متعدد عندهم، وقد تكلفت الكتب الكلامية بالرد عليهم» اهـ (١).
وهو سبحانه خلق الإنسان ﴿ويعلم ما توسوس به نفسه﴾؛ أي: ما يختلج في سره وقلبه وضميره، وفي هذا زجر عن المعاصي التي يستخفي بها.
والوسوسة: حديث النفس؛ يقال: وسوست إليه نفسه وسوسة ووسواسا (بكسر الواو). والوسواس (بالفتح): اسم، مثل الزلزال.
والوسوسة هي ما يجول في الصدر من الخواطر، والأفكار السيئة والمشغلة للعبد عن ربه، والبعد به عن صراط الله المستقيم، وهي أقسام ودركات، أشنعها ما تقدم معنا في وسوسة الشيطان اللعين في التفكر في شأن الخالق، ومنها ما يتعلق بالعبادات والمعاملات ومخالطة الناس، نعوذ بالله من شر الوسواس الخناس.
(وهو أقرب إليه من حبل الوريد)، وكل هذا الذي أورده المصنف منتزع من قوله تعالى: ﴿ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه، ونحن أقرب إليه من حبل الوريد﴾ [ق: ١٦] قال ابن كثير: قوله تعالى: ﴿ونحن أقرب إليه من حبل الوريد﴾؛ يعني: الملائكة، أقرب إلى الإنسان من حبل وريده، ومن تأوله على العلم؛ فإنما فر لئلا يلزم حلول، أو اتحاد، وهما منفيان بالإجماع، تعالى الله وتقدس، ولكن اللفظ لا يقتضيه، فإنه لم يقل: وأنا أقرب إليه من حبل الوريد، وإنما قال: ونحن أقرب إليه من حبل الوريد، كما قال في «المحتضر»: ﴿ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون﴾؛ يعني: ملائكته (٢).
(﴿وما تسقط من ورقة﴾ قد فقدت حياتها وأصابها الذبول والفناء فسقطت من علو إلى سفل، ومن حياة إلى اندثار ﴿إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض﴾) قد بزغت ونمت، وانبثقت من الغور إلى السطح، ومن كمون وسكون إلى اندفاع وانطلاق، فأزهرت وأثمرت إلا يعلمها جل في علاه، قال تعالى: ﴿وما
стр. 72
تخرج من ثمرات من أكمامها وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه﴾ [فصلت: ٤٧] ﴿ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين﴾ [الأنعام: ٥٩]. فلا يغيب عن علم الله من ذلك شيء جملة وتفصيلا ﴿عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين﴾ [سبأ: ٣].
قال القرطبي: وقيل: المعنى «وما تسقط من ورقة»؛ أي: من ورقة الشجر إلا يعلم متى تسقط، وأين تسقط، وكم تدور في الهواء، ولا حبة إلا يعلم متى تنبت، وكم تنبت، ومن يأكلها، «وظلمات الأرض» بطونها وهذا أصح اه (١)؛ والآية من أعظم الأدلة على أن الذي يعلم الغيب إنما هو الله الخالق البارئ، ومن ادعى علم الغيب من الكهنة والسحرة والمشعوذين فهو كافر.
• فصل في استواء الرب على العرش، وذكر ما يتعلق بأسمائه الحسنى:
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(﴿على العرش استوى﴾ [طه: ٥] و ﴿على الملك احتوى﴾، وله الأسماء الحسنى والصفات العلى لم يزل بجميع صفاته وأسمائه، تعالى أن تكون صفاته مخلوقة، وأسماؤه محدثة).
الشرح
(﴿على العرش استوى﴾ [طه: ٥]) وقد تقدم الكلام عن هذه الصفة المباركة وهي صفة الاستواء، وسنذكر هنا ما قاله ابن كثير ﵀: وأما قوله تعالى: ﴿ثم استوى على العرش﴾ فللناس في هذا المقام مقالات كثيرة جدا ليس هذا موضع بسطها، وإنما نسلك في هذا المقام مذهب السلف الصالح: مالك (فبدأ بإمامنا) والأوزاعي، والثوري، والليث بن سعد، والشافعي، وأحمد، وإسحاق بن راهويه، وغيرهم من أئمة المسلمين قديما وحديثا، وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل، والظاهر المتبادر إلى أذهان
стр. 73
المشبهين منفي عن الله لا يشبهه شيء من خلقه ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ [الشورى: ١١]. قال أبو الحسن الأشعري رحمه الله تعالى في «الإبانة» (١): وقد قال قائلون من المعتزلة والجهمية والحرورية: إن معنى قول الله تعالى: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾، أنه استولى وملك وقهر، وأن الله تعالى في كل مكان، وجحدوا أن يكون الله مستو على عرشه، كما قال أهل الحق، وذهبوا في الاستواء إلى القدرة وذكر البراهين والأدلة على ما ذهبوا إليه فانظره في الإبانة تستفد، وقد بينا ذلك في أصل هذا المختصر فارجع إليه.
(وعلى الملك احتوى)، قال في «القاموس»: احتواه واحتوى عليه: جمعه، وأحرزه؛ من حويت الشيء إذا جمعته (٢). فالمراد باحتوى في كلام المصنف: الإحاطة والله أعلم.
قال الله : ﴿تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير﴾ [الملك: ١] وقال سبحانه: ﴿ولم يكن له شريك في الملك﴾ [الإسراء: ١١١]، وقال تعالى: ﴿قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير﴾ [سبأ: ٢٢].
• أسماء الله وصفاته:
قوله: (له الأسماء الحسنى والصفات العلى لم يزل بجميع صفاته وأسمائه، تعالى أن تكون صفاته مخلوقة، وأسماؤه محدثة).
الشرح
(له الأسماء الحسنى) قال تعالى: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾ [الأعراف: ١٨٠]، وقال سبحانه: ﴿الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى﴾
стр. 74
[طه: ٨]، والأسماء: جمع اسم وهو مأخوذ من السمة وهي العلامة، أو من السمو وهو العلو والرفعة، ووصفها بالحسنى لدلالتها على أشرف المعاني وأفضلها، قال القرطبي: سمى الله سبحانه أسماءه بالحسنى، لأنها حسنة في الأسماع والقلوب؛ فإنها تدل على توحيده وكرمه وجوده ورحمته وإفضاله.
والحسنى مصدر وصف به؛ ويجوز أن يقدر «الحسنى» فعلى، مؤنث الأحسن؛ كالكبرى تأنيث الأكبر، والجمع الكبر والحسن اهـ.
يقول قوام السنة الأصفهاني (ت ٥٣٥ هـ):
«قال بعض العلماء: أول فرض فرضه الله على خلقه: معرفته، فإذا عرفه الناس عبدوه، قال الله (تعالى): ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله﴾ [محمد: ١٩]، فينبغي للمسلمين أن يعرفوا أسماء الله وتفسيرها؛ فيعظموا الله حق عظمته، ولو أراد رجل أن يعامل رجلا: طلب أن يعرف اسمه وكنيته، واسم أبيه وجده، وسأل عن صغير أمره وكبيره، فالله الذي خلقنا ورزقنا، ونحن نرجو رحمته، ونخاف من سخطه، أولى أن نعرف أسماءه ونعرف تفسيرها» (١).
وفقه أسماء الله تعالى وصفاته يوجب تحقيق الإيمان والعبادة لله وحده، وإفراده - سبحانه - بالقصد والحب والتوكل وسائر العبادات، كما بين ذلك أهل العلم.
ولذا: يقول العز بن عبد السلام: «فهم معاني أسماء الله (تعالى) وسيلة إلى معاملته بثمراتها من: الخوف، والرجاء، والمهابة، والمحبة، والتوكل، وغير ذلك من ثمرات معرفة الصفات» (٢).
ويقول أيضا: «ذكر الله بأوصاف الجمال موجب للرحمة، وبأوصاف الكمال موجب للمهابة، وبالتوحد بالأفعال موجب للتوكل، وبسعة الرحمة موجب للرجاء، وبشدة النقمة موجب للخوف، وبالتفرد بالإنعام موجب للشكر، ولذلك قال (سبحانه): ﴿اذكروا الله ذكرا كثيرا﴾ [الأحزاب: ٤١]».
стр. 75
وقد ورد من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحدا، من أحصاها دخل الجنة، وهو وتر يحب الوتر» (١)، [ومعنى أحصاها: حفظها، لورود رواية مرجحة بلفظ «حفظها» كما ذهب إلى ذلك البخاري رحمه الله تعالى] (٢)؛ والحديث أيضا أخرجه الترمذي (٣) في «جامعه»، وزاد بعد قوله: «يحب الوتر: هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم … ». ثم ذكر بقية أسماء الله الحسنى.
وقد جمع كثير من أهل العلم تلك الأسماء وغيرها مما صح ذكره في الآثار، وثبت خبره في كلام الواحد الغفار، وقد أوردناها في أصل هذا الكتاب، وممن أوردها الحافظ ابن حجر فقد جمع هذا العدد في كتاب «فتح الباري» (٤)، وفي «التلخيص الحبير» (٥)، ومنهم الشيخ محمد بن عثيمين في كتابه «القواعد المثلى»، وهذه الكتب الثلاثة متفقة في أكثر الأسماء، ويوجد في أحدها ما لا يوجد في الآخر.
والصحيح أسماء الله الحسنى غير منحصرة في تسعة وتسعين بدليل ما رواه الإمام أحمد في «مسنده» من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ما أصاب أحدا قط هم ولا حزن، فقال: اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو علمته أحدا من خلقك، أو أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي، إلا أذهب الله همه
стр. 76
وحزنه، وأبدله مكانه فرحا»، قال: فقيل: يا رسول الله، ألا نتعلمها؟ فقال: «بلى، ينبغي لمن سمعها أن يتعلمها» (١)، وذكر الفقيه الإمام أبو بكر بن العربي أحد أئمة المالكية في كتابه «عارضة الأحوذي في شرح الترمذي» أن بعضهم جمع من الكتاب والسنة من أسماء الله ألف اسم، فالله أعلم اهـ (٢).
وقد بحث الحافظ ابن حجر في «الفتح» مسألة الأسماء بحثا قيما ينبغي أن ينظر في «باب لله مائة اسم غير واحد» (٣).
ضوابط تتعلق بالأسماء الحسنى:
الضابط الأول: أن أسماء الله تعالى توقيفية بمعنى تحتاج إلى دليل مخبر أن هذا اسم من أسمائه الحسنى (٤)، وهو مذهب الجمهور كما أشار إليه زروق في شرح الرسالة (٥).
الضابط الثاني: ليس كل فعل يمكن اشتقاق اسم منه لله فلا يسمى سبحانه الفاعل والزارع أخذا من قوله تعالى: ﴿كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فعلين﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، ومن قوله تعالى: ﴿أفرءيتم ما تحرثون * أءنتم تزرعونه أم نحن الزارعون﴾ [الواقعة: ٦٣، ٦٤] (٦). ولا يطلق على الله جل وعلا أسماء نشتقها من أوصاف جاءت في ذكر الجزاء والعدل والمشاكلة، وهي فيما سيقت فيه مدح وكمال، كما في قوله تعالى: ﴿إن
стр. 77
المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم﴾ [النساء: ١٤٢]، وقوله: ﴿ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين﴾ [الأنفال: ٣٠]، وقوله: ﴿نسوا الله فنسيهم﴾ [التوبة: ٦٧]. فلا يطلق على الله سبحانه مخادع، وماكر، وناس، ومستهزئ، ولا يقال: الله يستهزئ، ويخادع، ويمكر وينسى على سبيل الإطلاق وإنما يجب ذكر ذلك مقيدا كما ورد في الذكر الحكيم (١).
قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى: نسبة هذا الفعل له تعالى قالوا إنه: من باب المقابلة كقوله: ﴿ومكروا ومكر الله﴾ [آل عمران: ٥٤]، وقوله: ﴿إنما نحن مستهزءون الله يستهزئ بهم﴾ [البقرة: ١٤، ١٥]، وهو في اللغة، كقول القائل، لما سئل عن أي الطعام يريد، وهو عار يريد كسوة.
قالوا: اختر طعاما نجد لك طبخه … قلت اطبخوا لي جبة وقميصا. وقد اتفق السلف، أنه لا ينسب إلى الله تعالى على سبيل الإطلاق، ولا يجوز أن يشتق له منه اسم، وإنما يطلق في مقابل فعل العباد، لأنه في غير المقابلة فهو في غاية العلم والحكمة والقدرة، والكيد أصله المعالجة للشيء بقوة اهـ (٢).
واعلم أن من أسماء الله تعالى ما لا يطلق إلا مقترنا بمقابله، لأنه إن أطلق وحده أوهم نقصا فمن ذلك: المانع، الضار، القابض، المذل، الخافض، فلا تطلق إلا مقترنة بما يقابلها فيقال: القابض الباسط، المعز المذل، الضار النافع، الخافض الرافع.
ومن ذلك المنتقم، لم يأت في القرآن سوى المصدر مضافا إلى: (ذو) كقوله تعالى: ﴿إن الله عزيز ذو انتقام﴾ [إبراهيم: ٤٧]، أو مقيدا بالانتقام من المجرمين كقوله: ﴿إنا من المجرمين منتقمون﴾ [السجدة: ٢٢].
الضابط الثالث:
اسم الله الأعظم: لقد جاءت أحاديث صحيحة عن النبي ﷺ تشير أن الله تعالى اسما أعظم من بين أسمائه، من دعا به أعطي سؤله، ونال أمله،
стр. 78
وأجيبت دعوته فمن تلك الأحاديث: حديث أنس ﵁ قال: كنت جالسا مع النبي ﷺ في المسجد، ورجل يصلي فقال: «اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السموات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم، فقال النبي ﷺ : لقد دعا الله باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى» (١).
وقوله ﷺ : «اسم الله الأعظم في سور من القرآن ثلاث في [البقرة] و [آل عمران] و [طه]» (٢).
قال القاسم أبو عبد الرحمن فالتمست في البقرة فإذا هو في آية الكرسي ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وفي آل عمران فاتحتها ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾ [آل عمران: ٢]، وفي طه ﴿وعنت الوجوه للحي القيوم﴾ [طه: ١١١].
(فائدة): «قول القاسم: إن الاسم الأعظم في آية ﴿وعنت الوجوه للحي القيوم﴾ من سورة (طه)، لم أجد في المرفوع ما يؤيده فالأقرب عندي أنه في قوله في أول السورة: ﴿إنني أنا الله لا إله إلا أنا﴾ … فإنه الموافق لبعض الأحاديث الصحيحة» (٣).
ورجح بعض العلماء أن الاسم المقصود هو اسم الجلالة (الله) لوروده في جميع النصوص التي أخبر النبي ﷺ أنه موجود بها، وأنه تكرر في القرآن (٢٦٩٧) سبعا وتسعين وستمائة وألفين (٤).
стр. 79
وقد ادعى بعض الناس أن لكل اسم من أسماء الله خواص وأسرارا، وفتح بابا للخرافات والقول على الله بغير علم، وقام سوق المتاجرة بإعطاء هذا ومنع ذاك من الاسم الأعظم، وأن فلانا ربما يصل به الحال إلى أنه يحيي ويميت به، وخلاصة الأمر أن ذلك ضحك من الشيطان على قوم صدوا عن اتباع السنن الصحيحة، والشريعة الواضحة الفصيحة «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد» (١)
الضابط الرابع: اعلم أن معرفة أسماء الله جل وعلا تزيد المؤمن إيمانا واطمئنانا، وتأخذ بيده إلى الاستعانة به ودعائه بأسمائه التي أمرنا أن ندعو بها قال تعالى: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾ [الأعراف: ١٨٠]، وكان من هدي المصطفى ﷺ الدعاء بها والحث على تعلمها وتعليمها كما مر قريبا في حديث: «أسألك بكل اسم هو لك … » الحديث. وحري بالعبد الموحد أن يلجأ إلى الله بما شرع في كتابه وهدي رسوله ﷺ ، ويبتعد عن المحدثات التي تهدم دينه وعقيدته.
الضابط الخامس: أن أسماء الله كلها مشتقة تدل على صفات على، وليس فيها اسم جامد.
(والصفات العلى) جمع صفة وهي المعنى القائم بالموصوف كالقدرة والإرادة. والعلم، والحياة، والقدرة، والعلى جمع العليا تأنيث الأعلى؛ أي: المرتفعة عن كل نقض ونقص، والصفات قسمان: صفات ذات، وصفات فعل.
فصفات الذات هي ما اتصفت بها الذات العلية أزلا وأبدا، كالعلم والحياة والقدرة والوجه واليد ونحوها، وصفات الفعل هي ما تعلق بمشيئة الله وإرادته، كالخلق والرزق والإحياء، وهذا النوع من الصفات نوعها قديم؛ وآحادها حادثة كما بين ذلك المحققون (٢)، فمثلا: صفة الخلق باعتبار نوعها
стр. 80
صفة أزلية من صفات الخالق، وحدوثها يتجدد مع أمره للشيء (كن فيكون)، قال تعالى: ﴿إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون﴾ [يس: ٨٢]، والصفات منها أيضا ما اتصف الله جل وعلا به مرة كالاستواء، ومنها ما يتكرر على الكيفية التي يعلمها ﷻ كالنزول.
والله جل وعلا (لم يزل بجميع صفاته وأسمائه، تعالى أن تكون صفاته مخلوقة، وأسماؤه محدثة)؛ أي: لم يزل متصفا بجميع صفاته، ومسمى بجميع أسمائه، فهو الخالق قبل أن يكون مخلوق، والرازق قبل أن يوجد مرزوق، والمحيي والمميت قبل أن يكون أحد من خلقه، تعالى أن تكون أسماؤه محدثة تسمى بها بعد إيجاد خلقه، أو صفاته مخلوقة فتنافي قدسيته في أوليته وآخريته.
• الكلام صفة من صفات الله العظيم، وأنه تعالى كلم موسى تكليما:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(كلم الله موسى بكلامه الذي هو صفة ذاته، ولا خلق من خلقه، وتجلى للجبل فصار ذكا من جلاله).
الشرح
كما قال في كتابه الكريم: ﴿وكلم الله موسى تكليما﴾ [النساء: ١٦٤] وقال سبحانه: ﴿ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه﴾ [الأعراف: ١٤٣] فالرب هو المتكلم، وموسى المتلقي لكلام الله جل وعلا، فأكد الله في الآية الأولى الكلام بالمصدر المثبت النافي للمجاز، وأنه كلام الله حقا لا غيره، ولا خلق كلامه في غيره، ولا عبارة عن كلامه، بلا كيفية منه بدأ، وإليه يعود، وقد قال بعض المعتزلة الضالين لأبي عمرو بن العلاء - أحد القراء السبعة المشهورين - رحمه الله تعالى: أريد أن تقرأ (﴿وكلم الله موسى﴾) بنصب اسم الجلالة الله، ليكون موسى هو المتكلم لا الله! فقال أبو عمرو: هب أني قرأت هذه الآية
стр. 81
كذا، فكيف تصنع بقوله تعالى: ﴿ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه﴾ [الأعراف: ١٤٣] فبهت المعتزلي! وكم من دليل في الكتاب والسنة على تكلم الله تعالى لأهل الجنة وغيرهم (١).
قوله: (وتجلى للجبل فصار دكا من جلاله)؛ أي: لما اطلع الرب للجبل، جعل الجبل دكا من عظمة الباري سبحانه؛ أي: فصار مستويا بالأرض ﴿وخر موسى صعقا﴾؛ أي: مغشيا عليه (٢).
وقال القرطبي: «وتجلى معناه ظهر، من قولك: جلوت العروس؛ أي: أبرزتها» (٣). قال تعالى: ﴿ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه، قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن أنظر إلى الجبل فإن استقر مكانه، فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين﴾ [الأعراف: ١٤٣].
لقد طلب موسى له من ربه ما يعتقد أنه ممكن وإلا لكان معتديا في السؤال، فاستجاب الله لطلبه، لأنه في حيز الممكن كما يشاء الرب جل وعلا، وجعل لذلك علامة إن تحققت أمامه فإنه سيراه في الدنيا وإلا فإنه لا يطيق الرؤية، فتجلى للجبل فاندك الجبل وساخ في الأرض ولم يتحمل، فصعق موسى لله من ذلك وعلم أنه غير مهية في هذه الحياة لرؤية الرب جل وعلا، وعدم رؤيته في الدنيا بقوله: ﴿لن تراني﴾ ليس نفيا للرؤية في الآخرة كما فهمه المعتزلة وبعض أهل البدع، وأنكروا الأحاديث الصحيحة الصريحة المتواترة، والآيات الفصيحة المتكاثرة التي أخبرت عن رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة وفي جنات النعيم (٤)؛ قال القرطبي: قال علي بن مهدي الطبري: «لو كان سؤال موسى مستحيلا ما أقدم عليه مع معرفته بالله، كما لم يجز أن
стр. 82
يقول له يا رب ألك صاحبة وولد» (١). نسأل الله ألا يحرمنا من رؤيته يوم الدين.
• القرآن كلام الله جل وعلا:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(وأن القرآن كلام الله، وليس بمخلوق فيبيد، ولا صفة لمخلوق فينفد).
الشرح
أي: (وأن القرآن) الكريم الذي هو بين أيدينا من فاتحة الكتاب إلى سورة الناس هو (كلام الله) لا كلام غيره، ولا هو عبارة عن كلامه، لأن الله قال: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون﴾ [التوبة: ٦] فسماه كلامه، والمستجير لا يسمع كلام الله من الله سبحانه، وإنما يسمعه من مبلغه عن الله، (و) هو كلام منه سبحانه بدأ (ليس بمخلوق) كسائر مخلوقاته التي خلقها بأمره «كن»، لأنه فرق بين الأمر والخلق فقال: ﴿ألا له الخلق والأمر﴾ [الأعراف: ٥٤]، فدل على أن الأمر غير الخلق وكلامه سبحانه أمر (ف) لا (يبيد)؛ أي: يفنى، (ولا) هو (صفة لمخلوق) حادث (فينفد) بذهاب المخلوق وفنائه، قال تعالى: ﴿ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده، سبعة أبحر ما نفدت كلمت الله إن الله عزيز حكيم﴾ [لقمان: ٢٧].
فكلامه صفة من صفاته سبحانه وصفاته باقية، والآية تدل على فساد قول من قال: إن المسموع عبارة عن كلام الله وليس هو كلام الله، فإنه تعالى قال: ﴿حتى يسمع كلام الله﴾ ولم يقل حتى يسمع ما هو عبارة عن كلام الله، والأصل الحقيقة وقال النبي ﷺ : «ألا رجل يحملني إلى قومه لأبلغ كلام ربي، فإن قريشا منعوني أن أبلغ كلام ربي» (٢).
стр. 83
وقال أبو نصر السجزي: «فأما الله - تعالى - فإنه متكلم فيما لم يزل، ولا يزال، إذا شاء ذلك، ويكلم من يشاء تكليمه بما يعرفه [المخاطب] ولا يجهله، وكلامه أحسن الكلام، وفيه سور وآي، وكلمات، وكل ذلك حروف، وهو المسموع منه على الحقيقة سماعا يعقله الخلق، وجائز وجود أعداد من المكلمين يكلمهم في حال واحدة، بما يريده من كل واحد منهم، من غير أن يشغله تكليم هذا عن تكليم هذا. والقرآن في الأصل مصدر، فتارة يذكر ويراد به القراءة كما في قوله تعالى: ﴿وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا﴾ [الإسراء: ٧٨] وقال ﷺ : «زينوا القرآن بأصواتكم» (١)، وتارة يذكر ويراد به المقروء قال تعالى: ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرحيم﴾ [النحل: ٩٨]، وقال سبحانه: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، وقال تعالى: ﴿وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون﴾» [فصلت: ٢٦].
قوله: (وليس بمخلوق فيبيد، ولا صفة لمخلوق فينفد) بالنصب في جواب النفي. وقد تقدم الكلام على ذلك بحمد الله تعالى.
• الإيمان بالقضاء والقدر:
القضاء والقدر: أما القضاء في اللغة: الحكم والفصل.
وشرعا: هو ما قضى به الله في خلقه من إيجاد أو إعدام أو تغيير.
والقدر لغة: التقدير، يقال قدر الشيء يقدره قدرا وقدرا من باب (ضرب)، إذا أحاط بمقداره، وفي الاصطلاح: هو ما قد عرفه به المصنف، وقيل هو: جزئيات ذلك الحكم القضائي، وهو إيجاد الأشياء بمعنى أن الله علم مقادير الأشياء قبل إيجادها، فكل محدث صادر عن علمه وقدرته.
وقيل القضاء: إحكام الشيء وإمضاؤه والفراغ منه، فيكون بمعنى الخلق.
стр. 84
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(والإيمان بالقدر خيره وشره، حلوه ومره، وكل ذلك قد قدره الله ربنا، ومقادير الأمور بيده، ومصدرها عن قضائه، علم كل شيء قبل كونه فجرى على قدره، لا يكون من عباده قول ولا عمل إلا وقد قضاه وسبق علمه به ﴿ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير﴾ [الملك: ١٤]).
الشرح
أي: ومما يجب اعتقاده أن جميع الأشياء بتقدير الله لا يخرج منها شيء عن إرادته، تعالى أن يقع في ملكه إلا ما أراده من خير وشر، والأدلة على القضاء والقدر كثيرة من الكتاب والسنة والإجماع: فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿وكان أمر الله قدرا مقدورا﴾ [الأحزاب: ٣٨]، وقوله تعالى: ﴿والله خلقكم وما تعملون﴾ [الصافات: ٩٦] وقوله تعالى: ﴿إنا كل شيء خلقناه بقدر﴾ [القمر: ٤٩]. وفي حديث جبريل ﷺ في «الصحيح» أن النبي ﷺ قال: «وأن تؤمن بالقدر خيره وشره» (١)، وقال النبي ﷺ : «إن أول ما خلق الله القلم فقال: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: اكتب القدر، ما كان، وما هو كائن إلى الأبد» (٢)، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وعرشه على الماء» (٣).
(كتب الله مقادير الخلائق) قال العلماء: المراد تحديد وقت الكتابة في اللوح المحفوظ أو غيره، لا أصل التقدير فإن ذلك أزلي لا أول له (وعرشه على الماء)؛ أي: قبل خلق السموات والأرض.
стр. 85
وقد قسم أهل السنة القدر إلى أربع مراتب:
المرتبة الأولى: مرتبة العلم: وهي أن يؤمن الإنسان إيمانا جازما بأن الله ﵎ بكل شيء عليم، وأنه علم ما كان وما يكون، وما لا يكون لو كان كيف كان يكون، وأنه يعلم ما في السموات وما في الأرض جملة وتفصيلا. قال تعالى: ﴿لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما﴾ [الطلاق: ١٢]، وقال ﷺ لما سئل عن أولاد المشركين «الله أعلم بما كانوا عاملين» (١)، وغيرها من الأحاديث الدالة على ذلك.
وأما المرتبة الثانية: فهي مرتبة الكتابة: وهي أن الله ﵎ كتب عنده في اللوح المحفوظ مقادير كل شيء، وقد جمع الله بين مرتبتي العلم والكتابة في قوله: ﴿ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتب إن ذلك على الله يسير﴾ [الحج: ٧٠]؛ وجاء في الحديث عن رسول الله ﷺ : «إن أول ما خلق الله القلم، قال: اكتب، قال: ربي، ماذا أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن، فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة» (٢).
ولهذا سئل النبي ﷺ : عما نعمله، أشيء مستقبل أم شيء قد قضي وفرغ منه. فقال: «إنه قد قضي» قالوا: يا رسول الله، أفلا ندع العمل ونتكل؟ قال: «اعملوا فكل ميسر لما خلق له». فقال لهم الرسول ﷺ : «اعملوا». ثم تلا قوله تعالى: ﴿فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسره لليسرى * وأما من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى * فسنيسره للعسرى﴾ [الليل: ٥ - ١٠] (٣).
стр. 86
ويدخل في هذه المرتبة خمسة تقادير:
أ - التقدير الأزلي قبل خلق السموات والأرض قال تعالى: ﴿ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير﴾ [الحديد: ٢٢].
وفي «الصحيح»: قال النبي ﷺ : «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة - قال - وعرشه على الماء» (١)، وقال ﷺ : «إن أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب فقال: رب وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة» (٢)، وقال ﷺ : «يا أبا هريرة جف القلم بما هو كائن» (٣).
ب - كتابة الميثاق يوم أن قال سبحانه لذرية آدم: ﴿ألست بربكم﴾ ففي الذكر ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين … أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون﴾ [الأعراف: ١٧٢، ١٧٣].
ج - التقدير العمري عند تخليق النطفة في الرحم، فيكتب إذ ذاك ذكورتها وأنوثتها، أجلها، ورزقها، وشقي أو سعيد. كما في حديث ابن مسعود ﵁: وفيه … أن رسول الله ﷺ يقول: «إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكا فصورها، وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها، ثم قال: يا رب أذكر أم أنثى، فيقضي ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب أجله، فيقول ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب
стр. 87
رزقه فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك، ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده فلا يزيد على ما أمر ولا ينقص» رواه مسلم (١).
د - التقدير الحولي: أي: السنوي، وذلك في ليلة القدر قال تعالى: ﴿حم * والكتاب المبين * إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين * فيها يفرق كل أمر حكيم﴾ [الدخان: ١ - ٤]. قال ابن كثير: قوله: ﴿فيها يفرق كل أمر حكيم﴾؛ أي: في ليلة القدر يفصل من اللوح المحفوظ إلى الكتبة أمر السنة، وما يكون فيها من الآجال والأرزاق، وما يكون فيها إلى آخرها. وهكذا روي عن ابن عمر، وأبي مالك، ومجاهد، والضحاك، وغير واحد من السلف، وقوله: ﴿حكيم﴾؛ أي: محكم لا يبدل ولا يغير؛ ولهذا قال: ﴿أمرا من عندنا﴾؛ أي: جميع ما يكون ويقدره الله تعالى، وما يوجبه فبأمره وإذنه وعلمه. اه. وقال عند قوله تعالى: ﴿تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر﴾ [القدر: ٤]، قال قتادة وغيره: تقضى فيها الأمور، وتقدر الآجال والأرزاق، كما قال تعالى: ﴿فيها يفرق كل أمر حكيم﴾ [الدخان: ٤].
هـ - التقدير اليومي: وهو سوق المقادير إلى المواقيت التي قدرت لها فيما سبق، قال الله ﵎: ﴿يسأله من في السموات والأرض كل يوم هو في شأن﴾ [الرحمن: ٢٩]، وقد روي في آثار ضعيفة أن النبي ﷺ سئل عن الشأن فقال: «يغفر ذنبا، ويفرج كربا، ويرفع قوما، ويضع آخرين» (٢).
أما المرتبة الثالثة: فهي مرتبة المشيئة بمعنى: أن الله ﵎
стр. 88
شاء لكل موجود أو معدوم في السموات أو في الأرض، فما وجد موجود إلا بمشيئته، ولا عدم معدوم إلا بمشيئته سبحانه، وهذا ظاهر في القرآن الكريم، وقد أثبت الله تعالى مشيئته في فعله، ومشيئته في فعل العباد؛ فقال الله تعالى: ﴿لمن شاء منكم أن يستقيم (٢٨) وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين (٢٩)﴾ [التكوير: ٢٨، ٢٩].
المرتبة الرابعة مرتبة الخلق: أي: أن نؤمن بأن الله تعالى خالق كل شيء فما من موجود في السموات والأرض إلا الله خلقه، حتى الموت يخلقه الله ﵎، وإن كان هو عدم الحياة، يقول تعالى: ﴿الذي خلق الموت والحيوة ليبلوكم أيكم أحسن عملا﴾ [الملك: ٢]، والله خلقنا وخلق أفعالنا، وقد يشكل على المرء كيف يصح أن نقول في فعلنا وقولنا الاختياري: إنه مخلوق لله ، نقول: نعم، يصح أن نقول ذلك، لأن فعلنا وقولنا ناتج عن أمرين، أحدهما: القدرة، والثاني: الإرادة، فإذا كان فعل العبد ناتجا عن إرادته وقدرته، فإن الذي خلق هذه الإرادة، وجعل قلب الإنسان قابلا لهذه الإرادة هو الله ، وكذلك أيضا الذي خلق فيه القدرة هو الله ، ويخلق السبب التام الذي يتولد عنه المسبب، نقول: إن خالق السبب التام خالق للمسبب.
وقد نهى النبي ﷺ عن المراء والجدال في القدر، وحذر من الخوض فيه، لأن القدر هو سر الله تعالى في خلقه، لم يطلع على ذلك ملك مقرب، ولا نبي مرسل، بل حجبه الله عن الخلق كلهم، فالخائض فيه مدع للاطلاع على أمر اختص الله تعالى به، فعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: خرج رسول الله ﷺ على أصحابه ذات يوم وهم يختصمون في القدر، هذا ينزع بآية وهذا ينزع بآية، فكأنما فقئ في وجهه حب الرمان، فقال: «أبهذا أمرتم؟ أم بهذا وكلتم؟ أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض؟ انظروا ما أمرتم به فاتبعوه، وما نهيتم عنه فانتهوا» وفي رواية: «يا قوم بهذا ضلت الأمم قبلكم، باختلافهم على أنبيائهم وضربهم الكتاب بعضه ببعض، وإن القرآن لم ينزل لتضربوا بعضه ببعض، ولكن نزل القرآن يصدق بعضه بعضا، ما عرفتم
стр. 89
منه فاعملوا به، وما تشابه فآمنوا به» وفي رواية: «فإن الأمم قبلكم لم يلعنوا حتى اختلفوا، وإن المراء في القرآن كفر» (١).
كما سمى منكري القدر مجوس هذه الأمة، لأن المجوس اتخذوا خالقين من دون الله تعالى، والقدرية جعلوا الخلق أيضا لخالقين.
سئل الشافعي عن القدر فقال:
ما شئت كان وإن لم أشأ … وما شئت إن لم تشأ لم يكن
خلقت العباد على ما علمت … ففي العلم يجري الفتى والمسن
على ذا مننت، وهذا خذلت … وهذا أعنت، وذا لم تعن
فمنهم شقي، ومنهم سعيد … ومنهم قبيح، ومنهم حسن (٢)
قال الحافظ ابن عبد البر رحمه الله تعالى: عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص﴾ [هود: ١٠٩]، قال: ما قدر لهم من خير وشر؛ وجملة القول في القدر أنه سر الله لا يدرك بجدال ولا نظر، ولا تشفي منه خصومة ولا احتجاج، وحسب المؤمن من القدر أن يعلم أن الله لا يقوم شيء دون إرادته ولا يكون شيء إلا بمشيئته، له الخلق والأمر كله، لا شريك له، نظام ذلك قوله: ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله﴾ [الإنسان: ٣٠]، وقوله: ﴿إنا كل شيء خلقته بقدر﴾ [القمر: ٤٩]، وحسب المؤمن من القدر أن يعلم أن الله لا يظلم مثقال ذرة، ولا يكلف نفسا إلا وسعها، وهو الرحمن الرحيم، فمن رد على الله تعالى خبره في الوجهين (أو في أحدهما كان عنادا
стр. 90
وكفرا)، وقد ظاهرت الآثار في التسليم للقدر والنهي عن الجدل فيه والاستسلام له، والإقرار بخيره وشره، والعلم بعدل مقدره وحكمته، وفي نقض عزائم الإنسان برهان فيما قلنا وتبيان والله المستعان (١).
قال النووي رحمه الله تعالى: «واعلم أن مذهب أهل الحق إثبات القدر ومعناه: أن الله ﵎ قدر الأشياء في القدم، وعلم - سبحانه أنها ستقع في أوقات معلومة عنده وعلى صفات مخصوصة، فهي تقع على حسب ما قدرها . وأنكرت القدرية هذا وزعمت أنه لم يقدرها ولم يتقدم علمه بها، وأنها مستأنفة العلم؛ أي: إنما يعلمها سبحانه بعد وقوعها وكذبوا على الله وجل عن أقوالهم الباطلة علوا كبيرا. وسميت هذه الفرقة قدرية لإنكارهم القدر.
وقال الخطابي: وقد يحسب كثير من الناس أن معنى القضاء والقدر إجبار الله العبد وقهره على ما قدره وقضاه، وليس الأمر كما يتوهمونه وإنما معناه: الإخبار عن تقدم علم الله بما يكون من اكتساب العبد، وصدورها عن تقدير منه، وخلق لها خيرها وشرها.
وقد تظاهرت الأدلة القطعيات من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة وأهل الحق والعقد من السلف والخلف على إثبات قدر الله . وقد أكثر العلماء من التصنيف فيه ومن أحسن المصنفات فيه وأكثرها فوائد كتاب الحافظ الفقيه أبي بكر البيهقي ﵁، وقد قرر أئمتنا من المتكلمين ذلك أحسن تقرير بدلائلهم القطعية السمعية والعقلية والله أعلم» اهـ (٢).
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(يضل من يشاء فيخذله بعدله، ويهدي من يشاء فيوفقه بفضله، فكل ميسر إلى ما سبق من علمه وقدره، من شقي أو سعيد).
стр. 91
الشرح
لقد جاءت الآيات والأحاديث مبينة تسيير العبد من قبل الرب، وأن لا فعل يفعله إلا بإذن المولى جل في علاه، ففي حديث الكرب الذي رواه الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما أصاب عبدا قط هم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك» (١).
فقد بين أن كل قضائه في عبده عدل؛ ولهذا يقال: كل نعمة منه فضل، وكل نقمة منه عدل. ويقال: أطعتك بفضلك والمنة لك، وعصيتك بعلمك - أو بعدلك - والحجة لك، فأسألك بوجوب حجتك علي وانقطاع حجتي إلا ما غفرت لي.
قال القاضي عبد الوهاب رحمه الله تعالى: وهذا الذي قاله - المصنف - لا خلاف فيه بين المسلمين وسلف الدين، أن الله يضل من يشاء، ويهدي من يشاء، وأنه لا يهتدي أحد إلا بهدايته، ولا يضل إلا بإضلاله، وزعمت القدرية أن الله تعالى لا يضل أحدا، وأنه قد هدى الخلق كلهم، فمنهم من اهتدى، ومنهم من لم يهتد وضل باختياره وعدوله عن طرق الهداية، وسوء نظره لنفسه، لا أن الله أضله؛ قالوا لأن الله تعالى لو فعل ذلك لكان جائرا في حكمه، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا اهـ (٢).
ولو كان أحد بيده هداية التوفيق من البشر لهدى نبينا ﷺ عمه الذي مات على الكفر وقد حاول النبي ﷺ أن ينقذه فقال له الرب جل وعلا: ﴿إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء﴾ [العنكبوت: ٥٦]، اللهم اهدنا فيمن هديت، فالهداية والضلال بيد ذي العزة والجلال، وقد قال الله على لسان أوليائه الذين أنعم عليهم في دار كرامته: ﴿وقالوا الحمد لله الذي هدينا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدينا الله﴾ [الأعراف: ٤٣].
стр. 92
وكل من الهداية والضلال، والتوفيق والخذلان، والكفر والإيمان، داخل تحت مشيئة الله وإرادته قال تعالى: ﴿كما بدأكم تعودون فريقا هدى … وفريقا حق عليهم الضلالة إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون﴾ [الأعراف: ٢٩/ ٣٠]، ﴿لا يسأل عما يفعل وهم يسألون﴾ [الأنبياء: ٢٣]، فلا يعترض على قضاء الله وقدره إلا جاهل، ولا يترك العمل إلا مفرط متساهل.
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(تعالى أن يكون في ملكه ما لا يريد، أو يكون لأحد عنه غنى، خالقا لكل شيء، ألا هو رب العباد، ورب أعمالهم، والمقدر لحركاتهم وآجالهم).
قال الغني الحميد في كتابه المجيد: ﴿إن ربك فعال لما يريد﴾ [هود: ١٠٧]، لا يكون في ملكه شيء لا يريده، فهو الخالق للخلق وما يعملون من خير وشر، ورشد ومكر، وليس هناك أحد هو مستغن عن الله كائنا من كان في السموات والأرض كلهم فقراء إليه وهو الغني جل في علاه قال تعالى: ﴿إن الله لغني عن العالمين﴾ [العنكبوت: ٦]، وقال: ﴿يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله … والله هو الغني الحميد﴾ [فاطر: ١٥]، فهو رب العباد ورب أعمالهم؛ أي: هو خالقها ومقدرها قال تعالى: ﴿والله خلقكم وما تعملون﴾ [الصافات: ٩٦]، قال ابن كثير: يحتمل أن تكون «ما» مصدرية، فيكون تقدير الكلام: والله خلقكم وعملكم، ويحتمل أن تكون بمعنى «الذي» تقديره: والله خلقكم والذي تعملونه، وكلا القولين متلازم، والأول أظهر؛ لما رواه البخاري في كتاب «أفعال العباد»، عن علي بن المديني، عن مروان (١) بن معاوية، عن أبي مالك، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة مرفوعا قال: «إن الله يصنع كل صانع وصنعته» (٢). وهو سبحانه الذي يقدر حركاتهم وسكناتهم، ومنتهى آجالهم، ومحط رحالهم في الدار الآخرة، لا إله غيره ولا رب سواه.
стр. 93
ومن الأحاديث الدالة على تقدير الحق جل وعلا لأفعال العباد: عن ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ كان يدعو: «رب أعني ولا تعن علي، وانصرني ولا تنصر علي، وامكر لي ولا تمكر علي، واهدني ويسر الهدى إلي، وانصرني على من بغى علي، رب اجعلني لك شكارا، لك ذكارا، لك رهابا، لك مطواعا، إليك مخبتا، لك أواها منيبا، رب تقبل توبتي، واغسل حوبتي، وأجب دعوتي، وثبت حجتي، واهد قلبي، وسدد لساني، واسلل سخيمة قلبي» (١).
مناظرة القدرية وإفحامهم:
ذكر القاضي عبد الوهاب أن أهل النقل أوردوا أثرا عن ابن عباس ﵁ أنه جاءه رجل فقال: أنت تزعم أن الله أراد أن يعصى؟ قال: نعم، فقال: ما أراد أن يعصى، فقال ابن عباس: ويحك فما أراد الله؟ قال: أراد أن يطاع ولا يعصى، قال ابن عباس: ويحك فمن حال بين الله وبين ما أراد؟ فكأنما ألقمه حجرا.
قال: ومثله قول غيلان لربيعة: «أترى الله يريد أن يعصى؟» فقال ربيعة: «أترى الله يعصى قسرا؟ فكأنما ألقمه حجرا» (٢). وقال ابن مسعود، وعمر بن عبد العزيز: «لو شاء الله أن لا يعصى؛ ما خلق إبليس» (٣).
وقد أورد شيخ مشايخنا العلامة محمد الأمين الشنقيطي - رحمه الله تعالى - حكايتين توضحان فساد مذهب المعتزلة في باب القضاء والقدر، فقال: «ولما تناظر أبو إسحاق الإسفرائيني مع عبد الجبار المعتزلي، قال عبد الجبار: سبحان من تنزه عن الفحشاء، وقصده أن المعاصي كالسرقة والزنا بمشيئة العبد دون مشيئة الله، لأن الله أعلى وأجل من أن يشاء القبائح في زعمهم، فقال أبو إسحاق: كلمة حق أريد بها باطل، ثم قال: سبحان من
стр. 94
لا يقع في ملكه إلا ما يشاء، فقال عبد الجبار: أتراه يخلقه ويعاقبني عليه؟ فقال أبو إسحاق: أتراك تفعله جبرا عليه؟ أأنت الرب وهو العبد؟! فقال عبد الجبار: أرأيت إن دعاني إلى الهدى، وقضى علي بالردى، أتراه أحسن إلي أم أساء؟ فقال أبو إسحاق: إن كان الذي منعك منه ملكا لك فقد أساء، وإن كان له: فإن أعطاك ففضل، وإن منعك فعدل، فبهت عبد الجبار، وقال الحاضرون: والله! ما لهذا جواب! …
وجاء أعرابي إلى عمرو بن عبيد وقال: ادع الله لي أن يرد علي حمارة سرقت مني، فقال: اللهم إن حمارته سرقت ولم ترد سرقتها فارددها عليه، فقال الأعرابي: يا هذا! كف عني دعاءك الخبيث؛ إن كانت سرقت ولم يرد سرقتها، فقد يريد ردها ولا ترد» (١).
• الإيمان بالأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(الباعث الرسل إليهم لإقامة الحجة عليهم؛ ثم ختم الرسالة والندارة والنبوة بمحمد نبيه ﷺ فجعله آخر المرسلين، بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، وأنزل عليه كتابه الحكيم، وشرح به دينه القويم، وهدى به الصراط المستقيم).
الشرح
الرسالة: السفارة بين الله وعباده بوحيه لتقرير أحكامه ونحوها (٢).
والنذارة: النذارة (بكسر النون) قال صاحب «القاموس»: «النذير: الإنذار كالنذارة، بالكسر». «الإنذار الإبلاغ والإعلام» (٣).
стр. 95
النبوة (١): من النبأ وهو الإخبار، وقيل من النبوة: وهي المكان العالي المرتفع، ولا شك أنه مخبر من العلي الحكيم، فصارت له الرفعة بذلك.
والإيمان بالرسل عليهم الصلاة والسلام من أركان الإسلام التي لا يقبل إيمان عبد إلا بها، ولا يجوز أن يفرق المؤمن بين نبي وآخر بل عليه الإيمان بلا تفريق، ويجب عليه الإيمان بما ذكر على وجه الإجمال إجمالا، وعلى التفصيل تفصيلا وامتثالا؛ قال تعالى: ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملتبكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله، وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير﴾ [البقرة: ٢٨٥]، وقال جل من قائل: ﴿إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا﴾ ﴿أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم أولبك سوف يؤتيهم أجورهم وكان الله غفورا رحيما﴾ [النساء: ١٥٠/ ١٥٢].
وجاء في حديث عمر ﵁ أن جبريل ﵇ سأل النبي ﷺ عن الإيمان فقال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره» (٢).
والرسل عليهم الصلاة والسلام منهم من قصهم الله علينا، ومنهم من لم يقصصهم امتحانا لنا ليختبر المؤمن من الكافر، وذكر منهم خمسة وعشرين نبيا؛ قال تعالى: ﴿ورسلا قد قصصنهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك﴾ [النساء: ١٦٤]، ومن كفر بواحد منهم فهو كافر بالجميع كما أشارت إليه الآية السالفة؛ والرسل هم حجة الله وشهوده، أنبأهم الله بوحيه، وأرسلهم لتبليغ الرسالة لخلقه، ليعرفوهم به، وبشرعه، وينبهوهم إلى آياته ويذكروهم بإنعاماته ويبشروهم بالسعادة والنجاة إذا اتبعوهم، ويخوفوهم من الشقاوة
стр. 96
والهلاك إذا خالفوهم، فقامت بهم - لما بلغوا الرسالة وأدوا الأمانة - حجة الله على خلقه، وكانوا وهم العدول الأمناء الصادقون شهداء عليهم يوم لقائه لقوله تعالى: ﴿رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما﴾ [النساء: ١٦٥]، واختارهم من جنس الرجال لقدرتهم على تحمل المتاعب والمشاق، لقوله تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى﴾ [يوسف: ١٠٩]، وقد حكى الشيخ أبو الحسن الأشعري، ﵀، الإجماع على ذلك.
وقد ذكر الله منهم في القرآن خمسة وعشرين رسولا، ذكر في سورة الأنعام منهم ثمانية عشر هم: إبراهيم، وإسحاق ويعقوب، ونوح، وداود، وسليمان، وأيوب، ويوسف، وموسى، وهارون، وزكريا، ويحيى، وعيسى، وإلياس، وإسماعيل، واليسع، ويونس، ولوط، قال تعالى: ﴿وتلك حجتنا اتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم * ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهرون وكذلك نجزي المحسنين * وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين * وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين﴾ [الأنعام: ٨٣/ ٨٦].
وذكر في مواضع أخرى من كتابه العزيز السبعة الباقين وهم: آدم، وهود، وصالح، وشعيب، وذو الكفل، وإدريس، وسيد الأولين والآخرين سيدنا ونبينا محمد ﷺ . وقد جمع ذلك في بيتين:
في تلك حجتنا منهم ثمانية … من بعد عشر، ويبقى سبعة وهم
إدريس، هود، شعيب صالح وكذا … ذو الكفل، آدم، بالمختار قد ختموا
والعرب منهم أربعة وهم: شعيب، وهود، وصالح، ومحمد عليهم الصلاة والسلام؛ ويرمز لهم بـ: شهصم.
وأولو العزم خمسة وهم: محمد، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، قال تعالى: ﴿فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل﴾ [الأحقاف: ٣٥]. وقوله تعالى: ﴿وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن
стр. 97
مريم﴾ [الأحزاب: ٧] وللبزار عن قتادة ﵁ موقوفا عليه قال: «خيار ولد آدم خمسة: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد ﷺ (١).
عدد الرسل والأنبياء: عن أبي ذر الغفاري ﵁ قال قلت: يا رسول الله، كم المرسلون؟ قال: «ثلاثمائة وبضعة عشر جما غفيرا»، وفي رواية: «كم وفاء الأنبياء»؟ قال: «مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا، الرسل منهم ثلاثمائة وخمسة عشر جما غفيرا» (٢).
وقد نظم الشيخ العلامة عبد الرحمن بن محمد بلال الجملي الشنقيطي:
يا سائلا عن عد كل الأنبيا … فقكد من الألوف فادريا
والرسل منهم سيج أو سيد … أو سيه والأول المعتمد (٣).
وأول الأنبياء والرسل آدم ﵇، (ثم ختم الرسالة والنذارة والنبوة بمحمد نبيه ﷺ فجعله آخر المرسلين، بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا) فقال وهو أصدق القائلين: ﴿ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيء عليما﴾ [الأحزاب: ٤٠] ختم الله به النبوة، وقرأ عاصم: (خاتم) بفتح التاء على الاسم؛ أي: آخرهم، وقرأ الآخرون بكسر التاء على الفاعل، لأنه ختم به النبيين فهو خاتمهم (٤).
стр. 98
قال ابن كثير: «فهذه الآية نص في أنه لا نبي بعده، وإذا كان لا نبي بعده فلا رسول [بعده] بطريق الأولى والأحرى؛ لأن مقام الرسالة أخص من مقام النبوة، فإن كل رسول نبي، ولا ينعكس. وبذلك وردت الأحاديث المتواترة عن رسول الله ﷺ من حديث جماعة من الصحابة» (١).
روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون هلا وضعت هذه اللبنة قال فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين» (٢).
فإن قلت: كيف كان آخر الأنبياء وعيسى ينزل في آخر الزمان؟ قلت: معنى كونه آخر الأنبياء أنه لا ينبأ أحد بعده، وعيسى ممن نبئ قبله، وحين ينزل، ينزل عاملا على شريعة محمد ﷺ ، مصليا إلى قبلته، كأنه بعض أمته (٣).
«وقد أجمع الصحابة على أن محمدا ﷺ خاتم الرسل والأنبياء، وعرف ذلك وتواتر بينهم وفي الأجيال من بعدهم، ولذلك لم يترددوا في تكفير مسيلمة والأسود العنسي، فصار معلوما من الدين بالضرورة فمن أنكره فهو كافر خارج عن الإسلام ولو كان معترفا بأن محمدا ﷺ رسول الله للناس كلهم.
ولذلك لا يتردد مسلم في تكفير من يثبت نبوءة لأحد بعد محمد ﷺ وفي إخراجه من حظيرة الإسلام، ولا تعرف طائفة من المسلمين أقدمت على ذلك إلا البابية والبهائية وهما نحلتان مشتقة ثانيتهما من الأولى» (٤).
стр. 99
(وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا) قال تعالي: ﴿ياأيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا﴾ [الأحزاب: ٤٥، ٤٦]
فالشاهد: المخبر عن حجة المدعي المحق، ودفع دعوى المبطل، فالرسول ﷺ شاهد بصحة ما هو صحيح من الشرائع وبقاء ما هو صالح للبقاء منها، ويشهد على أمته يوم القيامة.
والمبشر: المخبر بالبشرى والبشارة. وهي الحادث المسر لمن يخبر به والوعد بالعطية، والنبي ﷺ مبشر لأهل الإيمان والمطيعين بمراتب فوزهم؛ وقدمت البشارة على النذارة لأن النبي ﷺ غلب عليه التبشير لأنه رحمة للعالمين، ولكثرة عدد المؤمنين في أمته.
والنذير: مشتق من الإنذار وهو الإخبار بحلول حادث مسيء أو قرب حلوله، والنبي ﵊ منذر للذين يخالفون عن دينه من كافرين به ومن أهل العصيان بمتفاوت مؤاخذتهم على عملهم.
والداعي إلى الله هو الذي يدعو الناس إلى ترك عبادة غير الله، ويدعوهم إلى اتباع ما يأمرهم به الله، وترك ما ينهاهم عنه.
قوله: (وسراجا منيرا) تشبيه بليغ بطريق الحالية وهو طريق جميل؛ أي: أرسلناك كالسراج المنير في الهداية الواضحة التي لا لبس فيها، والتي لا تترك للباطل شبهة إلا فضحتها، وأوقفت الناس على دخائلها، كما يضيء السراج الوقاد ظلمة المكان، ووصف السراج بـ (منيرا) مع أن الإنارة من لوازم السراج هو كوصف الشيء بالوصف المشتق من لفظه في قوله: شعر شاعر، وليل أليل لإفادة قوة معنى الاسم في الموصوف به الخاص فإن هدى النبي ﷺ هو أوضح الهدى، وإرشاده أبلغ إرشاد.
روى البخاري في كتاب «التفسير» من صحيحه في الكلام على سورة الفتح عن عطاء بن يسار أن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ قال: «إن هذه الآية التي في القرآن: ﴿ياأيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا﴾ قال في التوراة: يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحرزا للأميين،
стр. 100
أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة ولكن يعفو ويصفح (أو ويغفر) ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا لا إله إلا الله ويفتح (أو فيفتح) به أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفاء» (١) اهـ (٢).
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(وأنزل عليه كتابه الحكيم، وشرح به دينه القويم، وهدى به الصراط المستقيم).
الشرح
أي: يجب الإيمان بأن القرآن العظيم المنزل على قلب سيدنا ونبينا محمد ﷺ هو من عند الله تعالى، جاء هدى للناس، وهو محفوظ بحفظ الله تعالى من فاتحة الكتاب إلى الناس، ووصفه بالحكيم وهو وضع الشيء في محله، لأنه من حكيم عليم سبحانه، وفصل فيه شريعته المطهرة، قال تعالى: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون﴾ [النحل: ٤٤]، ﴿وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون﴾ [النحل: ٦٤].
﴿قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم﴾ [الأحقاف: ٣٠].
• الإيمان بأن الساعة حق وبالبعث والنشور:
(وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من يموت، كما بدأهم يعودون).
стр. 101
الشرح
الساعة هي فناء العوالم كلها وانتهاء هذه الحياة الدنيوية، قال الخازن في تفسيره: وسميت القيامة ساعة: لأنها تفجأ الناس بغتة في ساعة لا يعلمها أحد إلا الله ﵎.
وقيل: سميت ساعة لسرعة الحساب فيها لأن حساب الخلائق يوم القيامة يكون في ساعة أو أقل من ذلك (١). والساعة هي اليوم الآخر من أيام الدنيا لاختلال نظام أيام الدنيا بأكبر الأشراط وأظهرها وهو شروق الشمس من المغرب.
قال تعالى: ﴿إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير﴾ [لقمان: ٣٤]، وقال سبحانه: ﴿يستلونك عن الساعة أيان مرسئها قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السموات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة يستلونك كأنك حفي عنها قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾ [الأعراف: ١٨٧]، وقال جل من قائل: ﴿ولله غيب السموات والأرض وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب إن الله على كل شيء قدير﴾ [النحل: ٧٧].
والآيات كثيرة في شأن قيام الساعة والرد على المكذبين، ومما جاء عن النبي ﷺ كما في حديث جبريل ﷺ أنه قال: قال يا رسول الله متى الساعة؟ قال: «ما المسئول عنها بأعلم من السائل، ولكن سأحدثك عن أشراطها، إذا ولدت الأمة ربها فذاك من أشراطها، وإذا كانت العراة الحفاة رؤوس الناس فذاك من أشراطها، وإذا تطاول رعاء البهم في البنيان فذاك من أشراطها، في خمس لا يعلمهن إلا الله ثم تلا: ﴿إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث
стр. 102
ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير (٣٤)﴾ (١)
ومنها حديث عوف بن مالك ﵁ قال: «أتيت النبي ﷺ في غزوة تبوك وهو في قبة أدم» فقال: «اعدد ستا بين يدي الساعة: موتي، ثم فتح بيت المقدس، ثم موتان (٢) يأخذ فيكم كقعاص الغنم (٣)، ثم استفاضة المال حتى يعطى الرجل مائة دينار فيظل ساخطا، ثم فتنة لا يبقى بيت من العرب إلا دخلته، ثم هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر (٤) فيغدرون فيأتونكم تحت ثمانين غاية (٥)، تحت كل غاية اثنا عشر ألفا» (٦).
وأشراط الساعة كبرى وصغرى، والتي ظهرت وتظهر الآن في وقتنا كثير من الأشراط الصغرى، قال البيهقي في صفة يوم القيامة: «أما انتهاء الحياة الأولى فإن لها مقدمات تسمى أشراط الساعة، وهي أعلامها منها خروج الدجال، ونزول عيسى ابن مريم ﵇ وقتله الدجال، ومنها خروج يأجوج ومأجوج، ومنها خروج دابة الأرض، ومنها طلوع الشمس من
стр. 103
مغربها فهذه هي الآيات العظام، وأما ما تقدم هذه من قبض العلم، وغلبة الجهل واستعلاء أهله، وبيع الحكم، وظهور المعازف، واستفاضة شرب الخمر، واكتفاء النساء بالنساء، والرجال بالرجال، وإطالة البنيان، وإمارة الصبيان، ولعن آخر هذه الأمة أولها، وكثرة الهرج وغير ذلك فإنها أسباب حادثة، ورواية الأخبار المنذرة بها بعدما صار الخبر عيانا تكلف» اهـ (١).
قال القرطبي ﵀ وهو يتحدث عن أشراط الساعة أولها النبي ﷺ ، لأنه نبي آخر الزمان، وقد بعث وليس بينه وبين القيامة نبي (٢).
ومنها ظهور انشقاق القمر في عهده ﷺ آية مصدقة لنبوته قال تعالى: ﴿اقتربت الساعة وانشق القمر﴾ [القمر: ١] ففي «الصحيحين» ـ عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ شقتين، فقال النبي ﷺ اشهدوا» (٣)، وفي رواية: «انشق القمر ونحن مع النبي ﷺ بمنى فقال: اشهدوا»، وذهبت فرقة نحو الجبل.
ومنها نار عظيمة تضيء لها أعناق الإبل ببصرى فقد روى البخاري في «الصحيح المسند» عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء أعناق الإبل ببصرى» (٤)، وقد ذكر القرطبي في «التذكرة»: أنها قد خرجت نار بالحجاز بالمدينة في الثالث من جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين وستمائة واستمرت إلى ضحى النهار يوم الجمعة فسكنت اهـ (٥). وتدافع الناس إلى المسجد النبوي الشريف والتزموا الروضة المنيفة وكثر البكاء والعويل، والذكر والاستغاثة واللجوء إلى الله الكبير، وجعل الله فيها خاصية أنها تضيء ولا تحرق رغم هديرها، وعظمتها.
стр. 104
وقيل أحرقت الحجارة، ولم تحرق الشجر (١).
وأما الآيات الكبرى فقد أخبر النبي ﷺ أنها إذا أذن الله تعالى بظهور واحدة منها تتابعت كحبات خرز انقطع سلكها، فقال ﷺ : «الآيات خرزات منظومات في سلك، فإن يقطع السلك يتبع بعضها» (٢) وثبت ذكرها في أحاديث صحيحة منها حديث حذيفة بن أسيد الغفاري ﵁ قال: اطلع النبي ﷺ علينا ونحن نتذاكر فقال: «ما تذاكرون؟». قالوا: نذكر الساعة، قال: «إنها لن تقوم حتى ترون قبلها عشر آيات، فذكر الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى ابن مريم ﵇، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم» رواه مسلم واللفظ له (٣).
وما يهم المؤمن بعد سرد هذه الآيات هو الإيمان بها، وكثرة اللجوء إلى الله ﷻ في حفظ إيمانه له وأن يجنبه مضلات الفتن، اللهم إنا نعوذ بك من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن آمين.
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(وأن الله يبعث من يموت، كما بدأهم يعودون).
стр. 105
الشرح
البعث والنشور: يجب الإيمان بالبعث والنشور، فما هو البعث؟
البعث هو إحياء المخلوقات بعد فنائها، للحساب والجزاء، من خير وشر. قال تعالى: ﴿ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى﴾ [النجم: ٣١].
وقال ابن حجر: «أصل البعث: إثارة الشيء وتحريكه عن سكون، والمراد به هنا إحياء الأموات وخروجهم من قبورهم ونحوها» (١).
وقد دل على البعث الكتاب والسنة والإجماع والعقل، قال تعالى: ﴿واستمع يوم يناد المناد من مكان قريب * يوم يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج * إنا نحن نحيي ونميت وإلينا المصير * يوم تشقق الأرض عنهم سراعا ذلك حشر علينا يسير * نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم بجبار فذكر بالقرآن من يخاف وعيد﴾ [ق: ٤١ - ٤٥].
إن القرآن قرر إثبات البعث بأدلة منطقية سهلة، يفهمها أدنى من له مسكة عقل، فقد ضرب الأمثال بواقع يعيشه المخلوق يوميا، وبنى ذلك على أسس وبراهين تقطع الشك وتزيل الريب، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم﴾ [الروم: ٢٧].
ومن أعظم البراهين على إعادة الإنسان وإحيائه مرة أخرى هذا النوم الذي يسلط على الإنسان فيسلب منه شعوره وإدراكه، وإذا به جثة هامدة، ثم يأذن الله للروح فتعود مرة أخرى، وهو لا يدري كيف نام ولا كيف استيقظ، كآلة انقطع عنها التيار الكهربائي فانطفأت وعاد إليها فسرت فيها الحركة من جديد. قال تعالى: ﴿الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون﴾ [الزمر: ٤٢]. وقد كان النبي ﷺ من دعائه إذا
стр. 106
استيقظ من النوم يقول: «الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور» من حديث حذيفة ﵁ (١).
ووردت أحاديث كثيرة في إثبات البعث منها حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يقول الله : كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته، وأما شتمه إياي فقوله اتخذ الله ولدا وأنا الأحد الصمد لم ألد ولم أولد، ولم يكن لي كفوا أحد» (٢).
والبعث والنشور لعرض الأعمال على الله وحساب الناس، قال تعالى: ﴿ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى﴾ [النجم: ٣١].
وقال ﷺ فيما يرويه عن رب العزة سبحانه: «يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه» (٣).
كرم الله بمضاعفة الحسنات، وتكفير السيئات:
قال المصنف:
(وأن الله ضاعف لعباده المؤمنين الحسنات وصفح لهم بالتوبة عن كبائر السيئات، وغفر لهم الصغائر باجتناب الكبائر، وجعل من لم يتب من الكبائر صائرا إلى مشيئته ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾) [النساء: ٤٨].
(ومن عاقبه الله بناره أخرجه منها بإيمانه فأدخله به جنته ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره﴾ [الزلزلة: ٧] ويخرج منها بشفاعة النبي ﷺ من شفع له من أهل الكبائر من أمته).
стр. 107
الشرح
قوله: (وأن الله الله ضاعف لعباده المؤمنين الحسنات)؛ أي: أنه مما يجب اعتقاده أن الله تعالى يضاعف الحسنات لعباده المؤمنين بقدر الإخلاص، والمتابعة للنبي ﷺ وعلى حسب درجات الخشوع والإخبات، قال تعالى: ﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون﴾ [الأنعام: ١٦٠]، وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أحسن أحدكم إسلامه فكل حسنة يعملها تكتب له بعشر أمثالها إلى سبع مائة ضعف وكل سيئة يعملها تكتب له بمثلها حتى يلقى الله (١)». فالتضعيف يرتقي من عشر إلى سبعمائة بل إلى غاية عظيمة لا يعلمها إلا واسع العطاء سبحانه، فعن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ فيما يروي عن ربه قال: «إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بين ذلك، فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة، فإن هو هم بها فعملها كتبها الله له عنده عشر حسنات إلى سبع مائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة، فإن هو هم بها فعملها كتبها الله له سيئة واحدة» (٢)، وكلمة خير في الآية نكرة تفيد الإطلاق الذي لا يقيد بقيد ولا يحصى بعد.
والحسنة ما يحمد عليها شرعا عكس السيئة وهي ما يذم عليها شرعا، وحسنت الشيء تحسينا: زينته، وأحسنت إليه وبه، وهو يحسن الشيء؛ أي: يعمله. ويستحسنه: يعده حسنا، والحسنة: خلاف السيئة، والمحاسن: خلاف المساوي (٣).
قال حسان بن ثابت:
من يفعل الحسنات، الله يشكرها … والشر بالشر عند الله مثلان
стр. 108
قوله: (وصفح لهم بالتوبة عن كبائر السيئات) (١) وهو مما تفضل الله به على عباده المؤمنين أن من اقترف منهم شيئا من كبائر السيئات ثم تاب وأصلح أنه يتجاوز عنه ويعفو على سبيل الفضل والكرم؛ قال تعالى: ﴿إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما﴾ [الفرقان: ٧٠]، قال الشوكاني: قال الزجاج: ليس يجعل مكان السيئة الحسنة، ولكن يجعل مكان السيئة التوبة، والحسنة مع التوبة.
وقيل: «إن السيئات تبدل بحسنات، وبه قال جماعة من الصحابة، ومن بعدهم» (٢).
وقال ابن كثير رحمه الله تعالى (٣) القول الثاني: أن تلك السيئات الماضية تنقلب بنفس التوبة النصوح حسنات، وما ذاك إلا أنه كلما تذكر ما مضى ندم واسترجع واستغفر، فينقلب الذنب طاعة بهذا الاعتبار. فيوم القيامة وإن وجده مكتوبا عليه لكنه لا يضره وينقلب حسنة في صحيفته، كما ثبتت السنة بذلك، وصحت به الآثار المروية عن السلف، رحمهم الله تعالى - وهذا سياق الحديث - عن المعرور بن سويد عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : «إني لأعلم آخر أهل الجنة دخولا الجنة وآخر أهل النار خروجا منها رجل يؤتى به يوم القيامة فيقال اعرضوا عليه صغار ذنوبه وارفعوا عنه كبارها. فتعرض عليه صغار ذنوبه فيقال عملت يوم كذا وكذا كذا وكذا وعملت يوم كذا وكذا كذا وكذا. فيقول نعم. لا يستطيع أن ينكر وهو مشفق من كبار ذنوبه أن تعرض عليه. فيقال له فإن لك مكان كل سيئة حسنة. فيقول رب قد عملت أشياء لا أراها ها هنا». فلقد رأيت رسول الله ﷺ «ضحك حتى بدت نواجذه» (٤). والآيات في هذا كثيرة جدا.
стр. 109
• اجتناب الكبائر سبب في تكفير الصغائر:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
﴿وغفر لهم الصغائر باجتناب الكبائر﴾ مصداقا لقول الغفور الرحيم: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما﴾ [النساء: ٣١]، ﴿ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى الذين يجتنبون كبير الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة﴾ [النجم: ٣١، ٣٢] أي: إن تجتنبوا كبائر ما نهيتم عنه في هذه السورة من المناكح الحرام وأكل الأموال بالباطل وغير ذلك مما تقدم، نكفر عنكم ما كان من ارتكابها فيما سلف. انتهى بتصرف (١).
عدد الكبائر: أما في عد الكبائر فقد روى عبد الرزاق عن ابن عباس ﵄ أنه قيل له: هل الكبائر سبع؟ فقال: هي إلى السبعين أقرب، وروى ابن جبير أنه قال له: هي إلى السبعمائة أقرب منها إلى السبع، غير أنه لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار. وقد أورد ابن كثير في تفسيره عند الآية كثيرا من أحاديث الكبائر فلتنظر هناك.
وقد خرج ابن جرير من رواية الحسن: أن قوما أتوا عمر، فقالوا: نرى أشياء من كتاب الله لا يعمل بها، فقال لرجل منهم: أقرأت القرآن كله؟ قال: نعم، قال: فهل أحصيته في نفسك؟ قال: اللهم لا، قال: فهل أحصيته في بصرك؟ فهل أحصيته في لفظك؟ هل أحصيته في أثرك؟ ثم تتبعهم حتى أتى على آخرهم، ثم قال: ثكلت عمر أمه، أتكلفونه أن يقيم على الناس كتاب الله؟ قد علم ربنا أنه سيكون لنا سيئات (٢)، قال: وتلا: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما﴾ [النساء: ٣١].
وبإسناده عن أنس بن مالك ﵁: أنه قال: لم أر مثل الذي بلغنا عن
стр. 110
ربنا تعالى، ثم لم نخرج له عن كل أهل ومال، ثم سكت، ثم قال: والله لقد كلفنا ربنا أهون من ذلك، لقد تجاوز لنا عما دون الكبائر، فما لنا ولها، ثم تلا: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما﴾ [النساء: ٣١] وخرجه البزار في «مسنده» مرفوعا، والموقوف أصح (١).
ثم قال رحمه الله تعالى: (وجعل من لم يتب من الكبائر صائرا إلى مشيئته ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾).
أي: أن من اقترف شيئا من كبائر السيئات من المؤمنين، ومات غير تائب، فأمره موكول إلى مشيئة الله، إن شاء عفا عنه فضلا، وإن شاء عاقبه عدلا ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء: ٤٨]، ولحديث عبادة بن الصامت ﵁ وكان شهد بدرا وهو أحد النقباء ليلة العقبة أن رسول الله ﷺ قال وحوله عصابة من أصحابه: «بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوا في معروف فمن وفى منكم فأجره على الله ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب في الدنيا فهو كفارة له ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه فبايعناه على ذلك» (٢).
وقال ابن عمر ﵄: كنا معشر أصحاب النبي ﷺ لا نشك في قاتل النفس، وآكل مال اليتيم وشاهد الزور، وقاطع الرحم، حتى نزلت هذه الآية: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾، فأمسكنا عن الشهادة.