← Фикх малики

Фикх малики · id 30135

مسالك الجلالة في اختصار المناهل الزلالة

مختار بن العربي الجزائري

Полный текст (1 525 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

«أمك» قال: ثم من؟ قال: «أمك» قال: ثم من؟ قال: «أمك» قال: ثم من؟ قال: «أبوك»» (١). وفي رواية: يا رسول الله من أحق الناس بحسن الصحبة؟ قال: «أمك، ثم أمك، ثم أمك، ثم أباك، ثم أدناك أدناك» (٢)؛ وعن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: قدمت علي أمي وهي مشركة في عهد رسول الله ﷺ فاستفتيت رسول الله ﷺ قلت: وهي راغبة أفأصل أمي، قال: «نعم صلي أمك» (٣)، (فليقل لهما قولا لينا) بأن لا يرفع صوته فوق صوتهما قال تعالى: ﴿فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما﴾ [الإسراء: ٢٣] وأخرج الديلمي عن الحسين بن علي ﵁ مرفوعا: «لو علم الله شيئا من العقوق أدنى من (أف) لحرمه» (٤)، وقال ابن عباس ﵄: هي كلمة كراهة، وقال مقاتل: الكلام الغليظ. وليعلم أن رضا الله في رضاهما كما جاء عن النبي ﷺ أنه قال: «رضا الرب في رضا الوالدين وسخطه في سخطهما» (٥). (وليعاشرهما بالمعروف)؛ أي: بكل ما عرف من الشرع الإذن فيه قال تعالى: ﴿واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا﴾ [الإسراء: ٢٤]، وقال سبحانه: ﴿أن اشكر لي ولوالديك﴾ [لقمان: ١٤] فمن شكر الله ولم يشكر والديه لم يقبل منه كما قال الحبر ﵁، (ولا يطعهما في معصية كما قال الله تعالى : ﴿وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما﴾ [لقمان: ١٥]، وقال ﷺ : «لا طاعة لمخلوق في

стр. 1402

معصية الخالق» (١)، قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: بر الوالدين واجب في غير الحرام (٢)، وقد وقع الإجماع على برهما وحرمة عقوقهما كما حكاه النووي فقال: أجمع العلماء على الأمر ببر الوالدين وأن عقوقهما حرام من الكبائر. (و) يجب على المؤمن أن يستغفر لأبويه المؤمنين لقوله تعالى: ﴿وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا﴾ [الإسراء: ٢٤]، وأن يحسن لأصحابهما بعد موتهما، حدث مالك بن ربيعة الساعدي ﵁ قال: بينا نحن عند رسول الله ﷺ : إذ جاءه رجل من بني سلمة، فقال: يا رسول الله، هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما؟ قال: «نعم الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما» (٣).، وعن أبي هريرة ﵁: «إن الرجل لترفع درجته في الجنة، فيقول أنى لي هذا؟ فيقال: باستغفار ولدك لك» (٤). • موالاة المؤمنين ومعاداة الكافرين: (و) يجب (عليه)؛ أي: المؤمن (موالاة المؤمنين) وهي الألفة والاجتماع من إظهار المحبة لهم ومناصرتهم وعدم ما يوجب المنافرة من حسد وغيره قال تعالى: ﴿إنما وليكم الله ورسوله، والذين آمنوا﴾ [المائدة: ٥٥]، وقال تعالى: ﴿ولا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم﴾ [المجادلة: ٢٢] الآية، (و) يجب على المؤمن (النصيحة لهم)؛ أي: للمؤمنين لما صح من قوله ﵊: «الدين

стр. 1403

«النصيحة» كما في «صحيح مسلم» ﵀ من حديث أبي رقية تميم بن أوس الداري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «الدين النصيحة» قلنا: لمن؟ قال: «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» (١). قال العلامة ابن دقيق العيد ﵀ في شرحه لهذا الحديث: وأما نصيحة عامة المسلمين وهم من عدا ولاة الأمور فإرشادهم لمصالحهم في آخرتهم ودنياهم وإعانتهم عليها، وستر عوراتهم، وسد خلاتهم، ودفع المضار عنهم، وجلب المنافع لهم، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، برفق وإخلاص والشفقة عليهم، وتوقير كبيرهم ورحمة صغيرهم، وتخولهم بالموعظة الحسنة وترك غشهم وحسدهم، وأن يحب لهم ما يحب لنفسه من الخير ويكره لهم ما يكره لنفسه من المكروه، والذب عن أموالهم وأعراضهم وغير ذلك. اهـ (٢). (ولا يبلغ أحد حقيقة الإيمان حتى يحب لأخيه المؤمن لنفسه) لحديث أبي حمزة أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه، أو لجاره، ما يحب لنفسه» (٣). وذكر الأخ ليحترز به عن الرسول ﷺ فإن المرء لا يكون مؤمنا حتى يكون الرسول ﷺ أحب إليه من ماله وولده ونفسه. أفاده التتائي. • صلة الأرحام: (و) يجب (عليه)؛ أي: المؤمن (أن يصل رحمه) التواصل ضد التصارم، وعن صلة الرحم: قال ابن الأثير: وهي كناية عن الإحسان إلى الأقربين من ذوي النسب والأصهار، والعطف عليهم، والرفق بهم، والرعاية لأحوالهم، وكذلك إن بعدوا وأساؤوا، وقطع الرحم ضد ذلك.

стр. 1404

كله، فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه» (١). • حق المسلم على أخيه المسلم: (ومن حق المؤمن على المؤمن)؛ أي: مما يجب على المسلم تجاه أخيه: (أن يسلم عليه؛ أي: يبدأه بالسلام إذا لقيه) فيقول له: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ويصافحه، ويرد المسلم عليه قائلا: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته لقوله تعالى: ﴿وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها إن الله كان على كل شيء حسيبا﴾ [النساء: ٨٦]، قال ﷺ : «تقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف» (٢)، وقوله ﷺ : «ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يفترقا» (٣)، (و) يجب عليه أن (يعوده إذا مرض) ومن آداب ذلك أن يقل عنه السؤال؛ أي: عن حاله، وأن يظهر له الشفقة، وأن لا يقنطه، وأن ينفس له في الأجل، ويرغبه في رحمة الله تعالى، وألا يطيل عنده المقام، إلا إذا دعاه لذلك مما فيه مؤانسة له، وأن يدعو له بالدعاء المأثور فعن عائشة ﵂ قالت: «إن النبي ﷺ كان يعوذ بعض أهله، يمسح بيده اليمنى ويقول: «اللهم رب الناس أذهب الباس، اشفه وأنت الشافي، لا شفاء إلا شفؤك، شفاء لا يغادر سقما»» (٤)، (و) من حقه عليه (أن يشمته إذا عطس)؛ أي: يقول له: يرحمك الله إذا سمعه يحمد الله وهذا شرط التشميت، فإن لم يحمد ذكره (٥) كأن يقول له: من عطس ماذا يقول؟ فإذا حمد شمته، فيرد العاطس بقوله: يهديكم الله ويصلح بالكم لقول النبي ﷺ : « … وإذا عطس

стр. 1405

فحمد الله فسمته (١) … (٢)، وعن النبي ﷺ قال: «إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله، وليقل له أخوه يرحمك الله، فإذا قال له: يرحمك الله، فليقل: يهديكم الله، ويصلح بالكم» (٣). (و) من حقه عليه (أن يشهد جنازته إذا مات) لأجل الصلاة عليه والدفن لحديث لقوله ﷺ : «حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس» (٤)، (وأن يحفظه إذا غاب في السر) بأن لا يغتابه، ولا يسمح لأحد أن يغتابه في مجلسه، وينصره لقوله ﷺ : «ما من امرئ يخذل امرأ مسلما في موضع تنتهك فيه حرمته وينتقص فيه من عرضه، إلا خذله الله في موطن يحب فيه نصرته، وما من امرئ ينصر مسلما في موضع ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته، إلا نصره الله في موطن يحب نصرته» (٥) (و) يحفظه في (العلانية) بأن لا يشتمه ولا يأخذ ماله علانية. • أنواع الهجر الجائز والممنوع: (ولا) يجوز للمؤمن أن (يهجر أخاه) المؤمن بحيث لا يكلمه ولا يسلم عليه (فوق ثلاث ليال) بأيامها فعن أبي أيوب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال يلتقيان، فيعرض هذا، ويعرض.

стр. 1406

هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام) (١)، ومفهومه أن هجران الثلاثة جائز وهو كذلك، لأنه لو حرم الهجران مطلقا لكان في ذلك مشقة لأن طبع الإنسان قل أن ينفك عن غضب، (والسلام يخرجه من الهجران) إن نوى به ذلك فإن رد الآخر فقد خرجا من الهجران معا وإلا فقد خرج المسلم فقط. (ولا ينبغي) بمعنى يستحب (له أن) لا (يترك كلامه بعد السلام)؛ أي: يستحب له أن يسترسل ويداوم على كلامه، لأن في تركه بعد السلام إساءة الظن به. (والهجران الجائز) شيئان (هجران ذي البدعة) الهجر معناه: القطع يقال: هجرته هجرا قطعته والاسم الهجران (٢)، قال تعالى: ﴿وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره﴾ [التوبة: ٦٨]، وقد حكى الإجماع غير واحد في هجر أهل البدع: قال القاضي أبو يعلى رحمه الله تعالى: (أجمع الصحابة والتابعون على مقاطعة المبتدعين). (أو متجاهر بالكبائر)؛ أي: معلن بها بحيث لا يستتر عند فعلها كما إذا كان يشرب الخمر مثلا جهارا. ومحل هجران معلن الكبيرة إذا كان لا يقدر على عقوبته الشرعية من أدب ونحوه كبقية أنواع التعزير وإلا لزمه ذلك، (ولا يقدر على موعظته)؛ أي: لشدة تجبره، (أو) يقدر عليها لكنه (لا يقبلها)؛ أي: لعدم عقل ونحوه، (ولا غيبة في هذين) (٣)؛ أي: المبتدع والمتجاهر، (في ذكر حالهما)؛ أي: بسبب ذكر حالهما بالفسق بالاعتقاد وبالجارحة فقط إذا سئل عن حالهم بأن يقول في «المبتدع»: فلان اعتقاده باطل لمخالفته أهل السنة. وفي حق المتجاهر: فلان مصر على الكبائر.

стр. 1407

فيجوز ذكر كل بما يتجاهر به ويحرم ذكره بغيره من العيوب. (ولا) تجوز غيبتهما في غير هذين الوجهين إلا (فيما يتشاور فيه)؛ أي: الذي تشرع فيه المشاورة مثل أن يسأل عنه (ل) أجل (نكاح)؛ أي: بأن يقول شخص لآخر: أريد أن أتزوج بنت فلان، ولا أعرف حاله فيجوز له ذكر حاله بقصد النصيحة لا غير (أو) لأجل (مخالطة) كالشركة (ونحوه) مثل أن يسأل عنه لأجل أن يتصدق عليه هل هو أهل لذلك أم لا؟. (و) كذا (لا) غيبة (في تجريح شاهد ونحوه؛ أي: نحو الشاهد كالإمام للصلاة يريدون أن يقدموه فسألوه عنه، فإنه يجوز له أن يخبرهم بجراحته بل يجب عليه ذلك. وكذا يجوز له جراحة الراوي مخافة أن يتقول على النبي ﷺ ما لم يقل. (ومن مكارم الأخلاق أن تعفو عمن ظلمك) لقوله تعالى: ﴿فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين﴾ [المائدة: ١٣] ﴿والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين﴾ [آل عمران: ١٣٤]، ولقول النبي ﷺ : «ما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا» (١)، وقوله: «وأن تعفو عمن ظلمك» (٢) (وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك) لحديث عقبة بن عامر، قال: لقيت رسول الله ﷺ ، فقال لي: «يا عقبة بن عامر: صل من قطعك، وأعط من حرمك، واعف عمن ظلمك». قال: ثم أتيت رسول الله ﷺ ، فقال لي: «يا عقبة بن عامر، أملك لسانك، وابك على خطيئتك، وليسعك بيتك» (٣). • الأحاديث الجامعة لأبواب الخير: (وجماع آداب الخير) (٤)؛ أي: خصال الخير وسميت بالآداب لأن بها

стр. 1408

يحصل التأديب (وأزمته) جمع زمام الطريق الموصل إليه، وهو في الأصل ما يقاد به البعير أطلق على الطريق الموصل للخير على جهة المجاز، لأن كلا يقود إلى ما ينتفع به (تتفرع)؛ أي: تتخرج (عن أربعة أحاديث) مرفوعة أحدها: (قول النبي عليه) الصلاة و (السلام): «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر (فليقل خيرا أو ليصمت) (١)؛ أي: فليقل خيرا يؤجر عليه أو يسكت عن شر يعاقب عليه. (و) ثانيها (قوله (عليه) الصلاة و (السلام): من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه) (٢)، وهو ما لا تعود عليه منه منفعة دنيوية ولا أخروية. (و) ثالثها (قوله (عليه) الصلاة و (السلام) ل) لرجل (الذي اختصر له في الوصية) حين قال له أوصني، قال: «لا تغضب» (٣) فردد مرارا؛ أي: فرجع ترجيعا مرارا؛ أي: حيث يقول له: أوصني يعتقد أن عدم الغضب ليس أمرا يعتد به، فقال: «لا تغضب» مفيدا له أن عدم الغضب أمر عظيم يعتد به، لما يترتب على الغضب من المفاسد الدنيوية والأخروية، وغرض الشارع صلوات الله عليه؛ أي: لا تعمل موجبات الغضب لا أنه ينهاه عن شيء جبل عليه لأنه لا يمكن إخراجه عن جبلته.

стр. 1409

(و) رابعها (قوله عليه الصلاة و السلام: المؤمن يحب لأخيه المؤمن ما يحب لنفسه) (١) وهو في البخاري بلفظ: «لا يؤمن أحدكم، حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» (٢). أي: من الطاعات والأشياء المباحات، وهذه الأحاديث التي ذكرها شيخنا ابن أبي زيد رحمه الله تعالى والتي هي جماع الآداب قد ذكر أئمتنا أحاديث إلى جانبها عليها مدار الدين جمع بعضها الحافظ أبو الحسن طاهر بن مفوز المعافري الأندلسي رحمه الله تعالى: عمدة الدين عندنا كلمات … أربع من كلام خير البرية اتق الشبهات وازهد ودع ما … ليس يعنيك واعملن بنية (٣) • قال المصنف رحمه الله تعالى: (ولا يحل لك أن تتعمد سماع الباطل كله ولا أن تتلذذ بسماء كلام امرأة لا تحل لك ولا سماع شيء من الملاهي والغناء ولا قراءة القرآن باللحون المرجعة كترجيع الغناء وليجل كتاب الله العزيز أن يتلى إلا بسكينة ووقار وما يوقن أن الله يرضى به ويقرب منه مع إحضار الفهم لذلك. ومن الفرائض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على كل من بسطت يده في الأرض وعلى كل من تصل يده إلى ذلك فإن لم يقدر فبلسانه فإن لم يقدر فبقلبه وفرض على كل مؤمن أن يريد بكل قول وعمل من البر وجه الله الكريم ومن أراد بذلك غير الله لم يقبل عمله والرياء الشرك الأصغر).

стр. 1410

الشرح • حرمة سماع الباطل عموما والغناء على وجه الخصوص: (ولا يحل لك) أيها المكلف (أن تتعمد سماع الباطل كله) كان الباطل قولا كالغيبة، أو فعلا كصوت آلات الملاهي، وصوتها فعل لها حقيقة وفعل للشخص من حيث إنه متسبب عن فعله (ولا) يحل لك (أن تتلذذ بسماع صوت) كلام (امرأة لا تحل لك)؛ أي: لا يحل لك مناكحتها؛ أي: فيجوز لك التلذذ بكلام من تحل لك من زوجة أو أمة، وكذا لا يحل التلذذ بصوت الأمرد الذي فيه لين. (ولا) يحل لك (سماع شيء من آلات الملاهي) كالعود (و) كذا لا يحل لك سماع (الغناء بالمد) (١) وهو الصوت الذي يطرب به إن كان فيه مجون وفسوق ولم يكن من قبيل الغناء المباح كالحداء وما سيأتي ذكره من أنواع الغناء المباح، وقد نقل جماعة من العلماء الإجماع على تحريم الغناء منهم ابن رجب - رحمه الله تعالى - وقال: «وقد حكى زكريا بن يحيى الساجي اتفاق العلماء على النهي من الغناء إلا إبراهيم بن سعد المدني وعبيد الله بن الحسن العنبري قاضي البصرة، وهذا في الغناء دون سماع آلات الملاهي، فإنه لا يعرف عن أحد ممن سلف الرخصة فيه». اهـ وقال: «وهذا الخلاف في سماع الغناء المجرد، فأما سماع آلات اللهو فلم يحك في تحريمه خلاف (٢).

стр. 1411

ومن الأحاديث المرفوعة: حديث أبي مالك الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ليكونن من أمتي أقوام، يستحلون الحر (١) والحرير، والخمر والمعازف، ولينزلن أقوام إلى جنب علم، يروح عليهم بسارحة لهم، يأتيهم - يعني: الفقير - لحاجة فيقولون: ارجع إلينا غدا، فيبيتهم الله، ويضع العلم، ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة» (٢). «ولو لم يكن فيه من المفاسد إلا ثقل استماع القرآن على قلوب أهله، واستطالته إذا قرئ بين يدي سماعهم، ومرورهم على آياته صما وعميا لم يحصل لهم من ذوق ولا وجد ولا حلاوة بل ولا يصغي أكثر الحاضرين أو كثير منهم إليه ولا يقومون معانيه ولا يغضون أصواتهم عند تلاوته … تلي الكتاب فأطرقوا لا خيفة … لكنه إطراق ساء لاهي وإلى الغناء فكالذباب تراقصوا … والله ما رقصوا لأجل الله دف ومزمار ونعمة شادن … فمتى رأيت عبادة بملاهي ثقل الكتاب عليهم لما رأوا … تقييده بأوامر ونواهي والرقص خف عليهم بعد الغنا … يا باطلا قد لاق بالأشباء يا أمة ما خان دين محمد … وجنى عليه ومله إلا هي وبالجملة فمفاسد هذا السماع في القلوب والنفوس والأديان أكثر من أن يحيط به العد (٣) • قراءة القرآن بالألحان: (ولا) يحل للمسلم (قراءة القرآن ولا سماعه باللحون المرجعة)؛

стр. 1412

أي: الأصوات المطربة (كترجيع الغناء) بالمد؛ أي: المشبهة بالغناء لحديث حذيفة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «اقرؤوا القرآن بلحون العرب وأصواتها، وإياكم ولحون أهل الفسق؛ فإنه سيجيء من بعدي قوم يرجعون القرآن ترجيع الغناء والرهبانية والنوح، لا يجاوز حناجرهم، مفتونة قلوبهم وقلوب الذين يعجبهم شأنهم» (١). قال النووي رحمه الله تعالى: وأما قراءة بالألحان فقد قال الشافعي رحمه الله تعالى في موضع أكرهها، قال أصحابنا: ليست على قولين بل فيه تفصيل، إن أفرط في التمطيط، فجاوز الحد، فهو الذي كرهه، وإن لم يجاوز، فهو الذي لم يكرهه، وقال أقضى القضاة الماوردي: - عن الإفراط - أنه حرام، يفسق به القارئ، ويأثم به المستمع، لأنه عدل عن نهجه القويم إلى الاعوجاج والله تعالى يقول: ﴿قرآنا عربيا غير ذي عوج﴾ [الزمر: ٢٨]. اهـ (٢). قلت: أما عندنا ما يسمى بقراءة القرآن على وجه يسمونه «الشرقي» فهو عين التحريف والاعوجاج، وفاعله لا ينجو من الإثم لما رأيناه من القراء، من التمطيط والقطع للمدود الواجبة الاتصال، وما يرافق ذلك من بعض السفهاء من التصفيق أحيانا والطرب لمن كان له في المد الطويل صوت جميل وهلم جرا مما دخل على القراء من حب المفاخرة والرياء لا سيما أمام العامة الجهال الذين يطربون لهذه الأفعال فإلى الله المشتكى. (وليجل)؛ أي: يعظم وينزه (كتاب الله العزيز أن يتلى)؛ أي: يقرأ (إلا بسكينة ووقار)؛ أي: طمأنينة وتعظيم واستحضار قلب وبعد عن الغفلة، فمرجع الطمأنينة إلى سكون الجوارح بحيث لا يعبث بيده، ولا ينظر إلى ما يلهي.

стр. 1413

ومرجع التعظيم إلى كونه إذا عرض له الريح يمسك عن القراءة حتى يتكامل خروجه، وإن تثاءب أمسك عن القراءة حتى ينتهي، ويستحب له أن يتلو القرآن على طهارة، إلا إذا كان من المصحف فإنه يتعين عليه الوضوء لما مر، وينبغي له أن يطهر فاه بالسواك ونحوه، إلى غير ذلك من الآداب المستحبة التي ذكرها أهل العلم في كتبهم (١)، و (و) كذلك كل أدب (ما) دام أنه (يوقن أن الله يرضى به ويقرب منه) كتحسين تلاوته ما استطاع إلى ذلك سبيلا فقد أجمع علماء الأمة سلفا وخلفا على استحباب تحسين الصوت بالقرآن، ودلائل ذلك كثيرة من السنة. من ذلك قوله ﷺ كما في البخاري تعليقا: «حسنوا القرآن بأصواتكم، فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنا» (٢). ويقول ﵊: «إن من أحسن الناس صوتا بالقرآن، الذي إذا سمعتموه يقرأ، حسبتموه يخشى الله» (٣). وكان يأمر بالتغني بالقرآن فيقول ﵊: «تعلموا كتاب الله، وتعاهدوه وتغنوا به، فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفلتا من المخاض في العقل» (٤)، وعند البخاري قال ﷺ : «ليس منا من لم يتغن بالقرآن» (٥)، كل ذلك (مع إحضار الفهم لذلك)؛ أي: تدبر ما يتلوه القارئ لأن الله أمر بذلك فقال: ﴿كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته، وليتذكر أولو الألباب﴾ [ص: ٢٩] فالغرض من إنزال الكتاب هو التدبر والتذكر لا مجرد

стр. 1414

التلاوة على عظم أجرها، قال الحسن البصري رحمه الله تعالى: «والله! ما تدبره بحفظ حروفه وإضاعة حدوده حتى إن أحدهم ليقول: قرأت القرآن كله، ما يرى له القرآن في خلق ولا عمل» (١)، قال تعالى: ﴿أفلا يتدبرون القرآن﴾ [النساء: ٨٢]. وإن من تعظيم القرآن تعظيم المصحف الشريف الذي هو من حرمات الله التي من عظمها علا شأنه، وثبت أجره، وازداد قلبه تقى، وفعله خير له قال تعالى: ﴿ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه﴾ [الحج: ٣٠]، فلا يجوز مسه بلا طهارة، ولا وضعه في مكان دني، ولو كان ذلك المكان وجه الأرض، فالقرآن يعلو ولا يعلى عليه حسا ومعنى، بل ينبغي عليه أن يرفعه ويكرمه على وسادة ونحوها مما يتيسر به إكرامه واحترامه، ولا يكن كأولئك السفهاء الذين إن قيل: ارفعوا المصحف عن الأرض قالوا: لا يضره في حين يأبى أحدهم أن يترك اسمه على ورقة مرميا على وجه الأرض، كيف وقد ثبت عن النبي ﷺ تعظيم الكتب المنزلة على من قبله حتى مع تحريفها لما فيها من حق، والقرآن أجلها وأعظمها فقد روى أبو داود في «سننه» (٢) عن هشام بن سعد أن زيد بن أسلم حدثه عن ابن عمر ﵄ قال: أتى نفر من يهود فدعوا رسول الله ﷺ إلى القف (٣) فأتاهم في بيت المدراس (٤) فقالوا: يا أبا القاسم إن رجلا منا زنى بامرأة فاحكم بينهم فوضعوا لرسول الله ﷺ وسادة فجلس عليها ثم قال بالتوراة، فأتي بها، فنزع الوسادة من تحته فوضع التوراة عليها ثم قال: «آمنت بك وبمن أنزلك، ثم قال: ائتوني بأعلمكم فأتي بفتى شاب» وأصله في الصحيح في قضية الرجم (٥)، قال في «عون المعبود»: (ووضع

стр. 1415

التوراة عليها: أي: على الوسادة والظاهر أنه ﷺ وضع التوراة على الوسادة تكريما لها، ويؤيده قوله ﷺ : ﴿آمنت بك وبمن أنزلك﴾ (١). قلت: أفلا يستحق القرآن الإكرام كالتوراة بل أشد، بلى والله، وتالله، وبالله. • الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: (ومن الفرائض إجماعا وجوب الأمر بالمعروف) وهو ما أمر الله ورسوله به (والنهي عن المنكر) وهو ما نهى الله ورسوله عنه، كما نقل ذلك طائفة من أهل العلم على أنه من شعائر الإسلام الظاهرة كالنووي والجصاص وابن حزم وغيرهم، بل وقرر شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم في «الفتاوى» بما أنه من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة، فإنه تقاتل الطائفة الممتنعة عنها. وذلك (على كل من بسطت يده بالبناء للمفعول؛ أي: بسط الله يده؛ أي: حكمه في الأرض) كالسلطان (وعلى كل من تصل يده إلى ذلك)؛ أي: الأمر والنهي (فإن لم يقدر على) ذلك التغيير بيده (فبلسانه فإن لم يقدر) بلسانه (فبقلبه) وصفة تغيير القلب إذا رأى منكرا يقول في نفسه: لو كنت أقدر على تغييره لغيرته، وإذا رأى معروفا ضاع يقول في نفسه: لو كنت أقدر على الأمر به لأمرت. ويحب الفاعل للمعروف ويكره الفاعل للمنكر بقلبه، وهذا الحديث: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» (٢)، وينبغي للقائم بالمعروف والناهي عن المنكر أن يتحلى بصفات ذكرها العلماء من أبرزها: الإخلاص، فعن أرطأة بن المنذر قال: «المؤمن لا ينتصر لنفسه، يمنعه من ذلك القرآن والسنة فهو ملجم». ثانيها: العلم، فينبغي أن يكون الأمر والناهي عالما بما يأمر به وما ينهى عنه.

стр. 1416

قال النووي ﵀: «إنما يأمر وينهى من كان عالما بما يأمر به وينهى عنه، وذلك يختلف باختلاف الشيء فإن كان من الواجبات الظاهرة والمحرمات المشهورة كالصلاة والصيام والزنا والخمر ونحوها فكل المسلمين علماء بها، وإن كان من دقائق الأفعال والأقوال ومما يتعلق بالاجتهاد لم يكن للعوام مدخل فيه، ولا لهم إنكاره بل ذلك للعلماء» (١). ثالثا: الصبر ﴿وأمر بالمعروف وأنه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور﴾ [لقمان: ١٧]. رابعا: الرفق، وصدق ﷺ : «من يحرم الرفق، يحرم الخير» (٢). وقال بعض أهل العلم: «والرفق سبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولهذا قيل: ليكن أمرك بالمعروف بالمعروف ونهيك عن المنكر غير منكر». خامسا: البدء بالأهم وتقديمه على غيره حسب ما تقتضيه المصلحة: إن اللبيب إذا بدا من جسمه … مرضان مختلفان داوى الأخطرا وليست قصة معاذ وإرسال الرسول ﷺ إياه إلى اليمن، والتدرج مع الناس هناك عنا ببعيد. مراعاة المصالح والمفاسد: بألا يترتب على الإنكار منكرا آخر أكبر وأوسع انتشارا من الأول. سابعا: يجمل بالآمر بالمعروف والناهي عن المنكر إيجاد البديل عن المنكر، وهذا منهج رباني وأسلوب نبوي، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يتأيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا أنظرنا واسمعوا﴾ [البقرة: ١٠٤] فلا ينهى عن منكر إلا ويؤمر بمعروف يغني عنه، كما يؤمر بعبادة الله ، وينهى عن عبادة ما سواه.

стр. 1417

• الإخلاص والرياء: الإخلاص: مداره في كتب اللغة على الصفاء والتميز عن الأوشاب التي تخالط الشيء يقال: هذا الشيء خالص لك؛ أي: لا يشاركك فيه غيرك؛ وتطلق العرب (الإخلاص) على الزبد إذا خلص من اللبن والثفل. وللعلماء في تعريف الإخلاص أوجه نختار منها ما اختاره الغزالي من كلام سهل ابن عبد الله التستري حيث قال: «الإخلاص أن يكون سكون العبد وحركاته الله تعالى خاصة» (١). وفرض على كل مؤمن أن يريد بكل قول وعمل من البر وجه الله الكريم مخلصا له في القول والعمل قال تعالى: ﴿فمن كان يرجوا لقاء ربه، فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا﴾ [الكهف: ١١٠]، وعن أبي أمامة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصا، وابتغي به وجهه» (٢). قال الحطاب رحمه الله تعالى: «فالمخلص في عبادته هو الذي يخلصها من شوائب الشرك والرياء، وذلك لا يتأتى له إلا أن يكون الباعث له على عملها قصد التقرب إلى الله تعالى، وابتغاء ماعنده، فأما إذا كان الباعث عليها غير ذلك من أغراض الدنيا فلا تكون عبادة، بل مصيبة موبقة لصاحبها». اه (٣). أما قول بعض العلماء (٤) ممن تأثر بالمسلك الخاطئ أن المرتبة الكاملة: أن لا يقصد جنة ولا نارا، فهذا إفك وافتراء، فإن أكمل الخلق ﷺ كان يسأل الله جنته ويستعيذ بالله من ناره، ولو كان غير ذلك لثبت عنه أنه لا يسأل جنة ولا يخاف نارا، وهل يسألها إلا من يريدها؟ وقد جاء في الحديث كما في سنن أبي داود وغيره ذكر قصة معاذ قال: وقال؛ يعني: النبي ﷺ للفتى:

стр. 1418

«كيف تصنع يا ابن أخي إذا صليت؟ قال: أقرأ بفاتحة الكتاب، وأسأل الله الجنة، وأعوذ به من النار، وإني لا أدري ما دندنتك ودندنة معاذ، فقال رسول الله ﷺ : إني ومعاذ حول هاتين، أو نحو ذي قال» (١) فكيف يقال بعد هذا أنها مرتبة ناقصة. (ومن أراد بذلك) القول أو العمل (غير) وجه (الله) الكريم (لم يقبل عمله ولا قوله لأنه من الرياء والرياء الشرك الأصغر) كما سماه النبي ﷺ بذلك وحذر أمته منه، وخاف عليها منه، فعن محمود بن لبيد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر»، قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: «الرياء، يقول الله لهم يوم يجازي العباد بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم جزاء وخيرا؟» (٢). وعن أبي موسى الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «أيها الناس اتقوا هذا الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل»، فقال له من شاء أن يقول: وكيف نتقيه وهو أخفى من دبيب النمل يا رسول الله؟، قال: «قولوا: اللهم إنا نعوذ بك من أن نشرك بك شيئا نعلمه ونستغفرك لما لا نعلم» (٣). • حكم العمل إذا خالطه الرياء: قال ابن رجب (٤): «واعلم أن العمل لغير الله أقسام: فتارة يكون رياء محضا بحيث لا يراد به سوى مراعاة المخلوقين لغرض

стр. 1419

دنيوي، كحال المنافقين في صلاتهم، كما قال الله : ﴿وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس﴾ [النساء: ١٤٢]، وهذا الرياء المحض لا يكاد يصدر من مؤمن في فرض الصلاة والصيام، وقد يصدر في الصدقة الواجبة والحج وغيرهما من الأعمال الظاهرة والتي يتعدى نفعها فإن الإخلاص فيها عزيز، وهذا العمل لا يشك مسلم أنه حابط، وأن صاحبه يستحق المقت من الله والعقوبة. وتارة يكون العمل لله ويشاركه الرياء، فإن شاركه من أصله فالنصوص الصحيحة تدل على بطلانه أيضا وحبوطه كحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه» (١)، وروي عن طائفة من السلف، منهم: عبادة بن الصامت وأبو الدرداء والحسن وابن المسيب وغيرهم». • التوبة وشروطها: • قال المصنف رحمه الله تعالى: (والتوبة فريضة من كل ذنب من غير إصرار، والإصرار المقام على الذنب واعتقاد العود إليه، ومن التوبة رد المظالم واجتناب المحارم والنية أن لا يعود وليستغفر ربه ويرجو رحمته ويخاف عذابه ويتذكر نعمته لديه ويشكر فضله عليه بالأعمال بفرائضه وترك ما يكره فعله ويتقرب إليه بما تيسر له من نوافل الخير، وكل ما ضيع من فرائضه فليفعله الآن وليرغب إلى الله في تقبله ويتوب إليه من تضييعه وليلجأ إلى الله فيما عسر عليه من قياد نفسه ومحاولة أمره موقنا أنه المالك لصلاح شأنه وتوفيقه وتسديده لا يفارق ذلك على ما فيه من حسن أو قبيح ولا ييأس من رحمة الله والفكرة في أمر الله مفتاح العبادة فاستعن بذكر الموت والفكرة فيما بعده وفي نعمة ربك عليك وإمهاله لك وأخذه لغيرك بذنبه وفي

стр. 1420

سالف ذنبك وعاقبة أمرك ومبادرة ما عسى أن يكون قد اقترب من أجلك). الشرح (والتوبة فريضة من كل ذنب، قال تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا﴾ [التحريم: ٨]، وقوله ﷺ : «يا أيها الناس توبوا إلى الله، فإني أتوب في اليوم إليه مائة مرة»، من حديث ابن عمر ﵄ (١)، والتوبة هي الندم على ما فات كما جاء عن النبي ﷺ : «الندم توبة» (٢) والإقلاع عن الذنب في الحال، والنية أن لا يعود. وقوله: (من غير إصرار) زائد لأن التوبة لا تصلح إلا برفع الإصرار، ﴿وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إنى تبت الئان ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما﴾ [النساء: ١٨]، والإصرار (المقام) بضم الميم؛ بمعنى: الإقامة (على الذنب، واعتقاد العود إليه) وهو خلاف التوبة النصوح قال تعالى: ﴿ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون﴾ [آل عمران: ١٣٥]، وقال سبحانه: ﴿توبوا إلى الله توبة نصوحا﴾ [التحريم: ٨] قال الحسن: النصوح أن يبغض الذنب الذي أحبه ويستغفر إذا ذكره. (ومن التوبة رد المظالم) إلى أهلها بأن يدفعها إليهم إن كانت أموالا أو يردها لوارثه فإن لم يجده ولا وجد وارثه تصدق بها على المظلوم، وإن كان أعراضا كقذف استحل المقذوف، فإن خشي انتقامه وغضبه فليكثر من الاستغفار له، وليذكره بخير في المجالس التي أساء له فيها، و) عليه (اجتناب المحارم) وما يوصل إليها، وليتذكر العبد عند المعصية عظمة من يعصي، ولا يستصغر الذنب فذلك أدعى لاستشعار الخوف من الله ومراقبته وقد ضرب النبي ﷺ مثلا للذنوب الصغيرة تجتمع على العبد فتوبقه فقال بأبي هو وأمي ﷺ : «إياكم ومحقرات الذنوب فإنما مثل محقرات الذنوب كقوم نزلوا في بطن واد، فجاء ذا بعود، وجاء ذا بعود حتى أنضجوا خبزتهم، وإن محقرات

стр. 1421

«الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها تهلكه» (١)، (والنية أن لا يعود) هذه شروط التوبة الواجبة فيها (٢). وإلى شروط الكمال أشار بقوله: (وليستغفر ربه) قال تعالى: ﴿واستغفروا الله إن الله غفور رحيم﴾ [البقرة: ١٩٩] وقد كان النبي ﷺ : «والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة» (٣) وثبت عنه ﷺ في أحاديث كثيرة أنه كان يتبع العبادات بالاستغفار فمن ذلك: استغفاره بعد السلام من الفريضة، وعند الخروج من الخلاء، وفي خطبة الحاجة، وعند النوم، وفي كفارة المجلس، وبعد الفراغ من الوضوء، وعند القيام لصلاة الليل، وفي استفتاح الصلاة، وفي آخر الصلاة وغيرها، بل كان للصحابة أوراد في الاستغفار فعن أنس بن مالك ﵁ قال: «كنا نؤمر إذا صلينا من الليل أن نستغفر في آخر السحر سبعين مرة» (٤). وليعلم العبد بأن «منزلة التوبة والاستغفار أول المنازل وأوسطها وآخرها، فلا يفارقها العبد السالك، ولا يزال فيها إلى الممات، وإن ارتحل إلى منزل آخر ارتحل بها واستصحبها معه ونزل بها» (٥). (ويرجو رحمته ويخاف عذابه) قال تعالى: ﴿أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه﴾ [الإسراء: ٥٧] قال ابن حجر: «المؤمن يغلب عليه الخوف؛ لقوة ما عنده من الإيمان، فلا يأمن من العقوبة بسببها، وهذا شأن المسلم: أنه دائم الخوف والمراقبة، يستصغر عمله الصالح، ويخشى من صغير عمله السيئ.

стр. 1422

وقال المحب الطبري: «إنما كانت هذه صفة المؤمن؛ لشدة خوفه من الله ومن عقوبته، لأنه على يقين من الذنب وليس على يقين من المغفرة» (١). (ويتذكر نعمته لديه)؛ أي: عليه ﴿وما بكم من نعمة فمن الله﴾ [النحل: ٥٣] وليستعمل النعمة مطية إلى الغاية المطلوبة وهي السعادة الحقيقية في الآخرة (٢)، (ويتقرب إليه)؛ أي: إلى الله تعالى (بما تيسر له) فعله وإن قل (من نوافل الخير) كالصلاة وغيرها لما صح من قوله ﷺ عن رب العزة في الحديث القدسي: «وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته: كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطس بها، ورجله التي يمشي بها، … » الحديث (٣). (وكل ما ضيع من فرائضه) التي أوجبها عليه كالصلاة (فليفعله الآن) وجوبا على الفور لحديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك» (٤)، وفي رواية له: «إذا رقد أحدكم عن الصلاة، أو غفل عنها، فليصلها إذا ذكرها»، فإن الله يقول: ﴿وأقم الصلوة لذكري﴾ [طه: ١٤] (٥)، فإذا وجب قضاؤها على الغافل والنائم فعلى المتعمد أولى، (و) إذا فعل التائب ما ضيعه من الفرائض ف (ليرغب إلى الله تعالى في تقبله) منه قال تعالى: ﴿فإذا فرغت فانصب … وإلى ربك فأرغب﴾ [الشرح: ٧]، ﴿والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون أولئك يسرعون في الخيرات وهم لها سابقون﴾ [المؤمنون: ٦٠، ٦١]، قالت عائشة ﵂ قالت: سألت رسول الله ﷺ عن قوله : ﴿والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة﴾

стр. 1423

[المؤمنون: ٦٠] أهم الذين يزنون، ويسرقون، ويشربون الخمر؟ قال: «لا يا ابنة الصديق ولكنهم الذين يصلون، ويصومون، ويتصدقون» (١)، (ويتوب إليه من تضييعه) للفرائض لأنه من الكبائر لقوله تعالى: ﴿فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا﴾ [مريم: ٥٩، ٦٠]، ﴿فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون﴾ [الماعون: ٤، ٥] قال سعد بن أبي وقاص ﵁ سألت النبي ﷺ عن قول الله : ﴿الذين هم عن صلاتهم ساهون﴾ قال: «الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها» (٢)، (وليلجأ)؛ أي: يتضرع (إلى الله) تعالى (فيما عسر عليه من قيادة نفسه) إلى الطاعة لأنه هو المسهل والميسر وقد كان النبي ﷺ من دعائه: «اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلا وأنت تجعل الحزن سهلا … » (٣)، (و) يتضرع إليه في (محاولة أمره)؛ أي: فيما يشكل عليه في حاله حال كونه (موقنا)؛ أي: مصدقا، (أنه المالك لصلاح شأنه)؛ أي: حاله، (و) المالك (لتوفيقه وتسديده) هما بمعنى واحد وهو الاستقامة على الطاعة (لا يفارق ذلك)؛ أي: ما ذكر من اللجأ واليقين (على ما فيه)؛ أي: على أي حالة هو فيها (من حسن) وهو الطاعة (أو قبح) وهو المعصية ولا يمنعه الذنب من ذلك لقوله تعالى: ﴿إن الله يحب التوابين﴾ [البقرة: ٢٢٢] والتواب هو الذي كلما أذنب تاب، (ولا ييأس من رحمة الله) تعالى على ما هو عليه من المعصية، وقوله تعالى: ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم﴾ [الزمر: ٥٣].

стр. 1424

(والفكرة)؛ أي: التفكر في أمر الله تعالى؛ أي: مخلوقاته لأنه إذا تفكر في مصنوعات خالقه علم وجوب وجوده وكمال قدرته وحقيقة ربوبيته، فيجد في عبادته، وفي كلام المصنف رحمه الله تعالى إشارة إلى أنه لا يتفكر في ذاته لعدم قدرة العبد على إدراكها، لقوله ﷺ : «تفكروا في آلاء الله ولا تفكروا في الله (١)» .. وقال أبو الدرداء: ﵁ «تفكر ساعة خير من قيام ليلة» (٢). وحينئذ فالنظر في مخلوقات الله تعالى كما قال الشيخ: (مفتاح العبادة) والزاد إلى دار السعادة لأن التفكر يبعث على تكثير العلم، واستجلاب معرفة ليست حاصلة، فتنشط الأعضاء للمزيد من القرب. (واستعن) على نفسك (بذكر الموت) لأن الإنسان إذا تفكر في الموت قصر أمله وكثر عمله لما في حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «أكثروا من ذكر هاذم اللذات - أحسبه قال - فإنه ما ذكره أحد في ضيق من العيش إلا وسعه عليه، ولا في سعة إلا ضيقه عليه» (٣). لا طيب للعيش ما دامت منغصة … لذاته بادكار الموت والهرم وعن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ سئل أي المؤمنين أكيس؟ قال: «أكثرهم للموت ذكرا، وأحسنهم لما بعده استعدادا، أولئك الأكياس» (٤)، اللهم لا عيش

стр. 1425

إلا عيش الآخرة، (و) استعن عليها أيضا (بالفكرة فيما بعده) لأن الموت أشد مما قبله وما بعده أشد منه، فعن هانئ مولى عثمان بن عفان ﵁ قال: كان عثمان ﵁ إذا وقف على قبر يبكي حتى يبل لحيته، فقيل له: تذكر الجنة والنار فلا تبكي، وتذكر القبر فتبكي؟ فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «القبر أول منزل من منازل الآخرة فإن نجا منه فما بعده أيسر وإن لم ينج منه فما بعده أشد» قال: وسمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما رأيت منظرا قط إلا والقبر أفظع منه» (١)، (و) استعن عليها أيضا بالفكرة (في نعمة ربك عليك) لأنك إذا تفكرت في نعمة ربك عليك استحييت أن تبارزه بالمعاصي، (و) تفكر أيضا (في إمهاله لك) وأنت تعصيه (وأخذه لغيرك) من الأمم الماضية (بذنبه) في الحال، (و) وتفكر (في) ما تقدم من (سالف ذنبك) وخف الأخذ به ولا تأمن مكر الله قال تعالى: ﴿أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون﴾ [الأعراف: ٩٩]، (و) تفكر أيضا في (عاقبة أمرك) إذ لا تدري بماذا يختم الله لك وهي التي كان يهتم لها الصالحون، وتنفطر لها قلوب المخبتين قال ابن القيم رحمه الله تعالى (٢): وثم أمر أخوف من ذلك وأدهى وأمر وهو أن يخونه قلبه ولسانه عند الاحتضار والانتقال إلى الله تعالى، فربما تعذر عليه النطق بالشهادة كما شاهد الناس كثيرا من المحتضرين أصابهم ذلك حتى قيل لبعضهم: قل لا إله إلا الله، فقال: آه آه لا أستطيع أن أقولها؛ وقيل لآخر: قل لا إله إلا الله، فقال: شاه رخ غلبتك (لعب الشطرنج) ثم قضى. فمن يا ترى يسلم عند ذلك فهناك ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت فى الحياة الدنيا وفى الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء﴾ [إبراهيم: ٢٧] فكيف يوفق لحسن الخاتمة من أغفل الله سبحانه قلبه عن ذكره واتبع هواه، وكان أمره فرطا:

стр. 1426

يا آمنا من قبيح الفعل يصنعه … هل أتاك تواقيع أم أنت تملكه جمعت شيئين أمنا واتباع هوى … هذا وإحداهما في المرء تهلكه والمحسنون على درب المخاوف قد … ساروا وذلك درب لست تسلكه (و) تفكر أيضا في (مبادرة)؛ أي: مسارعة (ما عسى أن يكون قد اقترب من أجلك) بيان ل (ما)؛ أي مسارعة أجلك الذي عسى الأجل؛ أي: لعله أن يكون قد اقترب؛ أي: تفكر هل هو؛ أي: الأجل نهاية يوم أو أقل لأن ذلك يسهل الطاعة ويقل الأمل والحرص ولأنه إذا تفكر في الموت أتاه وهو مستعد له، وإذا أتاه بغتة فيندم حيث لا ينفعه الندم. فيا لطيف الطف بنا فإنه لا حول ولا قوة إلا بك وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 1427

باب في الفطرة والختان وحلق الشعر واللباس وستر العورة وما يتصل بذلك • قال المصنف رحمه الله تعالى: (باب في الفطرة والختان وحلق الشعر واللباس وستر العورة وما يتصل بذلك. ومن الفطرة خمس: قص الشارب وهو الإطار وهو طرف الشعر المستدير على الشفة لا إحفاؤه والله أعلم. وقص الأظفار. ونتف الجناحين. وحلق العانة. ولا بأس بحلاق غيرها من شعر الجسد. والختان للرجال سنة. والخفاض للنساء مكرمة. وأمر النبي أن تعفى اللحية وتوفر ولا تقص قال مالك: ولا بأس بالأخذ من طولها إذا طالت كثيرا وقاله غير واحد من الصحابة والتابعين. ويكره صباغ الشعر بالسواد من غير تحريم، ولا بأس به بالحناء والكتم). الشرح الفطرة: من فطر الشيء، يفطره فطرا، فانفطر، وفطره؛ أي: شقه، والفطرة أيضا -: الخلقة.

стр. 1428

والفطرة الإسلام وهي التي فطر الله عليها الخلق، وهو أشهر الأقوال وأصحها وهو المعروف عند عامة السلف من أهل العلم بالتأويل (١). (باب في) سنن (الفطرة): سنن الفطرة هي الخصال التي فطر الله الناس عليها، والتي يكمل المرء بها حتى يكون على أفضل الصفات وأجمل الهيئات. وقد ورد ذكرها في أحاديث نبوية متعددة منها: حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، والاستنشاق بالماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء»؛ يعني: الاستنجاء بالماء. قال زكريا: قال مصعب بن شيبة: ونسيت العاشرة؛ إلا أن تكون المضمضة (٢)، وعن عمار بن ياسر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن من الفطرة المضمضة، والاستنشاق» (٣). ومن مجموع هذه الأحاديث النبوية وغيرها يتبين أن سنن الفطرة ليست محصورة في عدد معين، وأنها أكثر من أن تحصر (و) أن (من أبرز خصال الفطرة) التي ذكرت في هذه الأحاديث: قص الشارب، إعفاء اللحية، السواك، استنشاق الماء، قص الأظفار، غسل البراجم، نتف الإبطين، حلق العانة (الاستحداد)، الاستنجاء (انتقاص الماء)، المضمضة، الختان، عدم نتف الشيب، خضاب الشيب، ترجيل الشعر، واقتصر المصنف على ذكر (خمس) أولها: (قص الشارب وهو الإطار)؛ أي: الشارب بالمعنى المذكور، الإطار بوزن كتاب (وهو) طرف الشعر المستدير، والاستدارة بالشيء الإحاطة به (على الشفة)؛ أي: النابت على الشفة، وقد اختلف في جانبيه وهما السبالان (٤)؛

стр. 1429

فقيل: هما من الشارب ويشرع قصهما معه، وقيل: هما من جملة شعر اللحية فيعفيان، والمراد به هنا: قطع الشعر النابت على الشفة العليا من غير استئصال، والمراد هنا قص الشعر النازل على طرف الشفة هذا الذي يسن قصه (لا إحفاؤه)؛ أي: لا استئصاله (والله أعلم)، قلت: وردت أكثر الأحاديث بلفظ القص كحديث أبي هريرة ﵁ عند البخاري ومسلم، وحديث عائشة وحديث أنس عند مسلم، وكذلك حديث ابن عمر ﵄ عند البخاري (١). قال ابن القاسم عن مالك: «إحفاء الشارب عندي مثلة، والمراد بالحديث المبالغة في أخذ الشارب حتى يبدو طرف الشفتين .. » وقال أشهب: سألت مالكا عمن يحفي شاربه، فقال: «أولى أن يوجع ضربا» (٢) ولهذا كان مالك وافر الشارب، ولما سئل عن ذلك قال: حدثني زيد بن أسلم عن عامر بن عبد الله بن الزبير: «أن عمر ﵁ كان إذا غضب فتل شاربه ونفخ» (٣)،، قلت: فكيف لو رأى من يزعمون اتباع السنة عامة وأتباعه خاصة ممن يدعون أنهم مالكية وهم يحلقون لحاهم وشواربهم كأنها الصحون الملساء، ولكنها الأهواء ولاحول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ولقد ذهب بعض الأئمة المالكية كالقاضي عياض إلى التخيير بين القص والحف (٤) كما أنه رأي الإمام الطبري: حيث نقل عنه قوله: «دلت السنة على الأمرين ولا تعارض، فإن القص يدل على أخذ البعض، الإحفاء على أخذ الكل وكلاهما ثابت فيتخير فيما يشاء (٥). والسنة في قص الشارب أن يبدأ باليمين لكون النبي ﷺ كان يحب التيامن في كل شيء».

стр. 1430

(و) ثانيها: (قص الأظفار) للرجال والنساء، وقص الظفر: أخذ أعلاه من غير استئصال، قال الحافظ ابن حجر: «والتقليم أعم .. » والأظفار جمع ظفر: بضم الظاء والفاء وسكونها .. والمراد إزالة ما يزيد على ما يلابس رأس الإصبع من الظفر لأن الوسخ يجتمع فيه فيتقدر، وقد ينتهي إلى حد يمنع من وصول الماء إلى ما يجب غسله في الطهارة (١). وحكمها الاستحباب وذهب ابن العربي إلى الوجوب، والجمع بينهما أن ما كان دون الأربعين يوما مستحب، فإذا جاوزها وطال الشعر والظفر وجبت إزالته. واستحب عدد من الفقهاء دفن ما أخذ من الأظفار والأشعار سواء من العانة أو الإبط أو الشارب أو الرأس؛ روى الخلال بإسناده عن ميل بنت مشرح الأشعرية قالت: «رأيت أبي يقلم أظفاره ويدفنها. ويقول: رأيت رسول الله ﷺ يفعل ذلك» (٢). كما جاء فيه أيضا: قال مهنا: «سألت أحمد عن الرجل يأخذ من شعره وأظفاره أيدفنه أم يلقيه؟ قال: «يدفنه .. » قلت: بلغك فيه شيء؟» قال: كان ابن عمر يدفنه وروينا عن النبي ﷺ أنه أمر بدفن الشعر والأظفار وقال: «لا يتلاعب به سحرة بني آدم» (٣)، وقال النووي: نقل عن ابن عمر واتفق عليه أصحابنا (٤) كما استحب بعض الفقهاء غسل رؤوس الأصابع بعد قلم الأظفار لما قيل: إن حك الجسم بالأظفار المقلومة قبل غسلها يضر بالجسم (٥). • نتف الإبطين: (و) ثالثها: (نتف الجناحين)؛ أي: الإبطين والإبط: بكسر الهمزة

стр. 1431

والباء الموحدة وسكونها وهو المشهور .. وذكر ابن العربي رحمه الله تعالى: أن الخصال الخمس الواردة في حديث أبي هريرة ﵁: وهي حلق العانة ونتف الإبط وتقليم الأظافر وقص الشارب والختان؛ واجبة، معللا ذلك: «بأن المرء لو تركها لم تبق صورته على صورة الآدميين فكيف من جملة المسلمين» (١). ولا يجوز ترك شعر الإبط لأكثر من أربعين يوما لحديث أنس ﵁ السابق: «وقت لنا في قص الشارب، وتقليم الأطفار، ونتف الإبط، وحلق العانة، أن لا نترك أكثر من أربعين ليلة» كما في «صحيح مسلم». • حلق العانة أو (الاستحداد): قال المصنف رحمه الله تعالى: (و) رابعها: (حلق العانة) والمراد بالعانة: الشعر النابت فوق ذكر الرجل وحواليه، وكذلك الشعر النابت حوالي فرج المرأة. وقال العدوي رحمه الله تعالى: العانة: «هي ما فوق العسيب والفرج وما بين الدبر والأنثيين» (٢) ونقل الحافظ ابن حجر عن ابن العربي القول بعدم مشروعية حلق ما حول الدبر (٣) والاستحداد سنة باتفاق الفقهاء وقد عبر البعض عنه بأنه مستحب والخلاف في ذلك يسير، وقد حكى النووي أنه قد اختلف فيه بالنسبة للمرأة إذا طلب ذلك منها زوجها على وجهين أصحهما الوجوب (٤). أما العدوي فقال بوجوبه بالنسبة للمرأة ولو لم يطلب منها الزوج ذلك لأن في إزالته جمال للمرأة، ويجب عليها إزالة كل ما في إزالته جمال لها ولو شعر اللحية إن نبتت لها لحية (٥).

стр. 1432

التوقيت في فعل هذه الخصال: ثبت عن أنس ﵁ أنه قال: «وقت لنا في قص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة أن لا نترك أكثر من أربعين ليلة (١) … .. » .. • حكم الختان والخفاض: (والختان للرجال) (٢) أراد بالرجال الذكور كانوا بالغين أو غير بالغين إلا أن البالغ يؤمر يختن نفسه، لحرمة نظر عورة الكبير، والختان هو زوال الغرلة بضم الغين المعجمة غشاء الحشفة (سنة) زاد في الضحايا واجبة؛ أي: مؤكدة، (والخفاض في النساء) وهو قطع الناتئ في أعلى فرج الأنثى كأنه عرف الديك (مكرمة) بفتح الميم وضم الراء؛ أي: كرامة بمعنى مستحب. • إعفاء اللحية والنهي عن حلقها: (وأمر النبي ﷺ أمر إيجاب لا استحباب أن تعفى)؛ أي: توفر (اللحية) وعلى ذلك الإجماع والكتاب والسنة. فقد نقل ابن حزم الإجماع فقال: اتفقوا أن حلق جميع اللحية مثلة لا تجوز (٣). وقال ابن عابدين: الأخذ من اللحية دون القبضة كما يفعله بعض المغاربة ومخنثة الرجال لم يبحه أحد (٤). على أن إعفاء اللحية واجب، وقد ورد في ذلك آيات وأحاديث تدل على أن توفير اللحية واجب وأن حلقها حرام

стр. 1433

منها قوله تعالى: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾ [النور: ٦٣] وأي فتنة أعظم من أن يرى المرء نفسه قد فعل فعلا هو أفضل فيه من نبيه ﷺ ومن الأحاديث حديث ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: «خالفوا المشركين وفروا اللحى وأحفوا الشوارب» (١). وفي لفظ حديث أبي هريرة ﵁: «جزوا الشوارب وأرخوا اللحى خالفوا المجوس» (٢)، زاد البخاري وكان ابن عمر ﵁: «إذا حج أو اعتمر قبض على لحيته فما فضل أخذه». وقوله: (وتوفر ولا تقص) تأكيد، قال الحطاب: «وحلق اللحية لا يجوز، وكذلك الشارب، وهو مثلة وبدعة، ويؤدب من حلق لحيته أو شاربه». اه (٣) وقال القرطبي: «لا يجوز حلق اللحية ولا نتفها ولا قص الكثير منها، فأما أخذ ما تطاير منها، وما يشوه ويدعو إلى الشهرة طولا وعرضا فحسن عند مالك وغيره من السلف». اه (٤). وإليه أشار المصنف بقوله: (قال مالك: ولا بأس بالأخذ؛ بمعنى: يستحب الأخذ من طولها إذا طالت كثيرا) (٥) والمعروف لا حد للأخذ منها إلا أنه لا يتركها لنحو الشهرة كما نقل ذلك الباجي، وحكى الطبري اختلافا فيما يؤخذ من اللحية هل له حد أم لا؟ فأسند عن جماعة الاقتصار على أخذ الذي يزيد منها على قدر الكف، وعن الحسن أنه يؤخذ من طولها وعرضها ما لم يفحش (٦)، (و) ما قاله مالك (قاله) قبله (غير واحد)؛ أي: أكثر من واحد كما نقل عنهم ذلك، منهم: جابر ﵁ بسند حسن قال: «كنا نعفي السبال إلا في حج

стр. 1434

أو عمرة» (١)، بل وفعله (من الصحابة) ابن عمر ﵄ وحديثه في «البخاري» و «الموطأ» (٢) وقد تقدم وفيه: «وكان ابن عمر ﵄ إذا حج أو اعتمر، قبض على لحيته فما فضل أخذه»، قال الحافظ ابن حجر: والذي يظهر أن ابن عمر كان لا يخص هذا التخصيص بالنسك، بل كان يحمل الإعفاء على غير الحالة التي تتشوه فيها الصورة بإفراط طول شعر اللحية أو عرضه (٣) اه. (و) هو قول كثير من (التابعين) كعطاء، والقاسم، وقتادة، والحسن، وابن سيرين، وغيرهم (٤)، وهؤلاء الأئمة الأربعة يذهبون إلى جواز الأخذ منها وأضيق المذاهب مذهب الشافعي ﵁ فإنه قيد جواز الأخذ في النسك. تنبيه: حديث: «كان يأخذ من لحيته من عرضها وطولها» حديث موضوع مكذوب كما نص على ذلك أهل الحديث (٥). • حكم خضاب الشعر بالسواد وغيره: الخضاب والصباغ بمعنى واحد هو ما يخضب به من حناء وكتم ونحوه. وفي «الصحاح»: الخضاب ما يختضب به؛ ويقال: اختضب بالحناء، وخضب الشيء يخضبه خضبا، وخضبه: غير لونه بحمرة أو صفرة أو غيرهما والاسم الخضاب (٦).

стр. 1435

وعلى هذا يمكن أن يعرف الخضاب بأنه كل ما يصبغ به، ويتغير به لون الشيء المصبوغ إلى حمرة وصفرة أو غيرهما. (ويكره صباغ الشعر الأبيض بالسواد من غير تحريم) لما كانت الكراهة تطلق ويراد بها التنزيه، وتطلق ويراد به التحريم دفع هذا الثاني بقوله: من غير تحريم، وهو قول مالك كما في «الموطأ» قال يحيى: «سمعت مالكا يقول في صبغ الشعر بالسواد: لم أسمع في ذلك شيئا معلوما، وغير ذلك من الصبغ أحب إلي، قال: وترك الصبغ كله واسع إن شاء الله، ليس على الناس فيه ضيق». اه (١). وهذا الحكم خاص بغير البيع والجهاد، أما في البيع فيحرم، وأما في الجهاد فاتفق العلماء على جواز الصبغ بالسواد، قال الحافظ: ويستثنى من ذلك - يعني: النهي عن الصبغ بالسواد - المجاهد اتفاقا. اه (٢) لإيهام العدو الشباب فيؤجر عليه، وكذا اتفقوا على تحريمه عند الزواج لخداع المرأة واختلفوا في غير ذلك، وانظر أصل هذا المختصر تجد فيه ما أشكل عليك من أمر الصبغ بالسواد، ومن أجازه من فقهاء الصحابة ﵃. (و) أما صبغه بغير السواد ف (لا بأس به بالحناء والكتم) بفتح التاء ورق السلم (شجر) وهو يصفر الشعر، والحناء تحمره. وقال مالك: الحناء والكتم واسع، والصبغ بغير السواد أحب إلي (٣). لقوله ﷺ : «إن أحسن ما غيرتم به الشيب الحناء والكتم» كما في حديث أبي ذر ﵁ (٤)، وكلام المصنف محتمل للندب والإباحة وهي أقرب، وقال ابن رشد في «البيان»: أما صبغ الشعر بالحنا والكتم والصفرة، فلا اختلاف بين أهل العلم في أن ذلك جائز (٥). وخلاصة القول: أن الصبغ بالسواد حكمه الكراهة عند السواد الأعظم

стр. 1436

من الأمة، وهو قول المذاهب الأربعة (١) حاشا بعض فقهاء الشافعية فإن لهم وجها في تحريمه .. أما ما عداه من الصبغ ففعله مسنون. ومن طريف ما قيل في معركة الشيب والخضاب ما أورده السمعاني قال: أنشدنا هبة الله بن طاوس: أنشدنا رزق الله التميمي لنفسه: وما شنأن الشيب من أجل لونه … ولكنه حاد إلى البين مسرع إذا ما دبت منه الطليعة آذنت … بأن المنايا خلفها تتطلع فإن قصها المقراض صاحت بأختها … فتظهر تتلوها ثلاث وأربع وإن خضبت حال الخضاب لأنه … يغالب صنع الله والله أصنع إذا ما بلغت الأربعين فقل لمن … يودك فيما تشتهيه ويسرع هلموا لنبكي قبل فرقة بيننا … فما بعدها عيس لذيد ومجمع وخل التصابي والخلاعة والهوى … وأم طريق الخير فالخير أنفع وخذ جنة تنجي وزادا من التقى … وصحبة مأموم فقصدك مفزع • أحكام اللباس: • قال المصنف رحمه الله تعالى: ﴿ونهى الرسول ﵇ الذكور عن لباس الحرير وتختم الذهب وعن التختم بالحديد، ولا بأس بالفضة في حلية الخاتم، والسيف، والمصحف، ولا يجعل ذلك في لجام ولا سرج ولا سكين ولا في غير ذلك﴾. ويتختم النساء بالذهب. ونهي عن التختم بالحديد، والاختيار مما روي في التختم والتختم في اليسار لأن تناول الشيء باليمين فهو يأخذه بيمينه ويجعله في يساره.

стр. 1437

واختلف في لباس الخز فأجيز وكره وكذلك العلم في الثوب من الحرير إلا الخط الرقيق. ولا يلبس النساء من الرقيق ما يصفهن إذا خرجن. ولا يجر الرجل إزاره بطرا ولا ثوبه من الخيلاء، وليكن إلى الكعبين فهو أنظف لثوبه وأتقى لربه. وينهى عن اشتمال الصماء وهي على غير ثوب يرفع ذلك من جهة واحدة ويسدل الأخرى وذلك إذا لم يكن تحت اشتمالك ثوب واختلف فيه على ثوب. ويؤمر بستر العورة. وإزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه. والفخذ عورة وليس كالعورة نفسها. ولا يدخل الرجل الحمام إلا بمثزر. ولا تدخله المرأة إلا من علة. ولا يتلاصق رجلان ولا امرأتان في لحاف واحد. ولا تخرج امرأة إلا مستترة فيما لا بد لها منه من شهود موت أبويها أو ذي قرابتها أو نحو ذلك مما يباح لها، ولا تحضر من ذلك ما فيه نوح نائحة أو لهو من مزمار أو عود أو شبهه من الملاهي الملهية إلا الدف في النكاح وقد اختلف في الكبر. ولا يخلو رجل بامرأة ليست منه بمحرم، ولا بأس أن يراها لعذر من شهادة عليها أو نحو ذلك أو إذا خطبها، وأما المتجالة فله أن يرى وجهها على كل حال. وينهى النساء عن وصل الشعر وعن الوشم. ومن لبس خفا أو نعلا بدأ بيمينه وإذا نزع بدأ بشماله. ولا بأس بالانتعال قائما. ويكره المشي في نعل واحدة.

стр. 1438

وتكره التماثيل في الأسرة والقباب والجدران والخاتم وليس الرقم في الثوب من ذلك وتركه أحسن). الشرح • حكم لباس الحرير والذهب للجنسين: ونهى الرسول ﵊ نهي تحريم الذكر (عن لباس)؛ أي: لبس (الحرير)؛ أي: والجلوس عليه والأدلة عليه كثيرة، ومنها: حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من لبس الحرير في الدنيا فلن يلبسه في الآخرة» (١). ويجوز عند الحاجة، كالأمراض الجلدية لنحو حكة كما سيأتي في كلام المصنف الحديث: «رخص النبي ﷺ للزبير وعبد الرحمن في لبس الحرير لحكة بهما» (٢). ويجوز أيضا إذا كان قليلا: كرقعة في الثوب أو تطريز، أو في أطراف الثوب. ونحو ذلك، بشرط ألا يزيد عرضه عن أربع أصابع، فعن سويد بن غفلة أن عمر بن الخطاب ﵁ خطب بالجابية (٣)، فقال: «نهى نبي الله عن لبس الحرير، إلا موضع أصبعين، أو ثلاث، أو أربع» (٤). (و) عن (تختم الذهب)؛ أي: ويحرم على الذكر لبس الخاتم إن كانت من ذهب، فعن علي ﵁ قال: «أخذ رسول الله ﷺ ذهبا بيمينه، وحريرا بشماله، ثم رفع بهما يديه فقال: هذان حرام على ذكور أمتي» (٥). وقد وردت النصوص الشرعية بالوعيد الشديد لمن لبس الذهب من الرجال، ولكن مع الأسف فهناك ثلة من المسلمين لم يرتدعوا بل

стр. 1439

عصوا الله ، وتمردوا على أوامر نبيه ﷺ ، فما أصبرهم على النار. ومما يجب ذكره إلحاقا للفائدة، أن الخاتم لو كان فضة، وجعل فيه جزء يسير جدا من الذهب فهو غير جائز، بل محرم، وهذا يعني أن خاتم الرجال يجب أن يخلو تماما من الذهب، ولو رش بماء الذهب، أو كان مموها بالذهب، فكل ذلك حرام، ومثله الساعة الملبسة بالذهب أو المطلية به، وكذا النظارة، والأقلام الذهبية فالرجل فحولته تأبى الخنوثة. • ما يباح لبسه وتلبيسه، وما يحرم من الخواتم وغيرها: (و) نهى ﵊ (عن التختم بالحديد) فعن بريدة ﵁، أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ وعليه خاتم من حديد فقال: «ما لي أرى عليك حلية أهل النار» فطرحه، ثم جاءه وعليه خاتم من شبه (نحاس أصفر) - فقال: «ما لي أجد منك ريح الأصنام فطرحه، قال يا رسول الله: من أي شيء أتخذه؟ قال: من ورق، ولا تتمه مثقالا» (١)، قال الخطابي (٢): إنما قال في خاتم الشبه النحاس الأصفر «أجد منك ريح الأصنام» لأن الأصنام كانت تتخذ من الشبه اه. والنهي عن لبس خاتم الحديد ينبغي أن يحمل على ما إذا كان حديدا صرفا، لخبر معيقيب قال: «كان خاتم النبي ﷺ من حديد ملوي عليه فضة، قال: فربما كان في يده، وكان المعيقيب على خاتم النبي ﷺ » (٣). ومما يكره لبسه من الخواتم للرجال والنساء، خاتم الحديد والصفر

стр. 1440

والنحاس والرصاص، لأن الحديد حلية أهل النار، قال تعالى: ﴿ولهم مقامع من حديد﴾ [الحج: ٢١]. (ولا بأس بالفضة في حلية الخاتم) أراد بحلية الخاتم أن يكون الخاتم من فضة، لما في «الصحيحين» «أنه اتخذ خاتما من ورق فكان في يده، ثم كان في يد أبي بكر من بعد، ثم كان في يد عمر، ثم كان في يد عثمان ﵃ أجمعين، حتى وقع في بئر أريس» (١) كجليس قريبة من مسجد قباء وقد بالغ عثمان في التفتيش عليه ونزح البئر ثلاثة أيام وأخرج جميع ما فيه فلم يجده ولعل في ذلك حكمة، ولما مر من الأحاديث المبيحة للفضة، ورأى المالكية أن الخاتم المأذون فيه شرعا لا يجوز له أن يتعدى وزنه وزن درهمين شرعيين أو أقل، وهو ما يعادل = ٢، ٩٧٥ جراما، فإن زاد عن درهمين فهو حرام (٢)، وليس ثمت دليل صحيح يحرم ما زاد والله أعلم. (و) لا بأس بتحلية (السيف) لحديث أنس ﵁: «كان نعل سيف رسول الله ﷺ من فضة، وقبيعة (٣) سيفه فضة، وما بين ذلك حلق فضة» (٤). (و) لا بأس بتحلية (المصحف) لوجوب تعظيمه واحترامه الذي يدل عليه حرمة مسه للمحدث، وعدم السفر به إلى أرض العدو الثابت في السنة كما سبق في موضعه، (ولا يجعل ذلك) المذكور من التحلية بالفضة (في لجام ولا سرج ولا سكين) ولا في غير ذلك من آلات الحرب اقتصارا على ما ورد الشرع به.
следующие страницы →