عن البدن فلا نقض بمسه. ويعتبر في الخنثى الإشكال وعدمه، فإن كان مشكلا نقض مسه، وإن كان غير مشكل اعتبر في حقه ما حكم له به، فإن حكم له بالذكورة نقض وإلا فلا، ويفصل في المس من فوق الحائل، فإن كان كثيفا فلا نقض قولا واحدا، للحديث الآنف الذكر وفي بعض ألفاظه «ليس دونها حجاب»، وإن كان خفيفا فالمشهور عدم النقض. ولا نقض بمس الدبر والأنثيين على المشهور (٢). • مس المرأة فرجها: واختلف في النقل عن مالك في مس المرأة فرجها في إيجاب الوضوء بذلك فمذهب المدونة عدم النقض لما في الحديث: «إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ» ورد هذا المذهب بأنه مفهوم لقب، ومفهوم اللقب لا يعتبر في الحجية (٣). واستند القائل بالنقض لحديث: «من مس فرجه
следующие страницы →