← Фикх малики

Фикх малики · id 30135

مسالك الجلالة في اختصار المناهل الزلالة

مختار بن العربي الجزائري

Полный текст (1 525 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

لفعله ولم يقتصر على السجود، ولحديث المغيرة بن شعبة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا قام الإمام في الركعتين فإن ذكر قبل أن يستوي قائما فليجلس، وإذا استوى قائما فلا يجلس، ويسجد سجدتي السهو» (١)، فلو كان واجبا لأمر بالرجوع إليه ولو استتم قائما، قال الحافظ (٢): «ووجه الدلالة أنه لو كان واجبا لرجع إليه لما سبحوا به بعد أن قام، ونقل عن ابن بطال قوله: والدليل على أن سجود السهو لا ينوب عن الواجب لأنه لو نسي تكبيرة الإحرام لم تجبر فكذلك التشهد - أي: لو كان واجبا لم يجبر بالسجود»؛ وقيس على هذا التشهد الثاني لأنهما في معنى واحد والله أعلم. (والثانية) بمقدار ما يوقع فيه السلام خاصة (فريضة) لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، لما في حديث ابن مسعود ﵁ قال: «كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد: السلام على الله قبل عباده، السلام على جبرائيل» … الحديث. وفيه: «ولكن قولوا: التحيات» وذكره (٣)، ولأن الأصل في أفعال الصلاة الوجوب إلا ما دل الدليل على عدم فرضيته كالجلوس الأول فيبقى هذا واجبا لمواظبته ﷺ عليه مع قوله: «صلوا كما رأيتموني أصلي». (والسلام) من الصلاة (فريضة) من كل صلاة لها سلام لقوله ﷺ : «وتحليلها التسليم» (٤) ولا سلام لسجدة التلاوة، (والتيامن به)؛ أي: بالسلام (قليلا) بحيث ترى صفحة وجهه للإمام والفذ والمأموم (سنة) والمعتمد ما اعتمده صاحب المختصر أنه فضيلة لحديث عائشة السابق في الصلاة: «أنه ﷺ

стр. 1367

كان يميل به إلى الشق الأيمن شيئا" (١). (وترك الكلام في الصلاة) لغير إصلاحها (فريضة) وأما من تكلم لإصلاح صلاته؛ أي: يسيرا فلا شيء في ذلك، وأما الكثير فيبطل. وكذا الناسي إن تكلم يسيرا فلا شيء عليه وأما الكثير فمبطل لحديث زيد بن أرقم ﵁ قال: «كنا نتكلم في الصلاة يكلم الرجل صاحبه وهو إلى جنبه في الصلاة حتى نزلت: ﴿وقوموا لله قانتين﴾ [البقرة: ٢٣٨] فأمرنا بالسكوت، ونهينا عن الكلام» (٢) والأدلة أخرى سبقت في الصلاة. (والتشهدان)؛ أي: كل تشهد (سنة) على المشهور أما الأول فتقدم دليله مع دليل سنية جلوسه وأما الثاني فقياسا عليه ولحديث المسيء صلاته فإن النبي ﷺ لم يذكر فيه التشهد، وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا قعد الإمام في آخر صلاته ثم أحدث قبل أن يتشهد فقد تمت صلاته» وفي رواية: «ثم أحدث قبل أن يسلم فقد تمت صلاته» (٣). (والقنوت في الصبح) فقط سرا لثبوته عن النبي ﷺ كما سبق في الصلاة (حسن)؛ أي: مستحب وقوله: (وليس بسنة) لعدم مواظبته ﷺ عليه إنما قنت في الفجر بعد الركوع شهرا ثم ترك كما قال أنس وغيره وذكرناه في المناهل في القنوت مفصلا. (واستقبال القبلة فريضة) إجماعا لقوله تعالى: ﴿فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾ [البقرة: ١٤٤] وقوله ﷺ في حديث المسيء صلاته: «إذا قمت

стр. 1368

إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر (١)، ويكون استقبالها في كل صلاة ذات ركوع وسجود وغيرها كصلاة الجنائز إلا في الفرض في شدة الخوف، وإلا في حال المرض إذا لم يجد من يحوله إلى القبلة فإنه يصلي حيث تيسر، أو تعسر على الراكب النزول على الأرض خشية الوحل والوقت قريب الخروج. (والوتر سنة واجبة)؛ أي: مؤكدة لحديث أبي أيوب الأنصاري قال: قال رسول ﷺ : «الوتر حق على كل مسلم، فمن أحب أن يوتر بخمس فليفعل، ومن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل، ومن أحب أن يوتر بواحدة فليفعل» (٢). (وكذلك صلاة العيدين) لمواظبة النبي ﷺ عليها وقد تقدم بيان ذلك (و) صلاة (الخسوف)؛ أي: خسوف الشمس والقمر كذلك لفعل النبي ﷺ لهما كما مر فيهما (و) صلاة (الاستسقاء)؛ أي: طلب السقيا (وصلاة الخوف)؛ أي: حالة التحام الحرب (سنة واجبة)؛ أي: وجوب السنن المؤكدة، وأكدها الوتر ثم العيدان ثم الخسوف ثم الاستسقاء (أمر الله ﷺ بها) لما تقدم كل في بابه مفصلا، فالصلاة في نفسها فريضة وعلى الهيئة المذكورة سنة (وهو فعل يستدركون به فضل الجماعة)؛ أي: يحصلون به السنة. (والغسل لدخول مكة مستحب) لما سبق في الحج، (والجمع) بين المغرب والعشاء (ليلة المطر) وفي الطين والظلمة (تخفيف)؛ أي: رخصة (وقد) فعله رسول الله ﷺ وهو القدوة كما سبق في الصلاة ولقول ابن عباس ﵄: لما سئل عن سبب جمع النبي ﷺ بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء: «أراد أن لا يخرج أمته» (٣) و (فعله الخلفاء الراشدون) لما رواه ابن وهب عن عمر بن الحارث أن سعيد بن أبي هلال حدثه أن ابن قسيط حدثه

стр. 1369

أن جمع الصلاتين بالمدينة في ليلة المطر المغرب والعشاء سنة وأن قد صلاها أبو بكر وعمر وعثمان ﵃ على ذلك وجمعهما أن العشاء تقرب إلى المغرب حين يصلى وكذلك أيضا يصلون بالمدينة (١) وإنما استشهد بفعلهم دون فعله ﵊ لأن فعله يتطرق إليه النسخ دون فعلهم لأنه لا نسخ بعد وفاته ﷺ . أو لعله فاته الحديث ولا غرابة في ذلك، أو يعرفه ونسيه والله أعلم. (والجمع بعرفة) بين الظهر والعصر (وبالمزدلفة) بين المغرب والعشاء (سنة واجبة)؛ أي: مؤكدة لما سبق في الحج (وجمع المسافر) سفرا واجبا كسفر الحج الواجب، أو مندوبا أو مباحا كحج التطوع والتجارة، وقد سبق دليل كل هذا في الصلاة (في) حال (جد السير رخصة) وظاهره اشتراط جد السير وهو نص المدونة (٢) والذي في «المختصر» (٣) عدم الاشتراط (وجمع المريض الذي يخاف أن يغلب على عقله) عند الصلاة الثانية (تخفيف)؛ أي: رخصة، فإذا جمع ولم يغلب على عقله في وقت الثانية فإنه يعيدها (وكذلك جمعه لـ) أجل (علة به) تخفيف (فيكون ذلك أرفق به) لأنه إذا جمع كان له قيام واحد ووضوء واحد فبالجمع حصل التخفيف وقد سبق دليل ذلك. (والفطر في السفر) الذي تقصر فيه الصلاة، ويرخص فيه الجمع (رخصة) إن شاء فعل وإن شاء ترك، والمشهور أن الصوم أفضل لما سبق في الصيام (والإقصار فيه)؛ أي: قصر الصلاة في السفر بشرطه (واجب) وجوب السنن المؤكدة فلا يحرم الإتمام. (وركعتا الفجر من الرغائب) لهما نية تخصهما لأنهما مما اختص بترغيب من النبي ﷺ (وقيل:) هما (من السنن) لمواظبة النبي ﷺ عليهما وإظهارهما والأول هو المشهور والتقسيم من صنع الفقهاء الأصوليين.

стр. 1370

(وصلاة الضحى نافلة) من النوافل التي حث عليها النبي ﷺ وفعلها، وأكثرها ثمان ركعات وأقلها ركعتان، لحديث أبي هريرة ﵁ قال: أوصاني خليلي ﷺ بثلاث لا أدعهن حتى أموت: «صوم ثلاثة أيام من كل شهر، وصلاة الضحى، ونوم على وتر» (١). (وكذلك قيام شهر رمضان نافلة وفيه فضل كبير) لما صح من قوله ﵊: «من قام رمضان إيمانا واحتسابا، غفر له ما تقدم من ذنبه» (٢). وإلى هذا أشار الشيخ بقوله: (ومن قامه إيمانا واحتسابا)؛ أي: محتسبا أجره على الله (غفر له ما تقدم من ذنبه) بمحض الإحسان. (والقيام من الليل في رمضان وغيره من النوافل المرغب فيها) لقوله تعالى: ﴿أمن هو قانت آناء اليل ساجدا وقابما﴾ [الزمر: ٩] وغير ذلك من الآيات النيرات ومن الأحاديث حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أفضل الصيام، بعد رمضان، شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة، بعد الفريضة، صلاة الليل» (٣). (والصلاة على موتى المسلمين فريضة) من فروض الكفاية (يحملها من قام بها عن الباقين وكذلك مواراتهم بالدفن)؛ أي: موتى المسلمين (وغسلهم سنة واجبة)؛ أي: مؤكدة. ولا يخفى عدم الملاءمة في كلامه فإن من يقول بسنية الغسل يقول بسنية الصلاة، ومن يقول بوجوبه يقول بوجوبها، والراجح القول بوجوب الغسل والصلاة وعليه الأكثر؛ وشهره الفاكهاني، وقال ابن الحاجب هو الصحيح. قال أبو عمر: وأجمع المسلمون على أنه لا يجوز ترك الصلاة على جنائز المسلمين من أهل الكبائر كانوا، أو صالحين، وراثة عن نبيهم ﷺ قولا وعملا، والحمد لله، واتفق العلماء على ذلك إلا في

стр. 1371

الشهيد، وإلا في أهل البدع والبغاة اهـ (١). (وكذلك طلب العلم فريضة عامة)؛ أي: واجبة على جميع المسلمين (يحملها من قام بها) على وجه الكفاية لحاجة أهل الإسلام من يحفظ لهم أمور دينهم قال تعالى: ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون﴾ [التوبة: ١٢٢] (إلا) فيه (ما يلزم الرجل في خاصة نفسه) كالتوحيد والوضوء والصلاة والحج والبيع والشراء لما تقرر من قوله تعالى: ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله﴾ [محمد: ١٩] ولقوله ﷺ : «طلب العلم فريضة على كل مسلم» (٢)، وثبت أنه لا يجوز لأحد أن يقدم على أمر حتى يعلم حكم الله فيه قال تعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾ [الإسراء: ٣٦] فهذه من فروض الأعيان لا يحملها أحد عن أحد. (وفريضة الجهاد عامة)؛ أي: واجبة على جميع المسلمين (يحملها من قام بها منهم) فتسقط عن الباقين (إلا أن يغشى العدو محلة قوم)؛ أي: يغير ويهجم على محلة قوم بفتح الميم المكان ينزله القوم (فيجب فرضا عليهم)؛ أي: يجب وجوبا مؤكدا عينيا على الذكر والأنثى الحر والعبد (قتالهم إذا كانوا مثلي عددهم) لقوله تعالى: ﴿الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين﴾ [الأنفال: ٦٦]، فإذا بلغ عدد الكفار أكثر من مثليهم جاز لهم الفرار، وقد تقدم في الجهاد تفصيل ذلك والحمد لله رب العالمين. (والرباط) وهو الإقامة (في ثغور المسلمين) وهي الفرج الكائنة بين المسلمين والكفار (وسدها وحياطتها)؛ أي: حفظها (واجب) وجوب فرض الكفاية (يحمله من قام به) عن بقية المسلمين لما سبق في فضله في باب

стр. 1372

الجهاد، بل ويجب اليوم على كل من كان على ثغرة علمية أو ثقافية أو اجتماعية أو عسكرية ما يجب على أهل الثغور. قال المصنف رحمه الله تعالى: (وصوم شهر رمضان فريضة. والاعتكاف نافلة. والتنفل بالصوم مرغب فيه وكذلك، صوم يوم عاشوراء ورجب وشعبان ويوم عرفة والتروية وصوم يوم عرفة لغير الحاج أفضل منه للحاج. وزكاة العين والحرث والماشية فريضة. وزكاة الفطر سنة فرضها رسول الله. وحج البيت فريضة. والعمرة سنة واجبة. والتلبية سنة واجبة. والنية بالحج فريضة. والطواف للإفاضة فريضة. والسعي بين الصفا والمروة فريضة والطواف المتصل به واجب، وطواف الإفاضة آكد منه. والطواف للوداع سنة. والمبيت بمنى ليلة يوم عرفة سنة. والجمع بعرفة واجب. والوقوف بعرفة فريضة. ومبيت المزدلفة سنة واجبة. ووقوف المشعر الحرام مأمور به. ورمي الجمار سنة واجبة وكذلك الحلاق.

стр. 1373

وتقبيل الركن سنة واجبة. والغسل للإحرام سنة. والركوع عند الإحرام سنة. وغسل عرفة سنة. والغسل لدخول مكة مستحب. والصلاة في الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة. والصلاة في المسجد الحرام ومسجد الرسول ﷺ فذا أفضل من الصلاة في سائر المساجد واختلف في مقدار التضعيف بذلك بين المسجد الحرام ومسجد الرسول ﵊ ولم يختلف أن الصلاة في مسجد الرسول ﷺ أفضل من ألف صلاة، فيما سواه وسوى المسجد الحرام من المساجد وأهل المدينة يقولون: إن الصلاة فيه أفضل من الصلاة في المسجد الحرام بدون الألف وهذا كله في الفرائض. وأما النوافل ففي البيوت أفضل والتنفل بالركوع لأهل مكة أحب إلينا من الطواف، والطواف للغرباء أحب إلينا من الركوع لقلة وجود ذلك لهم). الشرح (وصوم شهر رمضان فريضة) على كل مسلم مكلف لقوله تعالى: ﴿يأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام﴾ [البقرة: ١٨٣] الآية وقد تقدم. (والاعتكاف) وهو ملازمة المسجد للذكر وتلاوة القرآن (نافلة) وقيل: إنه سنة. والتنفل بالصوم مرغب فيه وهو أحسن ما فسر به قوله تعالى: ﴿إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب﴾ [الزمر: ١٠] فقد فسر الصبر بالصوم. (وكذلك صوم يوم عاشوراء) بالمد وهو العاشر من المحرم مرغب فيه فعن أبي قتادة الأنصاري ﵁: وفيه أنه ﷺ سئل عن صوم يوم عاشوراء؟

стр. 1374

فقال: «يكفر السنة الماضية» (١). (و) كذلك صوم شهر (رجب مرغب) فيه، (و) كذلك صوم شهر (شعبان) مرغب فيه لمواظبة النبي ﷺ على صيامه، فعن أبي سلمة، أن عائشة ﵂، حدثته قالت: «لم يكن النبي ﷺ يصوم شهرا أكثر من شعبان، فإنه كان يصوم شعبان كله» (٢) (و) كذلك صوم (يوم عرفة) وهو التاسع من ذي الحجة مرغب فيه لما في حديث أبي قتادة ﵁ وسئل عن صوم يوم عرفة؟ فقال: «يكفر السنة الماضية والباقية» (٣) (و) كذلك صوم (يوم التروية) وهو الثامن من ذي الحجة مرغب فيه وليس فيه دليل بخصوصه وإنما هو فضله ضمن صيام العشر من ذي الحجة لما في حديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام»؛ يعني: أيام العشر، قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: «ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله، فلم يرجع من ذلك بشيء» (٤)، (وصوم يوم عرفة لغير الحاج أفضل وفي نسخة أحسن منه للحاج) وأما الحاج فالفطر له أفضل. (وزكاة العين) الذهب والفضة (و) زكاة (الحرث و) زكاة (الماشية فريضة)؛ أي: كل ذلك واجب وزكاة الفطر سنة؛ أي: واجبة بالسنة وهو معنى قوله: (فرضها رسول الله ﷺ )؛ أي: فهي واجبة بالسنة. وقد سبق دليل ذلك. (وحج البيت فريضة) في العمر مرة واحدة (والعمرة سنة واجبة)؛ أي: مؤكدة مرة واحدة في العمر (والتلبية) في الحج والعمرة (سنة واجبة)؛ أي:

стр. 1375

مؤكدة (والنية بالحج فريضة و) كذا (الطواف للإفاضة) وهو الذي يفعل بعد الرجوع من عرفة (فريضة) بلا خلاف، (و) كذلك السعي بين الصفا والمروة فريضة وكذلك الطواف المتصل به؛ أي: بالسعي وهو طواف القدوم (واجب) يترتب على تركه دم. (وطواف الإفاضة آكد منه)؛ أي: من طواف القدوم لأنه ركن من أركان الحج ويسمى بطواف الزيارة وطواف الركن قال تعالى: ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ [الحج: ٢٩]، (والطواف للوداع سنة) والذي في المختصر أنه مستحب (١) (والمبيت بمنى ليلة يوم عرفة سنة) لا دم على من تركه. وقوله: (والجمع بعرفة واجب) تكرار مع ما تقدم (والوقوف بعرفة فريضة) بلا خلاف (ومبيت المزدلفة سنة واجبة)؛ أي: مؤكدة، (ووقوف المشعر الحرام مأمور به) استحبابا، (ورمي الجمار سنة واجبة)؛ أي: مؤكدة (وكذلك الحلاق) في حق الرجل دون المرأة (سنة واجبة)؛ أي: مؤكدة (وتقبيل الركن)؛ يعني: الحجر الأسود في أول شوط (سنة واجبة)؛ أي: مؤكدة لكن بحسب الاستطاعة وإلا فالإشارة تكفي خشية الأذى من الزحام. (والغسل للإحرام سنة) للرجل والمرأة ولو حائضا أو نفساء (والركوع عند الإحرام سنة وغسل عرفة) لأجل الوقوف بعرفة سنة. وقوله: (والغسل لدخول مكة مستحب) تكرار وقد تقدم ذلك مفصلا في الحج بحمد الله تعالى. (والصلاة في الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة) وفي رواية بخمس وعشرين جزءا ولا تنافي، لجواز كون الجزء أكبر من الدرجة لحديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة» (٢)؛ وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «صلاة الرجل في الجماعة تفضل على صلاته في بيته وسوقه خمسا وعشرين درجة» (٣). قال ابن رشد (٤): يعني أن الصلاة في الجماعات

стр. 1376

من جنس المندوب إليه، وكأنها كمال زائد على الأجزاء. (والصلاة في المسجد الحرام ومسجد الرسول ﵊ فذا أفضل من الصلاة في سائر المساجد) ويليهما في الفضل مسجد إيلياء وهو بيت المقدس (واختلف في مقدار التضعيف)؛ أي: الزيادة (بذلك) التفضيل (بين المسجد الحرام ومسجد الرسول ﵊ لم يرد ما هو الظاهر من أنه اختلف بماذا يفضل أحد المسجدين على الآخر وإنما أراد بيان الخلاف الواقع بين العلماء هل مكة أفضل أو المدينة؟ ومشهور المذهب أن المدينة أفضل (١). ومعنى التفضيل بينهما أن ثواب العمل في إحداهما أكثر من ثواب العمل في الأخرى، ولم يختلف أن الصلاة في مسجد الرسول ﵊ (أفضل من ألف صلاة فيما سواه، وسوى المسجد الحرام من المساجد) فعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام» (٢). وعن عبد الله بن الزبير ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «صلاة في مسجدي هذا أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة

стр. 1377

«في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في مسجدي» (١). واختلفت هل الصلاة فيه أفضل أو الصلاة في المسجد الحرام (فأهل)؛ أي: علماء (المدينة المشرفة يقولون: إن الصلاة فيه)؛ أي: في مسجد الرسول ﵊ (أفضل من الصلاة في المسجد الحرام بدون الألف) وقد وردت الأحاديث مصرحة بأفضلية حرم مكة، ومبينة معنى الاستثناء كما مر في حديث ابن الزبير (٢). وقد اختصت مكة بوجوه من التفضيل: أحدها: وجوب الحج والعمرة على الخلاف، والمدينة يندب إتيانها ولا يجب. وثانيها: فضلت المدينة بإقامته بها بعد النبوة عشر سنين وبمكة ثلاث عشرة سنة بعد النبوة. وثالثها: فضلت المدينة بكثرة الطارئين من عباد الله الصالحين، وفضلت مكة بالطائفين من الأنبياء والمرسلين فما من نبي إلا حجها آدم فمن دونه ولو كان لمالك داران فأوجب على عباده أن يأتوا إحداهما، ووعدهم على ذلك بغفر سيئاتهم ورفع درجاتهم دون الأخرى لعلم أنها عنده أفضل. ورابعها: أن التقبيل والاستلام نوع من الاحترام وهما خاصان بالكعبة. وخامسها: وجوب استقبالها. و سادسها: تحريم استدبارها لقضاء الحاجة. وسابعها: تحريمها يوم خلق الله السماوات والأرض ولم تحرم المدينة إلا في زمانه ﵇. وثامنها: كونها مثوى إبراهيم وإسماعيل ﵇.

стр. 1378

وتاسعها: كونها مولد سيد المرسلين. وعاشرها: لا تدخل إلا بإحرام. وحادي عشرها: قوله تعالى: ﴿إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾ [التوبة: ٢٨]. وثاني عشرها: الاغتسال لدخولها دون المدينة. وثالث عشرها: ثناء الله ﵎ على البيت وهو قوله ﷺ : ﴿إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين فيه آيات بينات﴾ [آل عمران: ٩٦، ٩٧] (١). اهـ. (وهذا) التفضيل الذي ذكر إنما هو (في الفرائض. وأما النوافل فـ) فعلها (في البيوت أفضل) لقوله ﷺ : «صلوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة» (٢). وقد ذكرنا في أصل هذا المختصر هل التنفل في البيوت في مكة أيضا أفضل أم فعل ذلك في المسجد الحرام؟ فانظره إن شئت غير مأمور (٣). (والتنفل بالركوع لأهل مكة)؛ أي: سكانها (أحب إلينا)؛ أي: إلى المالكية (من الطواف) لئلا يزاحموا الغرباء، (والطواف للغرباء) وهم أهل المواسم (أحب إلينا من الركوع لقلة وجود ذلك لهم) وهذا التفصيل منقول عن ابن عباس وعطاء وسعيد بن جبير ومجاهد قالوا: «الصلاة لأهل مكة أفضل، والطواف للغرباء أفضل» (٤) وذلك أن الطواف إنما يكون حول البيت الحرام. وأما الركوع فيتيسر لكل أحد داخل مكة وخارجها، والله أعلم.

стр. 1379

• قال المصنف رحمه الله تعالى: (ومن الفرائض غض البصر عن المحارم، وليس في النظرة الأولى بغير تعمد حرج، ولا في النظر إلى المتجالة، ولا في النظر إلى الشابة لعذر من شهادة عليها وشبهه وقد أرخص في ذلك للخاطب. ومن الفرائض صون اللسان عن الكذب والنور والفحشاء والغيبة والنميمة، والباطل كله قال الرسول ﵊: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت»، وقال ﵊: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه»، وحرم الله سبحانه دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم إلا بحقها ولا يحل دم امرئ مسلم إلا أن يكفر بعد إيمانه أو يزني بعد إحصانه أو يقتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض أو يمرق من الدين ولتكف يدك عما لا يحل لك من مال أو جسد أو دم ولا تسع بقدميك فيما لا يحل لك ولا تباشر بفرجك أو بشيء من جسدك ما لا يحل لك، قال الله سبحانه: ﴿والذين هم لفروجهم حافظون﴾ [المؤمنون: ٥] إلى قوله: ﴿فأولئك هم العادون﴾ [المؤمنون: ٧] وحرم الله سبحانه الفواحش ما ظهر منها وما بطن. وأن يقرب النساء في دم حيضهن أو نفاسهن، وحرم من النساء ما تقدم ذكرنا إياه. وأمر بأكل الطيب وهو الحلال فلا يحل لك أن تأكل إلا طيبا، ولا تلبس إلا طيبا، ولا تركب إلا طيبا، ولا تسكن إلا طيبا، وتستعمل سائر ما تنتفع به طيبا ومن وراء ذلك مشتبهات من تركها سلم ومن أخذها كان كالراتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه. وحرم الله سبحانه أكل المال بالباطل ومن الباطل الغصب والتعدي والخيانة والربا والسحت والقمار والغرر والغش والخديعة والخلابة. وحرم الله سبحانه أكل الميتة والدم، ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به وما ذبح لغير الله وما أعان على موته ترد من جبل أو وقذة بعصا أو غيرها، والمنخنقة بحبل أو غيره إلا أن يضطر إلى ذلك كالميتة وذلك إذا صارت بذلك إلى حال لا حياة بعده فلا ذكاة فيها.

стр. 1380

ولا بأس للمضطر أن يأكل الميتة ويشبع ويتزود فإن استغنى عنها طرحها. ولا بأس بالانتفاع بجلدها إذا دبغ ولا يصلى عليه ولا يباع. ولا بأس بالصلاة على جلود السباع إذا ذكيت وبيعها. وينتفع بصوف الميتة وشعرها وما ينزع منها في الحياة. وأحب إلينا أن يغسل ولا ينتفع بريشها ولا بقرنها وأظلافها وأنيابها. وكره الانتفاع بأنياب الفيل. وكل شيء من الخنزير حرام وقد أرخص في الانتفاع بشعره. وحرم الله سبحانه شرب الخمر قليلها وكثيرها وشراب العرب يومئذ فضيخ التمر وبين الرسول ﵇ أن كل ما أسكر كثيره من الأشربة فقليله حرام وكل ما خامر العقل فأسكره من كل شراب فهو خمر وقال الرسول ﷺ : «إن الذي حرم شربها حرم بيعها»، ونهى عن الخليطين من الأشربة وذلك أن يخلطا عند الانتباذ وعند الشرب. ونهى عن الانتباذ في الدباء والمزفت). الشرح (ومن الفرائض غض البصر) عما حرم الله تعالى لقوله تعالى: ﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم﴾ [النور: ٣٠] ﴿وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن﴾ [النور: ٣١]. ثم أشار إلى مسبب هذا السبب، ونبه على ما يؤول إليه هذا الشر بقوله: ﴿ويحفظوا فروجهم﴾ [النور: ٣٠]، ﴿ويحفظن فروجهن﴾ [النور: ٣٠]. ولحديث جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ عن نظر الفجأة؟ فقال: «اصرف بصرك» (١)، ولقوله ﷺ : «النظرة سهم مسموم من

стр. 1381

سهام إبليس» (١)، فإن السهم شأنه أن يسري في القلب فيعمل فيه عمل السم الذي يسقاه المسموم، فإن بادر واستفرغه وإلا قتله ولا بد كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى (٢)، ويقول ابن الجوزي محذرا من إطلاق البصر: «اعلم وفقك الله أن البصر صاحب خبر القلب ينقل إليه أخبار المبصرات، وينقش فيه صورها فيجول فيها الفكر، فيشغله ذلك عن الفكر فيما ينفعه من أمر الآخرة». (وليس في النظرة الأولى بغير تعمد حرج)؛ أي: إثم لحديث جرير المذكور وحديث علي ﵁ أن النبي ﷺ قال له: «يا علي، إن لك كنزا في الجنة، وإنك ذو قرنيها، فلا تتبعن النظرة النظرة، فإنما لك الأولى، وليست لك الآخرة» من حديث بريدة (٣). قال ابن القطان: الإجماع على أن العين لا تتعلق بها كبيرة ولكنها أعظم الجوارح آفة على القلب وأسرع الأمور في خراب الدين والدنيا؛ قال الإمام أحمد ﵀: «إذا خاف الفتنة لا ينظر، كم نظرة قد ألقت في قلب صاحبها البلابل» (٤). ويرحم الله القائل: كل الحوادث مبداها من النظر … ومعظم النار من مستصغر الشرر كم نظرة أحدثت في قلب صاحبها … فعل السهام بلا قوس ولا وتر ولما كان إطلاق البصر سببا لوقوع الهوى في القلب، أمرك الشارع ببغض البصر عما يخاف عواقبه. (ولا) حرج (في النظر إلى المتجالة)؛ أي: التي لا أرب فيها للرجال

стр. 1382

لقوله تعالى: ﴿والقواعد من النساء التي لا يرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة﴾ [النور: ٦٠] وكان النبي ﷺ يزور بعض العجائز ومعه أصحابه، وكذلك كان يفعل الخلفاء الراشدون من بعده، كما جاء عن أنس ﷺ قال: «ذهب رسول الله ﷺ إلى أم أيمن زائرا، وذهبت معه فقربت إليه شرابا فإما كان صائما وإما كان لا يريده فرده، فأقبلت على رسول الله ﷺ تصاحبه، فقال أبو بكر له بعد وفاة رسول الله ﷺ لعمر: «انطلق بنا إلى أم أيمن نزورها، فلما انتهينا إليها بكت قالا لها: ما يبكيك ما عند الله خير لرسول الله ﷺ قالت: والله ما أبكي ألا أكون أعلم ما عند الله خير لرسول الله ﷺ ، ولكن أبكي أن الوحي انقطع من السماء، فهيجتهما على البكاء، فجعلا يبكيان ﵃ أجمعين»» (١)، (ولا) حرج (في النظر إلى الشابة) وتأمل صفتها (لعذر من شهادة عليها) في نكاح أو بيع ومثل الشاهد الطبيب والجراح وإليه أشار بقوله: (أو شبهه)؛ أي: شبه العذر من شهادة، فيجوز للطبيب والجراح النظر إلى موضع العلة وإن كانت في العورة، لكن يبقر الثوب قبالة العلة، وينظر إليها لأنه إذا لم يبقر الثوب لربما تعدى نظره إلى غير موضع العلة (وقد أرخص في ذلك)؛ أي: في النظر إلى الشابة (للخاطب)؛ أي: إذا كان قصده مجرد علم صفتها فقط، وهذا نظره قاصر على رؤية الوجه والكفين. وإنما رخص له في النظر إليهما لأنه يستدل برؤية الوجه على الجمال، وبرؤية الكفين على خصب البدن، ومصدر ذلك أمره ﵊ بذلك، فعن المغيرة بن شعبة ﵁ أنه خطب امرأة فقال النبي ﷺ : «انظر إليها، فإنه أحرى أن يؤدم بينكما» (٢)، وعن أبي هريرة قال: كنت عند النبي ﷺ فأتاه رجل فأخبره أنه تزوج امرأة من الأنصار، فقال له رسول الله ﷺ : «أنظرت إليها؟»، قال: لا، قال: «فاذهب فانظر إليها،

стр. 1383

فإن في أعين الأنصار شيئا» (١)، وغيرها من الأحاديث. (ومن الفرائض صون اللسان)؛ أي: حفظه (عن الكذب) وهو الإخبار عن الشيء على غير ما هو عليه قال تعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾ [الإسراء: ٦٠] وقوله تعالى: ﴿يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾ [التوبة: ١١٩] وقوله تعالى: ﴿إنما يفترى الكذب الذين لا يؤمنون بثايات الله وأولئك هم الكذبون﴾ [النحل: ١٠٥]، وعن ابن مسعود به عن النبي ﷺ قال: «إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكون صديقا. وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا» (٢). (و) من الفرائض؛ أي: من الأمور الواجبة على كل إنسان بعينه صون اللسان عن شهادة (الزور) وهو أن يشهد بما لم يعلم وإن وافق الواقع لقوله تعالى: ﴿فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور﴾ [الحج: ٣٠]، ولقوله ﷺ في حديث أكبر الكبائر: … . وكان متكئا فجلس فقال: ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور من حديث النعمان بن بشير به (٣). (و) منها صون اللسان عن (الفحشاء) وهي كل محرم؛ أي: من قول أو فعل لقوله تعالى: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاب ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي﴾ [النحل: ٩٠]، (و) منها صون اللسان عن (الغيبة) وهي أن يقول الإنسان في أخيه حال غيبته ما يكره من شأنه، قال تعالى: ﴿ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم﴾ [الحجرات: ١٢]، ولحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «أتدرون ما الغيبة؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «ذكرك أخاك بما

стр. 1384

يكره" قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: «إن كان فيه ما تقول، فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته» (١). فخرج ما إذا كان الإنسان يكره أن يذكر بطاعة، لأن هذا مدح والمدح ليس شأنه ذلك، فإذا مدحه بما يكرهه وليس فيه فيحرم من جهة أنه كذب لا من جهة أنه غيبة، أما إذا كان في الغيبة فائدة من الفوائد فقد نص العلماء على جوازها في حالات، قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: اعلم أن الغيبة تباح لغرض صحيح شرعي لا يمكن الوصول إليه إلا بها وهو ستة أسباب: الأول: التظلم فيجوز للمظلوم أن يتظلم إلى السلطان والقاضي وغيرهما ممن له ولاية أو قدرة على إنصافه من ظالمه، فيقول: ظلمني فلان بكذا. الثاني: الاستعانة على تغيير المنكر ورد العاصي إلى الصواب، فيقول لمن يرجو قدرته على إزالة المنكر: فلان يعمل كذا فازجره عنه، ونحو ذلك، ويكون مقصوده التوصل إلى إزالة المنكر، فإن لم يقصد ذلك كان حراما. الثالث: الاستفتاء، فيقول للمفتي: ظلمني أبي أو أخي أو زوجي أو فلان بكذا فهل له ذلك؟ وما طريقي في الخلاص منه وتحصيل حقي ودفع الظلم؟ ونحو ذلك فهذا جائز للحاجة، ولكن الأحوط والأفضل أن يقول: ما تقول في رجل أو شخص أو زوج كان من أمره كذا؟ فإنه يحصل به الغرض من غير تعيين، ومع ذلك فالتعيين جائز كما سنذكره في حديث هند إن شاء الله تعالى. الرابع: تجذير المسلمين من الشر ونصيحتهم، وذلك من وجوه؛ منها جرح المجروحين من الرواة والشهود، وذلك جائز بإجماع المسلمين بل واجب للحاجة. ومنها المشاورة في مصاهرة إنسان أو مشاركته أو إيداعه أو معاملته أو غير ذلك أو مجاورته، ويجب على المشاور أن لا يخفي حاله بل يذكر المساوئ التي فيه بنية النصيحة.

стр. 1385

ومنها إذا رأى متفقها يتردد إلى مبتدع أو فاسق يأخذ عنه العلم وخاف أن يتضرر المتفقه بذلك، فعليه نصيحته ببيان حاله بشرط أن يقصد النصيحة، وهذا مما يغلط فيه، وقد يحمل المتكلم بذلك الحسد ويلبس الشيطان عليه ذلك ويخيل إليه أنه نصيحة فليتفطن لذلك. ومنها أن يكون له ولاية لا يقوم بها على وجهها، إما بأن لا يكون صالحا لها، وإما بأن يكون فاسقا أو مغفلا ونحو ذلك، فيجب ذكر ذلك لمن له عليه ولاية عامة ليزيله ويولي من يصلح، أو يعلم ذلك منه ليعامله بمقتضى حاله ولا يغتر به، وأن يسعى في أن يحثه على الاستقامة أو يستبدل به. الخامس: أن يكون مجاهرا بفسقه أو بدعته كالمجاهر بشرب الخمر، ومصادرة الناس وأخذ المكس وجباية الأموال ظلما وتولي الأمور الباطلة، فيجوز ذكره بما يجاهر به، ويحرم ذكره بغيره من العيوب إلا أن يكون لجوازه سبب آخر مما ذكرناه. السادس: التعريف، فإذا كان الإنسان معروفا بلقب كالأعمش والأعرج والأصم والأعمى والأحول وغيرهم جاز تعريفهم بذلك، ويحرم إطلاقه على جهة التنقص، ولو أمكن تعريفه بغير ذلك كان أولى. فهذه ستة أسباب ذكرها العلماء وأكثرها مجمع عليه وقد جمعها الشيخ كمال الدين بن أبي شرف رحمه الله تعالى فقال: القدح ليس بغيبة في ستة … متظلم ومعرف ومحدر ومجاهر بالفسق ثمت سائل … ومن استعان على إزالة منكر (١) ودلائلها من الأحاديث الصحيحة المشهورة (٢) ثم ساق النووي رحمه الله تعالى أحاديثها. (والنميمة)؛ أي: ومنها صون اللسان عن النميمة وهي نقل الكلام عن المتكلم به إلى غير المتكلم به على وجه الإفساد، قال الله تعالى: ﴿هماز مشاء﴾

стр. 1386

بنميم (١١)﴾ [القلم: ١١]، وعن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يدخل الجنة نمام» (١). (و) عن (الباطل كله)؛ أي: يجب صون اللسان عن الباطل كله من الأقوال حيث كان مصدرها اللسان، فالمراد الباطل من الأقوال، والباطل أكثر من أن يحصى وهو خلاف الحق. وإذا لم تقل الحق فلا تقل الباطل على الأقل، لحديث قتادة مرسلا أن رسول الله ﷺ قال: «إن أعظم الناس خطايا يوم القيامة أكثرهم خوضا في الباطل» (٢)، وعن عبد الله بن مسعود من قوله ولفظه: «إن أكثر الناس خطايا يوم القيامة أكثرهم خوضا في الباطل» (٣)؛ ثم استدل على ما ذكر بحديثين صحيحين يدلان على ما ذكر دلالة عامة بقوله: (قال الرسول ﵊: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت) (٤)، أي: فليقل خيرا يثب عليه، ويسكت عن شر يعاقب عليه. (وقال: من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه) (٥) الذي لا يعنيه هو كل ما لا تعود عليه منه منفعة لدينه ودنياه وآخرته، والذي يعنيه ما يكون في تركه فوات الثواب. وإنما قال: من حسن إسلام المرء ولم يقل من إسلام المرء لأن ترك ما لا يعني ليس هو الإسلام ولا جزء منه، وإنما هو من أوصافه الحسنة. قال المحاسبي رحمه الله تعالى: وفرض السمع: تبع للكلام والنظر، فكل ما لا يحل الكلام فيه والنظر إليه فلا يحل لك استماعه ولا التلذذ به، والبحث عما كتم عنك من التجسس. اهـ (٦).

стр. 1387

(وحرم الله دماء المسلمين) بقوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق﴾ [الأنعام: ١٥١]، وكذا دماء أهل الذمة والمعاهد (و) حرم (أموالهم وأعراضهم) بقوله: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ [البقرة: ١٨٨]، ولحديث أبي بكرة نفيع بن الحارث ﵁ عن النبي ﷺ في خطبة الوداع قال: «فإن دماءكم وأموالكم، - قال محمد: وأحسبه قال: - وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا، في شهركم هذا، وستلقون ربكم، فسيسألكم عن أعمالكم، ألا فلا ترجعوا بعدي ضلالا، يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا ليبلغ الشاهد الغائب، فلعل بعض من يبلغه أن يكون أوعى له من بعض من سمعه … » الحديث (١). وقال ﷺ : « … فإن أربى الربا عند الله استحلال عرض المسلم، … » (٢). مفاد الحديث اعتقاد حليته إلا أنه ليس بمراد، وإنما المراد التكلم في عرضه لكن لما كان المتكلم في الأعراض كأنه مستحل لها أطلق عليه الاستحلال والاستثناء في قوله: (إلا بحقها) راجع للأمور الثلاثة فحق الأموال أن من استهلك شيئا منها فعليه قيمته، وحق الأعراض ما يأتي من قوله: ولا غيبة في هذين في ذكر حالهما، وحق استباحة الدماء ما أشار إليه بقوله: (ولا يحل دم امرئ مسلم إلا أن يكفر بعد إيمانه) ويستتاب ثلاثة أيام (أو يزني بعد إحصانه، أو يقتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض) وهو قطع الطريق لمنع السلوك لقوله ﷺ : «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث … » الحديث من رواية ابن مسعود كما في «الصحيح» (٣). (أو يمرق من الدين) بأن يعتقد اعتقاد أهل الأهواء الذين قال فيهم النبي ﷺ : «يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية» (٤).

стр. 1388

(ولتكف يدك عما لا يحل لك) تناوله (من مال كالسرقة، أو) مباشرة (جسد) غير الزوجة والأمة مما يتلذذ به ذكرا كان أو أنثى (أو) مباشرة (دم) قتل أو جرح لما سبق وحديث ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «سباب المسلم أخاه فسوق، وقتاله كفر، وحرمة ماله كحرمة دمه» (١). ولا تسع بقدميك فيما لا يحل لك المشي إليه كالزنى ولا تباشر بفرجك أو بشيء من جسدك ما لا يحل لك مثل الزني واللواط، قال الله: ﴿والذين هم لفروجهم حافظون﴾ - إلى قوله: ﴿فأولبك هم العادون﴾ [المؤمنون: ٥ - ٧]؛ أي: المتجاوزون ما لا يحل لهم، ولحديث: «كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا، مدرك ذلك لا محالة، فالعينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطس، والرجل زناها الخطا، والقلب يهوى ويتمنى، ويصدق ذلك الفرج ويكذبه» من حديث أبي هريرة ﵁ (٢)، وفي رواية لأبي داود: «واليدان تزنيان فزناهما البطس، والرجلان تزنيان فزناهما المشي، والفم يزني فزناه القبل» (٣)؛ وقوله ﷺ : «لأن يطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له» (٤). (وحرم الله سبحانه الفواحش) قال التتائي: هي كل مستقبح من قول أو فعل (ما ظهر منها) على الجوارح (وما بطن) في الضمائر قال تعالى: ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن﴾ [الأعراف: ٣٣]، وفي «الصحيحين» من حديث ابن مسعود له قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من أحد أغير

стр. 1389

من الله، من أجل ذلك حرم الفواحش، … " (١). (و) حرم الله (أن يقرب النساء في دم حيضهن أو نفاسهن) بالجماع في الفرج لما سبق في موانع الحيض، بل يحرم التمتع بغير النظر بما بين السرة والركبة ولو بغير الوطء ومن فوق حائل ولا حرج في النظر ومصداق هذا قوله تعالى: ﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾ [البقرة: ٢٢٢]. (وحرم من النساء ما تقدم ذكرنا إياه) في باب النكاح وهو أنه يحرم سبع بالقرابة وسبع بالرضاع والمصاهرة. (وأمر بأكل الطيب وهو الحلال) والحلال هو ما انحلت عنه التبعات فلم يتعلق به حق الله، ولا حق لغيره، وإليه الإشارة بقول تعالى: ﴿يأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم﴾ [البقرة: ١٧٢] والمراد بالأكل هنا الانتفاع فإذا علمت أن الله تعالى أمرك أن تأكل الطيب (فلا يحل لك أن تأكل إلا طيبا)؛ أي: حلالا، قال ابن عباس ﵄: لا يقبل الله صلاة من في بطنه حرام (ولا) يحل لك (أن تلبس إلا طيبا)؛ أي: حلالا، (ولا) يحل لك (أن تركب شيئا من الدواب إلا طيبا) فركوب الدابة المغصوبة أو المشتراة بمال حرام حرام، (ولا) يحل لك (أن تسكن إلا طيبا) فسكنى ما اشترى بمال حرام حرام، وتستعمل سائر ما تنتفع به طيبا؛ أي: حلالا لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال تعالى: ﴿يأيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا﴾ [المؤمنون: ٥١]. وقال تعالى: ﴿يأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم﴾ [البقرة: ١٧٢] ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك؟» (٢). (ومن وراء ذلك)؛ أي: الحلال أمور متشابهات من تركها سلم، ومن

стр. 1390

أخذ منها كان كالراتع حول الحمى يوشك) بكسر الشين؛ أي: يقرب (أن يقع فيه) فإذا وقع فيه فإنه يخاف عليه من سطوة صاحب الحمى لحديث النعمان بن بشير ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الحلال بين وإن الحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات، لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» (١). والحمى لغة: ما يحميه صاحب الشوكة، ويمنع غيره من الرعي فيه والقصد اجتناب المتشابه والاقتصار على محقق الحل. (وحرم الله سبحانه أكل المال بالباطل)؛ أي: أخذه من وجه غير جائز وليس المراد حقيقة الأكل وإنما عبر عن الأخذ بالأكل لأن الغالب فيما يكتسب أن يراد للأكل قال تعالى: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ [البقرة: ١٨٨]، ومن الباطل الغصب وهو استيلاء يد عادية على مال الغير، وقد ورد في الوعيد عليه أحاديث كثيرة منها حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من غصب رجلا أرضا ظلما لقي الله وهو عليه غضبان» (٢)، وحديث عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه من سبع أرضين» (٣)، (و) من الباطل (التعدي) فسره بأنه التصرف فيما لا يؤذن فيه مما تحت يدك، وقد قال النبي ﷺ : «لا يحل للرجل أن يأخذ عصا أخيه بغير طيب نفسه وذلك لشدة ما حرم رسول الله ﷺ من مال المسلم

стр. 1391

على المسلم» من حديث أبي حميد الساعدي (١)، (و) منه (الخيانة) وهو أن يخون الله ورسوله فيما ائتمن عليه قال تعالى: ﴿يأيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أمنتكم وأنتم تعلمون﴾ [الأنفال: ٢٧]، أو يخون المؤمنين في أموالهم أو أهليهم أو في أمانتهم … إلخ، وقد كان من دعاء النبي ﷺ : «اللهم إني أعوذ بك من الجوع، فإنه بئس الضجيع، وأعوذ بك من الخيانة، فإنها بئست البطانة» من حديث أبي هريرة ﵁ (٢). (و) منه (الربا) وهو الزيادة في الثمن أو الأجل على غير وجه سائغ وقد مر الوعيد فيه، ولا سيما في زماننا حيث جهل الناس ما الربا؟ فصاروا يأكلونه، ويشربونه، ويلبسونه، ويركبونه، ويتنفسونه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصدق المصطفى ﷺ حيث قال: «ليأتين على الناس زمان لا يبقى أحد إلا أكل الربا، فإن لم يأكله أصابه من بخاره» قال ابن عيسى: «أصابه من غباره» (٣)، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «اجتنبوا السبع الموبقات!» … وذكر منها … «وأكل الربا … » (٤). الموبقات: المهلكات. (و) منه (السحت) لغة: الحرام، أو ما خبث من المكاسب فلزم عنه العار؛ سمي بذلك لأنه يسحت البركة ويذهبها، يقال: (سحته الله)؛ أي: أهلكه، ويقال: (أسحته)، وقرئ بهما في قوله تعالى: ﴿فيسحتكم بعذاب﴾ [طه: ٦١]؛ أي: يستأصلكم ويهلككم.

стр. 1392

ومنهم من فسر السحت بالرشوة التي يأخذها الشاهد على شهادته أو القاضي على حكمه والتي كانت من أخلاق اليهود حيث وصفهم الله تعالى بذلك في قوله: ﴿سماعون للكذب أكلون للسحت﴾ [المائدة: ٤٢]، ونهى المسلمين عن ذلك فقال: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون﴾ [البقرة: ١٨٨]. ولكن هل هناك فرق بين السحت والرشوة؟ نعم هناك فرق: وهو «أن ما كان فيه اشتراك بين طرفين في ارتكاب الإثم فهو الرشوة؛ لوجود راش ومرتش، وما كان الإثم فيه من طرف واحد مع اضطرار الطرف الثاني فهو السحت». (و) منه؛ أي: الحرام (القمار) وهو ما يأخذ بعض الناس من بعض على لعب الشطرنج ونحوه وقد قال تعالى: ﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون﴾ [المائدة: ٩٠]، والميسر هو القمار، وعن أبي هريرة له أن رسول الله ﷺ قال: «من حلف فقال في حلفه: واللات والعزى، فليقل: لا إله إلا الله، ومن قال لصاحبه: تعال أقامرك، فليتصدق» (١)؛ وورد في النرد الذي هو من أنواع القمار قوله ﷺ : «من لعب بنرد أو نرد شير فقد عصى الله ورسوله» من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ (٢)، وفي رواية: «لا يقلب كعابها أحد ينتظر ما تأتي به إلا عصى الله ورسوله» (٣) وقوله ﷺ : «من لعب بالنرد شير فكأنما غمس يده في لحم الخنزير ودمه» من حديث بريدة رضي عنه (٤). (و) منه (الغرر) الكثير كشراء الطير في الهواء، والسمك في البحر، وأما

стр. 1393

اليسير فمغتفر لأن البياعات لا تنفك عنه كالحبوب المباعة، فإنها لا تخلو من نحو طين والعقارات مجهول أساسها، وقد سبق في البيوع النهي عن ذلك بالأدلة، (و) منه (الغش) بكسر الغين وهو خلط الشيء بغير جنسه أو بجنسه الدنيء فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من حمل علينا السلاح فليس منا، ومن غشنا فليس منا» (١). (و) منه (الخديعة) بالكلام أو الفعل ليتوصل إلى عرض دنيوي كأن يقول من يتعاطى البيع لرجل قدم عليه: نهارك مبارك، حصل أنسكم، وقصده التوصل إلى أن يشتري منه، والغش والخداع من شيم اللئام، (و) منه (الخلابة) بكسر الخاء المعجمة وتخفيف اللام وفسرت بالخديعة قال النبي ﷺ لرجل كان يخدع في البيع: «إذا بايعت فقل: لا خلابة» (٢) وقد تقدم. (وحرم الله) (أكل الميتة) ما عدا ميتة البحر والجراد، (و) أكل (الدم) ما عدا الكبد والطحال (و) حرم (لحم الخنزير)؛ أي: أكله، (و) حرم أكل ما أهل لغير الله (به)؛ أي: ما ذبح ورفعت عليه الأصوات بغير ذكر الله تعالى، مثل أن يذكر عليه اسم المسيح، أو يذكر عليه اسم نبي أو ولي (و) حرم الله أكل (ما ذبح لغير الله) كالأصنام، وفي كلامه هنا مع ما تقدم من قوله في الضحايا ولا بأس بأكل طعام أهل الكتاب معارضة وجهها أن من جملة طعام أهل الكتاب ذبائحهم لقصد عيسى مثلا فيكون مفيد الحل ما ذبح لغير الله، وأجاب ابن عمر الأنفاسي بأن ما قاله هنا محمول على ذبائح المجوس ويبقى ما في الضحايا على إطلاقه. وحاصل هذا الجواب أن ذبائح أهل الكتاب تؤكل مطلقا أهل عليها لغير الله أو لا وليس كذلك. وفقه المسألة: أن ذبح الكتابي لا يحل إذا أهل به لغير الله، وذبح

стр. 1394

المجوسي لا يحل مطلقا، (و) أكل (ما)؛ أي: الذي (أعان على موته ترد من جبل)؛ أي: فلا يؤكل ولو ذكي لأنه لا يدري هل مات من الذكاة أو السقوط من علو إلى سفل كما لو سقط من نحو جبل، (أو) أعان على موته (وقذة)؛ أي: رمية (بعصا أو غيرها) كالحجر، (و) حرم الله (المنخنقة)؛ أي: أكلها وهي ما تخنق (بحبل أو غيره) مثل أن تخنق بين عودين ودليل تحريم هذه المذكورات قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب﴾ [المائدة: ٣]، (إلا أن يضطر إلى أكل (ذلك) فإنها لا يحرم أكلها (ك) المضطر لأكل الميتة) من مأكول اللحم وغيره ما عدا ميتة الآدمي، (وذلك)؛ أي: تحريم أكل المتردية وما ذكر معها (إذا صارت بذلك) الفعل الذي هو التردي أو الوقذ أو الخنق (إلى حال لا حياة بعده) عادة فإذا وصلت إلى هذه الحالة (فلا ذكاة تؤثر فيها) ظاهره سواء أنفذت مقاتلها أم لا، وهو خلاف المذهب، والمذهب التفصيل فإن أنفذت مقاتلها تحقيقا أو شكا لم تفد فيها الذكاة، وإلا فالذكاة مفيدة فيها، وإن أيس من حياتها والخلاف بين الفقهاء في الاستثناء الواقع عقب المذكورات في الآية فمن جعله متصلا أفادت الذكاة ما دام ثمت حياة، ومن جعله منفصلا حرم أكل المذكورات. (ولا بأس للمضطر) الذي بلغ الجوع منه مبلغا يخاف منه على نفسه الهلاك (أن يأكل الميتة) وظاهر قوله: ولا بأس إن ترك الأكل أفضل وليس كذلك، بل هو واجب كما قال مالك، لقوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾ [النساء: ٢٩]، (و) إذا أكل لا بأس أن (يشبع) منها كما قال ابن ناجي، وعند مالك لا يأكل إلا ما يسد رمقه خاصة، (و) أن (يتزود) منها، قال مالك له ذلك. وقيل: ليس له ذلك وإذا قلنا بالأول (ف) إنه (إن استغنى عنها طرحها)؛ أي: وجوبا، (ولا بأس بالانتفاع بجلدها)؛ أي: الميتة (إذا دبغ) في اليابسات والماء فقط، أما إذا لم يدبغ فلا ينتفع به أصلا، ولا يصلى عليه، ولا يباع على المشهور، فالمشهور أنه لا يصلى عليه ولا يباع. (ولا بأس بالصلاة على جلود السباع إذا ذكيت وبيعها وينتفع بصوف الميتة

стр. 1395

وشعرها، وما ينزع منها في حال (الحياة)؛ أي: إن جز أيضا (١). والضمير في منها راجع للميتة لا من حيث كونها ميتة بالفعل؛ أي: ميتة بحسب الإمكان (وأحب إلينا أن يغسل) وقال ابن حبيب: يجب غسله ولا ينتفع بريشها ولا بقرنها وأظلافها المراد بالريش: قصب ريش الميتة لأن الزغب كالشعر في طهارته بالجز. وأما القرن فلا ينتفع به مطلقا طرفه وأصله سواء في عدم الانتفاع والأظلاف هي الأخفاف، (وأنيابها وكره الانتفاع بأنياب الفيل)؛ أي: غير المذكى وقد تقدم في الذبائح الكلام على هذا الفصل بتمامه، وكل شيء من الخنزير لحمه وشحمه وعظمه وجلده (حرام)؛ أي: أكله والانتفاع به، وقد أرخص في الانتفاع بشعره لأنه ليس بنجس على المشهور في المذهب (٢). (وحرم الله سبحانه) وتعالى (شرب الخمر قليلها وكثيرها) قال تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون﴾ [المائدة: ٩٠] قال في «شرح عمدة الأحكام»: إن بعض الشيوخ يقول: حتى لو أخذ منها برأس إبرة على لسانه لحد انتهى. (وشراب العرب) وهم الصحابة ﵃ وغيرهم، لأن الخمر لم يكن حراما قبل (يومئذ)؛ أي: يوم تحريم الخمر (فضيخ التمر) بفاء وضاد وخاء معجمتين بينهما تحتية ساكنة، وهو تمر يهرس ويجعل في الأواني ويجعل عليه ماء ويترك حتى يتخمر؛ أي: يصير خمرا مسكرا، فقد قال أنس ﵁: كنت أسقي أبا عبيدة وأبا طلحة وأبي بن كعب، من فضيخ زهو (٣) وتمر، فجاءهم آت فقال: «إن الخمر قد حرمت، فقال أبو طلحة: قم يا أنس فأهرقها، فأهرقتها» (٤)، (وبين الرسول عليه) الصلاة و (السلام

стр. 1396

أن كل ما أسكر كثيره من جميع الأشربة، فقليله حرام)؛ أي: ولو لم يسكر فعن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ما أسكر كثيره، فقليله حرام» (١)، (وكل ما خامر)؛ أي: ستر (العقل فأسكره من كل شراب فهو خمر) لما كان يتوهم قصر الخمر على ماء العنب قال: وكل ما خامر العقل؛ أي: ستر العقل. وقوله: فأسكره؛ أي: فليس المراد كل ساتر للعقل، بل أراد سترا تسبب عنه إسكار؛ أي: نشوة وفرح، فعن عمر ﵁ قال: «نزل تحريم الخمر، وهي من خمسة: من العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير. والخمر: ما خامر العقل» (٢). (وقال الرسول ﵊: إن الذي حرم شربها): وهو الله (حرم بيعها) الذي روى مالك أن ابن عباس ﵄ قال: «أهدي رجل لرسول الله ﷺ راوية خمر. فقال له رسول الله ﷺ : «أما علمت أن الله حرمها؟». قال: لا. فساره رجل إلى جنبه. فقال رسول الله ﷺ : «بم ساررته؟». فقال: أمرته أن يبيعها، فقال له رسول الله ﷺ : «إن الذي حرم شربها، حرم بيعها»، ففتح الرجل المزادتين، حتى ذهب ما فيهما» (٣). (ونهى) ﵊ (عن الخليطين من الأشربة)؛ أي: عن شرب الخليطين لأن النهي إنما يتعلق بالأفعال، (و) يصور (ذلك) بحالتين إحداهما (أن يخلطا عند الانتباذ) بأن يفضخ التمر والزبيب مثلا ويخلطا ويوضعا في إناء ويصب عليهما الماء ويتركا حتى يتخمر لحديث أبي قتادة الأنصاري ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى أن يشرب التمر والزبيب جميعا،

стр. 1397

والزهو والرطب جميعا" (١)، (و) الحالة الثانية أن ينبذ هذا على حدة وهذا على حدة ثم يخلطا (عند الشرب) فالنهي متعلق بكل من الحالتين. (ونهى ﵊ عن الانتباذ في الدباء) بضم الدال وتشديد الباء وبالمد القرع، (و) عن الانتباذ في (المزفت) وهي قلال تزفت؛ أي: تطلى بالزفت، قال أنس ﵁: قال النبي ﷺ : «لا تنبذوا في الدباء والمزفت» (٢)، وإنما نهى عن ذلك لأن السكر يسرع إليهما. • بعض الحيوانات محرمة الأكل: • قال المصنف رحمه الله تعالى: (ونهى ﵇ عن أكل كل ذي ناب من السباع وعن أكل لحوم الحمر الأهلية ودخل مدخلها لحوم الخيل والبغال لقول الله ﵎: ﴿لتركبوها وزينة﴾ [النحل: ٨] ولا ذكاة في شيء منها إلا في الحمر الوحشية، ولا بأس بأكل سباع الطير وكل ذي مخلب منها). الشرح (ونهى عليه الصلاة و السلام عن أكل كل ذي ناب من السباع) وهو كل ما له ناب يعدو به ويفترس كالفهد والنمر والذئب، فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «كل ذي ناب من السباع، فأكله حرام» (٣)، وأما الثعلب فليس بسبع وإن كان له ناب لأنه لا يعدو به ولا يفترس. (ونهى ﵊ عن أكل لحوم الحمر الأهلية ودخل مدخلها في منع الأكل لحوم الخيل والبغال؛ أي: شارك أكله في الحرمة أكل لحوم الخيل إلخ، هذا الظاهر من كلام المصنف، نعم الحمر الأهلية نهي

стр. 1398

عن أكلها أما الخيل فلا، لحديث جابر ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية، وأذن في لحوم الخيل» (١). وفي لفظ البخاري: «ورخص»، وأما تعليل ذلك فإن الله تعالى لما ذكر الأنعام قال: ﴿والأنعم خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون﴾ [النحل: ٨] ولما ذكر هؤلاء لم يذكر غير الركوب والزينة، فدل على أنه لا يجوز فيها إلا ذلك. وإلى ذلك الغرض أشار الشيخ بقوله: لقول الله ﵎: ﴿لتركبوها وزينة﴾ [النحل: ٨]؛ أي: يتزين بها، وقد بينا في الأطعمة أن الخيل مباحة بنص الحديث واختلف قول الفقهاء في تفسير ذلك. (ولا ذكاة في شيء منها؛ أي: من ذي الناب وما بعده؛ أي: لا تعمل فيه الذكاة شيئا أصلا بحيث يترتب عليها حل الأكل إلا في الحمر الوحشية) فإنها تعمل فيها الذكاة ما دامت متوحشة لأنها مباحة كما في حديث عبد الله بن أبي قتادة قال: كان أبو قتادة في قوم محرمين فعرض لهم حمار وحش فلم يؤذنوه حتى أبصره هو، فاختلس من رجل منهم سوطا فحمل عليه فصرعه، وأتاهم به فأكلوه فلقوا رسول الله ﷺ فقال: «هل أشار إليه إنسان منكم» فقالوا: لا، فقال «كلوا» (٢). والاستثناء في كلامه منقطع لأن الحمر الوحشية لم تدخل فيما تقدم. ولا بأس بأكل سباع الطير كالبازي وظاهر قوله: (وكل ذي مخلب منها) أن السباع غير ذي المخلب، وليس كذلك. ويلتزم التأويل في كلامه بأن نقول تقديره: وهي كل ذي مخلب منها، والمخلب الظفر الذي يعقر به. واستدل المالكية لذلك بقوله تعالى: ﴿قل لا أجد في ما أوحي إلى محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به﴾ [الأنعام: ١٤٥] الآية وقوله تعالى في الجوارح: ﴿فكلوا مما أمسكن عليكم﴾ [المائدة: ٤]، قال الباجي: ولم يفرق بين ذي مخلب وغيره،

стр. 1399

ولأن هذا طائر فلم يكن حراما كالدجاج والإوز (١)، قال الغماري: ولا يخفى ما فيه لورود النص بتحريم كل ذي مخلب من الطير كما سبق وهو في «صحيح مسلم» وغيره، ولا يخفى أن الآية عامة والحديث خاص فيبني العام على الخاص (٢). قال المصنف رحمه الله تعالى: ومن الفرائض بر الوالدين وإن كانا فاسقين وإن كانا مشركين فليقل لهما قولا لينا وليعاشرهما بالمعروف، ولا يطعهما في معصية كما قال الله . وعلى المؤمن أن يستغفر لأبويه المؤمنين، وعليه موالاة المؤمنين والنصيحة لهم. ولا يبلغ أحد حقيقة الإيمان حتى يحب لأخيه المؤمن ما يحب لنفسه، كذلك روي عن رسول الله ﷺ وعليه أن يصل رحمه، ومن حق المؤمن على المؤمن أن يسلم عليه إذا لقيه ويعوده إذا مرض ويشمته إذا عطس ويشهد جنازته إذا مات، ويحفظه إذا غاب في السر والعلانية، ولا يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، والسلام يخرجه من الهجران ولا ينبغي له أن يترك كلامه بعد السلام، والهجران الجائز هجران ذي البدعة أو متجاهر بالكبائر لا يصل إلى عقوبته ولا يقدر على موعظته أو لا يقبلها ولا غيبة في هذين في ذكر حالهما ولا فيما يشاور فيه لنكاح أو مخالطة ونحوه ولا في تجريح شاهد ونحوه. ومن مكارم الأخلاق أن تعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك، وجماع آداب الخير وأزمته تتفرع عن أربعة أحاديث: قول النبي ﵈: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت، وقوله ﵊: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا

стр. 1400

يعنيه»، وقوله ﵇ للذي اختصر له في الوصية: «لا تغضب»، وقوله ﵇: «المؤمن يحب لأخيه المؤمن ما يحب لنفسه». الشرح • بر الوالدين: (ومن الفرائض بر الوالدين وإن كانا فاسقين) عملا أو اعتقادا، ومعنى البر: الإحسان، وهو في حق الوالدين والأقربين ضد العقوق، قال الحسن البصري: البر أن تطيعهما في كل ما أمراك به ما لم تكن معصية، والعقوق هجرانهما، وأن تحرمهما خيرك (١) وشروط البر ثلاثة: الأول: أن يؤثر الولد رضا والديه على رضا نفسه وزوجته وأولاده والناس أجمعين. الثاني: أن يطيعهما في كل ما يأمران به وينهيانه عنه، سواء أوافق رغباته أم لم يوافقها، ما لم يأمراه بمعصية الله تعالى. الثالث: أن يقدم لهما كل ما يلحظ أنهما يرغبان فيه من غير أن يطلباه منه عن طيب نفس وسرور، مع شعوره بتقصيره في حقهما ولو بذل لهما دمه وماله (٢). (وإن كانا مشركين) فليطعهما وليحسن إليهما قال تعالى: ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا﴾ [الإسراء: ٢٣] ومعنى: (قضى) كما قال ابن كثير: وصى، وقال القرطبي: أي: أمر وألزم وأوجب، وقال الشوكاني: «وفي جعل الإحسان إلى الأبوين قرينا لتوحيد الله وعبادته من الإعلان بتأكيد حقهما والعناية بشأنهما ما لا يخفى» (٣)، وعن أبي هريرة ﵁ قال: «جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال:

стр. 1401

«أمك» قال: ثم من؟ قال: «أمك» قال: ثم من؟ قال: «أمك» قال: ثم من؟ قال: «أبوك»» (١). وفي رواية: يا رسول الله من أحق الناس بحسن الصحبة؟ قال: «أمك، ثم أمك، ثم أمك، ثم أباك، ثم أدناك أدناك» (٢)؛ وعن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: قدمت علي أمي وهي مشركة في عهد رسول الله ﷺ فاستفتيت رسول الله ﷺ قلت: وهي راغبة أفأصل أمي، قال: «نعم صلي أمك» (٣)، (فليقل لهما قولا لينا) بأن لا يرفع صوته فوق صوتهما قال تعالى: ﴿فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما﴾ [الإسراء: ٢٣] وأخرج الديلمي عن الحسين بن علي ﵁ مرفوعا: «لو علم الله شيئا من العقوق أدنى من (أف) لحرمه» (٤)، وقال ابن عباس ﵄: هي كلمة كراهة، وقال مقاتل: الكلام الغليظ. وليعلم أن رضا الله في رضاهما كما جاء عن النبي ﷺ أنه قال: «رضا الرب في رضا الوالدين وسخطه في سخطهما» (٥). (وليعاشرهما بالمعروف)؛ أي: بكل ما عرف من الشرع الإذن فيه قال تعالى: ﴿واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا﴾ [الإسراء: ٢٤]، وقال سبحانه: ﴿أن اشكر لي ولوالديك﴾ [لقمان: ١٤] فمن شكر الله ولم يشكر والديه لم يقبل منه كما قال الحبر ﵁، (ولا يطعهما في معصية كما قال الله تعالى : ﴿وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما﴾ [لقمان: ١٥]، وقال ﷺ : «لا طاعة لمخلوق في

стр. 1402

معصية الخالق» (١)، قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: بر الوالدين واجب في غير الحرام (٢)، وقد وقع الإجماع على برهما وحرمة عقوقهما كما حكاه النووي فقال: أجمع العلماء على الأمر ببر الوالدين وأن عقوقهما حرام من الكبائر. (و) يجب على المؤمن أن يستغفر لأبويه المؤمنين لقوله تعالى: ﴿وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا﴾ [الإسراء: ٢٤]، وأن يحسن لأصحابهما بعد موتهما، حدث مالك بن ربيعة الساعدي ﵁ قال: بينا نحن عند رسول الله ﷺ : إذ جاءه رجل من بني سلمة، فقال: يا رسول الله، هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما؟ قال: «نعم الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما» (٣).، وعن أبي هريرة ﵁: «إن الرجل لترفع درجته في الجنة، فيقول أنى لي هذا؟ فيقال: باستغفار ولدك لك» (٤). • موالاة المؤمنين ومعاداة الكافرين: (و) يجب (عليه)؛ أي: المؤمن (موالاة المؤمنين) وهي الألفة والاجتماع من إظهار المحبة لهم ومناصرتهم وعدم ما يوجب المنافرة من حسد وغيره قال تعالى: ﴿إنما وليكم الله ورسوله، والذين آمنوا﴾ [المائدة: ٥٥]، وقال تعالى: ﴿ولا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم﴾ [المجادلة: ٢٢] الآية، (و) يجب على المؤمن (النصيحة لهم)؛ أي: للمؤمنين لما صح من قوله ﵊: «الدين

стр. 1403

«النصيحة» كما في «صحيح مسلم» ﵀ من حديث أبي رقية تميم بن أوس الداري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «الدين النصيحة» قلنا: لمن؟ قال: «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» (١). قال العلامة ابن دقيق العيد ﵀ في شرحه لهذا الحديث: وأما نصيحة عامة المسلمين وهم من عدا ولاة الأمور فإرشادهم لمصالحهم في آخرتهم ودنياهم وإعانتهم عليها، وستر عوراتهم، وسد خلاتهم، ودفع المضار عنهم، وجلب المنافع لهم، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، برفق وإخلاص والشفقة عليهم، وتوقير كبيرهم ورحمة صغيرهم، وتخولهم بالموعظة الحسنة وترك غشهم وحسدهم، وأن يحب لهم ما يحب لنفسه من الخير ويكره لهم ما يكره لنفسه من المكروه، والذب عن أموالهم وأعراضهم وغير ذلك. اهـ (٢). (ولا يبلغ أحد حقيقة الإيمان حتى يحب لأخيه المؤمن لنفسه) لحديث أبي حمزة أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه، أو لجاره، ما يحب لنفسه» (٣). وذكر الأخ ليحترز به عن الرسول ﷺ فإن المرء لا يكون مؤمنا حتى يكون الرسول ﷺ أحب إليه من ماله وولده ونفسه. أفاده التتائي. • صلة الأرحام: (و) يجب (عليه)؛ أي: المؤمن (أن يصل رحمه) التواصل ضد التصارم، وعن صلة الرحم: قال ابن الأثير: وهي كناية عن الإحسان إلى الأقربين من ذوي النسب والأصهار، والعطف عليهم، والرفق بهم، والرعاية لأحوالهم، وكذلك إن بعدوا وأساؤوا، وقطع الرحم ضد ذلك.

стр. 1404

كله، فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه» (١). • حق المسلم على أخيه المسلم: (ومن حق المؤمن على المؤمن)؛ أي: مما يجب على المسلم تجاه أخيه: (أن يسلم عليه؛ أي: يبدأه بالسلام إذا لقيه) فيقول له: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ويصافحه، ويرد المسلم عليه قائلا: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته لقوله تعالى: ﴿وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها إن الله كان على كل شيء حسيبا﴾ [النساء: ٨٦]، قال ﷺ : «تقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف» (٢)، وقوله ﷺ : «ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يفترقا» (٣)، (و) يجب عليه أن (يعوده إذا مرض) ومن آداب ذلك أن يقل عنه السؤال؛ أي: عن حاله، وأن يظهر له الشفقة، وأن لا يقنطه، وأن ينفس له في الأجل، ويرغبه في رحمة الله تعالى، وألا يطيل عنده المقام، إلا إذا دعاه لذلك مما فيه مؤانسة له، وأن يدعو له بالدعاء المأثور فعن عائشة ﵂ قالت: «إن النبي ﷺ كان يعوذ بعض أهله، يمسح بيده اليمنى ويقول: «اللهم رب الناس أذهب الباس، اشفه وأنت الشافي، لا شفاء إلا شفؤك، شفاء لا يغادر سقما»» (٤)، (و) من حقه عليه (أن يشمته إذا عطس)؛ أي: يقول له: يرحمك الله إذا سمعه يحمد الله وهذا شرط التشميت، فإن لم يحمد ذكره (٥) كأن يقول له: من عطس ماذا يقول؟ فإذا حمد شمته، فيرد العاطس بقوله: يهديكم الله ويصلح بالكم لقول النبي ﷺ : « … وإذا عطس

стр. 1405

فحمد الله فسمته (١) … (٢)، وعن النبي ﷺ قال: «إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله، وليقل له أخوه يرحمك الله، فإذا قال له: يرحمك الله، فليقل: يهديكم الله، ويصلح بالكم» (٣). (و) من حقه عليه (أن يشهد جنازته إذا مات) لأجل الصلاة عليه والدفن لحديث لقوله ﷺ : «حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس» (٤)، (وأن يحفظه إذا غاب في السر) بأن لا يغتابه، ولا يسمح لأحد أن يغتابه في مجلسه، وينصره لقوله ﷺ : «ما من امرئ يخذل امرأ مسلما في موضع تنتهك فيه حرمته وينتقص فيه من عرضه، إلا خذله الله في موطن يحب فيه نصرته، وما من امرئ ينصر مسلما في موضع ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته، إلا نصره الله في موطن يحب نصرته» (٥) (و) يحفظه في (العلانية) بأن لا يشتمه ولا يأخذ ماله علانية. • أنواع الهجر الجائز والممنوع: (ولا) يجوز للمؤمن أن (يهجر أخاه) المؤمن بحيث لا يكلمه ولا يسلم عليه (فوق ثلاث ليال) بأيامها فعن أبي أيوب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال يلتقيان، فيعرض هذا، ويعرض.
следующие страницы →