← Фикх малики

Фикх малики · id 30135

مسالك الجلالة في اختصار المناهل الزلالة

مختار بن العربي الجزائري

Полный текст (1 525 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

٣ - المرهون به: وينبغي أن يشتمل على أمرين: أن يكون دينا في الذمة يمكن استيفاؤه من الرهن، وثانيهما: أن يكون ذلك الدين لازما أو صائرا إلى اللزوم، كالجعل بعد العمل لا قبله. ٤ - الصيغة: ولا يتعين لفظ في الإيجاب والقبول من العاقدين بل كل ما دل على ذلك أجزأ، لا سيما أن المعاملات لم يتعبدنا الله فيها بألفاظ معينة. حكم الرهن: بدأ المصنف بحكمه فقال: (والرهن جائز) حضرا وسفرا بالكتاب والسنة والإجماع في الجملة أما الكتاب فقول الله تعالى: ﴿وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة﴾ [البقرة: ٢٨٣]، وإنما خص السفر في الآية لغلبة فقدان الكاتب الذي هو البينة فيه، وأما السنة فقال أنس بن مالك ﵁: «ولقد رهن درعا له عند يهودي بالمدينة وأخذ منه شعيرا لأهله» (١)، فذكره المدينة دال على الجواز حضرا. (ولا يتم) الرهن (إلا بالحيازة) لقوله تعالى: ﴿فرهان مقبوضة﴾ [البقرة: ٢٨٣] فجعل القبض من صفات الرهن اللازمة له، وذلك بمعنى الشرط فيه فصار حكم الرهن متعلقا بالرهن المقبوض وظاهره أنه يصح قبل القبض، لكن لا يختص المرتهن به عن الغرماء إلا بالقبض، قال ابن الحاجب: «فإن تراخي إلى الفلس أو الموت بطل اتفاقا» (٢). وقال خليل: «وبموت راهنه أو فلسه قبل حوزه ولو جد فيه». اه. والرهن أحد الأمور التي لا تتم إلا بالحيازة منها: الرهن، والهبة، والعمرى، والحبس، والنحلة، والعرية، والإخدام وغيرها. (ولا تنفع الشهادة في حيازته إلا بمعاينة البينة) قال ابن عمر الأنفاسي: هذا فيما يبان وينقل، وأما إذا رهنه ما لا يبان ولا ينقل، فإن الشهادة تنفع فيه على إقرارهما. (وضمان الرهن)؛ أي: المرهون (من

стр. 1157

المرتهن) بكسر الهاء آخذ الرهن ما لم يكن بيد أمين، فإنه من الراهن، وهو دافع الرهن، وإنما يلزم المرتهن الضمان (فيما يغاب عليه) كالحلي لأنه يدعي فيه الضياع على وجه لا يعلم فيه كذب مدعيه غالبا فيؤدي ذلك إلى ضياع أموال الناس، والمرتهن يأخذه لمنفعة نفسه وقد كان له أن يضعه على يد عدل فيبرأ من ضمانه فإذا لم تقم بينة بهلاكه كان عليه ضمانه. (ولا يضمن ما لا يغاب عليه) كالدور والحيوان على المشهور. لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه، له غنمه وعليه غرمه» (١)، قال مالك: وتفسير ذلك فيما نرى والله أعلم أن يرهن الرجل الرهن عند الرجل بالشيء وفي الرهن فضل عما رهن به فيقول الراهن للمرتهن: إن جئتك بحقك إلى أجل يسميه له، وإلا فالرهن لك بما رهن فيه، قال: فهذا لا يصلح ولا يحل وهذا الذي نهي عنه وإن جاء صاحبه بالذي رهن به بعد الأجل فهو له وأرى هذا الشرط منفسخا. اه (٢). وللعمل حكاه مالك في «الموطأ» فقال: الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا في الرهن أن ما كان من أمر يعرف هلاكه من أرض أو دار أو حيوان فهلك في يد المرتهن وعلم هلاكه فهو من الراهن وأن ذلك لا ينقص من حق المرتهن شيئا ولو شرط المرتهن نفي الضمان فيما يغاب عليه، أو اشترط الراهن الضمان على المرتهن فيما لا يغاب عليه ويحلف المتهم لقد ضاع ولا فرطت ولا ضيعت ولا تعديت ولا أعرف موضعه، وغير المتهم لا يحلف إلا على عدم التفريط خاصة لأنه لا يتهم في إخفائه (٣). (وثمرة النخل الرهن للراهن) وهو دافع الرهن كانت الثمار موجودة أو معدومة حين الرهن مأبورة أو لا، للحديث السابق: «له غنمه وعليه غرمه»، إلا أن يشترط ذلك المرتهن،

стр. 1158

فإنها تدخل على أي حالة كانت. (وكذلك غلة الدور) للراهن على المشهور إلا أن يشترط المرتهن ذلك فيكون له. (والولد رهن مع الأمة الرهن تلده بعد الرهن) ولو شرط عدم دخول الولد في الرهن لم يجز، وحينئذ يكون الرهن باطلا. لأنه من جنس الأصل فأشبه سمنها ولأن الولد يتبع الأصل في الحقوق الثابتة كولد أم الولد. قال مالك في «الموطأ»: والفرق بين الثمر وبين ولد الجارية أن رسول الله ﷺ قال: «من باع نخلا قد أبرت فثمرها للبائع إلا أن يشترط المبتاع» (١)، قال: «والأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا أن من باع وليدة أو شيئا من الحيوان وفي بطنها جنين أن ذلك الجنين للمشتري اشترطه المشتري أو لم يشترطه فليست النخل مثل الحيوان وليس الثمر مثل الجنين في بطن أمه من الرقيق ولا من الدواب» (٢). (ولا يكون مال العبد رهنا معه إلا بشرط) كان ماله معلوما أو مجهولا لأن رهن الغرر جائز. (وما هلك بيد أمين) مما يغاب عليه (فهو من الراهن) دون الأمين لأنه لا ضمان على الأمين. العارية • قال المصنف رحمه الله تعالى: (والعارية مؤداة. يضمن ما يغاب عليه. ولا يضمن ما لا يغاب عليه من عبد أو دابة إلا أن يتعدى. والمودع إن قال: رددت الوديعة إليك صدق إلا أن يكون قبضها بإشهاد. وإن قال: ذهبت فهو مصدق بكل حال. والعارية لا يصدق في هلاكها فيما يغاب عليه).

стр. 1159

الشرح انتقل يتكلم على العارية وهي: بتشديد المثناة التحتية وتخفيفها ويقال: عارة وهي مأخوذة من عار الفرس إذا ذهب، لأن العارية تذهب من يد المعير، أو من العار لأنه لا يستعير أحد إلا وبه عار وحاجة (١). واصطلاحا: عرفها ابن الحاجب بأنها تمليك منافع العين بغير عوض (٢) وحكمها الندب، وتتأكد في القرابة والجيران والأصحاب، والأصل فيها قوله تعالى: ﴿وافعلوا الخير لعلكم تفلحون﴾ [الحج: ٧٧]، وفي الحديث: «أنه ﵊ استعار من صفوان درعه فقال: أغصبا يا محمد؟ قال: «بل عارية مضمونة» (٣)، وإلى هذا أشار الشيخ بقوله: (والعارية مؤداة) كما قال النبي ﷺ : «العارية مؤداة، والمنحة مردودة، والدين مقضي، والزعيم غارم» (٤). (العارية مؤداة)؛ أي: واجبة الرد على مالكها عينا حال الوجود وقيمة عند التلف وهو مذهب الشافعي وأحمد وقال أبو حنيفة: هي أمانة في يده لا تضمن إلا بالتعدي، وقال مالك: إن خفي تلفها ضمن وإلا فلا والعارية مشددة الياء مأخوذة من العار منسوبة إليه فإنهم يرون الاستعارة عارا وعيبا، وقيل: هي من التعاور وهو التداول (والمنحة مردودة) هي ما يمنح الرجل صاحبه من أرض يزرعها ثم يردها أو شاة يشرب درها ثم يردها وهي في معنى العارية وحكمها الضمان» (٥). وروى البيهقي أن عطاء بن أبي رباح أنه أخبر عن تفسير العارية مؤداة قال: أسلم قوم في أيديهم عواري من المشركين فقالوا: قد أحرز لنا الإسلام

стр. 1160

ما بأيدينا فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: «إن الإسلام لا يحرز لكم ما ليس لكم، العارية مؤداة» (١) فأدى القوم ما بأيديهم من تلك العواري، ثم فسر ذلك بقوله: (يضمن ما يغاب عليه للحديث السابق وحديث سمرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: على اليد ما أخذت حتى تؤديه) رواه أبو داود من رواية قتادة عن الحسن عنه زاد أبو داود: قال قتادة: ثم نسي الحسن فقال: «هو أمينك لا ضمان عليه يعني العارية» (٢). وقول النبي ﷺ لصفوان في أدراعه: «بل عارية مضمونة» قال: فضاع بعضها فعرض عليه النبي ﷺ أن يضمنها له فقال: «أنا اليوم في الإسلام أرغب» (٣)، إلا إذا قامت بينة على هلاكه، فإنه لا يضمن على المشهور لأن الضمان للتهمة وهي تزول بالبينة. (ولا يضمن ما لا يغاب عليه من عبد أو دابة) قال ابن عمر الأنفاسي: وعليه اليمين متهما كان أو غير متهم، ولو شرط المعير الضمان على المستعير لا ينفعه ذلك، وكذلك لو شرط المستعير على المعير عدم الضمان مما فيه الضمان لا ينفعه، وعليه الضمان على أحد قولي ابن القاسم وأشهب، ولهما أيضا ينفعه ويعمل بالشرط لأن العارية باب معروف؛ أي: وإسقاط الضمان من المعروف. ثم استثنى مما لا ضمان فيه صورة فقال (إلا أن يتعدى) المستعير فيضمن لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ليس على المستودع غير المغل ضمان، ولا على المستعير غير المغل ضمان» (٤)، وقالا: إنما يروي هذا من قول شريح ثم أخرجاه من قوله (٥)

стр. 1161

وكذلك هو في مصنف عبد الرزاق من قول شريح وحديثه أيضا أن النبي ﷺ قال: «لا ضمان على مؤتمن» (١)، فكان مقتضى الجمع بين هذه الأحاديث حمل الأولى على ما يغاب عليه، والثانية على ما لا يغاب عليه ولأنه قبضها بإذن مالكها فكانت أمانة كالوديعة (٢). ووجوه التعدي كثيرة منها الزيادة في الحمل والزيادة في المسافة، وكذلك يضمن في صورة أخرى وهي أن يتبين كذبه كما إذا قال: تلفت في موضع كذا ولم يسمع أحد من الرفقة بتلفها. الوديعة • قال المصنف رحمه الله تعالى: (ومن تعدى على وديعة ضمنها. وإن كانت دنانير فردها في صرتها ثم هلكت فقد اختلف في تضمينه. ومن اتجر بوديعة فذلك مكروه والربح له إن كانت عينا. وإن باع الوديعة وهي عرض فربها مخير في الثمن أو القيمة يوم التعدي). الشرح الوديعة: مأخوذة من الودع وهو الترك، قال تعالى: ﴿ما ودعك ربك وما قلى﴾ [الضحى: ٣]؛ أي: ما ترك عادة إحسانه في الوحي إليك، أو مأخوذة من الدعة وهي السكون، لأنها ساكنة عند المودع. وهي في «الاصطلاح»: استنابة في حفظ المال (٣)؛ أو مال وكل على حفظه ويجب رده مهما طلب المالك، وانتفى العذر، ويصدق في ردها إلى المودع بالكسر إلا أن يقبض

стр. 1162

ذلك ببينة فلا يبرأ إلا ببينة، وإلى ذلك أشار بقوله: (والمودع) بفتح الدال (إن قال: رددت الوديعة إليك صدق إلا أن يكون قبضها بإشهاد) فلا يبرأ إلا بإشهاد على ردها لأنه حين أشهد عليه لم يكتف بأمانته، ولا بد أن تكون البينة مقصودة للتوثق وبذلك قيد غير واحد المدونة فلا تعتبر البينة إلا إذا قال: اشهدوا بأني استودعته كذا وكذا. وظاهر قوله: صدق، أنه لا يمين عليه، وعزوا للمدونة أن عليه اليمين. (وإن قال) المودع بفتح الدال (ذهبت)؛ بمعنى: تلفت الوديعة (فهو مصدق بكل حال) قبضها بإشهاد أولا، ويحلف المتهم دون غيره على المشهور. وقيل: يحلف المتهم وغيره، وصدر به ابن عمر، قاله التتائي (١). وقوله: (والعارية لا يصدق في هلاكها فيما يغاب عليه) تكرار لأنه داخل في قوله: «والعارية مؤداة». (ومن تعدى على وديعة ضمنها) لقوله تعالى: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾ [البقرة: ١٩٤]، وأوجه التعدي أشياء كثيرة منها: الإيداع عند الغير لغير عذر في السفر والحضر، والسفر بها من غير عذر، والانتفاع بها فتهلك. وإليه يشير قول الشيخ: (وإن كانت) الوديعة (دنانير) أو دراهم مربوطة أو مختومة فتسلفها أو بعضها (فرد) مثلـ (ـها في صرتها ثم هلكت) الوديعة (فقد اختلف في تضمينه) فقيل: عليه الضمان لأنه متعد في حلها، وقيل: لا ضمان عليه، وبه أخذ ابن القاسم وغيره وشهره قال في «التوضيح»: وعلى المشهور فلا يصدق إلا بيمين (٢). (ومن اتجر بوديعة فذلك مكروه والربح له)؛ أي: والخسارة عليه لأنه ضامن، لأنه بالتعدي والتصرف فيه صار في ضمانه وقد قال النبي ﷺ : «الغلة بالضمان» (٣) كما سبق وقوله: (إن كانت عينا) قيد في قوله وذلك مكروه تقدير

стр. 1163

كلامه ومن اتجر بوديعة فذلك مكروه إن كانت عينا، قاله الأقهسي. (وإن باع) المودع (الوديعة وهي عرض) فربها مخير في أخذ (الثمن) الذي باعها به، (أو) في أخذ (القيمة يوم التعدي) هذا إذا فاتت السلعة، وأما إن كانت قائمة فهو مخير بين رد البيع وأخذ السلعة وبين أخذ الثمن الذي بيعت به؛ قال النفراوي: «فالحاصل أن التصرف في الوديعة على ثلاثة أحوال: جائز ومكروه وحرام، فالجائز التصرف بالإذن مطلقا، والحرام التصرف بغير إذن حيث كانت مقومة مطلقا، أو مثلية وهو معدم، وإذا ادعى ردها إلى موضعها فإنه يصدق في قسم المكروه ولا يصدق في الجائز والحرام إلا ببينة تشهد على ردها ليد صاحبها، ولا يكفي شهادتها على ردها إلى موضعها» (١). قال الشيخ ابن حنفية: ويمكن أن يقال إن المكروه هو ما إذا كانت مثلية وهو مليء. اه (٢). اللقطة • قال المصنف رحمه الله تعالى: (ومن وجد لقطة فليعرفها سنة بموضع يرجو التعريف بها. فإن تمت سنة ولم يأت لها أحد فإن شاء حبسها وإن شاء تصدق بها وضمنها لربها إن جاء. وإن انتفع بها ضمنها وإن هلكت قبل السنة أو بعدها بغير تحريك لم يضمنها. وإذا عرف طالبها العفاص والوكاء أخذها. ولا يأخذ الرجل ضالة الإبل من الصحراء وله أخذ الشاة وأكلها إن كانت بفيفاء لا عمارة فيها. ومن استهلك عرضا فعليه قيمته وكل ما يوزن أو يكال فعليه مثله).

стр. 1164

الشرح اللقطة: لغة: بضم اللام وفتح القاف: ما يلتقط، والالتقاط وجود الشيء من غير طلب. اصطلاحا: عرفها ابن عرفة بقوله: مال وجد بغير حرز محترما ليس حيوانا ناطقا ولا نعما بل عينا أو عرضا أو رقيقا صغيرا، وسواء وجدت في العمار أو الخراب أو بساحل البحر وعليها علامة المسلمين، لا نحو عنبر وعقيق فلواجده (١). شرع يتكلم على اللقطة قال: (ومن وجد لقطة) بضم اللام وفتح القاف ما يلتقط (فليعرفها سنة) وجوبا على الفور، فلو توانى حتى ضاعت ثم جاء ربها ضمنها، قاله التتائي، وإنما وجب تعريفها لحديث زيد بن خالد الجهني ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فسأله عن اللقطة فقال: «اعرف عفاصها ووكاءها، ثم عرفها سنة، فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها»، قال: فضالة الغنم يا رسول الله؟ قال: «هي لك أو لأخيك أو للذنب»، قال: فضالة الإبل؟ قال: «ما لك ولها معها سقاؤها وحذاؤها، ترد الماء وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها» (٢). والتعريف سنة مختص بالكثير، وأما التافه الذي لا تلتفت إليه النفوس وهو ما دون الدرهم الشرعي كما قاله أبو الحسن شارح المدونة فلا يعرف، وما فوق التافه دون الكثير فيعرف أياما هي مظنة طلبه، وأما ما يفسد بالتأخير كالفاكهة فيختص به الملتقط ولا يعرفه ولذلك فإن الملتقط على ثلاثة أقسام: ١ - فقسم تافه: لا تتبعه همة أوساط الناس، كالسوط، والرغيف ونحوهما، فهذا يملك بالالتقاط ولا يلزم تعريفه، لحديث جابر ﵁ قال: «رخص لنا رسول الله ﷺ في العصا والسوط والحبل وأشباهه يلتقطه الرجل

стр. 1165

ينتفع به» (١). ٢ - والثاني: ما لا يجوز التقاطه، وهي الأشياء التي تمنع نفسها من صغار السباع لعدوها، كالظباء، أو بقوتها وتحملها، كالإبل، والبقر ونحو ذلك. فهذا يحرم التقاطه كما سيأتي دليله. ٣ - والنوع الثالث: ما عدا ذلك، فهذا هو الذي يشرع التقاطه بقصد الحفظ لصاحبه، فإن التقطه بنية التملك حرم، وعليه ضمانه إن تلف. والتعريف يكون (بموضع يرجو التعريف بها) لأن المقصود لا يحصل إلا بذلك، ولما رواه مالك عن أيوب بن موسى عن معاوية بن عبد الله بن بدر الجهني أن أباه أخبره أنه نزل منزل قوم بطريق الشام فوجد صرة فيها ثمانون دينارا، فذكرها لعمر بن الخطاب فقال له عمر: «عرفها على أبواب المساجد، واذكرها لكل من يأتي من الشام سنة، فإذا مشت السنة فشأنك بها» (٢)، وكذلك يعرفها في المحافل والأسواق، وفي مكان وجدانها، لأنه مكان بحث صاحبها، ويبلغ الجهات المسؤولة عنها، كدوائر الشرطة، وفي زمننا يمكن أن يكون نشدانها في الصحف والإذاعات والتلفاز، إذا كانت لقطة خطيرة. وإذا عرفها لا يذكر جنسها بل يذكرها بأمر عام بأن يقول: من ضاع له شيء من نوع كذا. (فإن تمت سنة ولم يأت لها أحد، فإن شاء حبسها، وإن شاء تصدق بها) عن نفسه أو عن ربه لقول النبي ﷺ : «وإلا فشأنك بها» (٣) لأن هذه كلمة معناها التخيير، وكذلك له أن يستنفقها كما في حديث أبي بن كعب كما سيأتي. (و) إذا تصدق بها (ضمنها لربها إن جاء) وإن وجدها ربها قائمة أخذها. وإن انتفع الملتقط (بها)؛ أي: باللقطة (ضمنها) إن تلفت، وأما كونه يضمنها إن جاء فلقول النبي ﷺ : «فإن جاء صاحبها، فلا يكتم، وهو أحق بها، وإن لم يجئ صاحبها، فإنه مال الله يؤتيه من يشاء» (٤)، وقوله ﷺ : «فإن

стр. 1166

جاء صاحبها فأدها إليه من حديث زيد بن خالد الجهني، وأما إن لم يحصل تلف فإنما يلزمه كراؤها لصاحبها إن كان مثله يكري الدواب. (وإن هلكت قبل السنة أو بعدها بغير تحريك)؛ أي: تعد وتفسير التحريك بالتعدي إشارة إلى أنه ليس المراد مطلق التحريك، إذ قد يكون التحريك مأذونا فيه كما إذا كان للعلف مثيلا لم يضمنها لأنه يحفظها لصاحبها فلم يلزم ضمانها من غير تفريط كالوديعة فقط سماها النبي ﷺ وديعة ففي حديث زيد بن خالد الجهني ﵁ أن رجلا سأل رسول الله ﷺ عن اللقطة، قال: «عرفها سنة، ثم اعرف وكاءها وعفاصها، ثم استنفق بها، فإن جاء ربها، فأدها إليه» (١). (وإذا عرف طالبها)؛ أي: اللقطة (العفاص) بكسر العين وبالفاء والصاد المهملة، وهو الوعاء الذي تكون فيه النفقة (والوكاء) بالمد وهو الخيط الذي يشد به الوعاء (أخذها) لحديث زيد بن خالد السالف ظاهر كلامه أنه لا بد من مجموع الأمرين وليس كذلك، بل أحدهما كاف لأنه قد ينسى الآخر. وظاهره أيضا أن معرفة عدد الدراهم كما لأصبغ وهو المعتمد، وغلة اللقطة في مدة التعريف للملتقط. (ولا يأخذ الرجل ضالة الإبل من الصحراء) لما في حديث زيد بن خالد الجهني ﵁: «وسأله عن ضالة الإبل فقال: ما لك ولها؟ دعها، فإن معها حذاءها وسقاءها، ترد الماء وتأكل الشجر، حتى يجدها ربها» (٢). ولا يلحق بضالة الإبل الخيل والحمير، بل هي داخلة في اللقطة فلواجدها أخذها (وله)؛ أي: للرجل (أخذ الشاة وأكلها إن كانت بفيفاء) وهي

стр. 1167

الصحراء التي (لا عمارة فيها) ولا ضمان عليه إن أكلها في الصحراء ولا شيء عليها لربها ولو مع تيسير سوقها للعمران على ظاهر المدونة، لما في حديث زيد … وسأله عن الشاة فقال: «خذها، فإنما هي لك، أو لأخيك أو للذئب»، لكن إن أتى بها إلى العمران وهي حية فعليه تعريفها لأنها صارت كاللقطة (١). ثم انتقل يتكلم على ما تبرع به في الباب فقال: (ومن استهلك عرضا فعليه قيمته) على المشهور، ويعم اللقطة والوديعة والرهن وما أشبه ذلك لحديث عمر أن النبي ﷺ قال: «من أعتق شركا له في عبد فإن كان معه ما يبلغ ثمن العبد قوم عليه وأعطى شركاءه حصصهم، وعتق عليه العبد، وإلا فقد عتق عليه ما عتق» (٢)؛ فأوجب القيمة في العبد بالاختلاف بالعتق، ولأن إيجاب مثله من جهة الخلقة لا يمكن لاختلاف الجنس الواحد في القيمة، فكانت القيمة أقرب إلى إيفاء حقه، ولأن ما لا يجوز الجزاف في عدد مبيعه، فإنه لا يجب بإتلافه المثل كالدور (٣)، ومقابله ما حكى الباجي عن مالك بأن له قولا: أن جميع المتلفات مثلية، كقول أبي حنيفة والشافعي، وعلى المشهور من اعتبار القيمة فبموضع الاستهلاك سواء كان عمدا أو خطأ إذ العمد والخطأ في أموال الناس سواء. (وكل ما يوزن أو يكال) أو يعد مما لا تختلف أحاده كالبيض (فعليه مثله) في الموضع الذي استهلكه فيه. الغصب • قال المصنف رحمه الله تعالى: (والغاصب ضامن لما غصب فإن رد ذلك بحاله فلا شيء عليه.

стр. 1168

وإن تغير في يده فربه مخير بين أخذه بنقصه أو تضمينه القيمة. ولو كان النقص بتعديه خير أيضا في أخذه وأخذ ما نقصه وقد اختلف في ذلك. ولا غلة للغاصب ويرد ما أكل من غلة أو انتفع. وعليه الحد إن وطئ، وولده رقيق لرب الأمة. ولا يطيب لغاصب المال ربحه حتى يرد رأس المال على ربه، ولو تصدق بالربح كان أحب إلى بعض أصحاب مالك وفي باب الأقضية شيء من هذا المعنى). الشرح الغصب: لغة: مصدر «غصبه يغصبه» أخذ الشيء ظلما (١)، واصطلاحا: «الغصب أخذ مال غير منفعة ظلما قهرا لا لخوف قتال» (٢). انتقل رحمه الله تعالى يتكلم على ما ختم به الترجمة وهو الغصب. وهو من الظلم المحرم في الكتاب، والسنة، والإجماع. ويجب على الغاصب رد ما غصبه، لأنه من رد المظالم إلى أهلها، وحكمه الحرمة لما ورد في شأنه من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية فمن الآيات قوله تعالى: ﴿إن الله لا يحب المعتدين﴾ [البقرة: ١٩٠، والمائدة: ٨٧]، ومن الأحاديث ما في «الصحيحين» من حديث عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: «من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه من سبع أرضين» (٣)، ومن أحكامه الضمان، وإليه أشار بقوله: (والغاصب ضامن لما غصب) قال القرافي: وهو؛ أي: الغاصب كل آدمي يتناوله عقد الإسلام أو الذمة، لحديث سمرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال:

стр. 1169

«على اليد ما أخذت حتى تؤديه» وفي رواية: «حتى تؤدي» (١)؛ أي: ملزمة بدفعه إن كان باقيا أو قيمته أو مثله إن فات، والمراد باليد؛ أي: صاحبها، والمشهور أن الضمان يعتبر حالة الغصب إن فات المغصوب (فإن) لم يفت (رد) الغاصب (ذلك) المغصوب (بحاله) إن لم يتغير في بدنه (فلا شيء)؛ أي: لا قيمة (عليه) إنما يلزمه الأدب والتوبة والاستغفار من إثم الاغتصاب، (وإن تغير) المغصوب بنقص في ذاته بأمر سماوي، أو بفعل الغاصب حالة كونه (في يده)؛ أي: يد الغاصب (فربه مخير بين أخذه بنقصه من غير أرش العيب (أو تضمينه)؛ أي: الغاصب (القيمة) يوم الغصب، وذلك كمن غصبت سيارته وأصيبت الأرض تحتها بانهيار طبيعي أو أمر سماوي كبرد كسرها فأفسد حالها فلصاحبها الخيار بأن يأخذها ولا شيء له، أو يعطيه قيمتها يوم غصبها، ولو كان النقص في المغصوب (بتعديه)؛ أي: الغاصب (خير) المغصوب منه أيضا في أخذه وأخذ)؛ أي: مع أخذ (ما نقصه) قال الفاكهاني: أو تضمينه القيمة يوم التعدي وعن أشهب وابن القاسم في أحد قوليه: إنما له أخذ القيمة أو أخذه ناقصا ولا شيء له معه، وإلى هذا الخلاف أشار بقوله: (وقد اختلف في ذلك). ثم شرع يبين غلة المغصوب لمن هي فقال: (ولا غلة للغاصب، ويرد ما أكل من غلة أو انتفع) ظاهره وجوب رد الغلة مطلقا سواء كان المغصوب ربعا أو حيوانا أو رقيقا أو غير ذلك، وهي رواية أشهب وابن زياد عن مالك، قال الفاكهاني: وظاهر الكتاب اختصاص الضمان بغلة الرباع دون الرقيق والحيوان، وهو قول ابن القاسم في «المدونة». (وعليه)؛ أي: الغاصب (الحد إن) ثبت ببينة أو إقرار أنه (وطئ الأمة) لأنه زان لا شبهة له البتة، (وولده رقيق لرب الأمة) لأن كل ولد نشأ عن زنا، أو عقد نكاح تابع لأمة

стр. 1170

في الملك، (ولا يطيب لغاصب المال ربحه حتى يرد رأس المال على ربه) قال الفاكهاني: يعني: إذا غصب مالا فاتجر فيه ونما في يده وتعلق بذمته كان الربح له كما أن الضمان عليه، ولكنه مكروه لكونه نشأ عن مال لم يطب قلب صاحبه بتقلبه فيه، فإذا رد رأس المال على وجهه واستحل من ربه جاز له وطاب بطيب نفس رب المال. (ولو تصدق) الغاصب (بالربح كان أحب إلى بعض أصحاب مالك) وهو الإمام أشهب لعل التصدق به يكون كفارة لما اقترفه من إثم الغصب، لما في الحديث من قوله ﷺ : «الصدقة تطفئ الخطيئة» (١) (وفي باب الأقضية شيء من هذا المعنى)؛ أي: مسائل الغصب، والله أعلم.

стр. 1171

باب في أحكام الدماء والحدود • باب في أحكام الدماء والحدود: • قال المصنف رحمه الله تعالى: (ولا تقتل نفس بنفس إلا ببينة عادلة، أو باعتراف. أو بالقسامة إذا وجبت. يقسم الولاة خمسين يمينا ويستحقون الدم. ولا يحلف في العمد أقل من رجلين. ولا يقتل بالقسامة أكثر من رجل واحد. وإنما تجب القسامة بقول الميت: دمي عند فلان، أو بشاهد على القتل، أو بشاهدين على الجرح، ثم يعيش بعد ذلك ويأكل ويشرب. وإذا نكل مدعو الدم حلف المدعى عليهم خمسين يمينا. فإن لم يجد من يحلف من ولاته معه غير المدعى عليه وحده حلف الخمسين. ولو ادعي القتل على جماعة حلف كل واحد خمسين يمينا. ويحلف من الولاة في طلب الدم خمسون رجلا خمسين يمينا وإن كانوا أقل قسمت عليهم الأيمان ولا تحلف امرأة في العمد. وتحلف الورثة في الخطإ بقدر ما يرثون من الدية من رجل أو امرأة. وإن انكسرت يمين عليهم حلفها أكثرهم نصيبا منها. وإذا حضر بعض ورثة دية الخطإ لم يكن له بد أن يحلف جميع الأيمان ثم يحلف من يأتي بعده بقدر نصيبه من الميراث.

стр. 1172

ويحلفون في القسامة قياما ويجلب إلى مكة والمدينة وبيت المقدس أهل أعمالها للقسامة ولا يجلب في غيرها إلا من الأميال اليسيرة. ولا قسامة في جرح. ولا في عبد. ولا بين أهل الكتاب. ولا في قتيل بين الصفين. أو وجد في محلة قوم. وقتل الغيلة لا عفو فيه. وللرجل العفو عن دمه العمد إن لم يكن قتل غيلة. وعفوه عن الخطا في ثلثه. وإن عفا أحد البنين فلا قتل ولمن بقي نصيبهم من الدية. ولا عفو للبنات مع البنين. ومن عفي عنه في العمد ضرب مائة وحبس عاما). الشرح (باب في) بيان (أحكام الدماء) من قود، ودية، وقصاص، ونحو ذلك كالغرة، (و) في بيان أسباب (الحدود) كالزنى والقذف والشرب والسرقة. والحدود: جمع حد، وأصل الحد المنع، وهو ما يحجز بين شيئين، والفصل بين شيئين فيمنع اختلاطهما، ومنه أخذ معنى هذا. والحدود العقوبات المقدرة يجوز أن تكون سميت بذلك من الحد المنع لأنها تمنع من الوقوع في مثل ذلك الذنب، وأن تكون سميت بالحدود التي هي المحارم لكونها زواجر عنها، أو بالحدود التي هي المقدرات لكونها مقدرة لا يجوز فيها الزيادة ولا النقصان (١)

стр. 1173

وأما اصطلاحا: فهي عقوبات مقدرة شرعا لتمنع من الوقوع، في مثل ما ارتكب من المعاصي. والحدود ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع العلماء في الجملة، ويقتضيها القياس الصحيح، فهي جزاء لما انتهكه العاصي من محارم الله تعالى. وقد أجمع العقلاء على أن أحسن نظام جنائي هو الذي ينجح في مكافحة الجريمة ومحاربتها، ويحفظ الحقوق لأصحابها، ويحقق العدل والأمن والاستقرار، والشيء تعرف قيمته بآثاره، ونجاحه أو إخفاقه بعواقبه ونتائجه. وقد شهد التاريخ القديم والحديث أن الشريعة الإسلامية هي النظام الوحيد الكفيل بتحقيق الأمن بمعناه العام، والقادر على قطع دابر المجرمين ومكافحة الإجرام (١). قال المصنف: (ولا تقتل نفس) مكافئة (بنفس) مكافئة لها في الحرية والإسلام والعصمة (إلا) إذا ثبت القتل بأحد أمور ثلاثة إما: ١ - الثيب الزاني. ٢ - والنفس بالنفس. ٣ - والتارك لدينه المفارق للجماعة. لحديث ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ : «لا يحل دم امرئ مسلم، يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة» (٢)، (ببينة عادلة) لحديث ابن أبي مليكة قال: كتب إلي ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «لو أن الناس أعطوا بدعواهم ادعى ناس من الناس دماء ناس وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه». - وفي رواية: «كتبت إلى ابن عباس فكتب إلي أن النبي ﷺ قضى أن اليمين على المدعى عليه» (٣).

стр. 1174

قال في «فتح الباري»: اتفقوا على أنها لا تجب لمجرد دعوى الأولياء، حتى تقرن بها شبهة يغلب على الظن الحكم بها (١). (أو اعتراف)؛ أي: إقرار القاتل عن نفسه أنه قتل فلانا لقوله تعالى: ﴿بل الإنسان على نفسه بصيرة﴾ [القيامة: ١٤]، ولحديث أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني ﵁: أنهما قالا: إن رجلا من الأعراب أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، أنشدك الله إلا قضيت بيننا بكتاب الله. فقال الخصم الآخر - وهو أفقه منه: - نعم، فاقض بيننا بكتاب الله وائذن لي. فقال النبي ﷺ : «قل». فقال: إن ابني كان عسيفا على هذا، فزنى بامرأته، وإني أخبرت أن على ابني الرجم، فافتديت منه بمائة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم فأخبروني أن ما على ابني جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم. فقال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله، الوليدة والغنم رد عليك، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم، واغد يا أنيس - لرجل من أسلم - إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها»، فغدا عليها، فاعترفت، فأمر بها رسول الله ﷺ فرجمت (٢). فالشاهد: «واغد يا أنيس - لرجل من أسلم - إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها»، فغدا عليها، فاعترفت. (أو بالقسامة): بفتح القاف، هي الأيمان المكررة في دعوى القتل، ويشترط في القتل بها شروط وهي ما أشار إليه بقوله: (إذا وجبت)؛ أي: القسامة بأن يكون القاتل: ١ - عاقلا، ٢ - بالغا، ٣ - مكافئا للمقتول في الدين والحرية، ٤ - غير

стр. 1175

أب، ٥ - و اتفق الأولياء على القتل؛ ٦ - وأن يكون الحالف اثنين فصاعدا؛ - وأن يكون مع الأولياء لوث؛ أي: قرينة تقوي جانب المدعي، ويغلب على الظن صدقه كأن يرى العدل المقتول يتخبط في دمه والمتهم بقربه وعليه أثر القتل؛ أي: كتلطخه بدمه والمدية بيده (١). وكيفية القسامة أنه (يقسم)؛ أي: يحلف (الولاة) ويشترط فيهم أن يكونوا عصبة المقتول ورثوه أم لا، فإن كانوا خمسين حلفوا (خمسين يمينا) كل واحد يحلف يمينا بتا واحدة بالله الذي لا إله إلا هو أن فلانا قتله أو مات من ضربه (ويستحقون الدم) لحديث سهل بن أبي حثمة قال: انطلق عبد الله بن سهل ومحيصة بن مسعود إلى خيبر - وهي يومئذ صلح - فتفرقا. فأتى محيصة إلى عبد الله بن سهل وهو يتشحط في دمه قتيلا، فدفنه. ثم قدم المدينة فانطلق عبد الرحمن بن سهل ومحيصة وحويصة ابنا مسعود إلى النبي ﷺ ، فذهب عبد الرحمن يتكلم، فقال ﷺ : «كبر كبر وهو أحدث القوم، فسكت، فتكلما. فقال: «أتحلفون وتستحقون قاتلكم أو صاحبكم»؟. قالوا: وكيف نحلف ولم نر؟ قال: «فتبرئكم يهود بخمسين يمينا؟». قالوا: وكيف بأيمان قوم كفار؟. فعقله النبي ﷺ من عنده (٢). وفي حديث سعد بن عبيد: فكره رسول الله ﷺ أن يبطل دمه، فوداه بمائة من إبل الصدقة»، فوداه؛ أي: دفع ديته. (ولا يحلف في العمد أقل من رجلين) عصبة لأن أيمان الأولياء أقيمت مع اللوث مقام البينة، وكما لم يكتف في البينة بشهادة واحد فكذلك هنا لا يكتفى في الأيمان واحد، وذلك للعمل حكاه مالك ولأن أيمان الأولياء أقيمت مع اللوث مقام البينة فلما لم يكتف في البينة بشهادة واحد فكذلك لا

стр. 1176

يكفي هنا في الأيمان واحد، ولأن النبي ﷺ عرض الأيمان على جماعة فقال ما سبق: «أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم» وأقل الجماعة اثنان. (و) إذا كان المدعى عليهم جماعة ف (لا يقتل بالقسامة أكثر من رجل واحد) يقسمون عليه، وقيل: يقسمون على الجميع ثم يختارون واحدا منهم يقتلونه. لقوله ﷺ في الحديث السابق: «وتستحقون دم صاحبكم أو قاتلكم»، ولأن القسامة أضعف من الإقرار والبينة، وفي قتل الواحد ردع ولأنه لا يدري أقتله الكل أو البعض والمحقق واحد والباقي مشكوك فيه فيترك. (وإنما تجب القسامة بقول الميت) في مرضه: (دمي عند فلان) لم يختلف في هذا قول مالك وجميع أصحابه أنه لوث في العمد يوجب القسامة والقود، أو بشهادة واحد (على) معاينة (القتل) فإذا شهد العدل بمعاينة القتل يقسم الولاة مع شهادته ويستحقون الدم أو بشاهدين على الجرح ثم يعيش بعد ذلك؛ أي: أن يشهد الشاهدان على معاينة الجرح بالفتح لأن المراد الفعل بل والضرب؛ أي: أو يشهدا على معاينة الضرب، وكذا يعد لوثا شهادة العدل الواحد على معاينة الجرح أو الضرب عمدا أو خطأ أو على إقرار المقتول أن فلانا جرحه أو ضربه فيقسم الولاة أنه من ذلك الجرح أو الضرب مات، أما إن مات بفوره أو أنفذت مقاتله فإنه يقتل به بلا قسامة. وقوله: (ويأكل ويشرب) ليس بشرط بل المقصود تأخير الموت بعد معاينة البينة للجرح أو الضرب يوما فصاعدا ولو لم يأكل ولم يشرب. للعمل حكاه مالك في «الموطأ» فقال: الأمر المجتمع عليه عندنا والذي سمعت ممن أرضى في القسامة والذي اجتمعت عليه الأئمة في القديم والحديث أن يبدأ بالأيمان المدعون في القسامة فيحلفون. وأن القسامة لا تجب إلا بأحد هذه الأمور: ١ - إما أن يقول المقتول: دمي عند فلان. ٢ - أو يأتي ولاة الدم بلوث من بينة. ٣ أو بشاهدين على الجرح (وهو فعل الجاني من ضرب أو جرح).

стр. 1177

وإن لم تكن قاطعة على الذي يدعي عليه الدم فهذا يوجب القسامة مدعي الدم على من ادعوه عليه، ولا تجب القسامة عندنا إلا بأحد هذه الوجوه. اه (١). (وإذا نكل) بفتح الكاف؛ بمعنى: رجع (مدعو الدم) كلهم أو بعضهم عن اليمين في العمد، وكانت القسامة وجبت بقول المقتول أو بشاهد على القتل (حلف المدعى عليهم خمسين يمينا) لقول النبي ﷺ في الحديث السابق بعد نكول المدعين وقولهم: يا رسول الله ولم نحضر فتبريكم يهود بخمسين يمينا ولأحاديث أخرى في الباب، ويحلف المتهم معهم، فحلف المتهم معهم قرينة على جعل عصبة المدعى عليه الذي يستعين بهم مدعى عليهم. (فإن لم يجد من يحلف من ولاته معه غير المدعى عليه وحده حلف الخمسين) يمينا وبرئ، فإن نكل حبس حتى يحلف، فلا يخرج من السجن إلا إذا حلف (ولو ادعى القتل على جماعة) قال الأقفهسي: يريد وقد نكل مدعو الدم (حلف كل واحد من المدعى عليهم خمسين يمينا) لأن كل واحد من الجماعة مدعى إليه فلا يبرأ إلا بخمسين يمينا. (ويحلف من الولاة في طلب الدم خمسون رجلا خمسين يمينا) لقوله ﷺ : «أتحلفون خمسين يمينا وتستحقون دم صاحبكم»، ولأنه أحسن ما سمع مالك في هذه المسألة كما قال في «الموطأ»: ولأن كل واحد منهم يحلف عن نفسه إذ لعله الذي كان يقسم عليه، قال الأقفهسي: هذا قول عبد الملك إنه لا يجوز أن يحلف اثنان مع وجود أكثر. (وإن كانوا أقل) من خمسين رجلا اثنين فصاعدا (قسمت عليهم الأيمان) فالاثنان يحلف كل واحد منهما خمسا وعشرين يمينا. لما رواه عبد الرزاق عن ابن جريج عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز أن في كتاب لعمر بن عبد العزيز «أن النبي ﷺ قضى في الأيمان أن يحلف الأولياء، فإن لم يكن عدد عصبته يبلغ خمسين ردت الأيمان

стр. 1178

عليهم بالغا ما بلغوا» (١). وما ورواه ابن وهب أخبرني محمد بن عمرو عن ابن جريج عن عمرو بن شعيب قال: «قضى رسول الله ﷺ بخمسين يمينا ثم يحق دم المقتول إذا حلف عليه، ثم يقتل قاتله أو تأخذ ديته ويحلف عليه أولياؤه من كانوا قليلا أو كثيرا، فمن ترك منهم اليمين ثبتت على من بقي ممن يحلف فإن نكلوا كلهم حلف المدعى عليهم خمسين يمينا ما قتلناه، ثم بطل دمه، وإن نكلوا كلهم عقله المدعى عليهم، ولا يبطل دم مسلم إذا ادعي إلا بخمسين يمينا». ولأن النبي ﷺ قال لأولياء القتيل: «أتحلفون خمسين يمينا وتستحقون دم قاتلكم» ولم يكونوا إلا ثلاثة: أخاه عبد الرحمن وابني عمه حويصة ومحيصة، فالظاهر أنه وجه الخطاب إليهم دون بقية العصبة. وصيغة اليمين: «تالله الذي لا إله إلا هو إن فلانا قتله» (٢). (ولا تحلف امرأة في العمد) للعمل حكاه مالك في «الموطأ» فقال: الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا أنه لا يحلف في القسامة في العمد أحد من النساء، وإن لم يكن للمقتول ولاة إلا النساء فليس للنساء في قتل العمد قسامة ولا عفو. اه (٣)، وسواء كان معها ذكر أم لا، لأن استحقاق الدم في القسامة شرطه الذكورية، فإن انفردت النسوة يصير المقتول بمنزلة من لا وراث له فترد الأيمان على المدعى عليه. (وتحلف الورثة في الخطأ بقدر ما يرثون من الدية من رجل أو امرأة) فالاثنان يحلف كل واحد منهما خمسا وعشرين يمينا، والثلاثة الواجب على كل واحد ستة عشر يمينا وثلثان، ويجبر كل واحد منهم الكسر الذي صار إلى حصته، فيحلف كل واحد سبعة عشر يمينا. (وإن انكسرت يمين عليهم حلفها أكثرهم نصيبا منها)؛ أي: من اليمين

стр. 1179

المنكسرة فلو ترك ابنا وبنتا، فالمسألة من ثلاثة للذكر ثلاثة وثلاثون وثلث، وللبنت ستة عشر وثلثا اليمين المنكسرة، فقد خص البنت من اليمين المنكسرة أكثر من الابن فتحلف البنت سبعة عشر يمينا. (وإذا حضر بعض ورثة دية الخطأ) وغاب البعض (لم يكن له)؛ أي: لمن حضر (بد) بضم الموحدة وشد المهملة؛ أي: مهرب (أن يحلف جميع الأيمان) الخمسين عند مالك وإلا لم يستحق من الدية شيئا (ثم يحلف من يأتي)؛ أي: يجيء ممن كان غائبا (بعده بقدر نصيبه من الميراث) ولا يجتزئ بيمين من حضر قبله قال الفاكهاني: لأن من شرط أخذ هذا المال حصول الأيمان، فإذا حلف الحاضر استحق نصيبه منه، والآتي بعد ذلك من الورثة يحلف ما ينوبه من الأيمان ويأخذ نصيبه، ولا يحلف الكل لتقدم حلف الحاضر كل الأيمان. قال مالك: «إذا قام بعض ورثة المقتول الذي يقتل خطأ، يريد أن يأخذ من الدية بقدر حقه منها. وأصحابه غيب لم يأخذ ذلك. ولم يستحق من الدية شيئا، قل ولا كثر، دون أن يستكمل القسامة يحلف خمسين يمينا، فإذا حلف خمسين يمينا استحق حصته من الدية، وذلك أن الدم لا يثبت إلا بخمسين يمينا، ولا تثبت الدية حتى يثبت الدم. فإن جاء بعد ذلك من الورثة أحد، حلف من الخمسين يمينا بقدر ميراثه، وأخذ حقه حتى يستكمل الورثة حقوقهم، فإن جاء أخ لأم فله السدس، وعليه من الخمسين يمينا، السدس فمن حلف استحق حقه من الدية. ومن نكل بطل حقه». وإن كان بعض الورثة غائبا أو صبيا لم يبلغ الحلم، حلف الذين حضروا خمسين يمينا، فإن جاء الغائب بعد ذلك حلف، أو بلغ الصبي الحلم حلف، يحلفون على قدر حقوقهم من الدية على قدر مواريثهم منها، قال يحيى: قال مالك: وهذا أحسن ما سمعت (١). (ويحلفون في القسامة) وغيرها من الحقوق المالية (قياما) على

стр. 1180

المشهور، ردعا لهم وزجرا لعل المبطل يرجع للحق، لحديث ابن عباس في قصة هلال بن أمية في اللعان: «وفيه فأرسل إليهما فجاءا فقام هلال فشهد ثم قامت فشهدت … الحديث» (١)، وظاهر كلامه أنه لا يغلظ عليهم بالزمان وإنما يغلظ عليهم بالمكان، وإليه أشار بقوله: (ويجلب) الحالف (إلى مكة) المشرفة (وإلى المدينة) على ساكنها أفضل الصلاة والسلام (و) إلى (بيت المقدس أهل أعمالها) نائب فاعل يجلب؛ والمعنى: أنه يجلب لهذه الأماكن المشرفة أهل طاعة هذه الأماكن للقسامة تغليظا عليهم، ولو كان بينه وبين هذه الأماكن زمن طويل نحو عشرة أيام لأنه أردع للكاذب لشرفها، لورود السنة بذلك كتعظيم اليمين عند منبر النبي ﷺ وبعد العصر كما في «الصحيح» وغيره (٢)، وفي حديث أبي هريرة ﵁ أيضا أن النبي ﷺ قال: «لا يحلف أحد عند منبري هذا، على يمين آثمة، ولو على سواك أخضر، إلا تبوأ مقعده من النار - أو وجبت له النار» (٣)، وثبت أن عمر ﵁ جلب المدعى عليهم في القسامة من اليمن إلى مكة ومن الكوفة إلى مكة ليحلفوا فيها (٤)، فإن من كان في المدينة لا يجلب إلى مكة لأن الكل حرم الله، وفي «الموطأ» من حديث جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «من حلف على منبري آثما تبوأ مقعده من النار» (٥). (ولا يجلب في غيرها)؛ أي: إلى غير هذه الأماكن الثلاثة (إلا من الأميال اليسيرة)؛ أي: إلا أن يكون الجلب من الأميال اليسيرة، وحدها بعضهم بثلاثة وبعضهم بعشرة. (ولا قسامة في جرح)؛ يعني: إذا جرح

стр. 1181

شخص شخصا ولم تقم له بينة لا يقسم لأن النبي ﷺ إنما حكم بها في النفس، ويستحق القصاص في العمد، والدية في الخطأ؛ أي: فإذا قامت له بينة - شاهدان - فالدية في الخطأ والقصاص في العمد، وإذا لم يشهد به إلا واحد فإنه يحلف مع الشاهد يمينا واحدة وتؤخذ الدية في الخطأ، ويقتص في العمد، فإن لم يحلف المدعي برئ الجارح إن حلف وإلا حبس في جرح العمد وغرم في الخطأ. (و) كذا (لا) قسامة (في) قتل (عبد) لأنه أخفض رتبة من الحر، فإذا ثبت أن فلانا قتله بشاهدين غرم قيمته في العمد والخطأ بلغت ما بلغت، ويضرب مائة، ويسجن سنة. وذلك للعمل حكاه مالك فقال: الأمر عندنا في العبد أنه إذا أصيب العبد عمدا أو خطأ ثم جاء سيده بشاهد حلف مع شاهده يمينا واحدة، ثم كان له قيمة عبده وليس في العبيد قسامة في عمد ولا خطأ، ولم أسمع أحدا من أهل العلم قال ذلك. اه (١). (و) كذا (لا) قسامة (بين أهل الكتاب) ليس ظاهر العبارة مرادا وهو أن القاتل والمقتول كافران، وإنما المراد أن الذمي إذا وجد منفوذ المقاتل وهو يقول: دمي عند فلان المسلم، وشهد على إقراره عدلان فإنه لا قسامة فيه، وإنما يغرم ديته في العمد من ماله ومع العاقلة في قتل الخطأ، فإن لم يكن إلا دعوى ولي الكافر على المسلم فلا يلتفت إليه. (و) كذا (لا قسامة) ولا دية في قتيل وجد بين الصفين المسلمين إذا كانت الطائفتان متأولتين بأن ظنت كل طائفة جواز قتالها للأخرى لكونها أخذت مالها مثلا، فمن مات منهما قدمه هدر لأن قاتله معلوم في الجملة ولو لم يتعين. (أو) قتيل (وجد في محلة)؛ أي: دار (قوم) وهذا حيث كان المحل الذي وجد فيه المقتول مطروقا لمرور الناس فيه غير أهله، وأما لو كان لا يمر فيه إلا أهله ووجد فيهم شخص مقتول من غيرهم فإنه يكون لوثا. (وقتل الغيلة) وهي قتل الإنسان لأخذ ماله (لا عفو فيه)؛ أي: لا

стр. 1182

يجوز العفو فيه أو لا عفو فيه نافذ، ولو كان المقتول كافرا والقاتل حرا مسلما لأن قتله على هذا الوجه في معنى المحاربة، والمحارب بالقتل يجب قتله ولو بعبد وكافر، وإنما لم يجز العفو فيها لأنها حق الله تعالى، وعلى هذا فهو مقتول حدا لا قودا، لما رواه مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب ﵁ قتل نفرا خمسة أو سبعة برجل واحد قتلوه قتل غيلة، وقال عمر: «لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعا» (١). (وللرجل العفو عن دمه)؛ أي: عن دم نفسه (العمد) إذا عفا بعد ما وجب له الدم مثل أن يعفو بعد إنفاذ مقاتله، ولا كلام للأولياء إذا. ولقول مالك في «الموطأ»: إنه أدرك من يرضى من أهل العلم يقولون في الرجل إذا أوصى أن يعفى عن قاتله إذا قتل عمدا، أن ذلك جائز له، وأنه أولى بدمه من غيره من أوليائه من بعده (٢)، (إن لم يكن قتل غيلة) لما تقدم من دليل إن قتل الغيلة لا عفو فيه، (وعفوه)؛ أي: الرجل المقتول (عن) دم نفسه (الخطأ) كائن (في ثلثه) لأن الدية مال من أمواله، فللورثة أن يمنعوه من الزائد على الثلث لأنه في هذه الحالة محجور عليه (وإن عفا أحد البنين) بعد ثبوت الدم وكان بالغا (فلا قتل)، لأن الدم لما لم يتبعض كان سقوط بعضه يوجب سقوط جميعه، وإذا ثبت سقوط القتل بعفو بعض البنين، سقط نصيبه وحده. (و) يثبت (لمن بقي) من البنين (نصيبهم من الدية، ولا عفو للبنات مع البنين)؛ أي: ولا للأخوات مع الإخوة، وإنما العفو والاستيفاء للعاصب دون من معه من الإناث المتساويات لأن ولاية الدم مستحقة بالنصرة وليس

стр. 1183

النساء من أهل النصرة فلم يكن لهن مدخل في الولاية المستحقة بها، وروي عن مالك أيضا أن لهن مدخلا فيه حكاه القاضي عبد الوهاب وهو الصحيح لعموم قوله ﷺ : «من قتل له قتيل فأهله بين خيرتين، إن أحبوا فلهم العقل، وإن أحبوا فلهم القود» (١) وروى عبد الرزاق عن معمر عن الأعمش عن زيد بن وهب أن عمر بن الخطاب ﵁ رفع إليه رجل قتل رجلا فجاء أولياء المقتول فأرادوا قتله فقالت أخت المقتول وهي امرأة القاتل قد عفوت عن حصتي من زوجي، فقال عمر: عتق الرجل من القتل» (٢) ولأن القصاص مستحق على استحقاق المواريث فوجب أن يثبت لجميع الورثة كسائر الحقوق. (ومن عفي عنه في العمد) أو تعذر منه القصاص لعدم التكافؤ كالمسلم يقتل الكافر (ضرب مائة)؛ أي: مائة سوط (وحبس عاما) وعلى ذلك مضى عمل السلف رضوان الله عليهم أجمعين. ولأنه لما عفا عنه من له العفو، وبقيت الله عقوبة جعلت كعقوبة الزاني البكر جلد مائة وحبس سنة، ولأنه لما سقط القصاص بقيت العقوبة كالسيد إذا قتل عبده فإنه لا يقتل به ولكنه يجلد مائة وينفى سنة لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده «أن رجلا قتل عبده متعمدا، فجلده رسول الله ﷺ مائة، ونفاه سنة، ومحا سهمه من المسلمين، ولم يقده به» (٣)، ورواه أيضا من حديث علي بن أبي طالب ﵁، قال: «أتي رسول الله ﷺ ، برجل قتل عبده متعمدا فجلده رسول الله ﷺ مائة، ونفاه سنة، ومحا سهمه من المسلمين، ولم يقده به» (٤).

стр. 1184

وقال مالك، في القاتل عمدا إذا عفي عنه: «إنه يجلد مائة جلدة ويسجن سنة» (١). أحكام الديات • قال المصنف رحمه الله تعالى: (والدية على أهل الإبل مائة من الإبل، وعلى أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثنا عشر ألف درهم. ودية العمد إذا قبلت خمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة، وخمس وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون بنت مخاض. ودية الخطإ مخمسة: عشرون من كل ما ذكرناه، وعشرون بنو لبون ذكورا. وإنما تغلظ الدية في الأب يرمي ابنه بحديدة فيقتله فلا يقتل به، ويكون عليه ثلاثون جذعة، وثلاثون حقة، وأربعون خلفة في بطونها أولادها وقيل ذلك على عاقلته وقيل ذلك في ماله. ودية المرأة على النصف من دية الرجل. وكذلك دية الكتابيين، ونساؤهم على النصف من ذلك. والمجوسي ديته ثمانمائة درهم، ونساؤهم على النصف من ذلك، ودية جراحهم كذلك). الشرح (والدية) واحدة الديات مأخوذة من الودي وهو الهلاك، يقال: أودى فلان إذا هلك فلما كانت تلزم من الهلاك سميت بذلك. وهي اصطلاحا: مال يجب بقتل آدمي حر عوضا عن دمه (٢) فما وجب في قتل غيره يقال فيه قيمة، وكذا ما وجب في قتل الرق يقال له قيمة أيضا،

стр. 1185

وإنما وجبت الدية لقوله تعالى: ﴿ومن قتل مؤمنا خطئا فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا﴾ [النساء: ٩٢]، وهي مختلفة الجنس بحسب الجاني: ف (على أهل الإبل) وهم أهل البادية والعمود (مائة من الإبل) مخمسة لحديث أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ كتب إلى اليمن فذكر الحديث وفيه: «ومن اعتبط (١) مؤمنا قتلا عن بينة، فإنه قود إلا أن يرضى أولياء المقتول، وإن في النفس الدية مائة من الإبل … » (٢)، وفي حديث القسامة «فوداه رسول الله ﷺ من عنده فبعث إليهم مائة ناقة» (٣). (وعلى أهل الذهب) كأهل مصر والشام (ألف دينار) (وعلى أهل الورق) كأهل العراق (اثنا عشر ألف درهم) لما ذكره مالك في «الموطأ» بلاغا: «أن عمر بن الخطاب ﵁ قوم الدية على أهل القرى فجعلها على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثني عشر ألف درهم» (٤)، وروى الشافعي والبيهقي من طريقه عن ابن شهاب وعن مكحول وعطاء قالوا: «أدركنا الناس على أن دية المسلم الحر على عهد النبي ﷺ مائة من الإبل، فقوم عمر بن الخطاب ﵁ تلك الدية على القرى ألف دينار أو اثني عشر ألف درهم» (٥)، وفي حديث أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم السابق أن النبي ﷺ كتب إلى

стр. 1186

أهل اليمن وأخذ من كلامه أن الدية لا تكون إلا من هذه الأجناس الثلاثة، وهو كذلك على المشهور فلا تكون من البقر ولا من الغنم ولا من العروض. وعن ابن عباس ﵄ قال: «قتل رجل رجلا على عهد رسول الله ﷺ فجعل النبي ﷺ ديته اثني عشر ألفا» (١). (ودية العمد إذا قبلت) بأن حصل عفو عليها، أو تعذر القصاص لفقد المماثلة تكون مربعة من كل سن من الأسنان (خمس) وفي رواية خمسة (وعشرون حقة) وهي بنت أربع سنين (وخمس وعشرون جذعة) وهي بنت خمس سنين، (وخمس وعشرون بنت لبون) وهي بنت ثلاث سنين، (وخمس وعشرون بنت مخاض) وهي بنت سنتين لما رواه مالك في «الموطأ» عن ابن شهاب أنه: «أن ابن شهاب كان يقول: في دية العمد إذا قبلت خمس وعشرون بنت مخاض. وخمس وعشرون بنت لبون. وخمس وعشرون حقة وخمس وعشرون جذعة» (٢)، (ودية الخطإ مخمسة عشرون من كل ما ذكرنا) من الحقة والجذعة وبنت اللبون وبنت المخاض (و) يزاد على ذلك (عشرون بنو لبون ذكورا) لحديث ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: «دية الخطإ أخماسا عشرون حقة، وعشرون جذعة، وعشرون بنات لبون، وعشرون بنو لبون، وعشرون بنات مخاض» (٣)، وهو في السنن الأربعة بلفظ: «وعشرون ابن مخاض» (بدل بني لبون) (٤).

стр. 1187

فدية العمد ناقصة عن دية الخطإ بالنسبة إلى الأنواع، وإن كانت في العدد واحدة. (وإنما تغلظ الدية في الأب يرمي ابنه بحديدة) ونحوها غير قاصد بذلك قتله (فيقتله فلا يقتل به) لحرمة الأبوة، لأن رحمة الأبوة وشفقتها لا تتهم بالعمد في إزهاق فلذة الكبد، لما رواه مالك عن يحيى بن سعيد عن عمرو بن شعيب: «أن رجلا من بني مدلج يقال له قتادة، حذف ابنه بالسيف، فأصاب ساقه، فنزي في جرحه فمات، فقدم سراقة بن جعشم على عمر بن الخطاب، فذكر ذلك له، فقال له عمر: اعدد، على ماء قديد، عشرين ومائة بعير. حتى أقدم عليك. فلما قدم إليه عمر أخذ من تلك الإبل ثلاثين حقة، وثلاثين جذعة، وأربعين خلفة. ثم قال: أين أخو المقتول؟ قال: ها أنذا، فقال: خذها. فإن رسول الله ﷺ قال: ليس لقاتل شيء» (١).، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن قتادة بن عبد الله كانت له أمة ترعى غنمه فبعثها يوما ترعاها فقال له ابنه منها: حتى متى تستأمي أمي (٢)؟، والله لا تستأميها أكثر مما استأميتها، فأصاب عرقوبه فطعن في خاصرته فمات، قال: فذكر ذلك سراقة بن مالك بن جعشم لعمر ﵁ فذكر نحوه، وفي آخره وقال: «لولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يقاد والد بولد»، لقتلتك أو لضربت عنقك» (٣) أما إذا كان ثمت قرينة تدل على أنه أراد قتله حقيقة فإنه يقتل به على المشهور (٤). (و) اختلف فيمن تكون عليه الدية على أقوال مشهورها أنها (تكون عليه)؛ أي: على القاتل أبا أو غيره حالة غير مؤجلة، فإن كان له مال وقتئذ

стр. 1188

أخذت منه وإلا انتظر يسره (وهي ثلاثون جذعة، وثلاثون حقة، وأربعون خلفة) بكسر اللام المخففة وهي الحوامل وقوله: (في بطونها أولادها) تكرار زيادة في البيان (وقيل ذلك)؛ أي: الدية المغلظة (على عاقلته) قال ابن العربي: أي: على قبيلته التي تعقل عنه، والعقل الدية، لأن عمر قال لسراقة: أعدد لي مائة وعشرين بعيرا وليس هو بالأب القاتل (١)، وإنما هو سيد القوم فالظاهر أنه كلفه بذلك لأنه سيد العاقلة ولأنه قتل لا يعتبر عمدا لما كان على جهة الأدب فكانت ديته على العاقلة كقتل الخطأ (وقيل ذلك في ماله) إن كان له مال وإلا فعلى عاقلته. ولأنه بالعمد أشبه فلم تحمله العاقلة لأنه قد وجد فيه القصد. (و) أما (دية المرأة) الحرة المسلمة ف (على النصف من دية الرجل) الحر المسلم وذلك بالإجماع (٢)، قال ابن قدامة: قال ابن المنذر، وابن عبد البر: أجمع أهل العلم على أن دية المرأة نصف دية الرجل (٣). ولحديث معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «دية المرأة على النصف من دية الرجل» (٤)، وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «عقل المرأة مثل عقل الرجل حتى يبلغ الثلث من ديتها» (٥). واستدل مالك بما رواه في «الموطأ» عن يحيى بن سعيد عن ابن المسيب أنه كان يقول: «تعاقل المرأة الرجل إلى الثلث الدية»، وبما رواه عن ابن شهاب وبلغه عن عروة بن الزبير أنهما كانا يقولان مثل قول سعيد بن

стр. 1189

المسيب في المرأة: «أنها تعاقل الرجل إلى ثلث دية الرجل فإذا بلغت ثلث دية الرجل كانت إلى النصف من دية الرجل» (١). وروى البيهقي من طريق الشافعي ثم من رواية ابن شهاب ومكحول وعطاء قالوا: «أدركنا الناس على أن دية المسلم الحر على عهد النبي ﷺ مائة من الإبل فقوم عمر بن الخطاب ﵁ تلك الدية على أهل القرى ألف دينار أو اثني عشر ألف درهم، ودية الحرة المسلمة إذا كانت من أهل القرى خمسمائة دينار أو ستة آلاف درهم فإذا كان الذي أصابها من الأعراب فديتها خمسون من الإبل ودية الأعرابية إذا أصابها الأعرابي خمسون من الإبل لا يكلف الأعرابي الذهب ولا الورق» (٢). فديتها خمسون من الإبل مخمسة أو مربعة على حسب القتل في الخطإ والعمد فإن كانت مغلظة تكون مثلثة ستة عشر وثلثا بعير من كل جنس، ومن الذهب خمسمائة دينار، ومن الورق ستة آلاف درهم. (وكذلك دية الكتابيين) وهم اليهود والنصارى نصف دية رجال المسلمين لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: «عقل الكافر نصف دية المسلم» (٣) وفي رواية للأخير: «أن عقل أهل الكتابين نصف عقل المسلمين» وهم اليهود والنصارى، واستدل مالك في «الموطأ» بما بلغه عن عمر بن عبد العزيز أنه قضى أن دية اليهودي أو النصراني إذا قتل أحدهما على النصف دية الحر المسلم (٤)، (ونساؤهم على النصف من ذلك)؛ أي: من نصف دية رجالهم للأدلة السابقة فإنها عامة في كل امرأة وادعى بعضهم الإجماع على ذلك. (والمجوسي) وهو ما ليس بكتابي (ديته ثمانمائة درهم) إن كان من

стр. 1190

أهل الورق، وعلى هذه النسبة تكون ديته من الذهب والإبل فتكون على أهل الذهب ستة وستين دينارا وثلثي دينار وعلى أهل الإبل ستة أبعرة وثلثي بعير لحديث عقبة بن عامر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «دية المجوسي ثمانمائة درهم» رواه الشافعي والبيهقي وقال: الأشبه أن يكون موقوفا تفرد به أبو صالح كاتب الليث (١)، وقال الطحاوي: لا يعلم روي عن النبي ﷺ في دية المجوسي غير هذا الحديث الذي لا يثبته أهل الحديث لأجل ابن لهيعة ولا سيما من رواية عبد الله بن صالح عنه (٢)؛ وروى البيهقي من طريق ابن وهب ثم من حديث سعيد بن المسيب «أن عمر بن الخطاب ﵁ قضى في دية المجوسي بثمانمائة درهم» (٣)، وروى ابن وهب عن ابن شهاب «أن عليا وابن مسعود كانا يقولان في دية المجوسي ثمانمائة درهم» (٤)، (ونساؤهم)؛ أي: نساء المجوس للأدلة السابقة فإنها عامة في كل امرأة وادعى بعضهم الإجماع على ذلك. (على النصف من ذلك)؛ أي: على النصف من دية رجالهم لما قدمناه، ولما رواه ابن وهب عن عمر بن قيس عن عطاء عن عبيد بن عمير عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قضى في دية المجوسي بثمانمائة درهم (٥)، والمجوسية بأربعمائة درهم (ودية جراحهم كذلك)؛ أي: دية جراح نساء المجوس على

стр. 1191

النصف من دية رجالهم، وجمع النساء بالميم باعتبار الأشخاص. قياسا على ما سبق في الجميع وقد اختلف الشراح في معنى هذا وهل هو راجع إلى جميع المذكورين من أهل الكتاب والمجوس ونسائهم أو هو راجع إلى النساء المجوس فقط لأنهم أقرب مذكور، والصواب الأول لأنه مأخوذ من قول مالك في «الموطأ» (١): وجراح اليهودي والنصراني والمجوسي في دياتهم على حساب جراح المسلمين في دياتهم، أو من قول سحنون في «المدونة»: قلت لابن القاسم: كم ديات أهل الكتاب في قول مالك ودية نسائهم؟ قال: دية أهل الكتاب على النصف من دية المسلمين رجالهم على النصف من دية رجال المسلمين ونساؤهم على النصف من دية المسلمين، وأما المجوسي فإن دية رجالهم ثمانمائة درهم ودية نسائهم أربعمائة درهم، وجراحاتهم في دياتهم على قدر جراحات المسلمين من دياتهم، قال: وهذا كله قول مالك. اه (٢)، فلو وقف الشراح على هذا ما اختلفوا في فهم كلام المصنف هنا. • قال المصنف رحمه الله تعالى: (وفي اليدين الدية، وكذلك في الرجلين أو العينين، وفي كل واحدة منهما نصفها، وفي الأنف يقطع مارنه الدية، وفي السمع الدية، وفي العقل الدية وفي الصلب ينكسر الدية، وفي الأنثيين الدية، وفي الحشفة الدية، وفي اللسان الدية، وفيما منع منه الكلام الدية، وفي ثديي المرأة الدية، وفي عين الأعور الدية). الشرح قوله: (وفي اليدين)؛ أي: قطع مجموعهما (الدية) كاملة (وكذلك في) مجموع قطع (الرجلين) الدية كاملة لحديث مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه: أن في الكتاب الذي كتبه

стр. 1192

رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم في العقول «إن في النفس مائة من الإبل، وفي الأنف إذا أوعب جدعا مائة من الإبل، وفي المأمومة ثلث النفس وفي الجائفة مثلها، وفي العين خمسون، وفي اليد خمسون، وفي الرجل خمسون، وفي كل إصبع منها هنالك عشر من الإبل، وفي السن خمس، وفي الموضحة خمس» (١)، وما رواه البيهقي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: «قضى النبي ﷺ في اليد إذا قطعت نصف العقل، وفي الرجل نصف العقل» (٢)، (أو)؛ أي: وكذا في مجموع قلع (العينين) الدية كاملة لحديث أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ كتب إلى أهل اليمن فذكر الحديث … وفيه: «وفي الأنف إذا أوعب جدعه الدية، وفي العينين الدية، وفي اللسان الدية، وفي الشفتين الدية، وفي الذكر الدية، وفي البيضتين الدية، وفي الصلب الدية، وفي الرجل الواحدة نصف الدية، وفي المأمومة ثلث الدية، وفي الجائفة ثلث الدية، وفي المنقلة خمس عشرة من الإبل، وفي كل أصبع من أصابع اليد والرجل عشر من الإبل، وفي السن خمس من الإبل، وفي الموضحة خمس من الإبل، وإن الرجل يقتل بالمرأة وعلى أهل الذهب ألف دينار» (٣)، (وفي كل واحدة منهما)؛ أي: مما ذكر من

стр. 1193

اليدين والرجلين والعينين (نصفها)؛ أي: نصف الدية. للأحاديث السابقة، قال ابن عمر: هذا في الخطأ وأما في العمد، فإنه يقتص من الجاني. (وفي الأنف يقطع مارنه) وهو ما لان من الأنف (الدية) كاملة، لما روى عبد الرزاق في «مصنفه» (١)، أخبرنا ابن جريج عن ابن طاوس قال في الكتاب الذي عندهم عن النبي ﷺ في الأنف: «إذا قطع المارن مئة» (٢). وروى البيهقي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: «قضى رسول الله ﷺ في الأنف إذا جدع بالدية كاملة وإذا جدعت ثندوته فنصف العقل خمسون من الإبل أو عدلها من الذهب أو الورق» (٣)، وروى من طريق سعيد بن منصور عن علي ﵁ قال: «وفي الأنف الدية» (٤)، وإذا قطع بعض المارن بحسابه. (وفي) إبطال (السمع) من الأذنين (الدية) كاملة وفي إبطاله من أحدهما نصف الدية، ولو لم يكن يسمع إلا بها. لما رواه البيهقي عن معاذ بن جبل ﵁ أن النبي ﷺ قال: «وفي السمع مائة من الإبل» وإسناده ضعيف (٥)، وروى ابن أبي شيبة بسند ضعيف أيضا عن أبي المهلب عم أبي قلابة قال: «رمى رجل رجلا بحجر في رأسه في زمان عمر بن الخطاب فذهب سمعه وعقله ولسانه وذكره فلم يقرب النساء فقضى عمر فيها بأربع ديات وهو حي»، ورواه أيضا عبد الرزاق والبيهقي في «سننه» (٦).

стр. 1194

أما مالك فقال في «الموطأ»: «إنه بلغه أن في كل زوج من الإنسان - (كاليدين والرجلين والبيضتين والشفتين والعينين) - الدية كاملة، وإن في اللسان الدية كاملة، وإن في الأذنين إذا ذهب سمعهما الدية كاملة اصطلمتا أو لم تصطلما، وفي ذكر الرجل الدية كاملة، وفي الأنثيين الدية كاملة. اه» (١)، ولم يبين عمن بلغه ذلك ولعله يقصد عن علماء المدينة، فقد روى ابن وهب عن سعيد بن المسيب أنه قال: «وفي السمع إذا ذهب الدية تامة» (٢)، وروي أيضا عن ربيعة وأبي الزناد ومكحول ويحيى بن سعيد مثله، وورد ذلك أيضا عن الشعبي والنخعي وغيرهما كما ذكره البيهقي (٣). (وفي العقل) إذا أزاله بالضرب (الدية) للأثر السابق في السمع عن عمر ﵁، ولحديث معاذ بن جبل أن النبي ﷺ قال: «وفي العقل الدية مائة من الإبل» (٤)، وروى البيهقي عن زيد بن ثابت قال في الرجل يضرب حتى يذهب عقله: الدية كاملة (٥)، وروى ابن وهب عن عياض بن عبد الله الفهري أنه سمع زيد بن أسلم يقول: مضت السنة في أشياء من الإنسان في نفسه الدية وفي العقل إذا ذهب الدية (٦). وروى البيهقي عن الحسن أنه سئل عن رجل أفزع رجلا فذهب عقله قال: لو أدركه عمر ﵁ لضمنه الدية (٧). وإذا أزاله بقطع يديه ديتان دية له ودية لهما. (وفي الصلب ينكسر الدية) كاملة لما في حديث عمرو بن حزم السابق قريبا، ولما رواه ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب أن سعيد بن المسيب

стр. 1195

أخبره: «أن السنة مضت في العقل بأن في الصلب الدية» (١). (وفي الأنثيين الدية وفي الحشفة الدية) لما سبق في حديث عمرو بن حزم: «وفي البيضتين الدية، وفي الذكر الدية» (٢)، وروى ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب أن سعيد بن المسيب أخبره: «أن السنة مضت في العقل بأن في الذكر الدية، وفي الأنثيين الدية» (٣). وروي أيضا عن عياض بن عبد الله الفخري أنه سمع زيد بن أسلم يقول: «مضت السنة بأن في الذكر الدية» تقدم. (وفي الأنثيين الدية) لما روى سعيد بن منصور في سننه أنبأنا أبو عوانة عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي ﵁ أنه قال: «وفي الذكر الدية وفي إحدى البيضتين النصف» (٤)، وسيأتي حديث عبد الله بن عمر ﵁ وفي الحشفة قريبا فيما يمنع اللسان من الكلام، وفي قطعهما مع الذكر ديتان. (وفي) قطع الحشفة وحدها (الدية) كاملة لما تقدم. (وفي) قطع (اللسان الدية) كاملة (وفيما منع منه)؛ أي: من اللسان (الكلام الدية) كاملة؛ يعني أن من قطع من شخص بعض لسانه الناطق ومنع ذلك نطقه ففيه الدية كاملة لأنها للنطق لا للسان، لما سبق في حديث عمرو بن حزم أن النبي ﷺ كتب: «وفي اللسان الدية»، وروى ابن أبي شيبة في «مصنفه» ثنا وكيع عن ابن أبي ليلى عن عكرمة بن خالد عن رجل من آل عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ في اللسان: «الدية كاملة» (٥). وفي لسان الأخرس حكومة، ومعنى الحكومة: أن يقوم المجني عليه عبدا سالما بعشرة مثلا ثم يقوم بالجناية بتسعة، فالتفاوت بالعشر فيجب عشر الدية.
следующие страницы →