← Фикх малики

Фикх малики · id 30135

مسالك الجلالة في اختصار المناهل الزلالة

مختار بن العربي الجزائري

Полный текст (1 525 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

أيضا كما في حديث جابر ﵁ به مرفوعا: «ما أسكر كثيره، فقليله حرام» (١)، فدل على أن اسم الخمر واقع على القليل والكثير وأن التحريم شامل للمسكر وغيره. (ولا سجن عليه)؛ أي: على من شرب الخمر أو النبيذ المسكر وإن كثر ذلك منه؛ «لأنه لم يرد عن النبي ولا عن أحد من أصحابه أنهم سجنوا فيه، اللهم إلا ما كان من سعد بن أبي وقاص أنه سجن أبا محجن» (٢). (ويجرد المحدود) الذكر من كل شيء إلا ما يستر عورته، إلا أن هذا مخالف لقول ابن مسعود له: «ليس في ديننا مد ولا قيد ولا تجريد». (ولا تجرد المرأة إلا مما يقيها من الضرب) كالفرو لأن الغرض الانزجار عن مثل ما ارتكبه، وعند التألم بالضرب يظن الانزجار عن المعاصي ويندب أن تجعل في قفة، ويجعل تحتها شيء من تراب ويبل بالماء لأجل الستر، «ولأن النبي أمر بالجهنية، فشدت عليها ثيابها» (٣). (ويجلدان قاعدين) على الحال. (ولا تحد حامل حتى تضع) وتجد من يقوم بحال الطفل لحديث بريدة: أن النبي الله جاءته امرأة من غامد من الأزد فقالت: يا رسول الله طهرني فقال: «ويحك ارجعي فاستغفري الله وتوبي إليه» فقالت: أراك تريد أن ترددني كما رددت ماعز بن مالك، قال: «وما ذاك؟» قالت: إنها حبلى من الزنى، فقال: «أأنت؟» قالت: نعم، فقال لها: «حتى تضعي ما في بطنك»، قال: فكفلها رجل

стр. 1262

من الأنصار حتى وضعت، قال: فأتى النبي ﷺ ، فقال: «قد وضعت الغامدية»، فقال: «إذا لا نرجمها وندع ولدها صغيرا ليس له من يرضعه»، فقام رجل من الأنصار، فقال: إلي رضاعه يا نبي الله، قال: «فرجمها» (١). وحديث عمران بن حصين أن امرأة من جهينة أتت رسول الله ﷺ وهي حبلى من الزنا فقالت: يا رسول الله أصبت حدا فأقمه علي فدعا النبي ﷺ وليها فقال: «أحسن إليها، فإذا وضعت فأتني بها»، ففعل، فأمر بها نبي الله ﷺ ، فشكت عليها ثيابها، ثم أمر بها فرجمت، ثم صلى عليها، فقال له عمر: تصلي عليها يا نبي الله وقد زنت؟ فقال: «لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت توبة أفضل من أن جادت بنفسها لله تعالى؟» (٢). إنها رحمة الله للعالمين، فلئن كان للمخطئ ذنب فلا ذنب للآخرين، ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ [فاطر: ١٨]. (و) كذا (لا) يحد (مريض مثقل) بفتح القاف المشددة؛ أي: اشتد مرضه (حتى يبرأ) لخوف التلف إذا جلد. لحديث علي ﷺ قال: إن أمة لرسول الله ﷺ زنت فأمرني أن أجلدها فأتيتها فإذا هي حديثة عهد بنفاس فخشيت إن أجلدها أن أقتلها فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: «أحسنت» وزاد في الحديث: «اتركها حتى تماثل» (٣). (تماثل)؛ أي: تقارب البرء والأصل تتماثل]. (ولا يقتل واطئ البهيمة) لضعف الحديث الوارد بقتله من حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «من وجدتموه وقع على بهيمة فاقتلوه، واقتلوا البهيمة» (٤) وعن ابن عباس أنه قال: «من أتى بهيمة فلا حد عليه» وهذا أصح من الحديث الأول. اه.

стр. 1263

قال ابن ناجي: لولا قوله: (وليعاقب) لاحتمل أن يفهم منه أنه يحد حد البكر، ولكن قوله وليعاقب قرينة دالة على أن المراد بقوله ولا يقتل أنه لا حد عليه، وإنما كان عليه العقاب بما يراه الإمام لارتكابه أمرا محرما. • حد السرقة: • قال المصنف رحمه الله تعالى: (ومن سرق ربع دينار ذهبا أو ما قيمته يوم السرقة ثلاثة دراهم من العروض أو وزن ثلاثة دراهم فضة قطع، إذا سرق من حرز. ولا قطع في الخلسة. ويقطع في ذلك يد الرجل والمرأة والعبد. ثم إن سرق قطعت رجله من خلاف، ثم إن سرق فيده ثم إن سرق فرجله. ثم إن سرق جلد وسجن. ومن أقر بسرقة قطع. وإن رجع أقيل. وغرم السرقة إن كانت معه وإلا اتبع بها. ومن أخذ في الحرز لم يقطع حتى يخرج السرقة من الحرز وكذلك الكفن من القبر. ومن سرق من بيت أذن له في دخوله لم يقطع ولا يقطع المختلس. وإقرار العبد فيما يلزمه في بدنه من حد أو قطع يلزمه وما كان في رقبته فلا إقرار له. ولا قطع في ثمر معلق، ولا في الجمار في النخل، ولا في الغنم

стр. 1264

الراعية حتى تسرق من مراحها، وكذلك التمر من الأندر. ولا يشفع لمن بلغ الإمام في السرقة والزنا واختلف في ذلك في القذف. ومن سرق من الكم قطع ومن سرق من الهري وبيت المال والمغنم فليقطع وقيل: إن سرق فوق حقه من المغنم بثلاثة دراهم قطع. ويتبع السارق إذا قطع بقيمة ما فات من السرقة في ملائه ولا يتبع في عدمه ويتبع في عدمه بما لا يقطع فيه من السرقة). الشرح السرقة: سرق الشيء يسرقه سرقا وسرقا واسترقه الأخيرة عن ابن الأعرابي وأنشد: بعتكها زانية أو تسترق … إن الخبيث للخبيث يتفق اللام هنا بمعنى مع والاسم السرق والسرقة بكسر الراء فيهما وربما قالوا: سرقه مالا وفي المثل سرق السارق فانتحر والسرق مصدر فعل السارق (١). واصطلاحا: قال ابن عرفة: «أخذ مكلف حرا لا يعقل لصغره أو مالا محترما لغيره نصابا أخرجه من حرزه بقصد واحد خفية لا شبهة له فيه» (٢). • قال المصنف رحمه الله تعالى: (ومن سرق) بفتح الراء من المكلفين الذكور أو الإناث الأحرار أو الأرقاء مسلمين وغيرهم ربع دينار ذهبا ولا يلتفت إلى كونه يساوي ثلاثة دراهم (أو) سرق (ما قيمته يوم السرقة) لا يوم الحكم (ثلاثة دراهم من العروض) أو سرق (وزن ثلاثة دراهم فضة) خالصة ولا التفات إلى كونها تساوي ربع دينار (قطع)؛ أي: قطعت يده، والأصل في ذلك قوله تعالى:

стр. 1265

﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم﴾ [المائدة: ٣٨]، ولحديث ابن عمر ﵁: «أن النبي ﷺ قطع في مجن ثمنه ثلاثة دراهم» (١) وفي لفظ بعضهم: «قيمته ثلاثة دراهم» (٢). وحديث عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ يقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدا» (٣). وكان ربع دينار يومئذ ثلاثة دراهم والدينار اثنا عشر درهما. والمجن: هو الترس لأنه يواري حامله؛ أي: يستره، والميم زائدة ويجمع على مجان، وإنما كانت زائدة لأنه من الجنة والسترة، ذكره في (النهاية) (٤). (إذا سرق من حرز) وهو ما لا يعد الواضع فيه مضيعا عرفا، وإن كان يختلف باختلاف الأشخاص والأموال فرب مكان يكون حرزا بالنسبة إلى شخص وغير حرز بالنسبة لآخر، أو يكون حرزا بالنسبة لمتاع ولا يكون حرزا بالنسبة إلى متاع آخر. لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول الله ﷺ أنه سئل عن الثمر المعلق فقال: «من أصاب بفيه من ذي حاجة غير متخة خبنة فلا شيء عليه، ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة، ومن سرق منه شيئا بعد أن يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع … » (٥)، وورد اعتبار الحرز عن جماعة من الصحابة منهم عمر وعثمان وعلي وابن عمر وأبو الدرداء وغيرهم ﵃.

стр. 1266

وقال ابن المنذر: لم يخالف فيه إلا شرذمة قليلة فهو كالإجماع كذا. (ولا قطع في الخلسة) بضم الخاء وهي أخذ المال ظاهرا غفلة؛ أي: أخذا ظاهرا لا خفية، لحديث جابر عن النبي ﷺ قال: «ليس على خائن، ولا منتهب، ولا مختلس قطع» (١). (ويقطع في ذلك)؛ أي: في سرقة ما ذكر (يد الرجل والعبد والمرأة) للآية والسنة الثابتة في قطع يد المخزومية (٢) وغيرها (والعبد) لعموم الآية. ولأنه لا يتبعض فلو لم يقطع لسقط الحد بخلاف الرجم فإنه وإن كان لا يتبعض فإن له بدلا وهو الجلد فلا يسقط معه الحد. ولأن عمل الصحابة ﵃ جرى على قطع العبد، واحتج بعضهم بعموم الآية مع علمهم باختصاص العبد بأحكامه في الحدود، فدل على أنه في السرقة كالحر، قال ابن رشد «وبدرء الحد قال عمر وابن مسعود ولا مخالف لهما من الصحابة» (٣) وروى مالك والشافعي عنه عن نافع أن عبدا لعبد الله بن عمر ﵄ سرق وهو آبق فأرسل به عبد الله بن عمر إلى سعيد بن العاص وهو أمير المدينة ليقطع يده فأبي سعيد أن يقطع يده وقال: لا تقطع يد الأبق السارق إذا سرق. فقال له عبد الله بن عمر: «في كتاب الله وجدت هذا؟ ثم أمر به عبد الله بن عمر فقطعت يده» (٤). واختلف العلماء في حقيقة اليد التي تقطع على أقوال وأصحها، ما ذهب إليه الجمهور، بل نقل فيه الإجماع (٥) من أنها الكف التي تبتدئ من

стр. 1267

الكوع، فالآية الكريمة ذكرت قطع اليد، واليد عند الإطلاق هي الكف فقط، ومع هذا فقد بينتها السنة، فإن الله تعالى قال: ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم﴾ [المائدة: ٦] والنبي ﷺ مسح على كفيه فقط (١)، بل جاء في بعض الآثار وفيها ضعف كما عند البيهقي عن عمر ﵁ «أنه كان يقطع السارق من المفصل»، وقال: قد سلف مرفوعا في الديات وأنه ضعيف (٢). ثم إن الجمهور ذهبوا إلى أن أول ما يقطع اليد اليمنى (٣)، وبه قرأ ابن مسعود (فاقطعوا أيمانهما) (٤)، (ثم إن سرق) ثانيا بعد أن قطعت يده اليمنى (قطعت رجله من خلاف بأن يكون القطع لرجله اليسرى، ثم إن سرق) ثالثا، (ف) تقطع (يده) اليسرى، ثم إن سرق رابعا (ف) تقطع (رجله) اليمنى. وموضع القطع في اليدين من الكوع وفي الرجلين من مفصل الكعبين. لحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إذا سرق السارق فاقطعوا يده فإن عاد فاقطعوا رجله فإن عاد فاقطعوا يده فإن عاد فاقطعوا رجله» (٥)، لكن السنة الصحيحة قد أثبتت قطع الرجل اليسرى في السرقة، وقام الإجماع على ذلك (٦). وحديث عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه أن أبا بكر ﵁ أراد أن يقطع رجلا بعد اليد والرجل فقال عمر ﵁: «السنة اليد» (٧)، وروى مالك في «الموطأ» عنه أيضا أن رجلا من أهل اليمن أقطع اليد والرجل قدم على أبي

стр. 1268

بكر الصديق ﵁ فشكا إليه أن عامل اليمن قد ظلمه، فكان يصلي من الليل، فيقول أبو بكر ﵁: «وأبيك ما ليلك بليل سارق»، ثم إنهم فقدوا عقدا لأسماء بنت عميس امرأة أبي بكر الصديق ﵁ فجعل الرجل يطوف معهم ويقول: اللهم عليك بمن بيت (١) أهل هذا البيت الصالح، فوجدوا الحلي عند صائغ زعم أن الأقطع جاءه به، فاعترف به الأقطع، أو شهد عليه به، فأمر به أبو بكر الصديق ﵁ فقطعت يده اليسرى وقال أبو بكر ﵁: «الدعاؤه على نفسه أشد عندي عليه من سرقته» (٢). (ثم إن سرق) في الخامسة (جلد وسجن) ولعل الحبس لظهور توبته أو موته. (ومن أقر بسرقة قطع) ويكفي في الإقرار مرة واحدة. لما سبق من أن إقرار المرء على نفسه أقوى شيء في الثبوت وإقامة الحجة وعلى ذلك كان يقيم النبي ﷺ الحدود، ولحديث أبي أمية المخزومي أن رسول الله ﷺ أتى بلص فاعترف اعترافا ولم يوجد معه المتاع فقال له رسول الله ﷺ : «ما إخالك سرقت»، قال: بلى، فأعاد عليه مرتين أو ثلاثا، فأمر به فقطع، وجيء به، فقال: «استغفر الله وتب إليه» فقال: أستغفر الله وأتوب إليه، فقال: «اللهم تب عليه ثلاثا» (٣). وحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ أتى بسارق قد سرق شملة فقالوا: يا رسول الله إن هذا قد سرق فقال رسول الله ﷺ : «ما إخاله سرق» فقال السارق: بلى يا رسول الله فقال: «اذهبوا به فاقطعوه ثم احسموه ثم ائتوني به» فذهبوا به فقطعوه ثم حسموه ثم أتوه به، فقال: «تب إلى الله»، فقال: قد تبت إلى الله، قال: «اللهم تب عليه» (٤).

стр. 1269

(وإن رجع) عن إقراره بالسرقة لشبهة أو غيرها، مثال الشبهة أن يقول: أخذت مالي المودع فظننت ذلك سرقة، ومثال غير الشبهة أن يقول مثلا: أنا كذبت في إقراري (أقيل) من القطع؛ أي: ترك لما رواه أبو أمية المخزومي أن النبي ﷺ أتي بلص اعترف، ولم يوجد معه متاع. فقال له رسول الله ﷺ : «ما إخالك سرقت؟» قال: بلى، مرتين أو ثلاثا (١). وقال عطاء: «كان من مضى، يؤتى إليهم بالسارق، فيقول: أسرقت؟ قل: لا. وسمى أبا بكر وعمر ﵄» (٢). عن إبراهيم قال: «أتي أبو مسعود الأنصاري بامرأة سرقت جملا فقال: أسرقت؟ قولي لا» (٣). وعن عمر ﵁: «أنه أتي برجل سرق فسأله: أسرقت؟ قل: لا، فقال: لا فتركه» (٤). (وغرم السرقة)؛ أي: قيمتها (إن كانت) القيمة (معه وإلا أتبع بها) في ذمته إلى ملائه لأنها حق آدمي لا يسقط إلا بعفو صاحبه، أو الوفاء به، ما لم يكن السارق مزمن الإعسار (٥). (ومن أخذ في الحرز لم يقطع حتى يخرج السرقة من الحرز) سواء كان الإخراج بنفسه، أو رماه إلى خارج، أو أخرجه على ظهر دابته، أو كانوا

стр. 1270

جماعة فرفعوه على رأس أحدهم أو ظهره فخرج به، وسواء بقوا هم في الحرز، أو خرجوا معه، ففي كل ذلك القطع. أما إذا لم يخرجها من الحرز أو أتلفها فيه ثم أخرجها فلا قطع (١). (وكذلك الكفن لا يقطع سارقه حتى يخرجه من القبر) إذا كان يساوي ربع دينار لأن القبر حرز له. (ومن سرق من بيت أذن له في دخوله لم يقطع) لأنه ليس بسارق، وإنما هو خائن والخائن لا قطع عليه، والأصل ما في حديث جابر به أن النبي ﷺ قال: «ليس على خائن، ولا منتهب - وهو من أخذ المال عيانا قوة وغلبة -، ولا مختلس قطع» (٢). قوله: (ولا يقطع المختلس) تكرار وهو ساقط في بعض النسخ. (وإقرار العبد فيما يلزمه) في بدنه من حد، أو قطع، كإقراره بشرب أو قذف أو زنى؛ أي: من كل أمر يوجب العقوبة عليه في جسده لزمه ما أقر به. وإن أنكر ذلك سيده كما في التتائي لأنه لا يتهم أن يوقع على نفسه هذا. (و) أما إقراره في (ما كان في رقبته)؛ أي: فيما يوجب أخذه فيه كما إذا أقر بقطعه يد حر (فلا إقرار له) لأنه يتهم بحب انتقاله لمن أقر له. (ولا قطع في ثمر) معلق على رؤوس الشجر هذا في المعلق في البستان. لحديث رافع بن خديج ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا قطع في ثمر، ولا كثر» (٣) والكثر: الجمار. ولحديث عمرو بن شعيب الآتي، وأما ما كان من الثمر في الدور أو البيوت فإن سارقه يقطع لأنه من حرز.

стр. 1271

(ولا) قطع (في الجمار) وهو قلب النخل حال كونه (في النخل، ولا) قطع (في الغنم الراعية) في حال رعيها سواء كان معها راع أم لا (حتى تسرق من مراحها) بضم الميم وفتحها موضع مقيلها التي تساق إليه عقب الرواح من المرعى. (وكذلك التمر) المقطوع لا قطع فيه حتى يسرق (من الأندر) وهو الجرين سواء كان قريبا أو بعيدا من البلد (١). لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده له قال: سمعت رجلا من مزينة يسأل رسول الله ﷺ عن الحريسة التي توجد في مراتعها قال: «فيها ثمنها مرتين، وضرب نكال، وما أخذ من عطنه (٢) ففيه القطع إذا بلغ ما يؤخذ من ذلك ثمن المجن» قال: يا رسول الله فالثمار وما أخذ منها في أكمامها قال: «من أخذ بفمه ولم يتخذ خبنة (٣) فليس عليه شيء، ومن احتمل فعليه ثمنه مرتين وضرب نكال، ومن أخذ من أجرانه (٤) ففيه القطع إذا بلغ ما يؤخذ من ذلك ثمن المجن» (٥). (ولا يشفع لمن بلغ الإمام في السرقة والزنى) والخمر لأنه إذا بلغ الإمام تعلق به حق الله فلا يجوز للإمام العفو عنه ولا طلبه منه، ففي حديث عائشة ﵂ لنت في قصة المخزومية التي كانت تستعير المتاع وتجحده أن النبي ﷺ قال لأسامة بن زيد ﵄: «أتشفع في حد من حدود الله … » الحديث (٦)،

стр. 1272

ولحديث ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: «من حالت شفاعته دون حد من حدود الله، فقد ضاد الله، ومن خاصم في باطل وهو يعلمه، لم يزل في سخط الله حتى ينزع عنه» (١). وعن صفوان بن أمية ﵁ أن رجلا سرق برده فرفعه إلى النبي ﷺ : «فأمر بقطعه، فقال: يا رسول الله، قد تجاوزت عنه، قال: فلولا كان هذا قبل أن تأتيني به يا أبا وهب، فقطعه رسول الله ﷺ » (٢). ولحديث الزبير بن العوام ﵁ أنه لقي رجلا قد أخذ سارقا يريد أن يذهب به إلى السلطان فشفع له الزبير ليرسله فقال: لا حتى أبلغ به السلطان. فقال الزبير: «إنما الشفاعة قبل أن يبلغ السلطان، فإذا بلغ السلطان فلعن الله الشافع والمشفع» (٣)، وفي رواية الدارقطني وقال: «فإذا بلغ السلطان فلا أعفاه الله إن أعفاه» (٤). قال ابن عبد البر ﵀: «لا أعلم خلافا أن الشفاعة في ذوي الذنوب حسنة جميلة، ما لم تبلغ السلطان وأن عليه إذا بلغته إقامتها» (٥). وإن تاب الزاني والسارق يدل على عدم جواز العفو حديث ماعز والغامدية. (واختلف في ذلك)؛ أي: في الشفاعة بعد بلوغ الإمام (في القذف) فقال مالك مرة: يجوز بناء على أن القذف حق للمقذوف، ومرة قال: لا يجوز بناء على أنه حق الله تعالى. وأما قبل بلوغ الإمام فيجوز على المعتمد. (ومن سرق من الكم) ونحوه كالجيب والعمامة والحزام (قطع) لأن الإنسان حرز لما عليه.

стр. 1273

(ومن سرق من الهري) وهو بيت يجعله السلطان للمتاع والطعام (و) من (بيت المال) وهو بيت يجعله السلطان للعين الذهب والفضة بمثابة وزارة المالية والخزانة العامة (و) من (المغنم)؛ أي: بعد حوزه (فليقطع) في ذلك كله، وقيل: إن سرق فوق حقه من المغنم بثلاثة دراهم قطع (ويتبع السارق إذا قطع بقيمة ما فات من السرقة)؛ أي: يؤخذ منه قيمتها (في) حال (ملائه) وأما إذا كان المسروق باقيا لم يفت فإن صاحبه يأخذه بعد القطع لأن القطع ليس عوضا عنه. (ولا يتبع) السارق بما فات (في) حال (عدمه) المراد أنه لو أعسر جزء من الزمن الذي بين سرقته وقطعه لسقط عنه لئلا يجتمع عليه عقوبتان (ويتبع) السارق (في عدمه بما)؛ أي: بالشيء الذي لا يقطع فيه من (السرقة) بأن كان دون النصاب.

стр. 1274

باب في الأقضية والشهادات والصلح والفلس والقسم • قال المصنف رحمه الله تعالى: (والبينة على المدعي واليمين على من أنكر ولا يمين حتى تثبت الخلطة أو الظنة كذلك قضى حكام أهل المدينة، وقد قال عمر بن عبد العزيز تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور. وإذا نكل المدعى عليه لم يقض للطالب حتى يحلف فيما يدعي فيه معرفة، واليمين بالله الذي لا إله إلا هو، ويحلف قائما وعند منبر الرسول ﷺ في ربع دينار فأكثر وفي غير المدينة يحلف في ذلك في الجامع وموضع يعظم منه. ويحلف الكافر بالله حيث يعظم. وإذا وجد الطالب بينة بعد يمين المطلوب لم يكن علم بها قضي له بها وإن كان علم بها فلا تقبل منه وقد قيل: تقبل منه. ويقضى بشاهد ويمين في الأموال، ولا يقضى بذلك في نكاح أو طلاق أو حد ولا في دم عمد أو نفس إلا مع القسامة في النفس وقد قيل: يقضى بذلك في الجراح). الشرح الأقضية: جمع قضاء ويستعمل لغة: بمعنى الحكم، والفراغ، والهلاك، والأداء، والإنهاء، والمضي، والصنع، والتقدير. واصطلاحا: ما قال ابن رشد: القضاء الإخبار عن حكم شرعي على سبيل الإلزام، وهو من فروض الكفاية؛ أي: عند تعدد من يقوم به لما فيه من

стр. 1275

المصالح التي لا بد منها (١). وقد يعرض له الوجوب العيني كما إذا انفرد إنسان بشروطه، وخاف ضياع الحق على أربابه أو نفسه إن لم يتول القضاء، وقد تعرض له الحرمة ككونه جاهلا أو قاصدا به تحصيل الدنيا، أو جائرا، والحكم بالعدل من أفضل أعمال البر، والجور في الأحكام من أعظم الذنوب وأكبر الكبائر، قال تعالى: ﴿وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا﴾ [الجن: ١٥]. ومن شروطه الاجتهاد، فلا تصح ولاية مقلد مع وجود مجتهد. وبدأ المصنف بحديث صحيح فقال: (والبينة على المدعي واليمين على من أنكر) كما قال النبي ﷺ (٢)، فعن ابن أبي مليكة قال: كتب إلي ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: «لو أن الناس أعطوا بدعواهم ادعى ناس من الناس دماء ناس وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه». - وفي رواية: «كتبت إلى ابن عباس فكتب إلي أن النبي ﷺ قضى أن اليمين على المدعى عليه» (٣). ومن حديثه أيضا بلفظ: «لكن اليمين على المدعى عليه»؛ قال في «فتح الباري»: اتفقوا على أنها لا تجب لمجرد دعوى الأولياء حتى تقرن بها شبهة يغلب على الظن الحكم بها (٤). قال بعض الشيوخ: المدعي هو الذي يقول: كان، والمدعى عليه هو الذي يقول: لم يكن. وجعلت البينة على المدعي لأن جانبه أضعف من أجل أنه يريد أن يثبت، وجعلت اليمين على من أنكر لأنه أقوى جانبا من أجل أنه يدعي الأصل إذ الأصل براءة الذمة.

стр. 1276

قال ابن دقيق العيد: «الحديث دليل على أنه لا يجوز الحكم إلا بالقانون الشرعي، الذي رتب، وإن غلب على الظن صدق المدعي» (١). (ولا يمين)؛ أي: ولا يقضى بيمين (حتى يثبت الخلطة أو الظنة) بكسر الظاء التهمة، وتثبت الخلطة بإقرار المدعى عليه أو بشهادة عدلين أو عدل واحد ويحلف المدعي معه، والظنة إنما تكون في حق السارق والغاصب، فالخلطة في المعاملات، والظنة لأهل الغصوبات. (وكذلك قضى حكام أهل المدينة) وإجماع أهل المدينة ﵃ حجة، فيخصص به الحديث؛ أي: قوله ﷺ : «البينة على المدعي واليمين على من أنكر»؛ أي: فإن ظاهر الحديث أن اليمين متوجهة مطلقا، فيخصص بأن يكون بينهما خلطة. فقد روى مالك في «الموطأ» (٢) عن حميد بن عبد الرحمن المؤذن أنه كان يحضر عمر بن عبد العزيز وهو يقضي بين الناس فإذا جاءه الرجل يدعي على الرجل حقا نظر فإن كانت بينهما مخالطة أو ملابسة أحلف الذي ادعى عليه، وإن لم يكن شيء من ذلك لم يحلفه؛ قال مالك: وعلى ذلك الأمر عندنا أنه من ادعى على رجل بدعوى نظر، فإن كانت بينهما مخالطة أو ملابسة أحلف المدعى عليه فإن حلف بطل ذلك الحق عنه، وإن أبى أن يحلف ورد اليمين على المدعي فحلف طالب الحق أخذ حقه. اه. وإن ذلك من الأقضية المحدثة بقدر ما أحدث الناس من الفجور، وأكد ذلك بقوله: (وقد قال عمر بن عبد العزيز ﵁: تحدث للناس أقضية)؛ أي: أحكام مستنبطة بحسب الاجتهاد مما ليس فيه نص (بقدر ما أحدثوا من الفجور) ولا يخفى أن عمر بن عبد العزيز من الأئمة المقتدى بهم قولا وفعلا (٣)، ولا يعارض هذا بقوله: وترك كل ما أحدثه المحدثون، لأن ذلك فيما لم يستند إلى كتاب ولا سنة ولا إجماع.

стр. 1277

(وإذا نكل المدعى عليه) بأن قال: لا أحلف مثلا (لم يقض)؛ أي: لم يحكم (للطالب) وهو المدعي بمجرد نكول المدعى عليه (حتى يحلف) الطالب (فيما يدعي فيه معرفة)؛ أي: علما بصفة الشيء المدعى فيه وقدره، وهذا في دعوى التحقيق، قال ابن رجب: «كل عين لم يدعها صاحب اليد، فمن جاء فوصفها بأوصافها الخفية فهي له». وأما دعوى التهمة كأن يتهم شخصا بسرقة مال، فإنه لا يحلف الطالب بل يغرم المدعى عليه بمجرد نكوله ولا ترد على المدعي إلا في دعوى التحقيق. (واليمين) في الحقوق كلها (بالله)؛ أي يقول: والله ﴿الذي لا إله إلا هو﴾ ولا يزيد على ذلك ولا ينقص عنه وهذا عام في جميع الناس المسلم والكتابي؛ لحديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال لرجل حلفه: «احلف بالله الذي لا إله إلا هو، ما له عندك شيء»؛ يعني: للمدعي (١). وقيل: لا يزاد على الكتابي الذي لا إله إلا هو، بل يقول: والله فقط. (ويحلف قائما) تغليظا عليه، فلو حلف جالسا لم يجز بناء على أن التغليظ واجب وهو المعتمد. (وعند منبره ﷺ في ربع دينار فأكثر) إن كان بالمدينة المشرفة لأن ذلك أردع للحالف لما قدمناه في القسامة إلا كون الحلف عند منبر النبي ﷺ يكون في ربع دينار فأكثر فإنه لم يتقدم له ذكر هناك ودليله أن الموضع يلزم تعظيمه فلا يحلف فيه على الشيء التافه لأنه ابتذال له وربع دينار جعله الشارع حدا لما يقطع فيه فدل على اعتباره إذ لو كان تافها لما قطعت يد الآدمي المحترم فيه. (و) إن كان (في غير المدينة) المشرفة (يحلف في ذلك)؛ أي: في ربع دينار فأكثر (في الجامع) الذي تصلى فيه الجمعة (و) يكون ذلك (بموضع يعظم منه) بكسر الظاء وهو المحراب فإن أبى أن يحلف هناك عد نكولا منه. (ويحلف الكافر) كتابيا أو مجوسيا (بالله حيث يعظم) بكسر الظاء؛

стр. 1278

أي: في المكان الذي يعتقد تعظيمه فاليهودي يحلف في بيعته، والنصراني في كنيسته، والمجوسي في بيت النار. (وإذا وجد الطالب) وهو المدعي (بينة بعد يمين المطلوب) وهو المدعى عليه (و) الحال أن المدعي لم يكن يعلم بها؛ أي: بالبينة (قضى له بها) سواء كانت حاضرة أو غائبة غيبة قريبة لأن اليمين لا تبرئ الذمة، وإنما شرعت لقطع الخصومة، قال ابن الماجشون: وإنما يقضى له بها بعد أن يحلف أنه ما علم وبهذا كان يحكم شريح ويقول: «البينة العادلة أحق من اليمين الفاجرة» (١)، (و) أما (إن) كان (علم بها)؛ أي: بالبينة وهي حاضرة (فلا تقبل منه) على المشهور (وقد قيل: تقبل منه) وصححه ابن القصار. (ويقضى بشاهد ويمين في الأموال) وما أدى إلى الأموال مثل أن يدعي أحدهما أن البيع وقع على الخيار، والآخر على البت، فالقول قول مدعي البت إلا أن يأتي مدعي الخيار بشاهد ويمين، وعبر بمثل ليدخل في ذلك الإجارة وجراحات الخطأ والكتابة. لحديث عمرو بن دينار عن ابن عباس ﵄: «أن رسول الله ﷺ قضى بيمين وشاهد» (٢)، وفي رواية: قال عمرو في الأموال، وزاد أحمد في رواية،

стр. 1279

قال زيد بن الحباب: سألت مالك بن أنس عن اليمين والشاهد، هل يجوز في الطلاق والعتاق؟ فقال: «لا، إنما هذا في الشراء، والبيع، وأشباهه» (١). (ولا يقضى بذلك)؛ أي: بالشاهد واليمين (في نكاح أو طلاق أو حد) وإنما يقضى في هذه المذكورات بعدلين. قال في «المدونة»: «ومن ادعى نكاح امرأة وأنكرت فلا يمين له عليها، وإن أقام شاهدا» (٢). ولا يثبت نكاح إلا بشاهدين وصورة ذلك في الطلاق أن تدعي المرأة أن زوجها طلقها وأقامت شاهدا واحدا لا تحلف معه ولا يلزمه الطلاق، ومثال ذلك في الحد أن يدعي رجل على آخر أنه قذفه وأقام شاهدا واحدا لا يحلف معه ولا يحد القاذف. (و) كذلك (لا) يقضى بشاهد ويمين (في دم عمد) كأن يدعي شخص على آخر أنه جرحه عمدا وأقام شاهدا واحدا، فإنه لا يحلف معه، وإنما ترد اليمين على الجاني فإن حلف برئ، وإن نكل سجن، فإن طال سجنه دين وأخرج. (أو) قتل (نفس) لما سبق من قول عمرو بن دينار أن ذلك في الأموال، ولحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «قضى الله ورسوله في الحق بشاهدين، إن جاء بشاهدين أخذ حقه، وإن جاء بشاهد واحد حلف مع شاهده» (٣)، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: «قضى النبي ﷺ بيمين وشاهد في الحقوق» (٤) وروى البيهقي عن جعفر بن محمد عن أبيه: «أن النبي ﷺ قضى باليمين مع الشاهد؛ يعني: في الأموال». قال الحافظ: وحديث القضاء بالشاهد واليمين جاء من

стр. 1280

طرق كثيرة مشهورة بل ثبت من طرق صحيحة متعددة، فمنها ما أخرجه مسلم من حديث ابن عباس أن رسول الله ﷺ «قضى بيمين وشاهد» (١) وقال مسلم في «التمييز»: «إنه حديث صحيح لا يرتاب في صحته، وقال ابن عبد البر: لا مطعن لأحد في صحته ولا إسناده» (٢). وروى إسماعيل القاضي بسنده عن عبد الرحمن ابن أبي الزناد عن أبيه عن الفقهاء الذين ينتهي إلى قولهم من أهل المدينة كانوا يقولون: «لا تكون اليمين مع الشاهد في الطلاق، ولا العتاق، ولا الفرية»، وقال مالك في «الموطأ»: بلغني أن أبا سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار سئلا: هل يقضى باليمين مع الشاهد فقالا: نعم، قال مالك: مضت السنة في القضاء باليمين مع الشاهد الواحد يحلف صاحب الحق مع شاهده، ويستحق حقه، فإن نكل وأبى أن يحلف أحلف المطلوب، فإن حلف سقط عنه ذلك الحق، وإن أبى أن يحلف ثبت عليه الحق لصاحبه، قال مالك: «وإنما يكون ذلك في الأموال خاصة، ولا يقع ذلك في شيء من الحدود، ولا في نكاح، ولا في طلاق، ولا في عتاقة، ولا في سرقة، ولا في فرية» (٣). ثم استثنى من عدم قبول الشاهد واليمين في قتل النفس، قوله: (إلا مع القسامة في النفس) مراده أنه يقضى بالقسامة مع الشاهد الواحد من غير يمين، وإن كان ظاهر اللفظ لا يعطيه، فإن ظاهره أنه لا يقضى بالشاهد واليمين في قتل نفس عمدا إلا مع القسامة في النفس فيقضى بالشاهد واليمين مع القسامة، وهذا لم يقل به أحد. (وقد قيل يقضى بذلك)؛ أي: بالشاهد واليمين (في الجراح) مطلقا سواء كان عمدا أو خطأ لحكم عمر بن عبد العزيز بذلك، وبقول بعضهم أنه استحسان، وقد اعترض على المصنف بتعريضه لهذا القول مع أنه المشهور، وتقديم غيره عليه مع أنه خلاف المشهور.

стр. 1281

• المسائل التي تجوز فيها الشهادة والتي لا يجوز: • قال المصنف رحمه الله تعالى: (ولا تجوز شهادة النساء إلا في الأموال ومائة امرأة كامرأتين وذلك كرجل واحد يقضى بذلك مع رجل أو مع اليمين فيما يجوز فيه شاهد ويمين وشهادة امرأتين فقط فيما لا يطلع عليه الرجال من الولادة والاستهلال وشبهه جائزة. ولا تجوز شهادة خصم. ولا ظنين ولا يقبل إلا العدول. ولا تجوز شهادة المحدود. ولا شهادة عبد ولا صبي ولا كافر. وإذا تاب المحدود في الزنا قبلت شهادته إلا في الزنا. ولا تجوز شهادة الابن للأبوين ولا هما له. ولا الزوج للزوجة ولا هي له. وتجوز شهادة الأخ العدل لأخيه. ولا تجوز شهادة مجرب في كذب. أو مظهر لكبيرة. ولا جار لنفسه. ولا دافع عنها (١). ولا وصي ليتيمه وتجوز شهادته عليه). الشرح المسائل التي تجوز فيها شهادة النساء: (ولا تجوز شهادة النساء) فيما هو شأن الرجال (إلا في الأموال) وما

стр. 1282

يتعلق بها كالإجارة لقوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه … ﴾ إلى قوله … ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى﴾ [البقرة: ٢٨٢] فنص على ذلك في السلم كما قال ابن عباس في تفسير الآية وقد تقدم حديثه في السلم، وقيس عليه المال وكل ما يقصد به المال، أما غير المال فلا تجوز شهادة النساء فيه لأن الله لم ينص على شهادتهن إلا في الأموال، ونص على الرجال في القذف فقال: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء﴾ [النور: ٤] وقال في الطلاق: ﴿إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن … ﴾ إلى قوله … ﴿فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوى عدل منكم﴾ [الطلاق: ٢] فلم ينص على النساء إلا في الأموال فدل على اختصاص شهادتهن بها. ولما جاء عن الزهري قال: «مضت السنة من رسول الله ﷺ والخليفتين بعده أنه لا تجوز شهادة النساء في الحدود، والنكاح، والطلاق» (١). وعلل القرطبي قبول الشهادة في الأموال دون غيرها فقال: «لأن الأموال كثر الله أسباب توثيقها لكثرة جهات تحصيلها وعموم البلوى بها وتكررها. فجعل فيها التوثق تارة بالكتابة، وتارة بالإشهاد، وتارة بالرهن، وتارة بالضمان، وأدخل في جميع ذلك النساء مع الرجال» (٢). (ومائة امرأة كامرأتين) وذلك كرجل واحد يقضي بذلك مع رجل أو مع اليمين (فيما يجوز فيه شاهد ويمين، وشهادة امرأتين فقط فيما لا يطلع عليه الرجال من الولادة والاستهلال) وهو النطق بأن يشهدن أنه نزل مستهلا، وفائدة ذلك الإرث له أو منه، (وشبهه) مثل عيوب الفرج أو البدن (جائزة) ولا يعارض هذا الحصر في قوله: ولا تجوز شهادة النساء إلا في الأموال لأن ذلك مخصوص بما قيدنا به كلامه من قولنا فيما هو من شأن الرجال.

стр. 1283

وعن ابن شهاب قال: «مضت السنة أن تجوز شهادة النساء فيما لا يطلع عليه غيرهن، من ولادات النساء وعيوبهن» (١). وعن ابن عمر قال عمر ﵁: «لا تجوز شهادة النساء وحدهن إلا على ما لا يطلع عليه إلا هن من عورات النساء، وما يشبه ذلك من حملهن وحيضهن». وروي أيضا مثل ذلك عن سعيد بن المسيب (٢). • شهادة الخصم والمتهم: (ولا تجوز شهادة خصم على خصمه (ولا) شهادة (ظنين) بالظاء وهو المتهم في دينه بارتكاب أمر لا يجوز شرعا، لحديث عمرو بن شعيب الآتي قريبا، وما رواه مالك أنه بلغه أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: «لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين» ووصله البزار في «مسنده» من طرق عن عمر ﵁، واعتمد الشافعي هذا الخبر (٣). (ولا يقبل) في الشهادة إلا العدول) ليست العدالة أن يتمحض الرجل للطاعة حتى لا يشوبها معصية لأن ذلك متعذر لا يقدر عليه إلا الصديقون ولكن المراد من كانت الطاعة أكثر أحواله وهو مجتنب للكبائر. لقوله تعالى: ﴿ذوا عدل منكم﴾ [المائدة: ٩٥]، (و) كذلك (لا) تجوز (شهادة المحدود في الزنى) مثلا ما لم يتب، أما إن تاب فسينص عليه. قال تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمنين جلدة ولا تقبلوا لهم شهدة أبدا وأولئك هم الفاسقون﴾ [النور: ٤]، وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا زان ولا زانية، ولا ذي غمر على أخيه» (٤)، الغمر: الحقد، ورواه أحمد وأبو داود بدون ذكر

стр. 1284

الحد ولفظهما عنه: «لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة» ورد شهادة القانع لأهل البيت، وأجازها لغيرهم (١). وفي كتاب عمر بن الخطاب ﵁ إلى أبي موسى ﵁: «والمسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلودا في حد، أو مجربا في شهادة زور، أو ظنينا في ولاء أو قرابة» (٢). • حكم شهادة العبد: (و) كذا (لا) تجوز (شهادة عبد) في حال رقه لأن الشهادة رتبة عظيمة فهي من المناصب الشرعية التي هي سبب في إلزام الغير ما يحكم به عليه وليس العبد أهلا لها، لأن الله تعالى قال: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ [البقرة: ٢٨٢] قالوا: ورجالنا أحرارنا لا المماليك الذين يغلبهم من يملكهم على كثير من أمورهم، ولأن الشهادة من باب الولاية، وهو لا يلي نفسه فأولى أن لا نثبت له الولاية على غيره، ولأن الشهادة أمر لا يتبعض بل على التفاضل فلم يكن للعبد فيه مدخل كالميراث، والتقييد بحال الرق لإخراج ما إذا تحمل في حال الرق، وأدى بعد العتق فإنها تقبل (٣). • حكم شهادة الصبي: (و) كذا (لا) تقبل شهادة (صبي) في حال صباه، لقوله تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان﴾، والصبي ليس من الرجال المكلفين، ولأن الله تعالى جعل المرأة بدل الرجل إذا فقد ولم يجعل الصبي بدله، ولأن الله تعالى قال: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾، وليس الصبي كذلك. ولقوله ﷺ في الحديث السابق مرارا: «رفع القلم عن ثلاثة عن النائم حتى يستيقظ وعن الصبي حتى يحتلم وعن المجنون حتى

стр. 1285

يفيق»، ولأنه إذا لم يؤتمن على حقوقه فعلى غيره أولى. وسينص على قبول شهادة الصبيان بعضهم على بعض. حكم شهادة الكافر: (و) كذا (لا) تجوز شهادة (كافر) في حال كفره لا على مسلم ولا على كافر. وأما إن تحمل حال الكفر وأدى حال الإسلام فإنها تقبل ما لم ترد في حال كفره فإنها لا تقبل بعد إسلامه، لأنه يتهم على إزالة النقص الذي ردت شهادته لأجله، لما جبلت عليه الطبائع البشرية في دفع المعرة. وقال الشافعي ومالك: لا تجوز شهادة الكافر على المسلم لا في الوصية أثناء السفر ولا في غيرها. والآية منسوخة عندهم وهي قوله تعالى: ﴿يأيها الذين آمنوا شهدة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم﴾ [المائدة: ١٠٦]، ولقوله تعالى: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ [الطلاق: ٢] والكافر ليس بعدل وقوله تعالى: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ [البقرة: ٢٨٢] ونحن لا نرضى بغير أهل ديننا وملتنا. • متى تقبل شهادة المحدود في الزنا ونحوه: (وإذا تاب المحدود في الزنى قبلت شهادته) لقوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم﴾ [النور: ٤، ٥]، وسواء كان كالحد في الزنا أو غيره، قال مالك في «الموطأ»: «فالأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا أن الذي يجلد الحد، ثم تاب، وأصلح تجوز شهادته، وهو أحب ما سمعت إلي في ذلك وذكر أنه بلغه عن سليمان بن يسار وغيره أنهم سئلوا عن رجل جلد الحد أتجوز شهادته فقالوا: نعم إذا ظهرت منه التوبة قال: وسمعت ابن شهاب يسأل عن ذلك فقال: مثل ما قال سليمان بن يسار». اه (١). ولأن عمر بن الخطاب ﵁ لما حد أبا بكرة في قصته المشهورة في

стр. 1286

شهادته على المغيرة بن شعبة قال له: «تب إلى الله اقبل شهادتك» (١). (إلا في الزنى) فإنها لا تقبل، ولا خصوصية للزنى بل إذا تاب المحدود في غير الزنى، فإن شهادته لا تقبل إلا في غير ما حد فيه، ولأجل هذا التعميم قال المصنف: (وفيما حد فيه) ولو صار بعد توبته من أحسن الناس لأنه يتهم على التأسي بإثبات مشارك له في صفته. قال أبو الحسن في تحقيق المباني نقلا عن يوسف بن عمر: «ولو قال أبو محمد: إذا تاب المحدود قبلت شهادته إلا فيما حد فيه لكان أبين على قول سحنون وجماعة من أصحاب مالك إلا ابن القاسم فإنه يقول: تجوز شهادته في كل شيء». اه (٢). والمشهور قول سحنون ووجهه الفاكهاني بأنه يتهم أن يكون قد قصد أن يكون غيره مشاركا له فيما أتى من المعرة التي تلحقه اه. • شهادة الأقارب بعضهم لبعض: (و) كذا (لا) تجوز (شهادة الابن للأبوين) لحديث عائشة السابق قريبا وفيه: «ولا شهادة الولد لوالده، ولا شهادة الوالد لولده». وفقه المسألة: أن الفرع لا يشهد لأصله ولا الأصل لفرعه، وأما شهادة الفرع للفرع على أصله أو عكسه فتجوز، وكذا تجوز شهادة أحد الأبوين لأحد أولاده على ولده الآخر إن لم يظهر ميل للمشهود له، وإلا امتنعت كما لو شهد الوالد لابنه البار على الفاجر. (و) كذا (لا) تجوز (شهادتهما)؛ أي: الأبوين (له)؛ أي: للابن. (و) كذا (لا) تجوز شهادة (الزوج للزوجة ولا) شهادتها (هي له) في حال العصمة ولو حكما فتدخل المطلقة طلاقا رجعيا. وأما بعد العصمة فتجوز. وفي بعض روايات الحديث السابق: «لا تقبل شهادة المرأة لزوجها،

стр. 1287

ولا شهادة الزوج لامرأته». وأخذ بهذا مالك وأحمد وأبو حنيفة. (وتجوز شهادة الأخ العدل لأخيه) لعموم قوله تعالى ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ ولأن الشرع لم يجعل نفس أحدهما كنفس الآخر في العتق، ولا ماله كماله في النفقة، ولكن تكون الشهادة في الأموال خاصة والجراحات التي فيها المال لا فيما يلتمس فيه لأخيه شرفا أو جاها كشهادته له، بأنه تزوج ممن يحصل له بنكاحها شرف أو جاه، لكونها من ذوي القدر. وهذا بلال ﵁ عندما خطب لأخيه امرأة قرشية فقال لأهلها: نحن من قد عرفتم، كنا عبدين فأعتقنا الله تعالى، وكنا ضالين فهدانا الله تعالى، وكنا فقيرين فأغنانا الله تعالى، وأنا أخطب إليكم فلانة لأخي فإن تنكحوها له فالحمد لله تعالى، وإن تردونا فالله أكبر. فأقبل بعضهم على بعض فقالوا: بلال ممن عرفتم سابقته ومشاهده ومكانه من رسول الله ﷺ ، فزوجوا أخاه فزوجوه، فلما انصرفوا قال له أخوه: يغفر الله لك ما كنت تذكر سوابقنا ومشاهدنا مع رسول الله ﷺ ، وتترك ما عدا ذلك. قال: فقلت له: مه - اسم فعل بمعنى كف - يا أخي، صدقت فأنكحك الصدق. قال الترمذي: «والعمل عند أهل العلم في هذا أن شهادة القريب جائزة لقرابته، واختلف أهل العلم في شهادة الوالد للولد، والولد لوالده، ولم يجز أكثر أهل العلم شهادة الوالد للولد، ولا الولد للوالد، وقال بعض أهل العلم: إذا كان عدلا فشهادة الوالد للولد جائزة، وكذلك شهادة الولد للوالد، ولم يختلفوا في شهادة الأخ لأخيه أنها جائزة وكذلك شهادة كل قريب لقريبه» (١). وما ورد في بعض الأحاديث من عدم صحة شهادة القريب لقريبه فقد قال الترمذي: «لا يعرف هذا من حديث الزهري إلا من هذا الوجه، ولا يصح عندنا إسناده، وكذلك تجوز شهادة الصديق لصديقه. وقال مالك: لا تقبل

стр. 1288

شهادة الأخ المنقطع إلى أخيه والصديق الملاطف (١). • حكم شهادة المجرب عليه الكذب: (ولا) تجوز (شهادة مجرب في كذب) حرام (٢) وتكرر منه ذلك. لحديث عائشة السابق، وحديث موسى بن أبي شيبة مرسلا: «أن النبي ﷺ جرح شهادة رجل في كذبة كذبها» (٣). ففي كتاب سيدنا عمر إلى أبي موسى ﵄: «والمسلمون عدول بعضهم على بعض في الشهادة، إلا مجلود في حد، أو مجرب عليه شهادة الزور، أو ظنين في ولاء أو قرابة، فإن الله تولى من العباد السرائر، وستر عليهم الحدود إلا بالبينات والأيمان» (٤)، وأما المرة الواحدة فلا أثر لها لأنها صغيرة ما لم يترتب عليها مفسدة فكبيرة، ولذلك قدحت في شهادته. (أو مظهر لكبيرة) أو يباشر صغير الخسة كسرقة لقمة، أو تطفيف حبة في الكيل، وأما صغائر غير الخسة كنظرة لأجنبية فلا يقدح إلا بشرط الإدمان عليها. وقوله مكرر لأنه تقدم (ولا يقبل إلا العدول). (و) كذا (لا) تجوز شهادة (جار لنفسه نفعا)؛ أي: من يجر بشهادته لصاحبه منفعة يستفيد منها مثل أن يشهد لشريكه في شيء من مال الشركة. صورة ذلك: أن أحد الشريكين ادعى على رجل بمال، والحال أن ذلك المال المدعى به من مال الشركة فلا يجوز لشريكه أن يشهد له لأنه يجر نفعا لنفسه. (و) كذا (لا) تجوز شهادة (دافع عنها)؛ أي: عن نفسه (ضررا) مثل أن يكون لرجل على آخر دن فادعى عليه رجل آخر بدين فشهد له هذا أنه قضاه دينه، فهذا يتهم أن يكون دفع عن نفسه المخاصمة؛ أي: بينه وبين

стр. 1289

المدعي الآخر بحيث يقول له: إني أقاسمك في مال المدين، أو أنا أستقل به، أو أنت ليس لك دين. (ولا وصي ليتيمه) هذا داخل في قوله: ولا جار لنفسه لأنه يجر بشهادته مالا يتصرف فيه، وإنما كرره ليرتب عليه قوله: (وتجوز شهادته عليه) ولفظ المدونة: وكل من لا تجوز شهادته له فشهادته عليه جائزة (١). • قال المصنف رحمه الله تعالى: (ولا يجوز تعديل النساء ولا تجريحهن. ولا يقبل في التزكية إلا من يقول: عدل رضا، ولا يقبل في ذلك ولا في التجريح واحد. وتقبل شهادة الصبيان في الجراح قبل أن يفترقوا أو يدخل بينهم كبير). الشرح (ولا يجوز تعديل النساء، ولا تجريحهن) لا للرجال ولا للنساء؛ أي: فيما لا تجوز شهادتهن فيه ولا في غيرهما ولا يطلع عليه إلا الرجال في غالب الأحوال، فأشبه الشهادة في القصاص، ولأن النساء ناقصات عقل ودين، والتعديل والتجريح يحتاج إلى فطنة وذكاء وعقل ودين كاملين، ولأن من شرط التعديل تقدم المعرفة بالشاهد وطول الخبرة به وذلك متعذر في حق النساء غالبا. (ولا يقبل في التزكية إلا من يقول: عدل رضا) لقوله تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ وهذا عام في كل شهادة، فإن المعدل شاهد بالعدالة أو بالتجريح. والعدالة: هيئة راسخة في النفس تحمله على ملازمة التقوى، قال في المراقي (٢):

стр. 1290

والعدل من يجتنب الكبائرا … ويتقي في الأغلب الصغائرا وما أبيح وهو في العيان … يقدح في مروءة الإنسان (ولا يقبل في ذلك)؛ أي: في التزكية (ولا في التجريح واحد) إذا زكاه في العلانية، وأما في السر فيجوز فيه واحد. (وتقبل شهادة الصبيان فيما يقع بينهم في الجراح) لما في «الموطأ» عن هشام بن عروة «أن عبد الله بن الزبير ﵄ كان يقضي بشهادة الصبيان فيما بينهم من الجراح»، قال أبو عمر: اختلف عن ابن الزبير في ذلك، والأصح أنه كان يجيزها إذا جيء به في حال نزول النازلة، وروى مثله عن علي ﵁ من طرق ضعيفة (١). وعن عبد الله بن أبي مليكة قال: أرسلت إلى ابن عباس ﵄ أسأل عن شهادة الصبيان فقال: قال الله : ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ وليسوا ممن نرضى. قال: فأرسلت إلى ابن الزبير أسأله فقال: بالحري إن سئلوا أن يصدقوا قال: فما رأيت القضاء إلا على ما قال ابن الزبير (٢). وللعمل حكاه مالك في «الموطأ» فقال: «الأمر المجتمع عليه عندنا: أن شهادة الصبيان تجوز فيما بينهم من الجراح، ولا تجوز على غيرهم، وإنما تجوز شهادتهم فيما بينهم من الجراح وحدها، لا تجوز في غير ذلك» (٣)، إذا كان ذلك (قبل أن يفترقوا) لأن تفريقهم مظنة تعليمهم، (أو يدخل بينهم كبير) لأنه أيضا مظنة تعليمهم أو يخببوا، فإن افترقوا فلا شهادة لهم إلا أن يكونوا قد أشهدوا العدول على شهادتهم قبل أن يفترقوا، وكذا تقبل شهادتهم في القتل على المشهور فيه.

стр. 1291

• قال المصنف رحمه الله تعالى: (وإذا اختلف المتبايعان استحلف البائع، ثم يأخذ المبتاع، أو يحلف ويبرأ. وإذا اختلف المتداعيان في شيء بأيديهما، حلفا وقسم بينهما، وإن أقاما بينتين قضي بأعدلهما، فإن استويا حلفا وكان بينهما. وإذا رجع الشاهد بعد الحكم أخرم ما أتلف بشهادته إن اعترف أنه شهد بزور، قاله أصحاب مالك. ومن قال: رددت إليك ما وكلتني عليه، أو على بيعه أو دفعت إليك ثمنه أو وديعتك أو قراضك فالقول قوله؛ ومن قال: دفعت إلى فلان كما أمرتني فأنكر فلان فعلى الدافع البينة وإلا ضمن، وكذلك على ولي الأيتام البينة أنه أنفق عليهم أو دفع إليهم، وإن كانوا في حضانته صدق في النفقة فيما يشبه). الشرح (وإذا اختلف المتبايعان)؛ أي: البائع والمشتري في قدر الثمن بأن يقول البائع: بعتها بدينار، ويقول المشتري: بل بنصف دينار (استحلف البائع) أولا، فالمذهب وجوب تبدئة البائع باليمين فيحلف على نفي دعوى صاحبه وإثبات دعواه في يمين واحدة فيقول: والله ما بعتها بنصف دينار، ولقد بعتها بدينار. (ثم) بعد حلفه (يأخذ المبتاع) السلعة بما حلف عليه البائع (أو يحلف) هو؛ أي: المبتاع على نفي دعوى صاحبه وإثبات دعواه، فيقول في المثال المذكور: والله لم أشترها بدينار، ولقد اشتريتها بنصف دينار. (ويبرأ) من لزوم البيع فهو مخير بين أن يأخذ السلعة بما قال البائع أو يحلف ويبرأ. لحديث عبد الملك بن عبيد قال: حضرنا أبا عبيدة بن عبد الله بن مسعود أتاه رجلان تبايعا سلعة، فقال أحدهما: أخذتها بكذا وبكذا، وقال: هذا بعتها بكذا وكذا، فقال أبو عبيدة: أتي ابن مسعود في مثل هذا،

стр. 1292

فقال: حضرت رسول الله ﷺ أتي بمثل هذا: «فأمر البائع أن يستحلف، ثم يختار المبتاع، فإن شاء أخذ، وإن شاء ترك» (١). وروى إسماعيل القاضي بسنده عن أبي الزناد عن الفقهاء الذين ينتهى إلى قولهم من أهل المدينة كانوا يقولون: «إذا تبايع الرجلان بالبيع واختلفا في الثمن احتلفا جميعا (أي: طلب منهما أن يحلفا)، فأيهما نكل لزمه القضاء فإن حلفا جميعا كان القول ما قال البائع، وخير المبتاع، إن شاء أخذ بذلك الثمن، وإن شاء ترك» (٢). وللحديث الصحيح: «لو أن الناس أعطوا بدعواهم ادعى ناس من الناس دماء ناس وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه». وقد تقدم، والمختلفان كل منهما مدع ومدعى عليه، فالبائع مدع أنه باع بعشرة ومدعى عليه أنه باع بخمسة، والمشتري مدع أنه اشترى بخمسة ومدعى عليه أنه اشترى بعشرة فتوجه اليمين إلى كل منهما. (وإذا اختلف المتداعيان في شيء بأيديهما) كل منهما يدعيه لنفسه، ولم يقم لواحد منهما دليل على صدقه ولا بينة، ولم ينازعهما فيه أحد، وهو مما يشبه أن يكتسبه كل واحد منهما (حلفا وقسم بينهما) لأنهما تساويا في الدعوى ولم يترجح أحدهما على الآخر، ومن نكل عن اليمين سقط حقه للذي حلف. لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ «عرض على قوم اليمين، فتسارعوا إليه، فأمر أن يسهم بينهم في اليمين، أيهم يحلف؟» (٣) .. ولحديث أبي موسى الأشعري به «أن رسول الله ﷺ اختصم إليه رجلان، بينهما دابة، وليس لواحد منهما بينة، فجعلها بينهما نصفين» (٤). (وإن أقاما بينتين)؛ أي: أقام كل بينة تشهد له، وكانت إحداهما

стр. 1293

راجحة على الأخرى بالأعدلية (قضى بأعدلهما) بعد أن يحلف من أقامها أنه ما باع ذلك الشئ ولا وهبه، ولا خرج عن ملكه بوجه من الوجوه، ولأنه ولا بد أن إحداهما كاذبة والتي معها زيادة عدالة معها زيادة ورع وتثبت فيقضي بها، (فإن لم تترجح) إحدى البينتين بما ذكر (بل استويا) كان الواجب استويتا؛ أي: البينتان في العدالة ولا ترجيح بكثرة عدد إلا أن يبلغ حد التواتر لإفادته العلم (حلفا، وكان) الشيء المتنازع فيه (بينهما) نصفين لأن الحكم بإحداهما ليس بأولى من الأخرى. لحديث أبي موسى الأشعري ﵁، وحديث أبي هريرة ﵁ المتقدم ذكرهما. عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «بينما امرأتان معهما ابناهما، جاء الذئب، فذهب بابن إحداهما، فقالت هذه لصاحبتها: إنما ذهب بابنك أنت، وقالت الأخرى: إنما ذهب بابنك، فتحاكمنا إلى داود، فقضى به للكبرى، فخرجنا على سليمان بن داود ﵇، فأخبرناه، فقال: ائتوني بالسكين أشقه بينكما، فقالت الصغرى: لا يرحمك الله، هو ابنها، فقضى به للصغرى» (١). (وإذا رجع الشاهد بعد الحكم أغرم ما أتلف بشهادته إن اعترف أنه شهد بزور، قاله أصحاب مالك) قال ابن ناجي: ظاهر كلامه يقتضي أن جميع أصحاب مالك يفرقون بين أن يعترف بأنه شهد زورا أو لا يعترف، فيغرم في الأول دون الثاني، وليس كذلك، بل قال مطرف وابن القاسم وأصبغ في الواضحة: إنه يغرم مطلقا لأن الخطأ والعمد في أموال الناس سواء. وعن الشعبي «أن رجلين شهدا عند علي ﵁ على رجل بالسرقة فقطع علي يده، ثم جاء بآخر فقالا: هذا هو السارق لا الأول فأغرم عليه ﵁ الشاهدين دية يد المقطوع الأول، وقال: لو أعلم أنكما تعمدتما لقطعت أيديكما، ولم يقطع الثاني» (٢).

стр. 1294

(ومن قال) لموكله: (رددت لك ما وكلتني عليه) مثاله أن يوكله على دفع دين لزيد فلم يجده فرده لموكله، فلو نازعه الموكل، فالقول قول الوكيل في رده لأنه أمين (أو على بيعه، أو) قال له: (دفعت إليك ثمنه، أو) قال المودع لمن استودعه شيئا: رددت عليك (وديعتك أو) قال العامل لمن دفع إليه مالا قراضا فيطلبه فيقول له: دفعت إليك (قراضك فالقول قوله)؛ أي: قول كل واحد من الوكيل والمودع والمقارض. قال الأزهري: ويحتمل أن المؤلف ماش على ما قاله شيوخ المدونة: أنه إذا قال فيها: القول قوله فلا بد من اليمين، فيكون القول قوله؛ أي: بيمين، وإذا قال: صدق فبغير يمين. (ومن قال: دفعت إلى فلان كما أمرتني فأنكر فلان) بأنه لم يصل إليه ما أمره بدفعه إليه (فعلى الدافع البينة) أنه دفع إليه، فيجب عليه الأشهاد لقوله تعالى: ﴿فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم﴾ [النساء: ٦] (وإلا ضمن) إن لم يقم بذلك بينة. (وكذلك على ولي الأيتام البينة أنه أنفق عليهم) إذا نازعوه في أصل الإنفاق بأن ادعوا أنه لم ينفق عليهم، أو نازعوه في مقدار ما أنفق إذا لم يكونوا في حضانته بأن كان ينفق عليهم مساناة، أو مشاهرة، لقوله: (وإن كانوا في حضانته صدق في النفقة فيما يشبه) مع يمينه لما يدركه من صعوبة الإشهاد، فخفف عليه الأمر. الصلح • قال المصنف رحمه الله تعالى: (والصلح جائز إلا ما جر إلى حرام ويجوز على الإقرار والإنكار. والأمة الغارة تتزوج على أنها حرة فلسيدها أخذها، وأخذ قيمة الولد يوم الحكم له.

стр. 1295

ومن استحق أمة قد ولدت فله قيمتها وقيمة الولد يوم الحكم، وقيل: يأخذها وقيمة الولد، وقيل: له قيمتها فقط إلا أن يختار الثمن فيأخذه من الغاصب الذي باعها، ولو كانت بيد غاصب فعليه الحد، وولده رقيق معها لربها). الشرح (والصلح) تعريفه في اللغة: قطع المنازعة، وهو اسم مصدر لـ (صالحه مصالحة وصلاحا) بكسر الصاد، قال الجوهري: «والاسم الصلح يذكر ويؤنث، وقد اصطلحا وصالحا واصالحا مشدد الصاد وصلح الشيء بضم اللام وفتحها» (١). وفي الشرع: عقد ينهي الخصومة بين المتخاصمين. وقال ابن عرفة: «انتقال عن حق، أو دعوى بعوض لرفع نزاع، أو خوف وقوعه» (٢)، ويتنوع أنواعا منها الإصلاح بين المسلمين وأهل الحرب، وصلح بين أهل العدل وأهل البغي، وصلح بين الزوجين إذا خيف الشقاق بينهما؛ وهذا الباب للصلح بين المتخاصمين في الأموال. ويسمى كل واحد من المتعاقدين مصالحا، ويسمى الحق المتنازع فيه، مصالحا عنه. ويسمى ما يؤديه أحدهما لخصمه قطعا للنزاع: مصالحا عليه أو بدل الصلح. والصلح مشروع بالكتاب والسنة والإجماع، من أجل أن يحل الوفاق محل الشقاق، ولكي يقضي على البغضاء بين المتنازعين. ففي الكتاب يقول الله: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين﴾ [الحجرات: ٩]، ومن

стр. 1296

السنة عن عمرو بن عوف ﵁ أن رسول الله ﷺ ، قال: «الصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحا حرم حلالا، أو أحل حراما، والمسلمون على شروطهم، إلا شرطا حرم حلالا، أو أحل حراما» (١). وقال عمر ﵁: «ردوا الخصوم حتى يصطلحوا، فإن فصل القضاء يورث بينهم الضغائن» (٢). وقد أجمع المسلمون على مشروعية الصلح بين الخصوم (٣)، وهو (جائز إلا ما جر إلى حرام)؛ أي: أدى إلى ارتكاب محرم شرعا كما تقدم في الحديث، كأن يصالحه عن الذهب المؤجل بالورق ولو على الحلول. (ويجوز) الصلح (على الإقرار) ويكون بيعا إن وقع على أخذ غير المقر به كأن يكون له عرض أو حيوان ويصالح عنه بدراهم للحديث السابق. ولحديث كعب بن مالك ﵁ أنه تقاضى ابن أبي حدرد دينا له عليه في

стр. 1297

عهد رسول الله ﷺ في المسجد، فارتفعت أصواتهما حتى سمعها رسول الله ﷺ وهو في بيته، فخرج إليهما رسول الله ﷺ حتى كشف سجف حجرته، ونادى كعب بن مالك قال: «يا كعب» قال: لبيك يا رسول الله، فأشار بيده أن ضع الشطر من دينك، قال كعب: قد فعلت يا رسول الله، قال رسول الله ﷺ : «قم فاقضه» (١). (و) على (الإنكار) لعموم قوله ﵊: «الصلح جائز بين المسلمين» ولقول عمر ﵁: «ردوا الخصوم حتى يصطلحوا فإن فصل القضاء يحدث بين القوم الضغائن» كما تقدم. وصورته أن يدعي دارا مثلا فينكر المدعى عليه ثم يصالحه على أن يدفع له شيئا من ماله، ثم إن الجواز بالنظر إلى العقد. وأما بالنظر إلى الباطن فإن كان الصادق المنكر فالمأخوذ منه حرام، وإلا فهو حلال. (والأمة) القن (الغارة) بمقالها أو بشاهد حالها بأنها حرة لمن يريد أن يتزوجها فـ (تتزوج على أنها حرة) ثم يظهر خلافه (فلسيدها أخذها وأخذ قيمة الولد يوم الحكم له بها) وعلى الزوج الأقل من المسمى وصداق المثل، وإنما يأخذ قيمة الولد من أبيه إذا لم يكن الولد ممن يعتق على السيد، فإن كان يعتق على السيد فإنه لا غرامة على الأب المغرور بدفع قيمة ولده، كما لو غرت الولد أمة أبيه، أو أمة جده من أب أو أم، فتزوجها ظانا حريتها وأولدها، ثم علم بعد ذلك برقها، فإن الولد يعتق على جده أو جدته ولا قيمة فيه. وقد قيل إن على هذا إجماع الصحابة، قال ابن رشد: القياس أن الولد رق لمالك أمه لإجماعهم على أن ولد الأمة من غير سيدها ملك له، وترك هذا القياس لإجماع الصحابة على حريته خلافا لأبي ثور وداود في قولهما إنه رق. اهـ.

стр. 1298

وذكر غير واحد أن الذي قضى به من الصحابة عمر وعلي وابن عباس ﵃، وفي مصنف ابن أبي شيبة عن سليمان بن يسار أن أمة أتت قوما فغرتهم، وزعمت أنها حرة فتزوجها رجل فولدت له أولادا فوجدوها أمة، فقضى عمر بقيمة أولادها في كل مغرور غرة (١). وفي موطأ مالك: أنه بلغه أن عمر بن الخطاب أو عثمان بن عفان ﵄ قضى أحدهما في أمة غرت رجلا بنفسها فذكرت أنها حرة فتزوجها رجل فولدت له أولادا فقضى أن يفدي أولاده بمثلهم قال مالك: وتلك القيمة عندي (٢). (ومن استحق أمة) والحال أنها (قد ولدت) من حر غير غاصب سواء وطئها بملك أو هبة أو ميراث أو شراء أو غير ذلك من وجوه الملك (فله)؛ أي: لمستحق الأمة قيمتها وقيمة الولد وتعتبر القيمة (يوم الحكم) ويكون الولد حرا ثابت النسب (وقيل: يأخذها)؛ أي: الأمة لأنها ملكه ولقول النبي ﷺ : «من وجد عين ماله عند رجل فهو أحق به ويتبع البيع من باعه» (٣)، وروى سعيد بن منصور عن الحسن «أن رجلا باع جارية لأبيه وأبوه غائب فلما قدم أبى أبوه أن يجيز بيعه، وقد ولدت من المشتري فاختصموا إلى عمر بن الخطاب ﵁ فقضى للرجل بجاريته، وأمر المشتري أن يأخذ بائعه بالخلاص فلزمه، فقال أبو البائع: مر فليخل عن ابني، فقال عمر ﵁: وأنت فخل عن ابنه. وروي أيضا عن الشعبي في رجل وجد جاريته في يد رجل قد ولدت منه فأقام البينة، وأنها جاريته، وأقام الذي في يده الجارية البينة أنه اشتراها فقال: قال علي: يأخذ صاحب الجارية جاريته ويؤخذ البائع بالخلاص» (٤). و (قيمة الولد) لأنه تخلق على اعتقاد أبيه أن الجارية ملكه، وذلك

стр. 1299

يوجب له الحرية ولما كان هذا مفوتا له عن سيد الجارية الأصلي وجبت له قيمته (وقيل له قيمتها فقط) يوم وطئها والأقوال الثلاثة لمالك (إلا أن يختار الثمن فيأخذه من الغاصب الذي باعها له وإذا اختار الثمن كان كالمقرر لبيع الغاصب، (و) أما لو كانت الأمة المستحقة بعد الولادة (بيد الغاصب) علم بغصبه (فعليه)؛ أي: الغاصب (الحد) لأنه زان وولده رقيق معها)؛ أي: مع الأمة (لربها) إذا كان غير أب، ولو قال: وولدها بالإضافة إلى ضمير الأنثى لكان أحسن لأنه لاحق بها لا به، وحكم من اشتراها من الغاصب عالما بغصبه كحكم الغاصب؛ أي: في قطع نسب الولد وحده حيث شهدت بينة على إقراره بعلمه قبل الوطء أنها مغصوبة. بعض مسائل الاستحقاق: • قال المصنف رحمه الله تعالى: (ومستحق الأرض بعد أن عمرت يدفع قيمة العمارة قائما، فإن أبى دفع إليه المشتري قيمة البقعة براحا، فإن أبى كانا شريكين بقيمة ما لكل واحد، والغاصب يؤمر بقلع بنائه وزرعه وشجره، وإن شاء أعطاه ربها قيمة ذلك النقض والشجر ملقى بعد قيمة أجر من يقلع ذلك، ولا شيء عليه فيما لا قيمة له بعد القلع والهدم، ويرد الغاصب الغلة ولا يردها غير الغاصب). الشرح الاستحقاق: يقال: استحق فلان الشيء؛ أي: استوجبه؛ أي: كان حقا له. (ومستحق الأرض)؛ أي: ومن استحق أرضا من يد مشتر أو غيره، ممن ليس بغاصب (بعد أن عمرت) بفتح الميم من العمارة؛ أي: بعد أن تصرف فيها بالبناء والغرس ونحوه، فإن المستحق (يدفع) لمن أعمرها (قيمة العمارة قائما) ويأخذ أرضه بما فيها فإن أبى أن يدفع قيمة ما أعمر فيها (دفع إليه المشتري) أو من في منزلته قيمة البقعة (براحا)؛ أي: لا شيء فيها

стр. 1300

(فإن أبى) المشتري من ذلك، وفي نسخة أبيا بلفظ التثنية؛ أي: المستحق والمشتري؛ أي: أبى كل واحد منهما من دفع ما نسب إليه (كانا شريكين بقيمة ما لكل واحد منهما) فالمستحق بقيمة أرضه والذي أعمر بقيمة عمارته، فإذا كانت قيمة البقعة عشرة دنانير وقيمة العمارة عشرين دينارا فيكون بينهما أثلاثا، وتعتبر القيمة في ذلك يوم الحكم على المشهور لا يوم البناء (والغاصب)؛ أي: لعرصة ببنائها أو غرسها (يؤمر بقلع بنائه وزرعه وشجره) من الأرض المستحقة، لما في حديث عروة بن الزبير أن رسول الله ﷺ قال: «من أحيا أرضا ميتة فهي له، وليس لعرق ظالم حق» (١) وروى أبو داود «عن عروة قال: ولقد أخبرني الذي حدثني هذا الحديث أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ ، غرس أحدهما نخلا في أرض الآخر. فقضى لصاحب الأرض بأرضه، وأمر صاحب النخل أن يخرج نخله منها، قال: «فلقد رأيتها وإنها لتضرب أصولها بالفؤوس، وإنها لنخل عم حتى أخرجت منها»» (٢) (وإن شاء أعطاه ربها قيمة ذلك النقض) بضم النون وسكون القاف (و) قيمة (الشجر ملقى)؛ أي: مقلوعا، فيعتبر الشجر حطبا والبناء أنقاضا، ولا يجوز أن يتفقا على إبقائه في الأرض على أن يدفع له الكراء لأنه يؤدي إلى بيع الزرع قبل بدو صلاحه على التبقية، لأن المالك لما كان قادرا على أخذه مجانا في القسم الأول أو بقيمته مقلوعا في هذا القسم الثاني يعد بائعا له، وإن أعطاه ربها قيمة نقضه وزرعه فإنما يكون ذلك بعد قيمة أجر من يقلع ذلك مثال ذلك: أن تكون قيمته مقلوعا عشرة دراهم وأجر من يقلعه أربعة دراهم، فإنه يعطيه ستة دراهم (ولا شيء عليه)؛ أي: لا يغرم شيئا للغاصب (فيما لا قيمة له بعد القلع والهدم) كالنقش؛ أي: أو الزرع أو الشجر قبل بلوغه حد الانتفاع (ويرد الغاصب الغلة) ومثله اللص والخائن والمختلس ونحوهم من كل ما لا شبهة له فيما اغتله، ولقوله عليه الصلاة
следующие страницы →