← Фикх малики

Фикх малики · id 30135

مسالك الجلالة في اختصار المناهل الزلالة

مختار بن العربي الجزائري

Полный текст (1 525 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

والمحاربة باللسان في باب الدين قد تكون أنكى من المحاربة باليد، وكذلك الإفساد قد يكون باليد وقد يكون باللسان، وما يفسده اللسان من الأديان قد يكون أعظم مما تفسده اليد، فثبت أن محاربة الله ورسوله باللسان أشد، والسعي في الأرض بالفساد باللسان أوكد. والقلم أحد اللسانين كما قال الحكماء، بل ربما كان القلم أشد من اللسان وأنكى، ولا سيما في عصرنا؛ لإمكان نشر ما يكتب على نطاق واسع. إلا أن المرتد محكوم عليه بالإعدام من الجماعة المسلمة؛ فهو محروم من ولائها وحبها ومعاونتها. فالله تعالى يقول: ﴿ومن يتولهم منكم فإنه منهم﴾ [المائدة: ٥١]، وهذا أشد من القتل الحسي عند ذوي العقول والضمائر من الناس. حكم تارك الصلاة المقر بوجوبها: (ومن لم يرتد) عن دين الإسلام وأقر بوجوب الصلاة وقال: لا أصلي الآن وأصلي بعد، أو قال: لا أصلي مطلقا (أخر حتى يمضي وقت صلاة واحدة)؛ أي: يكاد يمضي؛ أي: بحيث يبقى من الوقت الضروري ما يسع ركعة بسجدتيها غير معتبر فيها طمأنينة ولا اعتدال ولا قراءة فاتحة صونا للدماء ما أمكن، فإن قام للفعل فلا إشكال وإلا قتل بالسيف في الحال، وهو معنى قوله: (فإن لم يصلها قتل)؛ أي: في الحال. وإن هذه المسألة من مسائل العلم الكبرى، وقد تنازع فيها أهل العلم سلفا وخلفا، في تكفير تارك الصلاة، المؤمن بوجوبها المتهاون عن أدائها، وقد مر بعض الكلام عنها في الصلاة، وقد قال الإمام أحمد بن حنبل: «تارك الصلاة كافر كفرا مخرجا من الملة، يقتل إذا لم يتب ويصل» (١)، وذلك لحديث بريدة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة،

стр. 1227

فمن تركها: فقد كفر» (١). وقال ابن حزم: وقد جاء عن عمر وعبد الرحمن بن عوف ومعاذ بن جبل وأبي هريرة وغيرهم من الصحابة ﵃: أن من ترك صلاة فرض واحدة متعمدا حتى يخرج وقتها فهو كافر مرتد، ولا نعلم لهؤلاء من الصحابة مخالفا. انتهى (٢). وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: «فاسق ولا يكفر»، ثم اختلفوا فقال مالك والشافعي: «يقتل حدا» وقال أبو حنيفة: «يعزر ولا يقتل». ولكل من الفريقين أدلة استندوا إليها، ونظم ذلك أبو الحسن علي بن المفضل المقدسي في أبياته التي قالها في حكم تارك الصلاة: خسر الذي ترك الصلاة وخابا … وأبى معادا صالحا ومابا إن كان يجحدها فحسبك أنه … أمسى بربك كافرا مرتابا أو كان يتركها لنوع تكاسل … غطى على وجه الصواب حجابا فالشافعي ومالك رأيا له … إن لم يتب حد الحسام عقابا وأبو حنيفة قال يترك مرة … هملا ويحبس مرة إيجابا والظاهر المشهور من أقواله … تعزيره زجرا له وعقابا. إلى أن قال: والرأي عندي أن يؤدبه الإما … م بكل تأديب يراه صوابا ويكف عنه القتل طول حياته … حتى يلاقي في المآب حسابا فالأصل عصمته إلى أن يمتطي … إحدى الثلاث إلى الهلاك ركابا

стр. 1228

الكفر أو قتل المكافي عامدا … أو محصن طلب الزنا فأصابا (١) • حكم مانع الزكاة: (ومن امتنع من الزكاة أخذت منه كرها) بفتح الكاف؛ أي: قهرا وإن أدى ذلك إلى قتاله، وإذا مات فيكون دمه هدرا. وقد حذر الله من منع الزكاة في نصوص كثيرة، وتوعد على ذلك بالعذاب الشديد، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتلهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة﴾ [آل عمران: ١٨٠]. وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من كان عنده مال لم يؤد زكاته، مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع، له زبيبتان. يطلبه حتى يمكنه يقول: أنا كنزك» (٢). وقال ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله» (٣). وقال أبو بكر ﵁: «والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعه»، فقال عمر: «فوالله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال، فعرفت أنه الحق» (٤).

стр. 1229

ولذلك جاء حكم مانع الزكاة في السنة، فقال ﷺ عن الزكاة: «من أعطاها مؤتجرا - قال ابن العلاء: مؤتجرا بها - فله أجرها، ومن منعها فإنا آخذوها - بالقوة - وشطر ماله، عزمة من عزمات ربنا ، ليس لآل محمد منها شيء» (١). إذا: يجب على إمام المسلمين أو من يقوم مقامه أن يأخذ الزكاة من مانعها بالقوة ولو اضطر الإمام أو من ينوب لقتاله، بزيادة شطر ماله عقوبة على المنع، هذا هو الحكم الشرعي في مانع الزكاة. حكم تارك حج الفريضة: (ومن ترك الحج فالله حسبه)؛ أي: لا تتعرض له بقتل ولا بغيره إذ لعله لم تتوفر عنده شروط وجوب الحج في نفس الأمر ولو توفرت في الظاهر. (ومن ترك الصلاة) المفروضة (جحدا لها)؛ أي: لوجوبها (فهو كالمرتد يستتاب ثلاثا، فإن لم يتب قتل) كفرا لا حدا وحينئذ لا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين ولا توارث بينه وبين ورثته ومقر ماله بيت مال المسلمين. حكم من انتقص جناب النبي ﷺ -: (ومن سب رسول الله ﷺ ) بأن ذكر ما يدل على النقص (قتل حدا)؛ أي: إن تاب أو أنكر ما شهدت به عليه البينة ولا تفيد التوبة في سقوط الحد، ولذا قال المصنف: (ولا تقبل توبته)؛ أي: إنه يقتل، ولا بد ولا تنفعه التوبة لأنه حد وجب فلا تسقطه التوبة. أما إذا لم يتب كان قتله كفرا. وقد أجمع العلماء على أن من سب النبي ﷺ من المسلمين فهو كافر مرتد يجب قتله.

стр. 1230

قال ابن المنذر رحمه الله تعالى: «أجمع عامة أهل العلم على أن من سب النبي ﷺ عليه القتل (١)، وممن قال ذلك مالك والليث وأحمد وإسحاق وهو مذهب الشافعي» (٢) وقد دل على هذا الحكم الكتاب والسنة: أما الكتاب؛ فقول الله تعالى: ﴿يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزءوا إن الله مخرج ما تحذرون ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآيته ورسوله كنتم تستهزءون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم﴾ [التوبة: ٦٤ - ٦٦]. فهذه الآية نص في أن الاستهزاء بالله وبآياته وبرسوله كفر، فالسب بطريق الأولى، وقد دلت الآية أيضا على أن من تنقص رسول الله ﷺ فقد كفر، جادا أو هازلا. وأما السنة؛ فعن علي ﵁: «أن يهودية كانت تشتم النبي ﷺ وتقع فيه، فخنقها رجل حتى ماتت، فأبطل رسول الله ﷺ دمها» (٣). وهذا الحديث نص في جواز قتلها لأجل شتم النبي ﷺ . وعن ابن عباس أن رجلا أعمى كانت له أم ولد تشتم النبي ﷺ ، وتقع فيه، فينهاها فلا تنتهي، ويزجرها فلا تنزجر، فلما كانت ذات ليلة جعلت تقع في النبي ﷺ وتشتمه، فأخذ المغول [سيف قصير] فوضعه في بطنها واتكأ عليها فقتلها. فلما أصبح ذكر ذلك لرسول الله ﷺ فجمع الناس فقال: «أنشد الله رجلا فعل ما فعل لي عليه حق إلا قام». فقام الأعمى فقال: يا رسول الله، أنا صاحبها، كانت تشتمك وتقع فيك فأنهاها فلا تنتهي، وأزجرها فلا تنزجر، ولي منها ابنان مثل اللؤلؤتين، وكانت بي رفيقة، فلما كان البارحة جعلت تشتمك وتقع فيك، فأخذت المغول فوضعته في بطنها واتكأت عليها

стр. 1231

حتى قتلتها. فقال النبي ﷺ : «ألا اشهدوا أن دمها هدر» (١). والظاهر من هذه المرأة أنها كانت كتابية كافرة ولم تكن مسلمة، فإن المسلمة لا يمكن أن تقدم على هذا الأمر الشنيع. ولأنها لو كانت مسلمة لكانت مرتدة بذلك، وحينئذ لا يجوز لسيدها أن يمسكها ويكتفي بمجرد نهيها عن ذلك. وعن أبي برزة الأسلمي ﵁ قال: أغلظ رجل لأبي بكر الصديق ﵁، فقلت: أقتله؟ فانتهرني، وقال: «ليس هذا لأحد بعد رسول الله ﷺ » (٢). فعلم من هذا أن النبي ﷺ كان له أن يقتل من سبه ومن أغلظ له، وهو بعمومه يشمل المسلم والكافر. المسألة الثانية: إذا تاب من سب النبي ﷺ فهل تقبل توبته أم لا؟. اتفق العلماء على أنه إذا تاب توبة نصوحا، وندم على ما فعل، أن هذه التوبة تنفعه يوم القيامة، فيغفر الله تعالى له. واختلفوا في قبول توبته في الدنيا، وسقوط القتل عنه، فذهب مالك وأحمد إلى أنها لا تقبل، فيقتل ولو تاب. واستدلوا على ذلك بالسنة والنظر الصحيح: أما السنة فعن سعد بن أبي وقاص قال: لما كان يوم فتح مكة أمن رسول الله ﷺ الناس إلا أربعة نفر وامرأتين وسماهم وابن أبي سرح فذكر الحديث قال: وأما ابن أبي سرح فإنه اختبأ عند عثمان بن عفان، فلما دعا رسول الله ﷺ الناس إلى البيعة جاء به حتى أوقفه على رسول الله ﷺ فقال: يا نبي الله، بايع عبد الله. فرفع رأسه فنظر إليه ثلاثا كل ذلك يأبى، فبايعه بعد ثلاث، ثم أقبل على أصحابه فقال: أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حيث رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله؟ فقالوا: ما ندري يا رسول الله ما في نفسك، ألا أومأت إلينا بعينك؟

стр. 1232

قال: «إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين» (١). وهذا نص في أن مثل هذا المرتد الطاعن لا يجب قبول توبته، بل يجوز قتله وإن جاء تائبا. وكان عبد الله بن سعد من كتبة الوحي فارتد وزعم أنه يزيد في الوحي ما يشاء، وهذا كذب وافتراء على النبي ﷺ وهو من أنواع السب، ثم أسلم وحسن إسلامه، فرضي الله عنه. وأما النظر الصحيح: فقالوا: إن سب النبي ﷺ يتعلق به حقان؛ حق الله، وحق لآدمي، فأما حق الله فظاهر، وهو القدح في رسالته وكتابه ودينه. وأما حق الآدمي فظاهر أيضا فإنه أدخل المعرة على النبي ﷺ بهذا السب، وأناله بذلك غضاضة وعارا والعقوبة إذا تعلق بها حق الله وحق الآدمي لم تسقط بالتوبة، كعقوبة قاطع الطريق، فإنه إذا قتل تحتم قتله وصلبه، ثم لو تاب قبل القدرة عليه سقط حق الله من تحتم القتل والصلب، ولم يسقط حق الآدمي من القصاص، فكذلك هنا، إذا تاب الساب فقد سقط بتوبته حق الله تعالى، وبقي حق الرسول ﷺ لا يسقط بالتوبة. فإن قيل: ألا يمكن أن نعفو عنه، لأن النبي ﷺ قد عفا في حياته عن كثير ممن سبوه ولم يقتلهم؟ فالجواب: كان النبي ﷺ تارة يختار العفو عمن سبه، وربما أمر بقتله إذا رأى المصلحة في ذلك، والآن قد تعذر عفوه بموته، فبقي قتل الساب حقا محضا لله ولرسوله وللمؤمنين لم يعف عنه مستحقه، فيجب إقامته (٢). وخلاصة القول: أن سب النبي ﷺ من أعظم المحرمات، وهو كفر وردة عن الإسلام بإجماع العلماء، سواء فعل ذلك جادا أم هازلا. وأن فاعله يقتل ولو تاب، مسلما كان أم كافرا.

стр. 1233

ثم إن كان قد تاب توبة نصوحا، وندم على ما فعل، فإن هذه التوبة تنفعه يوم القيامة، فيغفر الله له (١). نسأل الله تعالى أن يعز أهل طاعته، ويذل أهل معصيته. (ومن سبه) ﷺ (من أهل الذمة بغير ما به كفر، أو سب الله ل بغير ما به كفر (قتل) (٢)، لأن الشرع أقره وأعطاه العهد ورفع عنه السيف على ما هو أصل في دينه الفاسد كاعتقاد كونه ليس بنبي، أو نبوته خاصة إلى العرب أو وصف الله تعالى بكونه ثالث ثلاثة أما ما ليس هو من أصل دينهم فإن الشرع لم يعطهم أمانا ولا عهدا عليه فمن صدر شيء منه قتل كما لو صدر من المسلم إلا أن يسلم) لورود الشرع بقبول توبة الكافر دون المسلم المرتد فقال تعالى في حق الكفار: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا فقد مضت سنت الأولين﴾ [الأنفال: ٣٨]؛ وقال النبي ﷺ في حق المرتد: «من بدل دينه فاقتلوه» (٣) (وميراث المرتد لجماعة المسلمين) فيوضع في بيت مالهم، لحديث أسامة بن زيد أن رسول الله ﷺ قال: «لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم» (٤).

стр. 1234

الحرابة وأحكامها قال المصنف رحمه الله تعالى: (والمحارب لا عفو فيه إذا ظفر به، فإن قتل أحدا فلا بد من قتله. وإن لم يقتل فيسع الإمام فيه اجتهاده بقدر جرمه، وكثرة مقامه في فساده، فإما قتله، أو صلبه ثم قتله، أو يقطعه من خلاف، أو ينفيه إلى بلد يسجن بها حتى يتوب. فإن لم يقدر عليه حتى جاء تائبا وضع عنه كل حق هو الله من ذلك وأخذ بحقوق الناس من مال أو دم. وكل واحد من اللصوص ضامن لجميع ما سلبوه من الأموال. وتقتل الجماعة بالواحد في الحرابة والغيلة وإن ولي القتل واحد منهم ويقتل المسلم بقتل الذمي قتل غيلة أو حرابة). الشرح الحرابة من الحرب التي هي نقيض السلم: يقال: حاربه محاربة، وحرابا، أو من الحرب بفتح الراء: وهو السلب. يقال: حرب فلانا ماله؛ أي: سلبه فهو محروب وحريب (١). والحرابة في الاصطلاح وتسمى قطع الطريق عند أكثر الفقهاء هي البروز لأخذ مال، أو لقتل، أو لإرعاب على سبيل المجاهرة مكابرة، اعتمادا على القوة مع البعد عن الغوث (٢). وزاد المالكية محاولة الاعتداء على العرض مغالبة. وجاء في «المدونة»: من كابر رجلا على ماله بسلاح أو غيره في زقاق

стр. 1235

أو دخل على حريمه في المصر حكم عليه بحكم الحرابة (١). • قال المصنف رحمه الله تعالى: (والمحارب لا عفو فيه إذا ظفر به)؛ أي: أخذ قبل توبته، لأنه حق الله تعالى (فإن قتل أحدا) ولو عبدا أو كافرا (فلا بد من قتله) ولو عفا عنه ولي المقتول لأنه حق الله تعالى لقوله ﷺ في الحديث الصحيح أيضا: «كتاب الله أحق، وشرط الله أوثق» (٢)، (وإن لم يقتل أحدا (فيسع)؛ أي: يبذل الإمام فيه اجتهاده بقدر جرمه)؛ أي: اكتسابه للمعاصي (وكثرة مقامه في فساده) فيفعل به الإمام ما يراه كافيا في ردعه، فإن كان ذا قوة فعل به أشد العقوبات الآتية وهو القطع من خلاف، وإن لم يكن كذلك فعل به أيسر العقوبات وهي النفي، ثم بين ما يبذل فيه الإمام اجتهاده فقال: (فأما قتله، أو صلبه ثم قتله، أو يقطعه من خلاف، أو ينفيه إلى بلد يسجن بها حتى يتوب) والأصل قوله تعالى: ﴿إنما جزاؤا الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم﴾ [المائدة: ٣٣، ٣٤]. ولحديث ابن عباس ﵁: «أن ناسا أغاروا على إبل النبي ﷺ ، فاستاقوها، وارتدوا عن الإسلام، وقتلوا راعي رسول الله ﷺ مؤمنا، فبعث في آثارهم، فأخذوا فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينهم»، قال: ونزلت فيهم آية المحاربة (٣). وحديث عائشة أن رسول الله ﷺ قال: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا

стр. 1236

بإحدى ثلاث خصال: زان محصن يرجم، أو رجل قتل رجلا متعمدا فيقتل، أو رجل يخرج من الإسلام يحارب الله ورسوله فيقتل أو يصلب أو ينفى من الأرض» (١). فهؤلاء الأعراب عملوا أعمالا شنيعة، دلت على فساد قلوبهم وخبث طويتهم. فقد ارتدوا عن الإسلام، وجزاء المرتد القتل، وقتلوا الراعي القائم بخدمتهم، وسملوا عينيه بغير حق. وسرقوا الإبل التي هي لعامة المسلمين، فهذا غلول وسرقة وخيانة. وحاربوا الله ورسوله، بقطع الطريق، لإفساد في الأرض، وكفروا نعمة الله تعالى وهي العافية - بعد المرض، والسمن بعد الهزال. فكانوا بهذا مستحقين لعذاب يقابل فعلهم ليردع من لم يدخل الإيمان قلبه من الجفاة. أما سجن المحارب بالبلد التي ينفى إليها فلئلا يقطع الطريق بها أيضا، وتحصل منه إذاية للناس فكان من اللائق حبسه حتى يموت. والقتل يكون على الوجه المعتاد بالسيف أو الرمح بوضعه في لبته، والصلب الربط على الجذع ويكون قائما غير منكس، ومعنى القطع من خلاف أن تقطع يده اليمنى ورجله اليسرى، فإن حارب بعد ذلك قطعت يده اليسرى ورجله اليمنى، فإن حارب بعد ذلك قتل. (فإن لم يقدر)؛ أي: لم يظهر (عليه حتى جاء) إلى الإمام (تائبا وضع عنه كل حق هو لله) تعالى (من ذلك)؛ أي: من عقوبات الحرابة وهي القتل وما ذكر معه في الآية لقوله تعالى: ﴿إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم﴾ [المائدة: ٣٤]. وأما حقوق الآدميين وحقوق الله في غير الحرابة كحد الزنى وشرب الخمر فلا يوضع عنه شيء منها، وإلى هذا أشار بقوله: (وأخذ بحقوق الناس) التي جناها في حال حرابته (من مال أو دم) لأن التوبة لا تأثير لها في حقوق الآدميين فيؤخذ منه المال إن وجد واتبع به إن أعدم. (وكل واحد من اللصوص ضامن لجميع ما سلبوه من الأموال) والمراد به المحارب وليس

стр. 1237

المراد به السارق وسواء قدر عليه في حال تلصصه أو جاء تائبا، وأما المجتمعون على السرقة فكل مخاطب بما أخذه خاصة. وقوله: (وتقتل الجماعة بالواحد في الحرابة والغيلة وإن ولي القتل واحد منهم) تكرار مع ما تقدم. (ويقتل المسلم بقتل الذمي) أو العبد إذا قتله قتل غيلة أو حرابة قبل أن يتوب. لأنه حق الله تعالى لا للذمي، وللعمل كما يفهم من قول مالك في «الموطأ»: «الأمر عندنا أن لا يقتل مسلم بكافر إلا أن يقتله مسلم قتل غيلة فيقتل به (١) وأما إن تاب بعد ما قتل فعليه دية الذمي وقيمة العبد ولا يقتل بهما. حد الزنا قال المصنف رحمه الله تعالى: (ومن زنى من حر محصن رجم حتى يموت، والإحصان أن يتزوج امرأة نكاحا صحيحا ويطأها وطئا صحيحا. فإن لم يحصن جلد مائة جلدة وغربه الإمام إلى بلد آخر وحبس فيه عاما. وعلى العبد في الزنا خمسون جلدة وكذلك الأمة وإن كانا متزوجين ولا تغريب عليهما ولا على امرأة. ولا يحد الزاني إلا باعتراف أو بحمل يظهر أو بشهادة أربعة رجال أحرار بالغين عدول يرونه كالمرود في المكحلة ويشهدون في وقت واحد وإن لم يتم أحدهم الصفة حد الثلاثة الذين أتموها). الشرح الزني: لفظه مقصور عند أهل الحجاز، ممدود عند أهل نجد. واصطلاحا: عرفوه بأنه وطء مكلف مسلم فرج آدمي.

стр. 1238

وحكمه: الحرمة. وعقوباته ثلاثة: رجم فقط، جلد مع تغريب، جلد فقط، وقد ثبت الرجم بالكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فالآية من المنسوخ لفظا الثابتة حكما كما قال سيدنا عمر ﵁: «فكان مما أنزل الله آية الرجم، فقرأناها وعقلناها ووعيناها، رجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، والرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء، إذا قامت البينة، أو كان الحبل أو الاعتراف» (١)، وإلى عقوبات الزنى أشار إلى الأولى بقوله: (ومن زنى من حر) مسلم مكلف ذكرا كان أو أنثى (محصن رجم حتى يموت) بحجارة معتدلة وليس بالعظيمة خشية التشويه، ولا بالصغيرة خشية التعذيب، ويتقى في حالة الضرب وجهه وفرجه ويضرب على ظهره أو بطنه. لحديث أبي هريرة وزيد بن خالد ﵄ قالا: «إن رجلا من الأعراب أتى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، أنشدك الله إلا قضيت لي بكتاب الله، فقال الخصم الآخر: وهو أفقه منه، نعم فاقض بيننا بكتاب الله، وأذن لي، فقال رسول الله ﷺ : قل، قال: إن ابني كان عسيفا على هذا، فزنى بامرأته، وإني أخبرت أن على ابني الرجم، فافتديت منه بمائة شاة، ووليدة، فسألت أهل العلم، فأخبروني أنما على ابني جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم، فقال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله، الوليدة والغنم رد، وعلى ابنك جلد مائة، وتغريب عام، اغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها»، قال: فغدا عليها، فاعترفت، فأمر بها رسول الله ﷺ ، فرجمت» (٢). وحديث الشعبي: «أن عليا ﵁ حين رجم المرأة ضربها يوم الخميس

стр. 1239

ورجمها يوم الجمعة وقال: «قد رجمتها بسنة رسول الله ﷺ » (١)، أي: بهديه الذي جاء به من عند الله تعالى، وحديث عبادة بن الصامت له قال: قال رسول الله ﷺ : «خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة، والرجم» (٢). وحديث جابر بن عبد الله به «أن رجلا زنى بامرأة، فأمر به النبي ﷺ ، فجلد الحد، ثم أخبر أنه محصن، فأمر به فرجم» (٣)، وتقدم حديث: «لا يحل دم امرئ مسلم، يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمارق من الدين التارك للجماعة» (٤). (والإحصان) لغة: العفة. والمحصن هو بفتح الصاد المهملة من الإحصان ويأتي بمعنى العفة، والتزويج، والإسلام، والحرية، لأن كلا منها يمنع المكلف من عمل الفاحشة، وقال الراغب: يقال للمتزوجة محصنة؛ أي: أن زوجها أحصنها، ويقال: امرأة محصن بالكسر إذا تصور حصنها من نفسها، وبالفتح إذا تصور حصنها من غيرها (٥)، والإحصان شرعا هو (أن يتزوج): الرجل العاقل البالغ (امرأة) مسلمة كانت أو كتابية حرة أو أمة بالغة أو غير بالغة ممن يوطأ مثلها (نكاحا صحيحا) احترازا من النكاح الفاسد فإنه لا يحصن اتفاقا، (ويطؤها وطأ صحيحا)؛ أي: مباحا فلو وطئ في حال الحيض فلا إحصان بهذا الوطء. (فإن لم يحصن) الحر المسلم المكلف (جلد مائة جلدة) لقوله تعالى: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾ [النور: ٢]، وللأحاديث السابقة قريبا (و) بعد أن يجلد (غربه الإمام إلى بلد

стр. 1240

آخر) على نحو ثلاث مراحل؛ أي: ثلاثة أيام (وحبس فيه عاما) فإن رجع قبل تمام العام أخرج إليه أو إلى محل آخر مثله في البعد، ليتحقق استيفاء مدة التغريب، ولأنه إن لم يسجن لذهب في البلاد كذا في «المدونة»، للأحاديث السابقة، وحديث زيد بن خالد الجهني ﵁ قال: «سمعت رسول الله ﷺ يأمر فيمن زنى ولم يحصن بجلد مائة وتغريب عام» رواه البخاري من طريق الزهري وزاد في آخره، قال ابن شهاب: وأخبرني عروة: «أن عمر ﵁ غرب ثم لم تزل تلك السنة» (١)، وحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال «فيمن زنى ولم يحصن ينفى عاما من المدينة مع إقامة الحد عليه» (٢). قال ابن شهاب: «وكان عمر ﵁ ينفي من المدينة إلى البصرة وإلى خيبر» (٣)، وحديث ابن عمر: «أن رسول الله ﷺ ضرب وغرب، وأن أبا بكر ضرب وغرب، وأن عمر ضرب وغرب» (٤). والحكمة في رجم المحصن وجلد غير المحصن، أن الأول قد تمت عليه النعمة بالزواج، فإقدامه على الزنا يعد دليلا على أن الشر متأصل في نفسه، وأن علاجه عن تركه صعب، وأنه ليس له عذر في الإقدام عليه وأما غير المحصن، فلعل داعي الشهوة غلبه على ذلك، فخفف عنه الحد، مراعاة لحاله وعذره. (وعلى العبد في الزنى خمسون جلدة) وفي بعض النسخ خمسين وهي

стр. 1241

على تقدير مضاف؛ أي: حد خمسين وكذلك الأمة عليها في الزنى خمسون جلدة، وكان الأولى أن يقدم الأمة على العبد لأنها التي ورد فيها النص قال الله تعالى: ﴿فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾ [النساء: ٢٥] والرجم لا يتبعض فانتقل الحكم إلى الجلد، ولحديث علي ﷺ قال: أرسلني رسول الله ﷺ إلى أمة له سوداء، زنت لأجلدها الحد، قال: فوجدتها في دمائها، فأتيت النبي ﷺ فأخبرته بذلك، فقال لي: «إذا تعالت من نفاسها فاجلدها خمسين» (١). وروى مالك في «الموطأ» عن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة المخزومي ﵁ قال: «أمرنا عمر بن الخطاب ﷺ فجلدنا ولائد من ولائد الإمارة خمسين خمسين في الزنا» (٢). ولا قائل بالفرق بين الأمة والعبد في هذا الحكم والعبد مقيس عليها من باب لا فارق. (وإن كانا متزوجين) لأن من شرط الإحصان الحرية ففارق الحر في ذلك (ولا تغريب عليهما) فالحكم في حقهما الجلد فقط، وإنما لا يغربان لحق سيدهما، والرق أحد ضوابط قاعدة: المشقة تجلب التيسير، (و) كذا (لا) تغريب (على المرأة) لأنها محتاجة إلى الحفظ والصيانة، ففي تغريبها تعريض لهتكها ومواقعة مثل الذي غربت من أجله، ولا بد لها إن غربت من محرم فيكون عقابا لغير مستحقه فسقط تغريبها. • الطرق التي تثبت بها الزنى: قال: (ولا يحد الزاني إلا باعتراف منه) فاعترافه بالزنى ولو مرة موجب للحد المشروع بالنسبة له من رجم أو جلد، لقول النبي ﷺ في الحديث السابق: «واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها» (٣)، ولأن النبي ﷺ لم يحد إلا بعد الاعتراف كما في قصة ماعز والغامدية وغيرهما (٤).

стр. 1242

(أو بحمل يظهر) ممن هي خالية من الزوج والسيد قال تعالى في شأن مريم: ﴿قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا﴾ [مريم: ٢٠]، أو بشهادة أربعة رجال أحرار (بالغين عدول يرونه)؛ أي: ذكر الزاني في فرجها (كالمرود) (بكسر الميم في المكحلة) بضم الميم والحاء وتقع منهم الشهادة (ويشهدون في وقت واحد)، وهو وقت أداء الشهادة، ولا بد من اتحاد الرؤيا؛ أي: أن الأربعة يجتمعون في النظر للذكر في الفرج. فلو اجتمعوا ونظر واحد بعد واحد فلا يكفي ذلك لاحتمال تعدد الوطء، والأفعال لا يضم بعضها إلى بعض. لحديث ابن عباس ﵄ قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: «لقد خشيت أن يطول بالناس زمان، حتى يقول قائل: لا نجد الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، ألا وإن الرجم حق على من زنى وقد أحصن، إذا قامت البينة، أو كان الحبل أو الاعتراف - قال سفيان: كذا حفظت - ألا وقد رجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده» (١). وحديث ابن عباس ﵄ أيضا قال: قال رسول الله ﷺ : «لو كنت راحما أحدا بغير بينة لرجمت فلانة. فقد ظهر منها الريبة في منطقها وهيئتها ومن يدخل عليها» (٢). وأما اشتراط كون البينة أربعة فبالإجماع لقوله تعالى: ﴿والتي يأتين الفاحشة من نسآبكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم﴾ [النساء: ١٥]، وقوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمنين جلدة﴾ [النور: ٤]، وقوله تعالى: ﴿لولا جاءو عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكذبون﴾ [النور: ١٣]. وحديث أبي هريرة ﵁ أن سعد بن عبادة ﵁ قال لرسول الله ﷺ أرأيت إن وجدت مع امرأتي رجلا، أأمهله حتى آتي بأربعة شهداء؟ فقال

стр. 1243

رسول الله ﷺ : «نعم» (١). وأما كونهم رجالا فلأن لفظ الأربعة في الآيات المذكورة يختص بالرجال دون النساء، ولأن الأربعة إذا كان بعضهم نساء لا يكتفي بهم بالإجماع، بل لا بد أن يكون بدل الرجل امرأتان فيصيرون خمسة وهو خلاف النص أيضا وأما كونهم أحرارا فلقوله تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ [البقرة: ٢٨٢] ورجالنا هم الأحرار لا المماليك الذين يغلبهم من يملكهم على كثير من أمورهم. وروى ابن وهب عن يونس بن يزيد عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب، عن عثمان ﵁: «أنه قضى في شهادة المملوك والصبي والمشرك أنها جائزة إذا شهد بها المملوك بعد عتقه، والصغير بعد كبره، والمشرك بعد إسلامه إلا أن يكونوا ردت عليهم قبل ذلك» (٢). وأما كونهم بالغين فلعدم تكليف الصبي وأما كونهم عدولا فلأن الفاسق لا يؤمن عليه الكذب، فالعدالة شرط في كل شهادة وخصوصا في مثل هذا الباب الذي يستدعي مزيد الاحتياط للظهور والدماء. وأما كونهم يرونه كالمرود في المكحلة فلحديث أبي هريرة ﵁ قال: «جاء الأسلمي نبي الله ﷺ ، فشهد على نفسه أنه أصاب امرأة حراما أربع مرات، كل ذلك يعرض عنه النبي ﷺ ، فأقبل في الخامسة، فقال: «أنكتها؟» قال: نعم، قال: «حتى غاب ذلك منك في ذلك منها؟» قال: نعم، قال: «كما يغيب المرود في المكحلة، والرشاء في البئر؟» قال: نعم، قال: «فهل تدري ما الزنا؟» قال: نعم، أتيت منها حراما ما يأتي الرجل من امرأته حلالا، قال: «فما تريد بهذا القول؟ قال: أريد أن تطهرني، فأمر به فرجم» (٣)، فإذا اعتبر هذا في إقرار المرء على نفسه فاعتباره في شهادة الغير عليه أولى.

стр. 1244

وأما شهادتهم في وقت واحد فلأن أبا بكرة ونافعا وشبل بن معبد شهدوا عند عمر على المغيرة بن شعبة بالزنا، ولم يشهد زياد، فحد الثلاثة (١) كما سيأتي ولو كان المجلس غير مشترط لم يجز أن يحدهم لجواز أن يكملوا الرابع في مجلس آخر، ولأنه لو شهد ثلاثة فحدهم ثم جاء رابع فشهد لم تقبل شهادته، ولولا اشتراط المجلس لكملت شهادتهم. قصة طريفة وقعت في عهد سيدنا سليمان عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأزكى السلام: وذلك ما أخرجه ابن عساكر في تاريخه أنه كان أربعة من أشراف بني إسرائيل راودوا امرأة جميلة من بني إسرائيل عن نفسها وكانت بارعة الجمال فمنعتهم، وحاولوا أن يصلوا إليها فامتنعت، فاتفقوا على أن يحتالوا عليها حيلة فيقتلونها، فجاؤوا وشهدوا عند داوود أن عندها كلبا علمته الزنا وأنها تزني مع كلبها وكان مثل هذا عند داوود يقتضي حكم الرجم فدعا داوود بالشهود فشهد الأربعة على أنها تزني بالكلب فرجمها داوود، قالوا: وكان سليمان إذا ذاك صغيرا فجمع سليمان الصبيان وجعل منهم شرطا قال: فلان وفلان جعلهم كالشرطين وأخذ قوما وجعلهم شهودا وجاؤوا يشهدون فقام وجعل رجلا كأنه امرأة وقالوا: نشهد أن هذا زنت مع كلبها ثم قال سليمان للسياف والذين جعلهم كالشرط: خذوا كل واحد منهم وفرقوهم وائتوني بهم واحدا واحدا، فجاؤوه بالأول وقال له: ما تقول في شهادتك؟ قال: أقول أنها زنت بكلبها. قال له: وما لون الكلب؟ قال: كان لون الكلب أحمر. ثم دعا بالثاني وقال: ما لون الكلب؟ قال: كان لون الكلب أسود، ثم دعا بالآخر فقال: أغبر، فاختلفت أقوالهم في لون الكلب فعلم أنهم كذبة فقال: اقتلوهم لأنهم قتلوها وسمع داوود الخبر فأرسل للشهود حالا وفرقهم وجاؤوه واحدا واحدا فسألهم واختلفوا في لون الكلب فعلم أنهم شهدوا عليها شهادة

стр. 1245

زور ليقتلوها حيلة فقتلهم قصاصا. هكذا قال والله أعلم. (١). والمهم العبرة منها. (وإن لم يتم أحدهم الصفة) بأن يقول: رأيته بين فخذيها ولا أدري ما وراء ذلك (حد الثلاثة الذين أتموها) حد القذف، ولا حد على الرابع، بل يعاقب باجتهاد الإمام ولو زاد على الحد. • قال المصنف رحمه الله تعالى: (ولا حد على من لم يحتلم. ويحد واطئ أمة والده. ولا يحد واطئ أمة ولده وتقوم عليه وإن لم تحمل. ويؤدب الشريك في الأمة يطؤها ويضمن قيمتها إن كان له مال فإن لم تحمل فالشريك بالخيار بين أن يتماسك أو تقوم عليه). الشرح (ولا حد على من لم يحتلم) لأنه غير مكلف فاعلا كان أو مفعولا، لحديث علي ﵁ مرفوعا: «رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل» (٢)، وإنما يؤدب؛ أي: يجب على من تولى أمور الناس أن يؤدبه لأجل إصلاح حاله. (ويحد واطئ أمة والده لعدم الشبهة في ماله (ولا يحد واطئ أمة ولده) لأن له شبهة في ماله (و) لكن (تقوم عليه) يوم وطئ لأنه فوتها عليه. (وإن لم تحمل) ولا يجوز للابن وطؤها بعد ذلك. ويجب على الأب بعد أن يغرم قيمتها وأن يستبرئها إن أراد الاستمرار على وطئها ليفرق بين ماء الشبهة والملك، وإنما يباح له وطؤها بعد الاستبراء.

стр. 1246

إذا لم يتقدم للابن وطء وإلا حرمت عليهما ولكن يغرم القيمة لابنه لأنه أتلفها عليه. (ويؤدب الشريك في الأمة يطؤها) ولو أذن له شريكه في وطئها لأن فرجها لا يباح بمجرد إذن شريكه مع بقائه على الشركة، وإنما لزم الأدب دون الحد لحديث عائشة بلفظ: «ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله؛ فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة» (١) وحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ادفعوا الحدود ما وجدتم له مدفعا» (٢)، ولوقوع الإجماع في درء الحدود بالشبهات (٣). (و) لكن (يضمن قيمتها)؛ أي: نصف قيمتها مثلا (إن كان له مال) إذا حملت وليس لشريكه التماسك بنصيبه، ويبقى على الشركة لثبوت حرمة الاستيلاد لها، وتكون له أم ولد، ولا قيمة عليه في الوطء لأنه كالواطئ لملكه. (فإن لم تحمل فالشريك) الذي لم يطأ (بالخيار بين أن يتماسك)

стр. 1247

بنصيبه منها ولا شيء له على الواطئ لا صداق ولا ما نقصها، (أو تقوم عليه)؛ أي: على الواطئ فإن كان موسرا أخذ منه شريكه ثمن نصيبه منها وإن كان معسرا اتبعه بالقيمة على ما يتفقان عليه من حلول أو تأجيل. قال المصنف رحمه الله تعالى: (وإن قالت امرأة بها حمل استكرهت لم تصدق وحدت إلا أن تعرف (١) بينة أنها احتملت حتى غاب عليها أو جاءت مستغيثة عند النازلة أو جاءت تدمي. والنصراني إذا غصب المسلمة في الزنا قتل. وإن رجع المقر بالزنا أقيل وترك. ويقيم الرجل على عبده وأمته حد الزنا إذا ظهر حمل أو قامت بينة غيره أربعة شهداء أو كان إقرار ولكن إن كان للأمة زوج حر أو عبد لغيره فلا يقيم الحد عليها إلا السلطان). الشرح متى تصدق المرأة إذا ظهر بها حمل؟: (وإن قالت امرأة) حرة غير طارئة لم يعلم لها زوج والحال أن (بها حمل) ظاهر (استكرهت عليه (لم تصدق) في دعواها الإكراه لأن الأصل الطوع حتى يثبت الإكراه، ولأن تصديقها ذريعة إلى كثرة الزني، لا سيما مع قلة دين النساء وخاصة في هذا الزمان وسواء كانت ممن يليق بها الإكراه أم لا وحدت إلا أن تظهر أمارة تدل على صدقها وهي أن تعرف بينة عادلة أنها احتملت حتى غاب عليها المكره وخلا بها أو جاءت مستغيثة عند النازلة)؛ أي: عقب الوطء لأن مجيئها صائحة قرينة غصبها (أو جاءت تدمى) إذا كانت بكرا ظاهر المصنف أن مجيئها بتلك الحالة مسقط للحد وليس

стр. 1248

كذلك، فلا يكفي في سقوط الحد عنها مجرد مجيئها تدمي، بل لا بد بعد تحقق الفعل من قرينة تدل على صدقها كمجيئها متعلقة بمن ادعت عليه، لقوله ﷺ : ﴿وضع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه﴾ (١)، وفي حديث ابن عباس بلفظ: «إن الله وضع عن أمتي» (٢)، وفي لفظ: «إن الله تجاوز لأمتي عن الخطأ والنسيان والأمر يكرهون عليه» (٣). حكم الكتابي إذا اغتصب امرأة مسلمة: (والنصراني) أو اليهودي (إن غصب المسلمة في الزنى قتل) إذا ثبت الغصب بأربعة شهداء لأنه بهذا الفعل ناقض للعهد وكل ناقض للعهد يحكم بقتله. شروط العهد بين المسلمين وأهل الكتاب: من المعلوم أن من شروط العهد بيننا وبين أهل الذمة، والحقوق الواجبة عليهم التي يجب أن يلتزموا بها في الدولة الإسلامية هي ما أورده الماوردي رحمه الله تعالى حيث قال: ١ - ألا يذكروا كتاب الله بطعن ولا تحريف.

стр. 1249

٢ - ألا يذكروا رسول الله ﷺ بتكذيب له ولا ازدراء. ٣ - ألا يذكروا دين الإسلام بذم أو قدح. ٤ - ألا يصيبوا مسلمة بزنى ولا باسم نكاح. ٥ - ألا يفتنوا مسلما عن دينه. ٦ - ألا يعينوا أهل الحرب، ولا يودوا أغنياءهم (١). رجوع الزاني عن الاعتراف لا يوجب عليه الحد: (وإن رجع المقر بالزنى أقيل وترك) لأن النبي ﷺ كان يعرض لماعز لعله يرجع عن الإقرار، ولأنه ورد من طرق متعددة في قصة أن ماعزا لما حرب (٢) فقال لهم: ردوني إلى رسول الله ﷺ قال لهم النبي ﷺ : «هلا تركتموه يتوب فيتوب الله عليه» (٣) وسواء رجع لشبهة أو لا، رجع في الحد أو قبله، وأما الهرب فإن كان في أثناء الحد فكالرجوع، وأما قبل فالحد لازم، وفرق بأن الهرب في أثناء الحد يدل على الرجوع لإذاقته العذاب بخلافه قبله، وحيث سقط الحد عنه لا يسقط عنه صداق المزني بها حيث كانت مكرهة. من الذي يقيم حد الزنا على العبد والأمة: (ويقيم الرجل على عبده وأمته حد الزنى) وحد القذف، وحد الشرب، ولا يقيم عليهما حد السرقة، لحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا زنت الأمة فتبين زناها فليجلدها ولا يثرب، ثم إن زنت فليجلدها، ولا يثرب، ثم إن زنت الثالثة، فليبعها ولو بحبل من شعر» (٤)، وحديث علي ﵁ قال:

стр. 1250

قال رسول الله ﷺ : «أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم» (١). ويشترط في إقامته الحد المذكور أحد أمور وهي: (إذا ظهر حمل) بالأمة أو أقامت بينة عليها أو على العبد بالزني (غيره)؛ أي: غير السيد وهو (أربعة شهداء أو كان إقرار) منهما على أنفسهما بذلك. ولما كان حكم الأمة المتزوجة بغير عبد السيد يخالف حكم غيرها خشي أن يتوهم دخولهما فيما تقدم استدرك على ذلك فقال: (ولكن إن كان للأمة زوج حر أو عبد لغيره)؛ أي: لغير السيد (فلا يقيم الحد عليها إلا السلطان)؛ أي: لحق الآخر من الزوجين إن كان حرا ولحق سيده إن كان رقا. وروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه ﵃ قال في الأمة: إذا كانت ليست بذات زوج فظهر منها فاحشة جلدت نصف ما على المحصنات من العذاب يجلدها سيدها فإن كانت من ذوات الأزواج رفع أمرها إلى الإمام (٢). اللواط • قال المصنف رحمه الله تعالى: (ومن عمل عمل قوم لوط بذكر بالغ أطاعه رجما أحصنا أو لم يحصنا). الشرح اللواط هو اقتراف فاحشة إتيان الذكران في أدبارهم والعياذ بالله، وقد سمى الله فعلهم بالفاحشة كما قال سبحانه على لسان لوط ﷺ : ﴿أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين﴾ [الأعراف: ٨٠]، و (أل) في الفاحشة للعهد.

стр. 1251

• قال المصنف رحمه الله تعالى: (ومن عمل عمل قوم لوط)؛ أي: من اقترف جريمة قوم لوط فقد جاء بابا من أكبر الجرائم، لأنها من أشد الفواحش المفسدة للخلق وللفطرة وللدين والدنيا، بل وللحياة نفسها، وقد عاقب الله فاعليها بأقسى عقوبة، فخسف الأرض بقوم لوط، وأمطر عليهم حجارة من سجيل جزاء فعلتهم القذرة، وجعل ذلك قرآنا يتلى إلى يوم الدين ليكون درسا للعباد، قال الله سبحانه: ﴿ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين وأمطرنا عليهم مطرا فانظر كيف كان عاقبة المجرمين﴾ [الأعراف: ٨٠ - ٨٤]، وقد أمر الرسول ﷺ بقتل فاعله ولعنه، فعن عكرمة، عن ابن عباس لما أن رسول الله ﷺ قال: «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط، فاقتلوا الفاعل، والمفعول به» (١). ولفظ النسائي: «لعن الله من عمل عمل قوم لوط، لعن الله من عمل عمل قوم لوط … ثلاثا» (٢). قال الشوكاني: «وما أحق مرتكب هذه الجريمة، ومقارفي هذه الرذيلة الذميمة بأن يعاقب عقوبة يصير بها عبرة للمعتبرين، ويعذب تعذيبا يكسر شهوة الفسقة المتمردين، فحقيق بمن أتى بفاحشة قوم ما سبقهم بها من أحد من العالمين، أن يصلى من العقوبة بما يكون من الشدة والشناعة مشابها لعقوبتهم، وقد خسف الله تعالى بهم، واستأصل بذلك العذاب بكرهم وثيبهم» (٣).

стр. 1252

وإنما شدد الإسلام في عقوبة هذه الجريمة لآثارها السيئة وأضرارها في الفرد والجماعة، ولذلك كانت عقوبة الفاعل والمفعول طوعا ما نص عليه المصنف بقوله: (ومن عمل قوم لوط بذكر بالغ أطاعه رجما أحصنا أو لم يحصنا) لفظ من عمل يشمل الحر والعبد والكافر، وعمل قوم لوط إتيان الذكور في أدبارهم، وسواء كان الذكر مملوكه أم لا. وخرج بالذكر الأنثى فإنه لا يرجم بذلك، لكن إن كانت ممن يحل له وطؤها عوقب عقوبة شديدة وإن كانت ممن لا يحل له وطؤها حد حد الزنى، ويشترط في رجم المفعول به أن يكون بالغا وهو شرط أيضا في رجم الفاعل. وأما لو كانا غير مكلفين فالأدب فقط. حد القذف • قال المصنف رحمه الله تعالى: (وعلى القاذف الحر الحد ثمانون وعلى العبد أربعون في القذف وخمسون في الزنا. والكافر يحد في القذف ثمانين. ولا حد على قاذف عبد أو كافر. ويحد قاذف الصبية بالزنا إن كان مثلها يوطأ. ولا يحد قاذف الصبي. ولا حد على من لم يبلغ في قذف ولا وطء. ومن نفى رجلا من نسبه فعليه الحد. وفي التعريض الحد. ومن قال لرجل: يا لوطي حد).

стр. 1253

الشرح القذف بالذال المعجمة، أصل القذف الرمي بالحجارة وغيرها. ومنه قول الله تعالى لأم موسى ﵇: ﴿أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم﴾ [طه: ٣٩]. وهو في الاصطلاح: ما يدل على الزنى أو اللواط أو النفي عن الأب أو الجد، وهو محرم بالكتاب، قال تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات﴾ [النور: ٤]، ومحرم بالسنة فإن النبي ﷺ جلد الذين خاضوا في الإفك. وله شروط في القاذف، وشروط في المقذوف. وبدأ بما يوجب القذف فقال: (وعلى القاذف الحر) البالغ مسلما كان أو كافرا ولو سكرانا أو أبا (ثمانين) جلدة، لقوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمنين جلدة﴾ [النور: ٤]. ولحديث عائشة ﵂ قالت: «لما نزل عذري قام رسول الله ﷺ على المنبر، فذكر ذلك وتلا القرآن، فلما نزل، أمر برجلين وامرأة فضربوا حدهم» (١). ولحديث ابن عباس ﵄: أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي ﷺ بشريك ابن سحماء، فقال النبي ﷺ : «البينة أو حد في ظهرك»، فقال: «يا رسول الله، إذا رأى أحدنا على امرأته رجلا، ينطلق يلتمس البينة؟ فجعل يقول: «البينة وإلا حد في ظهرك» فذكر حديث اللعان» (٢). (وعلى العبد)؛ يعني: جنسه الصادق بالذكر والأنثى مسلما كان أو كافرا (أربعين) جلدة في القذف، لحديث عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: «أدركت عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان والخلفاء هلم جرا»؛ أي: بعدهما (فما رأيت أحدا) منهم (جلد عبدا في فرية أكثر من أربعين) (٣).

стр. 1254

ولأنه حد يتبعض فكان العبد فيه على النصف من الحر كحد الزنا وخمسين في الزنا لما سبق فهو محض تكرار. قال ابن عمر: صوابه ثمانون وأربعون وخمسون، ووجه الرواية بالنصب على التمييز. (والكافر) الحر (يحد في القذف ثمانين) جلدة لعموم الآية، والتقييد بالحر لإخراج العبد، فإن عليه نصف ما على الحر. (ولا حد على قاذف عبد)؛ أي: جنسه الصادق بالذكر والأنثى لحديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت نبي التوبة ﷺ يقول: «أيما رجل قذف مملوكه وهو بريء مما قال، أقام عليه الحد يوم القيامة، إلا أن يكون كما قال». وفي رواية: «من قذف مملوكه بالزنا، يقام عليه الحد يوم القيامة، إلا أن يكون كما قال» (١)، ففيه دلالة على أنه لا يحد من قذف عبده لأن تعليق إيقاع الحد عليه يوم القيامة ظاهر في ذلك إذ لو وجب حده في الدنيا لم يجب عليه الحد يوم القيامة لأن الحدود كفارات لمن أقيمت عليه؛ ولأنه لو كان يجمع عليه بين الأمرين لكان الحر كذلك (أو كافر) لحديث ابن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من أشرك بالله، فليس بمحصن» (٢)، قال البيهقي: وكأن المراد بالإحصان في هذا الحديث إحصان القذف وإلا فابن عمر هو الراوي عن النبي ﷺ أنه رجم يهوديين زنيا (٣) وهو لا يخالف النبي ﷺ فيما يرويه عنه اه وحد القذف إنما هو على المحصن لقوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات﴾ (ويحد قاذف الصبية بالزنى إن كان مثلها يوطأ، ولا يحد قاذف

стр. 1255

الصبي بذلك؛ أي: بالزنى لأنه لا يلحقه العار بذلك إلا أن يكون قذفه بأنه فعل به لأنه يلحقه العار في هذا. (ولا حد على من لم يبلغ في قذف ولا) في (وطء) لارتفاع القلم عنه كما في حديث: «رفع القلم عن ثلاث … » تكرر مرارا. (ومن نفى رجلا) حرا مسلما؛ أي: أو امرأة كذلك ولو صغيرين أو مجنونين (من نسبه) من أبيه وإن علا مثل أن يقول له: لست بابن فلان (فعليه الحد) لأن المعرة التي تدخل على الإنسان في كونه ولد زنى أعظم من فعله الزنى، لأن معرة الزنى تزول بالتوبة ومعرة كونه ولد زنى لا تزول أبدا. ولأنه قذف أمه بالزنا فدخل في قوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات﴾ وللعمل حكاه مالك فقال: الأمر عندنا أنه إذا نفى رجل رجلا من أبيه فعليه الحد، وإن كانت أم الذي نفى مملوكة فإن عليه الحد اه (١). وروى وكيع قال: حدثنا المسعودي عن القاسم بن عبد الرحمن قال: قال عبد الله بن مسعود ﵁: «لا حد إلا في اثنين أن يقذف محصنة أو ينفي رجلا من أبيه» (٢). (وفي التعريض) وهو خلاف التصريح مثل أن يقول لشخص: ما أنا بزان وغرضه أن المخاطب زان وإنما عبر عنه بلفظ موضوع لضده؛ أي: لمنافيه (الحد) للقذف الملوح له بالتعريض. ولما رواه مالك في «الموطأ» عن عمرة بنت عبد الرحمن: «أن رجلين استبا في زمن عمر بن الخطاب ﵁ فقال أحدهما للآخر: والله ما أبي بزان ولا أمي بزانية، فاستشار في ذلك عمر بن الخطاب فقال قائل: مدح أباه وأمه، وقال آخرون: قد كان لأبيه وأمه مدح غير هذا نرى أن تجلده الحد فجلده عمر الحد ثمانين» (٣). وقال عبد الرزاق في «مصنفه»: عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: إن عمر

стр. 1256

كان يجلد الحد في التعريض بالفاحشة (١). وروى ابن وهب أخبرني سعيد بن أيوب عن عطاء عن عمرو بن دينار عن أبي صالح الغفاري أن عمرو بن العاص جلد رجلا الحد كاملا في أنه قال للآخر: يا ابن ذات الراية، وقال وكيع: ثنا غير واحد عن جابر عن طريف العكلي عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: من عرض عرضناه بالسوط. (و) كذا (من قال لرجل: يا لوطي حد) لأنه نسبه إلى فاحشة يلزم فاعلها الحد. • حكم تكرار الحدود وتداخلها: • قال المصنف رحمه الله تعالى: (ومن قذف جماعة فحد واحد يلزمه لمن قام به منهم ثم لا شيء عليه، ومن كرر شرب الخمر أو الزنا فحد واحد في ذلك كله وكذلك من قذف جماعة. ومن لزمته حدود وقتل، فالقتل يجزئ عن ذلك إلا في القذف فليحد قبل أن يقتل. ومن شرب خمرا أو نبيدا مسكرا حد ثمانين سكر أو لم يسكر. ولا سجن عليه. ويجرد المحدود ولا تجرد المرأة إلا مما يقيها الضرب ويجلدان قاعدين. ولا تحد حامل حتى تضع. ولا مريض مثقل حتى يبرأ. ولا يقتل واطي البهيمة وليعاقب).

стр. 1257

الشرح (ومن قذف جماعة) بكلمة واحدة (ف) عليه (حد واحد يلزمه لمن قام به منهم ثم) بعد ذلك لا شيء عليه؛ أي: لا حد عليه لمن قام منهم لأن الحد في القذف، إنما هو لأجل دفع المعرة عن المقذوف وتكذيب القاذف، فإذا حد القاذف فقد ارتفعت المعرة عن المقذوف وحصل الغرض المطلوب للشارع، وحينئذ لا يحتاج إلى تكرار الحد. ولأن النبي ﷺ «حد من قذف عائشة لها حدا واحدا مع أنه قذفها والذي اتهم بها (١)، وكذلك قال لهلال بن أمية حين رمى امرأته بشريك: البينة أو حد في ظهرك» (٢) ولم يقل حدان مع أنه رمى المرأة وشريكا، وكذلك حد عمر الله الثلاثة الذين شهدوا على المغيرة حدا واحدا مع أنهم رموه ورموا المرأة التي زنى بها، ولأن الله تعالى قال: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمنين جلدة﴾ [النور: ٤]، ولم يفرق بين واحد أو جماعة ولأنها جناية توجب الحد فإذا تكررت كفى حد واحد كما لو سرق من جماعة أو زنى بنساء أو شرب أنواعا من المسكر. إن يتعدد سبب والموجب … لهن واحد كفى لهن موجب ومن كرر شرب الخمر أو كرر (الزنى ف) يلزمه (حد واحد في ذلك كله) لأن الحدود إذا كان جنسها واحدا تداخلت بمعنى اكتفي بإحداها كالأحداث إذا تكررت كان الواجب في جميعها طهرا واحدا، وانظر إلى ما قاله القرافي في «الفروق» (٣). وقد حكى ابن المنذر الإجماع على هذا فقال: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم منهم عطاء والزهري ومالك وأبو حنيفة وإسحاق وأبو ثور وأبو يوسف والشافعي على أن ما يوجب الحد من الزنا والسرقة والقذف وشرب الخمر إذا تكرر قبل إقامة الحد أجزأ عنه حد واحد اه.

стр. 1258

لكن الخلاف موجود حكاه ابن حزم في المحلى وهو مذهب الظاهرية (١). (وكذلك من قذف جماعة) عليه حد واحد لا يقال: إن هذا تكرار مع ما تقدم لأنا نقول: ما تقدم كان قذفه لجماعة مرة واحدة، وهذا تكرر منه القذف. (ومن لزمته حدود وقتل) مثل أن يزني ويشرب الخمر ويسرق ويقتل مسلما (فالقتل يجزئ عن ذلك) كله ولا يحد وقد روي عن ابن مسعود ﷺ قال: «ما كانت حدود فيها قتل إلا أحاط القتل بذلك كله» (٢). (إلا في) اجتماع (القذف) مع القتل (فليحد) للقذف (قبل أن يقتل) لنفي المعرة عن المقذوف. • الخمر وحد شاربها: للخمر في اللغة ثلاثة معان: ١ - الستر والتغطية، ومنه: اختمرت المرأة إذا غطت رأسها ووجهها بالخمار. ٢ - والمخالطة: ومنه قول كثير عزة: هنيئا مريئا غير داء مخامر (٣) ٣ - والإدراك، ومنه قولهم: خمرت العجين (٤) وهو أن تتركه حتى يبلغ وقت إدراكه. فمن هذه المعاني الثلاثة أخذ اسم الخمرة، لأنها تغطي العقل وتستره، ولأنها تخالط العقل، ولأنها تترك حتى تدرك وتستوي.

стр. 1259

وتعريفها - شرعا: أنها اسم لكل ما خامر العقل وغطاه من أي نوع من الأشربة لحديث: عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: «كل مسكر حرام وكل مسكر خمر» (١) والخمر محرمة بالكتاب، والسنة، وإجماع الأمة. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون﴾ [المائدة: ٩٠] فقرنه مع عبادة الأصنام التي هي الشرك الأكبر بالله تعالى. وأما السنة: فأحاديث كثيرة منها حديث ابن عمر ﵄ مرفوعا: «كل مسكر خمر، وكل خمر حرام» (٢) وأجمعت الأمة على تحريمها، وإن اختلفوا فيما يقع عليه اسم الخمر. حكمة تحريمها التشريعية: لا يحتمل المقام هنا ذكر ما ذكره العلماء وأهل الاختصاص من المفاسد التي تجرها وتسببها ويكفيك قوله تعالى: ﴿إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون﴾ [المائدة: ٩١] فذكر أنه سبب في كل شر، وعائق عن كل خير. فعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «اجتنبوا الخمر فإنها مفتاح كل شر» (٣)؛ وقال عثمان ﵁: «اجتنبوا الخمر فإنها أم الخبائث» (٤)، فجعلها أما وأساسا لكل شر وخبث، ولو لم يكن فيها إلا ذهاب العقل لكفى سببا للتحريم فكيف يشرب المرء تلك الآثمة التي تزيل عقله، فيكون بحال يضحك منها الصبيان، ويتصرف تصرف المجانين، فداء هذا بعض أمراضه، كيف يرضاه عاقل لنفسه؟!

стр. 1260

• حد شارب الخمر: (ومن شرب خمرا) وهو ما دخلته الشدة المطربة من ماء العنب بحيث صار شأنه الإسكار أسكر بالفعل أم لا (أو) شرب (نبيذا) وهو ما يجعل في الماء من التمر أو الزبيب وقوله: (مسكرا) صفة لنبيذ لا لخمر لأن الإجماع على أن شارب الخمر يحد سكر أم لم يسكر (حد ثمانين) جلدة بعد صحوه إن ثبت عليه ذلك بإقرار، أو بشهادة شاهدين على الاستعمال أو الشم ممن يعرفها لحديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ أتى برجل قد شرب الخمر فجلد بجريدتين نحو أربعين قال: وفعله أبو بكر فلما كان عمر استشار الناس فقال عبد الرحمن بن عوف ﵁: «أخف الحدود ثمانون فأمر به عمر» (١). وكان بمحضر الصحابة ﵃ فصار إجماعا. ولحديث السائب بن يزيد ﵁ قال: «كنا نؤتى بالشارب في عهد رسول الله ﷺ وفي إمرة أبي بكر وصدرا من إمرة عمر فنقوم إليه نضربه بأيدينا ونعالنا وأرديتنا، حتى كان صدرا من إمرة عمر فجلد فيها أربعين، حتى إذا عتوا فيها وفسقوا جلد ثمانين» (٢). وأما كون النبيذ المسكر له حكم الخمر فلحديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام، ومن شرب الخمر في الدنيا فمات وهو يدمنها لم يتب، لم يشربها في الآخرة» (٣)، وقوله: (وسكر أو لم يسكر) إشارة إلى الرد على المخالف القائل بأنه إنما يحد في النبيذ إذا سكر لحديث معاوية ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من شرب الخمر فاجلدوه» (٤)، مع قول النبي ﷺ : «كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام» وقوله

стр. 1261

أيضا كما في حديث جابر ﵁ به مرفوعا: «ما أسكر كثيره، فقليله حرام» (١)، فدل على أن اسم الخمر واقع على القليل والكثير وأن التحريم شامل للمسكر وغيره. (ولا سجن عليه)؛ أي: على من شرب الخمر أو النبيذ المسكر وإن كثر ذلك منه؛ «لأنه لم يرد عن النبي ولا عن أحد من أصحابه أنهم سجنوا فيه، اللهم إلا ما كان من سعد بن أبي وقاص أنه سجن أبا محجن» (٢). (ويجرد المحدود) الذكر من كل شيء إلا ما يستر عورته، إلا أن هذا مخالف لقول ابن مسعود له: «ليس في ديننا مد ولا قيد ولا تجريد». (ولا تجرد المرأة إلا مما يقيها من الضرب) كالفرو لأن الغرض الانزجار عن مثل ما ارتكبه، وعند التألم بالضرب يظن الانزجار عن المعاصي ويندب أن تجعل في قفة، ويجعل تحتها شيء من تراب ويبل بالماء لأجل الستر، «ولأن النبي أمر بالجهنية، فشدت عليها ثيابها» (٣). (ويجلدان قاعدين) على الحال. (ولا تحد حامل حتى تضع) وتجد من يقوم بحال الطفل لحديث بريدة: أن النبي الله جاءته امرأة من غامد من الأزد فقالت: يا رسول الله طهرني فقال: «ويحك ارجعي فاستغفري الله وتوبي إليه» فقالت: أراك تريد أن ترددني كما رددت ماعز بن مالك، قال: «وما ذاك؟» قالت: إنها حبلى من الزنى، فقال: «أأنت؟» قالت: نعم، فقال لها: «حتى تضعي ما في بطنك»، قال: فكفلها رجل

стр. 1262

من الأنصار حتى وضعت، قال: فأتى النبي ﷺ ، فقال: «قد وضعت الغامدية»، فقال: «إذا لا نرجمها وندع ولدها صغيرا ليس له من يرضعه»، فقام رجل من الأنصار، فقال: إلي رضاعه يا نبي الله، قال: «فرجمها» (١). وحديث عمران بن حصين أن امرأة من جهينة أتت رسول الله ﷺ وهي حبلى من الزنا فقالت: يا رسول الله أصبت حدا فأقمه علي فدعا النبي ﷺ وليها فقال: «أحسن إليها، فإذا وضعت فأتني بها»، ففعل، فأمر بها نبي الله ﷺ ، فشكت عليها ثيابها، ثم أمر بها فرجمت، ثم صلى عليها، فقال له عمر: تصلي عليها يا نبي الله وقد زنت؟ فقال: «لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت توبة أفضل من أن جادت بنفسها لله تعالى؟» (٢). إنها رحمة الله للعالمين، فلئن كان للمخطئ ذنب فلا ذنب للآخرين، ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ [فاطر: ١٨]. (و) كذا (لا) يحد (مريض مثقل) بفتح القاف المشددة؛ أي: اشتد مرضه (حتى يبرأ) لخوف التلف إذا جلد. لحديث علي ﷺ قال: إن أمة لرسول الله ﷺ زنت فأمرني أن أجلدها فأتيتها فإذا هي حديثة عهد بنفاس فخشيت إن أجلدها أن أقتلها فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: «أحسنت» وزاد في الحديث: «اتركها حتى تماثل» (٣). (تماثل)؛ أي: تقارب البرء والأصل تتماثل]. (ولا يقتل واطئ البهيمة) لضعف الحديث الوارد بقتله من حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «من وجدتموه وقع على بهيمة فاقتلوه، واقتلوا البهيمة» (٤) وعن ابن عباس أنه قال: «من أتى بهيمة فلا حد عليه» وهذا أصح من الحديث الأول. اه.

стр. 1263

قال ابن ناجي: لولا قوله: (وليعاقب) لاحتمل أن يفهم منه أنه يحد حد البكر، ولكن قوله وليعاقب قرينة دالة على أن المراد بقوله ولا يقتل أنه لا حد عليه، وإنما كان عليه العقاب بما يراه الإمام لارتكابه أمرا محرما. • حد السرقة: • قال المصنف رحمه الله تعالى: (ومن سرق ربع دينار ذهبا أو ما قيمته يوم السرقة ثلاثة دراهم من العروض أو وزن ثلاثة دراهم فضة قطع، إذا سرق من حرز. ولا قطع في الخلسة. ويقطع في ذلك يد الرجل والمرأة والعبد. ثم إن سرق قطعت رجله من خلاف، ثم إن سرق فيده ثم إن سرق فرجله. ثم إن سرق جلد وسجن. ومن أقر بسرقة قطع. وإن رجع أقيل. وغرم السرقة إن كانت معه وإلا اتبع بها. ومن أخذ في الحرز لم يقطع حتى يخرج السرقة من الحرز وكذلك الكفن من القبر. ومن سرق من بيت أذن له في دخوله لم يقطع ولا يقطع المختلس. وإقرار العبد فيما يلزمه في بدنه من حد أو قطع يلزمه وما كان في رقبته فلا إقرار له. ولا قطع في ثمر معلق، ولا في الجمار في النخل، ولا في الغنم

стр. 1264

الراعية حتى تسرق من مراحها، وكذلك التمر من الأندر. ولا يشفع لمن بلغ الإمام في السرقة والزنا واختلف في ذلك في القذف. ومن سرق من الكم قطع ومن سرق من الهري وبيت المال والمغنم فليقطع وقيل: إن سرق فوق حقه من المغنم بثلاثة دراهم قطع. ويتبع السارق إذا قطع بقيمة ما فات من السرقة في ملائه ولا يتبع في عدمه ويتبع في عدمه بما لا يقطع فيه من السرقة). الشرح السرقة: سرق الشيء يسرقه سرقا وسرقا واسترقه الأخيرة عن ابن الأعرابي وأنشد: بعتكها زانية أو تسترق … إن الخبيث للخبيث يتفق اللام هنا بمعنى مع والاسم السرق والسرقة بكسر الراء فيهما وربما قالوا: سرقه مالا وفي المثل سرق السارق فانتحر والسرق مصدر فعل السارق (١). واصطلاحا: قال ابن عرفة: «أخذ مكلف حرا لا يعقل لصغره أو مالا محترما لغيره نصابا أخرجه من حرزه بقصد واحد خفية لا شبهة له فيه» (٢). • قال المصنف رحمه الله تعالى: (ومن سرق) بفتح الراء من المكلفين الذكور أو الإناث الأحرار أو الأرقاء مسلمين وغيرهم ربع دينار ذهبا ولا يلتفت إلى كونه يساوي ثلاثة دراهم (أو) سرق (ما قيمته يوم السرقة) لا يوم الحكم (ثلاثة دراهم من العروض) أو سرق (وزن ثلاثة دراهم فضة) خالصة ولا التفات إلى كونها تساوي ربع دينار (قطع)؛ أي: قطعت يده، والأصل في ذلك قوله تعالى:

стр. 1265

﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم﴾ [المائدة: ٣٨]، ولحديث ابن عمر ﵁: «أن النبي ﷺ قطع في مجن ثمنه ثلاثة دراهم» (١) وفي لفظ بعضهم: «قيمته ثلاثة دراهم» (٢). وحديث عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ يقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدا» (٣). وكان ربع دينار يومئذ ثلاثة دراهم والدينار اثنا عشر درهما. والمجن: هو الترس لأنه يواري حامله؛ أي: يستره، والميم زائدة ويجمع على مجان، وإنما كانت زائدة لأنه من الجنة والسترة، ذكره في (النهاية) (٤). (إذا سرق من حرز) وهو ما لا يعد الواضع فيه مضيعا عرفا، وإن كان يختلف باختلاف الأشخاص والأموال فرب مكان يكون حرزا بالنسبة إلى شخص وغير حرز بالنسبة لآخر، أو يكون حرزا بالنسبة لمتاع ولا يكون حرزا بالنسبة إلى متاع آخر. لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول الله ﷺ أنه سئل عن الثمر المعلق فقال: «من أصاب بفيه من ذي حاجة غير متخة خبنة فلا شيء عليه، ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة، ومن سرق منه شيئا بعد أن يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع … » (٥)، وورد اعتبار الحرز عن جماعة من الصحابة منهم عمر وعثمان وعلي وابن عمر وأبو الدرداء وغيرهم ﵃.
следующие страницы →